← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9696–9735 · переход к 9701.

стр. 9696

* قوله: (وَأَمَّا الذَّكَرُ مِنَ العَبيدِ، فَفُقَهَاءُ الأمْصَارِ عَلَى أَنَّ حَدَّ العَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ (١)، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: بَلْ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ مَصِيرًا إِلَى عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وَلَمْ يُخَصِّصْ حُرًّا مِنْ عَبْدٍ) (٢). ذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا رجم على العبد الذكر قياسًا على الأمة بجامع اتفاقهما في العلة وهي الرق (٣).

стр. 9697

وأخذ أهل الظاهر بظاهر قول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، حيث لم يفرق بين الحر والعبد، إلا الأمة فإنها خرجت بنص قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فيبقى العبد داخلًا في عموم الآية (١). * قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ دَرَأَ الحَدَّ عَنْهُ قِيَاسًا عَلَى الأَمَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (٢). ومن الناس من درأ الحد قياسًا على الأمة، وهو شاذ، وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس. * قوله: (فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي أَصْنَافِ الحُدُودِ، وَأَصْنَافِ المَحْدُودِينَ، وَالشَّرَائِطِ المُوجِبَةِ لِلْحَدِّ فِي وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ). أي: أصناف الحد بالنسبة للزنا لا للحدود عمومًا. * قوله: (وَبَتَعَلَّقُ بِهَذَا القَوْلِ فِي كيْفِيَّةِ الحُدُودِ، وَفِي وَقْتِهَا). مراد المؤلف الكيفية التي تقام فيها الحدود، وسبق بيان حد البكر وحد الثيب، وكذلك الخلاف في التغريب، وفي جلد الثيب قبل الرجم، وكذلك فما يتعلق بحد العبيد ذكورًا وإناثًا، فبقي الكلام عن الكيفية؟ فهل هناك صفات معينة يقام عليها الحد؛ لأن الإنسان إذا أقيم عليه الحد لا يخلو إما أن يكون قائمًا أو أن يكون قاعدًا، وهل يحتاج إلى أن تحفر له حفرة؟ أو لا يحتاج إلى ذلك؟ وهل هناك فرق بين الذكر والأنثى في هذا المقام أو لا؟ وهل يمنع من إقامة الحد منعًا مؤقتًا كون الإنسان مريضًا،

стр. 9698

أو كون الجو شديد الحرارة أو شديد البرودة، وكذلك الحال بالنسبة للحامل فهل يؤجل إقامة الحد عليها حتى تضع أم لا (١)؟ ولم يعرض المؤلف ﵀ لحامل، ولكن ثبت أن النبي ﷺ أجَّلها حتى ولدت ثم بعد ذلك أمرها أن تعود حتى تفطم طفلها، فجاءت وفي يده شيء -وفي بعض الروايات خبزة- فأمر بها النبي ﷺ فأقيم عليها الحد فرجمت (٢). * قوله: (فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهَا فَمِنْ مَشْهُورِ المَسَائِلِ الوَاقِعَةِ فِي هَذَا الجِنْسِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ). اختلف العلماء في مسألة الحفر للمرجوم حيث ورد الحفر في بعض

стр. 9699

الأحاديث دون بعض، من ذلك قصة ماعز ﵁ فعند مسلم روايتان إحداهما: أنه حفر له (١)، والأخرى: لم يحفر له (٢). والمؤلف هنا لم يبدأ بمذهب الجمهور وإنما بدأ بمذهب غيرهم. * قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُحْفَرُ لَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ فِي شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةِ حِينَ أَمَرَ بِرَجْمِهَا (٣). وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَفِيهِ: "فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمْعَةِ أَخْرَجَهَا، فَحَفَرَ لَهَا حَفِيرَةً، فَأُدْخِلَتْ فِيهَا). القول الأول: أنه يحفر له؛ وذلك كما جاء في شراحة لما جاءت معترفة بالزنا فأمر بحفر حفرة لها فرجمها، وأثر عنه أنه جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة (٥). * قوله: (وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهَا يَرْمُونَهَا، فَقَالَ: لَيْسَ هَكَذَا الرَّجْمُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَكِنْ صُفُّوا كَمَا تَصُفُّونَ فِي الصَّلَاة) (٦). هذه مسألة مختلف فيها لم يذكرها المؤلف وهي كيف يكون الرجم، هل يصفّون صفًّا وكلهم يتجهون إليه، أو يكونون مثلًا متقابلين (٧)؟

стр. 9700

دل هذا الأثر على أنهم يصفّون كما يصفّون في الصلاة حتى لا يصيب بعضهم بعضًا. * قوله: (ثُمَّ قَالَ: الرَّجْمُ رَجْمَان: رَجْمُ سِرِّ، وَرَجْمُ عَلَانِيَةٍ، فَمَا كَانَ مِنْهُ بِإِقْرَارٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ الإِمَامُ ثُمَّ النَّاسُ، وَمَا كَانَ يِبَيِّنَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَرْجُمُ البَيَنةُ، ثُمَّ الإِمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ) (١). وجاء في رواية أُخرى: "الزنا زناءان، زنا سر وزنا علانية" ثم فسر زنا السر بأنه الذي يكون بالشهادة (٢)؛ لأن الإنسان إذا زنا وشهد عليه شهود فهذا يعني أنه أخفاه فسمي زنا سر. وزنا علانية: وهو الذي يكون بالاعتراف أو بالحبل، كما جاء في بعض الذين طهروا من ذلك الحد؛ إذن وسمي بذلك لأن الزاني أتى فاعترف بالزنا وأشهره، والسبب في ذلك: إرادته أن يطهر نفسه في هذه الحياة الدنيا. واختلف العلماء أيهما أفضل أن يكشف الإنسان عن أمره ويطلب التطهير، أو أن يستر نفسه ويتوب إلى الله توبة نصوحًا؟ وأكثر العلماء على القول الثاني (٣). فإن كان الرجم بإقرار فأول من يرجم الإمام؛ لأنه صاحب

стр. 9701

السلطة (١)، وإن كان ببينة فأول من يرجم هم أهل البينة الذين شهدوا حتى ترتفع عنهم التهمة، ثم يأتي الإمام بعد ذلك (٢). * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ. وَخَيَّرَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ عَنْهُ: يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ فَقَطْ (٥)، وَعُمْدَتُهُمْ مَا خَرَّجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرَّ، فَأَدْرَكْنَاهُ بالحَرَّةِ، فَرَضخْنَاهُ (٦) وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ فِي اليَوْمِ الرَّاجِ حُفْرَة (٧) وَبِالجُمْلَةِ فَالأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الأَحَادِيثِ عَلَى أَنْ لَا حَفْرَ) (٨).

стр. 9702

القول الثاني: أنه لا يحفر للمرجوم، وهو قول أبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، ورواية عن أحمد (٣) ﵀ بالنسبة للرجل، وأما المرأة فقد اختلفت الرواية عند الحنابلة، ففي رواية قالوا بالحفر (٤)، وفي رواية أُخرى: بعدم الحفر (٥)، والسبب: أن النصوص اختلفت في ذلك. القول الثالث: التخيير فإن شاؤوا حفروا وإن شاؤوا لم يحفروا، وهو قول الشافعي ﵀ (٦). القول الرابع: أنه يحفر للمرأة فقط، وهو قول للشافعي (٧) ووافقه عليه أحمد (٨).

стр. 9703

واحتج من قال بعدم الحفر بحديث جابر ﵁ في رجم ماعز وهو في الصحيحين وغيرهما وفيه: (قَالَ جَابِرٌ: فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى. فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ فَرّ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَضَخْنَاهُ) (١)، ومعنى (أزلقته (٢) الحجارة)، أي: أصابته بحدها، وفي بعض النسخ: (آذته) والصحيح: (أزلقته)، أي: آلمته. قوله: (فَرَضخْنَاهُ): المشهور في الصحيحين (فرجمناه)، والمعنى واحد، والمقصود بالرضخ الكسر، ويقال: رضخ الشيء، أي: فككه، والمراد هنا أن الحجارة لما أصابته كسرته، أي: عظامه (٣). قوله: (وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ حُفِرَ لَهُ فِي اليَوْمِ الرَّابِع حُفْرَةٌ) (٤)، والمشهور بأنه لم يحفر له، وقوله: (في اليوم الرابع)، أَي: في يوم الاعتراف، وأنه جاء إلى رسول الله ﷺ فانصرف عنه فانتقل إلى الجهة الأُخرى كما جاء في الأحاديث، فكرر على رسول الله ﷺ مقالته، فقال له رسول الله ﷺ : "لعلك قبَّلت، لعلك غمزت "، قال: لا يا رسول الله، فقال له: "أنكتها -لا يُكني- كلما يدخل المرود في المكحلة والرشا في البئر؟ " (٥)، قال: نعم يا رسول الله، قال: "أتعرف الزنا" قال: نعم. وفي بعض الروايات: هو حرام ما يحل من الرجل مع امرأته هو ما يحرم، ويحل من الرجل مع امرأته، يعني يحل للرجل مع امرأته ويحرم أيضًا على غير الرجل، إذن بيَّن أنه يعرف حرمة الزنا،

стр. 9704

وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ قال له: "إنك اعترفت أربع مرات" (١). وأيضًا جاء في بعض الروايات في غير الصحيحين أن أبا بكر كان عند رسول الله ﷺ فقال له: إن اعترفت أربع مرات رجمك رسول الله ﷺ (٢). إذن الحديث الذي أورده المؤلف هو في صحيح مسلم ولم يُورد الحديث الآخر، وكان الأولى أن يورده وهو في صحيح مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لما أمر النبي ﷺ برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع ولم نحفر له وما حفرنا، وفي الروايات: أنه أقسم قال: فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا (٣). وهذا الحديث حجة لمن قال بأنه يقام عليه الحد قائمًا في حالة الجلد. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ فِي الحُدُودِ الظَّهْرُ وَمَا يُقَارِبُهُ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ (٥): يُضْرَبُ سَائِرُ الأَعْضَاءِ، وَيُتَّقَى الفَرْجُ وَالوَجْهُ وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ الرَّأْسَ) (٦). اقتصر مالك رحمه على ضرب الظهر وما حوله (٧)، والجمهور

стр. 9705

أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣) قالوا: يضرب كل شيء ويتقى الفرج والوجه، واستدلوا بما أثر عن علي ﵁ أنه قال: "واتقوا الفرج والوجه" (٤)، وفي بعض الروايات: "الرأس" (٥) وبها احتج أبو حنيفة وأحمد. * قوله: (وَبُجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ضَرْبِ الحُدُودِ كُلِّهَا (٦) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٧)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٨) مَا عَدَا القَذْفَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ).

стр. 9706

ذهب مالك إلى أنه يجرد من ثيابه في ضرب الحدود كلها، وليس القصد أن يكون عريانًا، ولكن يجرد عن كل ما يدفع عنه ألم الضرب، ووافقه أبو حنيفة والشافعي إلا في القذف (١). وذهب أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وذهب أحمد إلى أنه لا يجرد ولا يمد ولا يوثق، واستثنى أحمد مَن احتال ولبس لباسًا يمنع إيصال الإيلام إليه كَفَرْوٍ مثلًا، فإنه ينزع، أما ملابسه المعتادة فلا تنزع منه (٤). * قوله: (وَيُضْرَبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ قَاعِدًا، وَلَا يُقَامُ قَائِمًا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يُقَامُ، لِظَاهِرِ الآيَةِ). هذ الحكم تداخل على المؤلف فيما يبدو والله أعلم حيث خلط فقال: (يضرب عند الجمهور قاعدًا) وليس الأمر كما ذكر المؤلف، بل العكس. وقد فصَّل العلماء القول في ذلك فقالوا: المجلود لا يخلو إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فإن كان أنثى فإنها تضرب قاعدة ولا خلاف بين الأئمة الأربعة في ذلك (٥)، ويستدلون بما جاء عن علي ﵁ أنه قال:

стр. 9707

"تضرب المرأة قاعدة والرجل قائمًا" (١). وأما إذا كان رجلًا فهو عكس ما ذكر المؤلف، فما سماه مذهب الجمهور هو مذهب مالك، وما قال: (خلافًا لكذا) هو مذهب الجمهور؛ إذن المرأة عند الأئمة الأربعة تضرب قاعدة (٢)، وأما الرجل فذهب الأئمة -أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥) - إلى أنه يضرب قائمًا، وقال الإمام مالك: يضرب قاعدًا. وحجة الإمام مالك ﵀ ظاهر الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فلم يأمر الله بالقيام (٦).

стр. 9708

ورد الجمهور بأنه ليس في الآية الأمر بالقعود؛ فتساويا، ثم احتج الجمهور بأثر علي ﵁، وقد صحَّ عنه أنه قال: "تضرب المرأة قاعدة والرجل قائمًا" (١). ولا شك أن مذهب الجمهور أقوى في هذه المسألة. ووجه الخلط في كلام المؤلف؛ أنه خلط بين الذكر والأنثى في الحكم، وهذه المسألة ذات فرعين: الفرع الأول: فيما يتعلق بالمرأة، فالمرأة قد اتفق الأئمة الأربعة -بل جماهير العلماء- على أنها تضرب قاعدة لأنه أستر لها، فلو ضربت قائمة فإنه يخشى أن تتكشف، ولذلك تضرب قاعدة حتى لا تتكشف، ويكون أستر لها. هذا هو مذهب العلماء بلا خلاف عند الأئمة (٢). الفرع الثاني: في الرجل، فالجمهور على أنه يضرب قائمًا خلافًا للإمام مالك، فإنه قال: يضرب قاعدًا، واحتج على ذلك بظاهر الآية كما سبق بيانه ورد الجمهور عليه (٣). * قوله: (وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الجَمِيعِ أَنْ يُحْضِرَ الإِمَامُ عِنْدَ إِقَامَةِ الحُدُودِ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] (٤). وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّائِفَةِ، فَقَالَ

стр. 9709

مَالِكٌ: أَرْبَعَة (١)، قَيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: اثْنَانِ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَقِيلَ: مَا فَوْقَهَا). استحب العلماء أن يُحضر الإمام عند إقامة الحدود طائفة من الناس ليكون ذلك رادعًا وزاجرًا لهم ولغيرهم أيضًا ممن تحدثه نفسه بذلك، فإن الإنسان إذا رأى العقوبة وأن من يرتكب مثل هذه الفاحشة سيعاقب بمثل هذه العقوبة فإنه يرتدع عن ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ١٢] أي: لا تأخذكم العاطفة والرحمة فيتعطل حد من حدود الله، بل ينبغي أن تؤدى الحدود إذا رفعت إلى الإمام. ما المراد بالطائفة في قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؟

стр. 9710

قيل: واحد، وبه قال الحنابلة. وهو مروي كذلك عن عبد الله بن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وفسره بعض الحنابلة بأن المراد واحد مع الذي يتولى إقامة الحد (٣). وقيل: أربعة، وبه قال مالك (٤)، وهي رواية أيضًا عن الشافعي (٥). وقيل: ثلاثة، وهي رواية عن مالك (٦)، والشافعي أيضًا (٧) والزهري (٨). وقيل: اثنان (٩). ولعل هذا هو مراده بما أثر عن ابن عباس بأنه واحد

стр. 9711

ويضاف إليه من يقوم بالحد (١). وقيل: خمسة، وهو قول ربيعة (٢)، وأثر كذلك عن بعض تابعي التابعين (٣). وقيل: سبعة (٤)، وهذه الأقوال كلها أثرت عن التابعين (٥). وقيل: أربعون، وهو مروي عن مالك ﵀ (٦). وإنما تعددت أقوال العلماء واختلفت في هذه المسألة لأنه لم يرد نص يحدد ذلك. * قوله: (وأَمَّا الوَقْتُ فَإِنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا فِي البَرْدِ، وَلَا يُقَامُ عَلَى المَرِيضِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَامُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَاحْتَجَّا بِحَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ الحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ. وَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّوَاهِرِ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الحَدِّ، وَهُوَ أَنْ يُقَامَ حَيْثُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ المُقِيمِ لَهُ فَوَاتُ نَفْسِ المَحْدُودِ. فَمَنْ نَظَرَ أِلَى الأَمْرِ بِإِقَامَةِ الحُدُودِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ قَالَ: يُحَدُّ المَرِيضُ. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى المَفْهُومِ مِنَ الحَدِّ قَالَ: لَا يُحَدُّ حَتَّى يَبْرَأَ. وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي شِدَّةِ الحَرِّ وَالبَرْدِ).

стр. 9712

انتقل المؤلف إلى مسألة أخرى، وهي هل يراعى الوقت في إقامة الحد، أو يعامل بما فيه شدة؟ اعلم أن من أسرار وحِكَم هذه الحدود التي شرعها الله وفعلها النبي ﷺ تطهير الإنسان، فإن المسلم إذا جاء واعترف بجريمة من الجرائم فأقيم عليه الحد فإنه يطهر بذلك، وكذلك لو شهد عليه شهود، ولذلك لما أمر رسول الله ﷺ برجم تلكم المرأة التي زنت ثم قام ليصلي عليها، قال عمر ﵁: أتصلي عليها وهي زانية؟! فقال رسول الله ﷺ : "لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين لكفتهم" (١). وكذلك جاء ما يشبه ذلك في قصة ماعز وأن الرسول ﷺ صلى عليه كما في صحيح البخاري (٢). وفي بعض الروايات أنه ما صلى عليه (٣). وصلَّى النبي ﷺ على الجهنية أيضًا (٤)، إذن فالإنسان إذا تاب إلى الله وأناب فإن الله يكفر عنه السيئات ويغفر

стр. 9713

الذنوب، والله تعالى قد فتح باب التوبة ودعا عباده المؤمنين الذين أسرفوا على أنفسهم أن يعودوا إلى الله ، وأن يتوبوا توبة نصوحًا وأن يتركوا ما وقعوا فيه من الذنوب والخطايا، وأن يعودوا إلى الله حتى يلقوا الله سبحانه تعالى بصحائف بيضاء نقية. قوله: (إنَّ الجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا فِي البَرْدِ … )، أي: إذا كان هناك حر شديد أو برد شديد أو كان هناك مرض، والمرض على قسمين: القسم الأول: أن يكون المرض خفيفًا، وهو المرض الذي يرجى برؤه. القسم الثاني: أن يكون المرض شديدًا وهو المرض الذي لا يرجى برؤه ويُخشى على الإنسان فيه من الهلاك. والعلماء متفقون من حيث الجملة على أنه لا يقام الحد في شدة الحر ولا في شدة البرد ولا على المريض؛ لأن المحدود يتأثر بذلك، فالمجلود إذا ضرب ربما حصلت له جروح في بدنه، فتتفاقم مع شدة الحر، وكذلك أيضًا مع شدة البرد، والمريض يتأذى كذلك بالضرب لأنه مريض مجهد، فإذا أضيف إليه الضرب زاده تعبًا ومشقة. وهو مذهب الجمهور؛ أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)،

стр. 9714

والشافعي (١)، ورواية عن أحمد (٢). ولكن أثر عن الحنابلة التفصيل في المريض، فإن كان مرضه خفيفًا يُرجى برؤه فإنه يقام عليه الحد، كما أقام عمر ﵁ الحد على قدامة بن مظعون لما شرب الخمر وكان مريضًا مرضًا غير مخوف فأقام عليه

стр. 9715

الحد (١). وأما إذا كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه فإنه يقام عليه الحد بسوط خفيف، فإذا كان يتأثر فإنه يضرب بمائة شِمْراخ مرة واحدة (٢)، وقد ثبت هذا عند أبي داود (٣)، والنسائي (٤)، وغيرهما (٥) في قصة الرجل الذي

стр. 9716

كان مريضًا فزنا بامرأة فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فأمر بضربه بعثكال، أي: بمائة شمراخ وهو من عِذْق النخل (١). واستدل الجمهور بحديث عن علي ﵁ عند مسلم (٢) أن أمة زنت فأمر رسول الله ﷺ (٣) - وفي رواية: فأمرني رسول الله ﷺ أن أجلدها، فإذا هي قريبة عهد بنفاس- أي: ولدت قريبًا ولا يزال الدم يخرج منها -فرأيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت" (٤). أي: أقره رسول الله ﷺ على ذلك. وفي رواية: أن رسول الله ﷺ سأله: "ما فعلت بها؟ "، فأخبره بذلك فأمره أن ينتظر حتى يزول ما بها من عارض (٥).

стр. 9717

قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: يُقَامُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ) (١): تنبه إلى أن هذا ليس مذهب الحنابلة على إطلاقه، ولكن على ما مضى تفصيله؛ فإن كان المرض خفيفًا فإنه يجلد كما في قصة قدامة (٢)، وإن كان مرضه لثمديدًا فإنه أيضًا يُتقى ألا يكون الضرب متلفًا له، أي: ألا يتلفه الجلد إذا خشي عليه فإنه يضرب بمائة شمراخ ضربة واحدة وهذا جاء في القرآن (٣). وبهذا يتبين أن هذه الشريعة إنما قامت على الرحمة وأن هذه الحدود لم تشرع لإيذاء الناس وإلحاق الألم بهم، ولكنها شرعت لترح الظالمين وتمنع المعتدين الذين يتعدون على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، فهي إنما شرعت ليكون المجتمع الإسلامي مجتمعًا يقوم على الرحمة والمحبة، ولتختفي منه الجريمة وأسبابها. * * *

стр. 9718

قال المصنف ﵀: (البَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَعْرفَةُ مَا تَثْبُتُ بهِ هَذِهِ الفَاحِشَةُ وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَا يَثْبُتُ بِالإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِظُهُورِ الحَمْلِ فِي النِّسَاءِ الغَيْرِ المُزَّوَجَاتِ إِذَا ادَّعَيْنَ الِاسْتِكْرَاهَ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِ الإِقْرَارِ وَشُرُوطِ الشَّهَادَةِ) (١). هذا الباب عقده المؤلف لبيان ما تثبت به هذه الفاحشة، فذكر إجماع العلماء على أن الزنى يثبت بالإقرار والشهادة، فهذا ليس محل خلاف بين العلماء، ولكن اختلفوا في بعض ما يتعلق بهما، كالشروط التي تشترط في الشهود، وكذلك بالنسبة للمُقر، من كونه مكلفًا -بالغًا عاقلًا-، ولذلك سأل النبي عمن أقر على نفسه بالزنا من يعرفه: "أبه جنون؟ " فقالوا: لا (٢). إذن لا بد أن يكون المعترف عاقلًا وكذلك أن يكون إقراره صريحًا (٣).

стр. 9719

* قوله: (فَأَمَّا الإِقْرَارُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ، أَحَدُهُمَا: عَدَدُ مَرَّاتِ الإِقْرَارِ الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الحَدُّ). الإقرار (١): أن يأتي إنسان ويقول: ارتكبت حد كذا، كأن يقول: زنيت، كما في قصة ماعز (٢). * قوله: (وَالمَوْضِعُ الثَّانِي: هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَلَّا يَرْجِعَ عَنِ الإِقْرَارِ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الحَدُّ؟). هذا فيه عناية الشريعة الإسلامية بهذا المقر؛ لأنه قد يقر ولكنه قد يرجع عن ذلك، فهل تعطى له الفرصة، وجمهور العلماء يأخذون برجوعه كما سيأتي. * قوله: (أَمَّا عَدَدُ الإِقْرَارِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، فَإِنَّ مَالِكًا (٣)، وَالشَّافِعِيَّ (٤)، يَقُولَانِ: يَكْفِي فِي وُجُوب الحَدِّ عَلَيْهِ اعْتِرَافُهُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٦)،

стр. 9720

وَالطَّبَرِيُّ (١) وَجَمَاعَة (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلَّا بِأَقَارِيرَ أَرْبَعَةٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٣)، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ (٤). وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" (٥)، وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا (٦)، وَعُمْدَةُ الكُوفِيِّينَ مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊: "أَنَّهُ رَدَّ مَاعِزًا حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجْمِهِ" (٧).

стр. 9721

وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ قَالُوا: وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أَقَرَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا تَقْصِيرٌ (١)، وَمَنْ قَصَّرَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَ) (٢). لو جاء إنسان فاعترف بالزنا مرة واحدة (فقال: زنيت) وتوفرت شروط الإقرار فيه فإنه يقام عليه الحد عند الإمامين مالك والشافعي، وخالفهما الإمامان أبو حنيفة وأحمد فقالا: لا بد من أربع إقرارات (٣). ثم اختلف أصحاب هذا القول: هل يشترط أن تكون في مجلس واحد أو في أكثر من مجلس؟ فذهب الحنابلة إلى أنه يكفي أن تكون في مجلس واحد قبل أن يقوم القاضي أو الحاكم، فلو نهض قبل أن يتم حينئذٍ ينتقل إلى حد القذف (٤).

стр. 9722

وذهب الحنفية إلى أنه لا بد أن تكون في مجالس متفرقة (١)، والقصد من ذلك هو التوثق (٢)؛ لأنها جريمة خطيرة وشرتب عليها حد وضرر، ولذلك من قذف مؤمنًا ولم يأت بأربعة شهداء فإنه يقام عليه حد القذف صيانة لأعراض المسلمين. إذن لا بد من وجود دلائل قطعية على ثبوت الزنا سواء كان بإقرار فيعترف على نفسه أو بالشهادة كما سيأتي. واحتج أصحاب القول الأول بقصة العسيف -وقد مرت- وفيها أن النبي ﷺ قال: "واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها"، ولم يذكر عدد الإقرارات، بل قال: "إن اعترفت" والاعتراف يدخل فيه ما كان من مرة واحدة أو أكثر، فأقل ما ينطبق عليه: مرة (٣). واستدل أصحاب القول الثاني بأن النبي ﷺ ردَّ ماعزًا حتى أقرَّ أربع مرات ثم أمر برجمه (٤)، وفي رواية في غير الصحيحين -ولم يوردها المؤلف-: "لقد أقررت على نفسك أربعًا" (٥)، وفي أُخرى أن أبا بكر قال له: إن أقررت أربعًا رجمك رسول الله ﷺ (٦).

стр. 9723

ووجه الدلالة من هذه الرواية: أن رسول ﷺ سمع أبا بكر فلو كان قوله غير صحيح لما سكت عنه، وسكوته ﷺ إقرار له، فالسُّنة تكون بالقول أو بالفعل أو بالإقرار (١). وأما حديث العسيف فغاية ما فيه أن الاعتراف أحد الأمور التي يثبت بها حد الرجم، وهو دليل مطلق أم حديث ماعز فهو دليل مقيد. ولو أنعمنا النظر في أحكام الزنا نجد أنها بُنيت على الاحتياط والتحري لأنه أمر يتعلق بحق مسلم، فلا شك في أن إقراره أربع مرات أولى وأحوط (٢). * قوله: (وَأَمَّا المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ مَنِ اعْتَرَفَ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ (٣)، إِلَّا ابْنَ أَبِي

стр. 9724

لَيْلَى (١)، وَعُثْمَانَ البَتِّيَّ (٢)، وَفَصَّلَ مَالِكٌ، فَقَالَ: إِنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ، وَأَمَّا إِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: يُقْبَلُ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ. وَالثَّانِيَةُ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ (٣)، وَإِنَّمَا صَارَ الجُمْهُورُ إِلَى تَأْثِيرِ الرُّجُوعِ فِي الإِقْرَارِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ تَقْرِيرِهِ ﷺ مَاعِزًا

стр. 9725

وَغَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ (١)، وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ سُقُوطَ الحَدِّ بِالرُّجُوعِ أَنْ يَكُونَ التَّمَادِي عَلَى الإِقْرَارِ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الحَدِّ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ: "أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا رُجِمَ وَمَسَّتْهُ الحِجَارَةُ هَرَبَ، فَاتَّبَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: رُدُّونِي إِلَى رَسُولِ الله ﵊! " فَقَتَلُوهُ رَجْمًا"). انتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى من مسائل الإقرار: وهي رجوع من اعترف على نفسه بالزنا، فذهب الجمهور (أبو حنيفة والشافعي وأحمد) إلى أن رجوعه يُقبل مطلقًا؛ لأنه أقر على نفسه ورجع وهذا أمر بينه وبين الله والتوبة تجبُّ ما قبلها. وذهب مالك إلى التفصيل؛ فإن رجع وكان له شبهة في رجوعه قُبل، وأما إن رجع إلى غير شبهة كمن أتعبته الحجارة التي أصابته فرجع لشدة الألم، فعنه في ذلك روايتان؛ إحداهما: يقبل وهو قول الجمهور. والثانية: لا يقبل. والأول أشهر (٢). وفرَّع بعضهم على هذا مسألة وهي: لو طلب أن يرد فرجم حتى مات هل يترتب على الذين رجموه شيء؟ قالوا: لا؛ لأنه مستحق لذلك أصلًا باعترافه (٣).

стр. 9726

وقال أهل العلم: لو أكره إنسان على الاعتراف فلا اعتبار لذلك؛ لأن هذا الأمر يرجع إلى إقرار الإنسان، فهو الذي يقر على نفسه في هذا الأمر. ولذلك ما عرف أن الرسول سأل عن المرأة في هذه الحوادث ولا طلبها ثم سألها فأقام عليها الحد، ما عرف هذا أبدًا (١). ولذلك اختلف العلماء فيما إذا اعترف رجل بالزنا وسمى المرأة ثم أنكرت؛ فقالوا: هي لا يقام عليها الحد، واعتبر بعضهم إنكارها شبهة يدرأ عنه بها الحد، وبعضهم قال: لا، بل يقام عليه لأنه اعترف (٢).

стр. 9727

* قوله: (وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﵊، فَقَالَ: "هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ؟ ") (١). فيه أن الإنسان إذا اعترف بهذا الحد ثم رجع عنه فإن قوله معتبر فلو رجع أثناء الجلد أو الرجم فإنه يوقف عنه ذلك الحد. * قوله: (وَمِنْ هُنَا تَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ الحُدُودَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَمُ التَّؤبَةِ شَرْطًا ثَالِثًا فِي وُجُوبِ الحَدِّ) (٢).

стр. 9728

والجمهور على خلافه، لما جاء في قصة الذي سرق رداء صفوان -وكان يساوي نصابًا- وهو في المسجد وكان قد وضعه تحت رأسه فامسك به صفوان وذهب به إلى رسول الله ﷺ فأمر بقطعه، فقال صفوان: ما أردت ذلك، فقال: "هلا قبل أن تأتيني به " (١). يعني لك أن تعفو عنه قبل ذلك، ولذلك قال العلماء: إذا رفع الحد إلى الإمام فإنه ينفذ وإنما تكون التوبة قبل ذلك (٢)، وعلى هذا

стр. 9729

يكون عدم التوبة شرطًا ثالثًا في وجوب الحد (١). * قوله: (وَأَ مَا يَثْبُتُ الزِّنَا بِالشُّهُودِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ ثُبُوتُ الزِّنَا بِالشُّهُودِ، وَأَنَّ العَدَدَ المُشْتَرَطَ فِي الشُّهُودِ أَرْبَعَة بِخِلَافِ سَائِرِ الحُقُوقِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤]) انتقل المؤلف إلى الكلام عن الشهود، ولا خلاف بين العلماء على أنه لا يجوز أن يقل الشهود عن أربعة (٢)؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]. وفي حديث سعد بن عبادة أنه قال لرسول الله: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى أتي بأربعة شهداء! فقال رسول الله ﷺ : "نعم " (٣). شروط الشهادة: الشرط الأول: أن يكونوا أربعة؛ لما سبق من الأدلة.

стр. 9730

الشرط الثاني: أن يكونوا رجالًا (١)، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هذا العدد يشير إلى الرجال، أي: الذكور، وكذلك في حديث سعد (٢). وهناك من نازع في هذين الشرطين وقال: يصح أن يكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتان، وهذا قول ضعيف؛ لأن الله أكد ذلك ولا شك أن الرجال شهادتهم أقوى في هذا الحال (٣). الشرط الثالث: أن يكونوا أحرارًا؛ لأن العبيد مختلف في شهادتهم في كثير من الحقوق، فلا ينبغي أن يثبت الزنا بها (٤). الشرط الرابع: أن يكونوا عدولًا؛ أي: غير فاسقين؛ لأن العدالة شرط في الشهادات عمومًا وإذا كانت جميع الشهادات يشترط فيها العدالة فهي فيما يتعلق بالزنا أولى لأنه اختص بعدد لم يشركه فيه غيره (٥). الشرط الخامس: أن يكونوا مسلمين؛ لأن الكافر غير موثوق به فلا عدالة له، ولأنه لا تقبل روايته ولا شهادته في الأمور الدينية فكذلك لا نقبل هنا.

стр. 9731

الشرط السادس:- وهو من أدق الشروط- أن يصفوا الزنا، ولا بد أن يذكروا أنهم شاهدوا كأن يقول: رأيت ذكره في فرجها؛ هذا نص عند العلماء لا خلاف فيه؛ لأن رسول الله أنه لا يجوز أن يقل لما قرر ماعزًا بذلك أكد على ذلك الأمر، وبهذا نتبين عظم الشهادة في الزنا لأنه يترتب عليه أمر عظيم. ولذلك تغيّر وجه عمر ﵁ وغضب عندما جاءه شخص فرمى أحد الصحابة بالزنا ثم الثاني ثم الثالث حتى جاء الرابم فجلدهم حد القذف (١). الشرط السابع: أن يكونوا في مجلس واحد، أي: أن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، وبه قال الجمهور (٢)، خلافًا للشافعي (٣) فأجاز الشهادة ولو تعدد المجلس لعموم الآية.

стр. 9732

وهذه الشروط الدقيقة إنما وضعت حرصًا على سلامة المسلم وصيانة عرضه لئلا يُمس أحد بأذى، فإذا كانت مثل هذه الجرائم لا تثبت إلا عندما تتوفر هذه الشروط يكون المقدم عليها حينئذٍ عالمًا بما سيكون، وأنه إذا لم يتوفر العدد ولم تتوفر تلك الشروط ينقلب الأمر فيجلد الذين افتروا على المؤمنين (١). واعلم أن سائر الحقوق يكتفى فيها باثنين (٢). وهناك من المسائل ما

стр. 9733

يكتفى فيها بشهادة رجل وامرأتين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). وهناك من المسائل ما يقتصر فيها على شهادة النساء، وهي تلك الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كالذي يتعلق بأحكام الحيض والولادة ونحوها (٢).

стр. 9734

أما ثبوت الزنى فإنه يشترط فيه أربعة شهداء؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، فلو طرق المجال للناس ما سلم أحد، كيف ولم تسلم عائشة أم المؤمنين ﵄ مما قاله الناس حتى برأها الله من فوق سبع سماوات، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا في كتاب القذف. * قوله: (وَأَنَّ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا). وقد مر بنا ذكر صفات الشهود، ومنها العدالة لأن الفاسق لا يؤمن على الشهادة ولذلك قال الله تعالى في الذين يشهدون ولم تتِم شهادتهم ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾؛ فأمر الله برد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا الذين تابوا من بعد ذلك (١). * قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بِمُعَايَنَةِ فَرْجِهِ فِي فَرْجِهَا، وَأَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّصْرِيحِ لَا بِالكِنَايَةِ) (٢). وسبق أن الرسول ﷺ لم يُكَنِّ؛ لأن هذه مسائل لا يُكنَّى فيها؛ لأن الكناية لا تنفع في هذا المقام لأن فيه رميًا لمسلم أو لمسلمة بأمر يترتب عليها إقامة حد وإلحاق العار به، ولذلك ينبغي ألا يقدم الشهود على أمر

стр. 9735

إلا وقد توثقوا منه، وفي ذلك ردْع لأولئك الذين يخوضون في أعراض الناس ويتهمونهم ويصفونهم بأمور ربما لا يكونون على حق فيها. * قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَلَّا يُخْتَلَفَ لَا فِي زَمَانٍ وَلَا فِي مَكَانِ (١) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوَايَا المَشْهُورَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَنَّهُ رَآهَا فِي رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ يَطَؤُهَا غَيْرِ الرُّكْنِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ الآخَرُ (٢)، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ
следующие страницы →