← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وكان كثير الصّدقة في اللّيل، وأظهر أنّه تصلح له الخلافة وطمع فيها، فسخط عليه هارون الرّشيد، وعزله لأربع بقين من ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين ومائة (١). ثم ولي موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة. فأذن للنّصارى في بنيان الكنائس التي هدمها عليّ بن سليمان، فبنيت بمشورة اللّيث بن سعد وعبد اللّه بن لهيعة (٢). ثم صرف لأربع عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة، فكانت ولايته سنة وخمسة أشهر ونصفا (٣). ثم ولي مسلمة بن يحيى بن قرّة بن عبيد اللّه البجلي من أهل جرجان (٤)، من قبل الرّشيد، على الصّلاة، ثم صرف في شعبان سنة ثلاث وسبعين فوليها أحد عشر شهرا (٥). ثم ولي محمّد بن زهير الأزدي على الصّلاة والخراج لخمس خلون من شعبان، فبادر الجند لعمر بن غيلان صاحب الخراج، فلم يدفع عنه، فصرف بعد خمسة أشهر في سلخ ذي الحجّة سنة ثلاث وسبعين ومائة (٦). فولي داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، وقدم هو وإبراهيم بن صالح بن عليّ، فولي داود الصّلاة، وبعث بإبراهيم لإخراج الجند الذين ثاروا من مصر. فدخل لأربع عشرة خلت من المحرّم سنة أربع وسبعين ومائة، فأخرجت الجند العديدة إلى المشرق والمغرب في عالم كثير، فساروا في البحر فأسرتهم الرّوم. وصرف لستّ خلون من المحرّم سنة خمس وسبعين، فكانت ولايته سنة ونصف شهر (٧). ثم ولي موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، على الصّلاة والخراج، من قبل الرّشيد. فدخل لسبع خلون من صفر سنة خمس وسبعين، وصرف لليلتين بقيتا من صفر سنة ستّ وسبعين ومائة، فولي سنة واحدة (٨).

стр. 1017

ثم ولي إبراهيم بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ثانيا من قبل الرّشيد، فكتب إلى عسّامة بن عمرو فاستخلفه. ثم قدم نصر بن كلثوم خليفته على الخراج مستهلّ ربيع الأوّل. وتوفّي عسّامة لسبع بقين من ربيع الآخر، فقدم روح بن روح بن زنباع خليفة لإبراهيم على الصّلاة والخراج. ثم قدم إبراهيم للنصف من جمادى الأولى، وتوفّي وهو وال لثلاث خلون من شعبان. فكان مقامه بمصر شهرين/ وثمانية عشر يوما. وقام بالأمر بعده ابنه صالح بن إبراهيم، مع صاحب شرطته خالد بن يزيد (١). ثم ولي عبد اللّه بن المسيّب بن زهير بن عمرو الضّبّي، من قبل الرّشيد، على الصّلاة لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة ستّ وسبعين ومائة، وصرف في رجب سنة سبع وسبعين ومائة (٢). فولي إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج مستهلّ رجب. فكشف أمر الخراج، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم. فخرج عليه أهل الحوف، فحاربهم فقتل كثير من أصحابه. فكتب إلى الرّشيد بذلك، فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم وبعث به، فنزل الحوف، فتلقّاه أهله بالطّاعة وأذعنوا، فقبل منهم واستخرج الخراج كلّه. فكان صرف إسحاق في رجب سنة ثمان وسبعين ومائة (٣). فولي هرثمة بن أعين من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج لليلتين خلتا من شعبان، ثم سار إلى إفريقيّة لثنتي عشرة خلت من شوّال، فأقام بمصر شهرين ونصفا (٤). ثم ولي عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج. فلم يدخل مصر، واستخلف عبد اللّه بن المسيّب بن زهير الضّبّي، وصرف في سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة (٥). فولي عبيد اللّه بن المهدي محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج في يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من المحرّم سنة تسع وسبعين ومائة، فاستخلف ابن المسيّب، ثم قدم لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوّل، وصرف في شهر رمضان، فولي تسعة أشهر، وخرج من مصر لليلتين خلتا من شوّال (٦).

стр. 1018

فأعاد الرّشيد موسى بن عيسى وولاّه مرّة ثالثة على الصّلاة، فقدم ابنه يحيى بن موسى خليفة له لثلاث خلون من رمضان، ثم قدم آخر ذي القعدة، وصرف في جمادى الآخرة سنة ثمانين ومائة (١). فولّى الرّشيد عبيد اللّه بن المهدي ثانيا على الصّلاة، فقدم داود بن حبّاش خليفة له لسبع خلون من جمادى الآخرة، ثم قدم لأربع خلون من شعبان، وصرف لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة (٢). فولي إسماعيل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس على الصّلاة لسبع خلون من رمضان، فاستخلف عون بن وهب الخزاعيّ، ثم قدم لخمس بقين منه. قال ابن عفير: ما رأيت على هذه الأعواد أخطب من إسماعيل بن صالح. ثم صرف في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة (٣). فولي إسماعيل بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة. فقدم لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وصرف في رمضان (٤). فولي اللّيث بن الفضل الأبيوردي، من أهل أبيورد (¬a)، على الصّلاة والخراج، وقدم لخمس خلون من شوّال. ثم خرج إلى الرّشيد لسبع خلون (¬b) من رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا، واستخلف أخاه عليّ بن الفضل (¬c)، ثم عاد في آخر السّنة. وخرج ثانيا بالمال لتسع بقين من رمضان سنة خمس وثمانين، واستخلف هاشم بن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج، وقدم لأربع عشرة خلت من المحرّم سنة ستّ وثمانين. فكان كلّما أغلق (¬d) خراج سنة، وفرغ من حسابها، خرج بالمال إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد ومعه الحساب (٥). ثم خرج عليه أهل الحوف، وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم في أربعة آلاف ليومين بقيا من شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، واستخلف عبد الرّحمن بن موسى بن عليّ بن رباح على الجند

стр. 1019

والخراج. فواقع أهل الحوف، وانهزم عنه الجند فبقي في نحو المائتين، فحمل بهم وهزم القوم من أرض الجبّ إلى غيفا (¬a)، وبعث إلى الفسطاط بثمانين رأسا وقدم. فرجع أهل الحوف، ومنعوا الخراج. فخرج ليث إلى الرّشيد، وسأله أن يبعث معه بالجيوش، فإنّه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الأحواف إلاّ بجيش (١). فرفع محفوظ بن سليمان أنّه يضمن خراج مصر عن آخره بغير سوط ولا عصا. فولاّه الرّشيد الخراج، وصرف ليثا عن الصّلاة والخراج، وبعث أحمد بن إسحاق على الصّلاة مع محفوظ. وكانت ولاية ليث أربع سنين وسبعة أشهر (٢). فولي أحمد بن إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج. وقدم لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين، ثم صرف لثمان عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين، فولي سنتين وشهرا ونصفا (٣). ثم ولي عبد اللّه (¬b) بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس على الصّلاة، واستخلف لهيعة بن عيسى بن لهيعة الحضرميّ، ثم قدم للنصف من شوّال. وصرف لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة تسعين ومائة وخرج، واستخلف هاشم بن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج (٤). فولي الحسين بن جميل، من قبل الرّشيد، على الصّلاة، وقدم لعشر خلون من رمضان، ثم جمع له الخراج مع الصّلاة في رجب سنة إحدى وتسعين (٥). وخرج أهل الحوف، وامتنعوا من/ أداء الخراج. وخرج أبو النّداء بأيلة في نحو ألف رجل، فقطع الطّريق بأيلة وشعيب ومدين، وأغار على بعض قرى الشّام، وضوى إليه من جذام جماعة، فبلغ من النّهب والقتل مبلغا عظيما. فبعث الرّشيد من بغداد جيشا لذلك، وبعث الحسين بن جميل من مصر عبد العزيز بن الوزير ابن ضابئ الجروي في عسكر. فالتقى العسكران بأيلة، فظفر عبد العزيز بأبي النّداء. وسار

стр. 1020

جيش الرّشيد إلى بلبيس في شوّال سنة إحدى وتسعين ومائة، فأذعن أهل الحوف بالخراج. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة (١). فولي مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصّلاة والخراج، وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر (٢). وفرغ يحيى بن معاذ أمير جيش الرّشيد من أمر الحوف، وقدم الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فكتب إلى أهل الأحواف: «أن اقدموا حتى أوصي بكم مالك بن دلهم». فدخل الرّؤساء من اليمانيّة والقيسيّة، فأخذت عليهم الأبواب وقيّدوا، وسار بهم للنصف من رجب (٣). وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة (٤). فولي الحسن بن التّختاخ (¬a) بن البختكان (¬b) على الصّلاة والخراج، فاستخلف العلاء بن عاصم الخولاني، وقدم لثلاث خلون من ربيع الأوّل. و (¬c) مات الرّشيد، واستخلف ابنه محمد الأمين، فثار الجند بمصر، ووقعت فتنة عظيمة قتل فيها عدّة. وسيّر الحسن مال مصر، فوثب أهل الرّملة وأخذوه (٥). وبلغ الحسن عزله، فسار من طريق الحجاز لفساد طريق الشّام لثمان بقين من ربيع الأوّل سنة أربع وتسعين ومائة، واستخلف عوف بن وهب على الصّلاة، ومحمد بن زياد بن طبق القيسي على الخراج (٦). فولي حاتم بن هرثمة بن أعين، من قبل الأمين، على الصّلاة والخراج. وقدم في ألف من الأبناء فنزل بلبيس، فصالحه أهل الأحواف على خراجهم. وثار عليه أهل نتووتمّي وعسكروا، فبعث إليهم جيشا فانهزموا، ودخل حاتم إلى الفسطاط ومعه نحو مائة من الرّهائن لأربع خلون من شوّال. وصرف في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة (٧).

стр. 1021

فولي جابر بن الأشعث بن يحيى الطّائي، من قبل الأمين، على الصّلاة والخراج لخمس بقين من جمادى الآخرة، وكان ليّنا. فلمّا حدثت فتنة الأمين والمأمون، قام السّريّ بن الحكم غضبا للمأمون، ودعا النّاس إلى خلع الأمين، فأجابوه وبايعوا المأمون لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وتسعين، وأخرجوا جابر بن الأشعث، وكانت ولايته سنة (١). فولي عبّاد بن محمد بن حيّان أبو نصر، من قبل المأمون، على الصّلاة والخراج لثمان خلون من رجب، بكتاب هرثمة بن أعين - وكان وكيله على ضياعه بمصر - في الثامن من رجب سنة ستّ وتسعين. فبلغ الأمين ما كان بمصر، فكتب إلى ربيعة بن قيس بن الزّبير الجرشي - رئيس قيس الحوف - بولاية مصر، وكتب إلى جماعة بمعاونته؛ فقاموا ببيعة الأمين، وخلعوا المأمون، وساروا لمحاربة أهل الفسطاط فخندق عبّاد. وكانت حروب، فقتل الأمين. وصرف عبّاد في صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، فكانت ولايته سنة وسبعة أشهر (٢). فولي المطّلب بن عبد اللّه بن مالك الخزاعي، من قبل المأمون، على الصّلاة والخراج. فدخل من مكّة للنصف من ربيع الأوّل، فكانت في أيّامه حروب، وصرف في شوّال بعد سبعة أشهر (٣). فولي العبّاس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل المأمون، على الصّلاة والخراج؛ فقدم ابنه عبد اللّه، ومعه الحسين بن عبيد بن لوط الأنصاري، في آخر شوّال فسجنا المطّلب (٤). فثار الجند مرارا، فمنعهم الأنصاري أعطياتهم وتهدّدهم، وتحامل على الرّعيّة وعسفها وتهدّد الجميع، فثاروا وأخرجوا المطّلب من الحبس، وأقاموه لأربع عشرة خلت من المحرّم سنة تسع وتسعين ومائة. (¬a)

стр. 1022

وأقبل العبّاس فنزل بلبيس، ودعا قيسا إلى نصرته، ومضى إلى الجروي بتنّيس، ثم عاد فمات في بلبيس لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة (١). ويقال إنّ المطّلب دسّ إليه سمّا في طعامه فمات منه. وكانت حروب وفتن، فكانت ولاية المطّلب هذه سنة وثمانية أشهر (٢). ثم ولي السّريّ بن الحكم بن يوسف - من قوم الزّطّ ومن أهل بلخ - بإجماع الجند عليه عند قيامه على المطّلب في مستهلّ رمضان سنة مائتين (٣). ثم ولي سليمان بن غالب بن جبريل البجلي على الصّلاة والخراج، بمبايعة الجند له، لأربع خلون من ربيع الأوّل سنة إحدى ومائتين، فكانت حروب. ثم صرف بعد خمسة أشهر (٤). وأعيد السّريّ بن الحكم ثانيا، من قبل المأمون، على الصّلاة والخراج. فذمّت ولايته، وأخرجه الجند من الحبس لثنتي عشرة خلت من شعبان، وتتبّع من حاربه وقوي أمره، ومات وهو وال لانسلاخ جمادى الأولى سنة خمس ومائتين، فكانت ولايته هذه ثلاث سنين وتسعة أشهر وثمانية عشر يوما (٥). فولي ابنه محمد بن السّريّ أبو نصر، أوّل جمادى الآخرة، على الصّلاة والخراج، وكان الجروي قد غلب على أسفل الأرض/، فجرت بينهما حروب. ثم مات لثمان خلون من شعبان سنة ستّ ومائتين. وكانت ولايته أربعة عشر شهرا (٦). ثم ولي عبيد اللّه بن السّريّ بن الحكم، بمبايعة الجند، لتسع خلون من شعبان، على الصّلاة والخراج. فكانت بينه وبين الجروي حروب إلى أن قدم عبد اللّه بن طاهر، وأذعن له عبيد اللّه في آخر صفر سنة إحدى عشرة ومائتين (٧). فولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب، من قبل المأمون، على الصّلاة والخراج. فدخل يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، وأقام في معسكره حتى خرج عبيد اللّه بن السّري إلى بغداد للنصف من جمادى الأولى (٨).

стр. 1023

ثم سار إلى الإسكندرية مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة، واستخلف عيسى بن يزيد الجلودي، فحصرها بضع عشرة ليلة، ورجع في جمادى الآخرة، وأمر بالزّيادة في الجامع العتيق فزيد فيه مثله (١). وركب النّيل متوجّها إلى العراق لخمس بقين من رجب، وكان مقامه بمصر واليا سبعة عشر شهرا وعشرة أيام (٢). ثم ولي عيسى بن يزيد الجلودي، باستخلاف ابن طاهر، على صلاتها إلى سابع عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، فصرف ابن طاهر. وولي الأمير أبو إسحاق بن هارون الرّشيد مصر، فأقرّ عيسى على الصّلاة فقط، وجعل على الخراج صالح بن شيرازاد، فظلم الناس وزاد عليهم في خراجهم. فانتقض أهل أسفل الأرض وعسكروا، فبعث عيسى بابنه محمد في جيش، فحاربوه، فانهزم وقتل أصحابه في صفر سنة أربع عشرة (٣). فولي عمير بن الوليد التّميمي، باستخلاف أبي إسحاق بن الرّشيد، على الصّلاة لسبع عشرة خلت من صفر، وخرج ومعه عيسى الجلودي لقتال أهل الحوف في ربيع الآخر، واستخلف ابنه محمد بن عمير. فاقتتلوا، وكانت بينهم معارك قتل فيها عمير لستّ عشرة خلت من ربيع الآخر، فكانت مدّة إمرته ستين يوما (٤). فولي عيسى الجلودي ثانيا لأبي إسحاق على الصّلاة، فحارب أهل الحوف بمنية مطر، ثم انهزم في رجب. وأقبل أبو إسحاق إلى مصر في أربعة آلاف من أتراكه، فقاتل أهل الحوف في شعبان، ودخل إلى مدينة الفسطاط لثمان بقين منه، وقتل أكابر أهل (¬a) الحوف (٥). ثم خرج إلى الشّام غرّة المحرّم سنة خمس عشرة ومائتين في أتراكه، ومعه جمع من الأسارى في ضرّ وجهد شديد (٦). وولي على مصر عبدويه بن جبلة من الأبناء على الصّلاة، فخرج ناس بالحوف في شعبان، فبعث إليهم وحاربهم حتى ظفر بهم (٧).

стр. 1024

ثم قدم الأفشين خيذر (¬a) بن كاوس الصّغدي (¬b) (١) إلى مصر لثلاث خلون من ذي الحجّة، ومعه عليّ بن عبد العزيز الجروي لأخذ ماله، فلم يدفع إليه شيئا فقتله. وصرف عبدويه، وخرج إلى برقة (٢). وولي عيسى بن منصور بن موسى بن عيسى الرّافقي (¬c)، فولي من قبل أبي إسحاق أوّل سنة ستّ عشرة على الصّلاة، فانتقضت أسفل الأرض - عربها وقبطها - في جمادى الأولى، وأخرجوا العمّال لسوء سيرتهم، وخلعوا الطّاعة. فقدم الأفشين من برقة للنصف من جمادى الآخرة، ثم خرج هو وعيسى في شوّال، فأوقعا بالقوم وأسرا منهم وقتلا، ومضى الأفشين ورجع عيسى، فسار الأفشين إلى الحوف وقتل جماعتهم (٣). وكانت حروب إلى أن قدم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون، لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين، فسخط على عيسى، وحلّ لواءه، فأخذه بلباس البياض، ونسب الحدث إليه وإلى عمّاله. وسيّر الجيوش، وأوقع بأهل الفساد، وسبى القبط وقتل مقاتلتهم، ثم رحل لثمان عشرة خلت من صفر بعد تسعة وأربعين يوما (٤). وولي كيدر - وهو نصر بن عبد اللّه أبو مالك الصّغدي (¬b) - فورد كتاب المأمون عليه بأخذ النّاس بالمحنة (٥) في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة، والقاضي بمصر يومئذ هارون بن عبد اللّه الزّهري، فأجاب وأجاب الشّهود، ومن وقف منهم سقطت شهادته، وأخذ بها القضاة والمحدّثون والمؤذّنون، فكانوا على ذلك من سنة ثمان عشرة إلى سنة اثنتين وثلاثين (٦).

стр. 1025

ومات المأمون في رجب سنة ثمان عشرة، وبويع أبو إسحاق المعتصم، فورد كتابه على كيدر ببيعته، ويأمره بإسقاط من في الدّيوان من العرب وقطع العطاء عنهم، ففعل ذلك (١). فخرج يحيى ابن الوزير الجروي في جمع من لخم وجذام. ومات كيدر في ربيع الآخر سنة تسع عشرة ومائتين (٢). فولي ابنه المظفّر بن كيدر، باستخلاف أبيه، وخرج إلى يحيى بن وزير، وقاتله وأسره في جمادى الآخرة. ثم صرفت (¬a) مصر إلى أبي جعفر أشناس، فدعي له بها، وصرف مظفّر في شعبان (٣). فولي موسى بن أبي العبّاس، من قبل أشناس، على الصّلاة مستهلّ شهر رمضان سنة تسع عشرة، وصرف في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائتين، فكانت ولايته أربع سنين وسبعة أشهر (٤). فولي مالك بن كيدر بن عبد اللّه الصّغدي (¬b)، من قبل أشناس، على الصّلاة، وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر، وصرف لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين. فولي سنتين وأحد عشر يوما، وتوفّي لعشر خلون من شعبان سنة ثلاث وثلاثين/ ومائتين (٥). فولي عليّ بن يحيى الأرمنيّ، من قبل أشناس، على صلاتها. وقدم لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ستّ وعشرين ومائتين. ومات المعتصم في ربيع الأوّل سنة سبع وعشرين، وبويع الواثق باللّه، فأقرّه إلى سابع ذي الحجّة سنة ثمان وعشرين ومائتين، فكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر (٦). ثم ولي عيسى بن منصور الثانية، من قبل أشناس، على صلاتها، فدخل لسبع خلون من المحرّم سنة تسع وعشرين ومائتين. ومات أشناس سنة ثلاثين، وجعل مكانه إيتاخ، فأقرّ عيسى (٧). ومات الواثق، وبويع المتوكّل، فصرف عيسى للنصف من ربيع الأوّل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وقدم على ابن مهرويه خليفة هرثمة بن النّضر. ثم مات عيسى في قبّة الهواء بعد عزله لإحدى عشرة خلت من ربيع الآخر (٨).

стр. 1026

فولي هرثمة بن نضر الجبلي، من أهل الجبل، لإيتاخ على الصّلاة. وقدم لستّ خلون من رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. فورد كتاب المتوكّل بترك الجدال في القرآن لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين ومائتين. ومات هرثمة وهو وال، لسبع بقين من رجب سنة أربع، واستخلف ابنه حاتم بن هرثمة (١). فولي حاتم بن هرثمة بن النّضر باستخلاف أبيه له، على الصّلاة، وصرف لستّ خلون من رمضان (٢). فولي عليّ بن يحيى الأرمنيّ الثانية، من قبل إيتاخ على الصّلاة لستّ خلون من رمضان. وصرف إيتاخ في المحرّم سنة خمس وثلاثين، واستصفيت أمواله بمصر، وترك الدّعاء له، ودعي للمنتصر (¬a) مكانه، وصرف عليّ في ذي الحجّة (¬b) منها (٣). فولي إسحاق بن يحيى بن معاذ بن مسلم الختّلي (¬c)، من قبل المنتصر وليّ عهد أبيه المتوكّل على اللّه، على الصّلاة والخراج، فقدم لإحدى عشرة خلت من ذي الحجّة، فورد كتاب المتوكّل والمنتصر بإخراج الطّالبين من مصر إلى العراق، فأخرجوا. ومات إسحاق بعد عزله أوّل ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين ومائتين (٤). فولي خوط عبد الواحد بن يحيى بن منصور بن طلحة بن زريق، من قبل المنتصر، على الصّلاة والخراج. فقدم لتسع بقين من ذي القعدة سنة ستّ وثلاثين ومائتين، وصرف عن الخراج لتسع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين، وأقرّ على الصّلاة. ثم صرف سلخ صفر سنة ثمان وثلاثين بخليفته عنبسة على الصّلاة والشركة في الخراج مستهلّ ربيع الأوّل (٥). فولي عنبسة بن إسحاق بن شمر بن عبس أبو جابر، من قبل المنتصر، على الصّلاة وشريكا لأحمد بن خالد الصّريفيني صاحب الخراج. فقدم لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وأخذ العمّال بردّ المظالم، وأقامهم للناس، وأنصف منهم، وأظهر من العدل ما لم يسمع بمثله في زمانه. وكان يروح ماشيا إلى المسجد الجامع من العسكر، وكان ينادي

стр. 1027

في شهر رمضان: السّحور، وكان يرمى بمذهب الخوارج (١). وفي ولايته نزل الرّوم دمياط وملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من النّاس، وسبوا النّساء والأطفال. فنفر إليهم يوم النّحر من سنة ثمان وثلاثين في جيشه وكثير من النّاس، فلم يدركهم (٢). وأفرد بالخراج (¬a) مع الصّلاة، ثم صرف عن الخراج أوّل جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأفرد بالصّلاة، وورد الكتاب بالدّعاء للفتح بن خاقان في ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين، فدعا له. وعنبسة هذا آخر من ولي مصر من العرب، وآخر أمير صلّى بالنّاس في المسجد الجامع، وصرف أوّل شهر (¬b) رجب منها. فقدم العبّاس بن عبد اللّه بن دينار خليفة يزيد بن عبد اللّه، بولاية يزيد. وكانت ولاية عنبسة أربع سنين وأربعة أشهر، وخرج إلى العراق في رمضان سنة أربع وأربعين (٣). فولي يزيد بن عبد الله بن دينار أبو خالد من الموالي، ولاّه المنتصر على الصّلاة، فقدم لعشر بقين من رجب سنة اثنتين وأربعين، فأخرج المؤنّثين من مصر وضربهم وطاف بهم، ومنع من النّداء على الجنائز، وضرب فيه، وخرج إلى دمياط مرابطا في المحرّم سنة خمس وأربعين، ورجع في ربيع الأوّل، فبلغه نزول الرّوم الفرما، فرجع إليها فلم يلقهم (٤). وعطّل الرّهان، وباع الخيل التي تتّخذ للسّلطان، فلم تجر إلى سنة تسع وأربعين. وتتبّع الرّوافض، وحملهم إلى العراق، وبنى مقياس النّيل في سنة سبع وأربعين (٥). وجرت على العلويّين في ولايته شدائد (٦). ومات المتوكّل في شوّال، وبويع ابنه محمد المنتصر، ومات الفتح بن خاقان، فأقرّ المنتصر يزيد على مصر. ثم مات المنتصر في ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين، وبويع المستعين، فورد كتابه بالاستسقاء لقحط كان بالعراق، فاستسقوا لسبع عشرة خلت من

стр. 1028

ذي القعدة، واستسقى أهل الآفاق في يوم واحد (١). وخلع المستعين في المحرّم سنة اثنتين وخمسين، وبويع المعتزّ، فخرج جابر بن الوليد بأرض الإسكندرية، وكانت هناك حروب ابتدأت من ربيع الآخر (٢)، فقدم مزاحم بن خاقان من العراق معينا ليزيد في جيش كثيف لثلاث عشرة بقيت من رجب، فواقعهم حتى ظفر بهم (٣). ثم صرف يزيد، وكانت مدّته عشر سنين وسبعة أشهر وعشرة أيّام (٤). فولي مزاحم بن خاقان بن/ عرطوج أبو الفوارس التركي، لثلاث خلون من ربيع الأوّل سنة ثلاث وخمسين ومائتين، على الصّلاة من قبل المعتزّ. وخرج إلى الحوف فأوقع بأهله وعاد، ثم خرج إلى الجيزة، فسار إلى ترّوجة فأوقع بأهلها وأسر عدّة من أهل البلاد، وقتل كثيرا، وسار إلى الفيّوم فطاش سيفه وكثر إيقاعه بسكّان النّواحي، وعاد (٥). وولّى الشّرطة أرجوز (¬a)، فمنع النّساء من الحمّامات والمقابر، وسجن المؤنّثين والنّوائح، ومنع من الجهر بالبسملة في الصّلاة بالجامع في رجب سنة ثلاث وخمسين، ولم يزل أهل مصر على الجهر بها في الجامع منذ الإسلام إلى أن منع منها أرجوز (¬a). وأخذ أهل الجامع بتمام الصّفوف، ووكّل بذلك رجلا من العجم يقوم بالسّوط من مؤخّر المسجد، وأمر أهل الحلق بالتحوّل إلى القبلة قبل إقامة الصّلاة، ومنع من المساند التي يستند إليها، ومن الحصر التي كانت للمجالس في الجامع. وأمر أن تصلّى التّراويح في رمضان خمس تراويح، ولم يزل أهل مصر يصلّونها ستّا إلى شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين. ومنع من التّثويب، وأمر بالأذان يوم الجمعة في مؤخّر المسجد، وأن يغلّس بصلاة الصّبح. ونهى أن يشقّ ثوب على ميّت، أو يسوّد وجه، أو يحلق شعر، أو تصيح امرأة، وعاقب في ذلك وشدّد فيه. ثم مات مزاحم لخمس مضين من المحرّم سنة أربع وخمسين (٦). فاستخلف ابنه أحمد بن مزاحم، فولي باستخلاف أبيه على الصّلاة، إلى أن مات لسبع خلون من ربيع الآخر، فكانت ولايته شهرين ويوما (٧). فاستخلف أرجوز (¬a) بن أولغ طرخان

стр. 1029

التركي على الصّلاة، فولي خمسة أشهر ونصفا. وخرج أوّل ذي القعدة بعد أن صرف بأحمد بن طولون في شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين (١). وإليه كان أمر البلد جميعه من أيّام مزاحم، وفي أيّام ابنه أحمد أيضا، واللّه أعلم. ذكر القطائع ودولة بني طولون اعلم أنّ «القطائع» قد زالت آثارها، ولم يبق لها رسم يعرف. وكان موضعها من قبّة الهواء - التي صار مكانها قلعة الجبل - إلى جامع ابن طولون، وهذا أشبه أن يكون طول القطائع. وأمّا عرضها فإنّه من أوّل الرّميلة تحت القلعة إلى الموضع الذي يعرف اليوم بالأرض الصّفراء عند مشهد الرّأس الذي يقال له الآن زين العابدين (٢). وكانت مساحة القطائع ميلا في ميل، فقبّة الهواء كانت في سطح الجرف الذي عليه قلعة الجبل، وتحت قبّة الهواء قصر ابن طولون، وموضع هذا القصر الميدان السّلطاني تحت القلعة، والرّميلة التي تحت القلعة مكان سوق الخيل والحمير والجمال كانت بستانا، ويجاورها الميدان، في الموضع الذي يعرف اليوم بالقبيبات، فيصير الميدان فيما بين القصر والجامع الذي أنشأه أحمد ابن طولون. وبحذاء الجامع دار الإمارة في جهته القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة المحيطة بمصلّى الأمير إلى جوار المحراب. وهناك أيضا دار الحرم. والقطائع عدّة قطع تسكن فيها عبيد ابن طولون وعساكره وغلمانه، وكلّ قطيعة لطائفة. فيقال قطيعة السّودان، وقطيعة الرّوم، وقطيعة الفرّاشين، ونحو ذلك، فكانت كلّ قطيعة لسكنى جماعة بمنزلة الحارات التي بالقاهرة (٣). وكان ابتداء عمارة هذه القطائع وسببها أنّ أمير المؤمنين المعتصم باللّه، أبا إسحاق محمد بن هارون الرّشيد، لمّا اختصّ بالأتراك، ووضع من العرب وأخرجهم من الدّيوان وأسقط أسماءهم

стр. 1030

ومنعهم العطاء، وجعل الأتراك أنصار دولته وأعلام دعوته؛ كان من عظمت عنده منزلته، قلّده الأعمال الجليلة الخارجة عن الحضرة، فيستخلف على ذلك العمل الذي تقلّده من يقوم بأمره، ويحمل إليه ماله، ويدعى له على منابره كما يدعى للخليفة. وكانت مصر عندهم بهذه السّبيل. وقصد المعتصم ومن بعده من الخلفاء بذلك العمل من الأتراك، محاكاة ما فعله الرّشيد بعبد الملك بن صالح، والمأمون بطاهر بن الحسين؛ ففعل المعتصم مثل ذلك بالأتراك، فقلّد أشناس، وقلّد الواثق إيتاخ، وقلّد المتوكّل بغا (¬a) ووصيف، وقلّد المهتدي يارجوخ (¬b)، وغير من ذكرناه من أعمال الأقاليم ما قد تضمّنته كتب التاريخ (١). فتقلّد باكباك مصر، وطلب من يخلفه عليها؛ وكان أحمد بن طولون قد مات أبوه في سنة أربعين ومائتين، ولأحمد عشرون سنة منذ ولد من جارية كانت تدعى قاسم، وكان مولده في سنة عشرين ومائتين، وولدت أيضا أخاه موسى وحبشيّة وسمانة. وكان طولون من الطّغزغزّ (٢) ممّا حمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون - فيما كان موظّفا عليه - من المال والرّقيق والبراذين وغير ذلك في كلّ سنة، وذلك في سنة مائتين (٣). فنشأ أحمد بن طولون نشأ جميلا غير نشء أولاد العجم، فوصف بعلوّ الهمّة، وحسن الأدب، والذّهاب بنفسه عما كان يترامى إليه أهل طبقته، وطلب الحديث، وأحبّ الغزو، وخرج إلى طرسوس/ مرّات، ولقي المحدّثين وسمع منهم وكتب العلم، وصحب الزّهّاد وأهل الورع فتأدّب بآدابهم. وظهر فضله، فاشتهر عند الأولياء، وتميّز على الأتراك، وصار في عداد من يوثق به، ويؤتمن على الأموال والأسرار فزوّجه يارجوخ (¬b) ابنته، وهي أمّ ابنه العبّاس وابنته فاطمة. ثم إنّه سأل

стр. 1031

الوزير عبيد اللّه بن يحيى أن يكتب له برزقه على الثّغر، فأجابه، وخرج إلى طرسوس فأقام بها، وشقّ على أمّه مفارقته، فكاتبته بما أقلقه. فلمّا قفل النّاس إلى سرّ من رأى، سار معهم (¬a) إلى لقاء أمه، وكان في القافلة نحو خمس مائة رجل، والخليفة إذ ذاك المستعين باللّه أحمد بن المعتصم، وكان قد أنفذ خادما إلى بلاد الرّوم لعمل أشياء نفيسة، فلمّا عاد بها - وهي وقر بغل - إلى طرسوس، خرج مع القافلة. وكان من رسم الغزاة أن يسيروا متفرّقين، فطرق الأعراب بعض سوادهم، وجاء الصّائح، فبدر أحمد بن طولون لقتالهم وتبعوه، فوضع السّيف في الأعراب، ورمى بنفسه فيهم حتى استنقذ منهم جميع ما أخذوه وفرّوا منه. وكان من جملة ما استنقذ من الأعراب البغل المحمّل بمتاع الخليفة، فعظم أحمد بما فعل عند الخادم، وكبر في أعين القافلة. فلمّا وصلوا إلى العراق، وشاهد المستعين ما أحضره الخادم أعجب به، وعرّفه الخادم خروج الأعراب وأخذهم البغل بما عليه، وما كان من صنع أحمد بن طولون، فأمر له بألف دينار، وسلّم عليه مع الخادم، وأمره أن يعرّفه به إذا دخل مع المسلمين، ففعل ذلك. وتوالت عليه صلات الخليفة حتى حسنت حاله، ووهبه جارية اسمها ميّاس استولدها ابنه خمارويه في النصف من المحرّم سنة خمسين ومائتين. فلمّا خلع المستعين، وبويع المعتزّ، أخرج بالمستعين إلى واسط، واختار الأتراك أحمد بن طولون أن يكون معه، فسلّم إليه ومضى به، فأحسن عشرته، وأطلق له التّنزّه والصّيد، وخشي أن يلحقه منه احتشام، فألزمه كاتبه أحمد بن محمد الواسطي، وهو إذ ذاك غلام حسن الشاهد حاضر النادرة، فأنس به المستعين. ثم إنّ قبيحة (¬b) أمّ المعتزّ كتبت إلى أحمد بن طولون بقتل المستعين وقلّدته واسط، فامتنع من ذلك، وكتب إلى الأتراك يخبرهم بأنّه لا يقتل خليفة له في رقبته بيعة. فزاد محلّه عند الأتراك بذلك، ووجّهوا سعيدا الحاجب، وكتبوا إلى ابن طولون بتسليم المستعين له، فتسلّمه منه وقتله، وواراه ابن طولون، وعاد إلى سرّ من رأى، وقد تقلّد باكباك مصر وطلب من يوجّهه إليها، فذكر له أحمد بن طولون، فقلّده خلافته، وضمّ إليه جيشا. وسار إلى مصر، فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، متقلّدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها كالإسكندرية ونحوها. ودخل معه أحمد

стр. 1032

ابن محمد الواسطيّ. وجلس النّاس لرؤيته، فسأل بعضهم غلام أبي قبيل صاحب الملاحم - وكان مكفوفا - عمّا يجده في كتبهم. فقال: هذا رجل نجد صفته كذا وكذا، وأنّه يتقلّد الملك هو وولده قريبا من أربعين سنة. فما تمّ كلامه حتى أقبل أحمد بن طولون، وإذا هو على النّعت الذي قال. [الدّولة الطولونيّة] (١) ولمّا تسلّم أحمد بن طولون مصر، كان على الخراج أحمد بن محمد بن المدبّر - وهو من دهاة النّاس وشياطين الكتّاب - فأهدى إلى أحمد بن طولون هدايا قيمتها عشرة آلاف دينار، بعد ما خرج إلى لقائه هو وشقير الخادم، غلام قبيحة (¬a) أمّ المعتزّ، وهو يتقلّد البريد. فرأى ابن طولون بين يدي ابن المدبّر مائة غلام من الغور، قد انتخبهم وصيّرهم عدّة وجمالا، وكان لهم خلق حسن وطول أجسام وبأس شديد، وعليهم أقبية ومناطق ثقال عراض، وبأيديهم مقارع غلاظ على طرف كلّ مقرعة مقمعة من فضّة، وكانوا يقفون بين يديه في حافتي مجلسه إذا جلس، فإذا ركب ركبوا بين يديه، فيصير له بهم هيبة عظيمة في صدور النّاس. فلمّا بعث ابن المدبّر بهديّته إلى ابن طولون ردّها عليه، فقال ابن المدبّر: إنّ هذه لهمّة عظيمة، من كانت هذه همّته لا يؤمن على طرف من الأطراف. فخافه وكره مقامه بمصر معه، وسار إلى شقير الخادم صاحب البريد، واتّفقا على مكاتبة الخليفة بإزالة ابن طولون.

стр. 1033

فلم يكن غير أيّام حتى بعث ابن طولون إلى ابن المدبّر يقول له: قد كنت - أعزّك اللّه - أهديت لنا هديّة وقع الغنى عنها، ولم يجز أن يغتنم مالك - كثّره اللّه - فرددناها (¬a) توفيرا عليك، ونحبّ أن تجعل العوض منها الغلمان الذين رأيتهم بين يديك، فأنا إليهم أحوج منك. فقال ابن المدبّر لمّا بلغته الرّسالة: هذه أخرى أعظم ممّا تقدّم قد ظهرت من هذا الرجل، إذ كان يردّ الأعراض والأموال، ويستهدي الرّجال ويثابر عليهم، ولم يجد بدّا من أن بعثهم إليه. فتحوّلت هيبة ابن المدبّر إلى ابن طولون، ونقصت مهابة ابن المدبّر بمفارقة الغلمان مجلسه. فكتب ابن المدبّر فيه إلى الحضرة يغري به ويحرّض على عزله، فبلغ ذلك ابن طولون فكتم في نفسه ولم يبده. واتّفق موت المعتزّ في رجب سنة خمس وخمسين، وقيام المهتدي باللّه محمد بن الواثق، وقتل باكباك وردّ جميع ما كان بيده إلى يارجوخ (¬b) التركي، حمو ابن طولون، فكتب إليه: «تسلّم من نفسك لنفسك»، وزاده الأعمال الخارجة عن قصبة مصر، وكتب إلى إسحاق بن دينار وهو يتقلّد الإسكندرية/ أن يسلّمها لأحمد بن طولون. فعظمت لذلك منزلته، وكثر قلق ابن المدبّر وغمّه، ودعته ضرورة الخوف من ابن طولون إلى ملاطفته والتقرّب من خاطره. وخرج ابن طولون إلى الإسكندرية، وتسلّمها من إسحاق بن دينار، وأقرّه عليها. وكان (¬c) عيسى بن شيخ الشّيباني يتقلّد جندي فلسطين والأردنّ، فلمّا مات وثب ابنه على الأعمال واستبدّ بها، فبعث ابن المدبّر سبع مائة ألف وخمسين ألف دينار حملا من مال مصر إلى بغداد، فقبض ابن شيخ عليها، وفرّقها في أصحابه، وكانت الأمور قد اضطربت ببغداد، فطمع ابن شيخ في التغلّب على الشّامات، وشيّع (¬d) أنّه يريد مصر. فلمّا قتل المهدي في رجب سنة ستّ وخمسين، وبويع المعتمد باللّه أحمد بن المتوكّل، لم يدع ابن شيخ له، ولا بايع هو ولا أصحابه فبعث إليه بتقليد أرمينية زيادة على ما معه من بلاد الشّام، وفسح له في الاستخلاف عليها والإقامة على عمله، فدعا حينئذ للمعتمد. وكتب إلى ابن طولون أن يتأهّب لحرب ابن شيخ، وأن يزيد في عدّته، وكتب لابن المدبّر أن يطلق له من المال ما يريد (¬e). فعرض ابن طولون الرّجال، وأثبت من يصلح، واشترى العبيد من الرّوم والسّودان، وعمل سائر ما يحتاج إليه، وخرج في تجمّل كبير وجيش عظيم، وبعث إلى ابن شيخ يدعوه إلى طاعة

стр. 1034

الخليفة، وردّ ما أخذ من المال، فأجاب بجواب قبيح. فسار لستّ خلون من جمادى الآخرة، واستخلف أخاه موسى بن طولون على مصر، ثم رجع من الطّريق بكتاب ورد عليه من العراق، ودخل الفسطاط في شعبان (١). وقدم من العراق أماجور (¬a) (٢) التركي لمحاربة ابن شيخ، فلقيه أصحاب ابن شيخ وعليهم ابنه فانهزموا منه وقتل الابن، واستولى أماجور على دمشق، ولحق ابن شيخ بنواحي أرمينية، وتقلّد أماجور (¬a) أعمال الشّام كلّه. وصار أحمد بن طولون، من كثرة العبيد والرّجال والآلات بحال يضيق به داره ولا يتّسع له، فركب إلى سفح الجبل في شعبان وأمر بحرث قبور اليهود والنّصارى، واختطّ موضعها، فبنى القصر والميدان، وتقدّم إلى أصحابه وغلمانه وأتباعه أن يختطّوا لأنفسهم حوله، فاختطّوا وبنوا حتى اتّصل البناء بعمارة الفسطاط (٣). ثم قطّعت القطائع، وسمّيت كلّ قطيعة باسم من سكنها: فكانت للنّوبة قطيعة (¬b) مفردة تعرف بهم، وللرّوم قطيعة (¬b) مفردة تعرف بهم، وللفرّاشين قطيعة (¬b) مفردة تعرف بهم، ولكلّ صنف من الغلمان قطيعة (¬b) مفردة تعرف بهم. وبنى القوّاد مواضع متفرّقة، فعمرت القطائع عمارة حسنة، وتفرّقت فيها السّكك والأزقّة، وبنيت فيها المساجد الحسان والطّواحين والحمّامات والأفران (٤). وسمّيت أسواقها: فقيل سوق العيّارين وكان يجمع العطّارين والبزّازين، وسوق الفاميّين ويجمع الجزّارين والبقّالين والشّوّائين، فكان في دكاكين الفاميّين جميع ما في دكاكين نظرائهم في المدينة وأكثر وأحسن، وسوق الطّبّاخين ويجمع الصّيارف والخبّازين والحلوانيّين، ولكلّ من

стр. 1035

الباعة سوق حسن عامر نبيل (¬a). فصارت «القطائع» مدينة كبيرة أعمر من أكبر مدن الشّام وأحسن (¬b). وبنى ابن طولون قصره ووسّعه وحسّنه، وجعل له ميدانا كبيرا يضرب فيه بالصّوالجة، فسمّي القصر كلّه الميدان، وكان كلّ من أراد الخروج من صغير وكبير إذا سئل عن ذهابه يقول: «إلى الميدان». وعمل للميدان أبوابا لكلّ باب اسم، وهي: باب الميدان ومنه كان يدخل ويخرج معظم الجيش، وباب الصّوالجة، وباب الخاصّة ولا يدخل منه إلاّ خاصّة ابن طولون، وباب الجبل لأنّه ممّا يلي جبل المقطّم، وباب الحرم ولا يدخل منه إلاّ خادم خصيّ أو حرمة، وباب الدّرمون لأنّه كان يجلس عنده حاجب أسود عظيم الخلقة يتقلّد جنايات الغلمان السّودان الرّجّالة فقط، يقال له الدّرمون، وباب دعناج لأنّه كان يجلس عنده حاجب يقال له دعناج، وباب السّاج لأنّه عمل من خشب السّاج، وباب الصّلاة لأنّه كان في الشّارع الأعظم ومنه يتوصّل إلى جامع ابن طولون، وعرف هذا الباب أيضا بباب السّباع لأنّه كان عليه صورة سبعين من جبس (١). وكان الطّريق الذي يخرج منه ابن طولون - وهو الذي يعرج منه إلى القصر - طريقا واسعا، فقطعه بحائط، وعمل فيه ثلاثة أبواب كأكبر ما يكون من الأبواب، وكانت متّصلة بعضها ببعض واحدا بجانب الآخر. فكان (¬c) ابن طولون إذا ركب يخرج معه عسكر متكاثف الخروج على ترتيب حسن بغير زحمة، ثم يخرج ابن طولون من الباب الأوسط من الأبواب الثلاثة بمفرده من غير أن يختلط به أحد من الناس. وكانت الأبواب المذكورة تفتح كلّها في يوم العيد، أو يوم عرض الجيش، أو يوم صدقة، وما عدا هذه الأيام لا تفتح إلاّ بترتيب في أوقات معروفة (٢). وكان القصر له مجلس يشرف منه ابن طولون يوم العرض ويوم الصّدقة لينظر من أعلاه من يدخل ويخرج. وكان الناس يدخلون من باب الصّوالجة، ويخرجون من باب السّباع. وكان

стр. 1036

على باب السّباع مجلس يشرف منه ابن طولون ليلة العيد على القطائع، ليرى حركات الغلمان وتأهّبهم وتصرّفهم في حوائجهم، فإذا رأى في حال أحد منهم نقصا أو خللا، أمر له بما يتّسع به ويزيد في تجمّله؛ وكان يشرف منه أيضا/ على البحر، وعلى باب مدينة الفسطاط وما يلي ذلك؛ فكان متنزّها حسنا. وبنى الجامع فعرف بالجامع الجديد، وبنى العين والسّقاية بالمعافر، وبنى تنّور فرعون فوق الجبل. واتّسعت أحواله، وكثرت إسطبلاته وكراعه، وعظم صيته، فخافه أماجور (¬a)، وكتب فيه إلى الحضرة يغري به، وكتب فيه ابن المدبّر وشقير الخادم. وكانت لابن طولون أعين وأصحاب أخبار يطالعونه بسائر ما يحدث؛ فلمّا بلغه ذلك، تلطّف أصحاب الأخبار له ببغداد عند الوزير، حتى سيّر إلى ابن طولون بكتب ابن المدبّر وكتب شقير من غير أن يعلما بذلك، فإذا فيها «إنّ أحمد بن طولون عزم على التّغلّب على مصر والعصيان بها». فكتم خبر الكتب، وما زال بشقير حتى مات، وكتب إلى الحضرة يسأل صرف ابن المدبّر عن الخراج وتقليد هلال، فأجيب إلى ذلك، وقبض على ابن المدبّر وحبسه، وكانت له معه أمور آلت إلى خروج ابن المدبّر عن مصر. وتقلّد ابن طولون خراج مصر مع المعونة والثّغور الشّامية، فأسقط «المعاون والمرافق» (١) - وكانت بمصر خاصّة في كلّ سنة مائة ألف دينار - فأظفره اللّه عقيب ذلك بكنز فيه ألف ألف دينار بنى منه المارستان (٢). وخرج إلى الشّام وقد تقلّدها، فتسلّم دمشق وحمص، ونازل أنطاكية حتى أخذها. وكانت صدقاته على أهل المسكنة والسّتر وعلى الضّعفاء والفقراء وأهل التّجمّل متواترة، وكان راتبه لذلك في كلّ شهر ألفي دينار سوى ما يطرأ عليه من النّذور وصدقات الشّكر على تجديد النّعم، وسوى مطابخه التي أقيمت في كلّ يوم للصّدقات في داره وغيرها، يذبح فيها البقر والكباش، ويغرف للناس في القدور الفخّار والقصاع، على كلّ قدر أو قصعة لكلّ مسكين أربعة أرغفة، في اثنين منها فالوذج، والاثنان الآخران على القدر. وكانت تعمل في داره وينادى: من

стр. 1037

أحبّ أن يحضر دار الأمير فليحضر. وتفتح الأبواب، ويدخل النّاس الميدان وابن طولون في المجلس الذي تقدّم ذكره ينظر إلى المساكين، ويتأمّل فرحهم بما يأكلون ويحملون، فيسرّه ذلك ويحمد اللّه على نعمته (١). ولقد قال له مرّة إبراهيم بن قراطغان، وكان على صدقاته: أيّد اللّه الأمير، إنّا نقف في المواضع التي تفرّق فيها الصّدقة، فتخرج لنا الكفّ الناعمة المخضوبة نقشا، والمعصم الرائع فيه الحديدة، والكفّ فيها الخاتم. فقال: يا هذا، كلّ من مدّ إليك يده فأعطه، فهذه هي اللطيفة المستورة التي ذكرها اللّه في كتابه فقال: ﴿يَحْسَبُهُمُ اَلْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ﴾ [الآية ٢٧٣ سورة البقرة]، فاحذر أن تردّ يدا امتدّت إليك، وأعط كل من يطلب منك. فلمّا مات أحمد بن طولون، وقام من بعده ابنه خمارويه، أقبل على [عمارة] (¬a) قصر أبيه وزاد فيه، وأخذ الميدان الذي كان لأبيه فجعله كلّه بستانا، وزرع فيه أنواع الرّياحين وأصناف الشّجر، ونقل إليه الودى اللطيف الذي ينال ثمره القائم، ومنه ما يتناوله الجالس من أصناف خيار النّخل، وحمل إليه كلّ صنف من الشجر المطعّم العجيب وأنواع الورد، وزرع فيه الزّعفران؛ وكسا أجسام النّخل نحاسا مذهّبا حسن الصّنعة، وجعل بين النّحاس وأجساد النّخل مزاريب الرّصاص، وأجرى فيها الماء المدبّر، فكان يخرج من تضاعيف قائم النّخل عيون الماء؛ فتنحدر إلى فساقي معمولة، ويفيض منها الماء إلى مجار تسقي سائر البستان. وغرس فيه من الرّيحان المزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة، يتعاهدها البستانيّ بالمقراض حتى لا تزيد ورقة على ورقة، وزرع فيه النّيلوفر الأحمر والأزرق والأصفر والخيري (¬b) العجيب، وأهدي إليه من خراسان وغيرها كلّ أصل عجيب، وطعموا له شجر المشمش باللّوز، وأشباه ذلك من كلّ ما يستظرف ويستحسن (٢). وبنى فيه برجا من خشب السّاج المنقوش بالنقر النافذ [وطعّمه] (¬a) ليقوم مقام الأقفاص، وزوّقه بأصناف الأصباغ، وبلّط أرضه، وجعل في تضاعيفه أنهارا لطافا، جداولها يجري فيها الماء مدبرا من السّواقي التي تدور على الآبار العذبة، ويسقي منها الأشجار وغيرها.

стр. 1038

ومرج (¬a) في هذا البرج من أصناف القماري والدّباسيّ والنّوبيّات (¬b) وكلّ طائر مستحسن حسن الصّوت، فكانت الطّير تشرب وتغتسل من تلك الأنهار الجارية في البرج، وجعل فيه أوكارا في قواديس لطيفة ممكنة في جوف الحيطان لتفرخ الطّيور فيها، وعارض لها فيه عيدانا ممكّنة في جوانبه لتقف عليها إذا تطايرت حتى يجاوب بعضها بعضا بالصّياح، وسرّح في البستان من الطّير العجيب، كالطّواويس ودجاج الحبش ونحوها، شيئا كثيرا (١). وعمل في داره مجلسا برواقه سمّاه «بيت الذّهب» (¬c)، طلى حيطانه كلّها بالذّهب المجاول باللاّزورد، المعمول في أحسن نقش وأظرف تفصيل، وجعل فيه - على مقدار قامة ونصف - صورا في حيطانه بارزة من خشب معمول على صورته وصور حظاياه والمغنّيات اللاتي تغنّينه، بأحسن تصوير وأبهج تزويق، وجعل على رؤوسهنّ الأكاليل من الذّهب الخالص الإبريز الرّزين، والكوادن المرصّعة بأصناف الجواهر، وفي آذانها الأخراص (¬d) الثّقال الوزن المحكمة الصّنعة، وهي مسمرّة في الحيطان، ولوّنت/ أجسامها بأصناف أشباه الثّياب من الأصباغ العجيبة، فكان هذا البيت من أعجب مباني الدنيا (¬e) (٢). وجعل بين يدي هذا البيت (¬f) «فسقيّة» مقدّرة، وملأها زئبقا؛ وذلك أنّه شكا إلى طبيبه كثرة السّهر، فأشار عليه بالتّغميز (¬g)، فأنف من ذلك وقال: لا أقدر على وضع يد أحد عليّ؛ فقال له: تأمر بعمل بركة من الزّئبق، فعمل بركة - يقال إنّها خمسون ذراعا طولا في خمسين ذراعا عرضا - وملأها من الزّئبق، فأنفق في ذلك أموالا عظيمة، وجعل في أركان البركة سككا من الفضة الخالصة، وجعل في السّكك زنانير من حرير محكمة الصّنعة في حلق من الفضّة، وعمل فرشا من أدم يحشى بالرّيح حتى ينتفخ فيحكم حينئذ شدّه، ويلقى على تلك البركة الزّئبق، وتشدّ زنانير الحرير التي في حلق الفضّة بسكك الفضّة، وينام على هذا الفرش، فلا يزال الفرش يرتجّ ويتحرّك بحركة الزّئبق ما دام عليه. وكانت هذه البركة من أعظم ما سمع به من الهمم الملوكية، فكان يرى لها في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا تألّف نور القمر بنور الزّئبق. ولقد أقام الناس بعد خراب القصر مدّة يحفرون

стр. 1039

لأخذ الزّئبق من شقوق البركة. وما عرف ملك قطّ تقدّم خمارويه في عمل مثل هذه البركة (١). وبنى أيضا في القصر قبّة تضاهي قبّة الهواء سمّاها «الدّكّة»، فكانت أحسن شيء بنى، وجعل لها السّتر التي تقي الحرّ والبرد، فتسدل (¬a) إذا شاء وترفع إذا أحبّ، وفرش أرضها بالفرش السرية، وعمل لكلّ فصل فرشا يليق به. وكان كثيرا ما يجلس في هذه القبّة ليشرف منها على جميع ما في داره من البستان وغيره، ويرى الصّحراء والنّيل والجبل وجميع المدينة. وبنى ميدانا آخر أكبر من ميدان أبيه (٢). وكان أحمد بن طولون قد اتّخذ حجرة بقربه فيها رجال سمّاهم بالمكبّرين، عدّتهم اثنا عشر رجلا، يبيت منهم في كلّ ليلة أربعة يتعاقبون الليل نوبا، يكبّرون ويسبّحون ويحمدون ويهلّلون، ويقرأون القرآن تطريبا بألحان، ويتوسّلون بقصائد زهديّة، ويؤذّنون أوقات الأذان (٣). فلمّا ولي خمارويه، أقرّهم على حالهم، وأجراهم على رسمهم. وكان يجلس للشّرب مع خظاياه في اللّيل وقيناته تغنّيه، فإذا سمع أصوات هؤلاء يذكرون اللّه والقدح في يده وضعه بالأرض وأسكت مغنّياته، وذكر اللّه معهم أبدا حتى يسكت القوم لا يضجره ذلك، ولا يغيظه أن قطع عليه ما كان فيه من لذّته بالسّماع. وبنى أيضا في داره دارا للسّباع، عمل فيها بيوتا بآزاج، كلّ بيت يسع سبعا ولبوءته، وعلى تلك البيوت أبواب تفتح من أعلاها بحركات، ولكلّ بيت منها طاق صغير يدخل منه الرجل الموكّل بخدمة ذلك البيت لفرشه بالرّمل (¬b)، وفي جانب كل بيت حوض من رخام بميزاب من نحاس يصبّ فيه الماء. وبين يدي هذه البيوت قاعة (¬c) فسيحة متّسعة، فيها رمل مفروش بها، وفي جانبها حوض كبير من رخام يصبّ فيه ماء من ميزاب كبير. فإذا أراد سائس سبع من تلك السّباع تنظيف بيته، أو وضع وظيفة اللّحم التي لغذائه، رفع الباب بحيلة من أعلى البيت، وصاح بالسّبع فيخرج إلى القاعة (¬d) المذكورة، ويردّ الباب، ثم ينزل إلى البيت من الطاق، فيكنس الزّبل، ويبدّل الرّمل بغيره ممّا هو نظيف، ويضع الوظيفة من اللّحم

стр. 1040

في مكان معدّ لذلك بعد ما يخلّص ما فيه من الغدد، ويقطعه لهما، ويغسل الحوض ويملأه ماء، ثم يخرج ويرفع الباب من أعلاه. وقد عرف السّبع ذاك، فحال ما يرفع السّائس باب البيت، دخل إليه الأسد فأكل ما هيّئ له من اللّحم حتى يستوفيه، ويشرب من الماء كفايته. فكانت هذه مملوءة من السّباع، ولهم أوقات يفتح فيها سائر بيوت السّباع، فتخرج إلى القاعة (¬a) وتتشمّس (¬b) فيها، وتمرح وتلعب ويهارش بعضها بعضا، فتقيم يوما كاملا إلى العشيّ، فيصيح بها السّوّاس، فيدخل كلّ سبع إلى بيته لا يتخطّاه إلى غيره. وكان من جملة هذه السّباع سبع أزرق العينين يقال له «زريق» قد أنس بخمارويه، وصار مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا، ويقام له بوظيفته من الغذاء في كلّ يوم. فإذا نصبت مائدة خمارويه، أقبل زريق معها، وربض بين يديه، فرمى إليه بيده الدّجاجة بعد الدّجاجة، والفضلة الصّالحة من الجدي، ونحو ذلك ممّا على المائدة، فيتفكّه به. وكانت له لبوءة لم تأنس (¬c) كما أنس، فكانت مقصورة في بيت، ولها وقت معروف يجتمع معها فيه. فإذا نام خمارويه جاء زريق ليحرسه، فإن كان قد نام على سرير ربض بين يدي السرير، وجعل يراعيه ما دام نائما، وإن كان إنّما نام على الأرض، بقي قريبا منه، وتفطّن لمن يدخل ويقصد خمارويه، لا يغفل عن ذلك لحظة واحدة. وكان على ذلك دهره، قد ألف ذلك ودرّب عليه، وكان في عنقه طوق من ذهب، فلا يقدر أحد أن يدنو من خمارويه ما دام نائما لمراعاة زريق له وحراسته إيّاه؛ حتى إذا شاء اللّه إنفاذ قضائه في خمارويه، كان بدمشق وزريق غائب عنه بمصر، ليعلم أنّه لا يغني حذر من قدر (١). وبنى أيضا «دار الحرم»، ونقل إليها أمّهات أولاد أبيه مع أولادهن، وجعل معهنّ المعزولات من أمّهات أولاده، وأفرد لكلّ واحدة حجرة واسعة، نزل في كلّ حجرة منها بعد زوال دولتهم، قائد جليل فوسعته، وفضل عنه منها شيء. وأقام/ لكلّ حجرة، من الأنزال والوظائف الواسعة، ما كان يفضل عن أهلها منه شيء كثير؛ فكان الخدم الموكّلون بالحرم، من الطّبّاخين وغيرهم، يفضل لكلّ منهم - مع كثرة عددهم - بعد التوسّع في قوته، الزّلّة الكبيرة والتي فيها العدّة من

стр. 1041

الدّجاج، فمنها ما قلع فخذها ومنها ما قد تشعّب صدرها، ومن الفراخ مثل ذلك، مع القطع الكبار من الجدي ولحوم الضّأن، والعدّة من ألوان عديدة، والقطع الصّالحة من الفالوذج، والكثير من اللّوزينج والقطائف والهبرات (¬a) من العصيدة - التي تعرف اليوم في وقتنا هذا بالمأمونية - وأشباه ذلك مع الأرغفة الكبار. واشتهر بمصر بيعهم لذلك وعرفوا به، فكان الناس يتناوبونهم لذلك. وأكثر ما تباع الزّله الكبيرة منها بدرهمين، ومنها ما يباع بدرهم، فكان كثير من الناس يتفكّهون من هذه الزّلاّت. وكان شيئا موجودا في كلّ وقت لكثرته واتّساعه، بحيث إنّ الرجل إذا طرقه ضيف خرج من فوره إلى باب دار الحرم، فيجد ما يشتريه ليتجمّل به لضيفه، ممّا لا يقدر على عمل مثله، ولا يتهيّأ له من اللّحوم والفراخ والدّجاج والحلوى مثل ذلك (١). واتّسعت أيضا إسطبلات خمارويه، فعمل لكلّ صنف من الدّواب إسطبلا مفردا: فكان للخيل الخاصّ إسطبل مفرد، والدّواب الغلمان إسطبلات عدّة، ولبغال القباب إسطبلات، ولبغال النّقل غير بغال القباب إسطبلات، وللنّجائب والبخاتي إسطبلات لكلّ صنف إسطبل مفرد، للاتساع في المواضع، والتفنّن في الأثقال. وعمل للنّمور دارا مفردة، وللفهود دارا مفردة، وللفيلة دارا، وللزّرافات دارا. كلّ ذلك سوى الإسطبلات التي بالجيزة، فإنّه كان له في عدّة ضياع من الجيزة إسطبلات، مثل نهيا ووسيم وسفط وطهرمس وغيرها، وكانت هذه الضّياع لا تزرع إلا القرط برسم الدّواب. وكان للخليفة أيضا بمصر إسطبلات، سوى ما ذكر، تنتج فيها الخيل لحلبة السّباق، وللرّباط في سبيل اللّه تعالى برسم الغزو. وكان لكلّ دار من الدّور المذكورة، ولكلّ إسطبل، وكلاء لهم الرّزق السّنيّ والوظائف الكثيرة والأموال المتّسعة (٢). وبلغ رزق الجيش في أيام خمارويه تسع مائة ألف دينار في كلّ سنة، وقام مطبخه المعروف ب «مطبخ العامّة»، بثلاثة وعشرين ألف دينار في كلّ شهر، سوى ما هو موظّف لجواريه وأرزاق من يخدمهن ويتصرّف في حوائجهن. وكان قد اتّخذ لنفسه، من مولدي (¬b) الحوف وشناترة الضّياع، قوما معروفين بالشّجاعة

стр. 1042

والبأس، لهم خلق عظيم تام وعظم أجسام. وأدرّ عليهم الأرزاق، ووسّع لهم في العطاء، وشغلهم عمّا كانوا فيه من قطع الطريق وأذيّة الناس بخدمته، وألبسهم الأقبية وجواشن الدّيباج، وصاغ لهم المناطق العراض الثّقال، وقلّدهم السّيوف المحلاّة يضعونها على أكتافهم إذا مشوا بين يديه (¬a) وسمّاهم «المختارة»، فكان إذا ركب ومضى الحجّاب بين يديه (¬a) وموكبه على ترتيبه، ومضت أصناف العسكر وطوائفه، تلاهم السّودان وعدّتهم ألف أسود، لهم درق من حديد محكم الصّنعة، وعليهم أقبية سود وعمائم سود، فيخالهم الناظر إليهم بحرا أسود يسير لسواد ألوانهم وسواد ثيابهم، ويصير لبريق درقهم وحليّ سيوفهم والبيض التي تلمع على رؤوسهم من تحت العمائم زيّ بهج؛ فإذا مضى السّودان قدم خمارويه وقد انفرد عن موكبه، وصار بينه وبين الموكب نحو نصف غلوة (١) سهم والمختارة تحفّ به، وكان تامّ الظهر ويركب فرسا تامّا، فيصير كالكوكب إذا أقبل لا يخفى على أحد، كأنّه قطعة جبل في وسط المختارة. وكان مهابا (¬b) ذا سطوة، وقد وقع في قلوب الكافّة أنّه متى أشار إليه أحد بأصبعه أو تكلّم أو قرب منه، لحقه مكروه عظيم؛ فكان إذا أقبل كما ذكرنا، لا يسمع من أحد كلمة ولا سعلة ولا عطسة، ولا نحنحة ألبتّة، كأنّما على رؤوسهم الطير؛ وكان يتقلّد في يوم العيد سيفا بحمائل، ولا يزال يتفرّج ويتنزّه، ويخرج إلى مواضع لم يكن أبوه يهشّ إليها، كالأهرام ومدينة العقاب ونحو ذلك، لأجل الصّيد فإنّه كان مشغوفا به، لا يكاد يسمع بسبع إلاّ قصده ومعه رجال عليهم لبود، فيدخلون إلى الأسد ويتناولونه بأيديهم من غابه عنوة وهو سليم، فيضعونه في أقفاص من خشب محكمة الصّنعة يسع الواحد منها السّبع وهو قائم، فإذا قدم خمارويه من الصّيد، سار القفص وفيه السّبع بين يديه. وكانت حلبة السّباق في أيامهم تقوم مقام الأعياد، لكثرة الزّينة وركوب سائر الغلمان والعساكر - على كثرتهم - بالسّلاح التام والعدد الكاملة، فيجلس الناس لمشاهدة ذلك كما يجلسون في الأعياد، وتطلق الخيل من غايتها، فتمرّ متفاوتة يقدم بعضها بعضا حتى يتمّ السّبق (٢).

стр. 1043

قال القضاعيّ: «المنظر» بناه أحمد بن طولون في ولايته لعرض الخيل. وكان عرض الخيل من عجائب الإسلام الأربعة التي منها هذا العرض، ورمضان بمكّة، والعيد كان بطرسوس، والجمعة ببغداد؛ فبقي من هذه الأربعة شهر رمضان بمكّة، والجمعة ببغداد، وذهبت اثنتان (١). قال كاتبه: وقد ذهبت الجمعة من بغداد (¬a) أيضا بعد القضاعي، بقتل هولاكو للخليفة المستعصم، وزوال شعائر الإسلام من العراق، وبقيت مكّة - شرّفها/ اللّه تعالى - وليس في شهر رمضان الآن بها ما يقال فيه إنّه من عجائب الإسلام (٢). ولمّا تكامل عزّ خمارويه وانتهى أمره، بدأ يسترجع منه الدّهر ما أعطاه؛ فأوّل ما طرقه موت حظيّته بوران التي من أجلها بنى بيت الذّهب، وصوّر فيه صورتها وصورته كما تقدّم، وكان يرى أنّ الدّنيا لا تطيب له إلاّ بسلامتها وبنظره إليها وتمتّعه بها، فكدّر موتها عيشه، وانكسر انكسارا بان عليه. ثم إنّه أخذ في تجهيز ابنته، فجهّزها جهازا ضاهى به نعم الخلافة، فلم يبق خطيرة ولا طرفة من كلّ لون وجنس إلاّ حمله معها. فكان من جملته دكّة أربع قطع من ذهب، عليها قبّة من ذهب مشبّك، في كلّ عين من التشبيك قرط معلّق فيه حبّة جوهر لا يعرف لها قيمة، ومائة هون من ذهب (٣). قال القضاعيّ: وعقد المعتضد النّكاح على ابنته - يعني ابنة خمارويه - قطر النّدى، فحملها أبو الجيش خمارويه مع أبي (¬b) عبد اللّه بن الجصّاص (¬c) (٤)، وحمل معها ما لم ير مثله، ولا يسمع به. ولمّا دخل إليه ابن الجصّاص (¬c) يودّعه، قال له خمارويه: هل بقي بيني وبينك حساب؟ فقال: لا؛ فقال: انظر حسنا (¬d)، فقال: كسر بقي من الجهاز؛ فقال: أحضروه، فأخرج ربع طومار فيه

стр. 1044

ثبت ذكر النّفقة، فإذا هي أربع مائة ألف دينار، قال محمد بن علي الماذرائي: فنظرت في الطّومار، فإذا فيه «وألف تكّة، الثّمن عنها عشرة آلاف دينار»؛ فأطلق له الكلّ. قال القضاعيّ: وإنّما ذكرت هذا الخبر لتستدل به على أشياء: منها سعة نفس أبي الجيش، ومنها كثرة ما كان يملكه ابن الجصّاص (¬a)، حتى إنّه قال: «كسر بقي من الجهاز»، وهو أربع مائة ألف دينار، لو لم يقتضه ذلك لم يذكره. ومنها ميسور ذلك الزّمان، لمّا طلب فيه ألف تكّة من أثمان عشرة دنانير قدر عليها في أيسر وقت وبأهون سعي، ولو طلب اليوم خمسون لم يقدر عليها (١). قال كاتبه: ولا يعرف اليوم، في أسواق القاهرة ومصر، تكّة بعشرة دنانير إذا طلبت توجد في الحال، ولا بعد شهر، إلاّ أن يعتني بعملها فتعمل. ولمّا فرغ خمارويه من جهاز ابنته، أمر فبني لها - على رأس كلّ مرحلة تنزل بها - قصر فيما بين مصر وبغداد، وأخرج معها أخاه شيبان بن أحمد بن طولون في جماعة مع ابن الجصّاص (¬a)، فكانوا يسيرون بها سير الطّفل في المهد، فإذا وافت المنزل وجدت قصرا قد فرش فيه جميع ما يحتاج إليه، وعلّقت فيه السّتور، وأعدّ فيه كلّ ما يصلح لمثلها في حال الإقامة. فكانت في مسيرها من مصر إلى بغداد - على بعد الشّقّة - كأنّها في قصر أبيها، تنتقل من مجلس إلى مجلس، حتى قدمت بغداد أوّل المحرّم سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فزفّت على الخليفة المعتضد (٢). وبعد ذلك قتل خمارويه بدمشق. وكانت مدّة بني طولون بمصر سبعا وثلاثين سنة وستة أشهر واثنين وعشرين يوما، وولي منهم خمسة أمراء. أوّلهم أحمد بن طولون: ولي مصر من قبل المعتزّ على صلاتها، فدخل يوم

стр. 1045

الخميس لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين (١). وخرج بغا الأصغر، وهو أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن طباطبا (٢)، فيما بين برقة والإسكندرية، في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين، وسار إلى الصّعيد، فقتل في الحرب، وحمل رأسه إلى الفسطاط لإحدى عشرة بقيت من شعبان. وخرج ابن الصّوفي العلوي، وهو إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد اللّه بن محمد بن عمر ابن عليّ بن أبي طالب، ودخل إسنا في ذي القعدة، فنهب وقتل. فبعث إليه ابن طولون جيشا، فهزم الجيش في ربيع الأوّل سنة ستّ وخمسين، فبعث بجيش آخر، فواقعه بإخميم في ربيع الآخر، فانهزم ابن الصّوفي إلى ألواح فأقام به (٣). وخرج أحمد بن طولون يريد حرب عيسى بن الشّيخ، ثم عاد فابتدأ في بناء الميدان. وقدم العبّاس وخمارويه من أبناء أحمد (¬a) بن طولون، من العراق على طريق مكّة سنة سبع وخمسين (٤). وورد كتاب يارجوخ (¬b) بتسلّم أحمد بن طولون الأعمال الخارجة عن يده من أرض مصر، فتسلّم الإسكندرية، وخرج إليها لثمان خلون من شهر رمضان، واستخلف طغلج (¬c) صاحب

стр. 1046

الشّرط. ثم قدم لأربع عشرة بقيت من شوّال، وسخط على أخيه موسى، وأمره بلباس البياض، وخرج إلى الإسكندرية ثانيا لثمان بقين من شعبان سنة تسع وخمسين، واستخلف ابنه العبّاس. وقدم لثمان خلون من شوّال، وأمر ببناء المسجد الجامع على الجبل في صفر سنة تسع وخمسين، وببناء المارستان للمرضى (١). وورد كتاب المعتمد يستحثّه في حمل الأموال، فكتب إليه: «لست أطيق ذلك والخراج بيد غيري». فأنفذ المعتمد نفيس الخادم بتقليد أحمد بن طولون الخراج، وبولايته الثّغور الشّامية. فأقرّ أبا أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع على الخراج خليفة له عليه، وعقد لطخشي بن بلبرد على الثّغور، فخرج في جمادى الأولى سنة أربع وستين (٢). وتقدّم أبو أحمد الموفّق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون وتقليدها أما جور (¬a) التركي والي دمشق، فكتب إليه بذلك، فتوقّف لعجزه عن مقاومة ابن طولون، فخرج موسى بن بغا ونزل الرّقّة. فبلغ ابن طولون أنّه سائر إليه، فابتدأ في بناء الحصن بالجزيرة ليكون معقلا لماله وحرمه في سنة ثلاث وستين، واجتهد في عمل المراكب الحربية، وأطافها بالجزيرة. فأقام موسى بالرّقّة عشرة أشهر، واضطربت أموره (٣). ومات في صفر سنة/ أربع وستين. ومات أماجور (¬a) بدمشق، واستخلف ابنه عليّ بن أماجور (¬a). فحرّك ذلك أحمد بن طولون على المسير، وكتب إلى ابن أماجور (¬a) أنّه سائر إليه وأمره بإقامة الأنزال والميرة، فأجاب بجواب حسن. وشكا أهل مصر إلى ابن طولون ضيق المسجد الجامع يوم الجمعة بجنده وسودانه، فأمر ببناء المسجد الجامع بجبل يشكر، فابتدأ ببنائه في سنة أربع، وتمّ في سنة ستّ وستين ومائتين (٤). وخرج في جيوشه لثمان بقين من شعبان سنة أربع وستين، واستخلف ابنه العبّاس (٥)، وضمّ إليه أحمد بن محمد الواسطي مدبّرا ووزيرا، فبلغ الرّملة، وتلقّاه محمد بن رافع واليها، وأقام له بها

стр. 1047

الدّعوة، فأقرّه. ومضى إلى دمشق، فتلقّاه عليّ بن أماجور (¬a)، وأقام له بها الدّعوة، فأقام حتى استوثق له أمرها. ومضى إلى حمص فتسلّمها، وبعث إلى سيما الطّويل - وهو بأنطاكية - يأمره بالدّعاء له، فأبى، فسار إليه في جيش عظيم وحاصره، ورماه بالمجانيق حتى دخلها في المحرّم سنة خمس وستين، فقتل سيما، واستباح أمواله ورجاله (١). ومضى إلى طرسوس فدخلها في ربيع الأوّل، فضاقت به وغلا السّعر بها، فنابذه أهلها فقاتلهم، وأمر أصحابه أن ينهزموا عن أهل طرسوس ليبلغ طاغية الرّوم فيعلم أنّ جيوش ابن طولون - مع كثرتها وشدّتها - لم تقم لأهل طرسوس فانهزموا. وخرج عنهم، واستخلف عليها طخشي، فورد الخبر عليه بأنّ ابنه العبّاس قد خالف عليه، فأزعجه ذلك وسار. فخاف العبّاس وقيّد الواسطي، وخرج بطائفته إلى الجيزة لثمان خلون من شعبان سنة خمس وستين ومائتين فعسكر بها، واستخلف أخاه ربيعة بن أحمد، وأظهر أنّه يريد الإسكندرية وسار إلى برقة (٢). فقدم أحمد بن طولون من الشّام لأربع خلون من رمضان، فأنفذ القاضي بكّار بن قتيبة في نفر بكتابه إلى العبّاس، فساروا إليه ببرقة، فأبى أن يرجع، وعاد بكّار في أوّل ذي الحجّة؛ ومضى العبّاس يريد إفريقيّة في جمادى الأولى سنة ستّ وستين، فنهب لبدة، وقتل من أهلها عدّة، وضجّت نساؤهم، فاجتمع عليه جيش ابن الأغلب والأباضيّة، فقاتلهم بنفسه وحسن بلاؤه يومئذ، وقال: [البسيط] للّه درّي إذ أعدو على فرسي … إلى الهياج ونار الحرب تستعر وفي يدي صارم أفري الرّؤوس به … في حدّه الموت لا يبقي ولا يذر إن كنت سائلة عنّي وعن خبري … فها أنا اللّيث والصّمصامة الذّكر من آل طولون أصلي إن سألت فما … فوقي لمفتخر بالجود مفتخر لو كنت شاهدة كرّي بلبدة إذ … بالسّيف أضرب والهامات تبتدر إذن لعاينت منّي ما تنادره (¬b) … عنّي الأحاديث والأنباء والخبر (٣)

стр. 1048

وقتل يومئذ صناديد عسكره ووجوه أصحابه، ونهبت أمواله، وفرّ إلى برقة في ضرّ (١). وعقد أحمد بن طولون على جيش، وبعث به إلى برقة في رمضان سنة سبع وستين. ثم خرج بنفسه في عسكر عظيم، يقال إنّه بلغ مائة ألف، لثنتي عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة ثمان وستين، فأقام بالإسكندرية، وفرّ إليه أحمد بن محمد الواسطي من عند العبّاس، فصغر عنده أمر العبّاس، فعقد على جيش سيّره إلى برقة، فواقعوا أصحاب العبّاس وهزموهم وقتلوا منهم كثيرا، وأدركوا العبّاس لأربع خلون من رجب. وعاد أحمد إلى الفسطاط لثلاث عشرة خلت منه، وقدم العبّاس والأسرى في شوّال، ثم أخرجوا أوّل ذي القعدة، وقد بنيت لهم دكّة عالية، فضربوا وألقوا من أعلاها (٢). ثم بعث بلؤلؤ في جيش إلى الشّام، فخالف على أحمد ومال مع الموفّق وصار إليه، فخرج أحمد، واستخلف ابنه خمارويه في صفر سنة تسع وستين، فنزل دمشق - ومعه ابنه العبّاس مقيّد - فخالف عليه أهل طرسوس، فخرج يريد محاربتهم، ثم توقّف لورود كتاب المعتمد عليه؛ أنّه قادم عليه ليلتجئ إليه. فخرج كالمتصيّد من بغداد، وتوجّه نحو الرّقّة؛ فبلغ أبا أحمد الموفّق مسيره - وهو محارب لصاحب الزّنج (٣) - فعمل عليه حتى عاد إلى سامرّا، ووكّل به جماعة، وعقد لإسحاق بن كنداج الحزري على مصر. فبلغ ذلك ابن طولون، فرجع إلى دمشق، وأحضر القضاة والفقهاء من الأعمال، وكتب إلى مصر كتابا قرئ على النّاس: بأنّ أبا أحمد الموفّق نكث بيعة المعتمد، وأسره في دار أحمد بن الخصيب، وأنّ المعتمد قد صار من ذلك إلى ما لا يجوز ذكره وأنّه بكى بكاء شديدا. فلمّا خطب الخطيب يوم الجمعة ذكر ما نيل من المعتمد، وقال: اللّهم فاكفه من حصره وظلمه. وخرج من مصر بكّار بن قتيبة وجماعة إلى دمشق، وقد حصر أهل الشّامات والثّغور، فأمر ابن طولون بكتاب فيه خلع الموفّق من ولاية العهد لمخالفة المعتمد وحصره إيّاه، وكتب فيه: «إنّ أبا أحمد الموفّق خلع الطّاعة وبرئ من الذّمّة، فوجب جهاده على الأمّة». وشهد على ذلك جميع

стр. 1049

من حضر، إلاّ بكّار بن قتيبة/ وآخرين، وقال بكّار: لم يصحّ عندي ما فعله أبو أحمد ولم أعلمه، وامتنع من الشّهادة والخلع، وكان ذلك لإحدى عشرة (¬a) خلت من ذي القعدة (١). فبلغ ذلك الموفّق، فكتب إلى عمّاله بلعن أحمد بن طولون على المنابر، فلعن عليها بما صيغته: «اللّهمّ العنه لعنا يفلّ حدّه ويتعس جدّه، واجعله مثلا للغابرين، إنّك لا تصلح عمل المفسدين». ومضى أحمد إلى طرسوس فنازلها، وكان البرد شديدا، ثم رحل عنها إلى أدنة (٢). وسار إلى المصّيصة فنزلت به علّة الموت. فأعدّ السّير يريد مصر حتّى بلغ الفرما، فركب النّيل إلى الفسطاط، فدخل لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبعين، فأوقف بكّار بن قتيبة، وبعث به إلى السّجن. وتزايدت به العلّة حتى مات ليلة الأحد لعشر خلون من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين. فلمّا بلغ المعتمد موته اشتدّ وجده وجزعه عليه، وقال يرثيه (٣): [المتقارب] إلى اللّه أشكو أسى … عراني كوقع الأسل على رجل أروع … يرى منه فضل الرّجل (¬b) شهاب خبا وقده … وعارض غيث أفل شكت دولتي فقده … وقد (¬c) كان زين (¬d) الدّول فقام بعده ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وبايعه الجند يوم الأحد لعشر خلون من ذي القعدة (٤)، فأمر بقتل أخيه العبّاس لامتناعه عن مبايعته. وعقد لأبي عبد اللّه أحمد الواسطي على جيش إلى الشّام لستّ خلون من ذي الحجّة، وعقد لسعد الأيسر على جيش آخر، وبعث بمراكب في البحر لتقيم على السّواحل السّواحل الشّاميّة. فنزل الواسطي فلسطين، وهو خائف من

стр. 1050

خمارويه أن يوقع به لأنّه كان أشار عليه بقتل أخيه العبّاس، فكتب إلى أبي أحمد الموفّق يصغّر أمر خمارويه، ويحرّضه على المسير إليه (١). فأقبل من بغداد، وانضمّ إليه إسحاق بن كنداج ومحمد بن أبي السّاج، ونزل الرّقّة فتسلّم قنّسرين والعواصم، وسار إلى شيرز، فقاتل أصحاب خمارويه وهزمهم، ودخل دمشق. فخرج خمارويه في جيش عظيم، لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين، فالتقى مع أحمد بن الموفّق بنهر أبي فطرس (¬a) - المعروف بالطّواحين - من أرض فلسطين، واقتتلا، فانهزم أصحاب خمارويه، وكان في سبعين ألفا وابن الموفّق في نحو أربعة آلاف، واحتوى على عسكر خمارويه بما فيه. ومضى خمارويه إلى الفسطاط، وأقبل كمين كان (¬b) له عليه سعد الأيسر (¬c)، ولم يعلم بهزيمة خمارويه، فحارب ابن الموفّق حتى أزاله عن المعسكر، وهزمه اثني عشر ميلا، ومضى إلى دمشق فلم يفتح له (٢). ودخل خمارويه إلى الفسطاط لثلاث خلون من ربيع الأوّل، وسار سعد الأيسر (¬c) والواسطي فملكا دمشق. وخرج خمارويه من مصر لسبع بقين من رمضان، فوصل إلى فلسطين، ثم عاد لاثنتي عشرة بقيت من شوّال، ثم خرج في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، فقتل سعدا الأيسر (¬c)، ودخل دمشق لسبع خلون من المحرّم سنة ثلاث وسبعين (٣). وسار لقتال ابن كنداج، فكانت على خمارويه فانهزم أصحابه، وثبت هو في طائفة، فهزم ابن كنداج واتّبعه حتى بلغ أصحابه سرّ من رأى، ثم اصطلحا وتصاهرا (¬d)، وأقبل إلى خمارويه فأقام في عسكره، ودعا له في أعماله التي بيده (٤). وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفّق في الصّلح، فأجابه إلى ذلك، وكتب له بذلك كتابا، فورد عليه به فالق الخادم إلى مصر في رجب، ذكر فيه أنّ المعتمد والموفّق وابنه كتبوه بأيديهم، وبولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشّامات. ثم قدم خمارويه سلخ رجب، فأمر بالدّعاء

стр. 1051

لأبي أحمد الموفّق وترك الدّعاء عليه، وجعل على المظالم بمصر محمد بن عبدة بن حرب. وبلغه مسير محمد بن أبي السّاج إلى أعماله، فخرج إليه في ذي القعدة، ولقيه بثنيّة العقاب (¬a) من دمشق، فانهزم أصحاب خمارويه، وثبت هو فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة (١). وعاد إلى مصر، فدخلها لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين، ثم خرج إلى الإسكندرية لأربع خلون من شوّال، وورد الخبر أنّه دعي له بطرسوس في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين، وخرج إلى الشّام لسبع عشرة من ذي القعدة. ومات الموفّق في سنة ثمان وسبعين، ثم مات المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين؛ وبويع المعتضد أبو العبّاس أحمد بن الموفّق، فبعث إليه خمارويه بالهدايا، وقدم من الشّام لستّ خلون من ربيع الأوّل سنة ثمانين. فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة، من الفرات إلى برقة، وجعل له الصّلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال، على أن يحمل في كلّ عام مائتي ألف دينار عمّا مضى، وثلاث مائة ألف للمستقبل (٢). ثم قدم رسول المعتضد بالخلع، وهي اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح، مع خادم في رمضان. وعقد المعتضد نكاح قطر النّدى بنت خمارويه في سنة إحدى وثمانين (٣). وفيها خرج خمارويه إلى نزهته بتريوط (¬b) في شعبان، ومضى إلى الصّعيد فبلغ سيوط، ثم رجع في (¬c) الشّرق إلى الفسطاط أوّل ذي القعدة. وخرج إلى الشّام لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فأقام بمنية الأصبغ ومنية مطر، ثم رحل حتى أتى دمشق، فقتل بها على فراشه ذبحه جواريه/ وخدّامه (¬d) (٤). وحمل في صندوق إلى مصر، وكان لدخول تابوته يوم عظيم، واستقبله جواريه وجواري غلمانه ونساء قوّاده ونساء القطائع بالصّياح وما يصنع في المآتم، وخرج الغلمان وقد حلّوا أقبيتهم، وفيهم من سوّد ثيابه وشقّقها، وكانت في البلد ضجّة عظيمة وصرخة

стр. 1052

تتعتع القلوب حتى دفن. وكانت مدّته اثنتى عشرة سنة وثمانية عشر يوما (١). ثم ولي أبو العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بدمشق. فسار إلى مصر، واشتمل على أمور أنكرت عليه، فاستوحش من عظماء الجند وتنكّر لهم، فخافوه ودأبوا في الفساد. فخرج متنزّها إلى منية الأصبغ، ففرّ جماعة من عظماء الدّولة إلى المعتضد، وخلعه أحمد بن طغان وكان على الثّغر، وخلعه طغج بن جفّ بدمشق، فوثب جيش على عمّه مضر (¬a) بن أحمد بن طولون فقتله، فوثب عليه الجيش وخلعوه، وجمعوا الفقهاء والقضاة، فتبرّأ من بيعته وحلّلهم منها. وكان خلعه لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فولي ستة أشهر واثني عشر يوما، ومات في السّجن بعد أيّام (٢). ثم ولي أبو موسى هارون بن خمارويه يوم خلع جيش، فقام طائفة من الجند، وكاتبوا ربيعة ابن أحمد بن طولون وكان بالإسكندرية ودعوه ووعدوه بالقيام معه. فجمع جمعا كثيرا من أهل البحيرة ومن البربر وغيرهم، وسار حتى نزل ظاهر فسطاط مصر، فخذله القوم وخرج إليه القوّاد، فقاتلوه وأسروه لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين، وضرب ألف سوط ومائتي سوط، فمات (٣). ومات المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبويع ابنه محمد المكتفي باللّه، وخرج القرمطيّ بالشّام في سنة تسعين، فخرج القوّاد من مصر وحاربوه فهزمهم (٤). وبعث المكتفي محمد بن سليمان الكاتب فنزل حمص، وبعث بالمراكب من الثّغر إلى سواحل مصر، وأقبل إلى فلسطين. فخرج هارون يوم التّروية سنة إحدى وتسعين، وسيّر المراكب الحربية، فالتقوا بمراكب محمد بن سليمان في تنّيس فغلبوا، وملك أصحاب محمد بن سليمان تنّيس ودمياط. فسار هارون إلى العبّاسة، ومعه أهله وأعماله في ضيق

стр. 1053

وجهد، فتفرّق عنه كثير من أصحابه، وبقي في نفر يسير وهو متشاغل باللّهو. فأجمع عمّاه شيبان وعديّ ابنا أحمد بن طولون على قتله، فدخلا عليه وهو ثمل، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين، وسنّه يومئذ اثنتان وعشرون سنة، فكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر وأياما (١). ثم ولي شيبان بن أحمد بن طولون أبو المقانب (¬a) لعشر بقين من صفر، فرجع إلى الفسطاط. وبلغ طغج بن جفّ وغيره من القوّاد قتل هارون، فأنكروه وخالفوا على شيبان، وبعثوا إلى محمد بن سليمان فأمّنهم، وحرّكوه على المسير إلى مصر، فسار حتى نزل العبّاسة، فلقيه طغج في ناس من القوّاد كثير، فساروا به إلى الفسطاط، وأقبل إليهم عامّة أصحاب شيبان. فخاف حينئذ شيبان، وطلب الأمان، فأمّنه محمد بن سليمان، وخرج إليه لليلة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكانت ولايته اثني عشر يوما (٢). ودخل محمّد بن سليمان يوم الخميس أوّل ربيع الأوّل، فألقى النّار في القطائع، ونهب أصحابه الفسطاط، وكسروا السّجون وأخرجوا من فيها، وهجموا الدّور، واستباحوا الحريم، وفتكوا في الرّعيّة (¬b)، وافتضّوا الأبكار، وساقوا النّساء، وفعلوا كلّ قبيح، من إخراج النّاس من دورهم وغير ذلك. وأخرج ولد أحمد بن طولون وهم عشرون إنسانا، وأخرج قوّادهم فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر، وخلت منهم الدّيار، وعفت منهم الآثار، وتعطّلت منهم المنازل، وحلّ بهم الذّلّ بعد العزّ، والتّطريد والتّشريد بعد اجتماع الشّمل ونضرة الملك ومساعدة الأيّام (٣). ثم سيق أصحاب شيبان إلى محمد بن سليمان وهو راكب، فذبحوا بين (٤) يديه كما تذبح الشّياه، وقتل من السّودان - سكّان القطائع - خلقا كثيرا؛ فقال أحمد بن محمّد الجيشيّ (٥):

стр. 1054

[البسيط] الحمد للّه إقرارا بما وهبا … قد لمّ بالأمن شعب الحقّ فانشعبا اللّه أصدق هذا الفتح لا كذب … فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا فتح به فتح الدّنيا محمّدها … وفرّج الظّلم والإظلام والكربا لا ريب ربّ هياج يقتضي دعة … وفي القصاص حياة تذهب الرّيبا رمى الإمام به عذراء غادرة … فافتضّ عذرتها بالسّيف واقتضبا محمّد بن سليمان أعزّهم … نفسا وأكرمهم في الذّاهبين أبا سرى بأسد الشّرى لو لم يروا بشرا … أضحى عرينهم الخطّيّ لا القضبا حمّ القضاء على اليحموم حين أتوا … مثل الدّبى يمتحون الدبة الدّأبا / إيها علوت على الأيّام مرتبة … أبا عليّ ترى من دونها الرّتبا لمّا أطال بنو طولون خطبتهم … من الخطوب وعافت منهم الخطبا هارت بهارون من ذكراك بقعته … وشيّب الرّعب شيبانا وقد رغبا فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم … كأنّها من زمان غابر ذهبا وكم ترى لهم من جنّة أنف … ومن نعيم جنى من غدرهم عطبا وقال أحمد بن أبي يعقوب (١): [الكامل] إن كنت تسأل عن جلالة ملكهم … فارتع وعج بمرابع الميدان وانظر إلى تلك القصور وما حوت … واسرح بزهرة ذلك البستان وإن اعتبرت ففيه أيضا عبرة … تنبيك كيف تصرّف العصران يا قتل هارون اجتثثت أصولهم … وأشبت رأس أميرهم شيبان لم يغن عنه (¬a) بأس قيس إذ غدا … في جحفل لجب ولا غسّان وعديّة البطل الكميّ وخزرج … لم ينصرا بأخيهما عدنان زفّت إلى آل النّبوّة والهدى … وتمزّقت عن شيعة الشّيطان وقال إسماعيل بن أبي هاشم (٢): [الكامل]

стр. 1055

قف وقفة بفناء (¬a) باب السّاج … والقصر ذي الشّرفات والأبراج وربوع قوم أزعجوا عن دارهم … بعد الإقامة أيّما إزعاج كانوا مصابيحا لدى (¬b) ظلم الدّجى … يشري بها السّارون في الإدلاج وكأن أوجههم (¬c) إذا أبصرتها … من فضّة مصنوعة أو عاج (¬d) كانوا ليوثا (¬e) لا يرام حماهم … في كلّ ملحمة وكلّ هياج فانظر إلى آثارهم تلقى لهم … علما بكلّ ثنيّة وفجاج وعليهم ما عشت لا أدع البكا … مع كلّ ذي نظر وطرف ساجي وقال سعيد القاص (١): [الطويل] جرى دمعه ما بين سحر إلى نحر … ولم يجر حتّى أسلمته يد الصّبر وبات وقيذا للّذي خامر الحشا … يئنّ كما أنّ الأسير من الأسر وهل يستطيع الصّبر من كان ذا أسى … يبيت على جمر ويضحي على جمر تتابع أحداث تحيّفن (¬f) صبره … وغدر من الأيّام والدّهر ذو غدر أصاب على رغم الأنوف وجدعها … ذوي الدّين والدّنيا بقاصمة الظّهر طوى زينة الدّنيا ومصباح أهلها … بفقد بني طولون والأنجم الزّهر وفقد بني طولون في كلّ موطن … أضرّ على الإسلام فقدا من القطر (¬g) فبادوا وأضحوا بعد عزّ ومنعة … أحاديث لا تخفى على كلّ ذي حجر وكان أبو العبّاس أحمد ماجدا … جميل المحيّا لا يبيت على وتر كأنّ ليالي الدّهر كانت لحسنها … وإشراقها في عصره ليلة القدر (¬h) يدلّ على فضل ابن طولون همّة … محلّقة بين السّماكين والغفر فإن كنت تبغي شاهدا ذا عدالة … يخبّر عنه بالجليّ من الأمر فبالجبل الغربيّ خطّة يشكر … له (مسجد) يغني عن المنطق الهذر
следующие страницы →