← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده "أن رجلًا من مزينة سأل النبي - ﷺ - عن الثمار، فقال: ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل، ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن، ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن ". وهذا الخبر يخص الآية، كما خصصناها في اعتبار النصاب. (وَأَمَّا الْحِرْزُ عِنْدَ الَّذِينَ أَوْجَبُوهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا مِنْهُ عَلَى أَشْيَاءَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَشْيَاءَ، مِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ بَابَ الْبَيْتِ وَغَلْقَةُ حِرْزٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الأَوْعِيَةِ. وَمِثْلَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ دَارٍ غَيْرِ مُشْتَرَكَةِ السُّكْنَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَكَثِيرٌ مِمَّنِ اشْتَرَطَ الْحِرْزَ: "تُقْطَعُ يَدُهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الْبَيْتِ "، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (٢): "لَا قَطْعَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا أُخْرِجَ مِنَ الدَّارِ"). قال الإمام أحمد، في البيت الذي ليس عليه غلق، يسرق منه: أراه سارقًا. وهذا محمول على أن أهله فيه، فأما البيوت التي في البساتين أو

стр. 9837

الطرق أو الصحراء، فإن لم يكن فيها أحد فليست حرزًا، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة؛ لأن من ترك متاعه في مكان خال من الناس والعمران، وانصرف عنه لا يعد حافظًا له، وإن أغلق عليه. وإن كان فيها أهلها أو حافظ، فهي حرز، سواء كانت مغلقة أو مفتوحة. وإذا كان لابسًا للثوب، أو متوسدًا له، نائمًا، أو مستيقظًا، أو مفترشًا له، أو متكئًا عليه، في أي موضع كان من البلد، أو برية، فهو محرز؛ بدليل أن رداء صفوان سرق وهو متوسد له، فقطع النبي ﷺ سارقه. وإن تدحرج عن الثوب، زال الحرز إن كان نائمًا، وإن كان الثوب بين يديه، أو غيره من المتاع، كبز البزازين، وقماش الباعة، وخبز الخبازين، بحيث يشاهده، وينظر إليه، فهو محرز، وإن نام، أو كان غائبًا عن موضع مشاهدته، فليس بمحرز. وإن جعل المتاع في الغرائر، وعلم عليها، ومعها حافظ يشاهدها، فهي محرزة، وإلا فلا. (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَبْرِ هَلْ هُوَ حِرْزٌ حَتَّى يجِبَ الْقَطْعُ عَلَى النَّبَّاشِ؟ أَوْ لَيْسَ بِحِرْزٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَةٌ: "هُوَ حِرْزٌ، وَعَلَى النَّبَّاشِ الْقَطْعُ "، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٤).

стр. 9838

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): " لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ". وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (٢)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٣)). إذا أخرج النباش من القبر كفنًا قيمته ثلاثة دراهم قُطع، وبه قال مالك، والشافعي. ودليلهم: قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وهذا سارق، فإن عائشة ﵂ قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه؛ لأن القبر ليس بحرز؛ لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ، والكفن لا يوضع في القبر لذلك؛ ولأنه ليس بحرز لغيره، فلا يكون حرزًا له، ولأن الكفن لا مالك له؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكًا للميت أو لوارثه، وليس ملكًا لواحد منهما؛ لأن الميت لا يملك شيئًا، ولم يبق أهلًا للملك، والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت؛ ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه، ولم يوجد ذلك. وما ذكروه لا يصح، فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره، ويكتفى به في حرزه، ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه، ويترك في القبر وينصرف عنه. وقولهم: إنه لا مالك له. ممنوع، بل هو مملوك للميت؛ لأنه كان

стр. 9839

مالكًا له في حياته، ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه، ووليه يقوم مقامه في المطالبة، كقيام ولي الصبي في الطلب بماله. إذا ثبت هذا، فلا بد من إخراج الكفن من القبر؛ لأنه الحرز، فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه؛ لأنه لم يخرجه من الحرز، فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب فإن النبي ﷺ سمى القبر بيتًا. (وَالْحِرْزُ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْجُمْلَةِ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ فِيهِ، فَمَرَابِطُ الدَّوَابِّ عِنْدَهُ أَحْرَازٌ، وَكَذَلِكَ الأَوْعِيَةُ، وَمَا عَلَى الإِنْسَانِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَالإِنْسَانُ حِرْزٌ لِكُلِّ مَا عَلَيْهِ أَوْ هُوَ عِنْدَهُ. وَإِذَا تَوَسَّدَ النَّائِمُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حِرْزٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسَيَأْتِي بَعْدُ. وَمَا أَخَذَهُ مِنَ الْمُنْتَبِهِ فَهُوَ اخْتِلَاسٌ. وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ سَارِقُ مَا كَانَ عَلَى الصَّبِيِّ مِنَ الْحُلِيِّ أَؤ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ حَافِظٌ يَحْفَظُهُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْكَعْبَةِ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمَسَاجِدِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهُ إِنْ سَرَقَ مِنْهَا لَيْلًا قُطِعَ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كثِيرَةٌ فِيمَا هُوَ حِرْزٌ وَمَا لَيْسَ بِحِرْزٍ). إن سرق باب مسجد منصوبًا، أو باب الكعبة المنصوب، أو سرق من سقفه شيئًا، أو تأزيره، ففيه قولان: القول الأول: عليه القطع. وهو مذهب الشافعي، ووجه عن أحمد؛ لأنه سرق نصابًا محرزًا يحرز مثله، لا شبهة له فيه، فلزمه القطع، كباب بيت الآدمي. القول الثاني: لا قطع عليه. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه لا مالك له من المخلوقين، فلا يقطع فيه، كحصر المسجد وقناديله، فإنه لا يقطع بسرقة ذلك، وجها واحدا؛ لكونه مما ينتفع به، فيكون له فيه شبهة، فلم يقطع به، كالسرقة من بيت المال.

стр. 9840

(وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْحِرْزِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ سُمِّيَ مُخْرِجًا لِلشَّيْءِ مِنْ حِرْزِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ دَاخِلَ الْحِرْزِ أَوْ خَارِجَهُ. وَإِذَا تَرَدَّدَتِ التَّسْمِيَةُ وَقَعَ الْخِلَافُ مِثْلَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَا سَارِقَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَالآخَرُ: خَارِجَهُ. فَقَرَّبَ أَحَدُهُمَا الْمَتَاعَ الْمَسْرُوقَ إِلَى ثُقْبٍ فِي الْبَيْتِ فَتَنَاوَلَهُ الآخَرُ، فَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْخَارجِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: الْقَطْعُ عَلَى الْمُقَرِّبِ لِلْمَتَاعِ مِنَ الثُّقْبِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذَا كُلِّهِ آيِلٌ إِلَى انْطِلَاقِ اسْمِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَيْهِ أَوْ لَا انْطِلَاقِهِ. فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي الْحِرْزِ وَاشْتِرَاطِهِ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ، وَمَنْ رَمَى بِالْمَسْرُوقِ مِنَ الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخَذَهُ خَارجَ الْحِرْزِ، قُطِعَ. وَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِيهِ إِذَا أُخِذَ بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: " يُقْطَعُ "). قالوا: لا بد من إخراج المتاع من الحرز؛ للإجماع على اشتراطه، فمتى أخرجه من الحرز، وجب عليه القطع، سواء حمله إلى منزله، أو تركه خارجا من الحرز، وسواء أخرجه بأن حمله، أو رمى به إلى خارج الحرز، أو شد فيه حبلا ثم خرج فمده به، أو شده على بهيمة ثم ساقها به حتى أخرجها، أو تركه في نهر جار، فخرج به، ففي هذا كله يجب القطع؛ لأنه هو المخرج له، إما بنفسه، وإما بآلته، فوجب عليه القطع، كما لو حمله، فأخرجه، وسواء دخل الحرز فأخرجه، أو نقبه ثم أدخل إليه يده أو عصا لها شجنة فاجتذبه بها. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه، إلا أن يكون البيت صغيرًا لا يمكنه دخوله؛ لأنه لم يهتك الحرز بما أمكنه، فأشبه المختلس. ولنا أنه سرق نصابًا من حرز مثله، لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع، فوجب عليه، كما لو كان البيت ضيقًا، ويخالف المختلس، فإنه لم يهتك الحرز. وإن رمى المتاع، فأطارته الريح فأخرجته، فعليه القطع؛ لأنه متى كان ابتداء

стр. 9841

الفعل منه، لم يؤثر فعل الريح، كما لو رمى صيدًا، فأعانت الريح السهم حتى قتل الصيد، حل، ولو رمى الجمار، فأعانتها الريح حتى وقعت في المرمى، احتسب به، وصار هذا كما لو ترك المتاع في الماء فجرى به فأخرجه. قال المصنف رحمه الله تعالى: (فَصْلٌ: وَأَمَّا جِنْسُ الْمَسْرُوقِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُتَمَلَّكٍ غَيْرَ نَاطِقٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يجِبُ فِي سَرِقَتِهِ الْقَطْعُ). فإن سرق ماء، فلا قطع فيه؛ لأنه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافًا. وإن سرق كلأً أو ملحًا: فلا قطع فيه؛ لأنه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه، فأشبه الماء. وأما التراب: فإن كان مما تقل الرغبات فيه، فلا قطع فيه؛ لأنه لا يتمول، وإن كان مما له قيمة كثيرة، احتمل وجهين؛ أحدهما: لا قطع فيه؛ لأنه من جنس ما لا يتمول، أشبه الماء. والثاني: فيه القطع؛ لأنه يتمول عادة، ويحمل إلى البلدان للتجارة فيه. (مَا عَدَا الأَشْيَاءَ الرَّطْبَةَ الْمَأْكُولَةَ، وَالأَشْيَاءَ الَّتِي أَصْلُهَا مُبَاحَةٌ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ فِي كُلِّ مُتَمَوَّلٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ، وَلَا فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ كَالصَّيْدِ وَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ " (١)).

стр. 9842

ما عدا هذا من الأموال، ففيه القطع، سواء كان طعامًا، أو ثيابًا، أو حيوانًا، أو أحجارًا، أو قصبًا، أو صيدًا، أو نورة، أو جصًّا، أو زرنيخًا، أو توابل، أو فخارًا، أو زجاجًا، أو غيره. وبهذا قال مالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا قطع على سارق الطعام الرطب الذي يتسارع إليه الفساد، كالفواكه، والطبائخ؛ لقول رسول الله ﷺ : " لا قطع في ثمر ولا كثر ". ولأن هذا معرض للهلاك، أشبه ما لم يحرز. (فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ الآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ وَعُمُومُ الآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ الْقَطْعَ فِي الطَّعَامِ الرَّطْبِ قَوْلُهُ ﵊: " لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ " (١). وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ هَكَذَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ (٢). وَعُمْدَتُهُ أَيْضًا فِي مَنْعِ

стр. 9843

الْقَطْعِ فِيمَا أَصْلُهُ مُبَاحٌ: الشُّبْهَةُ الَّتِي فِيهِ لِكُلِّ مَالِكٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَسْرُوقِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ). عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، " أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق، فذكر الحديث، ثم قال: ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، ففيه القطع " (١). ولأن هذا مال يتمول في العادة، ويرغب فيه، فيقطع سارقه إذا اجتمعت الشروط، كالمجفف. ولأن ما وجب القطع في معموله، وجب فيه قبل العمل، كالذهب، والفضة، وحديثهم أراد به الثمر المعلق؛ بدليل حديثنا، فإنه مفسر له. وتشبيهه بغير المحرز لا يصح؛ لأن غير المحرز مضيع، وهذا محفوظ، ولهذا افترق سائر الأموال بالحرز وعدمه. (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ، وَهَذَا هُوَ أَيْضًا أَحَدُ الشُّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْمَسْرُوقِ هُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي جِنْسِهِ، وَقَدْرِهِ، وَشُرُوطِهِ. وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا بَعْدُ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ - أَعْنِي: مِنَ النَّظَرِ فِي جِنْسِ الْمَسْرُوقِ - فِي الْمُصْحَفِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣): يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): لَا يُقْطَعُ.

стр. 9844

وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. أَوْ أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ فِيهِ حَقًّا، إِذْ لَيْسَ بِمَالٍ). إن سرق مصحفًا، فقول أبي حنيفة: لا قطع فيه؛ لأن المقصود منه ما فيه من كلام الله تعالى، وهو مما لا يجوز أخذ العوض عنه. وقال مالك والشافعي وهو ظاهر كلام أحمد (١): فيه القطع، لعموم الآية في كل سارق؛ ولأنه متقوم، تبلغ قيمته نصابًا، فوجب القطع بسرقته؛ ككتب الفقه. (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنْ سَرَقَ صَغِيرًا مَمْلُوكًا أَعْجَمِيًّا مِمَّنْ لَا يَفْقَهُ وَلَا يَعْقِلُ الْكَلَامَ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُقْطَعُ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ كَبِيرًا يَفْقَهُ فَقَالَ مَالِكٌ: " يُقْطَعُ " (٢)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا يُقْطَعُ ". وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُرِّ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ سَارِقَهُ يُقْطَعُ، وَلَا يُقْطَعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَاتَّفَقُوا كمَا قُلْنَا إِنَّ شُبْهَةَ الْمِلْكِ الْقَوِيَّةَ تَدْرَأُ هَذَا الْحَدَّ). إن سرق عبدًا صغيرًا، فعليه القطع، في قول عامة أهل العلم (٣).

стр. 9845

والصغير الذي يقطع بسرقته، هو الذي لا يميز، فإن كان كبيرًا لم يقطع سارقه، إلا أن يكون نائمًا، أو مجنونًا، أو أعجميًّا لا يميز بين سيده وبين غيره في الطاعة، فيقطع سارقه. وقال أبو يوسف: لا يقطع سارق العبد وإن كان صغيرًا؛ لأن من لا يقطع بسرقته كبيرًا، لا يقطع بسرقته صغيرًا، كالحر. وحجة الجمهور: أنه سرق مالًا مملوكًا تبلغ قيمته نصابًا، فوجب القطع عليه، كسائر الحيوانات. وفارق الحر، فإنه ليس بمال ولا مملوك. وفارق الكبير؛ لأن الكبير لا يسرق، وإنما يخدع بشيء، إلا أن يكون في حال زوال عقله، بنوم، أو جنون، فتصح سرقته، ويقطع سارقه. (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ يَدْرَأُ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْرَأُ مِنْهَا. فَمِنْهَا الْعَبْدُ يَسْرِقُ مَالَ سَيِّدِهِ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ (١)، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُقْطَعُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَرْطًا. وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: يُقْطَعُ إِلَّا أَنْ يَأْتَمِنَهُ سَيِّدُهُ (٢). وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ فِي الْخَادِمِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ أَنْ يَكُونَ يَلِي الْخِدْمَةَ لِسَيِّدِهِ بِنَفْسِهِ. وَالشَّافِعِيُّ مَرَّةً اشْتَرَطَ هَذَا،

стр. 9846

وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَبِدَرْءِ الْحَدِّ قَالَ عُمَرُ ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ) (١). العبد إذا سرق من مال سيده، فلا قطع عليه، في قولهم جميعًا، ووافقهم أبو ثور فيه. وحكي عن داود أنه يقطع، لعموم الآية. وحجة الجمهور: ما روى السائب بن يزيد قال: " شهدت عمر بن الخطاب، وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له، فقال: إن غلامي هذا سرق، فاقطع يده. فقال عمر: ما سرق؟ قال: سرق مرآة امرأتي، ثمنها ستون درهمًا، فقال: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيره قطع " (٢). وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفها أحد، فتكون إجماعًا، وهذا يخص عموم الآية؛ ولأن هذا إجماع من أهل العلم؛ لأنه قول من ذكرنا من الأئمة، ولم يخالفهم في عصرهم أحد، فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين. (وَمِنْهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الآخَرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: " إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْفَرِدُ بِبَيْتٍ فِيهِ مَتَاعُهُ فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْ مَالِ

стр. 9847

صَاحِبِهِ " (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " الاحْتِيَاطُ أَنْ لَا قَطْعَ عَلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِشُبْهَةِ الاخْتِلَاطِ، وَشُبْهَةِ الْمَالِ ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ) (٢). إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر، فإن كان مما ليس محرزًا عنه، فلا قطع فيه، وإن سرق مما أحرزه عنه فلا قطع عليه. وهذا مذهب أبي حنيفة (٣) وقول للشافعي؛ لقول عمر ﵁ لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، حين قال له: إن غلامي سرق مرآة امرأتي: أرسله، لا قطع عليه، خادمكم أخذ متاعكم. وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها، فهو أولى؛ ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب، ولا تقبل شهادته له، ويتبسط في مال الآخر عادة، فأشبه الوالد والولد. ومذهب مالك وقول للشافعي: يقطع؛ لعموم الآية؛ ولأنه سرق مالًا محرزًا عنه، لا شبهة له فيه، أشبه الأجنبي.

стр. 9848

وقول ثالث: أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة؛ لأنه لا حق له فيه، ولا تقطع بسرقة ماله؛ لأن لها النفقة فيه. (وَمِنْهَا الْقَرَابَاتُ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ (١) فِيهَا أَنْ لَا يُقْطَعَ الأَبُ فِيمَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الِابْنِ فَقَطْ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ " (٢)، وَيُقْطَعُ مَا سِوَاهُمْ مِنَ الْقَرَابَاتِ (٣). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَا يُقْطَعُ عَمُودُ النَّسَبِ الأَعْلَى وَالأَسْفَلِ "، يَعْنِي: الأَبَ وَالأَجْدَادَ وَالأَبْنَاءَ وَأَبْنَاءَ الأَبْنَاءِ (٤). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا يُقْطَعُ ذُو الرَّحِمِ الْمُحَرَّمَةِ" (٥)، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: " تُقْطَعُ يَدُ كُلِّ مَنْ سَرَقَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ " (٦)). سائر الأقارب، كالإخوة والأخوات، ومن عداهم، فيقطع بسرقة

стр. 9849

مالهم، ويقطعون بسرقة ماله. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يقطع بالسرقة من ذي رحم؛ لأنها قرابة تمنع النكاح، وتبيح النظر، وتوجب النفقة، أشبه قرابة الولادة. ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة، فلا تمنع القطع كقرابة غيره، وفارق قرابة الولادة بهذا. (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغُنْمِ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ مَالِكٌ: " يُقْطَعُ " (١)، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِهِ: " لَا يُقْطَعُ " (٢)). لا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلمًا، وهو مذهب أبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥).

стр. 9850

وقال ومالك: يقطع؛ لظاهر الكتاب. (فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الأَشْيَاءِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا مَا يَجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ. الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِذَا وُجِدَتْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا، أَعْنِي الْمَوْجُودَةَ فِي السَّارِقِ وَفِي الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَفِي صِفَةِ السَّرِقَةِ - فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقَطْعُ مِنْ حَيثُ هِيَ جِنَايَةٌ، وَالْغُرْمُ إِذَا لَمْ يجِبِ الْقَطْعُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُجْمَعُ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الْغُرْمُ مَعَ الْقَطْعِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَاللَّيثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَجَمَاعَةٌ (٣). وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ (٤). وَفَرَّقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ: " إِنْ كَانَ مُوسِرًا أُتْبعَ السَّارِقُ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ "، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُتْبَعْ بِهِ إِذَا أَثْرَى. وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ دَوَامَ الْيُسْرِ إِلَى يَوْمِ الْقَطْعِ فِيمَا حَكَى عَنْهُ ابْنُ

стр. 9851

الْقَاسِمِ. فَعُمْدَةُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي السَّرِقَةِ حَقَّانِ: حَقٌّ للهِ، وَحَقّ لِلآدَمِيِّ - فَاقْتَضَى كُلٌّ حَقِّ مُوجَبَهُ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ إِذَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ لَزِمَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ بِعَيْنِهِ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ فِي ضَمَانِهِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الأَمْوَالِ الْوَاجِبَةِ. وَعُمْدَةُ الْكُوفِيِّينَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ " (١). وَهَذَا الْحَدِيثُ مُضَعَّفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: " لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مَقْطُوعٌ ". قَالَ: وَقَدْ وَصَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ (٢). وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ: إِنَّ اجْتِمَاعَ حَقَّيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ مُخَالِفٌ لِلأصُولِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْقَطْعَ هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْغُرْمِ. وَمِنْ هُنَا يَرَوْنَ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ شَيْئًا مَا، فَقُطِع فِيهِ، ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيًا - أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيهِ. وَأَمَّا تَفْرِقَةُ مَالِكٍ فَاسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَأَمَّا الْقَطْعُ فَالنَّظَرُ فِي مَحَلِّهِ وَفِيمَنْ سَرَقَ وَقَدْ عُدِمَ الْمَحَلُّ) (٣).

стр. 9852

لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية. فأما إن كانت تالفة: فعلى السارق ردُّ قيمتها، أو مثلها إن كانت مثلية، قطع أو لم يقطع موسرًا كان أو مُعْسرًا. وهذا قول الشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع الغرم والقطع، إن غرمها قبل القطع سقط القطع، وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم. وأما مالك: فوافق أبا حنيفة في المعسر، ووافق الشافعي وأحمد في الموسر. ولكننا نقول: إنَّها عين يجب ضمانها بالردِّ لو كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقطع. ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين، فجاز اجتماعهما، كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك. (أَمَّا مَحَلُّ الْقَطْعِ فَهُوَ الْيَدُ الْيَمِينُ بِاتِّفَاقٍ مِنَ الْكُوعِ، وَهُوَ الَّذِي

стр. 9853

عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ قَوْمٌ: الأَصَابعُ فَقَطْ. فَأَمَّا إِذَا سَرَقَ مَنْ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فِي السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ: تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ). لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى، من مفصل الكف، وهو الكوع (١). وفي قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ (٢)، وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير. وإذا سرق ثانيًا، قُطعت رجله اليسرى، وبذلك قال الجماعة. وقال أهل الظاهر (٣): تقطع يده اليسرى؛ لقوله سبحانه: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ولأنها آلة السرقة والبطش، فكانت العقوبة بقطعها أولى. وهذا شذوذ، يُخالف قول جماعة فقهاء الأمصار من أهل الفقه والأثر، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم (٤).

стр. 9854

وقد روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال في السارق: " إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله " (١). * قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى قَطْعِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى، هَلْ يَقِفُ الْقَطْعُ إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَقِفُ الْقَطْعُ فِي الرِّجْلِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ الْغُرْمُ فَقَطْ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: " إِنْ سَرَقَ ثَالِثَةً قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ رَابِعَةً قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى "، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي بَكْرٍ، أَعْنِي: قَوْلَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ). يعني: إذا عاد فسرق بعد قطع يده ورجله. القول الأول: لا يقطع منه شيء آخر ويحبس. وعن أحمد، أنه تقطع في الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وفي الخامسة يعزر ويحبس. ومالك، والشافعي قالا: أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل

стр. 9855

اليمنى في الرابعة، ويقتل في الخامسة؛ لأن جابرًا قال: " جيء إلى النبي ﷺ بسارق، فقال: " اقتلوه ". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. فقال: " اقطعوه ". قال: فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: " اقتلوه ". قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه " فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: " اقتلوه ". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه " قال: ثم أتي به الرابعة، فَقال: " اقتلوه ". قالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: " اقطعوه ". ثم أتي به الخامسة، قال: " اقتلوه ". قال: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر " (١). وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال في السارق: " وإن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله " (٢). ولأن اليسار تقطع قودًا، فجاز قطعها في السرقة، كاليُمنى؛ ولأنه فِعْلُ أبي بكر، وعمر ﵄. * قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ إِلَّا قَطْعَ الْيَدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَمْ يَذْكرِ الأَرْجُلَ إِلَّا فِي الْمُحَارِبِينَ فَقَطْ، وَعُمْدَةُ مَنْ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ مَا رُوِيَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ". وَرُوِيَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَفِيهِ: " ثُمَّ أَخَذَهُ الْخَامِسَةَ فَقَتَلَهُ " (٣). إِلَّا أَنَّهُ مُنْكَرٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ).

стр. 9856

وقد ذكر المؤلف الحديث الذي استدلَّ به فقال: بأنها تُقطع اليد اليمنى ثم الرِّجل اليسرى ثم اليد اليسرى ثم الرِّجل اليمنى فيبقى بلا أطراف، وإنه في النهاية يُقتل، وذكر المؤلف ما ذكره ابن عبد البر في هذا الحديث وأنه ضعيف، وقد عرفنا مذهب الإمامين أبي حنيفة وكذلك أحمد، وأن القطع من خلاف؛ فتُقطَع يده اليمنى ثم رجله اليسرى؛ كي يعطى الفرصة بأن يعيش في هذه الحياة وأن يقوم بما يحتاج إليه فيما يتعلق بأموره ووضوئه وتطهره وأكله وشربه وغير ذلك من الأمور التي يحتاج إليها في هذه الحياة، فعلَّلوا ذلك، ثم قال المؤلف: يرده حديث: " هن فواحش ". * قوله: (وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﵊: " هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ " (١)). وهذا جزء من حديث أورده المؤلف ولم يأتِ بأوله وله قصة، وهذا الحديث أخرجه مالك في موطئه (٢)، ومن طريق الإمام مالك أخرجه الإمام الشافعي (٣)، ومن طريق الإمام الشافعي أخرجه البيهقي (٤)، وقصة هذا الحديث أن رسول الله ﷺ كان مع عدد من أصحابه فقال: " ما تقولون في الشارب والزاني والسارق؟ "، وذلك قبل أن تنزل الحدود، فقالوا: " الله ورسوله أعلم "، فقال ﵊: " هن فواحش وفيهن عقوبة "، هذا الجزء هو الذي ذكره المؤلف، ثم قال ﵊: " إن أسوأ السرقة أن يسرق الرجل صلاته "، قالوا: " وكيف يسرق صلاته يا رسول الله؟ " فقال: " لا يطمئن في ركوعها ولا في سجودها " (٥)، وما أكثر

стр. 9857

الذين يفعلون ذلك! ولذلك أيضًا جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله ﷺ في الذين يؤخرون صلاة العصر إلى أن يبدأ الغروب أو إلى قُبَيْله، قال: " تلك صلاة المنافقين، إن صلاة المنافقين يقوم أحدهم حتى إذا كان بين قرني شيطان قام فصلى أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا " (١)، ولقد ذكرنا في كتاب الصلاة قصة الذي سُمِّي بالمسيء صلاته، وأن رسول الله ﷺ ردَّه مرارًا، فإن الرسول ﷺ في كل مرة يأتي إليه ولسلم فيقول له: " ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ " (٢) مع أن الرجل قد صلى ولكنه لم يصلِّ الصلاة المطلوبة، ولذلك قال له رسول الله ﷺ لما ردَّده مرارًا: " والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا؛ فعلِّمني "، فقال له ﷺ : " إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا … " إلى آخر الحديث. وبهذا تتبيَّن أهمية الصلاة، وأنتم ترون أنه يندر أن يمر بنا باب من أبواب الفقه إلا ويرد ما يشير إلى ذلك الركن العظيم، ألا وهو الصلاة، فهذا الحديث قال المؤلف بأنه يردُّه، وقد عرفنا وجهة الذين اقتصروا على اليد اليمنى والرجل اليسرى، وعرفنا أيضًا رأي الإمامين مالك (٣)، والشافعي (٤) في أنها تُقطع جميع الأطراف. * قوله: (وَلَمْ يَذْكرْ قَتْلًا). حيث إن الرسول ﷺ ذكر تلك الأمور الثلاثة: الزنا والسرقة وكذلك أيضًا شرب الخمر، وسماها فواحش، وجاء في هذا الأثر بأن ذلك قبل أن

стр. 9858

تزول الحدود، أما بعد أن نزلت الحدود فقد استقر الحكم في ذلك، وقد درسنا ذلك كله وعرفناه، ولا شك أن هذه إنما أنزلت ليتربَّى المجتمع الإسلامي وليسير على نور من الله تعالى، وليكون أهله مستقيمين على الحق ويسيرون في ظل الفضيلة مبتعدين عن الرذائل، ومن هنا جاءت هذه الحدود تطهيرًا وتأديبًا وصيانةً للمؤمنين. * قوله: (وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَطَعَ الرِّجْلَ بَعْدَ الْيَدِ " (١)). وأيضًا هذا الحديث حقيقةً لا يُعرف، ولكن الذي فعل ذلك هو عمر ﵁ وبذلك يكون موقوفًا (٢). * قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ (٣) أَنَّهُ يُؤَدَّبُ فِي الْخَامِسَةِ. فَإِذَا ذَهَبَ مَحَلُّ الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ سَرِقَةٍ بِأَنْ كانَتِ الْيَدُ شَلَّاءَ، فَقِيلَ فِي الْمَذْهَبِ (٤): يَنْتَقِلُ الْقَطْعُ إِلَى اليَدِ الْيُسْرَى). والمراد: لو أن إنسانًا سَرق وكانت يده اليمنى قد قُطعت: إما بسرقة سابقة أو أنها قُطعت لمرض من الأمراض أو أنها كانت شلاء لا يستفيد منها، فهل ينتقل الحكم إلى عضو آخر أو أنه لا يقام عليه الحد في هذه الحالة؟

стр. 9859

والمراد بقوله: " في المذهب " هو مذهب الإمام مالك، والمؤلف من عادته أن يوضح المذاهب ولكنه عاد مرة أُخرى في آخرها ليتوسع في المذهب المالكي أكثر من غيره. * قوله: (وَقِيلَ: إِلَى الرِّجْلِ (١). وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الْقَدَمِ، فَقِيلَ). وقيل: إلى الرجل اليسرى، وهذا هو مذهب الإمامين الشافعي (٢) وأحمد (٣)، وهذا هو مذهب جمهور العلماء (٤)، فهم مع هذه الرواية التي أوردها المؤلف في مذهب مالك، ولم يسمِّها الأئمة. * قوله: (يُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي أَصْلِ السَّاقِ). وقد عرفنا أنها تُقطع من المفصل الذي عند مفصل الساعد - يعني من مفصل اليد ومن مفصل الكعب -، * قوله: (وَقِيلَ: يَدْخُلُ الْكَعْبَانِ فِي الْقَطْعِ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُقْطَعُ مِنَ الْمَفْصِلِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ) (٥). أما القول الأول بأنها تُقطع من الكعب، فهذا هو قول جماهير

стр. 9860

العلماء (١)، ومنهم الأئمة وهذا هو القول المشهور، وأما بأنها تقطع من منتصف القدم، وهو ما يعرف بمعقد الشِّراك، أي: معقد شراك النعل، فإن النعال التي تُخاط خياطة: لها شراك تأتي في منتصف القدم، وهذا أثر عن الإمام علي بن أبي طالب ﵁ (٢)، وبه أخذ أبو ثور (٣)، من الفقهاء، ووجهة هذا القول بأن القصد من ذلك هو أن يبقى عقبه حتى يسير عليه. إذن روعيت حال السارق الذي تُقطع رجله. * قوله: (وَاتَّفَقُوا (٤) عَلَى أَنَّ لِصَاحِبِ السَّرِقَةِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّارِقِ مَا لَمْ يُرْفَعْ ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ).

стр. 9861

وهذه مسألة أُخرى، ولا شك أن من ينعم الله تعالى عليه في هذه الحياة الدنيا ويرزقه الاستقامة على دينه وينشأ على الفضائل منذ أن كان صغيرًا، فيتربى في بيت كريم وفي أسرة طيبة مباركة، تأخذ بيده إلى طريق الخير وترشده إلى طريق السعادة، فإنه بذلك يكون من الذين يَعجب الله تعالى منهم، أي: من أولئك الشباب الذين ليست لهم صبوة (١)، أي: الذين لا يميلون إلى الفساد ولا يقعون في الموبِقات ولا في المعاصي، فإن أولئك إذا لقوا الله تعالى فإنهم يلقونه وهو راضٍ عنهم، وما أجملها من حياة! أن تبدأ صحيفة الإنسان منذ أن يشب عن الطوق وأن يحصف عقله وأن يصبح رجلًا سويًّا وهو لا يرتكب موبِقة من الموبقات ولم يقع في معصية، ولم يتعدَّى على مؤمن، وإنما تراه يسير في ظل القرآن الكريم وفي هدي سنة رسول الله ﷺ ، فتراه في هذه الحياة سعيدًا وينتقل في حياته من طور إلى طور، حتى إذا ما غادر الدنيا وانتقل إلى القبر فإنه يلقى ما فيه من النعيم، وإذا جاء الحساب والنقاش يكون من السعداء الذين تبيض وجوههم في يوم تسود فيه وجوه وتبيض وجوه، فلا شك أن هذه سعادة، أما الذين خرجوا عن الطريق السويّ وركبوا طريق الغواية ووقعوا في الموبقات - ومن تلك الموبقات الذين يسرقون أموال الآخرين ويخيفونهم ويتعدون عليهم - فإن عليهم أن يعودوا إلى الله وأن يتوبوا إليه توبةً نصوحًا؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعًا والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

стр. 9862

* قوله: (لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " تَعَافَوُا (١) الْحُدُودَ بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ، فَقَدْ وَجَبَ ") (٢). وتعافوا من العفو، فإذا ما وقع إنسان وقذف آخر أو أخذ له مالًا أو تعدَّى عليه، فإنه يعفو عنه ويصفح، والله تعالى يحب المحسنين، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال في الآية التي في سورة آل عمران: ﴿* وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]، ويقال بأن زين العابدين كانت له جارية وكانت تصب عليه الماء وفي يدها الإبريق، فانفلت الإبريق - أي: وقع من يدها على يده - فآلَمه، فنظر إليها نظرة تأثُّر، ولكنها كانت مؤدَّبة، فقرأت تلك الآية التي ذكرناها، فلما قالت: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، قال: كظمتُ غيظي، قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، قال: عفوتُ عنكِ، قالت: والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فقال: أنتِ عتيقة لوجه الله (٣)، فانظروا إلى حسن الرَّد وإلى حسن العبارة وأن العلم ينفع صاحبه ويفيده في هذه الحياة الدنيا إذا عمل به، وأيضًا يفيده في الحياة الآخرة لأنه نور، فمن سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهَّل الله تعالى له به طريقًا إلى الجنة (٤)، وبذلك جاء في الحديث: " من كانت عنده جاريةٌ - وفي رواية: أمَة (٥) - فأدَّبها فأحسن تأديبها، ثم علَّمها فأحسن تعليمها،

стр. 9863

ثم تزوجها كان له أجران " (١). وذلك كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، ما أجمل العفو أيها الإخوة! إذا أساء إنسان إلى آخر أو تعدَّى عليه ثم قابل ذلك بالعفو، فإنه يترك أثرًا طيبًا بنفس المعفو عنه، وربما يكون سببًا في استقامته فيكون خيرًا للعافي؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]. * قوله: (وَقَوْلُهُ ﵊: " لَوْ كانَتْ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، لَأَقَمْتُ عَلَيْهَا الْحَدَّ ") (٢). وهذا الحديث الذي مر بنا المتفق عليه أشار المؤلف إلى معناه في قصة المخزومية التي كانت تستعير الحُلِيَّ وأنها انتهت إلى أن سرقَتْها، ورأينا الخلاف في أخذ الحلي وإخفائه: هل يؤدي إلى القطع؟ وأن أكثر الفقهاء (٣) قالوا: هي جمعت بين جحد العارية وبين السرقة، وفي بعض الروايات: " أنها سرقت قطيفةً من بيت رسول الله ﷺ " (٤)، ولكن ماذا قال

стр. 9864

رسول الله عندما قالوا: " ابحثوا عمَّن يشفع في ذلك الحد عند رسول الله " فقالوا: " إن أسامة بن زيد هو حِبُّ رسول الله وابن حِبِّه " فاختاروا أن يشفع لهم، فنظر إليه رسول الله ﷺ نظرة المُنكِر الموبِّخ فقال: " يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده " وفي رواية: " وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها "، وهذا هو الواجب على كل مسؤول في هذه الحياة الدنيا، فإنه يبدأ بمن حوله؛ ولذلك ذكرت لكم مرات - ولا يمنع أن نكررها - أن عمر ﵁ إذا أراد أن يأمر بأمر أو أن ينهى عن شيء أحضر أقاربه بين يديه وقال: " إني سأفعل كذا، سأنهى عن كذا أو سآمر بكذا وإنما سينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى فريسته فمن فعل منكم كذا وكذا ضاعفت عقوبته "، أي: زدت عليه العقوبة (١). وهذا هو منهج الإسلام ورسول الله ﷺ كانت ابنته فاطمة أعزَّ الناس عنده، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وبيَّن أنها - وحاشاها أن تسرق - لو حصل ذلك منها فإن رسول الله ﷺ لا يتوقف عن إقامة الحد؛ لأن رسول الله ﷺ لا تأخذه في الله لومة لائم، وهذا هو شأن المصلحين: لا تأخذهم في الله لومة لائم. * قوله: (وَقَوْلُهُ لِصَفْوَانَ: " هَلَّا كانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ ") (٢). وحديث صفوان سيأتي به المؤلف نفسه بأسلوب أطول من ذلك، وسيبين قصته؛ لأنه لما هاجر من مكة إلى المدينة وحذروه بأنه قد هلك إن بقي - وذلك قبل أن يفتحها المسلمون - فهاجر إلى المدينة - كما سيأتي -،

стр. 9865

إذن الرسول ﷺ قال له: " هلَّا قبل أن تأتيني؟ " و (هلَّا) أداة تحضيض، وصفوان كان نائمًا في المسجد؛ لأنه ليس عنده بيت يأوي إليه ولا مسكن يقيم فيه، وإنما جاء غريبًا فحلَّ في المسجد فنام فيه، والمساجد كان ينام فيها الناس إلى وقت قريب لأنها كانت تفتح الأبواب، فما كانت توجد الفنادق وما توجد أيضًا الشقق التي تؤجَّر وغير ذلك، وإنما الإنسان بين أمرين: إما يكون له قريب في تلك البلد التي ينزل فيها فيحل ضيفًا عنده، أو لا يكون عنده فإنه بعد ذلك يذهب إلى المسجد وينام فيه، فلفَّ صفوان رداءه ووضعه تحت رأسه وتوسَّدها فجاء اللص يأخذه شيئًا فشيئًا حتى سحبه فقبض عليه صفوان، فأخذه إلى رسول الله ﷺ ، ولم يكن قصد صفوان أن تُقطع يده، ولكن أراد أن يؤدِّب ليكون ذلك درسًا له حتى لا يعود مرة أُخرى، ولكن الحدود تختلف في العفو بين أن يعفو صاحبها قبل أن تُرفع إلى الإمام وبين أن تصل إليه، فإذا وصلت إليه فقد انتهى كل شيء إلا فيما يتعلق بالإقرار، فإن هناك فرقًا بين البينة والإقرار، فمثلًا الذي يرتكب حدًّا إذا أقرَّ به ثم رجع عنه عند الإمام، فإنه يسقط عنه الحد، أما ما يثبت بالبينة فلا. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَيُرْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ وَهَبَهُ صَاحِبُ السَّرِقَةِ مَا سَرَقَهُ، أَوْ يَهَبُهُ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ، وَقَبْلَ الْقَطْعِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): عَلَيْهِ الْحَدُّ). وكذلك أحمد، فقال الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد (٣): عليه

стр. 9866

الحد؛ لأن الرسول ﷺ قال: " هلَّا قبل أن تأتيني؟ " (١). * قوله: (لِأَنَّهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى الْإِمَامِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَطَائِفَةٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، فَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ مَالِكٍ). فالجمهور إنما أخذوا بحديث صفوان، وأبو حنيفة مال إلى جانب العفو فرأى أنه لا حد عليه؛ لأنه قد عفا عنه صاحب الحق، فيرى أنه يسقط الحد بذلك. * قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: " إِنَّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ هَلَكَ، فَقَدِمَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ). وهذا الحديث أخرجه الخمسة (٣) إلا الترمذي - وهو حديث صحيح - فهو حديث حجة وهو حديث صحيح، وهو حديث أيضًا صريح احتجَّ به الجمهور، فمن يريد أن يعفو الله عنه أن يعفو قبل أن يرفع للإمام.

стр. 9867

* قوله: (فَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ "). والمسألة التي أشار إليها المؤلف تتعلق بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وأنها واجبة، وأن الرسول ﷺ رخَّص للمهاجرين بأن يمكثوا ثلاثة أيام ولذلك فيما يتعلق بالهجرة، فهي واجبة من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، لكن هذه مسألة فيها تفصيل: فلو أن إنسانًا يقيم ببلاد الكفار لمصلحة تتعلق بأمور المسلمين - كالذين يشتغلون في السفارات أو يتعلمون ويدرسون الطب وغيرها - فليس هو المراد، وإنما المراد: هو الذي يسكن في بلد من تلك البلاد فيأنس بأهلها ويرتاح إليهم ويرتاح إلى أنظمتهم وما يسيرون عليه، أما الإنسان إذا عاش لأمر من الأمور أو في سبيل الدعوة أو للتعليم أو غير ذلك، فأحيانًا هذه تكون من الأمور المطلوبة، فهناك أناس يذهبون إلى الدعوة وتوجيه الناس إلى الخير وإلى بيان رسالة الإسلام العظيمة الخالدة، وما في الإسلام من السماحة والعدل ومراعاة لمصالح الناس وحوائجهم، فذلك أمر طيب، وهو نوع من الدعوة، بل هي الدعوة التي ينبغي أن يفعلها المسلم ويؤجَر عليها. قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْقَوْلُ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ السَّرِقَةُ وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ). وقد اختصر المؤلف، فهي تثبت بشهادة رجلين عدلين حرَّيْن - والمراد هنا ذكرَيْن - لأنه قال بشهادة عدلَيْن.

стр. 9868

* قوله: (وَعَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْحُرِّ). وهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، ولم يشر إليها المؤلف، فهم متفقون على أنها تثبت بالإقرار، لكن كم عدد الإقرار؟ هل تثبت بإقراره مرة أو أكثر؟ لو نظرنا إلى اختلافهم أيضًا في جريمة الزنا: هل تثبت بالإقرار مرة واحدة أو لا بد من أربع مرات؟ رأينا أن من العلماء (١) من قال: تثبت بمرة، ومنهم من قال (٢): لا تثبت إلا بإقرار أربع مرات، وهؤلاء يستدلون بقصة ماعز (٣) عندما كرَّر عليه الرسول ﷺ وسأله عدة مرات وكان آخرها تلك الرابعة، وذكرنا قصة أبي بكر (٤)، وأنه كان في مجلس رسول الله ﷺ ، وقال له: " إذا كررتَ الرابعة أقام عليك

стр. 9869

رسول الله ﷺ الحد "، ومن العلماء من قال بأن الحد - أي: حد الزنا - يثبت بإقرار مرة، ويستدلون بحديث: " واغدُ يما أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفَتْ فارجمها " (١)، وهنا في السرقة وقع الخلاف، لكنه يختلف الحنابلة فيقولون: لا يثبت الإقرار إلا بمرتين، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁ (٢) وجمهور العلماء (٣)، أما بقية الأئمة (٤) فيقولون: يكفي في الإقرار مرة واحدة، فإذا أقر السارق بأنه سرق مرة واحدة واجتمعت فيه الشروط التي عرفتموها - أن يكون سرق وأن يكون سرق من الحرز وأن يكون المسروق نصابًا وأن يكون مالًا وأن يكون أيضًا بالغًا عاقلًا - أي: إن السارق توفرت فيه الشروط. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ، فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ (٥) الأَمْصَارِ: إِقْرَار عَلَى نَفْسِهِ مُوجِبٌ لِحَدِّهِ).

стр. 9870

وهذا هو مذهب الجمهور (١). * قوله: (وَلَيْسَ يُوجِبُ عَلَيْهِ غُرْمًا). ويُقصد بالجمهور: الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد. * قوله: (وَقَالَ زُفَرُ (٢): لَا يَجِبُ بِإِقْرَارِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، وَلَا قَطْعَ يَدِهِ، لكَوْنِهِ مَالًا لِمَوْلَاهُ). وزُفَر من الحنفية، وبعضهم نسب ذلك القول للإمام أبي حنيفة نفسه (٣). * قوله: (وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالشَّافِعِيُّ (٤) وَقَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ) (٥). والشافعي في قوله، وأما قوله المشهور: فمع الجمهور، وقد أشرنا إليه وأنه مع مالك وأحمد.

стр. 9871

* قوله: (وَإِنْ رَجَعَ عَنِ الإِقْرَارِ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ. وَإِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ) (١). فمراد المؤلف أنه إذا رجع المُقِرُّ بالسرقة عن إقراره: هل يقام عليه الحد أو يسقط عنه؟ وكما هو معلوم أن للمالكية بعض أمور يتوسعون فيها من باب المصالح، وأيضًا أحيانًا يذكرون ما يتعلق بالشبهة، وقد رأيتم فيما يتعلَّق بالدعوى، وعرفنا أن البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، وأحيانًا يقلبون ذلك لوجود شبهة، وإذا قويت الشبهة فإنهم يعكسون ذلك، فالمالكية هنا يعتبرون الشبهة، لكن الأئمة الثلاثة - أبا حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) - يرون أنه لو رجع عن إقراره لقُبِل، ودليل ذلك قول الرسول ﷺ للسارق: " ما إخالكَ سرقتَ " (٥) يعني: ما أظنكَ سرقتَ، حتى تكلم بعض العلماء (٦) هل يلقَّن السارق؟ يعني هل يلقَّن السارق إذا أقر بالسرقة الرجوع؟ ذكروا هذا وقالوا: هذا الحديث دليل؛ لأن الرسول ﷺ قال: " ما إخالكَ سرقتَ " (٧)، وبعضهم قال: لا، فالرسول ﷺ أراد التثبُّت وأن يراجع الإنسان نفسه، وله أن يرجع عن إقراره، والذين

стр. 9872

قالوا بأنه يُلقَّن استدلوا بأثر عمر ﵁ عندما جاءه رجل فقال له: " أسرقت؟ قل: ل ا" فقال: " لا "، فدرأ عنه الحد (١). * قوله: (هَكَذَا حَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنِ الْمَذْهَبِ (٢). وَللْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيل لَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَائِقٌ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبِ). فالمؤلف يقول بأن هناك فروعًا متعددة في مذهب مالك. وكتابه هذا إنما عُني بأمهات المسائل وأصولها، والفروع إنما تذكر في كتب الفروع لا في كتب الجزئيات، فهناك جزئيات متناثرة وفروع متعددة في مذهب مالك، بل في مذهب غيره، ولذلك يقول: لا يناسب ذكرها هنا، لكن كان الأولى أن يذكر رأي الأئمة الثلاثة - الذي أشرنا إليه - فذلك ليس جزءًا وهو الأولى، وهو الذي كان ينبغي أن ينبَّه عليه في هذا المقام.

стр. 9873

(كِتَابُ الحِرَابَةِ) " الحرابة ": الحد الخامس من الحدود، والحرابة من المحاربة، وهي المضادَّة والمخالفة، والمحاربون هُمُ الذين يُعيقون سيرَ المسلمين فيؤذونهم، إما بسلب أموالهم، أو بالاعتداء على أرواحهم أو إخافتهم (١)، ولذا فقد شرع الله حدًّا عظيمًا يوافق شدة جرمهم، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣]. وقَدْ أقَام النَّبيُّ ﷺ هذا الحدَّ على العُرَنيين الذين نقضوا العهد وحاربوا الله ورسوله، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا "، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ فِي أثَرِهِمْ، فَأَتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ

стр. 9874

أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكهُمْ فِي الحَرَّةِ، حَتَّى مَاتُوا (١). * قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣]. وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ الجُمْهُورِ (٢) هِيَ فِي المُحَارِبِينَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ (٣): إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﵊، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي المُحَارِبِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، وَلَيْسَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الكُفَّارِ، فَبَقِيَ أَنَّهَا فِي المُحَارِبِينَ). * قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾) [المائدة: ٣٣]،

стр. 9875

لَيْس المقصود المحَاربة بالسيف والقتال، وإنَّما المقصود أنهم خرجوا على حدود الله، فتَرَكوا أوامره، وارتكبوا نواهيه، ولم يسيروا وَفْق أوامر النبي ﷺ ، بل هدَّدوا المؤمنين ورَوَّعوهم، واعتدوا على أرواحهم وأموالهم، فكان هذا جزاءهم. ثم ذكر المؤلف ﵀ الخلاف في سبب نزول هذه الآية، وأن الجمهور على أنها نزلت في المحاربين، وقيل: بل في النفر الذين ارتدُّوا زمان النبي ﷺ ، واستاقوا الإبل، وهُمُ العرنيُّون، وقد مَرَّ ذكرهم، ولا تعارض بينهما؛ لأن العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب، وقَدْ ينزل القرآن على إثر حَادِثَةٍ تحدث، فيكون عامًّا فيها وفيما يأتي بعدها أو فيما يشابهها ويماثلها. * قوله: (وَلَيْسَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الكُفَّارِ … ): إذًا، المؤلف ﵀ يميل إلى قول الجمهور، وأنها نزلت في المحاربين. * قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: النَّظَرُ فِي الحِرَابَةِ، وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ، وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ، وَالرَّابعُ: فِي مُسْقِطِ الوَاجِبِ عَنْهُ، وَهِيَ التَّوْبَةُ، وَالخَامِسُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الجِنَايَةُ). قوله: (النظر في الحرابة)، أي: أن هناك شروطًا، وسيشير المؤلف إليها بعدُ. قوله: (النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ)، أي: مَنْ هو المحارب، وما هي الصفات التى يكون بها محاربًا. قوله: (وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ): وهو ما ذَكَره الله في آية المائدة. قال المصنف ﵀:
следующие страницы →