← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

الشرط السادس:- وهو من أدق الشروط- أن يصفوا الزنا، ولا بد أن يذكروا أنهم شاهدوا كأن يقول: رأيت ذكره في فرجها؛ هذا نص عند العلماء لا خلاف فيه؛ لأن رسول الله أنه لا يجوز أن يقل لما قرر ماعزًا بذلك أكد على ذلك الأمر، وبهذا نتبين عظم الشهادة في الزنا لأنه يترتب عليه أمر عظيم. ولذلك تغيّر وجه عمر ﵁ وغضب عندما جاءه شخص فرمى أحد الصحابة بالزنا ثم الثاني ثم الثالث حتى جاء الرابم فجلدهم حد القذف (١). الشرط السابع: أن يكونوا في مجلس واحد، أي: أن يؤدوا الشهادة في مجلس واحد، وبه قال الجمهور (٢)، خلافًا للشافعي (٣) فأجاز الشهادة ولو تعدد المجلس لعموم الآية.

стр. 9732

وهذه الشروط الدقيقة إنما وضعت حرصًا على سلامة المسلم وصيانة عرضه لئلا يُمس أحد بأذى، فإذا كانت مثل هذه الجرائم لا تثبت إلا عندما تتوفر هذه الشروط يكون المقدم عليها حينئذٍ عالمًا بما سيكون، وأنه إذا لم يتوفر العدد ولم تتوفر تلك الشروط ينقلب الأمر فيجلد الذين افتروا على المؤمنين (١). واعلم أن سائر الحقوق يكتفى فيها باثنين (٢). وهناك من المسائل ما

стр. 9733

يكتفى فيها بشهادة رجل وامرأتين، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (١). وهناك من المسائل ما يقتصر فيها على شهادة النساء، وهي تلك الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، كالذي يتعلق بأحكام الحيض والولادة ونحوها (٢).

стр. 9734

أما ثبوت الزنى فإنه يشترط فيه أربعة شهداء؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، فلو طرق المجال للناس ما سلم أحد، كيف ولم تسلم عائشة أم المؤمنين ﵄ مما قاله الناس حتى برأها الله من فوق سبع سماوات، وسيأتي الكلام عنه مفصلًا في كتاب القذف. * قوله: (وَأَنَّ مِنْ صِفَتِهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا). وقد مر بنا ذكر صفات الشهود، ومنها العدالة لأن الفاسق لا يؤمن على الشهادة ولذلك قال الله تعالى في الذين يشهدون ولم تتِم شهادتهم ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾؛ فأمر الله برد شهادتهم ووصفهم بالفسق إلا الذين تابوا من بعد ذلك (١). * قوله: (وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَنْ تَكُونَ بِمُعَايَنَةِ فَرْجِهِ فِي فَرْجِهَا، وَأَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّصْرِيحِ لَا بِالكِنَايَةِ) (٢). وسبق أن الرسول ﷺ لم يُكَنِّ؛ لأن هذه مسائل لا يُكنَّى فيها؛ لأن الكناية لا تنفع في هذا المقام لأن فيه رميًا لمسلم أو لمسلمة بأمر يترتب عليها إقامة حد وإلحاق العار به، ولذلك ينبغي ألا يقدم الشهود على أمر

стр. 9735

إلا وقد توثقوا منه، وفي ذلك ردْع لأولئك الذين يخوضون في أعراض الناس ويتهمونهم ويصفونهم بأمور ربما لا يكونون على حق فيها. * قوله: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَلَّا يُخْتَلَفَ لَا فِي زَمَانٍ وَلَا فِي مَكَانِ (١) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ مَسْأَلَةِ الزَّوَايَا المَشْهُورَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ كلُّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَنَّهُ رَآهَا فِي رُكْنٍ مِنَ البَيْتِ يَطَؤُهَا غَيْرِ الرُّكْنِ الَّذِي رَآهُ فِيهِ الآخَرُ (٢)، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ

стр. 9736

تُلَفَّقُ الشَّهَادَةُ المُخْتَلِفَةُ بِالمَكَانِ؟ أَمْ لَا تُلَفَّقُ كالشَّهَادَةِ المُخْتَلِفَةِ بِالزَّمَانِ؟ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلَفَّقُ، وَالمَكَانُ أَشْبَهُ بِالزَّمَانِ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الشَّرْعِ قَصْدُهُ إِلَى التَّوَثُّقِ فِي ثُبوتِ هَذَا الحَدِّ أَكثَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الحُدُودِ). الاختلاف في الزمان كأن يقول أحدهم: هذا فعل في شهر محرم، ويقول الثاني: فعل في شهر صفر، ويقول الثالث: بل في ربيع. والاختلاف في المكان: كأن يقول أحدهم: في مدينة كذا، ويقول الثاني: بل في مدينة كذا. فشرط الجمهور في هذه الشهادة ألا تختلف لا في زمان ولا في مكان، إلا ما حكي عن أبي حنيفة ﵀ في مسألة الزوايا المشهورة وهو أن يشهد كل واحد من الأربعة أنه رآها في ركن من البيت يطأها غير الركن الذي رآها فيه الآخر (١). وبهذا نتبين عِظَم حرمة المسلم عند الله تعالى، وأن أمره ليس بالأمر السهل اليسير الذي يتعدى عليه كل إنسان، فإن الرسول ﷺ نهى عن إيذاء المؤمنين والتعدي عليهم، وأن من تتبع عثرات الناس تتبع الله عثراته حتى يفضحه في بيته (٢)، فعلى المسلم أن

стр. 9737

يكون دائمًا عفَّ اللسان وأن يقول إذا سمع مقالة سيئة: سبحانك هذا بهتان عظيم، كما حصل من أبي أيوب وزوجته ﵁ (١). * قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي إِقَامَةِ الحُدُودِ بِظُهُورِ الحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ، فَإِنَّ طَائِفَةً أَوْجَبَتْ الحَدَّ عَلَى مَا ذَكرَهُ مَالِكٌ فِي "المُوَطَّإ" مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ (٢)، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ). البحث في هذه المسألة من مظاهر عناية الشريعة بحفظ سمعة المسلم وصيانة عرضه وسلامته من أن يُتعدى عليه، فإذا وجدت امرأة غير متزوجة حبلى فإنه لا يقام عليها الحد مباشرة، بل على التفصيل الذي ذكره المؤلف. وكان الأولى بالمؤلف أن يذكر أولًا قول جماهير العلماء بدلًا من أن يقدم الخلاف في مذهب مالك. فجماهير العلماء -أبو حنيفة (٣)، والشافعي (٤) وأحمد (٥)، وهو قول

стр. 9738

لمالك وهو المشهور عنه (١) - متفقون على أن المستكرهة لا يقام عليها الحد إذا وجدت حبلى واستدلوا على ذلك بعدة أدلة كثيرة لم يعرض لها المؤلف، منها: أولًا: قول النبي ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). وفي رواية: "عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٣)؛ إذن الاستكراه معتبر شرعًا، ولذلك تجاوز الله عنه. ثانيًا: ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه (٤) أن امرأة جيء بها إلى رسول الله ﷺ حبلى ولا زوج لها فذكرت أنها استكرهت فلم يقم عليها رسول الله ﷺ الحد (٥). ثالثًا: قصة جواري الإمارة اللاتي استكرههن غلمان الإمارة في زمن

стр. 9739

عمر ﵁ فإنه أقام على الغلمان الحد ولم يقم على الجواري لأنهم استُكْرهوا (١). رابعًا: قصة المرأة التي طرقها رجل وهي نائمة - ثقيلة النوم عندها آلام في رأسها - فلم تشعر حتى ذهب الرجل ولم تعرفه فلما جيء بها إلى عمر ﵁ أخبرته بذلك فدرأ عنها الحد (٢). خامسًا: قصة المرأة التي جاءت إلى الراعي تلهث من العطش فطلبت منه أن يسقيها فاشترط عليها أن تمكنه من نفسها ففعلت مضطرة - وهي قضية قد اشتهرت - فبلغ ذلك عمر ﵁ فاستشار عليًّا فقال علي ﵁: إنها مضطرة فعفا عنها (٣). والأدلة المنقولة عن الصحابة في ذلك كثيرة. إذن الحبلى إذا استكرهت وكانت غير ذات زوج فإنه يدرأ عنها الحد. وأما ما ذكره المؤلف عن الإمام مالك ﵁ فإنه استدل على ذلك بعدة أدلة: الأول: بعموم ما جاء دي خطبة عمر ﵁ وفيها قال: "إن الله قد أنزل على نبيه ﷺ القرآن وكان فيما أنزل عليه آية الرجم - تم تلا آية الرجم - إن الرجم واجب على من زنى وقد أحصن، ثم ذكر لكل ﵁ بعد ذلك الشهادة والاعتراف والحبل، ولم يستثنِ من ذلك المُكره (٤).

стр. 9740

لكن هذه الصور التي تقدمت ثبت فيها أن عمر ﵁ اعتبر ذلك وعمل به عن مشورة الصحابة ﵁. وأما قوله هنا فهو قول عام ولا شك في أن الحبل معتبر لكن إذا لم يصاحبه إكراه. الثاني: أثر علي ﵁ وقد مر وفيه: "الزنا زناءان: زنا سر وهو الذي يثبت بالشهود وزنا علانية وهو الذي يكون بالاعتراف أو الحبل" (١). قالوا: هنا قال الحبل وسكت. وقد تقدم في الدليل الخامس لأصحاب القول الأول أن عليًّا ﵁ لا يرى إقامة الحد على المكره. الثالث: قصة المرأة التي جيء بها إلى عثمان ﵁ وقد ولدت لستة أشهر فأراد عثمان ﵁ أنه يقيم عليها الحد فقال علي ﵁: ليس لك ذلك وتلا قول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٢). فهذا نص في أن (فصاله)، أي: الرضاعة سنتان، إذن أقل مدة تلد فيها المرأة هي ستة أشهر فدرأ عنها الحد. هذه الأدلة التي استُدل بها لمالك ﵀، وهي أدلة عامة لكن أدلة الجمهور خاصة في هذه المسألة، وبذلك يتبين أنه يدرأ عنها الحد، وقد عرفنا أن الحدود عامة تدرأ بالشبهات فما بالكم بهذا الحد الخطير؟! والله أعلم

стр. 9741

• قوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَاءَتْ بِأَمَارَةٍ عَلَى اسْتِكْرَاهِهَا، مِثْلَ أَنْ يمُونَ بِكْرًا فَتَأْتِيَ وَهِيَ تَدْمَى). أي: إذا جاءت تصرخ مثلًا أو تستغيث بالناس أو أتت والدم يسيل. لكن الجمهور على أنه يكتفى بدعوى الإكراه ولا حاجة إلى هذه الأمور لقول النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (١)، وقوله: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" (٢). • قوله: (أَوْ تَفْضَحَ نَفْسَهَا بِأَثَرِ الِاسْتِكْرَاهِ). أي: تأتي فتصرخ أو تستغيث بالناس تطلب النجدة وهذا يعنى أنها تكشف أمرها. • قوله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الأَمْرُ إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ إِلَّا أَنْ تُقِيمَ البَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ (٣)، مَا عَدَا الطَّارِئَةَ، فَإِنَّ ابْنَ القَاسِمِ قَالَ: إِذَا ادَّعَتِ الزَّوْجِيَّةَ، وَكانَتْ طَارِئَةً؛ قُبِلَ قَوْلُهَا (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُقَامُ عَلَيْهَا

стр. 9742

الحَدُّ بِظُهُورِ الحَمْلِ مَعَ دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ، وَكَذَلِكَ مَعَ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ فِي دَعْوَى الِاسْتِكْرَاهِ بِأَمَارَةٍ، وَلَا فِي دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ، ثُمَّ ادَّعَى الِاسْتِكْرَاهَ (١). وَمِنَ الحُجَّةِ لَهُمْ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ شُرَاحَةَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لَهَا: "اسْتُكْرِهْتِ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَعَلَّ رَجُلًا أَتَاكِ فِي نَوْمِكِ" (٢). قَالُوا: وَرَوَى الَأثْبَاتُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبِلَ قَوْلَ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا ثَقِيلَةُ النَّوْمِ، وَأَنَّ رَجُلًا طَرَقَهَا، فَمَضَى عَنْهَا، وَلَمْ تَدْرِ مَنْ هُوَ بَعْدُ) (٣). وفي قصة شراحة (٤) التي جلدها علي ﵁ يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة أيضًا هو سألها فقال لها: لعلك استكرهت، لعل رجلًا أتاك في نومك، فكأنه يلقنها حجتها، وهذه أمور يتوثق منها، كما في قصة تلك المرأة التي ذهبت تصلي فلقيها رجل فاعتدى عليها فواقعها فبدأت تصرخ

стр. 9743

فلقيت رجلًا فأخبرته ثم إنه قام المهاجرون فاتهمت ذاك الشخص الذي هو بريء فلما أريد أن يقام عليه الحد قام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله (١). لأنهم كانوا يخافون، لكن الزمن يتغير. وكذلك ما حصل من الرسول ﷺ من حوار ومناقشة مع ماعز: "لعلك قبلت لعلك غمزت لعلك كذا"، ثم ينصرف عنه وينتقل إلى الجهة الأُخرى، فذكر له كل شيء حتى صرح له، قال: "غاب ذلك هنك في ذلك منها؟ " قال: نعم. فإنما أراد التطهير ﵁ فكان مصرًّا عليه. • قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلَامِ أَنَّ المُسْتَكْرَهَةَ لَا حَدَّ عَلَيْهَا (٢)، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ لَهَا، وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلِ الصَّدَاقُ عِوَضٌ عَنِ البُضْع؟ أَوْ هُوَ نِحْلَةٌ؟ فَمَنْ قَالَ: عِوَضٌ عَنِ البُضْعِ؟ أَوْجَبَهُ فِي البُضْعِ فِي الحِلِّيَّةِ وَالحُرْمِيَّةِ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ نِحْلَةٌ خَصَّ الله بِهِ الأَزْوَاجَ؛ لَمْ يُوجِبْهُ. وَهَذَا الَأصْلُ كَافٍ فِي هَذَا الكِتَابِ، وَالله المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ). مسألة وجوب الصداق مرت بنا في كتاب النكاح وأن الأئمة الثلاثة قالوا بوجوب الصداق لها لأنه تعدى عليها واستحل من فرجها وهو أمر محرم فحينئذ يلزمه الصداق خلافًا لأبي حنيفة (٣).

стр. 9744

وختم المؤلف بهذه المسألة كتاب الزنا وهو لم يفصل الأقوال فيه ولكن ما جاء به شيء جيد فقدجاء بكبريات المسائل. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 9745

[كِتَابُ الْقَذْفِ] (١) والمراد به: رمي الإنسان بالزنا، أو نفيه عن نسبه، وكلا الأمرين فيه خطورة؛ لأن رمي المسلم بالزنا فيه تعدٍّ عليه، وفيه إيلام وإيذاء له وإلحاق المعوَّة به، فربما تتناقله الناس ويتلقَّفه بعض الجهال، ولذلك وضعت هذه الشريعة الإسلامية حدًّا قاسيًا صارمًا رادعًا لأولئك الذين تحدِّثهم أنفسهم بأن تتطاول ألسنتهم فتمس أعراض الناس أو تعتدي أيضًا على سمعتهم أو على شرفهم، فالله قد حذر من ذلك غاية التحذير، فلا يجوز أن يُرمى مسلم ببهتان؛ ولذلك نجد أن القذف محرم بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، وقام الإجماع (٢) على ذلك … أما في الكتاب العزيز:

стр. 9746

فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. فهذه صفات وصفهم الله تعالى بها، بأن تُرد شهاداتهم وأن يُعدُّوا ضمن الفاسقين؛ لأنهم تجرؤوا فرموا مسلمًا أو مسلمةً، وكذلك من الآيات التي وردت أْيضًا في سورة النور قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥]. هؤلاء الذين يرمون المحصنات العفيفات الغافلات المعرضات عن السوء، المؤمنات اللاتي آمنَّ بالله ربًّا وأذعنَّ لأحكام هذه الشريعة، ولا بدَّ أدْ يتوبوا لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]، ويقول الله : ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، لكن المؤمن الحق إذا سمع سوءًا عن أخيه المؤمن فإنه يدافع عنه بظهر الغيب ولا يجوز له أن يخوض في الإفك، ولا أيضًا أن يخوض مع الخائضين ويتكلم مع الآثمين، بل عليه أن يدافع عن المؤمنين والمؤمنات، ولذلك أثنى الله على بعض المؤمنين بقوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]، وفي الآية الأُخرى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٦ - ١٧]، وكما هو معلوم أن مَن رُمي بالإفك هي أم المؤمنين ﵄ زوج رسول الله ﷺ وما حصل في قصة الإفك معلوم (١)، فإنهم بذلك آذوا رسول الله ﷺ وآذوا أهل بيته، ولمَّا دار حوار بين أبي أيوب وبين زوجته، قالت: "يا أبا أيوب، أسمعْتَ ما قيل في عائشة؟ " فماذا قال أبو أيوب ﵁؟ قال: "يا أم أيوب، لو أن ذلك حصل

стр. 9747

أيحصل منك ذلك؟! " قالت: "لا والله"، قال: "فعائشة خير منكِ" (١)، ولذلك قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]، وهذا هو شأن مبين؛ لأن المسلم دائمًا ينبغي أن يحافظ على عِرض أخيه المسلم وأن يدافع عنه، ولذلك يقول الرسول ﷺ : "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله" (٢)، فينبغي أن يكون المؤمن دائمًا ذاكرًا لله ، متجنبًا أذى المؤمنين، ولذلك لمَّا سأل معاذ رسولَ الله ﷺ : "وإنَّا لمؤاخَذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ " قال ﷺ : "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم"، أو قال: "على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟! " (٣)، ولسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن أهنته أهانك، ولذلك كل مؤمن لا يرضى أن يُمس بالأذى ولا أن يُجرح ولا أن تُمس أسرته ولا أولاده، ولا أن يصيب الأذى والديه وأقاربه، كذلك أيضًا ينبغي أن يكون المؤمنون دائمًا صفًّا واحدًا، وهم مطالبون بأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ومن يخوض في أذى أحد المسلمين فإنه قد أعان المعتدي - المتكلمَ - على الإثم والعدوان؛ ولذلك جاء ما يتعلق بتحريم الإفك دي كتاب الله قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٥]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع

стр. 9748

الموبقات"، يعني: المهلكات (١) القاصمات للظهر، والصحابة حريصون على أن يعرفوا ما هي، قالوا: "وما هن يا رسول الله؟ " قال ﷺ : "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" (٢)، وذلك يأتي موافقًا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وقال أيضًا: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النور: ١٦]. فالواجب على المسلم إذا سمع ذَمُّا في أخيه المسلم وهو لا يعرف حقيقةَ ذلك، أن يقول: "هذا بهتان عظيم" كما أرشد الله إلى ذلك، وسورة النور مدرسة؛ فيها تعليم للمؤمنين، وهي من السور التي فيها إصلاح للمجتمعات وتوجيه لها والأخذ بأيدي المؤمنين إلى طريق الخير، فإنها لم تقتصر فقط على الزنا ولا القذف، ولكنها بينت الآداب التي تتعلق بالاستئذان والزيارة، وكثيرًا من الأمور التي يحتاجها الإنسان في معاملاته وعلاقة المؤمن بربه … إلى غير ذلك من الأحكام التي فيها الدعوة إلى الاستجابة لله تعالى ولرسوله ﷺ . وخطورة مثل هذه الأمور واضحة، وقد يتساهل الإنسان أحيانًا في الأمر، فربما يجلس في مجلسٍ ما فيجد الناس يخوضون في عِرض مؤمن، فهو بين أمرين: إمَّا أن يسكت ولا ينكر فهو آثم، وإمَّا أن يخوض مع الخائضين وهو أيضًا أشد إثمًا، وهذا خلاف ما أرشد الله إليه وأرشد إليه رسوله الكريم ﷺ .

стр. 9749

• قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: فِي الْقَذْفِ، وَالْقَاذِفِ، وَالْمَقْذُوفِ، وَفِي الْعُقُوبَةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ، وَالَأصْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ٤]). من الأدلة التي أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تؤذوا المؤمنين ولا تُعيِّروا المؤمنين ولا تطلبوا عوراتهم؛ فإن من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته حتى يفضحه في بيته" (١)، وهذا أمر معروف، فإن عادة الذين يشتغلون بالقيل والقال والذين يتتبعون هفوات الناس ويتتبعون عثراتهم - ينتهي بهم المطاف إلى أن تجدهم حديث الناس أكثر من غيرهم، لكن المؤمن السعيد التقي النقي الذكي يوفقه الله إلى الخير فيبتعد عن هذه الطرق، وما أجمل أن نرى أحيانًا بعض العوام الذين لم يتعلموا: إذا سمع أحدهم قولًا - ولو خفيفًا - في فلان فإنه يقوم ويغادر المجلس، وقد رأينا نماذج من الصالحين من عوام الناس الذين لم يتعلموا، فتجد أن نفوسهم تشمئز، وقلوبهم تنفر من سماع قول في مؤمن، فما بالكم بالذين تعلَّموا أو درسوا أو بمن يلزم دروس العلم؟! فهذه من أخطر الأمور التي تقضي على حسنات المؤمن؛ لأن الإنسان إذا جاء يوم القيامة فإنه يُؤخذ من حسناته، ولما سأل رسول الله ﷺ : "من المفلس؟ "، قالوا: "المفلس فينا من لا دينار له ولا درهم"، قال: "لا، المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال صالحة: يأتي بصلاة وصيام وصدقة، لكنه شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا، فيُؤخذ من حسناته فتُعطى هذا، حتى إذا لم يبق له حسنات أُخذ من سيئاتهم فطُرحت

стр. 9750

عليه" (١)، وفي بعض الروايات: "حتى يُطرح في النار" (٢)، يعني إذا فنيت حسناته، وهذا من أخطر الأمور، ولذلك نجد أن الصالحين يشغلون أوقاتهم بذكر الله، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]، وهذه هي السعادة، والمؤمن يدرك ذلك تمامًا إذا ضاقت عليه الأرض ونزلت به مشكلات أو بعض المصائب في هذه الحياة الدنيا - ولا يسلم منها أحد -؛ فكل الناس يُبتلون، والله تعالى خلق الإنسان في كَبَد، أمَّا الحياة التي فيها السعادة والنعيم الذي لا يُنغَّص ففي جنة عرضها السماوات والأرض، أما الدنيا فإنها لا تصفو لأحد مهما بلغ من المرتبة والمال والصحة، فلا بد أن تمر به أوقات تنغص عليه حياته - وما أكثرها - ولكنه إذا عطر لسانه دائمًا بقول: "لا إله إلا الله" يجد أن هموم الدنيا قد تسربت كأنها خرجت من جميع مسام بدنه بشرط أن يقولها بقلب خاشع مدركًا لمعناها؛ فإنه بلا شك تسعد نفسه ويطمئن فؤاده. وللقذف أركان ثلاثة: فهناك قاذف - وهو الذي يتعدَّى على غيره -، وهناك مقذوف - وهو الذي رُمي بالقذف -، وهناك القذف - وهو الفعل -. أمَّا العقوبة، فإن الله قد بيَّنها ولم يترك بيانها لغيره، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]، والحديث الذي مر: "اجتنبوا السبع الموبقات" (٣)، الموبقات: المهلكات

стр. 9751

التي تقضي على أعمال الإنسان … فأنتم تعلمون أننا لو أردنا أن نتكلم عن ذاك الحديث لاحتجنا إلى وقت، فهل هناك ذنب أعظم من الشرك؟! ولذلك بدأ به رسول الله ﷺ : "الشرك بالله" ثم ذكر بعد ذلك قتل النفس التي حرم الله بغير حق، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٤]، ثم ذكر بعد ذلك أكل الربا، وقد حرم الله الربا في مواضع كثيرة من كتابه العزيز؛ فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وكذلك من أخطر الأمور أن يُعتدى على اليتيم، ذلك المسكين الذي فقد والده وهو في صغره، فكيف يتجرأ إنسان على أن يمد يده إلى ماله؟! والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وكذلك التولي يوم الزحف؛ فإنه لا ينبغي للمسلم أن يكون جبانًا، ثم جاء بعد ذلك آخرها وهو قذف المحصنات العفيفات الغافلات المعرضات عن الأذى المقبلات على الله المؤمنات به تصديقًا وعملًا، فكيف يتجرأ إنسان على أن يرمي المؤمن مؤمنًا أو مؤمنةً؟! وقد حصل ذلك كما تعلمون، ولذلك نزلت آية القذف. • قوله: (فَأَمَّا الْقَاذِفُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ وَصْفَيْنِ، وَهُمَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ).

стр. 9752

يعني: أن يكون مكلَّفًا؛ لأنه لو رمى صغير غيرَه - أو مجنون -، فكل منهما قد رُفع عنه القلم، والرسول ﷺ كما في حديث علي وغيره - يقول: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (١)، إذن، هو مرفوع عنه القلم؛ لأنه غير مكلف فلا تجب عليه الأحكام ولا يعاقَب، فكيف يقام عليه حد القذف؟! وهو نفسه لا يقام عليه حد الزنا، إذن فكذلك ما يتعلق بالقذف. • قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ). وهذه شروط القاذف، ولا فرق بين أن يكون ذكرًا أو أنثى، فلو أن رجلًا قذف رجلًا أو قذف امرأةً، أو أن امرأة قذفت رجلًا أو امرأة، فإنه يُقام عليهما الحد، وحتى لو كان القاذف عبدًا فإنه يقام عليه الحد إذا قذف حرًّا أو حرةً، والكافر أيضًا لو قذف حرًّا أو حرة فإنه يقام عليه الحد، إذن فالمؤلف عندما قال استثنى البلوغ والعقل، ثم استدرك فقد بيَّن أن القذف يقام على الذكر وعلى الأنثى، وأيضًا على الحر وعلى العبد، وعلى المسلم والكافر، وسواء في ذلك الذكر والأنثى، والحر والعبد، والمسلم وغير المسلم. • قوله: (وَأَمَّا الْمَقْذُوفُ فَاتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ). وهذا هو الذي يأتي في الدرجة الأُولى، وأمَّا المقذوف: فهو الذي

стр. 9753

لحقه الأذى، وهو الذي تُعُدِّي عليه وتُكُلِّم في حقه ورُمي بالزنا، فرماه إنسان وقال له: "يا زان"، أو قال له: "يا ابن الزانية" أو "يا ابن الزاني" أو غير ذلك من العبارات الصريحة في رميه بالزنا أو نفيه عن نسبه، فلو نفاه عن نسبه فإنه يدخل في هذا الأمر أيضًا؛ لأن كونه ينفيه عن نسبه يعني أنه مشكوك في أمره. • قوله: (أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ). وهذا أحيانًا يحصل من بعض الجهال الذين لا يدركون عقوبة ما ينطقون به، ولا يدركون أيضًا نتيجة ما يترتب على ذلك من الإثم والعدوان، فتراه - في أدنى خلاف يسير بينه وبين أخيه المسلم - يرميه بالبهتان، وهذا من أخطر الأمور. ولا يكفيه أيضًا أن يقول: أنا قلت ذلك في حالة غضب، ولذلك قال الرسول ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" (١)، فعلى المؤمن أن يتحكم في لسانه وفي جوارحه دائمًا؛ لأنه إذا أفلت لسانه قد لا يستطيع بعد ذلك أن يصلح ما يحصل منه، لكنه قبل أن يتكلم لا بد أن يمسك بزمامه ويسيطر عليه، وسيذكر المؤلف الشروط الخمسة التي تكون في المقذوف: متى يستحق المقذوف بأن يقام الحق على قاذفه؟ • قوله: (الْبُلُوغُ). والبلوغ متفق عليه عند الجمهور (٢)، لكن هناك رأي للإمام مالك (٣)،

стр. 9754

ورواية أيضًا أُخرى ليست مشهورة للإمام أحمد (١) أنه ليس شرطًا، فلو رَمَى صغيرًا فإنه لا يجب عليه حد القذف؛ لأن الصغير لو زنى فإنه لا يقام عليه الحد لأنه غير مكلف، فهذا الأمر بالنسبة للقذف، ولكن جماهير العلماء يقولون: إن البلوغ شرط؛ لأن هذه المعرَّة والسُّبَّة والإشاعة تتعلق به، وربما يعيِّره الناس بها صغيرًا وتنمو معه كبيرًا فيبقى موصومًا بذلك العار. • قوله: (وَالْحُرِّيَّةُ). والحرية أن يكون حرًّا، فلو كان المقذوف عبدًا فإنه لا يجب على قاذفه الحد، هذا هو الرأي الصحيح خلافًا لداود (٢). • قوله: (وَالْعَفَافُ). كذلك أن يكون عفيفًا، أمَّا إذا عُرف واشتهر بأنه يسعى للزنا والمعاصي، فلا يكون حينئذ عفيفًا؛ فهو الذي لوَّث نفسه. • قوله: (وَالإِسْلامُ). أن يكون مسلمًا، أما الكافر فلا عِرض له. • قوله: (وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الزِّنَا). وهذا هو الشرط الخامس التي يجب أن يتوفر في المقذوف.

стр. 9755

• قوله: (فَإِنِ انْخَرَمَ مِنْ هَذِهِ الَأوْصَافِ وَصْفٌ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ). وهذه الشروط استنبطها العلماء من نصوص الكتاب والسُّنة، وفيها احتياط وحفظ لِحَقِّ المقذوف، وفيها أيضًا مراعاة لما صدر عن القاذف؛ لأن القاذف قد يرمي إنسانًا هو أهل لما قال، والقاذف هو بين أمرين: لو رمى إنسانًا اجتمعت فيه الشروط التي يترتَّب عليها أن يقام عليه حد القذف - ما لم يأتِ بإثبات ذلك -، فهو بين أمرين: إمَّا أن يأتي بشهود أربعة على الأوصاف التي ذكرناها فتجتمع فيه الشروط السبعة، وإلَّا يقام عليه حد القذف. • قوله: (وَالْجُمْهُورُ (١) بِالْجُمْلَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمَقْذُوفِ). وقول المؤلف "بالجملة" إشارة إلى قول داوود الظاهري (٢)، فإن أهل الظاهر (٣) يقولون: لو أن إنسانًا قذف عبدًا فإنه يقام عليه الحد، يقولون: أليس مسلمًا؟ أليس يتأذى كما يتأذى الحر؟ أليس يلحقه العار؟ هو نتيجته أيضا في الغالب سيعتق ولصير حرًّا فهو يتأذى كما يتأذى غيره، ويستدل بعموم الأدلة. • قوله: (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ). والمؤلف كأنه غير متأكد من الخلاف، والخلاف - كما هو - لداود الظاهري - كما ذكرتُ لكم -.

стр. 9756

• قوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي سِنِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيقَ الْوَطْءَ) (١). فالإمام أحمد (٢) كذلك يعتبر بالنسبة للصغير عشر سنوات، وبالنسبة للصغيرة تسع سنوات. • قوله: (وَأَمَّا الْقَذْفُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ فَاتَّفَقُوا (٣) عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْمِيَ الْقَاذِفُ الْمَقْذُوفَ بِالزِّنَا). كأن يقول له: "يا زاني"، "أنت زنيت"، "أنت ابن زنى"، "أبوك زان"، "أمك زانية" … إلى آخر من أي عبارة صريحة في القذف. • قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَنْفِيَهُ عَنْ نَسَبِهِ إِذَا كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً مُسْلِمَةً). لأنه إذا نفاه عن ذلك فانتهى الأمر إلى أنه شكَّك في نسبه فعاد إلى الوصف الأول.

стр. 9757

• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَتْ كَافِرَةً أَوْ أَمَةً، فَقَالَ مَالِكَّ (١): سَوَاءٌ أَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، مُسْلِمَةً أَوْ كافِرَةً يَجِبُ الْحَدُّ). مراد المؤلف: إن كانت أُمُّه حرةً فهذا قذف، أمَّا إن كانت ذمِّيةً فهذا حكم آخر سيأتي تفصيله، وكما هو معلوم أن المسلم يجوز له أن يتزوج الكتابية، أو كانت أمَة من لم يستطع قولًا أن ينكح المحصنات فحينئذ ما الحكم هنا لو رمى إنسان أمه ليست حرةً إما ذميةً وإما غير حرة؟ ومالك أكثر الأئمة تشددًا واحتياطًا في هذا الأمر، فيقول: لا فرق، وينبغي أن تُعفَّ ألسنة الناس، وتُحفظ عن التعدي على الآخرين، ولا فرق بين أن تكون أمه حرةً وأن تكون غير حرة: مسلمةً أو غير مسلمة. • قوله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ (٢): لَا حَدَّ عَلَيْهِ إِذَا كانَتْ أُمُّ الْمَقْذُوفِ أَمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً). وإبراهيم النخعي من التابعين، وهذا القول المذكور هو قول الأئمة الثلاثة الذين سيشير المؤلف إلى بعضهم ومعهم أحمد. • قوله: (وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (٣)، وَأَبِي حَنِيفَةَ) (٤).

стр. 9758

بل هو قول الأئمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد (١) • قوله: (وَاتَّفَقُوا (٢) أَنَّ الْقَذْفَ إِذَا كَانَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَجَبَ الْحَدُّ. وَاخْتَلَفُوا إِنْ كَانَ بِتَعْرِيضٍ). كأن يقول له مثلًا: "ما أنا بزانٍ" أو يقول: "أبي ليس بزانٍ وأمي ليست بزانية"، هل هذه صفة مدح؟ وقد وقعت هذه الحادثة في زمن عمر ﵁ فاستشار الصحابة وقال: هذا يمدح أباه وأمه ويعرض بالآخر (٣).

стр. 9759

• قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَة (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٣): لَا حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ). وكذلك أحمد (٤)، فالأئمة الثلاثة بل جمهور العلماء قالوا: لا حد في التعريض؛ لأن التعريض ليس صريحًا، فكما أنه حفظ حق المقذوف، كذلك أيضًا حفظ حق القاذف؛ لأنه ليس بصريح، لكنه لو صرح به فإنه حينئذ يترتب الحكم عليه. • قوله: (إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ (٥) يَرَيَان فِيهِ التَّعْزِيرَ. وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ: ابْنُ مَسْعُودٍ (٦)، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٧): فِي التَّعْرِيضِ الْحَدُّ. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ وَقَعَتْ فِي زَمَان عُمَرَ،

стр. 9760

فَشَاوَرَ عُمَرُ فِيهَا الصَّحَابَةَ) (١). انقسموا العلماء إلى قسمين: فريق منهم - وهم الجمهور (٢) - قالوا: لا حد في التعريض، ويستدلون بالحديث الصحيح في قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله فقال: "يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! " (٣) - يُعرِّض بنفيه - فلم يقم عليه رسول الله ﷺ حدًّا ولم يأمر بذلك، وأما الفريق الآخر - وهم مالك ومن معهم - فقالوا: إنه يُحَدُّ في التعريض، ويستدلون بقصة عمر ﵁ في الرجلين اللذين اختصما، فقال أحدهما للآخر: "ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية"، فاستشار عمر ﵁ الصحابة في ذلك فقالوا: "قد مدح أباه وأمه" فقال عمر ﵁: "لقد عرَّض به"، فأمر به فجُلد حد القذف (٤). • قوله: (فَاخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَيْهِ، فَرَأَى عُمَرُ فِيهَا الْحَدَّ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ بِعُرْفِ العَادَةِ وَالاسْتِعْمَالِ الصَّرِيحِ). وبعض النسخ فيها: "باستعمال الصريح"، وهو خطأ، والصحيح هو ما أُثبت، وهنا أيضًا سقط فتنبهوا لهذا. • قوله: (وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ فِيهَا مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَعْنِي: مَقُولًا بِالاسْتِعَارَةِ). فالكناية -كما هو معلوم- ليست صريحة الدلالة، ولكنها تحتمل، ولذلك فجمهور العلماء لا يعتدون بذلك، ورأيتم ما استدل الجمهور به ولم يذكره المؤلف، وهو قصة الذي عرَّض بامرأته بنفي الوالد عندما قال:

стр. 9761

"ولدَتْ غلامًا" (١)، في بعض الروايات: "يخالف لون أبيه وأمه" (٢)، وتعلمون قصته - وهي أطول مما ذكرنا - فإن الرسول ﷺ سأله: "هل لك من إبل؟ "، قال: "نعم"، قال: "هل فيها من أورق؟ "، قال: "نعم"، قال: "وكيف أتاها ذلك؟ "، أو: "أين أتاها ذلك؟ "، قال: "لعله نزعه عِرق"، فقال له رسول الله ﷺ : "ولعل ابنك هذا نزعه عِرق"، فانظروا كيف أجابه الرسول ﷺ وكيف بيَّن له بالقياس التي انتهى به إلى أن طمأن نفسه، لكن الشاهد أنه جاء يُعرِّض بنفي الولد "ولدت غلامًا أسود يخالف لون أبيه وأمه" ولم يأمر الرسول ﷺ بجلده حدَّ الفرية. • قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الاحْتِمَالَ الَّذِي فِي الاسْمِ الْمُسْتَعَارِ شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ). وهذه من الأدلة التي يُستدل بها؛ لأن هذه من الأمور التي ليست بصريحة، ولا يقام حد في أمر محتمل، وإنما الحدود دائمًا تقام فيما هو صريح، وقد رأينا أن العلماء أكثر عنايةً وتشددًا - كما مر بنا في حد الزنا -، فإنهم يتثبتون لذلك أكثر ويحتاطون له، وقد رأيتم ما مر في الشروط في الشهود وكذلك ما يتعلق بتعدد الإقرار. • قوله: (وَالْحَقُّ أَنَّ الْكِنَايَةَ قَدْ تَقُومُ فِي مَوَاضِعَ مَقَامَ النَّصِّ، وَقَدْ تَضْعُفُ فِي مَوَاضِعَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْثُرِ الاسْتِعْمَالُ لَهَا، وَالَّذِي يَنْدَرِئُ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ أَنْ يَثْبُتَ زِنَا الْمَقْذُوفِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ). وهذا بنص القرآن العزيز: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، ووصف

стр. 9762

آخر: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [النور: ٤ - ٥]. وتكلمنا عن ذلك وبيَّنَّا خطورة القذف والتعدي على المؤمنين بالقول أو الفعل، هو أن الله قال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وأن واجب المؤمن إذا سمع في أخيه شيئًا أن يقول كما قال أولئك الصحابة: "سبحانك هذا بهتان عظيم، هذا إفك مبين". • قوله: (بِإِجْمَاعِ الشُّهُودِ عِنْدَ مَالِكٍ (١) إِذَا كانُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَة قَذَفَةٍ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ (٢) لَيْسُوا بِقَذَفَةٍ). ولو عكس المؤلف لكان صحيحًا، هو أحيانًا يخلط كما سيأتي في مسألة أخرى ينسب مذهب الجمهور إلى غيره. هذا الذي نسبه إلى مالك هو مذهب الجمهور (٣)، فالأئمة الأربعة كلهم يقولون: إذا لم يتم أربعة قُذِفَ، وهو قول للشافعي (٤)، ورواية

стр. 9763

لأحمد (١)، فجمهور العلماء مع مالك في هذه المسألة، وهذا حصل في زمن عمر ﵁ ولم ينكره أحد من الصحابة، والصحابة كانوا كثُرًا ويحضرون مجلس عمر ﵁ في قصة قذف المغيرة، فإن رماه ثلاثة بالزنا رميًا صحيحًا وتردد الرابع في ذلك، فاعتبرهم عمر ﵁ قذفَةً، فأقام عليهم حد القذف ودرأ عن المغيرة الحد (٢). • قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ (٣) فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى شُهُودِ الأَصْلِ). والمذهب الذي يقصده هو مذهب مالك، هل يأتون بنفس العدد؟ أو لا بد أن يقابل كل واحد اثنان؟

стр. 9764

• قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي نَقْلِ شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَدَدُ شُهُودِ الَأصْلِ؟ أَمْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاثْنَانِ عَلَى الأصْلِ الْمُعْتَبَرِ فِيمَا سِوَى الْقَذْفِ إِذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِمْ نَقْلُ الشَّهَادَةِ مِنْ قِبَلِ الْعَدَدِ؟ وَأَمَّا الْحَدُّ: فَالنَّظَرُ فِيهِ فِي جِنْسِهِ وَتَوْقِيتِهِ وَمَسْقَطِهِ). فالمؤلف سيبدأ فيما يتعلق بالحد: في مقداره، متى يسقط الحد، هل إذا عفا المقذوف يسقط الحد، هل هناك فرق بين أن يُرفع إلى الإمام أو لا يرفع كحد السرقة أو أن القذف يختلف عن ذلك، هذه كلها مسائل اختلف العلماء فيها. • قوله: (أَمَّا جِنْسُهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً لِلْقَاذِفِ الْحُرِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ يَقْذِفُ الْحُرَّ كَمْ حَدُّهُ؟). فحد القذف ثابت بنص القرآن، فليس محل خلاف في تحديد العدد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وهذا نص لا يحتمل تأويلًا ولا تبديلًا، ولكن الخلاف بالنسبة للحد بالنسبة لغير الحر. • قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ (٢) مِنْ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ: حَدُّهُ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً).

стр. 9765

وهذا قد مر بنا في كتاب الزنا، ورأينا بأن جمهور العلماء قالوا: هو على النصف من الحر؛ لأن الله تعالى يقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فجعل حد الإماء نصف الحرائر، وقاسوا العبد على الأمة؛ لأن العلة الموجودة في الأمَة هي موجودة في العبد، ألا وهي الرق، فهي علة تجمع بينهما. • قوله: (وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الَأرْبَعَةِ (١)، وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ) (٢). فهذا هو قوله جماهير العلماء ومنهم الخلفاء الأربعة - يقصد الخلفاء الراشدين - وهو كذلك قوله الأئمة الأربعة المعروفين. • قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: حَدُّهُ حَدُّ الْحُرِّ). وقالوا ذلك؛ لأن الآيةَ أجملتْه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فلم تُفرِّق بين حر وعبد.

стр. 9766

• قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ) (٢). فهؤلاء أخذوا بعموم النص، وأولئك قاسوه على حد الزنا. • قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ قِيَاسُ حَدِّهِ فِي الْقَذْفِ عَلَى حَدِّهِ فِي الزِّنَا). قالوا: فلما كان - في الزنا - حد العبد أو الأمَة هو النصف، فكذلك هنا الحال بالنسبة للقذف، فذاك حد وهذا حد، وذاك قد زنى وهذا قد رمى غيره بالزنا. • قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالْعُمُومِ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّ حَدَّ الْكِتَابِيِّ ثَمَانُونَ) (٣). فقالوا: إذا كان حدُّ الكتابي ثمانين؛ فينبغي أن يكون حد العبد كذلك، وهذا قياس مع الفارق. • قوله: (فَكَانَ الْعَبْدُ أَحْرَى بِذَلِكَ. وَأَمَّا التَّوْقِيتُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (٤)

стр. 9767

عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا كَثِيرَةً، فَعَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ مِنْهَا). يعني: لو أنه رمى إنسان بالزنا مرارًا أو نفاه عن نسبه مرارًا، فهل يُكرَّر الحد عليه بتكرار العدد؟ أو أن هذه تتداخل؟ أو أن هناك فرقًا بين أن يقام عليه الحد ثم بعد ذلك يرميه مرة أُخرى فيقام عليه حد آخر؟ هذه كلها ترجع إلى القاعدة الفقهية المعروفة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا. • قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ قَذَفَ فَحُدَّ، ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيَةً: حُدَّ حَدًّا ثَانِيًا). وهذا هو رأي جماهير العلماء، فلو قذف شخصًا مرارًا قبل أن يقام عليه الحد فعليه حد واحد، لكن لو قذف فحُدَّ ثم قذف مرة أُخرى فإنه أيضًا يتكرر الحد، ووجهتهم في ذلك عموم الآية: ﴿لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فلم يفرق بين من يرمي مرارًا أو مرةً واحدةً؛ لأنه يُسمَّى قاذفًا. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَذَفَ جَمَاعَةً، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، جَمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ أَوْ فَرَّقَهُمْ). وقد خلط المؤلف في هذه المسألة، وهذه حقيقة فيها تفصيل، فالذي قاله هو مذهب مالك، يعني إذا رمى جماعة بالزنا فقال لهم: "أنتم زناة"

стр. 9768

كانوا مجتمعين أو أخذهم واحدًا واحدًا فقال: "يا فلان أنت زانٍ، ويا فلان … " وهكذا حتى أنهاهم، وهذا عند الإمام مالك لا يختلف، أمَّا عند بقية الأئمة الثلاثة فهم يفرِّقون، فيقولون بقول مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، وهذا قول الشافعي، فلو رماهم بكلمة واحدة فإنه يرى أن القذف حق وهو حق للمقذوف وهو تعدٍّ عليهم وهو أيضًا حق لكل واحد منهم، فله أن يطالب به ويُحَدَّ من أجل قذفه له، وليس حدًّا مشتركًا، فهذه المسألة: إذا رمى جماعةً بكلمة واحدة: اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمامان مالك وأحمد إلى أنه ليس عليه إلا حد واحد، وذهب الإمام الشافعي أنه يُحد بعددهم؛ لأنه حق لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ، فكل واحد منهم قد اعتُدي عليه فله حقه المستقل، أما المسألة الأُخرى إذا رماهم بكلمات: فهذا يختلف الحكم فيه، فإن الإمامان أبا حنيفة وأحمد يتفقان مع الشافعي في ذلك، فإنه يُحد عن كل واحد منهم، والإمام مالك هو الذي بقي قوله مستقرًّا ثابتًا في المسألة فلم يفرق. إذن ليس الأمر كما ذكر المؤلف. • قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَجَمَاعَةٌ) (٥).

стр. 9769

وهذا هو خلط المؤلف، وبه قال مالك، ولكن أبا حنيفة (١)، وأحمد مع الشافعي (٢)، فيما يتعلق بما إذا رماهم بكلمات وخافوهم، فإذا جمعوا في كلمة واحدة فإن الإمامين أبا حنيفة وأحمد مع مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، ومع الشافعي إذا رماهم بكلمات، فما الفرق بينها؟ العلماء علَّلوا ذلك وقالوا: لأنه عند المالكية ومَن أخذ بقولهم إذا رماهم بكلمات كان كما لو سرق حق جماعة، فهل يُقطع عن كل واحد منهم أو يقطع مرة واحدة؟ قالوا: يقطع مرةً واحدةً، ولو زنى بعدد من النساء هل يختلف الحكم؟ هل يُجلد مرةً واحدةً أو يُجلد أكثر من مرة؟ قالوا: مرة واحدة، قالوا: كذلك لو شرب أنواعًا من المسكر فهل يُحد مرة واحدة؟ قالوا: نعم. لكن الآخرين - وهم الجمهور - ردوا على المالكية وجاؤوا بقياس آخر، فقالوا: إن القذف حق للآدميين فلا يسقط بمثل ذلك، وحق للآدميين فلا يسقط إذا طالب به واحد منهم، بل هو ثابت لكل واحد منهم، وقاسوا ذلك على الديون وكذلك على القصاص، فقالوا: فإن هذه لا تسقط، قالوا: وردوا على المالكية فقالوا: هو قياس مع الفارق؛ لأن الذي قست عليه هو حق لله تعالى والقذف إنما هو حق للآدمي، والمالكية مترددون في القذف: هل هو حق لله أو هو مشترك بين الآدمي. • قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)،

стр. 9770

وَاللَّيْثُ (١)، وَجَمَاعَةٌ (٢)، حَتَّى رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ (٣) أَنَّهُ قَالَ). وهذا قوله أبي حنيفة (٤) في المسألة الثانية فلننتبه لهذا. • قوله: (إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ: مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُوَ زَانٍ - جُلِدَ الْحَدَّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهَا). فالحسن بن حُيَيٍّ يرى أنه إن قال: كل من دخل هذه الدار أو أتى لهذه الساعة، فهو زانٍ ويُحدُّ عن كل واحد يدخل ذاك المكان. • قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (٥): إِنْ جَمَعَهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا زُنَاةُ - فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا زَانِي - فَعَلَيْهِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حَدٌّ). وهذا هو مذهب الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. • قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى قَاذِفِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا حَدِيثُ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﵊، فَلَاعَنَ بَينَهُمَا") (٦). ولا أدري كيف استدل المؤلف بهذا الحديث؛ لأن هذ (الحديث قال
следующие страницы →