← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

* قوله: (وَفي ذَلِكَ مَسَائِلُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا. فَمِنْهَا الأَمَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ، وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ). إذا كان هناك شرك، يعني شراكة بين اثنين، ومن ذلك إماء أو أمة، فوقع أحد الشريكين على تلك الجارية بدعوى أنها ملك له، وأن له نصيبًا منها، أي: أنه شريك في ملكها، فهل تعتبر هذه في الحقيقة شبهة؟ الجواب: نعم، هذا هو رأي جماهير العلماء؛ لأن له ملكًا فيها، وهذا الملك يعتبر شبهة، لا بمعنى أنه يبيح له الوطء؛ وإنما القصد بقولهم شبهة هو أنه يدرأ عنه الحد عند جماهير العلماء. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهِ، وَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة) (٢). وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، إذن الأئمة الأربعة يرون

стр. 9627

أن من وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، فإنه يدرأ عنه الحد، فهو قد ارتكب معصية وذنبًا، لكن يدرأ عنه الحد؛ لوجود الشبهة، لكن لو قدر أنها حبلت منه فجاءت بولد، فما ذنب هذا الولد؟ قالوا: يلحق به نسبًا. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعَزَّرُ (١). وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا إِذَا عَلِمَ الْحُرْمَةَ (٢). وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ ﵊: "ادْرَؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ") (٣). هذا الحديث جاء بألفاظ عدة "ادرؤوا الحدود بالشبهات" "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" (٤) وألفاظ كثيرة جدًّا، وعندما تفردها تجد أنها متكلم فيها، لكن العلماء جمعوا تلك الطرق وقالوا بأنها صالحة للاحتجاج بها، وإذا طبقت هذه على أصول الشريعة تجد أنها تلتقي معها؛ فإن هذه الشريعة قامت على أمور، منها التيسير ورفع الحرج، فهذه أمور قد يحصل فيها خطأ من بعض الناس، فتكون تلك الشبهة بذلك رافعة لذلك الحد. * قوله: (وَالَّذِينَ دَرَؤوا الْحُدُودَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ صَدَاقِ المِثْلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ؟ أَمْ لا يَلْزَمُ؟). هذه مسألة مختلف فيها، وقد مرت في كتاب النكاح، وعرضنا لها

стр. 9628

إذا وطئ إنسان امرأة بشبهة، فهل يثبت لها الصداق؟ (١)، هل هناك فرق بين من تطاوع ومن لا تطاوع؟ المكرهة هل يختلف أمرها عن غيرها؟ فيه مسائل كثيرة مرت في النكاح. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُغَلَّبُ مِنْهَا حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ؟ أَمْ حُكْمُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ يُغَلَّبُ عَلَى حُكْمِ الَّذِي يَمْلِكُ؟). القصد أن له ملكًا ولغيره ملكًا، فهل يغلب ملكه على ملك غيره أو ملك غيره على ملكه؟ هل يغلب ملكه على ملك غيره؛ لأنه له نصيب وقد حصل منه ذلك، أو يغلب ملك غيره عليه؛ لأنه قد تعدى وتجاوز الحد؟. والحقيقة أن سبب الخلاف هو شبهة الملك، يعني هو يملك، لا يملكها ملكًا كاملًا فهذه الشبهة كونه يملك جزءًا منها هي التي درئ عنه بها الحد.

стр. 9629

* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَ مَا مَلَكَ الحِلِّيَّةُ، وَحُكْمَ مَا لَمْ يَمْلِكِ الْحُرْمِيَّةُ). بدليل أنها لو كانت كلها له لكانت له حلالًا، له أن يطأها وينظر أيضًا إلى ما شاء منها. * قوله: (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلِ الْمُجَاهِدِ يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ). معلوم أن المغنم هو ما يغنمه المسلمون في الجهاد، وهذا المغنم في الأصل يكون ملكًا عامًّا للمجاهدين، ثم بعد ذلك يمر بمراحل؛ يحرز ثم بعد ذلك يقسم، فإذا قسّم وأخذ كل واحد نصيبه، فإنه يكون ملكًا له، ولكن عندما يحرز قبل أن يقسم، أو إذا قسم ولم يأخذ كل واحد نصيبه، فهنا يحصل الخلاف، لكن إذا حاز كل واحد من أصحاب الأسهم سهمه أو أسهمه، فإنه لا يجوز التعدي عليه؛ لأنه يكون ملكًا خاصًّا به، فيكون التعدي عليه كالتعدي علي سائر أملاكه، ومعلوم أن الغلول محرم ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وأنه لا يجوز أيضًا الأخذ منه. ولكن العلماء يختلفون في أمور بالنسبة للجهاد فيما يتعلق أيضًا بالدواب التي تركب للجهاد، التي نقول الآن عنها سيارات. * قوله: (فَقَالَ قَوْم: عَلَيْهِ الْحَدّ (١)، وَدَرَأَ قَوْم عَنْهُ الْحَدَّ، وَهُوَ أَشْبَهُ) (٢).

стр. 9630

وهو أشبه بالقواعد وبما مضى، وهو رأي الأكثر؛ لأنهم قالوا: له حق في تلك الأسهم. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَاحِد، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَنْ يُحِلَّ رَجُل لِرَجُلٍ وَطْءَ خَادِمِهِ). يعني خادمته، يعني إنسان له جارلة فيدعو آخر إليها، فيقول: أنا آذن لك بوطئها، فهل هذا الوطء يحل ذلك المحرم؟ لم يقل أحد بأنه يحل، لكنها تكون شبهة، فهو يملك تلك الجارية، وله هو أن يطأها متى شاء، وقد أذن لغيره أو أحلها لغيره، فهل يكون ذلك شبهة للمحلل له أن يطأها فيدرأ عنه الحد؟ أو لا يكون ذلك؟. * قوله: (فَقَالَ مَالِك: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ (١)، وَقَالَ غَيْر: يُعَزَّرُ،

стр. 9631

وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: بَلْ هِيَ هِبَة مَقْبُوضَة) (١). وعند الحنابلة يقام عليه الحد (٢)، ولم يعرض لمذهبهم، فهم يرون أنه يقام عليه الحد ولا شبهة في ذلك لأنه لا يجوز، فلا فرق عندهم بين أن يأذن أو لا يأذن؛ لأنها لا تجوز له أصلًا، ولا شبهة في ذلك. * قوله: (وَالرَّقَبَةُ تَابِعَة لِلْفَرْجِ) (٣). يعني بعضهم يتأولها؛ لأنه عندما يأذن له يوطئها، كأنه أهداها إليه، أعطاها إياه. * قوله: (وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَقَعُ عَلَى جَارِيَةِ ابْنِهِ أَوِ ابْنَتِهِ). يعني ابن له جارية أو ابنة لها جارية، فيأتي الأب فيقع على تلك الجارية: هل هناك شبهة؟ الجواب: نعم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أنت ومالك لأبيك" (٤)،

стр. 9632

وهذه من مال الابن، فكأنها داخلة في مال الأب، فهذه شبهة، وفي الحديث الآخر: "لا يقاد الوالد بولده" (١) فاعتبر جمهور العلماء أن تلك شبهة فلا يقام الحد على الأب. * قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ (٢): لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: لِرَجُلٍ خَاطَبَهُ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ"، وَيقَوْلِهِ ﵊: "لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ") (٣). "أنت ومالك لأبيك" مر بنا هذا الحديث عدة مرات، وفيما إذا أخذ الوالد من مال ولده فإن ذلك جائز له عند الحاجة، وأنه أيضًا لا يقطع الوالد بأخذه من مال ولده، وأنه كذلك لا يقاد الوالد من ولده، وقد مر

стр. 9633

بنا في كتاب القصاص؛ سواء كان ابنه مباشرة، أو وابنه وإن نزل. * قوله: (وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ) (١). يعني لو أن أبًا أخذ مالًا من ابنه من حرز، فلا يقطع به؛ لهذا الحديث: "أنت ومالك لأبيك" (٢) وحديث آخر: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" (٣)، فالأب هو السبب في وجود الابن بعد الله ، ولذلك مهما عمل الابن لوالديه أو لأحدهما فإنه لا يدرك جزاءه، وقال العلماء: لا يدرك جزاء الأب إلا في حالة واحدة، أن يكون

стр. 9634

الوالد مملوكًا فيشتريه الابن فيحرره (١)، وبعض أهل العلم يقول: لا يحتاج أن يحرره؛ لأنه يعتق عليه بمجرد ملكه له، كما مر. إذن، الأب كان سببًا في وجود هذا الابن بعد الله ، فكأنه هو السبب في هذه الحياة الدنيا، وأيضًا المملوك كأنه لا وجود له أيضًا في الحياة؛ لأنه لا يتصرف في أموره، ولا ينظر في شأنه، فإذا ما أصبح حرًّا انتقل من حال إلى حال، فأصبح حرًّا يتصرف كما يتصرف الأحرار، فكأنه انتقل من العدم إلى الوجود. * قوله: (وَلذَلِكَ قَالُوا: تُقَوَّمُ عَلَيْهِ حَمَلَتْ أَم لَمْ تَحْمِلْ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ أَيْضًا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الأَبَ لَوْ قَتَلَ ابْنَ ابْنِهِ لَمْ يَكُنْ لِلابْنِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَبِيهِ). حملت أو لم تحمل؛ لأنه أصبح لا يجوز الآن للابن أن يطأ موطوءة والده. ومن العلماء من ينزل الجد منزلة الأب، ولكن يختلفون في الجد بالنسبة للميراث وحجبه للإخوة، هل يحجبهم أو لا يحجبهم؟ وقد مر بنا أيضًا. * قوله: (وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ الابْنُ لَهُ وَليًّا، وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَطَأُ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ). هذه من المسائل التي فسر العلماء القول فيها، وتعددت أقوالهم، يعني رجل له امرأة وهذه المرأة لها جارية، فقام الرجل فوطئ جارية امرأته، أي: مملوكة امرأته، فهل يقام عليه الحد؟ أم لا؟ المؤلف هنا خلط بعض الشيء في أقوال العلماء، فنحتاج إلى أن ننتبه إلى ذلك ونصحح الأقوال.

стр. 9635

* قوله: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ مَالِك وَالْجُمْهُورُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا). الجمهور هو الأئمة أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢) مع مالك (٣)، وأحمد (٤)، لكن أحمد فصّل القول في ذلك، ففرق بين أن تأذن له أو لا، فإن لم تأذن فهو مع الجمهور في أنه يقام عليه الحد، بمعنى أنه يقام عليه الحد حسب ما هو عليه من حال، إذن القول الأول وهو قول جمهور العلماء من الأئمة وغيرهم، وذلك أيضًا مروي عن الصحابة؛ عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب (٥)، وعن بعض التابعين؛ كعطاء

стр. 9636

وقتادة (١) قالوا: إذا وطئ الزوج جارية امرأته فإنه يقام عليه الحد، ولا فرق عند هؤلاء بين أن تأذن له أو لا تأذن؛ لأنه لا شبهة له في ذلك، يعني ليس له شبهة يتمسك بها، فلا يجوز أن يفعل ذلك، هذا هو القوله الأول. *قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَة: لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ، فَيَغْرَمُهَا لِزَوْجَتِهِ إِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا قُوِّمَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ حُرَّةٌ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣). وَالأَوَّلُ قَوْلُ عُمَرَ) (٤). هذا الذي قالًا المؤلف ليس قولًا لأحمد، فقد خلط؛ فهو قوله ابن مسعود كما ذكر والحسن البصري (٥)، فهذا هو قولهما، والرواية الأُخرى عن الإمام أحمد (٦) سنشير إليها بعد قليل إذا وصلنا إليها. إذن القول هو قوله جمهور العلماء بأن من وطئ جارية امرأته فإنه يقام عليه الحد، ولا فرق بين أن تأذن له أو لا تأذن، هذا هو رأي

стр. 9637

الجمهور، ولكن الإمام أحمد يوافقهم في إحدى الصورتين؛ إذا لم تأذن له، فإذا لم تاذن له فهو مع الجمهور بأنه يقام الحد، أما إذا أذنت له فيقام عليه حد الجلد كما سيأتي يعني يجلد مائة، ولا فرق بين المحصن وغيره في هذا الأمر. * قوله: (وَرَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّاِ عَنْهُ (١)، وَقَالَ قَوْم: عَلَيْهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ فَقَطْ؛ سَوَاء أكَانَ مُحْصَنًا أَمْ ثَيَبًا) (٢). هذا هو قول الإمام أحمد، وهذه هي الرواية الأُخرى عن الإمام أحمد، ويستدل أصحاب هذا القول بما جاء في قصة عبد الرحمن بن حنين، فيما رواه أبو داود في سننه (٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤) أن عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، يعني وطئها، فرفع ذلك إلى النعمان بن بشير وكان ﵁ واليًا على الكوفة، فقال له: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ ، إن كانت قد أحلتها لك جلدناك مائة جلدة وإن لم تكن قد أحلتها لك رجمناك، فسألها، فكانت قد أحلتها له، أي: أذنت له، وبهذا قال الإمام أحمد واستدل بهذا الأثر؛ لأنه قال: أقضي فيك بقضاء رسول الله ﷺ ، ثم وجد أنها قد أذنت له. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ). والذي قال: عليه التعزير، هو الإمام النخعي (٥) أحد التابعين؛

стр. 9638

لأن الشبهة في نظره ضعيفة، فينبغي أن يعزر، فالأقوال أربعة هنا، وهي: الأول: مذهب ابن مسعود ومن معه، وهو أنه يدرأ عنه الحد. الثاني: قول الجمهور، وهو أنه يقام عليه الحد مطلقًا. الثالث: هو قول الإمام أحمد، وفيه التفصيل والفرق بين أن تأذن له فيجلد مائة جلدة فقط، أو ألا تأذن له فيقام عليه الحد كاملًا كما هو مذهب الجمهور. الرابع: قول إبراهيم النخعي، وهو التعزير. فهذه أقوال العلماء في هذه المسألة. - قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَنَّهُ وَطِئَ دُونَ مِلْكٍ تَامٍّ، وَلَا شَرِكَةِ مِلْكٍ، وَلَا نِكَاحٍ فَوَجَبَ الْحَدُّ). إذن هنا الجمهور قال: ليس هناك نكاح ولا عقد نكاح ولم تكن أيضًا جارية له ولا هناك شبه مالك، إذن كل ذلك نفي ونقول أيضًا لأنه لا شبهة له في ذلك يعني ليس له شبهة أيضًا من أدلة الجمهور يتمسك بها فيدرأ عنه الحد. - قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ دَرَأَ الْحَدَّ مَا ثَبَتَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﵊ قَضَى فِي رَجُلٍ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ إِن كانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرَّةٌ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا لِسَيِّدَتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِسَيِّدَتِهَا مِثْلُهَا") (١). بالنسبة للمكره والمكرهة، هذه تكلم عنها العلماء، فالمؤلف لم يعرض لذلك، أما بالنسبة للمكرهة فالعلماء قد أجمعوا (٢) أنه يدرأ عنها الحد لقول

стр. 9639

رسول الله ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١)، ولأن ذلك حصل أيضًا في زمن عمر ﵁ عندما نقل إليه أن بعض غلمان الإمارة وطئ بعض الإماء، فأدب عمر ﵁ الغلمان ولم يقم شيئًا على الجواري (٢)، وكذلك أثر عن علي ﵁، هذه بالنسبة للجارية؛ لأنها مكرهة (٣). أما بالنسبة للرجل إذا أكره على الزنا ففيه خلاف (٤)، فبعض العلماء

стр. 9640

يرى أنه لا حد عليه، وهو قول الشافعية قولًا واحدًا، وقد صححه بعض الحنابلة، وبعض العلماء يرى أن المكره يقام عليه الحد، قالوا: لأن الوطء لا يحصل فيه الانتشار مع الإكراه والغصب، وبعضهم قال: قد يحصل، فهذا هو سبب الخلاف، ومن قالوا من أهل العلم: لا يقام، يحتجون بعموم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). فهذه من المسائل التي يختلف فيها العلماء، فلا تسقط عن المكره جميع الأحكام، فلو أن إنسانًا أكره على قتل إنسان فليس له أن يقتله (٢)؛ لأنه عندما أراد قتله أراد أن يحفظ مهجة نفسه؛ فليست نفسه بأغلى وأعز من نفوس الآخرين، هذه مسألة فيها خلاف (٣)، وكذلك أيضًا شهادة

стр. 9641

الزور، لو شهد إنسان على آخر زورًا مكرهًا وترتب على ذلك القصاص؛ فإن هذا أيضًا لا يسقط عنه الواجب، ولكن بالنسبة للقذف وبالنسبة للسرقة قالوا: هذا يجوز له، وبعد ذلك يبرأ المقذوف، ويرد الحق إلى أصحابه هذه من المسائل الكثيرة التي تتعلق بأحكام المكره. - قوله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي مَالِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: "تنكَحُ الْمَرْأَةُ لِثَلَاثٍ … "، فَذَكَرَ مَالَهَا). المؤلف يشير هنا إلى أن له شبهة ملك؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الزوج يملك زوجته، فليس المراد بأنه يملك رقبتها، ولكنه يملك أمرها "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (١) كما جاء في الحديث، فقالوا: هنا شبهة، فإذا كان يملكها، يعني يملك مالها أو بعض مالها على قول أو يملك تصرفها على القول بأن من العلماء من يرى أن المرأة ليس لها تصرف إلا بإذن زوجها ومنهم من يرى أنها لا تبيع ولا تشتري إلا بإذن زوجها، فبعضهم اعتبر هذه شبهة ولكنها شبهة ضعيفة. - قوله: (وَيَقْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا مِنْ زَوْجِهَا) (٢).

стр. 9642

هذا معروف، اشتهر في مذهب المالكية، وسيشير إليه المؤلف. - قوله: (فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ، أَوْ فِي الثُّلُثِ فَمَا فَوْقَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). أكثر العلماء على أن هذا ليس بصحيح، بدليل قصة زوجة عبد الله بن مسعود مع زوجها عندما جاءت إلى رسول الله ﷺ وأرادت أن تتصدق، فبيّن لها أن الأولى أن تتصدق على زوجها (١)، فلو كان يملك مالًا ما احتاج الأمر إلى ذلك، فالمرأة تملك، وهذه من الأمور التي أعطاها الإسلام إياها، وليس كما يدّعي أعداء الإسلام أن المرأة لا قيمة لها ولا كيان، وأنها على النصف من الرَّجل في كثير من الأحكام وأن ميراثها هو نصف الرجل، فلماذا هضموا هذا الحق، ونسوا أن الرجل يتحمل مسؤوليات ويقوم بإعداد النفقات؟! أما المرأة فعادة يكفلها زوجها، وهناك كلام كثير لبعض أعداء الإسلام ومن ينتسبون إلى الإسلام وهم لا يعرفون الإسلام، فإنهم يسيئون إليه، وربما يسيئون إليه أكثر من غير المسلمين؛ لأن غير المسلمين المنصفين إذا وقفوا على حقيقة الإسلام فإنهم يشهدون به، كما رأينا ذلك

стр. 9643

فيما مضى في تلك الأسابيع التي كانت تعقد عن الفقه الإسلامي، فإن كثيرًا من المستشرقين أشادوا بقيمة الفقه الإسلامي ومكانته فإنه إن حصل تقصير فهو من المسلمين؛ فهم الذين لم يبينوا ذلك الكنز وينقلوه إلى الآخرين. إذن، الإسلام قد كرّم المرأة، ومعلوم ما كانت عليه من الذل والهوان في الجاهلية، وأن الإسلام رفع من شأنها وتجد أن الله تعالى يخاطبها في الكتاب العزيز وتدخل ضمن المؤمنين ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى غير ذلك، والكلام في هذا يطول، لكن الإسلام قد حفظ للمرأة حقها، وكونه مقرًّا لها في بيته، فذلك؛ لأنها جوهرة ثمينة يريد صيانتها وحفظها عن أعين الأشرار، والإسلام أيضًا عندما خفف عنها بعض الأمور، أو أسقط عنها بعض الأمور، فإنما ذلك في مقابل أمور أُخرى، وليس ذلك تقليلًا من شأنها، ولا إذهابًا لمكانتها وعزتها، بل لها المكانة، فالمرأة أمّنا أو أختنا أو جدتنا أو عمتنا أو خالتنا أو ابنتنا. - قوله: (وَمِنْهَا مَا يَرَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ دَرْءِ الْحَدِّ عَنْ وَاطِئِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْجُمْهُورُ (١) عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ) (٢).

стр. 9644

يعني لو أن إنسانًا استأجر جارية لتعمل عنده، هل هذا يكون شبهة له إن وطئها؟ هذا قول انفرد به أبو حنيفة، وخالفه جماهير العلماء، وذموا هذا القول وضعفوه، وهو قول حقيقة لا أصل له؛ لأن المنفعة هنا إنما تتعلق بمنفعة الخدمة، لكن المنفعة لا تتعلق بالفرج، ولذلك رد العلماء ذلك، ولم يعتبروه شبهة. - قوله: (وَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ وَمَرْغُوبٌ عَنْهُ). ومرغوب عنه يعني معدول عنه؛ لأنه لا أساس له ولا قيمة له، وأي قول لأي عالم مهما كان، لا يستند إلى دليل من كتاب أو من سنة أو ما يتفق مع مقاصد هذه الشريعة الإسلامية، فإنه يُرد من أي إنسان؛ لأنه لا أصل لهذا القول، فلا ينبغي أن يؤخذ به؛ لأن هذا يفتح أبوابًا من الشر، فيترتب عليه مفاسد كثيرة. - قوله: (وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ أَشْبَهَتْ سَائِرَ الْمَنَافِعِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا عَلَيْهَا، فَدَخَلَتِ الشُّبْهَةُ، وَأَشْبَهَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ (١)). الآن أشار المؤلف إلى نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل امرأة لمدة معينة، فهل يجوز ذلك (٢)؟

стр. 9645

هذا كان جائزًا في أول الأمر، ثم نهي عنه، ثم جاز، ثم أخيرًا نهي عنه النهي المحتم (١)، وكانت إباحة نكاح المتعة لأسباب؛ لأن المسلمين كانوا في غزوٍ، في جهاد، وكانوا بعيدين عن أهليهم، فكان ذلك جائزًا في الجاهلية وفي أول الإسلام (٢)، ثم نسخ؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الوحشية (٣)، كذلك أيضًا مما نُهي عنه نكاح الشغار (٤)، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوجه أخته ولا مهر بينهما، فهذا فيه ضرر، ولذلك نهى عنه الإسلام (٥).

стр. 9646

وكذلك أيضًا نكاح التحليل (١)، وهو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا،

стр. 9647

فلا تحل له حتى تنبهح زوجًا غيره كما قال : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ فيطؤها الواطئ كما في حديث رسول الله ﷺ : "لا، حتى تذوقي عسيلته وبذوق عسيلتك" (١) إذن لا بد من ذلك، فنكاح

стр. 9648

المتعة ونكاح التحليل ونكاح الشغار، وكذلك أيضًا النكاح بغير ولي ودون شهود، هذه مسائل اختلف فيها العلماء، فاعتبر اختلاف العلماء فيها شبهة. معلوم أن جماهير العلماء يقولون: لا يجوز أن يتزوج رجل امرأة إلا بولي وشاهدي عدل؛ لقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (١)، ولكن أبا حنيفة (٢) ﵀ ومعه بعض العلماء (٣) يقول: يجوز النكاح بغير ولي، والجمهور -وهم الأئمة الثلاثة (٤) ومن معهم- يستدلون بحديث:

стр. 9649

"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" والحنفية يستدلون بعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. فنسب ذلك إليهن، وقالوا: الرسول ﷺ تزوج صفية دون ولي، ونقول بأن رسول الله ﷺ لا يقاس عليه غيره؛ فهو ولي المؤمنين، والمسألة فيها كلام كثير للعلماء، وأخذ ورد. وبالنسبة للشهود فمالك (١) هو الذي خالف في ذلك، فيرى أن النكاح لا يشترط فيه الشهادة، فهو يستحبها، لكنه لا يشترطها، وغيره من العلماء يرون أن النكاح فاسد، فمالك يعتبر أن المقصود من النكاح هو إعلانه، إشهاره بين الناس؛ حتى لا يكون هناك اختلاط للأنساب، ولذلك قال الرسول ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدف" (٢) وجمهور

стр. 9650

العلماء (١) يتمسكون بذلك الحديث: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل باطل باطل" (٢). فهذه من المسائل المختلف فيها، ولذلك تعتبر شبهة، فلو أن إنسانًا تزوج امرأة بغير ولي، أو من غير أن يوجد شهود، فحينئذ قالوا: لا تأثير لذلك، والشهادة فائدتها فيما لو حصل خلاف بعد ذلك ففيها إثبات الزواج والنسب وغير ذلك. وهناك أيضًا أنكحة يختلف فيها العلماء، ولكن بحضهم يقطع بتحريمها، كأن يتزوج امرأة متزوجة (٣) ينكحها، تخفى عليه فيتزوجها، فإذا

стр. 9651

أخفي عليه فإنه يدرأ عنه الحد لكن لو علم فيقام عليه الحد عند أكثر العلماء، وكأن يتزوج امرأة في عدتها (١)، وهذا لا يجوز أيضًا، أو يتزوج

стр. 9652

امرأة مطلقة، أو التي طلقها ثلاثًا دون أن تحل له (١)، وغير ذلك من

стр. 9653

الأمثلة، وهذا ما يعرف بالنكاح الباطل وصوره كثيرة، فبعض العلماء أو أكثرهم يرى إقامة الحد، وبعضهم يعتبره شبهة. - قوله: (وَمِنْهَا دَرْءُ الحَدِّ عَمَّنِ امْتَنَعَ، اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا). قصده المطلق الذي ذكرت وأشرت إليه قبل قليل، والمكره هل يقام عليه الحد أو لا؟ قلت: الشافعية يرون أنه يدرأ عنه الحد، وبعض الحنابلة يقولون: يقام عليه الحد، ولكن بعض الحنابلة أخذوا بقول الشافعية وقالوا: هو الصحيح، ويستدلون بحديث: "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسبان وما استكرهوا عليه" (١)، فالمكره لا أثر له في الفعل، وبعضهم يقول: لا؛ إن الوطء فيه انتشار، والانتشار لا يقوم إلا عن رغبة من الإنسان، فلو كان فعل مكرهًا لا رغبة له لا يحصل. - قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَالأَنْكِحَةُ الْفَاسِدَةُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ). وهي كما قلنا: نكاح المتعة، الشغار، أن يتزوج خامسة، أو أن يتزوج امرأة في عدتها، فهذه من الأنكحة الباطلة التي لا تجوز، ويبطل النكاح بها لكن هل يدرأ الحد أو لا؟. - قوله: (وَأَكْثَرُهَا عِنْدَ مَالِكٍ تَدْرَأُ الْحَدَّ إِلَّا مَا انْعَقَدَ مِنْهَا عَلَى شَخْصٍ مُؤَبَّدِ التَّحْرِيمِ بِالْقَرَابَةِ). يعني لو قدر أن إنسانًا اشترى أمه أو أخته، فهل له أن يطأها بحكم الملك؟ الجواب: لا، لا يجوز. هل يدرأ عنه الحد لو حصل؟ الجمهور على أنه لا يدرأ عنه الحد.

стр. 9654

ولكن الذي فيه خلاف هو الجمع بين الأختين يملك اليمين (١)، كما قال عثمان ﵁: أحلتهما آية وحرمتهما آية (٢). - قوله: (مِثْلَ الْأُمِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ). ما أشبه ذلك كالأخت. قال المصنف ﵀:

стр. 9655

(البَابُ الثَّانِي فِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ وَعُقُوبَاتِهِمْ) هذَا البَاب عقَده المؤلف في بيان أصناف الزُّناة. - قوله: (وَالزُّنَاةُ الَّذِينَ تَخْتَلِفُ العُقُوبَةُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: مُحْصَنُونَ ثُيِّبٌ، وَأَبْكَارٌ، وَأَحْرَارٌ، وَعَبِيدٌ وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ). فالزناة ليسوا صنفًا واحدًا فهناك المحصن (١)، وهناك غير المحصن، وهناك الحر، وهناك العبد، وهكذا. أما الكفار فإذا حصل من أحدهم الزنا ورفعوا الأمر إلى المسلمين، فإنه يقام عليهم الحد، كما في قصة اليهوديين اللذيْن زنيا، فأقام رسول الله ﷺ عليهما الحد (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ

стр. 9656

احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. - قوله: (وَالحُدُودُ الإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: رَجْمٌ (١)، وَجَلْدٌ، وَتَغْرِيبٌ) (٢). قوله: (والحدود الإسلامية ثلاثة) أي بالنسبة للزنا، فهناك الرجم وهناك الجلد وهناك التغريب ثم نقسمهم (أي: الزُّنَاة) إلى قِسْمَيْنِ: محصن وغير محصن رجلًا كان أو امرأة، فالمحصن هل يكتفى معه بالرجم أو أنه يجلد أولًا ثم بعد ذلك يرجم، وبالنسبة للبكر هل يكفي أن يجلد مائة جلدة أو لا بد من جلد مائة وتغريب عام؟ ثم هل هناك فرق بين الذكور والإناث بالنسبة للتغريب وسيأتي تفصيل كل هذه المسائل.

стр. 9657

- قوله: (فَأَمَّا الثُّيَّبُ الأَحْرَارُ المُحْصَنُونَ فَإِنَّ المُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّهُمُ الرَّجْمُ إِلَّا فِرْقَةً مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، فَإِنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ حَدَّ كُلِّ زَانٍ الجَلْدُ). أجمع العلماء على أن الثيب المحصن حده الرجم (١)، ولم يخالف في ذلك إلا فرقة من أهل الأهواء لم يذكرها المؤلف بعينها، وهم الخوارِج (٢)، وشبهتهم أن الله قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فليس في كتاب الله إلا الجلد، وما جاء في السنة فهي أخبار آحاد (٣) قد يتطرق إليها الكذب. فكأنهم يقولون: إنما نعمل بما جاء في كتاب الله فقط. وهذا ما خاف عمر ﵁ وقوعه، ولذا خطب الناس فقال ﷺ : "إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه القرآن وكان مما أنزل عليه هي آية الرجم قرأتها وعقلتها ووعيتها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده وإني أخشى أن يطول بالناس زمان فيأتي أناس فيقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله ؛ فيضلون بترك تلك الفريضة" (٤)، وقد تحقق وَوَقع ما خشيه ﵁ ثم تلا الآية: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا

стр. 9658

من الله والله عزيز حكيم" (١)، وذلك في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم. وهذه كانت آية مثبتة في سورة الأحزاب (٢)، ولكن نسخ رسمها وبقي حكمها، وإنما نسخت رسمًا عن القرآن تكريمًا للشيخ والشيخة؛ لأن مكانتهم ينبغي أن تكون حصنًا وحافظًا لهما من الوقوع في ذلك، ولذلك من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أُشَيْمِط زان (٣). مناظرة عمر بن عبد العزيز ﵁ للخوارج (٤): ذُكِر أنهم دخلوا عليه فقالوا: إن مما نأخذ عليكم أنكم تقولون بالرجم، والرجم ليس في كتاب الله، وإنما الذي في كتاب الله

стр. 9659

الجلد، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فأين الرجم الذي تقولون به؟ وتقولون أيضًا: إن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، والصلاة آكد وأعظم من الصيام، فلماذا تقولون بذلك؟ فقال عمر بن عبد العزيز ﵁: من أين عرفتم عدد الصلوات وأركانها وشرائطها وواجباتها ومواقيتها، وكيف عرفتم أنصبة الزكاة ومقادريها؟ فتفرقوا ثم ذهبوا ليبحثوا عن الحكم فعادوا إليه فسألهم فقالوا: لم نجدها في كتاب الله ، قال: فأين وجدتم ذلك؟ قالوا: وجدناها في سنة رسول الله ﷺ ، وفعله المسلمون من بعده، فقال عمر بن عبد العزيز ﵀: وهذا أيضًا -أي الرجم- ثبت عن رسول الله ﷺ من قوله وفِعْله حيث رجم، وقال ﷺ : "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم" (١)، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فإنه ثبت عنه ﷺ أن أمر الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة كما في حديث عائشة المتفق عليه (٢) وغيره. فألزمهم الحجة. ولا عبرة بخلاف الخوارج هنا، فهم الذين خرجوا على الأئمة واستباحوا دماء المسلمين وقاتلوهم وبدأ خروجهم في زمن علي ﵁ (٣)، وشُغِلت الدولة الإسلامية عن الفتح والقيام بشؤون المسلمين بجهادهم ومقاتلتهم، وكم ذهب من دماء المسلمين وكم مُزِّقت من صفوف وكم تأثر المسلمون بأولئك وأمثالهم ممن خرجوا عن الطريق السَّوِي.

стр. 9660

أدبيات: يستفاد من موقف عمر بن عبد العزيز ﵁ مع الخوارج أن يتعلم الداعية الأسلوب الرشيد الذي ينبغي أن يسلكه في دعوته ولذلك قال الله تعالى في مجادلة أهل الكتاب: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، ولما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن قال: "إنك ستأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" (١). إذن بيّن له أنه سيجد أهل كتاب وهم أهل علم وعرفوا الحق ولكنهم حادوا عنه. ولذا قسم أهل البلاغة المخاطب إلى أنواع: - فهناك المنكِر، وهذا تحتاج إلى أن تؤكد له القول بعدة مؤكدات. - وهناك المتردد، وهذا يكون التأكيد له دون ذلك. - وهناك خالي الذهن فتلقي عليه الكلام هكذا بدون حاجة إلى مؤكدات لأنه سرعان ما يتقبل منك إذا أراد الحق (٢). لكن قد تجد إنسانًا معاندًا، عرف الحق فينبغي ألا تصدمه بأن تغضب في النقاش وفي الجدال، ولذلك هناك ما يعرف بأدب الجدل. فانظر في حكمة عمر بن عبد العزيز ﵁ كيف رد عليهم بمثل ما جاؤوا به فاضطرهم إلى الاستدلال بما أنكروه، قالوا: وجدنا ذلك في سنة

стр. 9661

رسول الله، فقال: وكذلك نحن وجدنا ذلك في سنة رسول الله ﷺ . فينبغي للداعية أن يكون بصيرًا بما يدعو إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وأن يكون حكيمًا في دعوته، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وكثيرًا ما يؤثر الداعية الحكيم واسع الصدر في المدعوين، أما إذا غضب ولم يتقبل الاعتراضات والأخذ والرد، فإنه ربما لا ينجح كثيرًا في دعوته. وإذا ما أظهرتَ الحق لمخالف فعاند -كما هو الحال عند بعض الفرق- فحينئذ دعه، وأمره إلى الله . - قوله: (وإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِلرَّجْمِ؛ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الرَّجْمِ). الأحاديث التي جاءت في الرجم كثيرة، ومنها أن النبي ﷺ أمر برجم ماعز (١)، والغامدية (٢)، والجهنية (٣)، وأمر برجم اليهوديين (٤)،

стр. 9662

وأمر بالجلذ، وقال: "اغْد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (١). ومن أقام عليهم النبي ﷺ الحد من المسلمين إنما كانوا يأتون تائبين منيبين إلى الله ، ولذلك لما رجم المرأة ثم قام ليصلي عليها قيل له: كيف تصلى عليها؟ فقال: "لقد تابت توبة لو وُزِّعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم" (٢)، فلا يَظُننّ ظانّ بأن الإنسان إذا ارتكب خطأً ثم تاب أن الله لا يتوب عليه، وفي الحديث: "ولو لم تُذْنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم" (٣)، وقد فتح الله التوبة والاستغفار، بل وينزل سبحانه كل ليلة عندما يبقى ثلث الليل الآخر ليغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين (٤)، فعلى المؤمن أن يتوب إلى الله وأن يستغفره وأن يرجع إليه سبحانه. لكن ليس معنى ذلك أن يبقى الإنسان على المعصية فإنه لا يضمن أن يعطى الفرصة فيتوب، ولكن الله وَجَّه إلى التوبة وأمر بها. - قوله: (فَخَصَّصُوا الكِتَابَ بِالسُّنَّةِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، الآية). أيضًا مما يُرد به على أولئك الذين نازعوا في ثبوت حد الرجم، وقالوا: لو قلتم بثبوت آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) لكان ذلك نسخًا للقرآن بالسنة! نقول: أنه يصح القول بنسخ القرآن بالسنة، ومع ذلك فإنا نقول: إن

стр. 9663

هذا من باب التخصيص (١). - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ يُجْلَدُونَ مَعَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ المَوْضِعُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الإِحْصَانِ، أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُجْلَدُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا جَلْدَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (٢)، وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ (٣)، وَإِسْحَاقُ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَدَاوُدُ (٦): الزَّانِي المُحْصَنُ يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ. عُمْدَةُ الجُمْهُورِ: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا، وَرَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ وَامْرَأَةً مِنْ عَامِرٍ (٧) مِنَ

стр. 9664

الأَزْدِ (١) "، كُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرْوُوا أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ). الزناة لا يخلو إما أن يكونوا أبكارًا وإما أن يكونوا ثُيَّبًا -البكر التي لم تتزوج، والثيب التي حصل لها الزواج -لكن بشروط سيذكرها المؤلف كان ينبغي أن يقدمها ولكنه أخرها. واتفق أهل العلم على أن حد الثيب الزاني الرجم لكن اختلفوا: هل يكتفى بالرجم، أم يضاف إلى الرجم الجلد على قولين: القول الأول: أنه يكتفى بالرجم، وهو قول الجمهور -المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنفية (٤) وهي رواية عن الإمام أحمد (٥)، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: أن رسول الله ﷺ رجم ماعزًا (٦) ولم يجلده،

стр. 9665

وكذلك الحال بالنسبة لليهوديين، والمرأتين اللتين اعترفتا بالزنا -كل واحدة على حدة- (١). وكذلك قوله لأنيس: "اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٢)، ولم يذكر في كل ذلك جلدًا. - قوله: (وَمِنْ جِهَةِ المَعْنَى أَنَّ الحَدَّ الأَصْغَرَ يَنْطَوِي فِي الحَدِّ الأَكْبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ). إشارة إلى القاعدة الفقهية المعروفة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا) (٣)، فهنا يندرج الحد الأصغر وهو الجلد تحت الحد الأكبر وهو الرجم. ومن الأمثلة على ذلك: إذا كان على الإنسان حدث أصغر يوجب الوضوء وأكبر يوجب الغسل فإنه يندرج الأصغر تحت الأكبر، على قول أكثر العلماء بشرط وجود النية فإذا توضأ قبل الغسل ونوى بذلك رفع الحدثين معًا كفاه ذلك (٤). ومنه أيضًا: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة في الحج لمن نوى ذلك؛ لأن طواف الوادع واجب وطواف الإفاضة ركن، فيندرج الأصغر تحت الأكبر (٥).
следующие страницы →