← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

• قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الَأمْصَارِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ) (٢). فهؤلاء أخذوا بعموم النص، وأولئك قاسوه على حد الزنا. • قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ قِيَاسُ حَدِّهِ فِي الْقَذْفِ عَلَى حَدِّهِ فِي الزِّنَا). قالوا: فلما كان - في الزنا - حد العبد أو الأمَة هو النصف، فكذلك هنا الحال بالنسبة للقذف، فذاك حد وهذا حد، وذاك قد زنى وهذا قد رمى غيره بالزنا. • قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِالْعُمُومِ، وَلَمَّا أَجْمَعُوا أَيْضًا أَنَّ حَدَّ الْكِتَابِيِّ ثَمَانُونَ) (٣). فقالوا: إذا كان حدُّ الكتابي ثمانين؛ فينبغي أن يكون حد العبد كذلك، وهذا قياس مع الفارق. • قوله: (فَكَانَ الْعَبْدُ أَحْرَى بِذَلِكَ. وَأَمَّا التَّوْقِيتُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (٤)

стр. 9767

عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا كَثِيرَةً، فَعَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ مِنْهَا). يعني: لو أنه رمى إنسان بالزنا مرارًا أو نفاه عن نسبه مرارًا، فهل يُكرَّر الحد عليه بتكرار العدد؟ أو أن هذه تتداخل؟ أو أن هناك فرقًا بين أن يقام عليه الحد ثم بعد ذلك يرميه مرة أُخرى فيقام عليه حد آخر؟ هذه كلها ترجع إلى القاعدة الفقهية المعروفة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما دخل أحدهما في الآخر غالبًا. • قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ قَذَفَ فَحُدَّ، ثُمَّ قَذَفَهُ ثَانِيَةً: حُدَّ حَدًّا ثَانِيًا). وهذا هو رأي جماهير العلماء، فلو قذف شخصًا مرارًا قبل أن يقام عليه الحد فعليه حد واحد، لكن لو قذف فحُدَّ ثم قذف مرة أُخرى فإنه أيضًا يتكرر الحد، ووجهتهم في ذلك عموم الآية: ﴿لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فلم يفرق بين من يرمي مرارًا أو مرةً واحدةً؛ لأنه يُسمَّى قاذفًا. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَذَفَ جَمَاعَةً، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، جَمَعَهُمْ فِي الْقَذْفِ أَوْ فَرَّقَهُمْ). وقد خلط المؤلف في هذه المسألة، وهذه حقيقة فيها تفصيل، فالذي قاله هو مذهب مالك، يعني إذا رمى جماعة بالزنا فقال لهم: "أنتم زناة"

стр. 9768

كانوا مجتمعين أو أخذهم واحدًا واحدًا فقال: "يا فلان أنت زانٍ، ويا فلان … " وهكذا حتى أنهاهم، وهذا عند الإمام مالك لا يختلف، أمَّا عند بقية الأئمة الثلاثة فهم يفرِّقون، فيقولون بقول مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، وهذا قول الشافعي، فلو رماهم بكلمة واحدة فإنه يرى أن القذف حق وهو حق للمقذوف وهو تعدٍّ عليهم وهو أيضًا حق لكل واحد منهم، فله أن يطالب به ويُحَدَّ من أجل قذفه له، وليس حدًّا مشتركًا، فهذه المسألة: إذا رمى جماعةً بكلمة واحدة: اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمامان مالك وأحمد إلى أنه ليس عليه إلا حد واحد، وذهب الإمام الشافعي أنه يُحد بعددهم؛ لأنه حق لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ، فكل واحد منهم قد اعتُدي عليه فله حقه المستقل، أما المسألة الأُخرى إذا رماهم بكلمات: فهذا يختلف الحكم فيه، فإن الإمامان أبا حنيفة وأحمد يتفقان مع الشافعي في ذلك، فإنه يُحد عن كل واحد منهم، والإمام مالك هو الذي بقي قوله مستقرًّا ثابتًا في المسألة فلم يفرق. إذن ليس الأمر كما ذكر المؤلف. • قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَجَمَاعَةٌ) (٥).

стр. 9769

وهذا هو خلط المؤلف، وبه قال مالك، ولكن أبا حنيفة (١)، وأحمد مع الشافعي (٢)، فيما يتعلق بما إذا رماهم بكلمات وخافوهم، فإذا جمعوا في كلمة واحدة فإن الإمامين أبا حنيفة وأحمد مع مالك إذا رماهم بكلمة واحدة، ومع الشافعي إذا رماهم بكلمات، فما الفرق بينها؟ العلماء علَّلوا ذلك وقالوا: لأنه عند المالكية ومَن أخذ بقولهم إذا رماهم بكلمات كان كما لو سرق حق جماعة، فهل يُقطع عن كل واحد منهم أو يقطع مرة واحدة؟ قالوا: يقطع مرةً واحدةً، ولو زنى بعدد من النساء هل يختلف الحكم؟ هل يُجلد مرةً واحدةً أو يُجلد أكثر من مرة؟ قالوا: مرة واحدة، قالوا: كذلك لو شرب أنواعًا من المسكر فهل يُحد مرة واحدة؟ قالوا: نعم. لكن الآخرين - وهم الجمهور - ردوا على المالكية وجاؤوا بقياس آخر، فقالوا: إن القذف حق للآدميين فلا يسقط بمثل ذلك، وحق للآدميين فلا يسقط إذا طالب به واحد منهم، بل هو ثابت لكل واحد منهم، وقاسوا ذلك على الديون وكذلك على القصاص، فقالوا: فإن هذه لا تسقط، قالوا: وردوا على المالكية فقالوا: هو قياس مع الفارق؛ لأن الذي قست عليه هو حق لله تعالى والقذف إنما هو حق للآدمي، والمالكية مترددون في القذف: هل هو حق لله أو هو مشترك بين الآدمي. • قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)،

стр. 9770

وَاللَّيْثُ (١)، وَجَمَاعَةٌ (٢)، حَتَّى رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ حُيَيٍّ (٣) أَنَّهُ قَالَ). وهذا قوله أبي حنيفة (٤) في المسألة الثانية فلننتبه لهذا. • قوله: (إِنْ قَالَ إِنْسَانٌ: مَنْ دَخَلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُوَ زَانٍ - جُلِدَ الْحَدَّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهَا). فالحسن بن حُيَيٍّ يرى أنه إن قال: كل من دخل هذه الدار أو أتى لهذه الساعة، فهو زانٍ ويُحدُّ عن كل واحد يدخل ذاك المكان. • قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (٥): إِنْ جَمَعَهُمْ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا زُنَاةُ - فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا زَانِي - فَعَلَيْهِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ حَدٌّ). وهذا هو مذهب الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. • قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَى قَاذِفِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا حَدًّا وَاحِدًا حَدِيثُ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﵊، فَلَاعَنَ بَينَهُمَا") (٦). ولا أدري كيف استدل المؤلف بهذا الحديث؛ لأن هذ (الحديث قال

стр. 9771

فيه الرسول ﷺ له: "البينة أو حد في ظهرك"، ولكن الله ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩]. ولذلك لما جاء إلى رسول الله ﷺ ورمى شريكًا أو رماه شريك بزنى، قال له الرسول ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" (١)، وأخذ يكرر عليه ويقول له: "البينة أو حد في ظهرك" فكان يسأل الله تعالى ويقول: "سيبرئني الله" حتى نزلت تلك الآيات، أما الذين قالوا بأنه إذا رماه بكلمات قالوا: لأنه سمَّى ذكر كل واحد منهم، وهو حق لكل واحد منهم، فلا يسقط حقه إلا إذا عفا، فقاسوا ذلك على الديون بأنها لا تسقط إذا تعدَّد أصحابها، والقياس كذلك لا يسقط إلا بالعفو، فكذلك أيضًا القذف لا يسقط إلا بالعفو. • قوله: (وَلَمْ يَحُدَّهُ لِشَرِيكٍ. وَذَلِكَ إِجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِرَجُلٍ). جاء رسول الله ﷺ العَجْلانيُّ وهو أُحَيْمر سَبِط نِضْوُ الخَلْق، فقال: يا رسول الله، رأيت شَريك بن السَّحْماء، يعني ابن عمه وهو رجل عظيم الأليتين، أدعج العينين، حاد الخلق يصيب فلانة، يعني امرأته، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا، فدعا رسول الله ﷺ شريكًا فجحد، ودعا المرأة فجحدت، فلاعن بينها وبين زوجها وهي حبلى، ثم قال: "تبصروها، فإن جاءت به أدعج عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب". فجاءت به أدعج عظيم الأليتين، فقال رسول الله ﷺ : "إن أمره لبيِّن لولا ما قضى الله" (٢).

стр. 9772

• قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْحَدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ). حتى لو سلمنا بقول المؤلف، فإنه لم يرد أن شريك طالب بالقذف وحد القذف، إنما يثبت إذا طالب به صاحبه، والحدود تختلف من حيث الأدلة التي يُستدل بها. • قوله: (إنَّهُ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ، وَلَمْ يَعْفُ الْكُلُّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ). والذين قالوا بأنه حق للكل وقاسوه على الديون قالوا: هذا حق للآدميين، فلا يسقط إقامته عن واحد منهم. • قوله: (وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ قَذْفِهِمْ فِي كلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَجَالِسَ - فَلَأنَّهُ رَأَى أَنَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ بِتَعَدُّدِ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ تَعَدُّدُ الْمَقْذُوفِ وَتَعَدُّدُ الْقَذْفِ، كَانَ أَوْجَبَ أَنْ يَتَعَدَّدَ الْحَدُّ). فهل يسقط بعد أن يطالب به لأنه لا يثبت إلا بالمطالبة؟ فهل إذا طالب به ثم عفا، هل يسقط الحد بعفوه أو لا؟ هذا الذي يريد المؤلف أن يتكلم عنه. • قوله: (وَأَمَّا سُقُوطُهُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِهِ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَالأوْزَاعِيُّ (٣): لَا يَصِحُّ الْعَفْوُ، أَيْ: لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ). فالعلماء انقسموا إلى قسمين: فهناك من قال: لا عفو، وهناك من

стр. 9773

قال بالعفو، وهناك من فصَّل - وهو الإمام مالك كما سيأتي - ففرَّق بين أن يُرفع إلى الإمام فلا عفو هنا، وبين أن لا يرفع إلى الإمام فله أن يعفو، لأن الأمر بيده. • قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): يَصِحُّ الْعَفْوُ (أَيْ: يَسْقُطُ الْحَدُّ) بَلَغَ الإِمَامَ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ). فالإمامان الشافعي، وأحمد (٢) قالا بالسقوط ولم يفرقا بين أن يرفع إليه أو لم يرفع؛ لأن حد القذف أصلًا إنما يُستوفى بالمطالبة، بخلاف بقية الحدود فإنها تثبت بوقوعها ومن ذلك حد السرقة، وما جاء من المطالبة بالسرقة فهي مطالَبة بالمسروق ذات الحد، ولذلك تعرفون ما جاء في قصة رداء صفوان، فعن صفوان بن عبد الله بن صفوان، أن صفوان بن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام في المسجد. وتوسد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه. فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى رسول الله ﷺ . فأمر به رسول الله ﷺ "أن تقطع يده"، فقال له صفوان: إني لم أرد هذا يا رسول الله هو عليه صدقة. فقال رسول الله ﷺ : "فهلا قبل أن تأتيني به" (٣). فلا شفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، فبعد أن بلغ الإمام فقد انتهى الأمر. لكنَّ القذف ينفرد - أي: عند الشافعية، والحنابلة - عن غيره من

стр. 9774

الحدود؛ لأنه أصلًا لا يُستوفى إلا بالمطالبة، وإذا كان كذلك: فإذا عفي عنه سقط ولا يلحق ببقية الحدود. • قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ (١): إِنْ بَلَغَ الإِمَامَ لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، جَازَ الْعَفْوُ). لأنه إذا وصل إلى الإمام أصبح حقًّا مستقرًّا وليس أمرًا يتعلق بالشخص، فليس هناك مجال إلا إقامة الحد، والشافعية والحنابلة قالوا: حد القذف ينفرد عن بقية الحدود؛ لأنه لا يُستوفَى إلا بالمطالبة، فإذا لم تحصل المطالبة فإنه يسقط، كالحال بالنسبة للقصاص. أليس القصاص يسقط بالعفو وإن بلغ الإمام؟ الجواب: نعم، فلو أن إنسانًا اعتدى على آخر فقتله فعفا أولياء القتيل، أليس ينتقل إلى الدية إن طالبوا بها أو إلى العفو مطلقًا؟ الجواب: نعم، إذن قاسوه على القصاص بجانب صحة العفو كله. • قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ (٢) فِي ذَلِكَ، فَمَرَّةً قَالَ بقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَمَرَّةً قَالَ: يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الإِمَامَ، وَإِنْ بَلَغَ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْمَقْذُوفُ السِّتْرَ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ). إذن، الإمام مالك القول عنه متردد، فله رواية مع الشافعي وأحمد، وهذا حقيقةً هو رأي الجمهور وهو أقرب؛ لأن حد القذف أمر يتعلق بالإنسان، فعندما يرميه إنسان بالبهتان، فبعض الناس لا يريد أن يرفع الأمر

стр. 9775

إلى الحاكم، وإذا رفعه ثم عفا؛ كما لو ادَّعى بأنه قذفه ثم قال: أنا أخطأتُ ولم يقذفني. فالحقوق تنقسم أقسامًا ثلاثة: فهناك حقوق خاصة لله ، لا يجوز أن يشركه معه غيره فيها، ويأتي في مقدمة ذلك العبادة؛ فالعبادة حق لله لأن رسول الله ﷺ لما سأل معاذًا، قال: "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ "، قال: "الله ورسوله أعلم"، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (١)، وهذا هو الذي الْتقت حوله دعوة الرسل منذ نوح ﵇ حتى محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، فهذا حق خالص لله ، وهناك من الحقوق ما هو مشترك بين الخالق والمخلوق، والله يعفو عن حقوقه بالتوبة، ولكن الآدمي قد لا تكفيه التوبة وحدها؛ لأنه ربما يكون هذا المعتدي قد أخذ حقًّا للمخلوق وربما آذاه بكلام جرحه بسبٍّ وغيره، فلا بد أن يرد حقه إليه وأن يطلب منه العفو، أما الله قد قال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢]، وقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، ويقول ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (٢)، لكن حق الآدمي يختلف، فلا بد أن يطلب منه العفو قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم؛ لأنه إذا لم يطلب العفو منه والسماح سيأتي يوم القيامة فيأخذ من حسناتك فتُعطى له، فإذا لم تكن هناك حسنات أُخذ من سيئاته فطُرحت عليها ثم يُلقى في النار، ومن هنا تبينَّا خطورة حق الآدمي، نعم حق الله عظيم ويجب أن يخلص الإنسان لله، لكن هناك ما يعرف بالتوبة، فإذا أقلع الإنسان ورجع وتاب توبةً نصوحًا وندم على ما مضى فالله يفرح

стр. 9776

بتوبة عبده (١) المؤمن، لكنك إذا اعتديت على الإنسان الفقير فعليك أن تطلب منه العفو والسماح، سواءٌ تكلمتَ في عرضه أو اعتديتَ على ماله أو خضتَ فيما يتعلق بأمر من أمره، فعليك أن تطلب منه السماح، وإن كنت قد غصبمت منها شيئًا فرُدَّه إليه قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وهناك أيضًا حقوق خاصة بالمخلوق، كحق التصرف في ماله. • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هُوَ حَقٌّ للهِ أَوْ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، أَوْ حَقٌّ لِكِلَيْهِمَا؟ فَمَنْ قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ، لَمْ يُجِزِ الْعَفْوَ كَالزِّنَا). فمن يقول: "هو حق لله" يُنظر إلى أنه حد من الحدود، ومن يقول: "هو حق للآدمي"، فلأنه اعتداء عليه والحد إنما أقيم لأجله، ومن يقول: "هو مشترك" فلأنه فيه شبه من الحقوق المشتركة. • قوله: (وَمَنْ قَالَ (٢): حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ، أَجَازَ الْعَفْوَ. وَمَنْ قَالَ (٣): لِكِلَيْهِمَا، وَغَلَّبَ حَقَّ الإِمَامِ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ، قَالَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَصِلَ الإِمَامَ أَوْ لَا يَصِلَ). والذي ذكره المؤلف إنما هو تعليل، ولكن حجة الجمهور - الذين هم الشافعية والحنابلة والرواية الأُخرى للمالكية - هي ما ذكرتُ لكم،

стр. 9777

وهي أن حد القذف لا يثبت إلا بالمطالبة، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لو عفا فإن الحق يسقط؛ قياسًا على القصاص، فليس أخطر من القصاص، ومع ذلك فإذا عفا أولياء القتيل - أي: المقتول - فإنه حينئذ يسقط القصاص، قالوا: ولا يقاس على بقية الحدود، ولا يقال بأن حد السرقة إنما فيه مطالبة؛ لأن صاحب الحق يطالب بالمسروق فقط، أما حد السرقة إذا رفع إلى الإمام: فقد ثبت فيه نص. • قوله: (وَقِيَاسًا عَلَى الَأثَرِ الْوَارِدِ فِي السَّرِقَةِ). والأثر الوارد (١) في السرقة هو ما ورد أن صفوان بن أمية - أحد أصحاب رسول الله ﷺ كان نائمًا في المسجد وتحته رداء فأخذه منه، فاستيقظ صفوان فأمسك به فأخذ بيده فذهب به إلى رسول الله ﷺ ؛ ظنًّا منه بأنه يؤدبه وينتهي الأمر عن ذلك، فأمر به رسول الله ﷺ أمر أن يقام عليه حد السرقة - وهو القطع الذي يبدأ بقطع اليد اليمنى كما هو معلوم وسيأتي إن شاء الله في كتاب السرقة -، فلما أمر به قال: "ما أردت ذلك" أي: ما أردت أن يُقطع، قال: "هلَّا قبل أن تأتيني به"، هذا هو الأثر الذي أشار إليه المؤلف وهو حديث صحيح. • قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ - وَهوَ الأَظْهَرُ - أَنَّ الْمَقْذُوفَ إِذَا صَدَّقَهُ فِيمَا قَذَفَهُ بِهِ، سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ). رأيتم دقة المؤلف؟ قال: ومن رأى بأنه حق للآدمي - وهو الأظهر - فهو يميل إلى مذهب الفريق الآخر، وقلت لكم: من حسنات هذا الكتاب والمؤلف أني ما وجدته في مسألة من المسائل - منذ أن بدأنا حتى الآن وقبل ذلك - يتعصب لمذهبه، وهذا هو الحق، بل رأيتم في البيوع وفي الوصايا وفي بعض الأحكام: كنا نرى أنه يتشدد أكثر على المالكية وينقد مذهبهم لأنه خبير به، وهذا هو واجب طالب العلم، وكثيرًا ما تكلمنا عن

стр. 9778

ذلك، وينبغي للمسلم عمومًا - وطالب العلم خصوصًا - أن يطلب الحق ومن أقرب طريق وأهدى سبيل، وألا يأخذه التعصب لأنه درس مذهب فلان أو لأنه يرتاح إلى فلان أو قول فلان. • قوله: (وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ، فَلَا خِلَافَ (١) أَنَّ الإِمَامَ يُقِيمُهُ فِي الْقَذْفِ). ليس المراد أن الإمام يقيمه بيده، لكن المراد أن يأمر به فيُقام، وأن يكون ذلك تحت سلطته ورعايته وقد مر بنا في بعض المسائل: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وفي أحكام أُخرى بأن الإمام في حد القصاص يكون حاضرًا أو نائبه حتى لا يحصل حيف أو تعدِّ، وهناك اختلفوا كما تعلمون في حد القصاص: من الذي يقيمه هل الإمام أو ولي دم القتيل؟ هناك من قال: ولي الدم، وهناك من قال: الإمام، والذين قالوا: الإمام، قالوا: أقل ما في الأمر أن يحضر، حتى لا يحصل حيف ليطمئن إلى عدم التعدي إلى الآلة التي يُقتص بها، ورأيتم هناك اختلاف: هل يقاد بالسيف أم أنه يقاد بما فعله الإنسان؟ إن غرق غرق، وإن خنق خنق، وإن ألقى عليه صخرة أُلقي عليه كما فعل الرسول ﷺ باليهوديين (٢)،

стр. 9779

والحدود كلها تتشابه في طريقة إقامتها، إذن فالأصل أن الحدود تقام تحت رعاية وسلطة الإمام، وهو الذي يأمر بذلك حتى لا يحصل افتئات عن الإمام وحتى لا يحصل تعجُّل، فالإمام هو الذي يأمر بهذه الحدود، فالقصاص فيه إزهاق للنفوس وحد السرقة فيه قطع، وحد الزنا إنما فيه أيضًا رجم إن كان ثيبًا، إذن هو إذهاب وإزهاق للروح بحق وإن كان بكرًا فيه الجلد، وربما يترتب على ذلك أنه مع الجلد أيضًا قد يموت المجلود فماذا يترتب على ذلك؟ إذن هذه أمور تدخل تحت سلطة الإمام وولايته، والإمام دائمًا ينوب عنه القاضي. • قوله: (وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاذِفِ مَعَ الْحَدِّ سُقُوطُ شَهَادَتِهِ مَا لَمْ يَتُبْ). لأن الله ذكر ذلك وليست الأمور بالشيء اليسير، يأتي إنسان للآخر فيقول له: يا زاني أو أنت زاني أو ينفيه عن نسبه، فهذا أمر خطير؛ لأن هذا فيه ما فيه من الأذى ومن الإيلام ومن التعدي على المؤمنين ومن تجاوُز حقوقهم وما يلحقهم أيضًا من العار، وربما يردد الناس ذلك في مجالس أو على ألسنتهم، إذن هو أذى لغيره، والله تعالى إلى جانب الحد قال: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، هذا ما لم يتوبوا، لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، ثم وصفهم ووصمهم بالفسق: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥]، وهنا مرَّ أمران: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون، الأمر الأول: رد الشهادة، والثاني: وصفهم بالفسق، فهل قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يرجع إلى أقرب مذكور أو أنه يرجع إلى الأمرين؟ هناك من قال: يرجع إلى أقرب مذكور وهو الفسق، إذن فيُرفع عنهم الفسق، لكن يبقون مردودي الشهادة، ومنهم من قال: لا، يرجع إلى الأمرين معًا، وإذا ما

стр. 9780

تاب الإنسان عن الشرك، فإن الله يغفره له، فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، والله تعالى بيَّن بأن الإنسان إذا تاب من الشرك فإنه يُرفع عنه ذلك، إذن هذا ليس بأخطر من الشرك. وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ: فإذا تابوا غُفر لهم، واستدلَّ بقول الله جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. فإذا تابوا غُفر لهم، ولكن القذف ليس بأخطر من ذلك. نعم، فيه تعريض للمؤمنين وإلحاق الأذى بهم وسبهم ووصفهم ووصمهم بأمور سيئة، وقد تكلمنا عن ذلك، وقلنا: جاء في الحديث بأن رسول الله ﷺ قال: "لا تؤذوا المؤمنين ولا تعيِّروهم ومن طلب عورة أخيه المسلم طلب الله تعالى عورته حتى يفضحه في بيته" (١)، فهذا من أخطر الأمور: أن يتساهل المرء في حق أخيه المسلم فيتكلم فيه وُيعرِّض به في المجالس: فَعَل وفَعَل … ، وربما يكون ما يقوله افتراءً، وربما نقل ذلك عنه أُناسٌ ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩] [النور: ١٩]، وقال: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. قال: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَبِهِ قَالَ

стр. 9781

الشَّافِعِيُّ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا). فالأئمة الثلاثة (٣) قالوا ذلك؛ لأن التوبة تجُبُّ ما قبلها، فإذا تاب: انتهى الأمر وتُقبل شهادته، لكن الذين قالوا: لا تقبل شهادته قالوا: لأن الشهادة تقوم على الاحتياط والتحري في الحقوق، والذي قذف قد يكون صادقًا لكن العدد لم يتم، وربما يكون الأمر حقيقةً لكن لم يسعفه الأمر بأن يأتي بالعدد المطلوب، ولذلك على المسلم أن يحتاط، وانظر كيف تأثر عمر ﵁ (٤) لمَّا جاء الأول فقذف المغيرة فتغير وجهه ثم جاء الآخر فتغير وجهه ثم جاء الثالث فتغير وجهه، فلما جاء الرابع: صاح به صيحة حتى قال راوي الأثر: "كاد يغمى عليه من شدة صرخته "؛ لأن هذا أمر يتعلق بأصحاب رسول الله ﷺ ، فجاء الرابع مترددًا بحمد الله، فرفع عمر الحد عمَّن قذف. • قوله: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الاسْتِثْنَاءُ يَعُودُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؟ أَوْ يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؟ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ … وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤ - ٥]). يعني: هل يعود الضمير إلى أقرب مذكور أو إلى المذكورات جميعًا أو المذكورين (٥)؟ والظاهر هنا أن مذهب الجمهور أرجح؛ لأن هناك أمورًا

стр. 9782

أخطر من ذلك تُقبل فيها التوبة، ويُغفر للإنسان فيها، وما دام أنه تاب ورجع إلى الله تعالى فتُقبل شهادته. • قوله: (فَمَنْ قَالَ: يَعُودُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ يَتَنَاوَلُ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَالَ: التَّوْبَةُ تَرْفَعُ الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ. وَكَوْنُ ارْتِفَاعِ الْفِسْقِ مَعَ رَدِّ الشَّهَادَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبِ فِي الشَّرْعِ (أَيْ: خَارجٌ عَنِ الُأصُولِ)؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ مَتَى ارْتَفَعَ قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ. وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَّ). ومراد المؤلف أن الذي يقدح في الشهادة إنما هو الفسق؛ لأنه يُشترط في الشاهد أن يكون عدلًا كما رأينا في شهود الزنا الذين عددناهم أن يكونوا عدولًا، وكذلك الذين يقذفون يُشترط فيهم أن يكونوا عدولًا، فلا يكونوا فُسَّاقًا ولا يكونوا كفارًا، إذن لا بد من وجود شرط العدالة فيهم، يقوله المؤلف: إذا ارتفع الفسق يحل محله العدل، فيصبح عدلًا، وإذا أصبح عدلًا كانت شهادته مقبولةً، وهذه لفتة طيبة من المؤلف. (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَرْفَعُ الْحَدَّ)، نعم، التوبة لا ترفع الحد، بل الحد يقام.

стр. 9783

• قوله: (وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ). وهذا لا خلاف فيه، لكن الذي يشترط فيه شهود أربعة هو حد الزنا، وانفرد بذلك كما مر لخطورته، ولذلك ترون أن العلماء احتاطوا فيه وذكروا تلكم الشروط السبع التي وقفنا عندها وبينَّاها. (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ ذَكرَيْنِ)؛ لأنه مر بنا اشتراط العدالة، ومر بنا أَيضًا الكلام في الحرية، وأن غير الحد مختلف فيه فلا تثبت به الحقوق، وإذا اختلف فيها فلا ينبغي أن تُعتبَر. • قوله: (عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ ذَكَرَيْنِ). وتكلمنا فيما مضى عن شهادة المرأة، وبينَّا أنها لا تُقبل في الزنا، وبينَّا ضعف قول الذين قالوا بأنه يثبت الزنا بوجود شهادة ثلاث رجال وامرأتين، - خلافًا لجماهير العلماء - ولكن الله بيَّن ما تجوز فيه شهادة النساء فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وبين الله تعالى العلة بالنسبة للنساء فقال: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فإذا نسيت

стр. 9784

إحداهما تذكرها الأخرى، وأيضًا بينَّا بأن هناك أمورًا لا يشعر بها إلا النساء فيما لا يطلع عليه إلا النساء. • قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي مَذْهَب مَالِكٍ (١): هَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَبَمِينٍ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ؟). وهذا الخلاف أيضًا في المذاهب الأُخرى (٢). • قوله: (وَهَلْ تَلْزَمُ فِي الدَّعْوَى فِيهِ يَمِينٌ؟ وَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ بِالنُّكُولِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي؟) (٣). نكل، يعني: توقف عن اليمين وأبى أن يحلف. • قوله: (فَهَذِه هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهِ فُرُوعُهُ). فهذه هي الأصول التي تكلم عنها المؤلف فيما يتعلق بالقذف، ولكن هناك أوصاف كثيرة يذكرها العلماء، والمؤلف إنما طوَّف بأهم المسائل ووقف عندها. • قوله: (قَالَ الْقَاضِي). والقاضي هو ابن رشد، فإذا قال القاضي في كتابه فإنه يعني صاحب هذا الكتاب: بداية المجتهد، وقد تكرر قوله: "قال القاضي" أكثر من عشرين مرة في هذا الكتاب.

стр. 9785

• قوله: (وَإِنْ أَنْسَأَ اللهُ فِي الْعُمُرِ). أي: إن أمدَّ الله في عمره فسيُدوِّن كتابًا في فروع مذهب الإمام مالك، وقلتُ لكم: سيأتي في كتاب القذف بأن المؤلف سيشير إلى ذلك، وقد مر في أحد الكتب بأنه قال: سأكتب في أصول مذهب مالك، لكن هنا قال "إن أنسأ الله في عمري"، أي: أمدَّ الله تعالى في عمري وأعطاني مزيدًا من الحياة فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك؛ لأنه هنا كتب في أمهات المسائل وكبرياتها، لكن يبدو أنه ما تمكن من ذلك. • قوله: (فَسَنَضَعُ كتَابًا فِي الْفُرُوعِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرَتَّبًا تَرْتِيبًا صِنَاعِيًّا). إذن، الآن سيبين المؤلف لكم مثلًا يذوب له القلب كمدًا إن كان في القلب إيمان وإسلامٌ، هو سيشير إلى بلاد الأندلس؛ لأنه في وقته كانت بلادًا للمسلمين، وكانت تزخر بالعلوم، وكانت تلك العلوم يستفيد منها أهل تلك البلاد، وأهل أوروبَّا إنما اقتبسوا أصول العلم من المسلمين، لكن تغيرت الأحوال! بعد فهو عندما كان يتكلم كان يتكلم عن القرن السابع لأنه مات في أوائل القرن السابع. • قوله: (إِذْ كَانَ الْمَذْهَبَ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي هَذِهِ الْجَزِيرَةِ - الَّتِي هِيَ جَزِيرَةُ الأَنْدَلُسِ - حَتَّى يَكُونَ بِهِ الْقَارِئُ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ). ولعلك تعلم أنَّ محمد عبد الرحمن الداخل - أحد أمراء بني أمية - عندما قامت الدولة العباسية فرَّ إلى الأندلس وأنشأ تلك الدولة العظيمة، وكانت تعتد بالعلوم وتزخر بها، وكانت مشعلًا مضيئًا أضاء في دياجير الظلام في تلك البلاد، ولكن مشكلة المسلمين التي تتكرر في كثير من العصور هي أنهم ينشغلون بالخلافات فيما يفرق كلمتهم، فيجد الأعداء ذلك فرصةً لهم فينقضُّون عليهم! هذه أمور تكررت، ومع ذلك لا يزال المسلمون يحصل منهم مثل ذلك، لكنهم لو اتحدت كلمتهم - ولا يكفي اتحاد الكلمة - بل لا بد أن يلجؤوا إلى الله وأن يُحكِّموا شريعته، وأن

стр. 9786

يرفعوا كل خلاف بينهم وأن يكونوا كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص، وألا يقعوا فيما حذر الله تعالى منه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وهذا هو حال المسلمين، والتنازع يترتب عليه الفشل، وإذا وُجد الفشل ذهبت الريح والشوكة والقوة والعزيمة، حينئذ يصغرون في أعين أعدائهم، فلا عزة للمسلمين إلا بهذا الدِّين ولا مكانة لهم إلا به، ألم يقم محمد بن عبد الله - وهو رجل واحد - يدعو إلى الدِّين الحق؟ ألم يكن في مجتمع كافر يعتدُّ بعبادة الأوثان وعبادة الأصنام وعبادة الأشجار وعبادة الحجارة؟ ثم يدخل في المسلمين نفر قليل من الضعفاء، ثم أخذ نور الإسلام يظهر شيئًا فشيئًا حتى قامت أول دولة إسلامية في طيبة الطيبة كما تعلمون، وأخذ هذا النور يمتد شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا حتى انتشر في المعمورة. • قوله: (لِأَنَّ إِحْصَاءَ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عِنْدِي شَيءٌ يَنْقَطِعُ الْعُمُرُ دُونَهُ). فإحصاء جميع الروايات يصعب، ولذلك من تتبع الجزئيات فقد أفنى عمره، ولذلك ترون أن من الأسباب التي دفعت جمعًا من العلماء ممن تعمقوا في دراسة الفقه وغاصوا فيه بأن يكتبوا في القواعد الفقهية؛ لأن تلك القواعد تضبط للفقيه أصول المذهب وتُطلعه من مآخِذ الفقه على ما كان عنه قد غاب، وتَنظِم له منظوم المسائل في سلك واحد، فأنت لو جئت بعقد لؤلؤ خرز فأدخلته في سلك واحد واحد ثم وضعته فيه تكون قد نظمت ذلك وضبطتَه، فكذلك عندما تأتي بقواعد كلية أو قواعد كبرى أو حتى أحكامًا كبرى - كما في هذا الكتاب الذي سماه بعض العلماء كالعين وغيره بأنه قواعد فقهية - تجد أنك إذا ضبطت تلك الكليات فإنه يسهل عليك أن ترد الفروع إليها، لكن إن ذهبت تتتبَّع الفروع فإنه سينتهي عمرك دون أن تصل إلى ما تريد، فما أكثر الفروع! ولو قرأنا في الكتب المطوَّلة - التي لو حُقِّقت لبلغت ربما خمسين أو أكثر من خمسين مجلدًا - لوجدتَ فيها تفريعات وجزئيات، إذن هذا أمر يصعب أن يُلم به الإنسان، ولكن

стр. 9787

مراد المؤلف هنا أنه يأتي بالفروع الظاهرة البيِّنة، ولذلك لو أخذت الكتب الكبيرة المشهورة - مثل: كتاب المغني لابن قدامة - فلن تراه قد جمع كل الفروع، ولكنه ألمَّ بالمسائل المهمة أصولًا وفروعًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [بَابٌ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ (١)] والمؤلف هنا قال: "بابٌ في شرب الخمر" لأنه يذكر فيه ما يتعلق بشرب الخمر، ولم يذكر فيه كل ما يتعلق بذلك؛ اعتمادًا على أنه سبق أن عرَض لمسائل وترك أُخرى، ولكننا كعادتنا نريد أن نعرف الأصل في هذا الباب، ولا شك أنَّ الخمر محرَّمة؛ قد حرمها الله ، ودكننا عندما نلقي نظرةً سريعةً موجزةً على ما يتعلق بها: نجد أن العرب قبل الإسلام قد عرَفوا الخمر وأنهم قد أُولعوا بها، وأنها قد جرت في عروقهم جريان الدم وأن مجالسهم كانت تعمر بها؛ ولذلك رأينا أن الله عندما حرَّمها لم يحرمها دفعةَ واحدةً، بل على مراحل ثلاثة؛ لأن الأمر يحتاج إلى أن تُجتثَّ من نفوسهم - وإن كان الصحابة ﵃ أسرع الناس استجابةً لأوامر الله بالامتثال وتجنُّبًا لنواهيه بالابتعاد عما نهى عنه -، ومع أن العرب قد عرفوها وكانت من أكثر ما تقوم عليها مجالسهم وثمرهم فإننا نجد أن من عقلائهم مَن أشار إلى خطورة الخمر وذمِّها حيث قال: [الوافر] رَأَيْتُ الْخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا … خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا

стр. 9788

فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي … وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا لِأَنَّ الْخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا … وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الأَمْرَ الْعَظِيمَا (١) وما أكثر ما تجني على شاربها من المهالك! وما أكثر ما توقعه في الشرور! وما أكثر ما ترميه في المخاطر! وما أكثر ما تنقله إلى الوقوع في المحرمات! ولذلك جاء الحديث أن عمر ﵁ كان يقول: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا" (٢)، والله قال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والميسر المراد به القمار. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. لما سمع الصحابة ﵁ تلك الآية قرعت أسماعهم، وقال بعضهم: لا حاجة لنا فيما فيه إثم، وقال بعضهم: فيها منافع؛ فبقي يشربها، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والإثم ليس بقليل، وهذه المنافع ربما تكون ظاهرةً ولكنها في الحقيقة تنتهي إلى أضرار؛ لأن كل ما فيها هو ما كانوا يرونه من النشوة والنشاط والقيام بالأعمال؛ لأن الإنسان يذهب عقله في هذه الحالة فيحس بالنشاط والنشوة والقوة، ولكن سرعان ما يرجع إلى وعيه؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فدعا ﷺ عمرَ ﵁ فتُليت عليه الآية، فقال: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"، فأنزل الله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فكان ينادي رسولُ الله ﷺ إذا جاء وقت الصلاة: يقول: "لا يقربنَّ الصلاة سكران" (٣)، وكذلك امتنع عن هذا كثير من المؤمنين؛ لأنها تشغله عن الصلاة وقالوا:

стр. 9789

لا حاجة لنا بما يشغلنا عن الصلاة، فنودي عمر ﵁ فتُليت عليه فقال: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا" فجاء البيان الشافي في سورة المائدة، وهو قول الله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فقال عمر ﵁: "انتهينا انتهينا" (١)، وقال ذلك أيضًا غيره من الصحابة، وانظروا إلى تلكم الأشياء التي عدَّدها الله وبيَّنها في خطورة الخمر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠]، والرجس (٢) هو الشيء الخبيث النجس، وبيَّن أنها من عمل الشيطان، فهل يكون في شيء من عمل الشيطان خير؟ الشيطان يدعو إلى الفحشاء والمنكر، الشيطان غايته وأمنيته أن يوقع المؤمنين في المهالك، فهو يريدهم أن يكونوا جندًا من جنوده وتبعًا من أتباعه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، (﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾) [المائدة: ٩٠]. ثم جاء الأمر فاجتنبوه. ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. إذن، هنا أمرٌ باجتناب الخمر، واجتناب الخمر يدفع صاحبه إلى الوقوع في الفلاح؛ لأن كل من يمتثل أوامر الله ويتجنب نواهيه وشملك طريق الرشاد والسداد، فإن غايته أن يكون من الفالحين المفلحين في هذه الحياة الدنيا الناجين يوم القيامة، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولم تقل الآية عند هذا الحد: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ … (٩١)﴾ والشيطان له مآرب كثيرة وغايات عديدة لا تنتهي عند هذا الأمر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩٠]، وما أكثر وقوعها في تلكم

стр. 9790

القصص التي وقعت بين الأوس والخزرج وفي قصة حمزة ﵁ عندما عقر الإبل (١)، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ فهل يجوز للمؤمن أن يكون بينه وبين أخيه المؤمن عداوة أو أن تنتشر بين المؤمنين البغضاء؟ الجواب: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، والنبي ﷺ قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد" (٢)، لكن الشيطان يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في أي شيء كالخمر والميسر، وهنا يأتي ما هو أخطر: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [لمائدة: ٩٠]، فهل يُرجى الإنسان فلاح وقد ابتعد عن ذكر الله تعالى وعن طاعته؟! ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨]. ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾، وقالوا: إنه عُرف بالتجربة أن الذي ينغمس في المسكرات فإن الصلاة تكون أهون ما يكون عليه. ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. ماذا كان جواب الصحابة ﵃؟ انتهينا انتهينا، وقال العلماء إن قوله تعالى: [فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، هو أشد وأبلغ من قوله: انتهوا؛ لأنه جاء عن طريق الاستفهام، والذين سمعوا ذلك هم مِن أسرع الناس استجابة لأوامر الله تعالى ولأوامر رسول الله ﷺ ؛ ولذلك ألقوا القِرب

стр. 9791

والجرَّات التي كانت تمتلئ بالخمور (١)، فلم ينظروا إلى أثمانها ولا إلى قيمها ولا ما دفعوا ولا ما خسروا فيها، بل ألقوها تسيل في الأسواق؛ لأنهم رأوا في ذلك طمأنينة لأنفسهم وسعادة قلوبهم، وهو أنهم نزلوا عند أمر الله وابتعدوا عن نهيه، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لعن الله الخمر ولعن شاربها ولعن ساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه" (٢)، وفي رواية أخرى: "وآكلَ ثمنها" (٣)، إذن، هذه أمور عشرة تتعلق بالخمر لعنها الله ؛ لأنها رجس، ولعن شاربها؛ لأنه ارتكب حدًّا من حدود الله ؛ لأنه مجاهر لله ، ولعن ساقيها الذي يمد الناس فيسقيهم، ولعن بائعها الذي يبيعها للناس فيتسبب في شرب هذه الخمر، ولعن مبتاعها الذي يشتريها فيشربها، ولعن الذي يحملها فيوصلها إلى غيره ليشرب تلك الخمر، ولعن المحمولة إليه، ولعن عاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها. إذن، ننتهي إلى أن الخمر محرمة في كتاب الله ، وتحريمها تحريم واضح الدلالة. (﴿ … إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾) [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وأما السُّنة، فالأحاديث كثيرة جدًّا، بلغت في مجموعها -كما قال العلماء- حدَّ التواتر، ومنها قوله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " (٤)، وقال ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٥)، وقال: "ما أسكر

стр. 9792

منه الفرق فملء الكف منه حرام" (١)، إذن الخمر محرَّمة أيًّا كان نوعها، وأخطر من الخمر: تلكم المخدرات التي انتشرت في هذا الزمان وتكاثرت وتنوعت، وكل الذين يروِّجون ذلك إنما هم يريدون أن يقضوا على المؤمنين، وأن يدمروا فكرهم وأن يقضوا على ما عندهم من محبة لهذا الدّين، ولذلك جاء عن رسول الله ﷺ - في سنن أبي داود (٢) وغيره (٣): "أنه نهى عن كل مُسْكِر ومُفْتِّرٍ"، فكل ما أسْكَر أو فتَّر فإنه منهيٌّ عنه، ولا شك أن تلك المخدرات التي ظهرت في هذا الزمان أو تلك المُسْكِرات التي تعدَّدت وتنوَّعت أسماءها -كما جاء في الأثر أنه يأتي في آخر الزمان أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها (٤) -، فالاسم لا قيمة له، ولكن المهم هو النتيجة، هو أنها تُذهب العقول والعافية، وأجمع العلماء على تحريمها، ولكن كان في زمن الصحابة أن ثلاثة منهم -قدامة بن مظعون، وعمرو بن معديكرب، وأبو جندل- كانوا يتأوَّلون قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]، ويقولون: إنها جاءت قبل آية تحريم الخمر، وعندما ناقشهم الصحابة ﵁ في ذلك الأمر بيَّنوا أنهم يستدلون بهذه الآية، فقد ناقش عمر ﵁ قدامةَ بن مظعون وسأله عن ذلك، فقال: إن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وكان يقول: وأنا من المهاجرين الأولين، ممن حضر بدرًا وأحدًا، فقال عمر ﵁ -كما جاء في الأثر- للصحابة الذين كانوا موجودين: "أجيبوه" فسكتوا، -وهم لم يسكتوا لأنهم لا يعرفون الجواب ولكنهم كانوا يريدون أن يرد عليه عمر -فقال: "أجب يا عبد الله بن عباس" فقال عبد الله بن عباس: "تلك الآية إنما في الذين

стр. 9793

مضَوْا من المؤمنين ممن قُتلوا في سبيل الله قبل تحريم الخمر؛ لأن رسول الله ﷺ سُئل عن حالهم من الصحابة ﵁ وهم الذين ماتوا في الجهاد وفي غيره من المؤمنين" (١)، وانظر كيف كان يهتم المؤمنون بعضهم ببعض، فما كانوا ينسون أمواتهم ولا يغفلون عنهم، بل سألوا عن حالهم لما رأوا تحريم الخمر وشدة تحريمها وما جاء فيها من الوعيد، فأنزل الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]: إذا لمَّا شربوها لم تكن محرَّمة، والله لا يكلِّف نفسًا إلا ما آتاها، فهي لم تكن محرَّمة، وفي بعض الآثار: أن عمر ﵁ ردَّ على قدامة فقال له: "إذا اتقيت اجتنبت ما حرَّم الله" (٢)، فعاد أولئك النفر إلى قول الصحابة، فحصل بعد ذلك الإجماع الكلي فأجمعوا على تحريمها، إذن تحريم الخمر جاء في كتاب الله وفي سنَّة رسوله ﷺ ، وما أكثر الأحاديث التي في الصحيحين وفي أحدهما وفي غيرهما وهي صحيحة، وأجمع العلماء (٣) منذ عهد الصحابة ﵃ فما بعدهم على تحريم الخمر. قوله: (وَالْكَلَام فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِبِ، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟). وهي جناية؛ لأنها تعدٍّ على حرمات الله، والله يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقالوا: إن الخمر هي أم الخبائث، فضررها لا يقتصر فقط على أن يذهب عقل صاحبها، ولكن رأيتم ما عدَّده الله تعالى من مخاطرها، فربما توقعه في جنايات

стр. 9794

أعظم من مجرد شرب الخمر، ولذلك ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف" (١): بأن رجلًا كان يشرب الخمر، وأن أمَّه كانت تنهاه كثيرًا عن ذلك وتحذره، فجاء في يوم من الأيام وهو في غاية السُّكْر والهذيان، وكانت أمُّه قد أشعلت التنُّور -يعني: الفرن- ووضعت فيه النار لتخبز، فأخذها فوضعها في التنُّور فاحترقت، فهل هناك جناية أعظم من هذه الجناية؟ ما سببها؟ هذا هو الخمر، فلو أن هذا الإنسان كان عاقلًا هل يفعل ذلك بأمه؟! مهما قلَّت شفقة الإنسان لا يمكن أن يتعدَّى على أمه ولا على أبيه بهذا ولكن متى يتعدَّى؟ إذا ذهبت تلكم الجوهرة العظيمة التي منحه اللّه تعالى إياها وخصَّه بها، وهناك من وقَعوا على محارمهم نتيجة السُّكْر وهناك من قُتل وهناك من تعدَّى، وما أكثر ذلك؛ لأنه إذا فقد الإنسان عقله فقَد كل شيء، إذَن أصاب المؤلف عندما قال بأنها جناية، نعم هي جناية وأي جناية، بل هي أم الخبائث وأم الأشرار، وشربها إنما هو مما يرضي الشيطان ويجعله سعيدًا فرحًا؛ لأنه يعلم نتائج ما تؤول إليه. (وَالْكَلَام فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ: فِي الْمُوجِبِ، وَالْوَاجِب، وَبِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ؟)، فالمؤلف قد حدَّد الأمور التي سيتحدث عنهَا وسيتناولها في الباب. قوله: (فَأَمَّا الْمُوجِبُ فَاتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّهُ شُرْبُ الْخَمْرِ دُونَ إِكْرَاهٍ: قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْكِرَاتِ مِنْ غَيْرِهَا). فأما الموجب -وهو الذي يوجب الحد على شارب الخمر- هو أن يشرب الخمر ولكنه يشربها غيرَ مكرَه، فلو أُمسك بإنسان وأُسقي الخمر فإنَّا لا نقول عن هذا بأنه يقام عليه الحد؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: "عُفي

стр. 9795

عن أمتي" (١)، وفي رواية: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢)، وأيضًا ربما يكون الإنسان في مهلكة، فلا يجد ما يدفع به إلا قليلًا من الخمر، فلو شرب الخمر في هذا المقام فإنه لا يجب عليه الحد؛ لأنه مضطر، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، فالمكرَه لا يقام عليه الحد، ولكن الذي يقام عليه الحد هو الذي يشربها مختارًا، وأن يكون -كما سيأتى- مكلَّفًا، لا يكون صبيًّا صغيرًا لا يَعرف أو مجنونًا وَجد كأسًا من الخمر فشربه وهو لا يعقل، فلا يقام عليه الحد؛ لأن الذي يقام عليه الحد هو الذي تتوفر فيه الشروط، والحد لا يقام إلا ببينة، بمعنى أن يشهد شاهدان عدلان مسلمان بأنه شرب الخمر أو أن يعترف هو بأنه شرب الخمر. وهل لو شُمَّت في لسانه الرائحةُ يقام عليه الحد؟ سيأتي الخلاف في هذه المسألة. والخلاف ليس عند جماهير العلماء، ولكن تعلمون أن الحنفية يخصصون الخمر بعصير العنب، وأيضًا يقولون: عصير العنب إذا اشتد وقَذف بالزَّبَد أو أنه طُبخ وذَهب أيضًا ثلثاه، وكذلك نقيع التمر وكذلك نقيع الزبيب، فهذه كلها يعتبرونها من الخمر، أما لو طُبخ وذهب أكثر من ثلثيه فهذا لهم فيه كلام، ويستدلون بحديث: "حُرِّمت الخمر بعينها" (٣)، والسُّكْر من كل شراب، وحديثهم لا شك حديث ضعيف، وهو ليس شيئًا بالنسبة لتلكم الأحاديث التي أخذ بها جماهير العلماء. قوله: (فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ (٤): حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَمْرِ فِي تَحْرِيمِهَا).

стр. 9796

فجماهير العلماء من الصحابة والتابعين (١) - ومنهم الأئمة مالك، والشافعي (٢)، وأحمد- قالوا (٣): كل مسكر خمر من أي نوع كان، سواءٌ كان من العنب، أو كان من الشعير، أو كان من الزبيب، أو كان من الحنطة، أو كانت بيرة تُسْكِر، أو غير ذلك، فهذا كله يُسْكِر، ولذلك لما صعد عمر بن الخطاب ﵁ على منبر رسول الله ﷺ قال: "يا أيها الناس، إنه نزل تحريم للخمر وهي من خمسة"، ثم عددها العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، ثم ختمها بقوله: "والخمر ما خمر العقل" (٤)، أي: ما خالط العقل، وإنما سميت الخمر خمرًا لأنها تغطي عقل صاحبها، فإذا شربها الإنسان تغطَّى عقله وأصبح غير مدرك، وهي تختلف باختلاف قدرها، فلو شرب قليلًا ربما ذهب بعض عقله، والناس أيضًا يتفاوتون، وهم يختفون ما بين مدمن وغيره. وقد ثبت أنَّ مَن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة؛ لأن خمر الآخرة تختلف عن خمر الدنيا، قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، فلا تذهب العقول ولا تذهب بها؛ لأنها خمر الجنة، أما خمر الدنيا فهي التي توقع في المهالك.

стр. 9797

قوله: (وِإِيجَابُ الْحَدِّ مَنْ شَرِبَهَا: قَلِيلًا كَانَ أَوْ كثِيرًا، أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ). فإذا كان كما جاء في الحديث: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (١)، ليس معنى هذا أنه يشترط أن يُسْكر، فلو قُدِّر بأنَّ كأسًا يُسْكر من الخمر فشرب منه -مثلًا- شربةً واحدةً، فإنه لا يقال بأن هذا لم يشرب الخمر؛ لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأكثر من ذلك قول الرسول ﷺ : "كل مسكر خمر" (٢)، و"كل" هذه صيغة للعموم، فتعم "كل مسكر خمر وكل خمر حرام "، "ما أسكر قليله فكثيره حرام "، ما أسكر منه الفرق الذي يساوي ستة عشر لترًا فملء الكف منه حرام، المهم أنه يسكر. قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ (٣): الْمُحَرَّمُ مِنْهَا هُوَ السُّكْرُ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ). وهو الذي يفسرونه بعصير العنب: نقيع التمر إذا اشتد وقذف بالزَّبَد عندهم، يعني ظهر عليه الزَّبَد، أو هو أيضًا نقيع التمر، أما ما عداها فلا إلا ما يُسْكر، أما غيرهم فيقول: ما أسكر كثيره فقليله حرام. قوله: (وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمْدَةَ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِ الأطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ). فالذين يقولون بتحريم الخمر مطلقًا استدلوا بالآية، ومن ذلك قول الرسول ﷺ : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٤)، قوله ﷺ : "ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام" (٥)، وقوله ﷺ : "ما أسكر منه الفرق فملء

стр. 9798

الكف منه حرام" (١)، إذن هذه الأدلة وغيرها من الأدلة -وهي كثيرة- جاءت عن محمد بن عبد الله، وهي أدلة قاطعة تبين تحريم الخمر، وقد أجمع الصحابة ﵃ على ذلك وأقاموا الحد على من شرب الخمر، وأما الواجب فهو الحد والتفسيق إلا أن تكون توبة، هل هذا الحد كان مقدرًا في زمن رسول الله ﷺ أو بعده؟ هل بقي الحد بقدره على ما كان في حديث رسول الله ﷺ أو تغير؟ هل كانت الصفة التي بقي عليها الحد هي الصفة التي كانت في زمن رسول الله ﷺ أو أنها تغيرت؟ فإنه -كما جاء عن بعض الصحابة- يشرع على الناس أحكامًا بقدر ما يفعلونه من فجور (٢)، ولذلك عمر ﵁ لما كثر شرب المسكرات في زمنه ﵁ وكثر التساؤل فيها، رأى أن ما كان يقام عليهم غير كافٍ في الردع، فاستشار الصحابة في هذا الأمر، فزاد في التعزير. كما جاء في كتاب الله : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. فعمر ﵁ يستشير الصحابة -كما سيأتي- ولذلك جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ" (٣)، إذن سنة الصحابة ﵃ هي امتداد لسنة رسول الله ﷺ . قوله: (وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَهُوَ الْحَدُّ وَالتَّفْسِيقُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ التَّوْبَةُ). أيضًا؛ شارب الخمر يوصف بأنه فاسق؛ لأنه فسق عن أمر الله

стр. 9799

وارتكب ما نهى عنه، ولذلك يُسمَّى فاسقًا وسُمِّيَت الفأرة بالفُوَيْسِقة (١)؛ لأنها تخرج من مكان إلى مكان، كذلك الفاسق الذي يتجاوز حدود الله ويرتكب نواهيه. قوله: (وَالتَّفْسِيقُ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِاتِّفَاقٍ) (٢). فلا خلاف بين العلماء في ذلك. قوله: (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ السُّكْرِ، وَفِيمَنْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ فِيمَا سِوَى الْخَمْرِ. وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ رَأَوْا تَحْرِيمَ قَلِيلِ الأَنْبِذةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ). والصحيح أن الأنبذة (٣) وغيرها وكل مسكر محرم؛ لأن معنى قول رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر" (٤)، "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٥)، إذن سمَّى الرسولُ كلَّ ما يسكر ويذهب العقل خمرًا.

стр. 9800

قوله: (وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ عَلَى وُجُوبِهِ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَدِّ الْوَاجِبِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ) (١). كان في هذا خلافٌ زمن الصحابة، وبيَّنوا للذين كان لهم وجهة نظر ورجعوا إلى الحق وأنابوا إلى الله؛ لأنَّ عمر ﵁ لما ناقش قُدامة لما تلا الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا … (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]، قال: إذا اتقيتَ واجتنبتَ ما حرَّم الله، وقبل ذلك قال له: لقد أخطأتَ يا قدامة، إذا اتقيتَ تجنبتَ ما حرم الله (٢). قوله: (الْحَدُّ فِي ذَلِكَ ثَمَانُونَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣). إذن هناك اختلاف في مقدار الحد؛ لأنه جاء في حديث أنس ﵁ المتفق عليه أنه قال: أُتي برجل إلى رسول الله ﷺ ، فضُرب بالنعال أربعين، وفي زمن أبي بكر فصنع به مثل ذلك، وفي زمن عمر ﵁، فاستشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف: يُجلد جلد الحر ثمانين (٤)، وجاء فيِ بعض الروايات أنه استشار عليَّ بن أبي طالب ﵁ فقال له: "إذا سكر هَذى، وإذا هَذَى افترى فيُجلد حدَّ الفرية" (٥) يعني حد القذف الذي

стр. 9801

مر بنا قبل هذا الكتاب، وحد القذف قد بيَّنه الله في سورة النور، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، فهذا هو حدُّ القذف وهو محدَّد، فقالوا: الذي يشرب الخمر يصيبه الهَذَيان، وإذا هَذَى افترى فربما يرمي هذا وربما يرمي هذا، وأقل الحدود إنما هو حد القذف: ثمانون جلدةً، إذن يُجلد السكران ثمانين جلدةً، ولا يُعتبر هذا مخالفةً لِما كان عليه رسول الله ﷺ ؛ فإن الصحابة ﵃ إنما غلَّظوا ذلك من باب المصلحة ومن باب درء المفاسد، فالناس تساهلوا في ذلك الأمر وأصبح أمرًا سهلًا عندهم ولذلك رأى عمر ﵁ باستشارة الصحابة في أن يضع حدًّا رادعًا مانعًا زاجرًا لهم عن أن يُقدموا على هذه المعصية، فزاد في الحد. قوله: (وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ (١): الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ). وهي رواية -كما قلنا- للإمام أحمد. وهي أيضًا ثمانون: روايةً عن الإمام أحمد (٢) في القول الأول عنده، وهو الذي نسبه إلى الجمهور -ثمانون- لأنها رواية للإمام أحمد، وقول أيضًا للشافعية (٣)، وهناك من يقول: يُجلد أربعين جلدةً، وهذا هو مشهور وهو قول للشافعي (٤)، ورواية للإمام أحمد (٥) أيضًا، وقال به بعض العلماء (٦).

стр. 9802

ولذلك فإن الصحابة ﵃ كانوا يدركون أن ما يكررونه في وقت هو من سنة رسول الله ﷺ ، ولذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (١) وغيره (٢): "لما جيء إلى علي بن أبي طالب بعقبة بن عامر جلَده، وقال: جلَد رسول الله ﷺ أربعين، وجلَد أبو بكر أربعين، وجلَد عمر ثمانين، وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، إذن بيَّن عليُّ بن أبي طالب أن ما فعله إنما عن فِعل رسول الله ﷺ ، وما فعله أبو بكر كفعل رسول الله ﷺ ، وأن ما فعله عمر ﵁ لم يكن خارجًا عن سنة رسول الله، ولذلك قال: "وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، وهو أنه جلَد الوليد بن عقبة أربعين جلدةً. قوله: (هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ). إذن؛ عرفنا في كثير من الحدود التي مرَّت بنا أن حد العبد على النصف من حد الحر، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد إنما يقاس على الأمَة، والآية نَصٌّ في الأمَة وعندما انتقلنا إلى القذف رأينا الذين قالوا بأن العبد يُحَدُّ نصف حد الحر، قاسوا ذلك على الزنا، وكذلك أيضًا هنا. قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ (٣): هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ).

стр. 9803

فالجمهور قولُهم مستقرٌّ بالنسبة لحد العبد منذ أن بدأنا في كتاب الزنا ثم في القذف، وإلى هنا يرون بأنه على النصف من الحر. قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ وَهُوَ أَرْبَعُونَ). لأن أهل الظاهر -كما هو معلوم- يأخذون بظاهر الكتاب والسنة، والله تعالى هناك يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، لا فرق بين حر وعبد في الآية، بل هي عامة، والجمهور (٢) - كما ترون- استدلُّوا بالآية هناك وقاسوا العبد على الأمَة أيضاً، كذلك هنا قالوا: الأدلة عامة، والرسول جلَد أربعين، وعمر جلَد أيضًا ثمانين، ولم يَرِد تفريق بين حر وعبد. قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣) عِشْرُونَ).

стр. 9804

لأن الشافعي يرى بأن حد الحر هو أربعون، فيكون حد المملوك على النصف -والنصف هو عشرون-، فلم يخرج الإمام الشافعي عن قاعدته، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد (١). قوله: (وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ -أَرْبَعُونَ). إنما أخذوا بما فعله عمر ﵁، وجاء تعليله بأنه كثر التساهُل وكثر الذين يشربون الخمر، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بذلك، وممن أشار عليه عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبى طالب ﵁، فيكون النصف أربعون. قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ) (٢). وبهذا نتبين أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام، ومع أن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي وما كان ينطق عن الهوى، ولكنه كان يستشير أصحابه في ذلك، وتعلمون بأن من أوليات استشارته لأصحابه: ما حصل في وقعة بدر عندما استشارهم في المكان: أين يقفون؟ قالوا للرسول ﷺ : "أهو الرأي أم هي الحرب والمشورة؟ "، قال: "بل الرأي والمشورة"، فبيَّنوا له الموقف الذي ينبغي أن يكون (٣)، وتلك الآبار التي

стр. 9805

كانت للعدو إنما هي تُغيَّر، أي: تُرمى فيها الحجارة؛ حتى يكون المسلمون على استعداد وحتى يأخذوا أماكنهم المناسبة، والرسول ﷺ في غزوة الأحزاب لما جاء المشركون من كل حزب وصوب وتكالبوا على المؤمنين: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠]، لا شك أن المؤمنين في غاية التوكل على ربهم، فهم يتوكلون على الله تعالى حق توكله، لكن هناك أيضًا أمرًا مطلوبًا من المؤمنين: ألا وهو الأخذ بالأسباب، ومن الأسباب استشارة الرسول ﵁ لأصحابه في ذلك، فأشار عليه سلمان الفارسي بما كان عنده من خبرة في بلاده التي قدم منها ليدرك رسول الله ﷺ ، وتمَّ له ما تمَّ فكان أحد أصحابه، وكان رسول الله ﷺ يقول عنه: "سلمان منا آلَ البيت" (١)، إذن أشار عليه بأن يحفر خندقًا (٢)، فحفر الخندق، فكان ذلك الخندق بين المؤمنين وبين الكافرين، وتعلمون بأن هذه كلها أسباب، وأن النصر كله لا يكون إلا بنصر الله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، إذن ينصركم الله، فمن ذا الذي يخذلكم؟! إذن، إذا نصر الله عباده المؤمنين فلا يستطيع أحد أن يقف أمامهم، ولذلك الخندق ما كان النهاية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، أرسل الله عليهم تلكم الريح، فكَفَأَتْ قدورهم وأطفأت نيرانهم، وأطاحت وأسقطت خيامهم وفرُّوا لا يلوون على شيء، من الذي هزمهم؟ إنما هو الله ، فالمؤمنون لا قيمة لهم ولا مكانة إلا بالرجوع إلى الله وطلب النصر منه وبذل كل الأسباب.
следующие страницы →