جميع، فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا مَنْ كَانَ " (١).
وقال: " مَنْ خرَج من طَاعَةٍ فَمَات، فميتتُهُ جاهليةٌ، مَنْ خرج عن طاعة وفارق الجماعة، فميتته جاهلية " (٢).
وعَنْ عُبَادة بن الصامت ﵁ قال: " بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله " (٣).
فَهَذه كلُّها أحَاديثُ ثابتةٌ عن النبي ﷺ تدلُّ على وجوب طاعة وليِّ الأمر، وأنه إذا ثبتت بيعتُهُ، وَجَب على المؤمنين أن يطيعوه ويعينوه، فإذا وجد مثل هؤلاء البغاة، فعلى الناس أن يكونوا في صف الإمام، فإن رجعوا وأنابوا، فالحمد لله، وإلا قاتلهم المؤمنون مع الإمام؛ لأنهم ظَالمُون خارجون على الإمام، متعدون عليه.
وكَمْ أحدث هؤلاء في الأمة من الفتن، وترتب على ذلك أن توقَّفت الدعوة الإسلامية لانشغال المسلمين بهم، فانصرفوا عن المدِّ الإسلامي لنشر دين الله ودعوة الناس إلى الحق، وهؤلاء يَتَكرَّرون في كل زمانٍ ومكانٍ، يتأوَّلون بعض النُّصُوص، يظنون أنها تكون لهم شبهة أو منفذًا ليخرجوا على طاعة ولي الأمر، ولم ينظروا إلى ما يترتب على ذلك من المفاسد والأضرار.
قوله: (فَإِنَّ مُحَارِبَهُمُ الإِمَامُ)، أي: أنَّ الذي يحاربهم هو الإمام، وَيَجب على المسلمين أن يقاتلوا معه كما مَضَى بيانه.
стр. 9907
* قَوْله: (فَإِذَا قُدِرَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الحَرْبُ قَائِمَةً، فَإِنَّ مَالِكًا (١) قَالَ: إِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ رَأَى ذَلِكَ، لِمَا يُخَافُ مِنْ عَوْنِهِ لِأَصْحَابِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا إِذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الحَرْبِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ، فَهُوَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ. وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُؤَدَّبُ وَلا يُقْتَلُ (٢)، وَأَكثَرُ أَهْلِ البِدَعِ إِنَّمَا يَكْفُرُونَ بِالمَآلِ).
ذَكَر المؤلِّف ﵀ في هذه المسألة مَذْهبَ مالكٍ، وأنه يُفَرَّق بين القدرة عليه حال الحرب، وبين أَسْره بعد انقضاء الحرب، وأما الجمهور (٣)
стр. 9908
فلا يُفرِّقون بين الحالتين، فإن كان ذا شوكةٍ وقوةٍ ورأيٍ، سُجنَ حتى تنتهي المعركة إنْ كانت لا زالت قائمةً، ثم يرد هؤلاء إلى صوابهم، ويُؤْخذ علَيهم العهد ألَّا يعودوا؛ لأنهم مؤمنون، وإنما خرجوا متأوِّلين.
* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ البِدْعِيِّ الَّذِي لَا يَدْعُو إِلَى بِدْعَتِهِ): أهلُ البدع أصنافٌ متعددةٌ، فمنهم المبتدع الداعي إلى بدعته، ومنهم غير الداعي إليها، ومنهم المتأول، ولكلٍّ حكمٌ، ومحل تفصيل الكلام عنهم في كتب العقائد.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ (١) فِي التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ (٢)، وَمَعْنَى التَّكْفِيرِ بِالمَآلِ أَنَّهُمْ لَا يُصَرِّحُونَ بِقَوْلٍ هُوَ كُفْرٌ، وَلَكِنْ يُصَرِّحُونَ بِأَقْوَالٍ يَلْزَمُ عَنْهَا الكُفْرُ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ اللُّزُومَ، وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ هَؤُلاءِ مِنَ الحُقُوقِ إِذَا ظُفِرَ بِهِمْ، فَحُكْمُهُمْ إِذَا تَابُوا أَلَّا يُقَامَ عَلَيْهِمْ حَدُّ الحِرَابَةِ، وَلَا يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوا مِنَ المَالِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ بِيَدِهِ فَيُرَدَّ إِلَى رَبِّهِ).
стр. 9909
قول المؤلف: (وأكثر أهل البدع إنما يكفرون بالمآل)، يَعْني: هم لا يَقُولون: نحن كفار، وَلَكن لهم آراء لازمها الكفر، وجمهور العلماء (١) عدَا المالكيَّة (٢) على أنهم بغاة متأولون، لا يقتل أسيرهم، وتأديبهم راجعٌ إلى الإمام حسَب ما يراه من المصلحة.
ومَنْ قدر عليه فقتل، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ولا خلاف بين أهل العلم (٣) في أنه لا تُسْبى نساؤهم، ولا تستحلُّ أموالهم للآثار التي جاءت عن عليٍّ ﵁ في حربه مع الخوارج (٤).
* قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا: هَلْ يُقْتَلُ قِصَاصًا بِمَنْ قَتَلَ؟ فَقِيلَ: يُقْتَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَصْبَغَ (٥). وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ المَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ (٦): لَا يُقْتَلُ، وَبِهِ قَالَ الجُمْهُورُ (٧)؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ قَاتَلَ عَلَى التَّأْوِيلِ
стр. 9910
فَلَيْسَ بِكَافِرٍ بَتَّةً، أَصْلُهُ قِتَالُ الصَّحَابَةِ، وَكَذَلِكَ الكَافِرُ بِالحَقِيقَةِ هُوَ المُكَذِّبُ لَا المُتَأَوِّلُ).
واستنَدَ الجمهور إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فلَمْ يَأْمر الله تعالى بقَتْلهم؛ لأنهم مُتَأوِّلون بخلاف المحاربين الذين خرجوا أصلًا للحرب والقتل والسرقة والتعدي على حُرُمات الناس وإخَافة السبيل بخلاف أولئك الذين تأولوا وأخطأوا، ولذا فقد أرسل عَلىٌّ ﵁ إلى الخوارج مَنْ يصحح لهم يَدْعوهم إلى الحقِّ قبل قتالهم (١).
قوله: (أَصْله قتال الصحابة)، يشير إلى قتال أبي بكرٍ لمانعي الزكاة، أما المرتدُّون فإنهم يُقاتَلون كفارًا، وأيضًا ما حصل من عليٍّ ﵁ مع أهل الجمل وصفين والنهروان (٢)، وما حَصَل فيها من قتالٍ وسفكٍ للدماء إنما يحمل وزرها أولئك الذين أشعلوا تلك الفتنة، وأقاموا الحرب بين
стр. 9911
المؤمنين، فكَمْ قتلت من أنفس، وأزهقت من أرواح، وسالت من دماءٍ، وأولئك سيَلْقون جزَاءهم عند الله ، وكذلك كل مَنْ يسلك طريقهم، ويسير في منهجهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(بَابٌ فِي حُكْمِ المُرْتَدِّ)
قَالَ اللهُ تَعالَى في شأن المُرتدِّ: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فهذه الآية نصٌّ في كفر المرتد، فإن مات على ردَّته، حبط جميع عملِهِ، وصار خالدًا مخلدًا في النار.
وقال النبي ﷺ : " مَنْ بدَّل دينَه فاقتلوه " (١)، وذلك أن المرتدَّ خطره أعظم من الكَافر الأصليِّ الذي يجهل الإسلام، فلا يعرف عنه شيئًا، أو الذي صدَّه عن الدُّخُول فيه الحسد أو الكبر، أما مَنْ كان مسلمًا ثم ارتد، فإنه قد ذاق طعم الإيمان، والْتذَّ به، وعرف حقيقة الإسلام وما فيه من خيرٍ وسعادةٍ، ثم انقلَب على عقبيه، وارتدَّ، فلا شك أن هذا خَطره أعظم من الكافر الأصليِّ.
* قَوْله: (وَالمُرْتَدُّ إِذَا ظُفِرَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ (٢)، لِقَوْلِهِ ﵊: " مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ " (٣)،
стр. 9912
وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ المَرْأَةِ، وَهَلْ تُسْتَتَابُ قَبْلَ أَنْ تُقْتَلَ؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): تُقْتَلُ المَرْأَةُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا تُقْتَلُ، وَشَبَّهَهَا بِالكَافِرَةِ الأَصْلِيَّةِ، وَالجُمْهُورُ اعْتَمَدُوا العُمُومَ الوَارِدَ فِي ذَلِكَ، وَشَذَّ قَوْمٌ، فَقَالُوا: تُقْتَلُ وَإِنْ رَاجَعَتِ الإِسْلَامَ) (٣).
المُرْتدُّ إذا كان رجلًا، فلا خلَافَ بين العُلَماء في أنه يُقْتل (٤)؛ لقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، ولقَوْل النبي ﷺ : " مَنْ بدَّل دينه فاقتُلُوه " (٥)، فبيَّن حدَّ المرتد أنه القتل.
وَاخْتلَف أَهْلُ العلم في المرأة إذا ارتدَّت، فَذَهبَ الجمهور (٦) (مَالكٌ والشافعيُّ وأحمَد) إلى أنها تُقْتل كما يُقْتل الرَّجل؛ إذ لم تُفرِّق النُّصُوص بين الرَّجل والمرأة في هذا الحكم، فإن " مَنْ " في قول النبي ﷺ : " مَنْ بدل دينه فاقتلوه " (٧)، من صيغ العموم، فيدخل فيها كلُّ مبدلٍ لدينه إلا أنْ يكون مجنونًا أو صغيرًا لم يبلغ سنَّ التكليف، وممَّن قال بهذا القول من السلف
стр. 9913
أبو بكرٍ وعلي بن أبي طالب ﵄، والحسن ﵀ (١).
وَذَهَب أبو حنيفَة رحمه الله تعالى (٢) إلى أن المرأة لا تُقْتل، وإنما تُحْبس ويضيق عليها، واحتجَّ أبو حنيفة على ذلك بأن النبي وجده امرأةً في بعض المغازي مقتولةً، فأنكر قتلَ النساء والصبيان (٣).
وَأجَابَ الجمهورُ بأنَّ هذه المرأةَ لم تكن مرتدةً، وإنما كانت كافرةً أصليةً، والكافرةُ الأصليةُ لا تُقْتل إلا أن تكون من المقاتلين، ولهذا أنكر الرسول ﷺ قتلها.
وَنقل عن عليِّ بن أبي طالبٍ والحسن وقتادة أنها لا تُقْتل، وإنما تُسْتَرق؛ لأن أبا بكرٍ ﵁ لم يقتل نساء بني حنيفة في حروب الردة، وإنما استرقهنَّ (٤) وكان ذلك بمحضرٍ من الصحابة ﵃، ولم يُعْرف له مخالف.
وأجَاب الجمهور على ذلك بأن بني حنيفة لم يكونوا كلهم مسلمين، فلعلَّ الذين استرقهم أبو بكرٍ من الذين لم يسلموا أصلًا.
ولَا شكَّ أن حجة الجمهور أظهر؛ لما جاء في الحديث: أن النبي ﷺ أوتي بامرأةٍ قد ارتدت، فأمر رسول الله ﷺ أن تُسْتتاب، قال: " فإن تَابَت وإلَّا فاقتلوها " (٥).
стр. 9914
وعن معاذ بن جبلٍ ﵁ أنه دخل على أبي موسى الأشعري وكان واليًا، فوجد عنده رجلًا موثقًا (يعني: مربوطًا)، فقال: ما هذا؟ قال: قد ارتد، فقال: لا أجلس في هذا المكان حتى يقتل. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، فكرَّرها ثلاثًا، فقتله (١).
ثمَّ ساق المؤلف قولًا شاذًّا، وهو أنها تقتل وإن راجحت الإسلام، فقال ﵀: " وشذ قومٌ فقالوا: تُقْتل وإن راجعت الإسلام "، وهو قول شاذ كما قال، ولا يُلْتفت إليه، وهو يقابل القول بعَدَم قتلها، لكن لا أقلَّ من أن تُعَامل المرأة معاملة الرجل، وقد سبق أن النَّبيَّ ﷺ أمر بأن تُسْتتاب، فإن تابت وإلا قُتِلَتْ (٢).
* قَوْله: (وَأَمَّا الاسْتِتَابَةُ، فَإِنَّ مَالِكًا (٣) شَرَطَ في قَتْلِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ (٤)، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ).
وهي شَرطٌ أيضًا عند الشافعية (٥) والحنابلة (٦)، وهو المأثور عن عمر ﵁، فقَدْ أنكرَ ﵁ قتل المرتدِّ دون استتابته (٧).
لم يتعرَّض المؤلف ﵀ إلى مسألة استتابة المرتدِّ (١)، فهل يستتاب أو يقتل مباشرةً دون استتابة؟
ذهب الأئمة الأربعة - وهو الصحيح - إلى أنه يستتاب ثلاثًا، أي: يعرض عليه الإسلام ثلاثة أيامٍ، ويرغب فيه، وَيُدْعى إليه، فإن رجعَ وإلا قُتِلَ؛ لأمر النبي ﷺ بذلك، وكذا فعَلَه عُمَر بن الخطَّاب ﵁.
ووَجْهٌ آخر عند الشافعيِّ (٢) أنه لا يُسْتتاب؛ لعموم الحديث: " مَنْ بدَّل دينَه فاقتُلُوه " (٣)، وليس ثَمَّ مخصصٌ.
* قوله: (وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذَا البَابِ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْتَلُ كُفْرًا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْتَلُ. وَالأَصْلُ أَلَّا يُقْتَلَ إِلَّا مَعَ الكُفْرِ).
مَسْألة السِّحر وحُكْم السَّاحر هذه من المباحث التي لها تعلقٌ بالعقيدة، ولذا تُبْحث أيضًا في كتب التوحيد، لخطورتها وانتشارها في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
والسحرُ معروفٌ، ولا خلاف بين العلماء على ذمه، ولكنهم اختلفوا فيما يتعلَّق بالعقوبة عليه.
فَذَهَب مَالكٌ (٤)، وأحمَدُ (٥) إلى أن الساحرَ كافرٌ.
وقال الشافعي (٦): إذا كان قَدْ فعَل ما يوجب الكفرَ، أو استحلَّ السحرَ، فإنه يكون كافرًا.
стр. 9917
وذهب الحنفية (١) إلى التفصيل، فإن كان سحره عن طريق الشياطين، فإنه يكون بذلك كافرًا، وأما إذا كان مجرد تخييلٍ، فإنه لا يكفر بذلك.
هَذَا ما يتعلَّق بحكم الساحر، ولم يتعرَّض المؤلف إلى القضية الأهم وهي: هل السحر حقيقة أو خيال؟
أقول: السحر عبارة عن رُقًى وتمائم تؤثر في بدن المسحور أو عقله أو قلبه، وجُمْهورُ العلماء على أن للسحر حقيقةً، ومن الأدلة على ذلك:
أَوَّلًا: قَوْل الله تَعَالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. فقوله ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾، أي: السواحر، والاستعاذة من شرِّهن دليلٌ على وجود السحر.
ثانيًا: بيَّن النبي ﷺ أن حدَّ الساحر ضربه بالسيف (٢)، إذًا، للسحر حقيقة.
ثالثًا: ما رَوَاه البخاريُّ من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سُحِرَ، سَحَره لبيد بن الأعصم حتى إنه كان يُخيَّل إليه أنه فعل الشيء وما فَعَله، حتى نزل عليه الوحي، فأَخْبَره بمَنْ سحرة، وأين موضع السحر، ولذلك زال عنه (٣)، فإذا كان حَصَلَ هذا مع رسول الله ﷺ ، فكيف لا يحصل مع غيره، إذًا فللسِّحر حقيقة.
стр. 9918
وأُثِرَ عن الشافعية أنهم قالوا: إن السحر خيال (١)، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، والصحيح قول الجمهور.
حكم تعلُّم السحر:
ذَهَب جمهورُ العلماء (مالكٌ (٢) وأحمد (٣) وغيرهما (٤) إلى أن تعلُّمَ السحر وتعليمة كفرٌ، إذ لا يترتب عليه إلا الشر؛ كالتفريق بين الزوجين، وربما أدَّى إلى مرض المسحور أو قتله.
قال المصنف ﵀:
стр. 9919
(كِتَابُ الأقضِيَةِ)
الأقضيَةُ جمع قَضَاءٍ، والمراد به: الحُكْم بين الناس، والأصل في هذا الكتاب وفي مشروعيته: الكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أمَّا الكتَاب: فَمنه قَوْلُ الله تَعَالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقَوْله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، إلى غَيْر ذَلكَ من الآيات.
وَمن السُّنَّة: قول النبي ﷺ : " إذا اجتهَدَ الحَاكمُ فأصَاب، فلَه أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ، فله أجرٌ واحدٌ " (١)، فوَضع النبيُّ ﷺ المنهجَ للقضاة، وهذا يُبيِّن مكانة القضاء وأهميته في الإسلام.
стр. 9920
وَأَجْمَعت الأُمَّة (١) على مشروعيَّة القضاء، وأنه فرضُ كفايةٍ، فهو أمرٌ متعينٌ؛ لأنَّ الناسَ في حاجةٍ إليه في رفع الخلافات، وَحلِّ المشكلَات، وإزَالة الخُصُومات، وأدَاء الحُقُوق إلى أصحَابها، وانتزاع الحق من غَاصبه، إلى غير ذلك من الأحكام.
ولذا، قال النبي ﷺ : " القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة … "، ثم بيَّن أن القاضي الذي في الجنة هو رجل عَلِمَ الحق، فقضى به بين الناس " (٢)، فإذا ما علم الحق، وقضَى به، فَهَذا هو غايَة العدل، قال النبيُّ ﷺ : " المُقْسطُون على منابرَ من نورٍ يوم القيامة " (٣).
* قوله: (وَأُصُولُ هَذَا الكِتَابِ تَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، أَحَدُهَا: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ. وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ. وَالثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي فِيهِ. وَالرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَقْضِي عَلَيْهِ أَوْ لَهُ. وَالخَامِسُ: فِي كَيْفِيَّةِ القَضَاءِ. وَالسَّادِسُ: فِي وَقْتِ القَضَاءِ).
هَذِهِ مُقدِّمةٌ بين يدي هذا الكتاب يوجز فيها المؤلف مسائله، ثم يعود إلى التفصيل بعد الإجمال كَمَا هي عَادتُهُ ﵀.
قال المصنف ﵀:
стр. 9921
(البَابُ الأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ
النَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ فِيمَنْ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ، وَفِيمَا يَكُونُ بِهِ أَفْضَلُ).
شَرَع المؤلِّف في ذكر الشُّرُوط التي يَنْبغي أن تتوفَّر في القاضي، إذ ليس كل إنسانٍ يصلح أن يكون قاضيًا بين الناس، وفرق بين الفتوى والقضاء، فالمفتي يفتي بما يتبين به الحق، أما القاضي فيبين الحكم، ويلزم به.
* قَوْله: (فَأَمَّا الصِّفَاتُ المُشْتَرَطَةُ فِي الجَوَازِ، فَأَنْ يَكُونَ حُرًّا مُسْلِمًا، بَالِغًا، ذَكَرًا، عَاقِلًا، عَدْلًا، وَقَدْ قِيلَ فِي المَذْهَبِ: إِنَّ الفِسْقَ يُوجِبُ العَزْلَ، وَيُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ).
الشَّرط الأوَّل: الحرِّيَّة؛ لأن غيرَ الحر لم يَسْتكمل وسائل القضاء، إذ لا يَسْتطيع أن يتصرَّف في نفسه، فكيف يحكم بين الناس، هذا من جِهَةٍ، ومن جِهَةٍ أُخرى فإن شهادتَه مختلفٌ فيها، فكيف يقبل حكم مَن اختلف في شهادته؟!
الشرط الثاني: الإسلام، فالكافر لا يُقْبل حكمه.
الشرط الثالث: البلوغ.
الشرط الرابع: العقل، فالمجنون - وكَذَلك الصغير - لا يُقْبل حكمهما؛ لأنه مرفوعٌ عنهما القلم، لقَوْل رسول الله ﷺ : " رُفِعَ القَلمُ عن ثلاثٍ: عن النائم حتى يستيقظَ، وعن المجنون حتى يُفِيقَ، وعن الصغير حتى يبلغ " (١).
стр. 9922
الشرط الخامس: الذكورة، وكذلك المرأة لم تستكمل وسائل القضاء، ومعلوم أن من أسباب التخفيف النقص.
الشرط السادس: العدَالة؛ لأن الفاسقَ لا تُقْبل شهادته، فكيف يقبل حكمه.
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): يجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِثْلُهُ حَكَى عَبْدُ الوَهَّابِ (٢) عَنِ المَذْهَبِ).
اختَلَف الفُقَهاء في اشتراط كَوْن القاضي من أهل الاجتهاد، فذَهَب أبو حنيفة (٣) إلى جَوَاز قضَاء العامي، أي: المُقلِّد؛ لأنَّ المقصودَ هنا رفع الخُصومات، فإذا قلد غيره في مسألةٍ، وحكم فيها، فإنه يحصل بذلك فضُّ النزاع، ورفع الخصومة، فيكون بذلك حكمه صحيحًا كالحال بالنسبة للقاضي المجتهد، ولأنَّ القاضي المجتهد نفسه يختار له أعوانًا فيما يتعلق بالتقويم (أي: تقويم الأراضي والعقارات ونحوها)، ومَعْرفة المساحات ونحوها ممَّا قد يكون القاضي على غير عِلْمٍ بها أصلًا.
وذهب الجمهور (مالك (٤)، والشافعي (٥)، وأحمد (٦) إلى أنه يجب أن
стр. 9923
يكون من أهل الاجتهاد، وَاستدلُّوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وبقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، إشارة إلى الاجتهَاد دي المَسَائل.
وَاستدلُّوا أيضًا بقول النبي ﷺ : " ورجل علم الحق، فقضى به، فهو في الجنة " (١)، وبقوله: " إذا اجتهَد الحَاكمُ فأصاب " (٢)، وذلك بأن يكون أهلًا للاجتهاد.
وهَذَا الشرط لو طبق، لصعب الأمر في هذا الزمان، وخاصة إذا قلنا: إن الاجتهاد المراد هنا هو الاجتهاد المطلق، والمجتهد المطلق هو مَنْ يأخذ الحكم من دليله، فيستنبط الأحكام من الكتاب والسُّنَّة، وهذا الوصف ينطبق على الأئمة الأربعة الذين ندرس فقههم، فهؤلاء قد وهبهم الله تعالى علمًا وذكاءً وفقهًا وإخلاصًا لدين الله، فوصلوا إلى تلك الدرجة، وأسس كل واحد منهم أصولًا، وخرَّج على تلك الأصول، وهناك من تَلَاميذهم وتلاميذ تلاميذهم مَنْ وصَل إلى درجة الاجتهاد في أصول إمامه، ويُسمَّى مجتهدًا منتسبًا؛ لأنه يعتمد على أصول إمامه، وهناك مجتهد في مسائلَ معينة، أي: مجتهد في المذهب، وبإمكانه أن يستخرج الأحكام من الأدلة، لكن الأصول التي يعتمد عليها في التخريج، وفي تعليل الأحكام، هي أصول إمامه .. فهذه أنواع المجتهدين، فهل يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا؟!
ويُشْترط في المجتهد ستة أمور:
١ - أن يكون عالمًا بالكتاب.
٢ - أن يكون عالمًا بالسنة.
стр. 9924
٣ - أن يكون على علمٍ بالإجماع.
٤ - أن يكون على علمٍ بالقياس.
٥ - أن يكون على علمٍ بالخلاف.
٦ - أن يكون على علمٍ بلسان العرب (١).
وهناك شروط خاصة في كل واحد من هذه الأمور الستة، فمثلًا بالنسبة للكتاب يُشْترط أن يكون عالمًا بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، فهذه أمورٌ عشرةٌ لا بد من معرفتها.
وكذلك في السُّنَّة يُشْترط أن يكون عالمًا بالصحيح من الضعيف، وكذا بالمتواتر والمشهور والآحاد إلى غير ذلك.
إذًا، جمهور العلماء على أنه لا بد أن يكون مجتهدًا، لكن لا يشترط أن يكون مجتهدًا مطلقًا، فقد أحجم عن الاجتهاد المطلق أكابر العلماء، ومنذ زمن طويل حتى قال بعضهم: إن الاجتهاد المطلق انتهى بابن جرير الطبري المتوفَّى سنة عشر وثلاثمائة (٢).
والحقُّ أنَّ باب الاجتهاد لم يغلق، والذي دفع بعض العلماء إلى القول بهذا كَيْ لا يتجرَّأ على الشريعة مَنْ ليس من أهلها وإلا فإن بابَ الاجتهاد مفتوح؛ لأن الحوادث تتجدد، ولذا اجتهد الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ في حوادث جدَّت لم تكن موجودةً في زمن النبي ﷺ ، فكانوا
стр. 9925
يتداعون إلى كتاب الله، فإن لم يجدوا رجعوا إلى سنه رسول الله ﷺ ، ثم يسأل بعضهم بعضًا، ثم يجتهدون.
وعن مُعَاذ بن جبلٍ ﵁، أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال له: " بمَ تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: " فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسوله. قال: " فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره وقال: " الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله " (١).
إذًا، ليس المراد بالاجتهاد هنا هو الاجتهاد المطلق، ولكن المراد أن يكون عالمًا بالمسائل وآراء العلماء فيها، وسبب اختلافهم وأدلة المختلفين، ثمَّ يأخذ بما يرى أنه الحق.
وَالقَضاءُ في هذا الزمان قد تيسَّر بحمد الله، فهناك القاضي، وهناك مجلس القضاء الأعلى، ولكننا نتكلَّم عن القضاء بصورةٍ عامةٍ بشيءٍ من التوسُّع، ففي نظري أن المؤلف لم يوفِّ هذا البحث حقَّه.
* قوله: (وَمِثْلُهُ حَكَى عَبْدُ الوَهَّابِ عَنِ المَذْهَبِ) (٢)، يعني: عن مذهب مالك ﵀.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): " يَجُوزُ حُكْمُ العَامِّيِّ ". قَالَ القَاضِي: " وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ جَدِّي - رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ - فِي المُقَدِّمَاتِ عَنِ المَذْهَبِ " (٤)، لِأَنَّهُ جَعَلَ كَوْنَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ المُسْتَحَبَّةِ).
قوله: (وهو ظاهر ما حكاه جدي)، وجدُّه صاحب المقدمة أشهر متن في كتب المالكية، وله كتب عدة، منها: " البيان والتحصيل "، فجدُّه
стр. 9926
من العلماء المجتهدين في مذهب مالك ممن يرجع إلى قولهم، ويعتد بآرائهم، وقد ذكر المؤلف جدَّه في هذا الكتاب أربع مرات تقريبًا.
* قوله: (وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الذُّكورَةِ، فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الحُكْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ قَاضِيًا فِي الأَمْوَالِ ". قَالَ الطَّبَرِيُّ (٣): " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ حَاكِمًا عَلَى الإِطْلَاقِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ". قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ (٤): " وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ الحُرِّيَّةِ، فَمَنْ رَدَّ قَضَاءَ المَرْأَةِ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الإِمَامَةِ الكُبْرَى "، وَقَاسَهَا أَيْضًا عَلَى العَبْدِ، لِنُقْصَانِ حُرْمَتِهَا، وَمَنْ أَجَازَ حُكْمَهَا فِي الأمْوَالِ، فَتَشْبِيهًا بِجَوَازِ شَهَادَتِهَا فِي الأَمْوَالِ).
هَلْ يجوز أن تكون المرأة قاضيةً؟
لا خِلَافَ بين العلماء في أن تكون المرأة مفتيةً أو معلمةً؛ لأن العلم ليس محصورًا في الرجال، وكَمْ من العلماء الذين تلقَّوا علمهم على بعض النساء الصالحات، وكانت عائشة ﵂ من حُفَّاظ أحاديث النبي ﷺ ، ومن فقهاء الصحابة، وكان الصحابة ﵃ يرجعون إليها في معرفة كثيرٍ من
стр. 9927
الأحكام، وكَذَلك كانت حفصة ﵂ وغيرها من النساء كُنَّ فقيهات عالمات.
لكن اختلف العلماء في تولِّي المرأة القضاء، فذهب الجمهور (١) (مالك والشافعي وأحمد) إلى القول بعدم الجواز، لما ثبت في " صحيح البخاري " وغيره أن رسول الله ﷺ قال: " ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة " (٢)، والقضاء نوع من الولاية، وِإنْ كان أهل العلم اختلفوا في ولايتها القضاء إلا أنهم مجموعون (٣) على عدم جواز تَولِّيها الإمامة العظمى للمسلمين .. هذا أولًا.
ثانيًا: أن المرأة - كما هو معلومٌ - معروفةٌ بالضعف والقصور والنقص، ولذلك قال النبي ﷺ : " النساء ناقصات عقل " (٤)، كما أن شهادتهن لا تقبل وحدهن مهما بلغن؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم بين سبب ذلك بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٥).
стр. 9928
ثمَّ إن القضاء له مجالس ومحافل يحتاج إلى أن يكون فيه الرجال، ويحتاج إلى قوةٍ وشكيمةٍ، وإلى عزيمةٍ في بعض المواقف، كنَهْر خصمٍ، ونحو ذلك.
ثالثًا: القياس على عَدَم جواز تَولِّيها الإمامة الكبرى.
رابعًا: القيَاس على العبد لنقصان حرمتها.
وأجَازَ أبو حنيفة (١) أن تقضي المرأة فيما عدا القصاص والحدود، قال المؤلف: (وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيًا في الأموال) تشبيهًا بجواز شهادتها في الأموال، وكان المناسب أن يقوله: (إلا في القصاص والحدود)؛ لأنَّ أمرَ القصاص خطيرٌ، إذ فيه سفك دماء، وإزهاق أرواحٍ، وكذلك الحدود فيها ذهاب أطراف، أو جَلْد، ونحو ذلك، وقد وَضَع الله في الرجال ما ليس في النساء، ولا عبرةَ بالنادر، فقَدْ توجَد من النساء مَنْ يهبها الله تعالى عقلًا راجحًا، وذكاءً نادرًا وفطنةً، ولكن هذا قليل إذا ما قيس بالرجال، فالرجل غالبًا أرجح فكرًا، وأبعد نظرًا في النتائج والعواقب، ولذلك وضع الطلاق في يد الرجل لا في يد المرأة؛ لحكمتِهِ واتزانِهِ.
وَذَهَب ابن جريرٍ الطبري (٢) إلى القول بجواز أن تتولى المرأة كل شيء.
стр. 9929
ومأخذ مَنْ ذهب إلى جواز توليها القضاء أنه لا فرقَ بين القضاء والفتوى، فإذا جاز لها أن تفتي، جاز لها أن تقضي.
تنبيه: لا يُفْهم من هذا التقرير قلة أهمية المرأة، وأنه لا مكانة لها في المجتمع، ولكن الله خلق الخَلْقَ، وقسمهم، وجعل لكلٍّ منهما ما يختص وينفرد به، فتنفرد المرأة بتربية الأطفال، وبالقيام على شؤونهم، وبإخراج الأجيال، وهي أيضًا جوهرة ثمينة مكنونة مصونة محافظ عليها في البيت، ويكفي أنهن أمهات المسلمين وأخواتهن وبناتهن، إذًا، هي جزءٌ من المجتمع، ولكن الله تعالى الذي خلق هذا الكون، وقَسَّم الناس فيه؛ فهذا شقيٌّ، وهذا سعيدٌ، وذاك رجلٌ وتلك امرأةٌ، وهذا عاقلٌ وذاك مجنونٌ، وهكذا فترى أن الناس يختلفون في هذه الحياة الدنيا، وقَدْ تنعكس الأمور، فيصبح الشقي سعيدًا، ويصبح التقي شقيًّا، وهكذا، فالله خلق الناس وهداهم إلى طريق الخير، ودعاهم إليه، ورَغَّبهم فيه، وحذَّرهم المغريات التي تدفعهم إلى أن يسلكوا طريق الشر، وبيَّن خطره، وأنه طريق يأخذ بأصحابه إلى نار جهنم، فخوف من ذلك، فلم يبقَ أمام العاقل إلا أن يختار، إما طريق الجنة، وإما طريق النار، ففريق في الجنة، وفريق في السعير.
* قَوْله: (وَمَنْ رَأَى حُكْمَهَا نَافِذًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ: إِنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ، فَحُكْمُهُ جَائِزٌ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ مِنَ الإِمَامَةِ الكُبْرَى).
فَالإمَامةُ الكبرى قَدْ دل الإجماع (١) على أن المرأة لا تتولاها، والإجماع من الأدلة المسلمة، فأول الأدلة: الكتاب (أي: القرآن الكريم)، ثم السُّنَّة، ثم يأتي الإجماع، ثم القياس بأنواعه (قياس العلة (٢)
стр. 9930
والشبه (١)، وغير ذلك)، ثم يأتي بعد ذلك أصولٌ مختلفٌ فيها كقول الصحابي (٢)، والاستحسان (٣)، والمصالح المرسلة (٤)، إلى غير ذلك من الأدلة المختلف فيها بين العلماء.
* قوله: (وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الحُرِّيَّةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ) (٥).
стр. 9931
لَا خلَاف في اشتراط الحرية - كما قال المؤلف - لأن العبدَ ناقصٌ، ولا يمكن أن يتولى القضاء، وكذلك شهادته غير مقبولة، ولذلك لا يمكن توليته القضاء؛ لأن أمرَه ليس بيده، إذن ينبغي أن يكون القاضي حرًّا، لكن هذا المملوك إذا أعتق، وَتَوفَّرت فيه شروط القضاء، جَازَتْ توليتُهُ.
* قَوْله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ (١) أَنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالكَلَامَ مُشْتَرَطَةٌ فِي اسْتِمْرَارِ وِلَايَتِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا فِي جَوَازِ وِلَايَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ القَاضِي فِي المَذْهَبِ مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وُلِّيَ عُزِلَ وَفُسِخَ جَمِيعُ مَا حَكَمَ بِهِ).
ذَهَب مالكٌ (٢)، وكذلك أحمد (٣) إلى أنه لا بدَّ أن يكون متكلمًا، ذا سمعٍ وبصرٍ؛ لأنه إذا لم يكن متكلمًا، فكيف يعرف حكمه؟ وإن لم يكن سميعًا فكيف يسمع الخصمين؟ وإذا كان أعمى فكيف يعرف أن هذا مدعٍ وذاك مدعًى عليه.
وجوَّز الشافعيةُ (٤) صحةَ قضاء الأعمى، واستدلوا بأن نبيَّ الله شعيب ﵇ كان قاضيًا أعمى، ونحن عندما ننظر في الواقع نجد أن الله سبحانه إذا سلب إنسانًا نعمةً، عَوَّضه، فكَمْ من أعمى وَهَبه الله تَعَالَى علمًا واسعًا، وذكاءً نادرًا، وفطنة ودهاءً، وبُعْدَ نظرٍ حتى فاق بعض المبصرين.
стр. 9932
وأما ما ذكروه من أن الأعمى لا يميز بين المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه، فإن القَاضي عنده الكاتب، والملازم يخبره بأن هذا المدعي، وهذا المدعى عليه، بل إن بعض القضاة المكفوفين لمَا عندهم من شدة الذكاء والفطنة، يدرك ذلك من نطق المتكلم، فيعرفه بصوته، بل من المكفوفين مَنْ إذا سلم على إنسانٍ ولقيه بعد سنواتٍ، وأمسك يده دون أن يتكلم، يعرف أن هذا فلان، وقد شاهدنا من المكفوفين مَنْ يستطيع أن يسير في الطرق الدقيقة المعوجة فيعرفها أكثر مما يعرفها المبصر.
فالذي يظهر لي أن ما ذَهَب إليه الشافعية ﵏ يتفق مع الواقع، وإنْ كَانَ أكثر العلماء قالوا بخلافه، فإذا ما كان هذا الأعمى ذا بَصِيرَةٍ مدركًا واعيًا عالمًا فقيهًا، فليس ثَمَّ مانعٌ من توليه القضاء.
وقَدْ سبق ما يتعلق باختلاف العلماء في إمامة الأعمى، وأن هناك مَنْ لا يرى إمامته، وأكثر العلماء يرون صحة إمامته، ولكنهم مختلفون أيهما أفضل: الأعمى أم المبصر؟ فذهب بَعْضهم إلى أن المبصر أفضل؛ لأنه يتوقى النجاسات (١)، وذَهَب بعضهم إلى أنَّ الأعمى أفضل؛ لأنه لا يحرك طرفه إلى ما لا يجوز، فهو أكثر ورعًا، وأبعَدُ عن النظر إلى المُحرَّمات (٢).
стр. 9933
قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ القَاضِي فِي المَذْهَبِ مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الجَوَازِ … إلخ)، وَذَلك كفسق القاضي، لا شكَّ أن الفسقَ وصفٌ مؤثرٌ، فلَا يَنْبغي أن يكون القاضي فاسقًا؛ لأن الفاسقَ تردُّ شهادته، فكيفَ يكون القَاضي مردودَ الشهادة فاسقًا.
* قَوْله: (وَمِنْهَا. مَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاسْتِمْرَارِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الجَوَازِ، فَهَذَا إِذَا وَلِيَ القَضَاءَ عُزِلَ، وَنَفَذَ مَا حَكَمَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا، وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الثَّلاثُ صِفَاتٍ).
يَعْني: إذا جاء قاضٍ آخر بعد هذا القاضي، هل له أن ينقض حكمه؟
الجواب: ليسَ له أن ينقضَ حكمه إلا إذا قَضَى بأمرٍ يُخَالف كتاب الله ، أو سنة رسوله ﷺ ، أو الإجماع، حِينَئذٍ ينقض حكمه، أما في مسألة مختلف فيها فلا.
قوله: (وَمِنْ هَذَا الجِنْسِ عِنْدَهُمْ هَذِهِ الثَّلَاثُ صِفَاتٍ): المؤلف هنا لم يذكر الخلاف، وسبق أن الشافعيَّة خالفوا فيما يتعلق بإمامة الأعمى.
وَأَقُولُ: في هذا الزمان ممَّن تولى القضَاء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، فهل يُقدم عليه غيره، لا أعتقد أن أحدًا يُفَضلُ عليه غيرَه في القضاء، وكذلك أمثاله كثيرٌ، فالقَاضي إذا كان على عِلْمٍ،
стр. 9934
وأهلًا لتولي القضاء، فهو ذاك، فلم يكن العَمى في وَقْتٍ من الأوقات حائلًا دون أن يتولَّى الإنسان القضاء.
* قَوْله: (وَمِنْ شَرْطِ القَضَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ (١) أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا. وَالشَّافِعِيُّ (٢) يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ فِي المِصْرِ قَاضِيَان اثْنَان إِذَا رُسِمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَحْكُمُ فِيهِ، وَإِنْ شُرِطَ اتِّفَاقُهُمَا فِي كُلِّ حُكْمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ شُرِطَ الِاسْتِقْلَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجْهَان: الجَوَازُ وَالمَنْعُ).
يشير المؤلف إلى مسألة تَعدُّد القضاة، فهل يجوز أن يتعدد القضاة في بلدٍ واحدٍ، وليس من هذا الباب أن يتخذ الإمام قضاةً في أمصار متعددة، فيُرْسل إلى كل بلدٍ قاضيًا، وهذا حصل في زمن رسول الله ﷺ ، وفي زمن الخلفاء الراشدين.
أما تعدُّد القضاة في المصر الواحد، فَمنَعه مالكٌ.
وأجَاز الشافعي (٣)، وأحمد (٤) أن يكون فى المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكلِّ واحدٍ منهما ما يحكم فيه.
стр. 9935
وعند الحنابلة (١) يجوز أن يكونَ في المصر أكثر من قاضيين عند الحاجة.
ولا شك أننا في هذا الزمان نحتاج إلى عددٍ من القضاة في المحكمة الواحدة؛ لكثرة الناس، وتعدد المشكلات والخصومات والمنازعات، ولذلك نجد الآن القضاة ومجلس القضاء الأعلى، والقصد من ذلك التثبت في إصدار الأحكام حتى لا يكون خلل أو تقصير؛ لأن الإنسان بطبيعته يحصل منه الخلل والتقصير.
مسألة: كيف يتم اختيار القاضي؟
وهَذِهِ من المسَائل التي لم يذكرها المؤلف، واختيار القاضي يرجع إلى الإمام إن كان على معرفةٍ بالعلماء، وبمَنْ يصلح للقضاء، أما إذا لم يكن على معرفةٍ بذلك، فيَسْتشير العلماء الموثوق بهم.
وفرق بين إنسان يطلب القضاء، وبين إنسان يُلزم به، قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: " لا تطلب الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة أوكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها " (٢)، وكذلك جاء نحوه عن أبي ذر، وفي الحديث: " ما ذئبان جائعان ضاريان أرسلا في غنمٍ أفسد لها من حب المرء للمال والشرف لدينه " (٣)، وضاريان، أي: في حال جوعٍ شديدٍ، فكيف إذا أُرْسلَا في غنم؟، فهذا مَثلٌ يُبيِّن النبي ﷺ به خطورة حب المرء للمال والشرف لدينه؛ أما المال فإن التعلُّق به ربما شغل الإنسان عن الاشتغال بالطاعة، لكن إذا أخلص الإنسان في جمع المال، وأراد أن يُنْفقه في سبيل الله، وفي طاعته والتقرب إليه، فإنَّ الله تعالى يثيبه على ذلك.
стр. 9936
وأما الشرف، فإن التعلُّق به أخطر من التعلُّق بالمال، والشرف هو المنصب والولاية أيًّا كانت، ولذَا ترى من الناس مَنْ يسعى إليه ولو ببذل الأموال، والذي يطلب المنصب عادةً يتطلع إلى العلو والرفعة، وربما يجرُّه ذلك إلى العجب والكبر والخيلاء، فَيقَع في مُنَازعة الله ، أما الذي يذل لله تعالى، ويَبْتعد عن هذه الأمور، فلو ابتلي فإن الله تعالى يوفقه بخلاف الذي يتهافت إلى هذه الأمور، ويتسابق إليها، لذَا رَأيْنَا أكابرَ أهل العلم يُعْرضون عن الدنيا ومناصبها؛ لأنهم يعلمون أنها حبائل الشيطان، كما فعل الإمام أحمد ﵀ بعد أن امتحن في محنة خَلْق القرآن، فَصَبر، فكان خيرًا له، فلما أظهر الله الحق، وعرض عليه الخليفة ما يريد من الدنيا، أبَى ﵀.
* قوله: (قَالَ: وَإِذَا تَنَازَعَ الخَصْمَانِ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا، وَجَبَ أَنْ يَقْتَرِعَا عِنْدَهُ).
هذا مذهب الجمهور (١)، أنهما إذا رضيا بشخصٍ حَكَمًا، فإن حكمه فيهم يكون نافذًا.
وَهَذِهِ مسألةٌ مهمةٌ لها علاقة بحديث أبي شريح عندما قال له رسول الله ﷺ : " إنَّ الله هو الحكم، فلمَ تكنى بالحكم "، قال: كان قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوا إليَّ، فقضيت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال له رسول الله ﷺ : " مَا أحسنَ هذا! فما لك من الولد؟ ". قال: شريح ومسلم وعبد الله. قال: " فمَنْ أكبرهم؟ ". قال: شريح. قال: " فأنت أبو شريح " (٢).
وهذا من لطف رسول الله ﷺ في تعامله مع الناس، فانظر كيف بدأه بقوله: " إنَّ اللهَ هو الحَكَم، فلم تكنى بالحكم "، فما نَهَره، ولا مَنَعه، ولم يقل له: كيفَ تُشَارك الله تعالى في اسمٍ من أسمائه، أو في وَصْفٍ من
стр. 9937
أوصافه، بل سأله عن السبب، ثم أرشدَه، فنفذ إلى قلبه بأسلوبٍ حكيمٍ، ثم وَجَّهه التوجيه السليم، فاستطاع أن يُخْرجه مما لا يجوز إلى ما يجوز، وكان راضي النفس مطمئنًّا.
إذًا، إذا رضي اثنان أن يحكم بينهما شخصٌ، فجمهور العلماء (١) على الأخذ بحكمه؛ لهذا الحديث، فإن فيه إقرارَ النبي ﷺ لهذا الفعل.
* قوله: (وَأَمَّا فَضَائِلُ القَضَاءِ فَكَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّاسُ فِي كُتُبِهِمْ).
لا شكَّ بأنَّ القضاءَ له فضائلُ متعددةٌ، ومنها:
أَوَّلًا: أن سلف القضاة هو النبي ﷺ سيد القضاة وإمامهم، وكان رسول الله ﷺ يقضي بين الناس في الدماء والخصومات، وفي سائر الحقوق والأموال، وكذا الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، كانوا يحكمون في أتباعهم.
ثانيًا: اهتمام النبي ﷺ بالقضاء، وإرساله القضاة إلى الأمصار، فقد أرسل عليًّا قاضيًا إلى اليمن (٢)، وكذا معاذًا ﵁، وقضى بين يديه بعض أصحابه كالخلفاء الراشدين.
ثالثًا: أن العبدَ يُثَاب على إصلاحه بين الناس، وعلى رَدِّ المظالم إلى أهلها إذا نوى بذلك التقرُّب إلى الله، وهذا عين عمل القاضي.
رَابعًا: ما أعَدَّه الله للقاضي إذا عدَل، قال النبي ﷺ : " القُضَاة ثلاثةٌ: قاضٍ في الجنة " وهو " من علم الحق فقضى به " (٣)، وقال ﷺ :
стр. 9938
"المُقْسطون على منابرَ من نورٍ يوم القيامة، الذين يعدلون بين الناس" (١).
* قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الأُمِّيِّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا؟ وَالأَبْيَنُ جَوَازُهُ؛ لِكَوْنهِ ﵊ أمِّيًّا، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ (٢) القَوْلَانِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ لِمَوْضِعِ العَجْزِ).
ذهب الجمهور (أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، وأحمد (٥)، والشافعي (٦)) في قولٍ إلى جواز أن يكون القاضي أميًّا، واستدلوا على ذلك بكون النَّبِيّ ﷺ أميًّا.
وعن الشافعي (٧) في قولٍ أنه لا يجوز، والأول أظهر؛ لقول اللّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]
стр. 9939
مسألة: حكم تولي العامي (الجاهل) القضاء:
من أهل العلم (١) مَنْ يرى أنه يجوز أنه يحكم بالتقليد، والجمهور على خلافه.
* قَوله: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حُكْمِ الإِمَامِ الأَعْظَمِ (٢)، وَتَوْلِيَتُهُ لِلْقَاضِي شَرْطٌ فِي صِحَّةِ قَضَائِهِ، لَا خِلَافَ أَعْرِفُ فِيهِ) (٣).
الأمر كما ذكر المؤلف من أن الذي يولي القضاة إنما هو الإمام.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي نُفُوذِ حُكْمِ مَنْ رَضِيَهُ المُتَدَاعِيَانِ مِمَّنْ لَيْسَ بِوَالٍ عَلَى الأَحْكَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤): "يَجُوزُ". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥)
стр. 9940
فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: "لَا يَجُوزُ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة (١): "يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي البَلَدِ").
قَدْ مرَّ بنا حديث شريح بن هانئ أنه لمَّا وفد إلى رسول اللّه ﷺ مع قومه، سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول اللّه ﷺ فقال: "إن اللّه هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم؟ "، فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيءٍ أتوني، فَحَكمتُ بينهم، فَرَضي كلا الفريقين، فَقَالَ رَسُولُ اللّه ﷺ : "مَا أحْسَنَ هذَا" فما لَكَ من الوَلد؟ "، قال: لي شريح ومسلم وعبد اللّه. قال: "فمَنْ أكْبَرهم؟ "، قلت: شريح. قال: "فأنتَ أبو شُرَيح" (٢)، فهذا دليل على أنه إذا رَضي اثنَان أن يحكم بينهما شخصٌ، فإنَّ حكمه يكون ملزمًا، وبه قال مالكٌ (٣)، وأحمد (٤) رحمهما اللّه، وهناك مَنْ يقول: لا يكون ملزمًا، وبه قال الشافعي (٥) ﵀.
стр. 9941
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي البَلَدِ). الأصل (أي: في عدم الجواز) أن يخالف حكمُهُ حكمَ اللّه تعالى، لكن إذا حكم بين الناس بجهلٍ، فليس ذلك مراده كما يحصل عند أهل البادية من العوام، يختارون رجلًا يحكم بينهم في بعض الأمور التي تنتهي بالصلح، لكن فيما يتعلق بالأمر الشرعي، فإنه لا يحكم فيه إِلَّا مَنْ كان من أهل العلم.
قال المصنف ﵀:
(البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ
وَأَمَّا فِيمَا يُحْكَمُ فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ).
يعني في أي شيء يحكم؟ ما موصولة، وهي لغير العاقل، ومن للعاقل، (فيمَ يحكم؟)، أي: ما هي الأمور التي يحكم فيها؟ هل هناك أمور محددة يقف القاضي عند الحكم فيها؛ أو أنه يحكم في كل أمر؟ فهناك ما يتعلق بأمور المسجونين، وهناك ما يتعلق أيضًا بأمور الأوصية، وهناك ما يتعلق بمن وضع الأوصية عليهم؛ كالمجانين والأطفال الأيتام، إلى غير ذلك. قد يحصل أيضًا خلل في بعض الوصايا، فإذا جاء قاضٍ آخر هل له أن يغير في حكم القاضي الأول؟ الجواب: إن كان حكم القاضي نافذًا فلا ينبغي تغييره، أما إن تغيرت حالة الوصي من أن يكون عدلًا إلى أن يكون فاسقًا، فإن للقاضي الأخير أن يغيره؛ لأنه في مصلحة الموصى عليه.
стр. 9942
* قوله: (فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحُقُوقِ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ أَوْ حَقًّا لِلآدَمِيِّينَ) (١).
هذا تكرر قبل. هناك من الحقوق ما هو حق لله، ويقصد به ما يختص به كما عرفنا في حقوق اللّه على العباد "ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على الله؟ " قال: "حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (٢). فيأتي في مقدمة ذلك العبادة، والعبادة تحتاج إلى إخلاص، أي: إخلاص النية للّه تعالى، فلا يشركه غيره معه، والأدلة في ذلك كثيرة في كتاب اللّه ، وفي سنة رسوله، وليس هذا محل بحثها، وإن كنا نعرض لها أحيانًا في المناسبات.
* قوله: (وَأَنَّهُ نَائِب عَنِ الإِمَامِ الأَعْظَمِ فِي هَذَا المَعْنَى) (٣).
كذلك هو ينوب عن الإمام .. من الذي يولي القضاة؟
стр. 9943
فالذي يولي القضاة وينصبهم هو الإمام الأكبر، يعني والي المسلمين، خليفة المسلمين، وعندما يعين القضاة يختار من يُعرف بعلمه وفضله ونزاهته، وأن يكون ذا مروءة، إذًا الإمام هو مَن يختار القضاة، إذا لم يكن على بينة من أولئك، فإنه يسأل ويستشير، ويتعرف، حتى يصل إلى ما هو أصلح لذلك؛ لأن أمر القضاء ليس بسهل ولا يسير؛ ففيه حكم بين الناس، وحكم القاضي ملزم.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأَنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ).
لكن عندما ننظر الآن نجد أن بعض الأحكام التي كانت تندرج تحت ولاية القضاء ربَّما وُزعت، فهنالك الحسبة أصبح الان لها جهة معينة، وعقود الأنكحة أيضًا قد يخصص لها أناس، وإن كانت في الواقع مرتبطة بعضها ببعض، ولكن نجد أن أكثر أعمال المحاكم هو فيما يتعلق بالخصومات ورفعها، وربما في أمور الطلاق وغير ذلك، إذًا هناك كثير من الأحكام أصبحت الآن موزعة، كما نرى الآن ما يتعلق بالأمور المختصة بالبلديات، والأمور المتعلقة بالشرطة، وما يتعلق كذلك بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك ما هو متعلق بالقضاء، ولكن القضاء إذا حكم فهو يختلف عن الفتوى؛ والفرق بين ما يصدر عن القاضي، وما يصدر عن المفتي، أن ما يصدر عن القاضي إنما هو ملزم؛ لأنه حُكْمٌ حَكَمَ به، فيلزم الخصمين أن ينفذاه، أما بالنسبة للفتوى فهي إعلام بالحق، فيُستفتى العالم من العلماء في مسألة، فيُبين العالم للمستفتي حكم اللّه في تلك المسألة، وله أن يأخذ بها أو لا يأخذ، وليس حكمًا إلزاميًّا.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ) (١).
стр. 9944
تكلم عن الأوصياء، وقضية الأوصية هذه مهمة؛ لأن القاضي عادل ومسؤول في هذا المقام، ومعلوم أن الذين تكون عليهم الأوصية هم الصغار، والصغير لا يخلو إما أن يكون مجنونًا أو غير مجنون، وربما يكون كبيرًا وهو غير عاقل، يعني يكون كبيرًا مجنونًا، ويكون صغيرًا لم يبلغ، واليتيم وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ، وسن البلوغ معروفة، هي الخامسة عشرة، أو الثامنة عشرة.
وثمة علامات أُخر، كالإنبات والاحتلام بالنسبة للغلام، ويزاد بالنسبة للمرأة الحيض، وللصغير من يطالب عنه، من يقوم بحقه وشؤونه، وهذا مما يتولاه القاضي؛ فقد جاء في الحديث: "والسلطان ولي من لا ولي له" (١)، والسلطان هنا إنما هو القاضي، فهو ولي من لا ولي له .. نعم إن كان أبوه قد أخذ له وصيًّا واختاره، فوصيته تنفذ، ويقوم عليه وصيه، لكن قد يتغير هذا الوصي، فربما يطمع في مال الصغير أو المجنون، ربما يتصرف فيه تصرف السفهاء، فيضيع المال، فيأتي القاضي فيتدخل في هذا الأمر، فإن كان منه إفساد للمال، أو أنه انتقل من العدالة إلى السفه، فإنه يعزله ويعين غيره، وله أن يعين أمينه.
* قوله: (وَهَلْ يُقَدِّمُ الأَئِمَّةَ فِي المَسَاجِدِ الجَامِعَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ) (٢).
стр. 9945
الآن - كما نرى - خرجت هذه القضية وأصبحت لها جهات معينة، فهي تتبع بعض الوزارات؛ ففي بعض البلاد تتبع وزارة الأوقاف، وفي بعضها تتبع وزارة الشؤون الإسلامية، إذًا فقد خرجت عن مسؤولية القضاء، وهذا يسمى ترتيبًا وتقسيمًا للمسؤوليات، وتخصصًا فيها، فإن المسؤوليات إذا وزعت وقسمت بين أناس تكون العناية فيها أكثر؛ فالقاضي ينشغل بما هو أهم وأكبر في حل مشكلات الناس، ورسول اللّه ﷺ كان قاضيًا، والأنبياء قبله كانوا قضاةً، كان يحكم بين الناس بالعدل، ولكن القاضي لا يعلم الغيب، وإنما الذي يعلم الغيب هو اللّه تعالى قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فهو عالم الغيب، وعنده مفاتح الغيب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. ولذلك يقول اللّه تعالى حكاية عن نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وما علمه من الغيب إنما