← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9661–9700 · переход к 9666.

стр. 9661

رسول الله، فقال: وكذلك نحن وجدنا ذلك في سنة رسول الله ﷺ . فينبغي للداعية أن يكون بصيرًا بما يدعو إليه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، وأن يكون حكيمًا في دعوته، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وكثيرًا ما يؤثر الداعية الحكيم واسع الصدر في المدعوين، أما إذا غضب ولم يتقبل الاعتراضات والأخذ والرد، فإنه ربما لا ينجح كثيرًا في دعوته. وإذا ما أظهرتَ الحق لمخالف فعاند -كما هو الحال عند بعض الفرق- فحينئذ دعه، وأمره إلى الله . - قوله: (وإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ لِلرَّجْمِ؛ لِثُبُوتِ أَحَادِيثِ الرَّجْمِ). الأحاديث التي جاءت في الرجم كثيرة، ومنها أن النبي ﷺ أمر برجم ماعز (١)، والغامدية (٢)، والجهنية (٣)، وأمر برجم اليهوديين (٤)،

стр. 9662

وأمر بالجلذ، وقال: "اغْد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (١). ومن أقام عليهم النبي ﷺ الحد من المسلمين إنما كانوا يأتون تائبين منيبين إلى الله ، ولذلك لما رجم المرأة ثم قام ليصلي عليها قيل له: كيف تصلى عليها؟ فقال: "لقد تابت توبة لو وُزِّعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم" (٢)، فلا يَظُننّ ظانّ بأن الإنسان إذا ارتكب خطأً ثم تاب أن الله لا يتوب عليه، وفي الحديث: "ولو لم تُذْنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم" (٣)، وقد فتح الله التوبة والاستغفار، بل وينزل سبحانه كل ليلة عندما يبقى ثلث الليل الآخر ليغفر للمستغفرين ويتوب على التائبين (٤)، فعلى المؤمن أن يتوب إلى الله وأن يستغفره وأن يرجع إليه سبحانه. لكن ليس معنى ذلك أن يبقى الإنسان على المعصية فإنه لا يضمن أن يعطى الفرصة فيتوب، ولكن الله وَجَّه إلى التوبة وأمر بها. - قوله: (فَخَصَّصُوا الكِتَابَ بِالسُّنَّةِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، الآية). أيضًا مما يُرد به على أولئك الذين نازعوا في ثبوت حد الرجم، وقالوا: لو قلتم بثبوت آية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) لكان ذلك نسخًا للقرآن بالسنة! نقول: أنه يصح القول بنسخ القرآن بالسنة، ومع ذلك فإنا نقول: إن

стр. 9663

هذا من باب التخصيص (١). - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: هَلْ يُجْلَدُونَ مَعَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ المَوْضِعُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الإِحْصَانِ، أَمَّا المَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلْ يُجْلَدُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ قَبْلَ الرَّجْمِ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا جَلْدَ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ (٢)، وَقَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ (٣)، وَإِسْحَاقُ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَدَاوُدُ (٦): الزَّانِي المُحْصَنُ يُجْلَدُ، ثُمَّ يُرْجَمُ. عُمْدَةُ الجُمْهُورِ: "أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا، وَرَجَمَ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ، وَرَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ وَامْرَأَةً مِنْ عَامِرٍ (٧) مِنَ

стр. 9664

الأَزْدِ (١) "، كُلُّ ذَلِكَ مُخَرَّجٌ فِي الصِّحَاحِ، وَلَمْ يَرْوُوا أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ). الزناة لا يخلو إما أن يكونوا أبكارًا وإما أن يكونوا ثُيَّبًا -البكر التي لم تتزوج، والثيب التي حصل لها الزواج -لكن بشروط سيذكرها المؤلف كان ينبغي أن يقدمها ولكنه أخرها. واتفق أهل العلم على أن حد الثيب الزاني الرجم لكن اختلفوا: هل يكتفى بالرجم، أم يضاف إلى الرجم الجلد على قولين: القول الأول: أنه يكتفى بالرجم، وهو قول الجمهور -المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنفية (٤) وهي رواية عن الإمام أحمد (٥)، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها: أن رسول الله ﷺ رجم ماعزًا (٦) ولم يجلده،

стр. 9665

وكذلك الحال بالنسبة لليهوديين، والمرأتين اللتين اعترفتا بالزنا -كل واحدة على حدة- (١). وكذلك قوله لأنيس: "اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٢)، ولم يذكر في كل ذلك جلدًا. - قوله: (وَمِنْ جِهَةِ المَعْنَى أَنَّ الحَدَّ الأَصْغَرَ يَنْطَوِي فِي الحَدِّ الأَكْبَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الحَدَّ إِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ). إشارة إلى القاعدة الفقهية المعروفة: (إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا) (٣)، فهنا يندرج الحد الأصغر وهو الجلد تحت الحد الأكبر وهو الرجم. ومن الأمثلة على ذلك: إذا كان على الإنسان حدث أصغر يوجب الوضوء وأكبر يوجب الغسل فإنه يندرج الأصغر تحت الأكبر، على قول أكثر العلماء بشرط وجود النية فإذا توضأ قبل الغسل ونوى بذلك رفع الحدثين معًا كفاه ذلك (٤). ومنه أيضًا: دخول طواف الوداع في طواف الإفاضة في الحج لمن نوى ذلك؛ لأن طواف الوادع واجب وطواف الإفاضة ركن، فيندرج الأصغر تحت الأكبر (٥).

стр. 9666

ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه حينئذٍ تحصل له تحية المسجد -وهي مستحبة- بدخول في الفرض (١). ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا دخل المسجد وقد ركع الإمام فإما أن يكبر تكبيرة الإحرام فقط، وإما أن يكبر تكبيرة الإحرام يتبعها بتكبيرة الركوع، أو يكبر تكبيرة الركوع، فإن كبر تكبيرة الركوع قاصدًا بها تكبيرة الركوع لم يجزئ لأن تكبيرة الإحرام ركن وتلك واجبة فلا يجوز، ولو كبر تكبيرة الإحرام فقط ثم ركع تدخل فيها تكبيرة الركوع (٢). ومنه أيضًا: لو أن إنسانًا جامع في نهار رمضان وقبل أن يكفر كرر الجماع؛ تداخلتا واكتُفي فيهما بفعل واحد (٣). والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا. - قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فَلَمْ يُخَصَّ مُحْصَنٌ مِنْ غَيْرِ

стр. 9667

مُحْصَنٍ وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ "أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَرَجَمَهَا يَوْمَ الجُمْعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ الله، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ" (١)، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي … قَدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ بِالحِجَارَةِ") (٢). القول الثاني: الجمع بين الرجم والجلد، وهو قول الحسن (٣)، وإسحاق (٤)، وداود (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، واستدلوا على ذلك بما يلي: أولًا: حديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم"، وهو عند أحمد (٧)، ومسلم (٨)، وبعض أصحاب السنن (٩). ثانيًا: حديث علي ﵁ في جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها (١٠)، وقول المؤلف: (خرجه مسلم) وَهْم منه ﵀، فالحديث إنما خرَّجه

стр. 9668

أحمد (١)، والنسائي (٢)، والبيهقي (٣)، وغيرهم (٤)، وهو حديث صحيح، غير أنه ليس في صحيح مسلم. وقول علي ﵁: "جلدتها بكتاب الله" إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وأما قوله: "بسنة رسوله" فهو إشارة إلى حديث عبادة بن الصامت ﵁، وقد تقدم ذكره. وأجابوا عن أدلة الجمهور أنها أثبتت الرجم ولم تنف الجلد، فغاية ما في الأمر أنها سكتت عنه. وأجاب الجمهور: بأن الجمع بين الجلد والرجم كان متقدمًا ثم اقتصر على الرجم، ولو كان الجلد واجبًا لأرشد إليه النبي ﷺ ؛ لأن هذا بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٥). - قوله: (وَأَمَّا الإِحْصَانُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الرَّجْمِ). الاختلاف في شروط الإحصان ليس اختلافًا كبيرًا، إنما هو اختلاف جزئي. وذكر المصنف عن مالك: البلوغ والإسلام والحرية والوطء في عقد صحيح، وكان ينبغي أن يضيف إليها أيضًا (العقل)؛ لأنه داخل في ذلك.

стр. 9669

أما (البلوغ) فهو شرط كذلك عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، فهو شرط متفق عليه، وكذلك (العقل) أيضًا (٣). وقد ثبت من حديث علي وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ" (٤)، فلو أنه أقيم عليهما الحد لكان ذلك وضعًا للقلم عليهما، وهذا خلاف ما أخبر به رسول الله ﷺ ، فإنه أخبر بأن القلم مرفوع عن هذين لعدم تكليفهما، فالصغير لا يدرك نتائج الأمر، وكذلك المجنون؛ فإنه قد فقد عقله فهو لا يميز بين النافع والضار. وأما (الإسلام) فهو شرط مختلف فيه (٥). وأما (الحرية) فهو شرط متفق عليه وخالف في ذلك أبو ثور، وخِلافه مُخالفًا للإجماع (٦).

стр. 9670

وأما (الوطء في عقد صحيح) هذان شرطان (الوطء)، أي: لا بد من حصوله، وأن يحصل في (نكاح صحيح) (١)، وأضاف بعضهم شرطًا سابعًا وهو (الكمال حال الوطء)، أي: أن يكون قادرًا عليه (٢).

стр. 9671

أما الوطء فهو الإيلاج في الفرج بأن تغيب الحشفة فيه (١)، وقد دلت عليه السنة، قال النبي ﷺ : "الثيب بالثيب الجلد والرجم" (٢)، وكما في حديث عمر ﵁ السابق: "والحد واجب على من زنا وقد أحصن" (٣). وإنما شدَّد العلماء في هذا الأمر واحتاطوا له لما سيترتب عليه من رجم مؤمن وموته، أو جلده فيشتهر ذلك بين الناس، ولذلك شدد في الشهادة على الزنا كما سيأتي. وأما كونه -أي: الوطء- في نكاح صحيح فلقول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، يعني: المتزوجات (٤)، فلو كان في زنًا أو وطء شبهة (٥)، أو تسري أو في نكاح فاسد (٦) كنكاح لم يكن فيه

стр. 9672

مهر (١)، أو لم يكن فيه شهود عند من يشترط الشهود (٢)، أو بغير ولي عند من يشترط ذلك (٣)، فإنه لا يكون إحصانًا لأنه نكاح فاسد ينبغي فسخه عند من يرى فساده.

стр. 9673

والمقصود أن يكون الواطئ والموطوء حُرَّين، وهذا محل إجماع بين العلماء ولم يخالف فيه إلا أبو ثور، وخلافه جاء متأخرًا فلا اعتداد به، وقد جاء عن أبي ثور نفسه أنه قيَّد قوله في العبد بما إذا لم يكن هناك إجماع (١). والإجماع قائم (٢). وقد رد العلماء قول أبي ثور بقول الله تعالى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] قالوا: والرجم لا ينصف؛ لأنه ينتهي بالموت فكيف ينصف؟! فما دامت الأمة على النصف في حدها من الحرة فإنه لا رجم عليها، ولا فرق بين المتزوجة وبين غيرها (٣)، كما سيأتي. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: البُلُوغُ وَالإِسْلَامُ

стр. 9674

وَالحُرِّيَّةُ وَالوَطْءُ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَحَالَة جَائِزٌ فِيهَا الوَطْءُ (١)، وَالوَطْءُ المَحْظُورُ عِنْدَهُ هُوَ الوَطْءُ فِي الحَيْضِ أَوْ فِي الصِّيَامِ (٢)، فَإِذَا زَنَى بَعْدَ الوَطْءِ الَّذِي بِهَذ الصِّفَةِ -وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ- فَحَدُّهُ عِنْدَهُ الرَّجْمُ، وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ إِلَّا فِي الوَطْءِ المَحْظُورِ) (٣). أما الإسلام فليس بشرط عند الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، واستدلوا على ذلك بقصة اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله ﷺ (٦)، ثم يُفَرِّعون عن ذلك مسألة وهي: لو أن مسلمًا تزوج ذمية هل يكون ذلك إحصانًا؟ وفيها خلاف أيضًا (٧).

стр. 9675

وقوله: (عنده)، أي: عند مالك، أما الجمهور فقد سبق ذكر الشروط المعتبرة عندهم. - قوله: (وَاشْتَرَطَ فِي الحُرِّيَّةِ أَنْ تَكُونَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، أَعْنِي أَنْ يَكُونَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ حُرَّيْنِ). هذه من المسائل التي خالف فيها مالك الأئمة الثلاثة أبا حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣)، إذ يشترطون أن يكون الزوج والزوجة حرين، بينما ذهب مالك إلى أنه لو كان أحدهما حرًّا لكفى في حصول الإحصان (٤)، إذن الأئمة الثلاثة أكثر احتياطًا في هذا المقام. وقوله: (واشترط في الحرية … إلخ)، يعني: أبو حنيفة، فقد وافق مالكًا في بعض الأمور وخالفه في البعض الآخر.

стр. 9676

- قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيُّ الإِسْلَامَ (١). وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رجَمَ اليَهُودِيَّةَ وَاليَهُودِيَّ اللَّذَيْنِ زَنَيَا" (٢)؛ إِذْ رَفَعَ إِلَيْهِ أَمْرَهُمَا اليَهُودُ، وَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، وَعُمْدَةُ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى أَنَّ الإِحْصَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ، وَلَا فَضِيلَةَ مَعَ عَدَمِ الإِسْلَامِ. وَهَذَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الوَطْءَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ هُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ) (٣). لم يشترط الشافعي الإسلام (٤)، وكذلك أحمد ﵀ (٥)، واستدلا على ذلك برجم النبي ﷺ اليهوديين اللذين زنيا (٦)، فالحديث صريح في الدلالة على أنهم جاؤوا إلى رسول الله فحكم بينهم بالرجم. بينما يرى مالك ﵀ أن هذا فضيلة (٧)، إذ فيه تطهير وتقويم لذاك الذي جاء معترفًا بالحد، معلنًا توبته والرجوع إلى الله ، فالذين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ معترفين طلبوا من الرسول ﷺ أن يطهرهم.

стр. 9677

مسألة: لو قدر أن إنسانًا ارتكب ذنبًا من الذنوب وستر الله عليه، فهل الأولى أن يذهب ويعلن ذلك أو يستر نفسه ويتوب إلى الله (١)؟ هذه مسألة تكلم فيها العلماء وقالوا: إن باب التوبة مفتوح وأن التوبة لا تزال قائمة بالنسبة للإنسان حتى يغرغر (٢)، والله تعالى قد حض على

стр. 9678

التوبة ورغَّب فيها، قال سبحانه: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢] و (غفار) صيغة مبالغة أي كثير الغفران، وأخبر أيضًا أنه يقبل التوبة ممن تاب، فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقال النبي ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١)، وقال أيضًا: "لله أَشَدُّ فَرَحًا بتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (٢) بِأَرْضِ فَلَاةٍ (٣)، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا (٤)، ثمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ" (٥). وفي توبة المسلم ورجوعه إلى الله مما يعين في عمارة هذه الأرض وفي إقامة شريعة الله، وفي إنجاب الأولاد وقد يكون منهم الصالح الذي يسهم في خدمة المجتمع، وفي الدعوة إلى الله، وفي التعليم وفي غير ذلك من أبواب الخير، إذن باب التوبة مفتوح، والتائب من الذنب يتجاوز الله عن جميع سيئاته (٦)، بل قد أخبر الله تعالى أنه قد تجاوز

стр. 9679

عن قاتل مائة نفس عمدًا (١)، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣]. - قوله: (فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الثَّيِّبِ). قوله: (الثيب)، أي: المحصن، أي: الذي تزوج (٢). وإذا أنعمت النظر في بعض أسرار هذه الشريعة وجدت أن هناك فرقًا بين المحصن وبين غيره، فالمحصن قد سبق له الزواج الذي اعتبره الله آية من آياته، قال سيحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فهذا دخل في كنف الزوجية وأدرك خطورتها، وعظم المحافظة على العِرض فكان أمره يختلف عن البكر الذي لم يجرب بعد، ولم يشتد عوده ولم يدرك خطورة الغيرة عند غيره،. ولذلك لما جاء الشاب إلى رسول الله ﷺ وهو في مجلس من أصحابه، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا! فأنكر عليه الصحابة ذلك، فدعاه رسول الله ﷺ فأجلسه إلى جنبه، ومسح عليه وقال: "أترضاه لأمك؟ "، قال: لا، قال: "والناس لا ترضاه لأمهاتهم"، قال: "أترضاه لابنتك؟ " قال: لا، قال: "والناس لا يرضونه لبناتهم"، ثم ذكر أخته وعمته وخالته، ثم

стр. 9680

إن الرسول ﷺ دعا له فقام من مجلسه ولا شيء أبغض إليه من الزنا (١). وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا: تربية رسول الله لأصحابه، وحسن تعليمه لهم فكان لذلك أبلغ الأثر في نفس ذاك الشاب، وهكذا ينبغي أن يكون الداعي إلى الله مؤثرًا حكيمًا، يستطيع أن يأخذ بلباب المدعو وأن يغير من سيرته بتوفيق الله ، وأن يأخذ بيده إلى طريق النجاة والفلاح، وكما جاء في الحديث الصحيح: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" (٢)، وقال ﷺ : "مَن دلَّ على هدًى فله مثل أجر فاعله" (٣). - قوله: (وَأَمَّا الأَبْكَارُ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حَدَّ البِكْرِ فِي الزِّنَا جَلْدُ مِائَة (٤)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]). قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]، هذه الآية في بيان حد الأبكار، وقد سبق الكلام عما جاء في حد الثيب، ومن خالف فيه من الفرق التي تنتسب إلى الإسلام.

стр. 9681

وقوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، أي: لا ينبغي أن تكون هناك رحمة تحول بين إقامة الحد (١)، ولذلك فإن من أخطر الأمور الشفاعة في حد من حدود الله، ولم يقبل النبي ﷺ شفاعة أسامة بن زيد -وهو حِبُّه وابن حِبِّه- في المرأة المخزومية التي كانت تستعير الحلي فتسرقها، بل أنكر عليه وقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢)، فلا مجاملة في دين الله، والناس في الحقوق سواسية كأسنان المشط لا يفضل بعضهم بعضًا إلا بالتقوى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلا يسقط الحد عن الشريف ويقام على الضعيف، ولما تولى أبو بكر ﵁ الخلافة قام فخطب الناس، فقال: "أيها الناس إن القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، وإن الضعيف قوي عندي حتى آخذ الحق له" (٣)، مع ما كان معروفًا به من اللين واللطف، ولكن هذا شأن الصحابة لا تأخذهم في الله لومة لائم، فإذا وقع الحد وثَبَت، فلا فرق بين كبير وصغير، ولا بين شريف ووضيع، فالناس كلهم سواسية. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّغْرِيبِ مَعَ الجَلْدِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا تَغْرِيبَ أَصْلًا (٤)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ التَّغْرِيبِ مَعَ الجَلْدِ لِكُلِّ زَانٍ؛ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (٥)، وَقَالَ مَالِكٌ:

стр. 9682

يُغَرَّبُ الرَّجُلُ وَلَا تُغَرَّبُ المَرْأَةُ، وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ (١). وَلَا تَغْرِيبَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى العَبِيدِ (٢)، فَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ التَّغْرِيبَ عَلَى الإِطْلَاقِ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ المُتَقَدِّمُ، وَفِيهِ: "البِكْرُ بِالبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ" (٣). اختلف العلماء في تغريب الزاني سبب الخلاف في مسألة التغريب أنه لم يرد ذكره في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولكن صح أن النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٤)، وكذلك ذكره النبي ﷺ كما في قصة العسيف (٥). فذهب أبو حنيفة وبعض أصحابه إلى أنه لا تغريب أخذًا بظاهر آية سورة النور، حيث ذكر الله الجلد ولم يذكر معه شيئًا آخر فوجب الوقوف عند مورد النص (٦)، ومعلوم كلام الحنفية في قضية الزيادة على النص ونسخ الكتاب بالسنة أيضًا (٧). هذا أولًا.

стр. 9683

ثانيًا: ما جاء عن علي ﵁ في هذه المسألة، فإنه بين أنه من أخطر ما يكون أن يُنفى الزاني (١). ثالثًا: أنه رُوي عن عمر ﵁ أنه نفى ربيعة بن أمية بن خلف لما زنى إلى خيبر فلحق يملك الروم وتنصر، فقال عمر: لا أنفي أحدًا من المسلمين بعد اليوم (٢). لكن ثبت عن عمر ﵁ أنه غرَّب أيضًا (٣). وذهب جمهور العلماء إلى القول بالتغريب لقول النبي ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" (٤)، ولكنهم اختلفوا في تفاصيل ذلك. فذهب الشافعي إلى أن التغريب على كل بكر ذكرًا كان أو أنثى حرًّا كان أو عبدًا (٥). وذهب أحمد ﵀ إلى أنه لا يغرب العبيد (٦). وذهب مالك ﵀ إلى أنه لا تغريب على المرأة والمملوك، وعلَّل ذلك بأن المرأة إذا غربت كان في ذلك إعانة لها على الفجور وهو إن لم يكن أخطر من الزنا فهو لا يكون أقل منه؛ لأن الزانية غير مؤتمنة فكيف تغرب وتترك؟! كما أن فيه أيضًا تضييعًا لها لأنها إذا غُربت

стр. 9684

أدى ذلك إلى ضياعها (١). وكذلك لو قيل بتغريبها فإنه لا بد أن يكون معها محرم لقول النبي ﷺ : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة -وفي بعض الروايات: مسيرة ثلاثة أيام- إلا مع ذي محرم" (٢)، فلو غربت بغير محرم لارتكبت محظورًا آخر، وإذا كان معها في تغريبها محرم فما ذنبه؟ فهو لم يقع منه زنا حتى يغرب فلا يستحق النفي فكأنه أصابته عقوبة لم يستوجبها، إضافة إلى ما يتحمله من نفقة وسكنى. واستدل الشافعية والحنابلة على أن المرأة تغرب بقول النبي ﷺ : "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام" (٣)، فهذا نص ولا اجتهاد مع النص، وكذلك بما جاء في قصة العسيف قال ﷺ : "على ابنك جلد مئة وتغريب عام" (٤)، واشترطوا أن يصحبها محرم، ثم اختلفوا على من تكون نفقته إن طلب ذلك (٥). - قوله: (وَلَا تَغْرِيبَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى العَبِيدِ) (٦) وهذا قول أحمد

стр. 9685

أيضًا (١). وعللوا ذلك بما يأتي: أولًا: أن الرسول ﷺ سئل عن الجارية التي لم تحصن إذا زنت فقال: "إذا زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، وإن زنت فبيعوها ولو بضفير" (٢). يعني: ولو بحبل. ومن الغريب أن المؤلف ﵀ جعل هذا الحديث حجة للفريق الآخر مع أنه حجة لمن يقول: إنها لا تغريب على العبد لأن النبي ﷺ لم يأمر بتغريب هذه الجارية؛ فدل ذلك على أنها لا تغرب (٣). ثانيًا: قصة المرأة الأمة التي زنت فأمر رسول الله ﷺ عليًّا أن يجلدها فلما ذهب بها علي ﵁ تبيّن له أنها كانت قريبة عهد بنفاس، قال: فوجدتها قريبة عهد بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها قتلتها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت" (٤)، والشاهد أنه لم يذكر التغريب، فلو كان تغريب العبيد مطلوبًا لأرشد إليه رسول الله ﷺ . وأجاب من قال بالتغريب بأن هذا داخل في العموم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام" (٥)، والأمة تسمى بكرًا إذا لم توطأ؛ فهي داخلة إذن في عموم الحديث.

стр. 9686

شرح قصة العسيف: - قوله: (وَكَذَلِكَ مَا خَرَّجَ أَهْلُ الصّحَاحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا: "إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى النَّبِيَّ ﵊. الأعراب هم من يسكنون البادية وهم معروفون بالجرأة؛ ولذلك لما نزل قول الله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] وكان الرسول ﷺ يقول: "إنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم" (١) كان الصحابة ﵃ يتوقفون عن سؤال رسول الله ﷺ في بعض الأمور والرسول يخشى أن يُسأل عن أمر فيُفرض عليه، فكانوا يُسَرُّون إذا جاء الأعرابي فيدفعونه -وربما أكرموه- ليسأل رسول الله ﷺ عن بعض الأمور (٢). - قوله: (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنْشُدُكَ الله إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ الله؟). يعني يسأل النبي ﷺ أن يحكم بينهما بكتاب الله. - قوله: (فَقَالَ الخَصْمُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ الله). وصف الثاني بأنه كان أفقه منه، وفي الحديث: "من يُردِ اللهُ به خيرًا يُفَقهه في الدِّين" (٣) يعني: من توفيق الله سبحانه للعبد أن يكون على فقهٍ

стр. 9687

في دينه، وأن يكون على معرفة بذلك؛ إذا صلى عرف كيف يصلي، وإذا زكى يعرف كيف يؤدي زكاته، وإذا صام علم كيف يصوم، وإذ حجَّ عرف كيف يحج، إذن هكذا ينبغي أن يكون المسلم على علم، وإذا فاته شيء سأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا﴾ [النحل: ٤٣]، ومن الخطأ أن يمنع الإنسانَ الحياءُ فلا يسأل عن حكم من أحكام الله؛ فلربما وقع في ارتكاب ممنوع، أو قصر في أداء وأجب من الواجبات. ولكن ينبغي عليه أيضًا أن يختار فقيهًا فيسأله، ولا ينبغي للمسؤول أن يفتي بغير بعلم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. وفيه أيضًا: أنه لا ينبغي أن يغضب إذا قيل له: احكم بيننا بكتاب الله، وقد قال الله لنبيه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. - قوله: (وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "قُلْ"). هذا من فقهه حيث عرف أدب الحديث، فمن أدب السائل أو المستفتي أن يطلب الإذن بالسؤال. - قوله: (قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا). العسيف له في اللغة عدة معان، والمراد هنا: أنه كان أجيرًا، أي: عاملًا عنده (١).

стр. 9688

* قوله: (فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ). الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (١)، ولذلك قال الرسول ﷺ : "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" (٢)، ولما سئل عن الحمو قال: "الحمو الموت" (٣)، فمن خطوات الشيطان أن يخلو إنسان بامرأة ليس لها بمحرم؛ لأنه حينئذٍ سيلقي حباله ويتخذ كل الوسائل ليوقع المؤمن في ارتكاب المعصية، فلا يُسرُّ الشيطان ولا يسعد أو يطمئن إلا إذا رأى المؤمن يتقلب في معصية الله ؛ ويشق عليه ويؤلمه أن يراه يتقلب في النعيم وفي طاعة الله تعالى ومَرْضاته. * قوله: (وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَليدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ فَأَخْبَرُوبي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ). إذن هو أخبر بالأول وهو حكم غير صحيح ثم سأل بعد ذلك أهل العلم فأفتوه بالحق الذي أقره رسول الله ﷺ . * قوله: (فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ الله! أَمَّا الوَلِيدَةُ وَالغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام. وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا أنَيْسٌ، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِهَا فَرُجِمَتْ) (٤). فرسول الله ﷺ لا يقضي إلا بكتاب الله وبسنته. وهذا حديث صحيح

стр. 9689

متفق عليه (١)، وهو صريح في ذكر الرجم وأنه من كتاب الله لقوله: "لأقضين بينكم بكتاب الله "، فهذا يثبت ما قاله عمر ﵁ من أن الرجم موجود في كتاب الله ، وأنه إنما نسخ رسمًا -أي: تلاوة- وبقي حكمًا (٢). * قوله: (وَمَنْ خَصَّصَ المَرْأَةَ مِنْ هَذَا العُمُومِ، فَإِنَّمَا خَصَّصَهُ بِالقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ المَرْأَةَ تُعَرَّضُ بِالغُرْبَةِ لأَكثَرَ مِنَ الزِّنَا) (٣). فالمرأة بالغربة تتعرض لأكثر من الزنا لأنه يخشى عليها من الفاسق، وكذلك يخشى عليها أيضًا من أن ترتكب الزنا مرة أُخرى، وأشياء أُخرى كثيرة (٤). * قوله: (وَهَذَا مِنَ القِيَاسِ المُرْسَلِ، أَعْنِي المَصْلَحِيَّ الَّذِي كَثِيرًا مَا يَقُولُ بِهِ مَالِكٌ) (٥). وهو الذي يعرف بالمصالح المرسلة (٦) التي لا تتعارض مع النص، لكننا نقول هنا: جاءت أدلة تتعارض معها -أي: المصلحة- فتقدم عليها (٧).

стр. 9690

* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ، فَظَاهِرُ الكِتَابِ (١)، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى رَأْيِهِمْ: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَخُ الكتَابُ بِأَخْبَارِ الآحَادِ) (٢). هكذا ذكر المؤلف ﵀، لكن سبق أن حجة الحنفية الأقوى هو ما نسب إلى علي ﵁؛ لأن النفي يترتب عليه حصول الفجور ربما ترتب عليه والضياع. * قوله: (وَرَوَوْا عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ حَدَّ وَلَمْ يُغَرِّبْ (٣). وَرَوَى الكُوفِيُّونَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمْ غَرَّبُوا) (٤).

стр. 9691

وهذا مروي أيضًا عن كتير من الصحابة؛ الأمر بالتغريب دون تفصيل، والتغريب جاءت به السُّنة، وهي مقدمة على غيرها. * قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ العَبِيدِ فِي هَذِهِ الفَاحِشَةِ، فَإِنَّ العَبِيدَ صِنْفَان: ذُكورٌ، وَإِنَاث، أَمَّا الإِنَاثُ فَإِنَّ العُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَمَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ، وَزنَتْ أَنَّ حَدَّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]) (١). انتقل المؤلف إلى بيان حكم العبيد، فهل حكمهم في الحد كحكم الأحرار أم يختلفون؟ الجواب: إن الله قد فرق بينهما في بعض الأمور، ومن ذلك أن الحرة مصونة قليلة المخالطة، وأما الأمة فإنها تعمل، وهذا من باب مراعاة مصالح الناس، وقبل ذلك فإن الحجة فيما جاء عن الله تعالى وعن رسو له ﷺ وقد أجمع العلماء على أن الأمة إذا تزوجت فزنت أن حدَّها خمسون جلدة، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمحصنات هنا الحرائر، والمقصود بالعذاب هنا الجلد لأن الرجم لا ينصف؛ فالآية نص صريح في أن حد الأمة على النصف من حد الحرة (٢).

стр. 9692

* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: حَدُّهَا خَمْسُونَ جَلْدَةً). قوله: (واختلفوا)، أي: الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة فإن قولهم في غير المتزوجة كقولهم في المتزوجة، فلا فرق عندهم بين المتزوجة والبكر في إقامة الحد وهو خمسون جلدة (١). * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ فَقَطْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) (٢).

стр. 9693

مر بنا مسألة تغريب العبيد، وأن الإمام الشافعي يرى تغريبهم، خلافًا للحنفية والمالكية والحنابلة على خلاف بينهم قد مر؛ لأن العبد -كما هو معلوم- مرتبط بشؤون سيده فيتأثر بغيبته. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا حَدَّ عَلَى الأَمَةِ أَصْلًا). هذا فيه تفصيل، فعن ابن عباس ﵁ أيضًا (١) وكذلك طاوس (٢)، وأبىِ عبيدة القاسم بن سلام (٣)، وعطاء (٤) هؤلاء لهم رأيان في المسألهَ: الرأي الأول: أنه لا حد عليها كما ذكر المؤلف (٥). والرأي الثاني: هو التفريق بين المتزوجة وغيرها، فالمتزوجة عليها الحد، وغير المتزوجة لا حد عليها (٦)؛ ودليل ذلك قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]،

стр. 9694

فقوله: ﴿أُحْصِنَّ﴾ يفهم منه بدليل الخطاب (١)، أن غير المتزوجة لا حد عليها. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الإِحْصَانِ (٢) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الإِحْصَانِ التَّزَوُّجَ، وَقَالَ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، قَالَ: لَا تُجْلَدُ الغَيْرُ المُتَزَوِّجَةِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ الإِحْصَانِ الإِسْلَامَ جَعَلَهُ عَامًّا فِي المُتَزَوِّجَةِ وَغَيْرِهَا). لكن الجمهور استدلوا بأول الآية واعتبروه حجة ودليلًا على أن المراد بذلك هو الزواج، فـ ﴿أُحْصِنَّ﴾ يعني تزوجن، فقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: المتزوجات، يقال: أحصنت المرأة، أي: تزوجت، ويطلق الإحصان أيضًا ويراد به الإسلام (٣)، ورجح الجمهور المعنى الأول للذي أثر عن ابن عباس ﵁ (٤)، ومجاهد (٥) وغيرهما.

стр. 9695

* قوله: (وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى غَيْرِ المُتَزَوّجَةِ حَدًّا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ، فَقَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنَّ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ") (١). أغرب المؤلف ﵀ في الاستدلال لهذا الرأي بهذا الدليل لأن ظاهره أنه دليل للفريق الآخر وهو فعلًا حجة لهم -أي: حجة للجمهور-؛ لأنه لما سأل رسول الله ﷺ عنه الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: "إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فاجلدوها ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير" (٢) -يعني بحبل-. أورد المؤلف "إذا زنت" مرتين، ولكن جاءت الرواية المشهورة ثلاث مرات، والرواية الرابعة: "فإذا زنت فبيعوها ولو بحبل" (٣) إذن لما سئل عن الأمة التي لم تتزوج فقال: "إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير" (٤)، أي: بحبل، فأصبحت لا قيمة لها. والسؤال هنا عن غير المحصنة فكيف يكون حجة للذين يفرقون؟ ا هو في الحقيقة حجة للجمهور. وقلت: لعله خطأ ولكن كل النسخ التقت حول ذلك، إذن هذا ليس حجة لما ذكر المؤلف وإنما هو حجة للجمهور لأن الرسول ﷺ أمر بجلدها. وهو حديث صحيح.

стр. 9696

* قوله: (وَأَمَّا الذَّكَرُ مِنَ العَبيدِ، فَفُقَهَاءُ الأمْصَارِ عَلَى أَنَّ حَدَّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ (١)، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: بَلْ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وَلَمْ يُخَصِّصْ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ) (٢). ذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا رجم على العبد الذكر قياسًا على الأمة بجامع اتفاقهما في العلة وهي الرق (٣).

стр. 9697

وأخذ أهل الظاهر بظاهر قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، حيث لم يفرق بين الحر والعبد، إلا الأمة فإنها خرجت بنص قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيبقى العبد داخلًا في عموم الآية (١). * قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ دَرَأَ الحَدَّ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (٢). ومن الناس من درأ الحد قياسًا على الأمة، وهو شاذ، وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس. * قوله: (فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي أَصْنَافِ الحُدُودِ، وَأَصْنَافِ المَحْدُودِينَ، وَالشَّرَائِطِ المُوجِبَةِ لِلْحَدِّ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ). أي: أصناف الحد بالنسبة للزنا لا للحدود عمومًا. * قوله: (وَبَتَعَلَّقُ بِهَذَا القَوْلِ فِي كيْفِيَّةِ الحُدُودِ، وَفِي وَقْتِهَا). مراد المؤلف الكيفية التي تقام فيها الحدود، وسبق بيان حد البكر وحد الثيب، وكذلك الخلاف في التغريب، وفي جلد الثيب قبل الرجم، وكذلك فما يتعلق بحد العبيد ذكورًا وإناثًا، فبقي الكلام عن الكيفية؟ فهل هناك صفات معينة يقام عليها الحد؛ لأن الإنسان إذا أقيم عليه الحد لا يخلو إما أن يكون قائمًا أو أن يكون قاعدًا، وهل يحتاج إلى أن تحفر له حفرة؟ أو لا يحتاج إلى ذلك؟ وهل هناك فرق بين الذكر والأنثى في هذا المقام أو لا؟ وهل يمنع من إقامة الحد منعًا مؤقتًا كون الإنسان مريضًا،

стр. 9698

أو كون الجو شديد الحرارة أو شديد البرودة، وكذلك الحال بالنسبة للحامل فهل يؤجل إقامة الحد عليها حتى تضع أم لا (١)؟ ولم يعرض المؤلف ﵀ لحامل، ولكن ثبت أن النبي ﷺ أجَّلها حتى ولدت ثم بعد ذلك أمرها أن تعود حتى تفطم طفلها، فجاءت وفي يده شيء -وفي بعض الروايات خبزة- فأمر بها النبي ﷺ فأقيم عليها الحد فرجمت (٢). * قوله: (فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَمِنْ مَشْهُورِ المَسَائِلِ الوَاقِعَةِ فِي هَذَا الجِنْسِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ). اختلف العلماء في مسألة الحفر للمرجوم حيث ورد الحفر في بعض

стр. 9699

الأحاديث دون بعض، من ذلك قصة ماعز ﵁ فعند مسلم روايتان إحداهما: أنه حفر له (١)، والأخرى: لم يحفر له (٢). والمؤلف هنا لم يبدأ بمذهب الجمهور وإنما بدأ بمذهب غيرهم. * قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُحْفَرُ لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ فِي شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةِ حِينَ أَمَرَ بِرَجْمِهَا (٣). وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَفِيهِ: "فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أَخْرَجَهَا، فَحَفَرَ لَهَا حَفِيرَةً، فَأُدْخِلَتْ فِيهَا). القول الأول: أنه يحفر له؛ وذلك كما جاء في شراحة لما جاءت معترفة بالزنا فأمر بحفر حفرة لها فرجمها، وأثر عنه أنه جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة (٥). * قوله: (وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهَا يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَكِنْ صُفُّوا كَمَا تَصُفُّونَ فِي الصَّلَاة) (٦). هذه مسألة مختلف فيها لم يذكرها المؤلف وهي كيف يكون الرجم، هل يصفّون صفًّا وكلهم يتجهون إليه، أو يكونون مثلًا متقابلين (٧)؟

стр. 9700

دل هذا الأثر على أنهم يصفّون كما يصفّون في الصلاة حتى لا يصيب بعضهم بعضًا. * قوله: (ثُمَّ قَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَان: رَجْمُ سِرِّ، وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَمَا كَانَ يِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ البَيَنةُ، ثُمَّ الإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ) (١). وجاء في رواية أُخرى: "الزنا زناءان، زنا سر وزنا علانية" ثم فسر زنا السر بأنه الذي يكون بالشهادة (٢)؛ لأن الإنسان إذا زنا وشهد عليه شهود فهذا يعني أنه أخفاه فسمي زنا سر. وزنا علانية: وهو الذي يكون بالاعتراف أو بالحبل، كما جاء في بعض الذين طهروا من ذلك الحد؛ إذن وسمي بذلك لأن الزاني أتى فاعترف بالزنا وأشهره، والسبب في ذلك: إرادته أن يطهر نفسه في هذه الحياة الدنيا. واختلف العلماء أيهما أفضل أن يكشف الإنسان عن أمره ويطلب التطهير، أو أن يستر نفسه ويتوب إلى الله توبة نصوحًا؟ وأكثر العلماء على القول الثاني (٣). فإن كان الرجم بإقرار فأول من يرجم الإمام؛ لأنه صاحب
следующие страницы →