قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَجُوزُ إِذَا وَافَقَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَاضِي البَلَدِ). الأصل (أي: في عدم الجواز) أن يخالف حكمُهُ حكمَ اللّه تعالى، لكن إذا حكم بين الناس بجهلٍ، فليس ذلك مراده كما يحصل عند أهل البادية من العوام، يختارون رجلًا يحكم بينهم في بعض الأمور التي تنتهي بالصلح، لكن فيما يتعلق بالأمر الشرعي، فإنه لا يحكم فيه إِلَّا مَنْ كان من أهل العلم.
قال المصنف ﵀:
(البَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَا يَقْضِي بِهِ
وَأَمَّا فِيمَا يُحْكَمُ فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ).
يعني في أي شيء يحكم؟ ما موصولة، وهي لغير العاقل، ومن للعاقل، (فيمَ يحكم؟)، أي: ما هي الأمور التي يحكم فيها؟ هل هناك أمور محددة يقف القاضي عند الحكم فيها؛ أو أنه يحكم في كل أمر؟ فهناك ما يتعلق بأمور المسجونين، وهناك ما يتعلق أيضًا بأمور الأوصية، وهناك ما يتعلق بمن وضع الأوصية عليهم؛ كالمجانين والأطفال الأيتام، إلى غير ذلك. قد يحصل أيضًا خلل في بعض الوصايا، فإذا جاء قاضٍ آخر هل له أن يغير في حكم القاضي الأول؟ الجواب: إن كان حكم القاضي نافذًا فلا ينبغي تغييره، أما إن تغيرت حالة الوصي من أن يكون عدلًا إلى أن يكون فاسقًا، فإن للقاضي الأخير أن يغيره؛ لأنه في مصلحة الموصى عليه.
стр. 9942
* قوله: (فَاتَّفَقُوا أَنَّ القَاضِيَ يَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الحُقُوقِ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ أَوْ حَقًّا لِلآدَمِيِّينَ) (١).
هذا تكرر قبل. هناك من الحقوق ما هو حق لله، ويقصد به ما يختص به كما عرفنا في حقوق اللّه على العباد "ما حق اللّه على العباد وما حق العباد على الله؟ " قال: "حق اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا" (٢). فيأتي في مقدمة ذلك العبادة، والعبادة تحتاج إلى إخلاص، أي: إخلاص النية للّه تعالى، فلا يشركه غيره معه، والأدلة في ذلك كثيرة في كتاب اللّه ، وفي سنة رسوله، وليس هذا محل بحثها، وإن كنا نعرض لها أحيانًا في المناسبات.
* قوله: (وَأَنَّهُ نَائِب عَنِ الإِمَامِ الأَعْظَمِ فِي هَذَا المَعْنَى) (٣).
كذلك هو ينوب عن الإمام .. من الذي يولي القضاة؟
стр. 9943
فالذي يولي القضاة وينصبهم هو الإمام الأكبر، يعني والي المسلمين، خليفة المسلمين، وعندما يعين القضاة يختار من يُعرف بعلمه وفضله ونزاهته، وأن يكون ذا مروءة، إذًا الإمام هو مَن يختار القضاة، إذا لم يكن على بينة من أولئك، فإنه يسأل ويستشير، ويتعرف، حتى يصل إلى ما هو أصلح لذلك؛ لأن أمر القضاء ليس بسهل ولا يسير؛ ففيه حكم بين الناس، وحكم القاضي ملزم.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأَنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ).
لكن عندما ننظر الآن نجد أن بعض الأحكام التي كانت تندرج تحت ولاية القضاء ربَّما وُزعت، فهنالك الحسبة أصبح الان لها جهة معينة، وعقود الأنكحة أيضًا قد يخصص لها أناس، وإن كانت في الواقع مرتبطة بعضها ببعض، ولكن نجد أن أكثر أعمال المحاكم هو فيما يتعلق بالخصومات ورفعها، وربما في أمور الطلاق وغير ذلك، إذًا هناك كثير من الأحكام أصبحت الآن موزعة، كما نرى الآن ما يتعلق بالأمور المختصة بالبلديات، والأمور المتعلقة بالشرطة، وما يتعلق كذلك بهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهناك ما هو متعلق بالقضاء، ولكن القضاء إذا حكم فهو يختلف عن الفتوى؛ والفرق بين ما يصدر عن القاضي، وما يصدر عن المفتي، أن ما يصدر عن القاضي إنما هو ملزم؛ لأنه حُكْمٌ حَكَمَ به، فيلزم الخصمين أن ينفذاه، أما بالنسبة للفتوى فهي إعلام بالحق، فيُستفتى العالم من العلماء في مسألة، فيُبين العالم للمستفتي حكم اللّه في تلك المسألة، وله أن يأخذ بها أو لا يأخذ، وليس حكمًا إلزاميًّا.
* قوله: (وَأَنَّهُ يَعْقِدُ الأنْكِحَةَ وَيُقَدِّمُ الأَوْصِيَاءَ) (١).
стр. 9944
تكلم عن الأوصياء، وقضية الأوصية هذه مهمة؛ لأن القاضي عادل ومسؤول في هذا المقام، ومعلوم أن الذين تكون عليهم الأوصية هم الصغار، والصغير لا يخلو إما أن يكون مجنونًا أو غير مجنون، وربما يكون كبيرًا وهو غير عاقل، يعني يكون كبيرًا مجنونًا، ويكون صغيرًا لم يبلغ، واليتيم وهو الذي مات أبوه ولم يبلغ، وسن البلوغ معروفة، هي الخامسة عشرة، أو الثامنة عشرة.
وثمة علامات أُخر، كالإنبات والاحتلام بالنسبة للغلام، ويزاد بالنسبة للمرأة الحيض، وللصغير من يطالب عنه، من يقوم بحقه وشؤونه، وهذا مما يتولاه القاضي؛ فقد جاء في الحديث: "والسلطان ولي من لا ولي له" (١)، والسلطان هنا إنما هو القاضي، فهو ولي من لا ولي له .. نعم إن كان أبوه قد أخذ له وصيًّا واختاره، فوصيته تنفذ، ويقوم عليه وصيه، لكن قد يتغير هذا الوصي، فربما يطمع في مال الصغير أو المجنون، ربما يتصرف فيه تصرف السفهاء، فيضيع المال، فيأتي القاضي فيتدخل في هذا الأمر، فإن كان منه إفساد للمال، أو أنه انتقل من العدالة إلى السفه، فإنه يعزله ويعين غيره، وله أن يعين أمينه.
* قوله: (وَهَلْ يُقَدِّمُ الأَئِمَّةَ فِي المَسَاجِدِ الجَامِعَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ) (٢).
стр. 9945
الآن - كما نرى - خرجت هذه القضية وأصبحت لها جهات معينة، فهي تتبع بعض الوزارات؛ ففي بعض البلاد تتبع وزارة الأوقاف، وفي بعضها تتبع وزارة الشؤون الإسلامية، إذًا فقد خرجت عن مسؤولية القضاء، وهذا يسمى ترتيبًا وتقسيمًا للمسؤوليات، وتخصصًا فيها، فإن المسؤوليات إذا وزعت وقسمت بين أناس تكون العناية فيها أكثر؛ فالقاضي ينشغل بما هو أهم وأكبر في حل مشكلات الناس، ورسول اللّه ﷺ كان قاضيًا، والأنبياء قبله كانوا قضاةً، كان يحكم بين الناس بالعدل، ولكن القاضي لا يعلم الغيب، وإنما الذي يعلم الغيب هو اللّه تعالى قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. فهو عالم الغيب، وعنده مفاتح الغيب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. ولذلك يقول اللّه تعالى حكاية عن نبيه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وما علمه من الغيب إنما
стр. 9946
هو بإِطْلاعِ اللّه له عليه، ولذلك ترى - كما سيأتي في المسألة القادمة - أن القضاة إنما يحكمون في الظواهر في ضوء ما يكون عندهم من شهود أو قرائن يبني عليها القاضي في بعض الأحكام.
* قوله: (وَكَذَلِكَ هَلْ يَسْتَخْلِفُ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي المَرَضِ وَالسَّفَرِ (١)). يعني هل له إذا سافر أو انشغل بأمر أن يستخلف غيره؟ أو أن ذلك يرجع إلى السلطان؟ هذه أمور قد نظمت في هذا الزمان، ونرى أن المحكمة يكون لها رئيس، ولها نائب، ومعلوم من طبيعة العمل أنه إذا غاب الرئيس حل محله نائبه، فهو يقوم مقامه، إذًا هذه أمور قد نظمت، ومعلوم أن التنظيم الإداري، أو ما يعرف بالتراتيب الإدارية، قد نظمت، فأول ما يبدأ الأمر يبدأ صغيرًا، ثم بعد ذلك يتسع، ثم يزداد نظامًا
стр. 9947
وإحكامًا وإتقانًا، وهكذا الحال بالنسبة للأنظمة، فإنها تتطور من جانبين؛ جانب دراسي وجانب تطبيقي، فبدراسة الأنظمة وما يتعلق بها من لوائح وغيرها، نجد أنها تتطور نتيجة الدراسة، وعندما نطبق الشيء نجده مما يعين على رفع مستوى ذلك العمل وتطوره.
إذًا هذه أمور يسير بعضها إلى جانب بعض؛ لأنك قد تتعلم الشيء، ولكن عندما تطبقه يسهل عليك، فخذ مثلًا الحج تدرسه وتحفظ كل ما فيه، لكن عندما تحج لأول مرة فأنت بحاجة إلى من يرشدك ويدلك، وربما تجد صعوبة في الحج، مع أنك تعلم الأحكام، لكن إذا جربته أصبح أمرًا سهلًا ميسورًا، وهكذا أي عمل يتقلده الإنسان فإنه يحتاج إلى أن يتدرب عليه، وأن يكون على معرفة به.
* قوله: (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ. وَلَيْسَ يَنْظُرُ فِي الحَيَاةِ (١)، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الوُلاةِ، وَيَنْظُرُ فِي التَّحْجِيرِ عَلَى السُّفَهَاءِ).
فثمة مسائل تعد من اختصاص الإمام، وثمة مسائل أُخرى ترجع إلى اختصاص القاضي، والآن أصبحت هناك مسؤوليات، وهو ما يعرف بالأنظمة أو اللوائح، فهناك لوائح مثلًا للقضاة، فهم يتقيدون بها، ثم هناك قاض، وهناك مجلس أعلى للقضاء، إذًا تجد أن هذه مراحل، والقاضي ينظر في كذا، وكذا، فله صلاحيات محدودة يقف عندها.
стр. 9948
* قوله: (وَيَنْظُرُ فِي التَّحْجِيرِ (١) عَلَى السُّفَهَاءِ) (٢).
التحجير على السفهاء من اختصاصه؛ لأن الذي يحجر عليه إما أن يكون صغيرًا وإما أن يكون سفيهًا، وإما أن يكون مفلسًا، وكل هؤلاء ينظر في أمرهم، فهو ينظر فيما يتعلق بالمفلس الذي قد أفلس فلا شيء عنده، قد يكون بين يديه أشياء من الأموال من غير النقدين، وقد يكون بعضها لأناس موجودين بأعيانهم، فهم أحق بها، وهناك طريقة درسناها تتعلق بكيفية تقسيم مال المفلس بين الغرماء (أي: أصحاب الحقوق)، وهناك سفيه (يعني: إنسانًا يحجر عليه)؛ لصغره، وهناك كبير ولكنه يتصرف تصرف السفهاء، ولذلك يقول اللّه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾، وقال في الآية: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٥، ٦]. وقد جاء في الحديث أن السلطان ولي من لا ولي له (٣)، وقد درسنا في كتاب النكاح أنه إذا عضل الأولياء المرأة فإنها
стр. 9949
تذهب إلى القاضي، ويزوجها؛ لأن العضل إنما هو إلحاق الضرر بها، وفي الحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (١)؛ فالقاضي إما أن يُلزم الولي أن يزوج هذه الولية، فإن امتنع فإن القاضي يزوجها، وكذلك الإيلاء إذا تمت المدة ينبغي له أن يؤول، (أي: يرجع) إلى زوجته، فإن أبي أمره القاضي أن يطلق، فإن أبي طلق عليه القاضي.
إذًا مسؤوليات القاضي ليست بقليلة؛ فهو يتدخل في أمور كثيرة كلها في مصلحة الناس، وليس الناس كلهم يقفون عند الحق، فلو أن كل إنسان عَرف الحق فوقف عنده ولم يتعد إلى غير حقه، لما وُجد شجار ولا خلاف ولا نزاع، ولكن الناس يختلفون في هذا المقام، فمن الناس من يوفقه اللّه تعالى إلى الخير، ويرضى بما آتاه اللّه، ولا يمد يده إلى حق غيره، ولا يتعدى عليه، ولا يأخذ ولا يتجاوز ذلك، ومن الناس من تكون طبيعته إرادة أخذ حقوق الآخرين، والتعدي عليهم، وهناك ما يتعلق بالشهود، فهناك العدل، وهناك غير العدل الذي هو الفاسق، وهكذا.
إذًا أحكام القضاة كثيرة، وعلم القضاء ليس بالأمر السهل.
* قوله: (عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجيرَ عَلَيْهِمْ. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا البَابِ).
يعني التحجير على السفهاء الذين هم كبار، والصحيح أنه يحجر عليهم، يعني لو كان إنسان كبير يبذر، فإنه ينبغي أن يحجر عليه؛ لأنه سيأخذ على يده، والمال ينبغي أن يُحفظ، واللّه تعالى أمر بحفظ المال. فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. هذا هو واجب المسلم، أن يكون وسطًا، يعني لا يكون مبذرًا، ولا يكون بخيلًا مقترًا، بل يكون وسطًا في ذلك.
* قوله: (هَلْ مَا يَحْكُمُ فِيهِ الحَاكِمُ يُحِلُّهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ حَلَالًا؟). قد يأتي شاهدان فيقولان بأن فلانًا طلق فلانة؛
стр. 9950
وهو لم يطلقها، ويظهر للقاضي أن الشاهدين في ظاهريهما عدالة، ليس ثمة شيء للقدح فيهما، فليس أمامه إِلَّا أن يحكم بعدالتهما، فيحكم تبعًا لذلك، إذًا ما حكم به القاضي شيء، وما هو واقع شيء آخر، حتى إن من العلماء من قال - وإن كان هذا قولًا مرجوحًا كما سيأتي: "لو جاء شاهدان فشهدا بأن هذا الرجل طلق هذه المرأة، فإنه يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها، وسيأتي الكلام عن ذلك، باختصار: هل قضاء القاضي يحل الحكم لذلك المقضي له أو لا؟ "
القاضي يحكم استنادًا إلى بينات تكون عنده، ولكن ربما يكون الشهود أهل باطل، ولذلك نجد أن رسول اللّه ﷺ عندما عدَّ السبع الموبقات لما وصل إلى شهادة الزور جلس، وكان متكئًا قبل، جلس وبدأ يكرر: "ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور" (١) حتى تمنى الصحابة أن يسكت؛ لشدة ما قال عن شهادة الزور، لأن شهادة الزور قد تطير بها الرقاب، وقد تقطع بها الأيدي، وقد تذهب بها الأموال، وربما يجلد إنسان، وربما يقذف، إلى غير ذلك، وربما يقتل في زنًا، والشهود إنما هم شهود زور، إذًا يترتب عليها أمر عظيم خطير، وقد تنتهي هذه الحياة الدنيا وينجو شاهد الزور فيها، لكن ماذا سيكون موقفه يوم يقف شاخصًا بين يدي اللّه تعالى، فيُسأل عن ظلمه وعن تجنيه، هذه الحياة الدنيا ستنتهي إلى فناء، وكل إنسان سيموت.
لا بدّ من تَلَفٍ مقيمٍ فانتظِرْ … أبأرْضِ قَومِكَ أم بأخرى المَصَرع
وليأتين عليك يوم مرة .... يبكى عليك مقنَّعًا لا تسمع (٢)
إذًا كل إنسان سيُلف بهذا القماش، وسيصلى عليه، ويُحمل فوق النعش بين الخشبات، ويُحفر له حفرة، ويُوضع في الأرض، وكذلك يُحثى عليه التراب، ولكن النتيجة أنه سيُسأل عن أمور، وهناك يتميز أهل الحق من أهل الضلال.
стр. 9951
* قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الحَاكمِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا) (١).
يعني أجمع عليه العلماء، لكن من أهل العلم من يرى الأمر بالنسبة للواقع، فحكم الحاكم لا يحل للإنسان حرامًا، إنسان - مثلًا - جاء بشهود زور وادعى أرضًا، ولم يكن عند القاضي إِلَّا أن يحكم له، لأنه يحكم بالظاهر، فأخذها ظلمًا، والرسول ﷺ يقول: "من اقتطع شبرًا من الأرض، طوقه اللّه بها سبع أرضين يوم القيامة" (٢)، إذًا هو أخذ هذا ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠ و المائدة: ٨٧]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ولو شهد على إنسان بباطل شهداء زور، وأقيم عليه الحد (٣)، ماذا يكون موقفه بين يدي اللّه؟
стр. 9952
شهادة الزور أمرها خطير، وشأنها كبير، فالقاضي إذا قضى بحكم، فجماهير العلماء يقولون: إن القاضي لا يحل الحكم، هو يحكم بالظاهر، ولذلك فإن رسول اللّه ﷺ يقول: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعغم يكون ألحن بحجته من الآخر" (١). بعض الناس يعطيه اللّه فصاحة وبيانًا في اللسان، وقدرة على إيراد الحجج تترى، تأتي الحجة تلو الحجة، تجده قوي الجحة، فإذا اختصم تجد أنه على مقدرة، ولذلك كانوا يقولون عن الإمام أبي حنيفة من قوة حجته: "إنه يستطيع أن يقول لك، هذه السارية من ذهب" (٢)، ولقوة حجته أنت تتأثر بكلامه؛ لذلك جاء في الأثر: "إن من البيان لسحرًا" (٣)، وبعض الناس تجد أنه عيي ليس بفصيح، ليس قادرًا على النطق، لا قدرة عنده على التعبير، وإيراد الحجج والبراهين مثل خصمه، فتجد أن هذا يؤثر، وهكذا أنت تجد الناس يختلفون في هذا المقام، فأنت ربما تجد مدرسين في فصل يتعاقبان، يدخل هذا فتجد أنه يترك أثرًا في الطلاب، تجد أنه يشد الطلاب إلى درسه، وينتبهون إليه، ويتأثرون به، ويأتي آخر أكثر علمًا منه لكنه لا يستطيع أن يوصل المعلومات إلى الطلاب، أو يكون عنده نقص في أسلوبه أو في طريقة تدريسه، فتجد أن الإقبال عليه يقل؛ فالبلاغة لها قدر كبير في نفوس السامعين، والناس فيها متفاوتون، ولذلك قال موسى لربه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (٤) [القصص: ٣٤]، ولهذا فإن لفصاحة اللسان أثرًا، لذلك قال اللّه تعالى عن
стр. 9953
هذا القرآن: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: ٢٨]، ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
والرسول ﷺ كان أفصح الناس كلامًا، وأقدرهم بيانًا، وأشدهم تأثيرًا، وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم (١)، وهذا من خصائصه ﷺ ؛ فإن اللّه تعالى خصه بأمورٍ، منها جوامع كلمه ﷺ ، فلم تكن خطب رسول اللّه كخطبنا، ولم تكن دروسه كدروسنا، بل هي كلمات يسيرات (٢)، أو مواعظ قليلة، لكنها تترك أثرًا في النفوس، ولم يكن يكثر من ذلك، بل كان يتعاهد الناس؛ لأن الناس بالنسبة للمواعظ، كالأرض، أنت لا تسقيها دائمًا؛ لأنك لو أكثرت عليها الماء لغمرتها، ولو تركت هذه النفوس لعطشت، وربما ماتت، إذًا هي بحاجة دائمًا إلى أن تتعاهدها بالسقي والرعاية، كذلك كان رسول اللّه ﷺ يتعاهد الناس بالمواعظ (٣)، وكانت خطبه كلمات يسيرات، لكنه إذا خطب كأنه قائم على الجيش يقول: صبحكم ومساكم (٤).
إذًا كان رسول اللّه ﷺ يأخذ بمجامع القلوب، ويؤثر في النفوس، ويأخذ بالألباب، وتجد مواعظه ﷺ تستقر في الأفئدة، وتبقى محفوظة في القلوب، ولذلك حفظ أصحاب رسول الله ﷺ حديثه كأنه نُقش في قلوبهم
стр. 9954
نقشًا؛ لأنهم كانوا يصغون إليه غاية الإصغاء، وكان ﷺ قديرًا على إبلاع الناس وإيصال الأمر إليهم، مع حبهم لما يصدر من رسول اللّه، وسرعة تقبلهم وتلقيهم له، فكان يؤثر فيهم، وهذا يرجع إلى قضية الحجة أيضًا.
القاضي عنده شهود، وقد لا يكون هناك شهود، فيرجع إلى اليمين، فقصدنا هنا أن الحجه لها تأثير، ولذلك قال رسول اللّه ﷺ : "إنكم تختصمون إليّ"، يعني ترفعون إلي الخصومة والمشكلة من المشكلات، وتتنازعون في أمر: "ولعل بعضكم يكون ألحن (١) " يعني: أقدر، وليس المقصود باللحن الخروج عن اللغة، لكن المعنى أنه يكون أشد بيانًا وبلاغة" ألحن بحجته من الآخر؛ فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فليدعه" (٢)، وفي رواية: "فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار" (٣).
وقوله: "ومن قضيت له من حق أخيه شيئًا" بمعنى أنني قد أقضي لإنسان بحق هو حق لغيره، فلا يظن هذا الآخذ أن قضائي له يحله له، فهو في ظاهره حلال، لكنه في باطنه حرام، والذي يعلم السر وأخفى إنما هو علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، فهو الذي يعلم ذلك، وهو يسجل على الإنسان كل صغيرة وكبيرة، وتدوّن على الإنسان في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إِلَّا أحصاها. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧] اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء، لا يغيب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، وكل
стр. 9955
إنسان سيسأل عن عمله؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فإن كان من أهل الخير فهو من أهل اليمين، فأولئك الذين يساقون إلى الجنة، قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]. وأما الآخرون، فإنهم يساقون إلى نار جهنم. إذًا هذه الحقوق التي يقضى بها بين الناس قد يقضى لإنسان بحق هو لأخيه فيأخذه، فلا يظن أن هذا القضاء يحله له، وإنما الذي يحل ويحرم إنما هو اللّه ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
إذًاا لذي يحل ويحرم إنما هو اللّه ، فإذا ما تعدى الإنسان على حق أخيه، فكما قال ﷺ : "فإنما أقطع له قطعة من نار"، ثم هو بالخيار، يأخذها أو فليدعها.
وبعض الناس تجد أنه يفرط في جزء من حياته، فيأكل الحرام، ويتغذى به، ويغذي به أولاده وأسرته وأهله، ثم تجد أنه في آخر حياته يقول: كنت وكنت؛ فكان يأكل حرامًا ثم "يرفع يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومأكله حرام، ومشربه من حرام، وملبسه حرام، وقد غذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟! " (١). ولذلك إذا وجدت أن الإنسان يتحاشى عن الحرام، يحتاط في البعد عنه، كلما وجد في أمر شبهة تركها، كما كان الصحابة ﵃، فإنك تجد أن هذا الإنسان دائمًا مطمئن النفس، مرتاح الفؤاد، وإن كان قليل ذات اليد في هذه الحياة؛ فإن المال ظل زائل، فهذا المرء المتحري للحلال يكون سعيدًا في هذه الحياة، وكم من أناس عندهم مئات الملايين، بل ربما المليارات، ولكنهم يعيشون في قلق، وفي اضطراب، وتجد أنهم دائمًا في غم؛ ينتقلون من همّ إلى همّ، ومن غمّ إلى غمّ!
стр. 9956
وكم من أناس تراهم يعيشون برواتب صغيرة، أو يعملون في دكاكين صغيرة تدر عليهم قليلًا من المال، فينفقون منه على أنفسهم، وعلى أولادهم، وقد جنوه من حلال، فغذوا أنفسهم وأولادهم من ذلك، فيا سعادة هؤلاء!
* قوله: (وَذَلِكَ فِي الأَمْوَالِ خَاصَّةً؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ") (١).
انظروا إلى إرشاده ﷺ ؛ فإن في ذلك ردًّا على أولئك الذين يغلون في رسول اللّه ﷺ ، ويرفعونه عن المنزلة التي وضعه اللّه تعالى بها، ولا شك أنه أكرم خلق اللّه على اللّه، وأنه أفضل خلق اللّه على الإطلاق، وأنه أفضل الناس؛ من الأنبياء وغيرهم، لا شك في ذلك، وأن اللّه
стр. 9957
قد فضل أمته على سائر الأمم، وأنه قد جعل أمته شاهدة على الناس، وهو ﷺ شهيد على أمته. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. يقول: "إنما"، وهي أداة حصر "أنا بشر" إذًا أنا واحد منكم أيها الناس، فلا ميزة لي عليكم، إِلَّا أن اللّه تعالى تفضل علي وأنعم، وكرمني بأن جعلني نبيًّا له، فهذه ميزة عظيمة، فاللّه تعالى قد أعطاه هذا الفضل، وأسدى إليه هذا الجميل، ولذلك كان يقوم ﷺ من ليله حتى تتفطر قدماه، فيقال له: أليس اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟! " (١) هذا هو ما كان عليه الرسول: "إنما أنما بشر"؛ ولذلك يقول اللّه تعالى في افتتاح سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١].
وهو ﷺ يقول: "لا تطروني" لا ترفعوني" كلما أطرت النصارى ابن مريم".
هناك من قال بأنه إله، ومنهم من قال بأنه ابن اللّه، "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللّه" (٢)، وما أجمل أن تقول: محمد بن عبد اللّه" فهي - بلا شك - كلمة عظيمة، فهو محمد بن عبد اللّه، وهو كذلك رسول اللّه، وَلِذلك خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا (٣).
стр. 9958
هذا هو رسول اللّه ﷺ ، فهو بشر، وإذا كان بشرًا، فهو لا يعلم الغيب، والذي يعلم الغيب هو اللّه، إذًا الذي يستحق العبادة هو علام الغيوب، فهو وحده المتفرد بذلك ﷺ ، فهو المستحق أن يُعبد وحده، وهو كذلك المستحق بأن يوصف ﷺ بصفات لا يشركه فيها غيره من. قمال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى: ١١].
ولا يحيطون به علمًا، وهو رب هذا الكون، الذي خلق هذا الكون، وأوجد الناس من العدم، وتفضل عليهم بالنعم، إلى غير ذلك: "إنما أنا بشر، ولعلكم تختصمون إلي"؛ فالرسول ﷺ أعلنها صريحةً بأنه عبد من عباد اللّه، بأنه من هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذا الكون الذي يعج (١) بالمخلوقات على هذه الأرض، ومعلوم أن رسول اللّه ﷺ نشأ يتيمًا، مات أبوه وهو في بطن أمه، وماتت أمه وهو صغير، ثم كفله جده، فمات، ثم عمه أبو طالب، وكان ﷺ يرعى الغنم لأهل مكة بقراريط، إذًا هو عبد، ولكن منزلته عند اللّه تعالى عظيمة، وبهذا نتبين أن مكانة الإنسان لا تكون بمظهره، ولا بكثرة ماله، ولا بعلو منصبه، ولا بشرفه:
لئنْ فخَرْت بآباء لهم شرفٌ … لقد صدَقْت ولكنْ بئس ما ولَدوا (٢)
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فمعيار التفاضل بين الناس هو التقوى، لا اللون ولا الجنس.
* قول: (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ").
إذًا الرسول ﷺ يضع منهجًا واضحًا للقضاء، القاضي بشر، ويقضي
стр. 9959
على نحو مما يسمع، وربما يكون أحد الخصمين أقوى حجةً من الآخر، والحجة لها تأثير، - كما بينَّا ذلك، ولكنه يقضي بينهما، وقد يكون الحق للمقضي عليه، ولكن ذلك إما أنه حَكم له؛ لأنه أقوى حجة، أو لأنه جاء بشهود، والشهود إنما هم شهود زور؛ فالقاضي يقضي على حسب الأدلة الظاهرة، والشهود العدول عدول ما لم يثبت له ما يقدح في عدالتهم، فهو يقضي على مقتضى ذلك.
ومن هنا يظهر الفرق بين هذه الشريعة الإسلامية العظيمة وغيرها، فهذه الشريعة قد أنزلها علام الغيوب، الذي يعلم ما يُصلِحُ عباده، وما تستقيم به أمورهم، وتصلح به معيشتهم في هذه الحياة الدنيا، وما يأخذ بهم إلى جنات النعيم في الآخرة.
فرق بين هذه الشريعة، وبين ذلك القانون الذي يُوضع اليوم، وَيُغَيَّرُ غدًا، ينتقل من حال إلى حال؛ لأن الناس مهما سمت عقولهم إلى المعرفة، ومهما أوتوا من الذكاء والفطنة، فإنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى ما يضاهي علم هذه الشريعة، فهذه الشريعة هي الغاية التي أرادها اللّه في هذا الكون، فربما يصيب الإنسان في أمر من الأمور، لكنه لا يصيب في كل الأمور؛ لأنه بشر عقله محدود، ولذلك تجد أن الناس يحتالون على القانون، يخرجون من هاهنا وهاهنا، لكن في هذه الشريعة تجد أن الذي يأكل حق غيره، أو يتعدى على الآخرين، على حرماتهم وأموالهم، يعيش في عذاب الضمير، يتقلب على مثل الإبر التي يحس لدغها في قلبه، وفي جسمه؛ لأنه يدرك بإيمانه أنه قد تعدى، وأنه قد أخذ غير حقه، قد يتظاهر بأنه سعيد، ولكن الآلام والجروح تظل تدمي كل حياته؛ لأنه خرج عن شرع اللّه فتعدى: "إن اللّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها" (١)، قال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا
стр. 9960
تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١].
إذًا واجب المسلم أن يرضى بما قدره اللّه تعالى له، ولا ينظر إلى ما في أيدي الآخرين، لأن الإنسان دائمًا - كما جاء في الحديث - ينظر إلى من هو أسفل منه، ولا ينظر إلى من هو فوقه، قد تكون أنت أقل منه مالًا وجاهًا، ولكن لك منزلة عظيمة عند اللّه تعالى، وربما هو لا يساوي عند اللّه جناح بعوضة.
* قوله: ("فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ").
معنى هذا أن القاضي أيضًا قد يتأثر بما يسمع، وربما يحكم لغير صاحب الحق، لا لأنه أراد أن يعطي الحق غيره، ولكن هذا هو الذي ظهر له، ولكن القاضي ينبغي أن يتحرى في الأمور دائمًا، ويعرف الناس، والتجربة لها أثر، فتجد أن القاضي لكثرة ما يمر به من الناس يعرفهم.
ومارست الرجَال ومارسوني .... فمعوج عَليّ ومستقيم (١)
فبعض الناس ترى أنه مستقيم، يتبين من لحن خطابه وكلامه، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، ومن الناس من تجد أنه اشتهر بالشر، بالخصومات، بأكل أموال الناس، فتجد أن هذا إن لم يُعرف في المرات الأولى عُرف بعد ذلك، ولذلك الأمر قد يتبين، ولكن الحكم لآخر بما لا يستحق شيء وارد.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدهِ بِالظَّاهِرِ الَّذِي يَظُنُّ الحَاكمُ (٢)).
стр. 9961
بمعنى أنه لو جاء شاهدان فقالا بأن فلانًا طلق فلانة، وهو لم يطلقها، وحكم القاضي بعد أن لم يجد ما يقدح في عدالتهما - بالطلاق، فجماهير العلماء - ومنهم الأئمة الثلاثة؛ مالك والشافعي وأحمد - يقولون: ذلك لا يغير من الحكم شيئًا، وهناك من يقول بأنه لو حكم فتزوجها أحد الشاهدين، لكان ذلك إحلالًا، حتى وإن كان الشاهد يُعلم أن شهادته باطلة، ويستدلون بأثر عليٍّ ﵁ عندما جاء رجلان فقالا: "فلانة زوجة فلان". شهد بأنها زوجة فلان، وهي ليست زوجته، فلما خرجت قالت: "يا أمير المؤمنين، لو عقدت لي لا أحل له؛ فلست زوجة له". قال: "زوّجاك شاهداك، شاهداك زوجاك" (١).
الحديث الذي مر معنا آنفًا نص في أن حكم الحاكم لا يغير شيئًا، وجمهور العلماء أجابوا عن قضية عليٍّ بأمور، هي:
أولًا: هذا قول صحابي، وذاك قول الرسول، فلا يُقدّم على قول الرسول قول أحد.
ثانيًا: لو صح قول عليٍّ، فإن حكم عليٍّ لم يحل ما في الباطن، وإنما قال: "شاهداك زوجاك". إذًا أنا حكمت بوجود شاهدين، ولا أرى مطعنًا فيهما، فبذلك حكمت عليك. لكنه حكم بعلمه، وحكم عليٍّ لم يكن هو الذي أحل، ولكن قال: "شاهداك زوجا "، وما قال: أحلاك.
قوله: (أَنَّهُ حَقٌّ وَلَيْسَ بِحَقٍّ).
стр. 9962
كما مر عقده في قصة علي وحله في مسألة النكاح وشهود الزور .. أناس نزعت مخافة اللّه من قلوبهم، فأصبحت قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قسوة، فالواحد من هؤلاء لا يفكر في أنه يوكل هذا حلالًا أو هذا حرامًا، وأن هذا ينكح حرامًا أو أن هذا سيسفك دمه، لا .. الشر متأصل في نفسه الأمارة بالسوء، وهناك الشيطان الذي أمطتاه، فأخذ بيده إلى طريق الغواية ودفعه إلى ذلك، فهؤلاء هم شهود الزور.
* قوله: (إِذْ لَا يَحِلُّ حَرَامٌ، وَلَا يَحْرُمُ حَلَالٌ بِظَاهِرِ حُكْمِ الحَاكِمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ البَاطِنُ كًذَلِكَ هَلْ يَحِلُّ ذَلِكَ؟ أَمْ لا؟ فَقَالَ الجُمْهُورُ: الأَمْوَالُ وَالفُرُوجُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ).
كل شيء سواء؛ لأن هذه كلها أحكام اللّه التي شرعها اللّه : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. هذه هي شرائع الله .
* قوله. (لَا يُحِلُّ حُكْمُ الحَاكِمِ مِنْهَا حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا. وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدُ زُورٍ فِي امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَنَّهَا زَوْجَة لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ لَيْسَتْ لَهُ بِزَوْجَةٍ).
كما رأينا في قصة المرأة التي قالت: "يا أمير المؤمنين، لو أنك عقدت لي إني لا أحل له". قال: "زوجاك شاهداك، شاهداك زوجاك".
* قوله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ: لَا تَحِلُّ لَهُ (١)، وَإِنْ أَحَلَّهَا الحَاكِمُ
стр. 9963
بِظَاهِرِ الحُكْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ (١): تَحِلُّ لَهُ. فَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ عُمُومُ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ).
لكن أين القلب؟ أين النفس التي سترضى أن يطأ إنسان امرأة وهو يعلم أنها ليست زوجته، وامرأة تحرم عليه، إذًا هو يطأ امرأة يعلم أنها لا تحل له، فهذا لا يغير من الحكم شيئًا، ثم يأتي بعد ذلك قائلًا: يا حسرتاه على ما فرطت في جنب اللّه، قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
* قوله: (وَشُبْهَةُ الحَنَفِيَّةِ أَنَّ الحُكْمَ بِاللّعَانِ ثَابِت بِالشَّرْعِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَ المُتَلَاعِنَيْنِ كاذِبٌ، وَاللِّعَانُ يُوجِبُ الفُرْقَةَ، وَيُحَرِّمُ المَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا المُلَاعِنِ لَهَا، وَيُحِلُّهَا لِغَيْرِهِ).
ويحلها لغيره، ولكن هذا هو حكم اللّه، هذه قضية رفعت فيها مشكلة، يعني أن اللّه تعالى وضع ذلك حكمًا مستقرًّا، وهذا الحكم أيضًا مما يترتب عليه الستر على البيوت، وهذا الدين جاء بالستر على الناس، فاللّه ستير يحب الستر، وهذا هو شأن المؤمنين، فرجل ادعى على امرأة أنها قد وطئت، أنها قد جاءت برجل آخر على فراشها، وهي تنفي ذلك، وحكم اللعان قد نزل به القرآن، ولذلك قال الرسول ﷺ لهلال بن أمية: "البينة أو حد في ظهرك"، وهو يتردد على رسول اللّه ﷺ ، وفي كل مرة يقول له: "البينة أو حد في ظهرك" (٢).
стр. 9964
فكان يسأل اللّه تعالى أن ينزل في شأنه قرآنًا، فنزل القرآن، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ [النور: ٦ - ٩].
* قوله: (فَإِنْ كَانَ هُوَ الكَاذِبَ فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إِلَّا بِحُكْمِ الحَاكمِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ هِيَ الكَاذِبَةَ؛ لِأَنَّ زِنَاهَا لَا يُوجِبُ فُرْقَتَهَا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ) (١).
ولكن الذي قرر حكم اللعان وجعله حكمًا مستقرًّا إنما هو اللّه ، فهو موجود في كتاب اللّه، أما غيره فلا فرق بين حكم يصدر من الباري وبين حكم يصدر عن غيره، فما يصدر من البشر لا يحلل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، ولذلك لما قال عدي بن حاتم لرسول اللّه ﷺ : لسنا نعبدهم، قال: "أليسوا يحرمون ما أحل اللّه فتحرمونه، ويحلون ما حرم اللّه فتحرمونه؟ " فقال: "فتلك عبادتهم" (٢).
* قول: (وَالجُمْهُورُ أَنَّ الفُرْقَةَ هَاهُنَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عُقُوبَةً لِلْعِلْمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ).
قال المصنف رحمة الله:
стр. 9965
(البَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَكُونُ بِهِ القَضَاءُ وَالقَضَاءُ يَكُونُ بِأَرْبَعٍ: بِالشَّهَادَةِ، وَبِاليَمِينِ، وَبِالنُّكُولِ … ).
معنى النكول (١): الرجوع والتوقف؛ فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فإذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فحينئذ تتحول إلى المدعي.
* قوله: ( … وَبِالإِقْرَارِ، أَوْ بِمَا تَرَكبَ مِنْ هَذِهِ. فَفِي هَذَا البَابِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ).
يعني هذه عناوين، أو مدخل إلى الباب، ذكره المؤلف، وبعد ذلك يبدأ في تفصيله، وسيبدأ بالشهادة، والشهادة مهمة، ولذلك نجد أن اللّه تعالى أكثر من ذكرها في كتابه العزيز، ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فنجد أن اللّه تعالى ذكر أمر الشهادة، ونوّه بها في مواضغ عديدة في كتابه العزيز، فقال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى آخر الآيات، ثم ذكر أيضًا الشهادة.
* قوله: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي الشَّهَادَةِ وَالنَّظَرُ فِي الشُّهُودِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: فِي الصِّفَةِ … ).
أي: سيأتي بيان صفاتهم من العدالة والبلوغ أو غير بالغ، وصفته ذكر أو أنثى، صغير أو كبير.
стр. 9966
* قول: (وَالجِنْسِ، وَالعَدَدِ).
ومر أن الزنا لا بد فيه من أربعة شهود قد شاهدوا وعاينوا، وفي بقية الشاهدات إنما هما رجلان. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* قوله: (فَأَمَّا عَدَدُ الصِّفَاتِ المُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ الشَّاهِدِ بِالجُمْلَةِ فَهِىَ خَمْسَةٌ: العَدَالَةُ … ).
بعضهم يجعلها سبعةً، فيضيف إليها - مثلًا - المروءة (١)، وأظن المؤلف ما ذكرها.
* قوله: ( … وَالبُلُوغُ، وَالإِسْلَامُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَنَفْيُ التُّهْمَةِ. وَهَذهِ مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا).
وفي ذلك سنرى عندما نأتي إلى شهادة العبد: تقبل أو لا تقبل؟
الجمهور يقولون: "لا تُقبل".
والإمام أحمد (٢)، وأهل الظاهر (٣) يقولون: "تُقبل". والعلة أنه ليس من أهل المروءة.
стр. 9967
وغيرهم من أهل العلم يقولون: "هو من أهل المروءة".
ونحن لو جئنا إلى نفس الأحرار، فبعضهم عنده مروءة، وبعضهم ليس عنده مروءة، وهذا أمر معروف.
* قوله: (أَمَّا العَدَالَةُ فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ (١)).
لا شك، وهذا نص عليه اللّه في كتابه، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
* قوله: (لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]).
فذكر الرضا، والذي يرضى إنما هو صاحب العدل، أما الفاسق فلا ترضى شهادته، بل يقدح فيها.
* قوله: (ولقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
هو نص أيضًا على العدالة، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
стр. 9968
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هِيَ العَدَالَةُ (١)، فَقَالَ الجُمْهُورُ: هِيَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الإِسْلَامِ، هُوَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحبَّاتِهِ، مُجْتَنِبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالمَكْرُوهَاتِ) (٢).
يعني تظهر عليه العدالة، تظهر عليه الاستقامة .. هل مجرد الإسلام يكفي؟ أي: أن يكون مسلمًا؟ نعم، ولذلك قال عمر ﵁: "المسلمون عدول بعضهم على بعض" (٣). بمعنى: أن المسلمين كلهم أهل عدل، والأصل في المسلم أن يكون عدلًا حتى يثبت خلاف ذلك، ولذلك قال: "المسلمون عدول بعضهم على بعض".
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): يَكْفِي فِي العَدَالَةِ ظَاهِرُ الإِسْلَامِ، وَأَلَّا تُعْلَمَ مِنْهُ جَرْحَة).
стр. 9969
الإمام أحمد .. المشهور من مذهبه أنه مع الجمهور، وله رواية هنا أيضًا: "أن مجرد الإسلام يكفي، ما دام هذا مسلمًا، ولا نعرف عنه إِلَّا الخير، فيكفي ما لم نشهد عليه فسقًا، فيكون عدلًا" (١).
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ - كمَا قُلْنَا - تَرَدُّدُهُمْ فِي مَفْهُومِ اسْمِ العَدَالَةِ المُقَابِلَةِ لِلْفِسْقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾).
لأن هذه الشهادة يترتب عليها أمور، وربما يتسرع في قبول الشهادة، التي قد يترتب عليها أمور، وهذه الأمور قد تكون خطيرة تتعلق بزواج أو غيره، ولذلك قال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
ولذلك قال الرسول ﷺ : "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" (٢). وقال: "شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" (٣).
فانظر .. حديثان تجد أنهما مختلفان، وكلاهما صح عن رسول اللّه ﷺ : "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" أنت تعلم أن عند فلان حقًّا لفلان، وهذا ينكره، فأنت إذا شهدت بهذه الشهادة، حينئذٍ
стр. 9970
تكون قد أثبت الحق لصاحبه، أثبت الحق لأخيك المسلم، فتكون ممن قال الرسول ﷺ فيهم: "خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد"، وقال في حديث آخر: "شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد" يتسرع في الشهادة، فيترتب على هذه الشهادة ضرر، وكان ينبغي له فيها ألا يتسرع، وأن يتركها، لأن من الخير ألا يبديها.
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الفَاسِقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إِذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ إِلَّا مَنْ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ قِبَلِ القَذْفِ) (١).
هذا قد مر من قبل في باب القذف، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤].
فهنا لا تقبل لهم شهادة أبدًا، ووصفوا بأنهم فاسقون، ورأينا الكلام في عود الضمير هل يرجع إلى أقرب مذكر أو الأمرين معًا.
* قوله: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ (٢): لَا تُقْبَلُ شَهِادَتُهُ وَإِنْ تَابَ وَالجُمْهُورُ يَقُولُونَ: تُقْبَلُ) (٣).
стр. 9971
الجمهور عرفناهم فيما مضى، هم الأئمة الثلاثة بعد إخراج أبي حنيفة، وسبق الكلام عنه في كتاب القذف، ولا شك أن مذهب الجمهور أظهر، وهذا هو الذي يلتقي مع روح الشريعة، واللّه تعالى يقول بالنسبة للكافر: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. فما بالك بغيره بالنسبة للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢].
والرسول ﷺ يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١)، فكيف يتوب إنسان ويخرج من الذنب ويعود إلى اللّه، ثم يقال بأنه لا تقبل شهادته، وأنه يبقى فاسقًا؟!
* قوله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ يَعُودُ الاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥]، إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَيهِ، أَوْ عَلَى الجُمْلَةِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الإِجْمَاعُ، وَهُوَ أَنَّ التَوْبَةَ لَا تُسْقِطُ عَنْهُ الحَدَّ).
لا شك أن التوبة أمرها عظيم، وشأنها كبير، وما أجمل أن يعود الإنسان إلى ربه!
الإنسان بشر، فربما يقترف ذنبًا أو يقع في خطيئة.
стр. 9972
* قوله: (وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَأَمَّا البُلُوغُ (١) فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ حَيْثُ تُشْتَرَطُ العَدَالَةُ).
لا شك أن البلوغ شرط؛ لقوله ﷺ : "رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (٢). واللّه تعالى يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ويقول : ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
والصغير لا يلحقه الإثم؛ لأنه غير مكلف، فدل على أن البلوغ شرط في ذلك.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَان بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الجِرَاحِ وَفِي القَتْلِ (٣)).
стр. 9973
جماهير العلماء منعوا ذلك، وقالوا: "إن البلوغ شرط في تحقق الشهادة، فلا تقبل شهادة صغير ما لم يبلغ، والبلوغ قد عرفنا علاماته"، وذهب الإمام مالك أو المالكية أيضًا (١)، ورواية للإمام أحمد (٢) إلى أنها تقبل شهادة بعضهم على بعض، ما لم يتفرقوا، يعني ما داموا مجتمعين، وقد أثر عن علي ﵁ أنه جاء إليه خمسة غلمة (يعني صبيانًا)، فذكروا أنهم كانوا يغطون (٣) في ماء، فذكر ثلاثة أن اثنين أغرقا الثالث، وذكر الاثنان أن الثلاثة أغرقا ثالثهما، فقضى عليهم علي ﵁ بثلاثة أخماس الدية على الاثنين، وبخمسيها على الثلاثة (٤) قالوا: فهذا أثر عن صحابي، فهو حجة.
* قوله: (فَرَدَّهَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ؛ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ الإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ العَدَالَةَ).
الجمهور هم - كما هو معلوم - أبو حنيفة هنا، وكذلك الشافعي، وهي الرواية المعروفة المشهورة عن الإمام أحمد.
* قول: (وَمِنْ شَرْطِ العَدَالَةِ البُلُوغَ، وَلِذَلِكَ لَيْسَتْ فِي الحَقِيقَةِ شَهَادَةً عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرِينَةُ حَالٍ. وَلذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا أَلَّا يَتَفَرَّقُوا؛ لِئَلَّا يَجْبُنُوا) (٥).
стр. 9974
لأنهم إذا تفرقوا ضعفوا؛ لأنه إذا كانوا مع بعض يشد بعضهم بعضًا، فإذا ما تفرقوا ضعفوا، والشهادة تحتاج إلى قوة، ولذلك اشترط فيها البلوغ إلى جانب الشروط الأُخرى.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ هَلْ تَجُوزُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ؟ أَمْ لا؟ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا العِدَّةُ المُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ).
واللّه تعالى بيَّن ذلك في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وأشهدوا ذوي عدل منكم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الذُّكُورَةُ؟ أَمْ لا؟ (١) وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَجُوزُ فِي القَتْلِ الوَاقِعِ بَيْنَهُمْ؟) (٢).
لا شك أن الشهادة يشترط فيها الذكورة، إِلَّا في مسائل معينة فيما لا يطلع عليها إِلَّا النساء، وسيأتي هذا إن شاء اللّه.
* قوله: (وَلَا عُمْدَةَ لِمَالِكٍ فِي هَذَا إِلَّا أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ
стр. 9975
الزُّبَيْرِ (١)، قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَإِذَا احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِهَذَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّهَا (٢)، وَالقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا).
يعني ذكر رجلين ممن ترضون من الشهداء.
* قوله: (وَقَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَقَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ (٣) وَإِجَازَةُ مَالِكٍ لِذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ إِجَازَتِهِ قِيَاسَ المَصْلَحَةِ).
(من التابعين) يعني كالقاضي شريح، وذكر ذلك أيضًا عن الحسن.
* قوله: (وَأَمَّا الإِسْلَامُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي القَبُولِ) (٤).
لا شك في أن الإسلام شرط في ذلك، ولا يختلف فيه، وضد
стр. 9976
الإسلام إنما هو الكفر، فلا تقبل شهادة كافر على مسلم، ولكن فيما يتعلق بشهادتهم في الوصية في السفر هل تقبل أو لا؟ سيأتي الخلاف فيها.
* قول: (وَأَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الكَافِرِ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي الوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية).
بقية الآية: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].
إذًا هذا فيما يتعلق بالسفر، هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فمن العلماء من قال بأنه تُقبل شهادة الكافر في السفر، وذكر المؤلف أبا حنيفة (١)، ومعه الإمام أحمد (٢)، ولكن الحنابلة قيدوا ذلك بألا يوجد غيره، فإن وجد غيره (يعني إن وجد مسلم)، فلا يلتفت إلى شهادة
стр. 9977
الكافر. وأما المالكية (١)، والشافعية (٢) فلم يعتدوا بها، ويرون أن الآية منسوخة (٣).
* قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكرَهَا اللَّهُ تَعَالَى).
هو أيضًا - كما ذكرنا - قول الإمام أحمد، لكن الحنابلة قيّدوا ذلك بألا يوجد غيره.
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَرَأَوْا أَنَّ الآيَة مَنْسُوخَة).
وآخرون خالفوا في نسخ الآية، وقالوا: "إن النسخ يحتاج إلى حجة، وإلى معرفة التاريخ والناسخ"، والمسألة فيها خلاف، وقد تكلم عن ذلك المفسرون.
* قوله: (وَأَمَّا الحُرِّيَّةُ فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا
стр. 9978
فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ (١)، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ (٢)).
المقصود بالعبد الرقيق، أي: الذي وضعت عليه العبودية، ونحن إذا ألقينا نظرة على الآيات أو الأدلة التي جاءت في الشهادة، نجد أنها مطلقة. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
وهذا هو رجل، وأيضًا في الآية الأخرى. قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
وأيضًا هو إذا كان من أهل العدالة، فيدخل في عموم الآية: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهكذا بقية الأدلة أيضًا في السنة، فإنها مطلقة، لكن جمهور العلماء؛ الأئمة أبا حنيفة ومالكًا والشافعيَّ قالوا: "لا تقبل شهادة العبد لسببين؛ السبب الأول: نقص مروءته، والسبب الآخر: هو نقص كماله، فلم يكن عنده من الكمال ما عند الحر؛ لأن العبد خاضع لسيده، فلا يتصرف في أمر، فلا تقبل شهادته".
وفريق آخر من أهل العلم قالوا: تقبل شهادته، وأشار المؤلف إلى
стр. 9979
أهل الظاهر، ومعهم أيضًا الإمام أحمد وجماعة، وقد أثر ذلك عن بعض التابعين (١)، بل نقل عن علي ﵁، وعن أنس بن مالك من الصحابة أن شهادة العبد تقبل (٢). وقد رد القائلون بقبول شهادة العبد على القول بأن العبد لا مروءة له، بقولهم: "هذه دعوى غير مسلمة، لأن المروءة أيضًا لا تثبت لجميع الأحرار، فمنهم من عنده مروءة، ومنهم من ليس عنده مروءة، فهذه لا يختص بها العبد المملوك، وإنما يشركه فيها غيره"، قالوا: "وقد رأينا أن كثيرًا من أكابر العلماء ومن الصالحين ومن العباد كانوا رقيقًا أو كانوا أحرارًا، ولكنهم كانوا في الأصل مسترقين، ولذلك لما سُئل إياس بن معاوية عن شهادة العبد: أتجوز؟ قال: أنا أرد شهادة عبد العزيز بن صهيب (٣)، وكان من العلماء الأعلام، وكان أيضًا من العلماء الأعلام من الموالي أكرم مولى ابن عباس". ومعلوم أنه قد مرت فترة في العصر الأموي كانت لهم الريادة فيما يتعلق بالعلم، إذًا هل الرق قادح في شهادة بعض على بعض؟ قال الفريق الأول الذي لا يقبل شهادة العبد: "نعم، لما هو معلوم من وجود النص". وعرفنا أن من أسباب التخفيف النقص، وأنه خفف عن العبد وعن المرأة، لوجود النقص فيهما، فقالوا: "صفة النقص مؤثرة في ذلك".
والفريق الآخر قمال: "أدلة الكتاب والسنة كلها مطلقة، فلم نجد
стр. 9980
حديثًا مقيدًا، بل وجدنا ما يدل على أن شهادة العبد تقبل في سنة رسول اللّه ﷺ ، في حديث صحيح أخرجه البخاري، والترمذي (١)، والنسائي (٢)، والإمام أحمد (٣) وغيرهم (٤)، ويكفي فيه أنه خرجه البخاري في صحيحه في قصة عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. قال: فذكرت ذلك لرسول اللّه ﷺ فقال: "كيف وقد زعمت ذلك؟ " (٥).
وفي رواية أن الرسول ﷺ أعرض عنه، فكررت ذلك فقال: "كيف وقد قيل؟ " (٦)، فقالوا: هذه أمة سوداء واحدة، قبلت شهادتها.
ولذلك سيأتي الكلام بعد ذلك فيما يتعلق بالرضاعة، وهل تقبل شهادة امرأة واحدة في بعض الأمور، ومنها الرضاعة؟ سيأتي الكلام فيه، وسنرى أن المؤلف استشهد أو استدل بجزء من هذا الحديث، ولا شك أن كون العبد رقيقًا لا ينقصه من ذلك شيئًا، فإذا كان تقيًّا وتوفرت فيه الشروط فلا مانع أن تقبل شهادته.
* قوله: (أَهْلُ الظَّاهِرِ: تَجُوزُ شَهَادَةُ العَبْدِ).
قلنا: وأحمد (٧)؟ فنضيف الإمام أحمد، وهو مروي عن الصحابيين علي وأنس ﵄، وعن بعض التابعين كابن سيرين (٨) وشريح (٩).