* قوله: (وَإِنْ رَجَعَ عَنِ الإِقْرَارِ إِلَى شُبْهَةٍ قُبِلَ رُجُوعُهُ. وَإِنْ رَجَعَ إِلَى غَيْرِ شُبْهَةٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ) (١).
فمراد المؤلف أنه إذا رجع المُقِرُّ بالسرقة عن إقراره: هل يقام عليه الحد أو يسقط عنه؟ وكما هو معلوم أن للمالكية بعض أمور يتوسعون فيها من باب المصالح، وأيضًا أحيانًا يذكرون ما يتعلق بالشبهة، وقد رأيتم فيما يتعلَّق بالدعوى، وعرفنا أن البينة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، وأحيانًا يقلبون ذلك لوجود شبهة، وإذا قويت الشبهة فإنهم يعكسون ذلك، فالمالكية هنا يعتبرون الشبهة، لكن الأئمة الثلاثة - أبا حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤) - يرون أنه لو رجع عن إقراره لقُبِل، ودليل ذلك قول الرسول ﷺ للسارق: " ما إخالكَ سرقتَ " (٥) يعني: ما أظنكَ سرقتَ، حتى تكلم بعض العلماء (٦) هل يلقَّن السارق؟ يعني هل يلقَّن السارق إذا أقر بالسرقة الرجوع؟ ذكروا هذا وقالوا: هذا الحديث دليل؛ لأن الرسول ﷺ قال: " ما إخالكَ سرقتَ " (٧)، وبعضهم قال: لا، فالرسول ﷺ أراد التثبُّت وأن يراجع الإنسان نفسه، وله أن يرجع عن إقراره، والذين
стр. 9872
قالوا بأنه يُلقَّن استدلوا بأثر عمر ﵁ عندما جاءه رجل فقال له: " أسرقت؟ قل: ل ا" فقال: " لا "، فدرأ عنه الحد (١).
* قوله: (هَكَذَا حَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنِ الْمَذْهَبِ (٢). وَللْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ تَفْصِيل لَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا الْغَرَضِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَائِقٌ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبِ).
فالمؤلف يقول بأن هناك فروعًا متعددة في مذهب مالك. وكتابه هذا إنما عُني بأمهات المسائل وأصولها، والفروع إنما تذكر في كتب الفروع لا في كتب الجزئيات، فهناك جزئيات متناثرة وفروع متعددة في مذهب مالك، بل في مذهب غيره، ولذلك يقول: لا يناسب ذكرها هنا، لكن كان الأولى أن يذكر رأي الأئمة الثلاثة - الذي أشرنا إليه - فذلك ليس جزءًا وهو الأولى، وهو الذي كان ينبغي أن ينبَّه عليه في هذا المقام.
стр. 9873
(كِتَابُ الحِرَابَةِ)
" الحرابة ": الحد الخامس من الحدود، والحرابة من المحاربة، وهي المضادَّة والمخالفة، والمحاربون هُمُ الذين يُعيقون سيرَ المسلمين فيؤذونهم، إما بسلب أموالهم، أو بالاعتداء على أرواحهم أو إخافتهم (١)، ولذا فقد شرع الله حدًّا عظيمًا يوافق شدة جرمهم، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾ [المائدة: ٣٣].
وقَدْ أقَام النَّبيُّ ﷺ هذا الحدَّ على العُرَنيين الذين نقضوا العهد وحاربوا الله ورسوله، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَاجْتَوَوْهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا "، فَفَعَلُوا، فَصَحُّوا، ثُمَّ مَالُوا عَلَى الرِّعَاءِ، فَقَتَلُوهُمْ وَارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَسَاقُوا ذَوْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَبَعَثَ فِي أثَرِهِمْ، فَأَتِيَ بِهِمْ، فَقَطَعَ
لَيْس المقصود المحَاربة بالسيف والقتال، وإنَّما المقصود أنهم خرجوا على حدود الله، فتَرَكوا أوامره، وارتكبوا نواهيه، ولم يسيروا وَفْق أوامر النبي ﷺ ، بل هدَّدوا المؤمنين ورَوَّعوهم، واعتدوا على أرواحهم وأموالهم، فكان هذا جزاءهم.
ثم ذكر المؤلف ﵀ الخلاف في سبب نزول هذه الآية، وأن الجمهور على أنها نزلت في المحاربين، وقيل: بل في النفر الذين ارتدُّوا زمان النبي ﷺ ، واستاقوا الإبل، وهُمُ العرنيُّون، وقد مَرَّ ذكرهم، ولا تعارض بينهما؛ لأن العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب، وقَدْ ينزل القرآن على إثر حَادِثَةٍ تحدث، فيكون عامًّا فيها وفيما يأتي بعدها أو فيما يشابهها ويماثلها.
* قوله: (وَلَيْسَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ مُشْتَرَطَةً فِي تَوْبَةِ الكُفَّارِ … ):
إذًا، المؤلف ﵀ يميل إلى قول الجمهور، وأنها نزلت في المحاربين.
* قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: النَّظَرُ فِي الحِرَابَةِ، وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ، وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ، وَالرَّابعُ: فِي مُسْقِطِ الوَاجِبِ عَنْهُ، وَهِيَ التَّوْبَةُ، وَالخَامِسُ: بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الجِنَايَةُ).
قوله: (النظر في الحرابة)، أي: أن هناك شروطًا، وسيشير المؤلف إليها بعدُ.
قوله: (النَّظَرُ فِي المُحَارِبِ)، أي: مَنْ هو المحارب، وما هي الصفات التى يكون بها محاربًا.
قوله: (وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ): وهو ما ذَكَره الله في آية المائدة.
قال المصنف ﵀:
стр. 9876
(البَابُ الأَوَّلُ: فِي النَّظَرِ فِي الحِرَابَةِ)
(فَأَمَّا الحِرَابَةُ فَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّهَا إِشْهَارُ السِّلَاحِ، وَقَطْعُ السَّبِيلِ خَارجَ المِصْرِ).
شَرَع المؤلف في ذِكْرِ الشروط التي يجب أن تتوافر في المحارب حتى يكون محاربًا:
الشرط الأول: أن يكون ذلك في الصحراء ونحوها مما لا يتوافر فيه النجدة والعون، وبه قال أبو حنيفة (٢) وأحمد (٣)، فأما مَنْ كان في الأمصار
стр. 9877
(في المدن أو القرى)، فإن بإمكانهم أن يستغيثوا فيغاثوا، أو أن يطلبوا النجدة فيعانوا.
الشرط الثاني: أن يَكُونوا حاملين السلاح، واختلف أهل العلم فيمن قطع السبيل بغير سلاح، وإنما بالعصي الكبيرة والحجارة، فذهب أكثر أهل العلم (١) إلى اعتبارهم محاربين؛ لأن ما معهم يَقْتل كالحديد والسيف.
الشرط الثالث: المُجَاهرة وأَخْذ المال قهرًا، أما إذا كان اختلاسًا وخفيةً، فإنهم يكونون بذلك سُرَّاقًا، فيُقَام عليهم حدُّ السرقة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَارَبَ دَاخِلَ المِصْرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: دَاخِلَ
стр. 9878
المِصْرِ وَخَارِجَهُ سَوَاءٌ (١)، وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ (٢) الشَّوْكَةَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الشَّوْكَةِ عِنْدَهُ قُوَّةُ المُغَالَبَةِ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِيهَا البُعْدُ عَنِ العُمْرَان؛ لِأَنَّ المُغَالَبَةَ إِنَّمَا تَتَأَتَّى بِالبُعْدِ عَنِ العُمْرَان. وَكَذَلِكَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ (٣): " إِنَّهُ إِذَا ضَعُفَ السُّلْطَانُ، وَوُجِدَتِ المُغَالَبَةُ فِي المِصْرِ - كَانَتْ مُحَارَبَةً "، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَهُوَ عِنْدَهُ اخْتِلَاسٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: " لَا تَكُونُ المُحَارَبَةُ فِي المِصْرِ ") (٤).
هذا التَّفصيلِ راجعٌ إلى الشرط الأول، واختلف العلماء فيمَنْ حارب داخل المِصْرِ، فَذهب مالكٌ (٥) وكثيرٌ من الحنابلة (٦) إلى أن داخل المصر وخارجه سواء.
وَاشتَرط الشافعيُّ (٧) ﵀ وبعض الحنابلة (٨) الشوكة، أي: القوة
стр. 9879
والغلبة، وهذا يقتضي أن يكون ذلك بعيدًا عن العمران إلا إذا ضعف السلطان، وصار الناس فوضى لا سراة لهم، فكان لا بد من وجود قوة تمنع المعتدين.
وذَهَب أبو حنيفة (١)، وأحمد (٢) إلى أن المحاربة لا تكون في المِصْرِ.
قال المصنف ﵀:
(البَابُ الثَّانِي فِي النَّظَرِ فِي المُحَارِبِ)
(فَأَمَّا المُحَارِبُ فَهُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ دَمُهُ مَحْقُونًا قَبْلَ الحِرَابَةِ، وَهُوَ المُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ).
هَذَا البَابُ في بيان صفَة المحارب، وهو مَنْ كان محقون الدم (أي: محفوظه)، وقَدْ حقنت الشريعة دم كل مسلمٍ إلا ما استُثْني، قال النبي ﷺ : " لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " (٣)، أما مَنْ تعدى وجعل يخيف المؤمنين، ويتعدَّى على أرواحهم وأموالهم، فإنه بذَلكَ يكون قد سفك دمه، وأضَاع تلك العصمة التي عَصَمه بها الشَّارع.
стр. 9880
وكذلك الذمي والمعاهد، فإنَّ الدولة الإسلامية تقوم بحمايتهم، والقيام على شُؤُونهم إلا إذا نقضوا الذمَّة أو العهدَ.
قال المصنف ﵀:
(البَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى المُحَارِبِ) (١)
(وَأَمَّا مَا يجِبُ عَلَى المُحَارِب فَاتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَقٌّ للهِ، وَحَقٌّ لِلآدَمِيِّينَ).
عَقَد المؤلف ﵀ هذا الباب لبيان ما يجب على المحارب من العقوبة، واتفق أهل العلم من ذلك على أشياءَ، واختلفوا في أشياء، فاتفقوا أولًا على أنه يجب على المحارب حقان: حق لله تعالى، وحق للآدميين، فأما حق الله فلأنه اعتدى على الناس، فتجاوز حدود الله، والله تعالى يقول: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: " إنَّ الله فرَض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها " (٣)، وهؤلاء قد تعدوا حدود الله،
стр. 9881
وَحَاربوا الله سبحانه بأَنْ خرجوا على شرعه، وَتَجاوزوا حدوده، وَحَاربوا النبي ﷺ ، فلم يعملوا بنهجه وسيرته وهديه.
وأمَّا حقُّ الآدميين فقد انتهكوه بالقتل، وبأخذ المال، وبتخويف المؤمنين، ولا شكَّ أن هذا تَعدٍّ على حقوق المؤمنين.
وَحقُّ الله يسقط بالتوبة النصوح، ولذا أشار الله إلى التوبة في آخر آيات المحاربة، أما الناس فلا تسقط حقوقهم، بل ترجع إليهم، والمُحَاربُ إذا تاب قبل القدرة عليه لا يُعَامل معاملة المحارب، أمَّا إذا تاب بعد القدرة عليه، فإن هذا لا يغير شيئًا، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٤].
* قوله: (وَاتَّفَقُوا (١) عَلَى أَنَّ حَقَّ اللهِ هُوَ القَتْلُ وَالصَّلْبُ وَقَطْعُ
стр. 9882
الأَيْدِي وَقَطْعُ الأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالنَّفْيُ عَلَى مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الحِرَابَةِ).
للمحاربين أحوالٌ نرتبها من حيث شدَّتها وشناعتها:
أولًا: القتل وأخذ المال.
ثانيًا: القتل دون أخذ مال.
ثالثًا: أخذ المال دون قتل.
رابعًا: الترويع دون قتلٍ أو أخذِ مالٍ.
فإذا قَتلوا وأَخَذوا المال، قُتلوا وصُلبوا، وإنْ قَتلوا دون أَخْذ مال فإنهم يُقْتلون. وقال بعض أهل العلم (١): يُقْتلون ويُصْلبون، وإنْ أخذوا المال دون قتلٍ، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فالسارق إذا أخذ المال تقطع يده اليمنى، وإن سرق ثانيةً تقطع رجله اليسرى، ولكن المحارب عمله أشنع، وخطره أشد، فضُوعفَت عليه العقوبة، فإن لم يقتلوا أو يأخذوا مالًا، فالنفي من الأرض على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ العُقُوبَاتِ، هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوْ مُرَتَبةٌ عَلَى قَدْرِ جِنَايَةِ المُحَارِبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): إِنْ قَتَلَ فَلَا بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَخْيِيرٌ فِي قَطْعِهِ، وَلَا فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ، وَأَمَّا إِنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ - فَلَا تَخْيِيرَ فِي نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا
المَعْلُومِ مِنَ الشَّرْعِ تَرْتِيبُهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُقْتَلُ مِنَ المُحَارِبِينَ إِلَّا مَنْ قَتَلَ، وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا مَنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَا يُنْفَى إِلَّا مَنْ لَمْ يَأْخُذِ المَالَ وَلَا قَتَلَ. وَقَالَ قَوْمٌ (١): بَلِ الإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ عَلَى الإِطْلَاقِ، وَسَوَاءٌ قَتَلَ أَوْ لَمْ يَقْتُلْ، أَخَذَ المَالَ أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ حَرْفُ " أَوْ " فِي الآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلتَّفْصِيلِ عَلَى حَسَبِ جِنَايَاتِهِمْ؟ وَمَالِكٌ حَمَلَ البَعْضَ مِنَ المُحَارِبِينَ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَالبَعْضَ عَلَى التَّخْيِيرِ).
اختَلَف أهل العلم في حرف " أَوْ " في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، هل هو للترتيب أو للتخيير، وقد مَرَّ نحو هذا الخلاف في كتاب (الأيمان) عند ذكر كفَّارة اليمين، وأُثِرَ عن ابن عبَّاس (٢) ﵄ أنه قال: " كل ما جاء في القرآن بلفظ " أو "، فهو على التخيير ".
فَذَهب مالكٌ (٣) ﵀ إلى أنه إن قتل، فلا بد من قتله، وليس للإمام تخيير في قطعه، ولا في نفيه.
قلت: أمَّا قَتْله، فَهَذا موضعُ اتِّفاقٍ بين أهل العلم.
وقوله: " وليسَ للإمَام تخييرٌ في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه "، يعني: ليس للإمام أن يعدل عن القتل إلى النفي أو
стр. 9885
القطع، فلا بد من القتل، وإنما يُخيَّر في الجمع بين القتل والصلب، أو الاكتفاء بالقتل.
والجمهور (١) على أنه إن اقتصر على القتل قُتِلَ دون صلبٍ، وجَنَح قلةٌ من أصحاب المذاهب إلى الجمع بين القتل والصلب، والمشهور الاقتصار على القتل؛ إلا إذا قتل وأخذ المال.
قال: (وَأَمَّا إِنْ أَخَذَ المَالَ، وَلَمْ يَقْتُلْ، فَلَا تَخْيِيرَ فِي نَفْيهِ): إذا أخذ المال ولم يقتل، فإنه ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، فلا يُخيَّر بين هذا، وبين نفيه.
وَكَيفيَّة القطع: أن تقطعَ يده اليمنى ورجله اليسرى، وسيأتي بيان ما لو كان مَقْطوع اليمنى، هل يقتصر على رجله اليسرى أو يُضَاف إلى ذلك شيءٌ آخر.
(وَأَمَّا إِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ فَقَطْ، فَالإِمَامُ (أيْ: مالك ﵀ عِنْدَهُ مُخَيَّرٌ … )، وَالجُمْهورُ على خلَاف ذلك كما سيأتي، فإنه إِنْ تاب قبل القدرة عليه (أي: قبل أن يقبض عليه) قُبلَت توبته على تفصيل في ذلك بين العلماء (٢)، وأمَّا إنْ كانت توبته بعد القدرة عليه، فهذا يطبَّق عليه حد الحرابة.
* قوله: (وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ عِنْدَهُ)، أي: عند مالكٍ ﵀: (أَنَّ الأَمْرَ رَاجِعٌ فِي ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ المُحَارِبُ مِمَّنْ لَهُ الرَّأْيُ وَالتَّدْبِيرُ، فَوَجْهُ الِاجْتِهَادِ قَتْلُهُ أَوْ صَلْبُهُ … ).
إذًا، المحاربون عنده ثلاثةٌ:
الأول: أن يكون صاحب رأيٍ ودهاءٍ وتخطيطٍ ومكرٍ، فهذا يرجح بين قتله أو صلبه إِنْ لم ينقطع فساده بتوبته.
стр. 9886
الثاني: أن يكون قويًّا ذا بأس، لكن ليس ذا دهاءٍ ومكرٍ، فهذا يقطع من خلافٍ.
الثالث: ألَّا يكون فيه شيءٌ من هاتين الخصلتين، فهذا يضرب أو ينفى.
وَذَهبَ أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، وجماعة (٤) إلى أن " أو " في الآية على الترتيب، وهُوَ الأقربُ، فمَنْ قَتَلَ قُتِلَ، ومَنْ قَتل وأخَذ المال، قُتِلَ وصُلِبَ، ومن أَخَذ المال فحسب، قُطِعَ من خلاف، ومَنْ أخاف السبيل فإنه ينفى، وسيأتي الكلام عن النفي واختلاف العلماء فيه.
وذَهَب جماعةٌ (٥) إلى أن الإمامَ مخيرٌ فيهم (أي: في أصناف المحاربين) مطلقًا؛ سواء قَتَل أم لم يقتل، أَخَذ المال أو لم يأخذه، وذلك أنَّ هذه من الأمور المتعلقة بمصالح الناس، وبالحفاظ على أرْوَاحهم وَأَمْنهم ومُجْتمعاتهم، فيَنظر الإمام فيما هو الأصلح، فربما شدد في العقوبة، وربما خفف نظرًا للمصلحة.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، فَقَالَ قَوْمٌ (٦): إِنَّهُ يُصْلَبُ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا. وَقَالَ قَوْمٌ (٧): بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ
стр. 9887
أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ مَعًا، وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ (١)، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَلُ فِي الخَشَبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ وَابْنِ المَاجِشُونِ) (٢).
المُرَاد بـ " الصَّلب ": أن يصلبَ على خَشَبةٍ حتى يراه الناس، بقصد التَّشهير به، والزَّجر لغيره، وذَهَب جماعةٌ من أهل العلم (٣) إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]: أنه يصلب حتى يموت جوعًا، والجمهور على أن هذا نوعٌ من المُثْلة لا يجوز، وإنما يقتل ويصلب، فهذا قَدْرٌ متفقٌ عليه بين الأئمة الأربعة وغيرهم.
ثمَّ اختلفوا أيهما يكون أولًا: القتل أم الصلب؟
فذهب الشافعي (٤)، وأحمد (٥) وإليه ذهب أشهب (٦) من المالكية إلى أنه يقتل أولًا ثم يصلب، عملًا بظاهر الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، فقدم ذكر القتل على الصلب كما قال تعالى فيِ شأن الحج والعمرة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فإنَّ اللَّهَ تَعَالى ذَكَر الصفا والمروة، وقال رسول الله ﷺ : " أبدأ بما بدأ الله به " (٧)، فقدَّم الصفا أولًا، وكذلك هنا
стр. 9888
أيضًا قدَّم الله تعالى القتلَ على الصلب، ولا عقوبة أشد ولا أعظم من القتلِ، والصَّلبُ داخلٌ فيه.
ثمَّ إن النبي ﷺ قد أمر بالإحسان في القتل حتى مع الحيوان قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة - وفي رواية: فأحسنوا القتل (١) وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته " (٢)، فالإحسان إلى الإنسان إذا استوجب القتل من باب أولى، فإذا صُلبَ وهو حيٌّ، فإن ذلك نوعٌ من المثلة، وقد نهى النبي ﷺ عنها (٣)، فينبغي أن يقتل أولًا ثم يصلب؛ لأن الغرض من الصَّلب ليس هو المحارب نفسه، وإنما القصد أن يشتهر أمره ليعتبر غيره، وهذا حاصلٌ بالصَّلب بعد القتل.
وذهب مالك (٤)، وأبو حنيفة (٥)، واختاره ابن القاسم وابن الماجشون (٦) من المالكية أنه يصلب أولًا، ثم يقتل، أي: أنه يقتل مصلوبًا بأن يطعنَ بحَرْبةٍ.
وإنما قالوا بالصلب قبل القتل لأن الله سبحانه جعل الصلب عقوبة له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣]، والذي يعاقب إنما هو الحي لا الميت، فلا بد أن يكون الصلب حالَ حياته كي يشعر بتلك العقوبة … هذا أولًا.
стр. 9889
وثانيًا: أنه إن قتلَ ثمَّ صلب لمَا أمكن تكفينه، ولا دفنه.
* قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ - صُلِّيَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ قَبْلَ الصَّلْبِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الخَشَبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ (١): لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ تَنْكِيلًا لَهُ، وَقِيلَ: يَقِفُ خَلْفَ الخَشَبَةِ ويُصَلِّيَ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُون (٢): إِذَا قُتِلَ فِي الخَشَبَةِ أُنْزِلَ مِنْهَا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَهَلْ يُعَادُ إِلَى الخَشَبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ عَنْهُ (٣)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ (٤) أَنَّهُ لا يَبْقَى عَلَى الخَشَبَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
في هذا دليلٌ على مذهب أهل السُّنَّة، وهو أن فاعل المعصية لا يكفر إلا إذا استحلَّها، فمنع من الصلاة عليه إنما بقصد التنكيل لا لعلة الكفر.
* قوله: (وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣]، فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى، ثُمَّ إِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُمْنَى، وَاخْتُلِفَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ اليُمْنَى، فَقَالَ
стр. 9890
ابْنُ القَاسِمِ (١): " تُقْطَعُ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُمْنَى ". وَقَالَ أَشْهَبُ (٢): " تُقْطَعُ يَدُهُ اليُسْرَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى ").
قوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] مظهرٌ من مَظَاهر رحمة الله ، ومُرَاعاة تلك الشريعة أحوالَ الناس، فإذا قطع من خلافٍ، أَمْكنَه أن يسيرَ في حياته بوجهٍ ما بخلاف ما إذا قُطعَت يُمْناه أو يُسْراه.
قوله: (فَمَعْنَاهُ: أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرَى … ): سَبقَ ذِكْر الخلَاف، وَبَيان آراء الفقهاء في هذه المسألة عند الحَديث عن قَطْع يد السَّارق (٣).
قوله: (وَاخْتُلِفَ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ اليُمْنَى، فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: تُقْطَعُ يَدُهُ … ): وذَهَب أبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) إلى أنه يقتصر على رجله اليسرى، ولا يُزَاد على ذلك، نظرًا إلى حاله، وأنه ربما تاب واستقام أمره، كما جاء عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: " إني أستحي من الله ألا أترك له شيئًا، فلا يتطهر به " (٦).
يُنْفَوْا﴾ [المائدة: ٣٣]، أَيْ: مِنْ أَرْضِ الإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الحَرْبِ .. وَالَّذِي يَظْهَرُ هُوَ أَنَّ النَّفْيَ تَغْرِيبُهُمْ عَنْ وَطَنِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، فَسَوَّى بَيْنَ النَّفْي وَالقَتْلِ، وَهِيَ عُقُوبَة مَعْرُوفَةٌ بِالعَادَةِ مِنَ العُقُوبَاتِ كَالضَّرْبِ وَالقَتْلِ، وَكُلُّ مَا يُقَالُ فِيهِ سِوَى هَذَا فَلَيْسَ مَعْرُوفًا لَا بِالعَادَةِ، وَلَا بِالعُرْفِ).
اختلَف أهل العلم (١) في المراد بالنفي في قول الله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]:
قال الشَّافعيُّ (٢) وأحْمَدُ (٣) النفي هو أن يخرج من البلاد كلها لا يلوي على شيءٍ، يتيه في الأرض على وجهٍ لا يستقبله أحد؛ لأنه محدثٌ، والمحدث لا يجوز إيواؤه (٤) كما صح ذلك عن النبي ﷺ ، وعلة ذلك عند الشافعي أن النفي غير مقصود، كما ذكر المؤلف ﵀.
وقال أبو حنيفة (٥): المراد بالنفي هو أن يُسْجنَ في مكانه؛ لأن النفي
стр. 9893
يطلق على السجن. وقال بعضهم: يُضيَّق عليه حتى يحس بالألم لعلَّه يرجع ويرتدع.
وَقَالَ مَالكٌ (١): النفي أن يُخْرج من بلده إلى بلدٍ آخر، ويسجن في البلد الآخر إلى أن يتوبَ إلى الله، فيتوب الله عليه، فعلى هذا القول يُغرَّب ويُسْجن.
وقال ابن الماجشون (٢): معنى النفي هو فرارهم من الإمام لإقامة الحَدِّ عليهم، فأما أن يُنْفى بعد أن يقدر عليه فلا، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ القصد العقوبة على ما ارتكبوه من إخَافَة الناس.
وقيل: ﴿يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، أيْ: من أرض الإسلام إلى أرض الحَرب، وألْمَحَ المؤلف إلى ضعف هذا القول؛ لأنَّ المرَاد العقوبَة والتَّنكيل، أمَّا نفيه إلى بلاد الكفر، فهَذا لا يصلحه، والمقصود إنما هو إصلاحه لا الإضرار به.
* قوله: (فَسَوَّى بَيْنَ النَّفْيِ وَالقَتْلِ)، كما في العقوبة على جريمة الزنا، ولكن ينظر الإمام إلى المصلحة فيما يتعلق بالنفي وما يترتب عليه، فعمر ﵁ لما نفى ربيعة بن أمية بن خلف - ولم يكن في حد الزنا - نفاه فارتد ولحق بالعدو، فتوقف عمر عن هذا الأمر (٣).
هَذَا هو قول جماهير العلماء وليس قول أشهب وحده، وهو أنه تقبل توبته.
* قوله: (وَقَوْلٌ: إِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ ذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الآيَةَ لَمْ تَنْزِلْ فِي المُحَارِبِينَ)، لعَلَّ المؤلفَ ﵀ يشير إلى ما أُثِرَ عن عبد الله بن عباس ﵄ أن هذه الآية نزلت في قومٍ من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فنقضوا ذلك العهد، وقطعوا الطريق، وسعوا في الأرض فسادًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١)، ولكن الراجح أنها نزلت في المحاربين، وقد مر ذكر قصَّة العُرَنيين وَمَا فعل رَسُولُ الله ﷺ بهم؛ عقوبةً لهم ونكايةً ولأمثالهم.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ التَّوْبَةِ الَّتِي تُسْقِطُ الحُكْمَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ تَوْبَتَهُ تَكُونُ بِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ الإِمَامَ (٢). وَالثَّانِي: أَنْ يُلْقِيَ سِلَاحَهُ، وَيَأْتِيَ الإِمَامَ طَائِعًا .. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ القَاسِمِ (٣). وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ تَوْبَتَهُ إِنَّمَا تَكُونُ بِأَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيَظْهَرَ لِجِيرَانِهِ).
اختلَف أَهْلُ العلم في صفة التَّوبة التي تسقط الحكم عن المحارب إلى عدة أقوال:
منها: أن يترك المحاربة، وَيتُوب إلى الله تعالى، ولا يشترط أن يأتي
стр. 9896
إلى الإمام فيسلم نفسه، ويعلن توبته أمامه، بل يكفيه مجرد التوبة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١)، وبه قال بعض الشافعية (٢).
وَمنها: أنَّه لا بدَّ من مُضيِّ مُدَّةٍ على إعلان توبته، فلا يكفي مجرد إعلان التوِبة وإنْ كان هذا دَليلًا في الغالب على صدق توبته، وإخلاص نيته، فَذهب الشافعية (٣) إلى أنه لا بد من مُضيِّ عامٍ على إعلان توبته.
والقصد من ذلك كله: هو أن يتحقق من أن التوبةَ صادقةٌ، وأنها لم تكن تقيةً (٤) أو مخادعةً، ولذلك قال بعض العلماء (٥): مجرد التوبة كافٍ؛ لأنه أقلع عن العمل وهو في حال قوة، يَعْني: قبل أن يُقْدر عليه كمَا في الآية.
* قوله: (وَإِنْ أَتَى الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، أَقَامَ عَلَيْهِ الحَدَّ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ المَاجِشُونِ (٦). وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: إِنَّ تَوْبَتَهُ إنَّمَا تَكُونُ بِالمَجِيءِ إِلَى الإِمَامِ، وَإنْ تَرَكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، لَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ عَنْهُ حُكْمًا
стр. 9897
مِنَ الأَحْكَامِ إِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الإِمَامُ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ هُوَ أَنَّ تَوْبَتَهُ قِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ بِأَنْ يَأْتِيَ الإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ).
هَذِهِ كلُّها اجتهاداتٌ من العلماء، فبَعْضهم يرى أن المقصود هو التوبة، وقَدْ ذكرت في الآية مطلقةً: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤]، فلم تُقيَّد بأمرٍ من الأمور، ومن أهل العلم مَنْ أخذ بالحيطة، وقال: ينبغي أن يذهب إلى الإمام، فيعلن توبته حتى يتحقق من ذلك، ويعلم صدقه.
* قوله: (وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ إِذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ قَبْلَ القُدْرَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: تَكُونُ بِالأَمْرَيْنِ جَمِيعًا).
وَهذَا الأخيرُ هُوَ قول الحنابلة (١)، واشتَرطوا أن تمضي على التوبة مُدَّةٌ لاختباره، وَهُوَ شَرطٌ أيضًا عند الشافعيَّة (٢)، وَقَيَّدها أكثر الشافعيَّة (٣) بمُضىِّ سَنَةٍ، كمَا سبق بيانه.
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ المُحَارِبِ الَّذِي تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ؛ أَقْوَالٍ (٤) أَحَدُهَا: أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الحَرْبِ. وَالثَّانِي:
стр. 9898
أَنْ تَكُونَ لَهُ فِئَةٌ. وَالثَّالِثُ: كيْفَمَا كَانَتْ، لَهُ فِئَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ، لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ أَوْ لَمْ يَلْحَقْ).
والقول الثالث هو الأشهر، وهذا الخلافُ مبنيٌّ على اختلافهم فيما لَوْ خرج عَددٌ قليلٌ، هل يعدُّون من البغاة أو لا بدَّ أن يكون عَددُهُم كبيرًا.
* قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي المُحَارِبِ إِذَا امْتَنَعَ، فَأَمَّنَهُ الإِمَامُ عَلَى أَنْ يَنْزِلَ - فَقِيلَ: لَهُ الأَمَانُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الحِرَابَةِ. وَقِيلَ: لَا أَمَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَمَّنُ المُشْرِكُ، وَأَمَّا مَا تُسْقِطُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ التَّوْبَةَ إِنَّمَا تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الحِرَابَةِ فَقَطْ، وَيُؤْخَذُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ اللهِ، وَحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ)؛ لِأنَّ هَذَا الذي خَرَج قد يرتكب أمورًا غير الحرابة، فقد يسرق، أو يَزْنِي، أو يشرب الخمر، فاختَلفَ العلماء: هل يؤاخذ بهذه الأشياء أم أنها تسقط عنه؟
فذَهَب مالكٌ (١) ﵀ إلى أنه يسقط عنه حد الحرابة، ويؤاخذ بغيره.
* قَوْله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ عَنْهُ حَدَّ الحِرَابَةِ وَجَمِيعَ
стр. 9899
حُقُوقِ اللهِ مِنَ الزِّنَا وَالشَّرَابِ وَالقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَيُتَّبَعُ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنَ الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْليَاءُ المَقْتُولِ).
وهَذَا هو المشهور عند الحنابلة (١)، وَاستدلُّوا بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
* قَوْله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تَرْفَعُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللهِ، وَيُؤْخَذُ بِالدِّمَاءِ، وَفِي الأمْوَالِ بِمَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَا تُتَّبَعُ ذِمَمُهُمْ).
وهذا قول الحنفية (٢).
* قوله: (وَالقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ جَمِيعَ حُقُوقِ اللهِ، وَحُقُوقَ الآدَمِيِّينَ مِنْ مَالٍ وَدَمٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الأمْوَالِ قَائِمَ العَيْنِ بِيَدِهِ).
وهذا قولٌ في مذهب الإمام مالكٍ ﵀ (٣).
أدبيات:
لَا شكَّ أن من وَفَّقه الله تعالى هو مَنْ يبتعد عن مثل هذه الأمور
стр. 9900
التي يرجف فيها بالمؤمنين، ويخيفهم ويروعهم، فلا شكَّ أنَّ هذا ليس من الإسلام في شيءٍ، فالإسلام إنما جاء بما فيه خير الناس بدَعْوتهم إلى الحق، وبتأمين المؤمنين، وَعَدم التعدِّي عليهم، ولذلك قال الله تعالى عندما أشَاد ببيته الحَرام، قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وقال إبراهيم ﵇ في دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦].
وقال الله ممتنًّا على أهل مكة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
قال المصنف ﵀:
(البَابُ الخَامِسُ بِمَاذَا تَثْبُتُ هَذِهِ الجِنَايَةُ
وَأَمَّا بِمَاذَا يَثْبُتُ هَذَا الحَدُّ، فَبِالإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، وَمَالِكٌ (١) يَقْبَلُ شَهَادَةَ المَسْلُوبِينَ عَلَى الَّذِينَ سَلَبُوهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): تَجُوزُ شَهَادَةُ
стр. 9901
أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَدَّعُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَلَا لِرُفَقَائِهِمْ مَالًا أَخَذُوهُ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ (١) الحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ).
أشَارَ المؤلِّف في هذا الباب إلى ما به يثبت حكم الحرابة، وأنَّه يثبت بطَريقَين:
الأوَّل: الإقرَار، إذا كان المقرُّ عاقلًا بالغًا.
الثَّانِي: الشَّهادة، وَذَهب مَالكٌ ﵀ (٢) إلى الأَخْذ بشَهادة المسلوبين على الذين سَلَبوهم؛ لأن الشهادة تثبت بشاهدين اثنين، وَهذا متحققٌ هنا.
وقال بعض أهل العلم (٣) لا يعتدُّ بشهادة المسلوب على مَنْ سلبه لأنه خصمٌ، والخصم لا تُقْبل شهادته على خصمه.
قَالَ الشَّافعيُّ (٤) ﵀: تَجُوز شهادة أهل الرفقة عليهم إذا لم يدعوا لأنفسهم ولا لرفقائهم مالًا أخذوه، وبه قال أيضًا أحمد ﵀ (٥).
قوله: (وَتثْبُتُ عِنْدَ مَالِكٍ (٦) الحِرَابَةُ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ)، يَعْني: إذا أشَاع أناسٌ ذَلكَ، وَقَالوا: سَمعنا أن فلانًا وفلانًا وفلانًا قاموا بمُحَاربة الناس، والعلَّة في ذلك عند مَالِكٍ ﵀: سدُّ الذرائع، وإغلاق مثل هذه الأبواب
стр. 9902
حتَّى لا ينتشر الفساد، ومعلوم تَوسُّع المذهب المالكي في الأخذ بقاعدة سد الذرائع (١)، وكذا بقاعدة الاستصلاح (٢).
قال المصنف ﵀:
(فَصْلُ: فِي حُكْمِ المُحَارِبِينَ عَلَى التَّأْوِيلِ
وَأَمَّا حُكْمُ المُحَارِبينَ عَلَى التَّأوْيِلِ؛ فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الإِمَامُ).
عَقَد المؤلف هذا الفصل لبيان حكم المحاربين على التأويل، وهُمُ (البغاة)، وأكثر الفقهاء لا يعدونهم من المحاربين، وإنَّما يذكرون أحكامهم تحت باب (قتال أهل البغي).
ولَعلَّ المؤلف إنما ذَكَرهم هنا لأن الباغي لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون متأولًا.
والحال الثانية: أن يكون غير متأولٍ، وكلٌّ منهما يريد الخروج على الإمام.
стр. 9903
أما من لا تأويل لهم، فهم المحاربون، وهؤلاء يبين الله تعالى حكمهم بقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية.
أمَّا المتأوِّلون، فَهُمُ الَّذين يَتَمسَّكون ببعض الشبهات، وقد يكونون في الأصل على ضلالة كالخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ : " سيكون في آخر الزمان أناس أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم " (١).
وَالخُرُوجُ على الإمام لا يجوز ولو كان فاسقًا (٢)؛ لأن النبي ﷺ
стр. 9904
قال: " خيار أئمَّتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وشرار أئمتكم الذين تَكْرهونهم ويكرهونكم " (١).
قال أهل العلم: " إنَّ الجهادَ واجبٌ خلفَ كل إمامٍ؛ برًّا كان أو فاجرًا (٢)،
стр. 9905
والصلاه واجبة خلف كل إمام؛ برًّا كان أو فاجرًا " (١).
وَهؤلاء الذين عَنَاهم المؤلف بقوله: " المحاربين على التأويل "، هُمُ الَّذين عَنَاهم اللهُ بقولِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾ [الحجرات: ٩].
فَاللهُ تَعَالَى لم يَسْلبهم اسمَ الإيمان، فلَا يزالون مسلمين، لكن الله تعالى أباح للإمام قتالهم؛ لأنهم تعدوا وخرجوا على الإمام، فجاز قتالهم كما فعل عَليٌّ ﵁ (٢)، ثمَّ إذا أفاؤوا (أيْ: رَجعوا إلى الله تعالى وتابوا)، فإنهم يُتْركون، ولا يُتَّبعون، أي: لا يُعَاملون معاملة الكفار بأنْ تُسْبى نساؤهم، وتُؤْخذ أموالهم إلى غير ذلك.
وقَدْ حذَّر النبي ﷺ من الخروج على ولاة الأمر، فقال: " من بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده (أي: بايعه) وثمرة قلبه (أي: أعلن البيعة)، فليطعه إن استطاع، (أي: قدر استطاعته)، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر " (٣)، فإذَا ما ثبتت بيعة الإمام، وجبت طاعته؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
وقال ﷺ : " ستكون هنات وهنات، ألا ومَنْ خرج على أمتي وأمرهم
стр. 9906
جميع، فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا مَنْ كَانَ " (١).
وقال: " مَنْ خرَج من طَاعَةٍ فَمَات، فميتتُهُ جاهليةٌ، مَنْ خرج عن طاعة وفارق الجماعة، فميتته جاهلية " (٢).
وعَنْ عُبَادة بن الصامت ﵁ قال: " بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله " (٣).
فَهَذه كلُّها أحَاديثُ ثابتةٌ عن النبي ﷺ تدلُّ على وجوب طاعة وليِّ الأمر، وأنه إذا ثبتت بيعتُهُ، وَجَب على المؤمنين أن يطيعوه ويعينوه، فإذا وجد مثل هؤلاء البغاة، فعلى الناس أن يكونوا في صف الإمام، فإن رجعوا وأنابوا، فالحمد لله، وإلا قاتلهم المؤمنون مع الإمام؛ لأنهم ظَالمُون خارجون على الإمام، متعدون عليه.
وكَمْ أحدث هؤلاء في الأمة من الفتن، وترتب على ذلك أن توقَّفت الدعوة الإسلامية لانشغال المسلمين بهم، فانصرفوا عن المدِّ الإسلامي لنشر دين الله ودعوة الناس إلى الحق، وهؤلاء يَتَكرَّرون في كل زمانٍ ومكانٍ، يتأوَّلون بعض النُّصُوص، يظنون أنها تكون لهم شبهة أو منفذًا ليخرجوا على طاعة ولي الأمر، ولم ينظروا إلى ما يترتب على ذلك من المفاسد والأضرار.
قوله: (فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الإِمَامُ)، أي: أنَّ الذي يحاربهم هو الإمام، وَيَجب على المسلمين أن يقاتلوا معه كما مَضَى بيانه.
стр. 9907
* قَوْله: (فَإِذَا قُدِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الحَرْبُ قَائِمَةً، فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: إِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ، لِمَا يُخَافُ مِنْ عَوْنِهِ لِأَصْحَابِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، فَهُوَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُؤَدَّبُ وَلا يُقْتَلُ (٢)، وَأَكثَرُ أَهْلِ البِدَعِ إِنَّمَا يَكْفُرُونَ بِالمَآلِ).
ذَكَر المؤلِّف ﵀ في هذه المسألة مَذْهبَ مالكٍ، وأنه يُفَرَّق بين القدرة عليه حال الحرب، وبين أَسْره بعد انقضاء الحرب، وأما الجمهور (٣)
стр. 9908
فلا يُفرِّقون بين الحالتين، فإن كان ذا شوكةٍ وقوةٍ ورأيٍ، سُجنَ حتى تنتهي المعركة إنْ كانت لا زالت قائمةً، ثم يرد هؤلاء إلى صوابهم، ويُؤْخذ علَيهم العهد ألَّا يعودوا؛ لأنهم مؤمنون، وإنما خرجوا متأوِّلين.
* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ): أهلُ البدع أصنافٌ متعددةٌ، فمنهم المبتدع الداعي إلى بدعته، ومنهم غير الداعي إليها، ومنهم المتأول، ولكلٍّ حكمٌ، ومحل تفصيل الكلام عنهم في كتب العقائد.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ (١) فِي التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ (٢)، وَمَعْنَى التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ أَنَّهُمْ لَا يُصَرِّحُونَ بِقَوْلٍ هُوَ كُفْرٌ، وَلَكِنْ يُصَرِّحُونَ بِأَقْوَالٍ يَلْزَمُ عَنْهَا الكُفْرُ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ هَؤُلاءِ مِنَ الحُقُوقِ إِذَا ظُفِرَ بِهِمْ، فَحُكْمُهُمْ إِذَا تَابُوا أَلَّا يُقَامَ عَلَيْهِمْ حَدُّ الحِرَابَةِ، وَلَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا مِنَ المَالِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ بِيَدِهِ فَيُرَدَّ إِلَى رَبِّهِ).
стр. 9909
قول المؤلف: (وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل)، يَعْني: هم لا يَقُولون: نحن كفار، وَلَكن لهم آراء لازمها الكفر، وجمهور العلماء (١) عدَا المالكيَّة (٢) على أنهم بغاة متأولون، لا يقتل أسيرهم، وتأديبهم راجعٌ إلى الإمام حسَب ما يراه من المصلحة.
ومَنْ قدر عليه فقتل، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولا خلاف بين أهل العلم (٣) في أنه لا تُسْبى نساؤهم، ولا تستحلُّ أموالهم للآثار التي جاءت عن عليٍّ ﵁ في حربه مع الخوارج (٤).
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْتَلُ قِصَاصًا بِمَنْ قَتَلَ؟ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَصْبَغَ (٥). وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ المَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ (٦): لَا يُقْتَلُ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ (٧)؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى التَّأْوِيلِ
стр. 9910
فَلَيْسَ بِكَافِرٍ بَتَّةً، أَصْلُهُ قِتَالُ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ الكَافِرُ بِالحَقِيقَةِ هُوَ المُكَذِّبُ لَا المُتَأَوِّلُ).
واستنَدَ الجمهور إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فلَمْ يَأْمر الله تعالى بقَتْلهم؛ لأنهم مُتَأوِّلون بخلاف المحاربين الذين خرجوا أصلًا للحرب والقتل والسرقة والتعدي على حُرُمات الناس وإخَافة السبيل بخلاف أولئك الذين تأولوا وأخطأوا، ولذا فقد أرسل عَلىٌّ ﵁ إلى الخوارج مَنْ يصحح لهم يَدْعوهم إلى الحقِّ قبل قتالهم (١).
قوله: (أَصْله قتال الصحابة)، يشير إلى قتال أبي بكرٍ لمانعي الزكاة، أما المرتدُّون فإنهم يُقاتَلون كفارًا، وأيضًا ما حصل من عليٍّ ﵁ مع أهل الجمل وصفين والنهروان (٢)، وما حَصَل فيها من قتالٍ وسفكٍ للدماء إنما يحمل وزرها أولئك الذين أشعلوا تلك الفتنة، وأقاموا الحرب بين