مر بنا قبل هذا الكتاب، وحد القذف قد بيَّنه الله في سورة النور، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، فهذا هو حدُّ القذف وهو محدَّد، فقالوا: الذي يشرب الخمر يصيبه الهَذَيان، وإذا هَذَى افترى فربما يرمي هذا وربما يرمي هذا، وأقل الحدود إنما هو حد القذف: ثمانون جلدةً، إذن يُجلد السكران ثمانين جلدةً، ولا يُعتبر هذا مخالفةً لِما كان عليه رسول الله ﷺ ؛ فإن الصحابة ﵃ إنما غلَّظوا ذلك من باب المصلحة ومن باب درء المفاسد، فالناس تساهلوا في ذلك الأمر وأصبح أمرًا سهلًا عندهم ولذلك رأى عمر ﵁ باستشارة الصحابة في أن يضع حدًّا رادعًا مانعًا زاجرًا لهم عن أن يُقدموا على هذه المعصية، فزاد في الحد.
قوله: (وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ (١): الْحَدُّ فِي ذَلِكَ أَرْبَعُونَ).
وهي رواية -كما قلنا- للإمام أحمد.
وهي أيضًا ثمانون: روايةً عن الإمام أحمد (٢) في القول الأول عنده، وهو الذي نسبه إلى الجمهور -ثمانون- لأنها رواية للإمام أحمد، وقول أيضًا للشافعية (٣)، وهناك من يقول: يُجلد أربعين جلدةً، وهذا هو مشهور وهو قول للشافعي (٤)، ورواية للإمام أحمد (٥) أيضًا، وقال به بعض العلماء (٦).
стр. 9802
ولذلك فإن الصحابة ﵃ كانوا يدركون أن ما يكررونه في وقت هو من سنة رسول الله ﷺ ، ولذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم (١) وغيره (٢): "لما جيء إلى علي بن أبي طالب بعقبة بن عامر جلَده، وقال: جلَد رسول الله ﷺ أربعين، وجلَد أبو بكر أربعين، وجلَد عمر ثمانين، وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، إذن بيَّن عليُّ بن أبي طالب أن ما فعله إنما عن فِعل رسول الله ﷺ ، وما فعله أبو بكر كفعل رسول الله ﷺ ، وأن ما فعله عمر ﵁ لم يكن خارجًا عن سنة رسول الله، ولذلك قال: "وكلٌّ سنةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ "، وهو أنه جلَد الوليد بن عقبة أربعين جلدةً.
قوله: (هَذَا فِي حَدِّ الْحُرِّ، وَأَمَّا حَدُّ الْعَبْدِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ).
إذن؛ عرفنا في كثير من الحدود التي مرَّت بنا أن حد العبد على النصف من حد الحر، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والعبد إنما يقاس على الأمَة، والآية نَصٌّ في الأمَة وعندما انتقلنا إلى القذف رأينا الذين قالوا بأن العبد يُحَدُّ نصف حد الحر، قاسوا ذلك على الزنا، وكذلك أيضًا هنا.
قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ (٣): هُوَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَدِّ الْحُرِّ).
стр. 9803
فالجمهور قولُهم مستقرٌّ بالنسبة لحد العبد منذ أن بدأنا في كتاب الزنا ثم في القذف، وإلى هنا يرون بأنه على النصف من الحر.
قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): حَدُّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ وَهُوَ أَرْبَعُونَ).
لأن أهل الظاهر -كما هو معلوم- يأخذون بظاهر الكتاب والسنة، والله تعالى هناك يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، لا فرق بين حر وعبد في الآية، بل هي عامة، والجمهور (٢) - كما ترون- استدلُّوا بالآية هناك وقاسوا العبد على الأمَة أيضاً، كذلك هنا قالوا: الأدلة عامة، والرسول جلَد أربعين، وعمر جلَد أيضًا ثمانين، ولم يَرِد تفريق بين حر وعبد.
قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٣) عِشْرُونَ).
стр. 9804
لأن الشافعي يرى بأن حد الحر هو أربعون، فيكون حد المملوك على النصف -والنصف هو عشرون-، فلم يخرج الإمام الشافعي عن قاعدته، وهي رواية أُخرى للإمام أحمد (١).
قوله: (وَعِنْدَ مَنْ قَالَ: ثَمَانُونَ -أَرْبَعُونَ).
إنما أخذوا بما فعله عمر ﵁، وجاء تعليله بأنه كثر التساهُل وكثر الذين يشربون الخمر، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بذلك، وممن أشار عليه عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبى طالب ﵁، فيكون النصف أربعون.
قوله: (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ) (٢).
وبهذا نتبين أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام، ومع أن رسول الله ﷺ كان ينزل عليه الوحي وما كان ينطق عن الهوى، ولكنه كان يستشير أصحابه في ذلك، وتعلمون بأن من أوليات استشارته لأصحابه: ما حصل في وقعة بدر عندما استشارهم في المكان: أين يقفون؟ قالوا للرسول ﷺ : "أهو الرأي أم هي الحرب والمشورة؟ "، قال: "بل الرأي والمشورة"، فبيَّنوا له الموقف الذي ينبغي أن يكون (٣)، وتلك الآبار التي
стр. 9805
كانت للعدو إنما هي تُغيَّر، أي: تُرمى فيها الحجارة؛ حتى يكون المسلمون على استعداد وحتى يأخذوا أماكنهم المناسبة، والرسول ﷺ في غزوة الأحزاب لما جاء المشركون من كل حزب وصوب وتكالبوا على المؤمنين: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾ [الأحزاب: ١٠]، لا شك أن المؤمنين في غاية التوكل على ربهم، فهم يتوكلون على الله تعالى حق توكله، لكن هناك أيضًا أمرًا مطلوبًا من المؤمنين: ألا وهو الأخذ بالأسباب، ومن الأسباب استشارة الرسول ﵁ لأصحابه في ذلك، فأشار عليه سلمان الفارسي بما كان عنده من خبرة في بلاده التي قدم منها ليدرك رسول الله ﷺ ، وتمَّ له ما تمَّ فكان أحد أصحابه، وكان رسول الله ﷺ يقول عنه: "سلمان منا آلَ البيت" (١)، إذن أشار عليه بأن يحفر خندقًا (٢)، فحفر الخندق، فكان ذلك الخندق بين المؤمنين وبين الكافرين، وتعلمون بأن هذه كلها أسباب، وأن النصر كله لا يكون إلا بنصر الله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، إذن ينصركم الله، فمن ذا الذي يخذلكم؟! إذن، إذا نصر الله عباده المؤمنين فلا يستطيع أحد أن يقف أمامهم، ولذلك الخندق ما كان النهاية: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، أرسل الله عليهم تلكم الريح، فكَفَأَتْ قدورهم وأطفأت نيرانهم، وأطاحت وأسقطت خيامهم وفرُّوا لا يلوون على شيء، من الذي هزمهم؟ إنما هو الله ، فالمؤمنون لا قيمة لهم ولا مكانة إلا بالرجوع إلى الله وطلب النصر منه وبذل كل الأسباب.
стр. 9806
(فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ تَشَاوُرُ عُمَرَ وَالصَّحَابَةِ لَمَّا كَثُرَ فِي زَمَانِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ)، فعُمَرُ ﵁ لم يفعله من غير أي سبب، ولكن عمر ﵁ هو أمير المؤمنين وهو الخليفة الثاني بعد رسول الله ﷺ ، وتعلمون مكانة عمر وحصافَتَه، كيف كان ينزل القرآن مؤيدًا لرأيه في كثير من الأُمور: في أسرى بدر، فيما يتعلق بمقام إبراهيم، فيما يتعلق بالحجاب (١)، إلى غير ذلك من الُأمور، وفيما يتعلق بالخمر أيضًا، فعمر ﵁ رأى التساهُل من الناس والاستخفاف في هذا الأمر، فأراد أن يجعل زاجرًا حتى يرتدع الناس، ولذلك قال العلماء: لولي الأمر من بعد المصلحة أن يضاعف العقوبة، وترون الآن مصير الذي يروج المخدرات؛ لأن هذا أشد ضررًا من الذي يشرب الخمر، فالذي يشرب الخمر إنما يضر نفسه، لكن هذا المروِّج يأتي بهذه السموم ليقتل بها المؤمنين، فلولي الأمر أن يتخذ عقوبة صارمة ليردعه، فهو المسؤول أمام الله ، والله تعالى يَزَع بالسلطان ما لا يَزَع بالقرآن؛ فالقرآن كتاب تعليم وهداية وإرشاد، ولكن السلطان يُنفِّذ ما في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، فهو يطبق ذلك تطبيقًا عمليًّا، أما بالنسبة للصالحين المتقين الخاشعين المؤمنين بالله تعالى، فليسوا بحاجة إلى زواج، ولذلك كان الصحابة ﵃ كما كان يقال في وصفهم- تجد أحدهم قرآنًا يمشي على الأرض، تقرأ الآيات فتراها في أخلاق رسول الله في صفاتهم وأفعالهم وأقوالهم ودعوتهم، ولذلك كان الناس يتسابقون إلى الدخول في دين الله ، لِما كانوا يرونه من الحالة والصفات التي كان عليها أصحاب رسول الله ﷺ ، وهكذا فإن المسلمين بحاجة إلى أن يعودوا إلى هذا الدين الحنيف وأن يتمسكوا بأهدافه وأن يكونوا قدوةً صالحةً لغيرهم، فكم من الذين دخلوا في الإسلام إذا أُعطُوا صورةً صادقةً عن هذا الدين، كثير من الناس يظنون بأن هذا الدِّين هو دين العنف ودين القسوة والشدة، هو لا يقبل أحدًا، لا مع أن هذا الدين هو دين السماحة والصبر.
стр. 9807
فانظر صفات رسول الله ﷺ كيف كان يتسامح؟ "لا تثريب عليكم، أقول كذا وكذا، لا تثريب عليكم اليوم" وكم عفا رسول الله وكم صفح، والله تعالى يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
فكان المسلمون قدوةً صالحةً، مرآةً صفيةً نقيةً، إذا رآها الآخرون نظروا فيها فكانوا يتأثرون بما كانوا عليه، ولا شك أن غير المسلم ينظر إلى صفات المؤمن: فإن كان يسير في نور الله فإن ذلك سيجذب المخالف إلى الحق، وقد رأيتم كثيرًا من الأطباء غير المسلمين الذين وقفوا على بعض تلكم الأسرار المتعلقة بعلم الطب ووضحَتْ لهم، وأدركوا أن القرآن قد أشار إليها من قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، رجعوا وأنابوا إلى الله، ولعلِّي ذكرتُ لكم قصة ذلكم القبطان الفرنسي الذي كان يقود سفينة في البحر الأبيض المتوسط، فكان يقودها ذات يوم، فاشتدت بهم الأمواج، وكأنه سمع في الآية التي يصف الله فيها أعمال المشركين: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
فسأل سؤالًا واحدًا فقط، قال: "هل ركب محمد البحر؟ " قالوا: "لا"، فآمَن، إذن هذا الدين له تأثير عظيم يأخذ بمجامع القلوب ويؤثر فيها، فما أحوج المؤمنين إلى أن يعطوا صورةً صادقةً صافيةً نقيةً لغير المؤمنين، وأنتم تسمعون في كل فترة عن الذيين يدخلون في الإيمان، فأنت عندما تُوازِن بين الإسلام وغيره تجد أن غير المسلمين يبذلون الأموال الطائلة وينفقون المغريات -ويندر أن يدخل إحد في دينه- بينما تجد الإسلام يغزو النفوس بذاته إذا نُقِل بصورة صادقة، كلما أصغى الإنسان إلى هذا الدين وما فيه من لحكمة والأحكام وما فيه من الأسرار والغايات، فإنك تجد أن المُنصف يُقبل على هذا الدين، ألم يُسلم كثير من أهل الكتاب في زمن رسول الله ﷺ ؟ يقول الله تعالى في سورة المائدة:
стр. 9808
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].
وهذا هو شاهد بأننا بحاجة إلى أن نبيِّن لغيرنا الإسلام، فالكلام وحده لا يجدي، وأنا مسلم وغيري والناس ينظرون إلى أعمالك قبل أقوالك، فما الفائدة أن تقول الحق وتعمل بخلافه؟! والله تعالى يقول: ﴿ … لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].
ويَذكر بعض الكاتبِين في أنه جرى في اليابان قبل فترة أنهم أخذوا ينظرون في الأديان، فنظروا في اليهودية فوجدوا الرهبانية، ووجدوا فيها القسوة وفيها الغلظة وفيها الشدة، ونظروا في النصرانية فقالوا: فيها الضعف، ثم نظروا فوجدوا أن الحق في الإسلام، لكن بعضهم أشار عليهم فقال: "اذهبوا إلى بلاد المسلمين وانظروا"، فذهبوا إلى بعض بلاد المسلمين، فوجدوا ما يسمعونه عن الإسلام يخالف ما هو عليه.
إذا كانت هذه حالة أهله؛ من الضعف ومن التأخر والتقهقر، فكيف ندخل فيه، فسيكون مصيرنا مصيرهم، فظنوا أن هذا هو الإسلام، ولكنهم لم يدركوا أن هذا هو فِعل المنتسبين إليه.
قوله: (وَإِشَارَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْفِرْيَةِ؛ فَإِنَّهُ كمَا قِيلَ عَنْهُ ﵁).
كما قيل عن علي ﵁.
قوله: (إِذَا شَرِبَ سَكِرَ).
فإذا شرب الخمر سكر: هذه واحدة، وإذا سكر: يحصل له الهذيان فيبدأ يَهْذِي بالكلام، لا يعرف لون هذا من لون هذا، وخاصةً إذا اشتد:
стр. 9809
هل هذا ضار وهذا نافع؟ يبدأ يتخبَّط في الكلام، والناس يختلفون في هذه الحالة.
قوله: (وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى) (١).
وإذا هَذَى أصابه الهذيان والخلط في الكلام والاضطراب، يفتري على غيره افتراءً فقد يقذف غيره، وإذا قذف يكون حده حد الفرية، وحد الفرية ثمانون جلدةً، وهي التي نص الله تعالى عليها في كتابه، إذن انظروا إلى مخالَصة الصحابة ﵃، وانظروا إلى عمقهم كيف كانوا يفهمون كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لأن الله وهبهم عقولًا راجحة، وهبهم إخلاصًا لدين الله، وهبهم صفاءً في أذهانهم وفي عقولهم، ولو لم يكن من ذلك إلا صحبتهم لمحمد بن عبد الله ﷺ ؛ فهُم الذين تربَّوْا في مدرسته وأخذوا العلم صافيًا نقيًّا من مشكاة النبوة، لم تَشْبْهُ شائبةٌ ولم يخالطه إشكال، إذن هم تلاميذ محمد بن عبد الله، وتربوا في مدرسته وتخرجوا في جامعته، ولذلك قال: كان الصحابي الملهَم عبد الله بن مسعود ﵁: "مَن كان مستنًّا فليستَنَّ بمن مات؛ فإن الحيَّ لا تؤمَن عليه الفتنة" (٢)، وأصحاب رسول الله ﷺ ، قد كانوا أبَرَّ الأمة قلوبًا وأعمقَها عِلمًا وأقلَّها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله تعالى لنبيه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم، في أثرهم فيا سعادة مَن إذا تردَّد في أمر من الأمور رجع إلى ما كان عليه الصحابة، وترون كثيرًا من المشكلات والبدع والخرافات التي يقع فيها بعض المؤمنين -وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا- لو أنهم عادوا إلى ما كان عليه الصحابة ﵃، فهم خير من يُقتدى بهم، بل نحن مأمورون بأن نقتدي بهم وننظر كيف كانوا يتعاملون مع تلك الأمور إذا لم نجد ذلك في الكتاب العزيز ولا في السنن فيُرجَع إلى الصحابة: هل فعلوا ذلك الفعل أو لم يفعلوه؟ الجواب: لم يفعلوه، بل بعضها حذَّروا منها، إذن فلا يذهب بعضُ الناس إلى التوسل بالأموات؛ لأن هذا شرك، كان الصحابة ﵃ يذهبون إلى رسول الله ﷺ ويستسقون به، ولمَّا
стр. 9810
مات رسول الله طلبوا من بعض الناس قالوا: "اللهم كنا نستسقي برسولك" (١)، يعني يطلبون منه أن يدعو لهم؛ لأنه عم رسول اللّه، ولم يكونوا معتقدين فيه أنه ينفع أو يضر -كما يقولون: "مدد" أو: افعل "-ولا يعتقدون أنه واسطة بينهم وبين الله، فالصحابة لم يكونوا يرجعون إلى رسول الله في قبره ولا يطلبون منه المدد ولا يقولون" افعل لنا كذا "أو" ارفع عنا كذا، ولكنهم كانوا يتجهون إلى الله .
قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَإِنَّمَا كَانَ يُضْرَبُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالنِّعَالِ ضَرْبًا غَيْرَ مَحْدُودٍ).
يعني ضُرب بالنعال وجريد النخل كما مر في حديث أنس الذي ذكرنا المتفق عليه (٢) بأنه ﷺ أُتي برجل شرب الخمر فضربَه أربعين بالنعال، وأُتي أبو بكر ﵁ فصنع مثل ذلك -أي: كما فعل الرسول-، فلما كان زمان عمر ﵁ واستخفَّ الناس وتساهلوا، أراد عمر ﵁ أن يتخذ زاجرًا ورادعًا، فاستشار الصحابة فأشار عليه عبد الرحمن بن عوف بأن يجلد جلْد الفِرية ثمانين، وعلَّل علي ﵁ بقوله: "إذا سكر هَذَى وإذا هذى افترى فيُجلد ثمانين" (٣).
قوله: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ شَاوَرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمْ بَلَغَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِشُرَّابِ الْخَمْرِ؟ فَقَدَّرُوهُ بِأَرْبَعِينَ) (٤).
فالرسول ﷺ ضَرب واعتبَر الصحابة ﵃ ذلك حدًّا؛ لأن كونه يضرب
стр. 9811
بالجريد وبالنعال يدلُّ على أنَّه حد، ولكن تعلمون بأن الخمر كان الناس مولعين بها في ذلك الوقت وتأثروا بها وكانوا قد تعلقوا بها، وذكرتُ لكم ذلك؛ ولذلك لمَّا جاء تحريمها لم يأتِ دفعةً واحدةً، بل مر بمراحل ثلاث، سؤال ثم نزلت الآية، ثم النهيُ عنها وقت الصلاة، ثم جاءت الآية الحاسمة للخلاف، الرافعة له المقرِّرة تحريمها وأنه ارتكاب لحد من حدود الله تعالى.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ "، فَجَعَلَ عُمَرُ مَكَانَ كلِّ نَعْلٍ سَوْطًا (١). وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ" (٢)، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ (٣) مِنْ طَرِيقٍ أَثْبَتَ (٤)، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٥).
стр. 9812
وقد ذكرت لكم فيما يتعلق بعلي، وأنه جلَد الوليد بن عقبة أربعين، ثم فسَّر حكمه فقال: جلَد رسول الله أربعين، فعليٌّ فهم ذلك، إذن هناك حد فعله الرسول ﷺ وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره (١) قال: "جلَد رسول الله أربعين، وجلَد أبو بكر أربعين، وجلَد عمر ثمانين، وكُلٌّ سُنَّة" يعني كل ذلك سُنَّة، والناس في زمن رسول الله ﷺ يختلفون عن غيرهم، ولذلك جاء في الحديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢)، فهل عصرنا كعصر رسول الله ﷺ ؟ الجواب: لا، هل عصرنا كعصر القرون المفضلة؟ الجواب: لا، ولكننا بحمد الله في هذه البلاد -كما ترون- بلاد تطبق فيها شريعة الله .
وهذه من جملة الأحاديث التي وردت في حد شرب الخمر وحكم شاربها.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ يُقِيمُ هَذَا الْحَدَّ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يُقِيمُهُ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي سَائِرِ الْحُدُودِ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِقَامَةِ السَّادَاتِ الْحُدُودَ عَلَى عَبِيدِهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ (٣): يُقِيمُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ حَدَّ الزِّنَا وَحَدَّ الْقَذْفِ إِذَا
وَأَنَسٌ (١). وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ هُوَ السُّلْطَانُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْجُمُعَةُ وَالزَّكَاةُ وَالْفَيْءُ وَالْحُكْمُ إِلَى السُّلْطَانِ).
للسيد إقامة الحد بالجلد على رقيقه القن، في قول أكثر العلماء.
وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي ثور.
وقال الأحناف: ليس له ذلك؛
١ - لأن الحدود إلى السلطان.
٢ - ولأنَّ من لا يملك إقامة الحد على الحر لا يملكه على العبد، كالصبي.
٣ - ولأن الحد لا يجب إلا ببينة أو إقرار، ويعتبر لذلك شروط، من عدالة الشهود، ومجيئهم مجتمعين، أو في مجلس واحد، وذكر حقيقة الزنى، وغير ذلك من الشروط التي تحتاج إلى فقيه يعرفها، ويعرف الخلاف فيها، والصواب منها، وكذلك الإقرار، فينبغي أن يفوض ذلك إلى الإمام أو نائبه، كحد الأحرار.
٤ - ولأنه حد هو حق لله تعالى، فيفوض إلى الإمام، كالقتل والقطع.
ولكنَّ الصواب للقول الأول لما جاء عن أبي هريرة. عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا زنت أمة أحدكم، فتيقن زناها، فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت، فليجلدها، ولا يثرب بها، فإن عادت فليجلدها، ولا يثرب
стр. 9815
بها، فإن عادت الرابعة، فليجلدها، وليبعها ولو بضفير" (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدُّ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِالإِقْرَارِ وَبِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِهِ بِالرَّائِحَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ: يَجِبُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ إِذَا شَهِدَ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ في عَدْلَانِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ، فَقَالُوا: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ بِالرَّائِحَةِ، فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الرَّائِحَةِ تَشْبِيهُهَا عَلَى الصَّوْتِ وَالْخَطِّ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهَا اشْتِبَاهُ الرَّوَائِحِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبَهِ).
لا يجب الحد حتى يثبت شربه بأحد شيئين؛ الإقرار أو البينة.
ويكفي في الإقرار مرة واحدة. في قول عامة أهل العلم؛ لأنه حد لا يتضمن إتلافًا، فأشبه حد القذف. وإذا رجع عن إقراره قبل رجوعه؛ لأنه حد لله سبحانه، فقبل رجوعه عنه، كسائر الحدود. ولا يعتبر مع الإقرار وجود رائحة. وحكي عن أبي حنيفة، لا حد عليه، إلا أن توجد رائحة. ولا يصح؛ لأنه أحد بينتي الشرب، فلم يعتبر معه وجود الرائحة، كالشهادة؛ ولأنه قد يقر بعد زوال الرائحة عنه؛ ولأنه إقرار بحد، فاكتفي به، كسائر الحدود.
ولا يجب الحد بوجود رائحة الخمر من فيه. في قول أكثر أهل
стр. 9816
العلم؛ وقيل: يُحدُّ بذلك؛ لما جاء عن عمر أنه قال: إني وجدت من عبيد الله ريح شراب، فأقر أنه شرب الطلاء. فقال عمر: إني سائل عنه، فإن كان يسكر جلدته (١).
ولأن الرائحة تدل على شربه، فجرى مجرى الإقرار.
والأول أولى؛ لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها، أو حسبها ماء، فلما صارت فى فيه مجها، أو ظنها لا تسكر، أو كان مكرها، أو أكل نبقًا بالغاً، أو شرب شراب التفاح، فإنه يكون منه، كرائحة الخمر، وإذا احتمل ذلك، لم يجب الحد الذي يدرأ بالشبهات. وحديث عمر حجة لنا، فإنه لم يحده بوجود الرائحة، ولو وجب ذلك، لبادر إليه عمر، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 9817
[كِتَابُ السَّرِقَةِ]
(وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَفِي شُرُوطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، وَفِي صِفَاتِ السَّارِقِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَفِي الْعُقُوبَةِ، وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْجِنَايَةُ).
الأصل فيه الكتاب والسُّنة والإجماع:
أما الكتاب، فقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وأما السُّنة، فروت عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" (١).
وقال النبي ﷺ : "إنما هلك من كان قبلكم، بأنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه" (٢).
وقد أجمعوا على وجوب قطع السارق (٣).
стр. 9818
قوله: (فَأَمَّا السَّرِقَةُ فَهِيَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُسْتَتِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخِيَانَةِ وَلَا فِي الِاخْتِلَاسِ قَطْعٌ إِلَّا إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِي الْخِلْسَةِ الْقَطْعَ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﵊).
معنى السرقة: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار (١).
ومنه: استراق السمع، ومسارقة النظر، إذا كان يستخفي بذلك، فإن اختطف أو اختلس، لم يكن سارقًا، ولا قطع عليه عند أحد غير إياس بن معاوية (٢)، قال: أقطع المختلس؛ لأنه يستخفي بأخذه، فيكون سارقًا، وأهل الفقه جميعًا على خلافه.
(وَأَوْجَبَ أَيْضًا قَوْمٌ الْقَطْعَ عَلَى مَنِ اسْتَعَارَ حُلِيًّا أَوْ مَتَاعًا، ثُمَّ جَحَدَهُ؛ لِمَكَانِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الْمَشْهُورِ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْحُلِيَّ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطَعَهَا لَوْضِعِ جُحُودِهَا. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٣)
стр. 9819
وَإِسْحَاقُ (١). وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﵊ بِقَطْعِ يَدِهَا، فَأَتَى أُسَامَةَ أَهْلُهَا فَكَلَّمُوهُ، فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ ﵊ (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: يَا أُسَامَةُ، لَا أَرَاكَ تَتَكَلَّمُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ! ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﵊ خَطِيبًا، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا" (٣)).
قد اختلفت الرواية، في هذه المسألة عن أحمد، في جاحد العارية، فعنه: عليه القطع. وهو قول إسحاق؛ للحديث الذي ذكره المؤلف، قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه. وعنه: لا قطع عليه (٤).
(وَرَدَّ الْجُمْهُورُ هَذَا الْحَدِيثَ؛ لأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعَارَ مَأْمُونٌ، وَأَنَّهُ يَأْخُذْ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَضْلًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حِرْزٍ، قَالُوا: وَفِي الْحَدِيثِ حَذْفٌ، وَهُوَ أَنَّهَا سَرَقَتْ مَعَ أَنَّهَا جَحَدَتْ (٥). وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ
стр. 9820
-﵊: "إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ" (١)، قَالُوا: وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ، فَقَالَ فِيهِ: "إِنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ سَرَقَتْ" (٢). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَعَلَتِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الْجَحْدَ وَالسَّرِقَةَ).
قالوا: إنَّ المرأة التي كانت تستعير المتاع إنما قطعت لسرقتها، لا بجحدها، ألا ترى قوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ".
وقوله: "والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد، لقطعت يدها".
وفي بعض ألفاظ رواية هذه القصة عن عائشة: أنَّ قريشًا أهمهم شأن
стр. 9821
المخزومية التي سرقت، وذكرت القصة (١).
وفي حديث أنها سرقت قطيفة، فعن مسعود بن الأسود قال: لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله ﷺ أعظمنا ذلك، وكانت امرأة من قريش، فجئنا إلى النبي ﷺ نكلمه، وقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال رسول الله ﷺ : "تطهر خير لها". فلما سمعنا لين قول رسول الله ﷺ ، أتينا أسامة فقلنا: كلم رسول الله ﷺ ، فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، قام خطيبًا فقال: "ما إكثاركم علي في حد من حدود الله وقع على أمة من إماء الله، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة ابنة رسول الله، نزلت بالذي نزلت به، لقطع محمد يدها" (٢).
وهذا ظاهر في أن القصة واحدة، وأنها سرقت فقطعت بسرقتها، وإنما عرفتها عائشة بجحدها للعارية؛ لكونها مشهورة بذلك، ولا يلزم أن يكون ذلك سببًا، كما لو عرفتها بصفة من صفاتها، وفيما ذكرنا جمع بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الأحاديث والقياس وفقهاء الأمصار، فيكون أولى.
فأما جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات، فلا نعلم أحدًا يقول بوجوب القطع عليه.
قال: (وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا (٣) عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا عَلَى الْمُكَابِرِ الْمُغَالِبِ قَطْعٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَاطِعَ طَرِيقٍ شَاهِرًا لِلسِّلَاحِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مُخِيفًا لِلسَّبِيلِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ).
سيأتي هذا في باب أحكام قطاع الطريق والمحارب إن شاء الله تعالى.
وقال أبو حنيفة (١): لا يقطع؛ لأن قطعه قضاء على سيده، ولا يقضى على الغائب.
والصواب: أنه يقطع؛ لعموم الكتاب والسُّنة، وأنه مكلف سرق نصابًا من حرز مثله، فيقطع، كغير الآبق.
وقوله: (فَمَنْ وَأَى أَنَّ الإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ بَعْدَ وُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةً، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ الأَمْرِ بِالْقَطْعِ، وَلَا عِبْرَةَ لمَنْ لَمْ يَرَ الْقَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ إِلَّا تَشْبِيهَهُ سُقُوطَ الْحَدًّ عَنْهُ بِسُقُوطِ شَطْرِهِ، أَعْنِي: الْحُدُود الَّتِي تَنْشَطِرُ فِي حَقِّ الْعَبِيدِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ).
من رأى صحة وقوع الإجماع في العصر المتأخِّر بعد حدوث الخلاف بين المُتقدِّمين، فإنه جعل المسألة مسألة قطعيَّة كجميع مسائل الإجماع، ومن لم ير صحة وقوع الإجماع جعل المسألة خلافيَّة جائز الاجتهاد فيها.
(وَأَمَّا الْمَسْرُوقُ فَإِنَّ لَهُ شَرَائِطَ مُخْتَلَفًا فِيهَا. فَمِنْ أَشْهَرِهَا اشْتِرَاطُ النِّصَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقَطْعُ فِي قَلِيلِ الْمَسْرُوقِ وَكثِيرِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٨]. وَوُبَّمَا احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ
стр. 9824
الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" (١). وَبِهِ قَالَ الْخَوَارجُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ) (٢).
أن يكون المسروق نصابًا، ولا قطع في القليل، في قول الفقهاء كلهم.
إلا الخوارج، قالوا: يقطع في القليل والكثير (٣)؛ لعموم الآية، ولما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق، يسرق الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده" (٤).
ولأنه سارق من حرز، فتقطع يده، كسارق الكثير.
وحجة الجمهور: قول النبي ﷺ : "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٥).
(وَالَّذِينَ قَالُوا بِاشْتِرَاطِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ اخْتِلَافًا كثِيرًا، إِلَّا أَنَّ الاخْتِلَافَ الْمَشْهُورَ مِنْ ذَلِكَ
стр. 9825
الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَى أَدِلَّةٍ ثَابِتَةٍ، وَهُوَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢) وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: قَوْلُ فُقَهَاءِ العِرَاقِ. أَمَّا فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فَأَوْجَبُوا الْقَطْعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَرُبُعِ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ).
اختلفوا في قدر النصاب الذي يجب القطع بسرقته:
فقال بعضهم: إنه ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من غيرهما. وهذا قول مالك، والشافعي ورواية عن أحمد (٣).
وروي عن الإمام أحمد: أنه إن سرق من غير الذهب والفضة، ما قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قطع (٤).
فعلى هذا يقوم غير الأثمان بأدنى الأمرين، من ربع دينار، أو ثلاثة دراهم.
بِالتَّقْوِيمِ بِالدَّرَاهِمِ، وَأَمَّا فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ فَالنِّصَابُ الَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ هُوَ عِنْدَهُمْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لَا يَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ (١). وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ (٢): لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقَدْ قِيلَ: فِي أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ (٣)، وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: فِي دِرْهَمَيْنِ) (٤).
قال بعضهم: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا؛ لحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٥).
وقال بعضهم: تقطع اليد في درهم، فما فوقه.
وقال بعضهم: اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا.
وقال أبو حنيفة وأصحابه (٦): لا تقطع اليد إلا في دينار، أو عشرة دراهم.
стр. 9828
(فَعُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ" (١). وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَوْقَفَهُ مَالِكٌ وَأَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (٢)).
حجتهم: ما روى ابن عمر: "أن رسول الله قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم "، وهو حديث متفق عليه.
قال ابن عبد البر: هذا أصح حديث يروى في هذا الباب، لا يختلف أهل العلم في ذلك (٣).
(وَأَمَّا عُمْدَةُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورُ، قَالُوا: وَلَكِنَّ قِيمَةَ الْمِجَنِّ هُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ. وَقَدْ خَالَفَ ابْنَ عُمَرَ فِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ مِنَ الصَّحَابَةِ كَثِيرٌ مِمَّنْ رَأَى الْقَطْعَ فِي الْمِجَنِّ كابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ فَى دَرَاهِمَ" (٤). قَالُوا: وَإِذَا وُجِدَ الْخِلَافُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَجَبَ أَنْ لَا تُقْطَعَ الْيَدُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ كلَامٌ حَسَنٌ لَوْلَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَهوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَجَعَلَ الأَصْلَ هُوَ الرُّبُعُ
стр. 9829
دِينَارٍ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَضَدَ عِنْدَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ الَّذِي رَوَاهُ، وَهُوَ أَنَّهُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِم، وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَذِرُ عَنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الصَّرْفَ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَالْقَطْعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَحْفَظُ لِلأمْوَالِ، وَالْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَدْخَلُ فِي بَابِ التَّجَاوُزِ، وَالصَّفْحِ عَنْ يَسِيرِ الْمَالِ وَشَرَفِ الْعُضْوِ).
الحديث الذي احتج به أبو حنيفة يرويه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، والذي يرويه عن الحجاج ضعيف أيضاً.
والحديث الثاني؛ لا دلالة فيه على أنه لا يقطع بما دونه، فإن من أوجب القطع بثلاثة دراهم، أوجبه بعشرة، ويدل هذا الحديث على أن العرض يقوم بالدراهم؛ لأن المجن قوم بها؛ ولأن ما كان الذهب فيه أصلًا، كان الورق فيه أصلًا، كنصب الزكاة، والديات وقيم المتلفات.
وقد روى أنس، أن سارقًا سرق مجنًّا ما يسرني أنه لي بثلاثة دراهم، أو ما يساوي ثلاثة دراهم، فقطعه أبو بكر. وأتي عثمان برجل قد سرق أترجة، فأمر بها عثمان فأقيمت، فبلغت قيمتها ربع دينار، فأمر به عثمان فقطع.
(وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِعْلِ عُثْمَانَ مُمْكِنٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، فَهَذَا هُوَ أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْقَطْعِ).
الجمع ممكن على مذهب الشافعي وأحمد، وبالفعل الجمع أولى فيكون مذهبهما أقوى.
(وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ إِذَا سَرَقَتِ الْجَمَاعَةُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ -أَعْنِي: نِصَابًا- دُونَ أَنْ يَكُونَ حَظُّ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ
إذا اشترك الجماعة في سرقة قيمتها ثلاثة دراهم، قطعوا عند مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا؛ لأن كل واحد لم يسرق نصابًا، فلم يجب عليه قطع، كما لو انفرد بدون النصاب.
وهذا القول أحب إليَّ؛ لأن القطع هاهنا لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص والمجمع عليه، فلا يجب، والاحتياط بإسقاطه أولى من الاحتياط بإيجابه؛ لأنه مما يدرأ بالشبهات واحتج أصحابنا بأن النصاب أحد شرطي القطع، فإذا اشترك الجماعة فيه كانوا كالواحد، قياسًا على هتك الحرز؛ ولأن سرقة النصاب فعل يوجب القطع، فاستوى فيه الواحد والجماعة، كالقصاص.
(فَمَنَ قَطَعَ الْجَمِيعَ رَأَى الْعُقُوبَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَالِ الْمَسْرُوقِ، أَيْ: أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْقَطْعَ لِحِفْظِ الْمَالِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْقَطْعَ إِنَّمَا عُلِّقَ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا بِمَا دُونَهُ لِمَكَانِ حُرْمَةِ الْيَدِ- قَالَ: لَا تُقْطَعُ أَيْدٍ كثِيرَةٌ فِيمَا أَوْجَبَ فِيهِ الشَّرْعُ قَطْعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ، وَاخْتَلَفُوا مَتَى يُقَدَّرُ الْمَسْرُوقُ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): "يَوْمَ السَّرِقَةِ"، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ" (٢)).
стр. 9832
مالك يقول: يُنظر في قيمة السرقة يوم سرقها، ولا يُنظر إلى ما بعد ذلك رخصت أو غلت.
(وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي فِي وُجُوبِ هَذَا الْحَدِّ فَهُوَ الْحِرْزُ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ عَلَيْهِمُ الْفَتْوَى وَأَصْحَابُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ حِرْزٌ مِمَّا لَيْسَ بِحِرْزٍ).
الشرط الثاني: أن يسرق من حرز، ويخرجه منه.
(وَالأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ الْحِرْزِ: إِنَّهُ مَا شَأْنُهُ أَنْ تُحْفَظَ بِهِ الأَمْوَالُ كَيْ يَعْسُرَ أَخْذُهَا مِثْلَ الأَغْلَاقِ وَالْحَظَائِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَفِي الْفِعْلِ الَّذِي إِذَا فَعَلَهُ السَّارِقُ اتَّصَفَ بِالإِخْرَاجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ. ومِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَأَصْحَابُهُمْ).
стр. 9833
الحرز ما عد حرزًا في العرف، فإنه لما ثبت اعتباره في الشرع من غير تنصيص على بيانه، علم أنه رد ذلك إلى أهل العرف؛ لأنه لا طريق إلى معرفته إلا من جهته، فيرجع إليه، كما رجعنا إليه، في معرفة القبض والفرقة في البيع وأشباه ذلك. إذا ثبت هذا، فإن من حرز الذهب والفضة والجواهر الصناديق تحت الأغلاق والأقفال الوثيقة في العمران، وحرز الثياب، وما خف من المتاع، كالصفر والنحاس والرصاص، في الدكاكين، والبيوت المقفلة في العمران، أو يكون فيها حافظ، فيكون حرزًا، وإن كانت مفتوحة. وإن لم تكن مغلقة ولا فيها حافظ، فليست بحرز. وإن كانت فيها خزائن مغلقة، فالخزائن حرز لما فيها، وما خرج عنها فليس بمحرز.
(وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١)، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: الْقَطْعُ عَلَى مَنْ
شُعَيْبٍ (١). وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: "أَحَادِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ إِذَا رَوَاهَا الثِّقَاتُ" (٢)).
أهل الظاهر لا يعتبرون الحرز؛ لأن الآية لا تفصيل فيها. وهذه أقوال شاذة، غير ثابتة عمن نقلت عنه.
وليس فيه خبر ثابت، ولا مقال لأهل العلم، إلا ما ذكرناه، فهو كالإجماع، والإجماع حجة على من خالفه.
стр. 9836
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلًا من مزينة سأل النبي - ﷺ - عن الثمار، فقال: ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل، ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ".
وهذا الخبر يخص الآية، كما خصصناها في اعتبار النصاب.
(وَأَمَّا الْحِرْزُ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ، مِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَابَ الْبَيْتِ وَغَلْقَةُ حِرْزٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الأَوْعِيَةِ. وَمِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ دَارٍ غَيْرِ مُشْتَرَكَةِ السُّكْنَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَكَثِيرٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ: "تُقْطَعُ يَدُهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ "، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (٢): "لَا قَطْعَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الدَّارِ").
قال الإمام أحمد، في البيت الذي ليس عليه غلق، يسرق منه: أراه سارقًا.
وهذا محمول على أن أهله فيه، فأما البيوت التي في البساتين أو
стр. 9837
الطرق أو الصحراء، فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزًا، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران، وانصرف عنه لا يعد حافظًا له، وإن أغلق عليه. وإن كان فيها أهلها أو حافظ، فهي حرز، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة. وإذا كان لابسًا للثوب، أو متوسدًا له، نائمًا، أو مستيقظًا، أو مفترشًا له، أو متكئًا عليه، في أي موضع كان من البلد، أو برية، فهو محرز؛ بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له، فقطع النبي ﷺ سارقه.
وإن تدحرج عن الثوب، زال الحرز إن كان نائمًا، وإن كان الثوب بين يديه، أو غيره من المتاع، كبز البزازين، وقماش الباعة، وخبز الخبازين، بحيث يشاهده، وينظر إليه، فهو محرز، وإن نام، أو كان غائبًا عن موضع مشاهدته، فليس بمحرز. وإن جعل المتاع في الغرائر، وعلم عليها، ومعها حافظ يشاهدها، فهي محرزة، وإلا فلا.
(وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَبْرِ هَلْ هُوَ حِرْزٌ حَتَّى يجِبَ الْقَطْعُ عَلَى النَّبَّاشِ؟ أَوْ لَيْسَ بِحِرْزٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَةٌ: "هُوَ حِرْزٌ، وَعَلَى النَّبَّاشِ الْقَطْعُ "، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٤).
стр. 9838
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): " لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ". وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٢)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٣)).
إذا أخرج النباش من القبر كفنًا قيمته ثلاثة دراهم قُطع، وبه قال مالك، والشافعي.
ودليلهم: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وهذا سارق، فإن عائشة ﵂ قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنه ليس بحرز لغيره، فلا يكون حرزًا له، ولأن الكفن لا مالك له؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكًا للميت أو لوارثه، وليس ملكًا لواحد منهما؛ لأن الميت لا يملك شيئًا، ولم يبق أهلًا للملك، والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت؛ ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه، ولم يوجد ذلك.
وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه.
وقولهم: إنه لا مالك له. ممنوع، بل هو مملوك للميت؛ لأنه كان
стр. 9839
مالكًا له في حياته، ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه، ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله.
إذا ثبت هذا، فلا بد من إخراج الكفن من القبر؛ لأنه الحرز، فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه؛ لأنه لم يخرجه من الحرز، فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا.
(وَالْحِرْزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْجُمْلَةِ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ فِيهِ، فَمَرَابِطُ الدَّوَابِّ عِنْدَهُ أَحْرَازٌ، وَكَذَلِكَ الأَوْعِيَةُ، وَمَا عَلَى الإِنْسَانِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَالإِنْسَانُ حِرْزٌ لِكُلِّ مَا عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عِنْدَهُ. وَإِذَا تَوَسَّدَ النَّائِمُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حِرْزٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ. وَمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمُنْتَبِهِ فَهُوَ اخْتِلَاسٌ. وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ سَارِقُ مَا كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنَ الْحُلِيِّ أَؤ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ حَافِظٌ يَحْفَظُهُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْكَعْبَةِ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَسَاجِدِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهُ إِنْ سَرَقَ مِنْهَا لَيْلًا قُطِعَ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كثِيرَةٌ فِيمَا هُوَ حِرْزٌ وَمَا لَيْسَ بِحِرْزٍ).
إن سرق باب مسجد منصوبًا، أو باب الكعبة المنصوب، أو سرق من سقفه شيئًا، أو تأزيره، ففيه قولان:
القول الأول: عليه القطع. وهو مذهب الشافعي، ووجه عن أحمد؛ لأنه سرق نصابًا محرزًا يحرز مثله، لا شبهة له فيه، فلزمه القطع، كباب بيت الآدمي.
القول الثاني: لا قطع عليه. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا مالك له من المخلوقين، فلا يقطع فيه، كحصر المسجد وقناديله، فإنه لا يقطع بسرقة ذلك، وجها واحدا؛ لكونه مما ينتفع به، فيكون له فيه شبهة، فلم يقطع به، كالسرقة من بيت المال.
стр. 9840
(وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِرْزِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سُمِّيَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَاخِلَ الْحِرْزِ أَوْ خَارِجَهُ. وَإِذَا تَرَدَّدَتِ التَّسْمِيَةُ وَقَعَ الْخِلَافُ مِثْلَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَا سَارِقَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَالآخَرُ: خَارِجَهُ. فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ الْمَسْرُوقَ إِلَى ثُقْبٍ فِي الْبَيْتِ فَتَنَاوَلَهُ الآخَرُ، فَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارجِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُقَرِّبِ لِلْمَتَاعِ مِنَ الثُّقْبِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ آيِلٌ إِلَى انْطِلَاقِ اسْمِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَيْهِ أَوْ لَا انْطِلَاقِهِ. فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي الْحِرْزِ وَاشْتِرَاطِهِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَمَنْ رَمَى بِالْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخَذَهُ خَارجَ الْحِرْزِ، قُطِعَ. وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِيهِ إِذَا أُخِذَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " يُقْطَعُ ").
قالوا: لا بد من إخراج المتاع من الحرز؛ للإجماع على اشتراطه، فمتى أخرجه من الحرز، وجب عليه القطع، سواء حمله إلى منزله، أو تركه خارجا من الحرز، وسواء أخرجه بأن حمله، أو رمى به إلى خارج الحرز، أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به، أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها، أو تركه في نهر جار، فخرج به، ففي هذا كله يجب القطع؛ لأنه هو المخرج له، إما بنفسه، وإما بآلته، فوجب عليه القطع، كما لو حمله، فأخرجه، وسواء دخل الحرز فأخرجه، أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها. وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، إلا أن يكون البيت صغيرًا لا يمكنه دخوله؛ لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه، فأشبه المختلس. ولنا أنه سرق نصابًا من حرز مثله، لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع، فوجب عليه، كما لو كان البيت ضيقًا، ويخالف المختلس، فإنه لم يهتك الحرز. وإن رمى المتاع، فأطارته الريح فأخرجته، فعليه القطع؛ لأنه متى كان ابتداء