← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

لأبي أحمد الموفّق وترك الدّعاء عليه، وجعل على المظالم بمصر محمد بن عبدة بن حرب. وبلغه مسير محمد بن أبي السّاج إلى أعماله، فخرج إليه في ذي القعدة، ولقيه بثنيّة العقاب (¬a) من دمشق، فانهزم أصحاب خمارويه، وثبت هو فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة (١). وعاد إلى مصر، فدخلها لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعين، ثم خرج إلى الإسكندرية لأربع خلون من شوّال، وورد الخبر أنّه دعي له بطرسوس في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين، وخرج إلى الشّام لسبع عشرة من ذي القعدة. ومات الموفّق في سنة ثمان وسبعين، ثم مات المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين؛ وبويع المعتضد أبو العبّاس أحمد بن الموفّق، فبعث إليه خمارويه بالهدايا، وقدم من الشّام لستّ خلون من ربيع الأوّل سنة ثمانين. فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة، من الفرات إلى برقة، وجعل له الصّلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال، على أن يحمل في كلّ عام مائتي ألف دينار عمّا مضى، وثلاث مائة ألف للمستقبل (٢). ثم قدم رسول المعتضد بالخلع، وهي اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح، مع خادم في رمضان. وعقد المعتضد نكاح قطر النّدى بنت خمارويه في سنة إحدى وثمانين (٣). وفيها خرج خمارويه إلى نزهته بتريوط (¬b) في شعبان، ومضى إلى الصّعيد فبلغ سيوط، ثم رجع في (¬c) الشّرق إلى الفسطاط أوّل ذي القعدة. وخرج إلى الشّام لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فأقام بمنية الأصبغ ومنية مطر، ثم رحل حتى أتى دمشق، فقتل بها على فراشه ذبحه جواريه/ وخدّامه (¬d) (٤). وحمل في صندوق إلى مصر، وكان لدخول تابوته يوم عظيم، واستقبله جواريه وجواري غلمانه ونساء قوّاده ونساء القطائع بالصّياح وما يصنع في المآتم، وخرج الغلمان وقد حلّوا أقبيتهم، وفيهم من سوّد ثيابه وشقّقها، وكانت في البلد ضجّة عظيمة وصرخة

стр. 1052

تتعتع القلوب حتى دفن. وكانت مدّته اثنتى عشرة سنة وثمانية عشر يوما (١). ثم ولي أبو العساكر جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، بدمشق. فسار إلى مصر، واشتمل على أمور أنكرت عليه، فاستوحش من عظماء الجند وتنكّر لهم، فخافوه ودأبوا في الفساد. فخرج متنزّها إلى منية الأصبغ، ففرّ جماعة من عظماء الدّولة إلى المعتضد، وخلعه أحمد بن طغان وكان على الثّغر، وخلعه طغج بن جفّ بدمشق، فوثب جيش على عمّه مضر (¬a) بن أحمد بن طولون فقتله، فوثب عليه الجيش وخلعوه، وجمعوا الفقهاء والقضاة، فتبرّأ من بيعته وحلّلهم منها. وكان خلعه لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فولي ستة أشهر واثني عشر يوما، ومات في السّجن بعد أيّام (٢). ثم ولي أبو موسى هارون بن خمارويه يوم خلع جيش، فقام طائفة من الجند، وكاتبوا ربيعة ابن أحمد بن طولون وكان بالإسكندرية ودعوه ووعدوه بالقيام معه. فجمع جمعا كثيرا من أهل البحيرة ومن البربر وغيرهم، وسار حتى نزل ظاهر فسطاط مصر، فخذله القوم وخرج إليه القوّاد، فقاتلوه وأسروه لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين، وضرب ألف سوط ومائتي سوط، فمات (٣). ومات المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبويع ابنه محمد المكتفي باللّه، وخرج القرمطيّ بالشّام في سنة تسعين، فخرج القوّاد من مصر وحاربوه فهزمهم (٤). وبعث المكتفي محمد بن سليمان الكاتب فنزل حمص، وبعث بالمراكب من الثّغر إلى سواحل مصر، وأقبل إلى فلسطين. فخرج هارون يوم التّروية سنة إحدى وتسعين، وسيّر المراكب الحربية، فالتقوا بمراكب محمد بن سليمان في تنّيس فغلبوا، وملك أصحاب محمد بن سليمان تنّيس ودمياط. فسار هارون إلى العبّاسة، ومعه أهله وأعماله في ضيق

стр. 1053

وجهد، فتفرّق عنه كثير من أصحابه، وبقي في نفر يسير وهو متشاغل باللّهو. فأجمع عمّاه شيبان وعديّ ابنا أحمد بن طولون على قتله، فدخلا عليه وهو ثمل، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين، وسنّه يومئذ اثنتان وعشرون سنة، فكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر وأياما (١). ثم ولي شيبان بن أحمد بن طولون أبو المقانب (¬a) لعشر بقين من صفر، فرجع إلى الفسطاط. وبلغ طغج بن جفّ وغيره من القوّاد قتل هارون، فأنكروه وخالفوا على شيبان، وبعثوا إلى محمد بن سليمان فأمّنهم، وحرّكوه على المسير إلى مصر، فسار حتى نزل العبّاسة، فلقيه طغج في ناس من القوّاد كثير، فساروا به إلى الفسطاط، وأقبل إليهم عامّة أصحاب شيبان. فخاف حينئذ شيبان، وطلب الأمان، فأمّنه محمد بن سليمان، وخرج إليه لليلة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكانت ولايته اثني عشر يوما (٢). ودخل محمّد بن سليمان يوم الخميس أوّل ربيع الأوّل، فألقى النّار في القطائع، ونهب أصحابه الفسطاط، وكسروا السّجون وأخرجوا من فيها، وهجموا الدّور، واستباحوا الحريم، وفتكوا في الرّعيّة (¬b)، وافتضّوا الأبكار، وساقوا النّساء، وفعلوا كلّ قبيح، من إخراج النّاس من دورهم وغير ذلك. وأخرج ولد أحمد بن طولون وهم عشرون إنسانا، وأخرج قوّادهم فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر، وخلت منهم الدّيار، وعفت منهم الآثار، وتعطّلت منهم المنازل، وحلّ بهم الذّلّ بعد العزّ، والتّطريد والتّشريد بعد اجتماع الشّمل ونضرة الملك ومساعدة الأيّام (٣). ثم سيق أصحاب شيبان إلى محمد بن سليمان وهو راكب، فذبحوا بين (٤) يديه كما تذبح الشّياه، وقتل من السّودان - سكّان القطائع - خلقا كثيرا؛ فقال أحمد بن محمّد الجيشيّ (٥):

стр. 1054

[البسيط] الحمد للّه إقرارا بما وهبا … قد لمّ بالأمن شعب الحقّ فانشعبا اللّه أصدق هذا الفتح لا كذب … فسوء عاقبة المثوى لمن كذبا فتح به فتح الدّنيا محمّدها … وفرّج الظّلم والإظلام والكربا لا ريب ربّ هياج يقتضي دعة … وفي القصاص حياة تذهب الرّيبا رمى الإمام به عذراء غادرة … فافتضّ عذرتها بالسّيف واقتضبا محمّد بن سليمان أعزّهم … نفسا وأكرمهم في الذّاهبين أبا سرى بأسد الشّرى لو لم يروا بشرا … أضحى عرينهم الخطّيّ لا القضبا حمّ القضاء على اليحموم حين أتوا … مثل الدّبى يمتحون الدبة الدّأبا / إيها علوت على الأيّام مرتبة … أبا عليّ ترى من دونها الرّتبا لمّا أطال بنو طولون خطبتهم … من الخطوب وعافت منهم الخطبا هارت بهارون من ذكراك بقعته … وشيّب الرّعب شيبانا وقد رغبا فأصبحوا لا ترى إلاّ مساكنهم … كأنّها من زمان غابر ذهبا وكم ترى لهم من جنّة أنف … ومن نعيم جنى من غدرهم عطبا وقال أحمد بن أبي يعقوب (١): [الكامل] إن كنت تسأل عن جلالة ملكهم … فارتع وعج بمرابع الميدان وانظر إلى تلك القصور وما حوت … واسرح بزهرة ذلك البستان وإن اعتبرت ففيه أيضا عبرة … تنبيك كيف تصرّف العصران يا قتل هارون اجتثثت أصولهم … وأشبت رأس أميرهم شيبان لم يغن عنه (¬a) بأس قيس إذ غدا … في جحفل لجب ولا غسّان وعديّة البطل الكميّ وخزرج … لم ينصرا بأخيهما عدنان زفّت إلى آل النّبوّة والهدى … وتمزّقت عن شيعة الشّيطان وقال إسماعيل بن أبي هاشم (٢): [الكامل]

стр. 1055

قف وقفة بفناء (¬a) باب السّاج … والقصر ذي الشّرفات والأبراج وربوع قوم أزعجوا عن دارهم … بعد الإقامة أيّما إزعاج كانوا مصابيحا لدى (¬b) ظلم الدّجى … يشري بها السّارون في الإدلاج وكأن أوجههم (¬c) إذا أبصرتها … من فضّة مصنوعة أو عاج (¬d) كانوا ليوثا (¬e) لا يرام حماهم … في كلّ ملحمة وكلّ هياج فانظر إلى آثارهم تلقى لهم … علما بكلّ ثنيّة وفجاج وعليهم ما عشت لا أدع البكا … مع كلّ ذي نظر وطرف ساجي وقال سعيد القاص (١): [الطويل] جرى دمعه ما بين سحر إلى نحر … ولم يجر حتّى أسلمته يد الصّبر وبات وقيذا للّذي خامر الحشا … يئنّ كما أنّ الأسير من الأسر وهل يستطيع الصّبر من كان ذا أسى … يبيت على جمر ويضحي على جمر تتابع أحداث تحيّفن (¬f) صبره … وغدر من الأيّام والدّهر ذو غدر أصاب على رغم الأنوف وجدعها … ذوي الدّين والدّنيا بقاصمة الظّهر طوى زينة الدّنيا ومصباح أهلها … بفقد بني طولون والأنجم الزّهر وفقد بني طولون في كلّ موطن … أضرّ على الإسلام فقدا من القطر (¬g) فبادوا وأضحوا بعد عزّ ومنعة … أحاديث لا تخفى على كلّ ذي حجر وكان أبو العبّاس أحمد ماجدا … جميل المحيّا لا يبيت على وتر كأنّ ليالي الدّهر كانت لحسنها … وإشراقها في عصره ليلة القدر (¬h) يدلّ على فضل ابن طولون همّة … محلّقة بين السّماكين والغفر فإن كنت تبغي شاهدا ذا عدالة … يخبّر عنه بالجليّ من الأمر فبالجبل الغربيّ خطّة يشكر … له (مسجد) يغني عن المنطق الهذر

стр. 1056

يدلّ ذوي الألباب أنّ بناءه … وبانيه لا بالضّنين ولا الغمر بناه بآجرّ وساج (¬a) وعرعر … وبالمرمر المسنون والجصّ والصّخر بعيد مدى الأقطار سام بناؤه … وثيق المباني من عقود ومن جدر فسيح الرّحاب يحسر (¬b) الطّرف دونه … رقيق النّسيم (¬c) طيّب العرف والنّشر / (وتنّور فرعون) الّذي فوق قلّة … على جبل عال على شاهق وعر بنى مسجدا فيه يروق (¬d) بناؤه … ويهدي به في اللّيل إن ضلّ من يسري تخال سنا قنديله وضياءه … سهيلا إذا ما لاح في اللّيل للسّفر وعين معين الشّرب غير (¬e) ركيّة … وغير (¬e) أجاج للرّواة وللطّهر كأنّ وفود النّيل في جنباتها … تروح وتغدو بين مدّ إلى جزر فأرقأها (¬f) مستنبطا لمعينها … من الأرض من بطن عميق إلى ظهر بناء لو أنّ الجنّ جاءت بمثله … لقيل: لقد جاءت بمستفظع نكر يمرّ على أرض المعافر كلّها … وشعبان والأحمور والحيّ من بشر قبائل لا نوء السّحاب يمدّها … ولا النّيل يرويها ولا جدول يجري ولا تنس (مارستانه) واتّساعه … وتوسعة الأرزاق للحول والشّهر وما فيه من قوّامه وكفاته … ورفقهم بالمعتفين ذوي الفقر فللميّت المقبور حسن جهازه … وللحيّ رفق في علاج وفي جبر وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى (الحصن) أو فاعبر إليه على الجسر ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من النّاس في بدو البلاد ولا حضر مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدّي وارثيه إلى الفخر لقد ضمّن القبر المقدّر ذرعه … أجلّ إذا ما قيس من قبّتي حجر وقام أبو الجيش ابنه بعد موته … كما قام ليث الغاب في الأسل السّمر أتته المنايا وهو في أمن داره … فأصبح مسلوبا من النّهي والأمر كذاك اللّيالي من أعارته بهجة … فيا لك من ناب حديد ومن ظفر وورّث هارون ابنه تاج ملكه (¬g) … كذاك أبو الأشبال ذو النّاب والهصر وقد كان جيش قبله في محلّه … ولكنّ جيشا كان مستقصر (¬h) العمر

стр. 1057

فقام بأمر الملك هارون مدّة … على كظظ (¬a) من ضيق باع ومن حصر وما زال حتى زال والدّهر كاشح … عقاربه من كلّ ناحية تسري تذكّرتهم لمّا مضوا فتتابعوا … كما ارفضّ سلك من جمان ومن شذر فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهله … لفقدهم فليبك حزنا على مصر ليبك بني طولون إذ بان عصرهم … فبورك من دهر وبورك من عصر ثم أمر الحسين بن أحمد الماذرائي، متولّي خراج مصر، بهدم الميدان (¬b)، فابتدئ في هدمه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وبيعت أنقاضه ودثر كأن لم يكن (١). وقال محمد بن طشويه (٢): [البسيط] من لم ير الهدم للميدان لم يره … تبارك اللّه ما أعلاه وأقدره لو أنّ عين الذي أنشاه تبصره … والحادثات تعاديه لأكبره كانت عيون الورى تعشو لهيبته … إذا أضاف إليه الملك عسكره أين الملوك الّتي كانت تحلّ به … وأين من كان بالإتقان (¬c) دبّره وأين من كان يحميه ويحرسه … من كلّ ليث يهاب اللّيث منظره صاح الزّمان بمن فيه ففرّقهم … وحطّ ريب البلى فيه فدعثره وأخلق الدّهر منه حسن جدّته … مثل الكتاب محا العصران أسطره دكّت مناظره واجتثّ جوسقه … كأنّما الخسف فاجأه فدمّره أو هبّ إعصار نار في جوانبه … فعاد معروفه للعين منكره كم كان يأوي إليه في مقاصره … أحوى أغنّ غضيض الطّرف أحوره كم كان فيه لهم من مشرب غدق … فعبّ صرف الرّدى فيه فكدّره أين ابن طولون بانيه وساكنه … أماته الملك الأعلى فأقبره / ما أوضح الأمر لو صحّت لنا فكر … طوبى لمن خصّه رشد فذكّره

стр. 1058

وقال أحمد بن إسحاق الجفر (¬a) (١): [الخفيف] وإذا ما أردت أعجوبة الدّه … ر تراها فانظر إلى الميدان تنظر البثّ (¬b) والهموم وأنوا … عا توالت به من الأشجان يعلم العالم المبصّر أنّ ال … دّهر فيما يراه ذو ألوان أين ما فيه من نعيم ومن عي … ش رخيّ ونضرة وحسان أين ذاك المسك الذي ديف بالعن … بر بحتا وعلّ بالزّعفران أين ذاك الخزّ المضاعف والوش … ي وما استخلصوا من الكتّان أين تلك القيان تشدو على الفر … ش بما استحسنوا من الألحان دوّر (¬c) الدّهر آل طولون في هـ … وّة قفر مسكونها غير دان وأعاض الميدان من بعد أهلي … هـ ذئابا تعوي بتلك المغاني وقال سعيد القاص (٢): [الخفيف] وكأنّ الميدان ثكلى أصيبت … بحبيب صباح (¬d) ليلة عرس تتغشّى الرّياح منه محلاّ … كان للصّون في ستور الدّمقس ولفرش الإضريج والبسط والدّي … باج في نعمة وفي لين مسّ (¬e) ووجوه من الوجوه حسان … وخدود مثل اللآلئ ملس كلّ كحلاء (¬f) كالغزال ونجلا … ء رداح من بين حور ولعس آل طولون كنتم زينة الأر … ض فأضحى الجديد أهدام لبس وقال ابن أبي هاشم (٣): [البسيط] يا منزلا لبني طولون قد دثرا … سقاك صوب الغوادي القطر والمطرا يا منزلا صرت أجفوه وأهجره … وكان يعدل عندي السّمع والبصرا

стр. 1059

باللّه عندك علم من أحبّتنا … أم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا وقال: [الطويل] ألا فاسأل (الميدان) ثم اسأل (الجبل) … عن الملك الماضي ابن طولون ما فعل وعن ابنه العبّاس إن كنت سائلا … وأين أبو الجيش الفضافضة البطل وجيش وهارون الذي قام بعده … وشيبان بالأمس الذي خانه الأمل ومن قبله أردى ربيعة يومه … وكان هزبرا لا يطاق إذا حمل وأين ذراريهم وأين جموعهم … وكيف تقضّي عنهم الملك فاضمحلّ وأين بناء القصر والجوسق الذي … عهدناه معمور الفناء له زجل لقد ملكوه برهة من زماننا … بدولتهم ثم انقضوا بانقضاء الدّول فما منهم خلق يحسّ ولا يرى … بذكر طوال الدّهر لمّا انقضى الأجل وصاروا أحاديثا لمن جاء بعدهم … وكان بهم في ملكهم يضرب المثل وقال: [الكامل] قف وقفة وانظر إلى (الميدان) … و (القصر) ذي الشّرفات والإيوان و (الجوسق) العالي المنيف بناؤه … ما باله قفر من السّكّان أين الذين لهوا به وغنّوا به … زمنا مع القينات والنّسوان يجبى الخراج إليهم في دارهم … لا يرهبون غوائل الحدثان جمعوا الجموع مع الجموع فأكثروا … واستأثروا بالرّوم والسّودان / فانظر إلى ما شيّدوا من بعدهم … هل فيه غير البوم والغربان أين الألى حفروا العيون بأرضه … وتأنّقوا فيه وفي البنيان غرسوا صنوف النّخل في ساحاته … وغرائب الأعناب والرّمّان والزّعفران مع البهار بأرضه … والورد بين الآس والرّيحان كانوا ملوك الأرض في أيّامهم … كبراء كلّ مدينة ومكان فتمزّقوا وتفرّقوا فهناك هم … تحت الثّرى يبلون في الأكفان ألا أغيلمة أسارى بعدهم … في دار مضيعة ودار هوان متلذّذين بأسرهم قد شرّدوا … ونفوا عن الأهلين والأوطان

стр. 1060

واللّه وارث كلّ حيّ بعدهم … وله البقاء وكلّ شيء فاني وقال: [مجزوء الخفيف] إنّ في قبّة الهواء لذي اللّبّ معتبر والقصور المشيّدات مع الدّور والحجر والبساتين والمجالس والبيت والزّهر والجواري المغنّيات ذوي الدّلّ والخفر يتبخترن في الحرير وفي الوشي والحبر وملوك عبيدهم عدد الشّوك والشّجر وجيوش مؤيّدون لذي البأس والظّفر (¬a) من صنوف السّودان والتّرك والرّوم والخزر عمّروا الأرض مدّة ثم صاروا إلى الحفر واستذلّ (¬b) الزّمان من عاش منهم فلم يذر فهم في الهوان والذّلّ أسرى على خطر وهم بعد صفو عيش من الذّلّ في كدر يا لطولون ما لكم صرتم للورى سمر يا لطولون كنتم خبرا فانقضى الخبر وقال: [الطويل] مررت على (الميدان) معتبرا به … فناديته أين الجبال الشّوامخ خمار وعبّاس وأحمد قبلهم … وأين ترى شيبانهم والمشايخ وأين ذراري آل طولون بعدهم … أما فيك منهم أيّها الرّبع صارخ وأين ثياب الخزّ والوشي والحليّ … وأربابها، أم أين تلك المطابخ وأين فتات المسك والعنبر الذي … عنيت به دهرا وتلك اللّطائخ لقد غالك الدّهر الخئون بصرفه … فأصبحت منحطّا وغيرك باذخ

стр. 1061

وقال: [الطويل] مررت على الميدان بالأمس ضاحيا … فأبصرته قفر الجناب فراعني فناديت فيه: يا آل طولون ما لكم … همود (¬a) فما خلق بحرف أجابني فأذريت عينا ذات دمع غزيرة … ورحت كئيب القلب ممّا أصابني وإنّي عليهم ما بقيت كموجع … ولست أبالي من لحاني وعابني وحدّث محمّد بن أبي يعقوب الكاتب (١)، قال: لمّا كانت ليلة عيد الفطر، من سنة اثنتين وتسعين ومائتين، تذكّرت ما كان فيه آل طولون في مثل هذه الليلة، من الزّيّ الحسن بالسّلاح وملوّنات البنود، والأعلام، وشهرة الثّياب، وكثرة الكراع، وأصوات الأبواق والطّبول، فاعتراني لذلك فكرة، ونمت في ليلتي فسمعت هاتفا يقول: ذهب الملك والتّملّك والزّينة لمّا مضى بنو طولون. وقال القاضي أبو عمرو عثمان النّابلسي في كتاب «حسن السّريرة (¬b) في اتّخاذ الحصن بالجزيرة» (٢): رأيت كتابا قدر اثنتي عشرة كرّاسة، مضمونه فهرست شعراء الميدان الذي لأحمد ابن طولون قال: فإذا كانت أسماء الشّعراء في اثنتي عشرة كرّاسة، كم يكون شعرهم مع أنّه لم يوجد من ذلك الآن ديوان واحد؟! (٣) وقال أبو الخطّاب بن دحية في كتاب «النّبراس»: وخرّبت قطائع أحمد بن طولون - يعني في الشّدّة العظمى زمن الخليفة المستنصر -، وهلك جميع من كان بها من السّاكنين، وكانت نيّفا على مائة ألف دار نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين، واللّه يرث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين (٤).

стр. 1062

ذكر من ولي مصر من الأمراء بعد خراب القطائع إلى أن بنيت قاهرة المعزّ على يد القائد جوهر وكان أوّل من ولي مصر - بعد زوال دولة بني طولون وخراب القطائع - محمد بن سليمان الكاتب، كاتب لؤلؤ غلام أحمد بن طولون، دخل مصر يوم الخميس مستهلّ ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ودعا على المنبر لأمير المؤمنين المكتفي باللّه وحده، وجعل أبا عليّ الحسين ابن أحمد الماذرائي على الخراج، عوضا عن أحمد بن علي الماذرائي (١). ثم ورد كتاب المكتفي بولاية عيسى بن محمد النّوشريّ أبي موسى، فولي على الصّلاة، ودخل خليفته لأربع عشرة خلت من جمادى الأولى، فتسلّم الشّرطتين وسائر الأعمال. ثم قدم عيسى لسبع خلون من جمادى الآخرة (٢)، وخرج محمد بن سليمان مستهلّ رجب، وكان مقامه بمصر أربعة أشهر. وأخرج كلّ من بقي من الطّولونية، فلمّا بلغوا دمشق، انخنس عنهم محمد بن عليّ بن الخليج (¬a) في جمع كثير ممّن كره مفارقة مصر من القوّاد، فعقدوا له عليهم، وبايعوه بالإمرة في شعبان، ورجع إلى مصر. فبعث إليه النّوشريّ (¬b) بجيش أوّل رمضان وقد دخل أرض مصر، ثم خرج إليه النّوشريّ (¬b)، وعسكر بباب المدينة أوّل ذي القعدة، وسار إلى العبّاسة، ثم رجع لثلاث عشرة خلت منه،

стр. 1063

وخرج إلى الجيزة من غده، وأحرق الجسرين، وسار يريد الإسكندرية، ففرّ عنه طائفة إلى ابن الخليج (¬a)، فبعث إليه بجيش فهزمه، وسار إلى الصّعيد. ودخل محمد بن الخليج (¬a) الفسطاط لأربع عشرة بقيت من ذي القعدة، فوضع العطاء، وفرض الفروض. وقدم أبو الأغرّ من قبل المكتفي في طلب ابن الخليج (¬a)، فخرج إليه لثلاث خلون من المحرّم سنة ثلاث وتسعين وحاربه، فانهزم منه أبو الأغرّ (¬b)، وأسر من أصحابه جمعا كثيرا، وعاد لثمان بقين منه (١). فقدم فاتك المعتضدي من بغداد في البرّ فعسكر، وقدم دميانة في المراكب، فنزل فاتك النّويرة. فخرج ابن الخليج (¬a) وعسكر بباب المدينة، وقام في اللّيل بأربعة آلاف من أصحابه ليبيت فاتكا، فأضلّوا الطريق، وأصبحوا قبل أن يبلغوا النّويرة، فعلم بهم فاتك، فنهض بأصحابه وحارب ابن الخليج (¬a)، فانهزم عنه أصحابه، وثبت في طائفة، ثم انهزم إلى الفسطاط لثلاث خلون من رجب فاستتر (٢). ودخل دميانة في مراكب الثّغور، وأقبل عيسى النّوشريّ، ومعه الحسين الماذرائي ومن كان معهما، لخمس خلون منه، فعاد النّوشريّ إلى ما كان عليه من صلاتها، والماذرائي إلى ما كان عليه من الخراج. وعرف النّوشريّ بمكان ابن الخليج (¬a)، فهجم عليه وقيّده لستّ خلون من رجب. وكانت مدّة ابن الخليج (¬a) بمصر سبعة أشهر وعشرين يوما (٣). ودخل فاتك في عسكره إلى الفسطاط لعشر خلون من رجب، فأخرج ابن الخليج (¬a) في البحر لستّ خلون من شعبان، فلمّا قدم بغداد طيف به وبأصحابه وهم ثلاثون نفرا، فكان يوما مذكورا (٤). وابتدئ في هدم ميدان بني طولون في شهر رمضان، وبيعت أنقاضه (٥). وخرج فاتك إلى العراق للنصف من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين (٦). وأمر النّوشريّ بنفي المؤنّثين، ومنع النّوح والنّداء على الجنائز، وأمر بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصّلاتين، ثم أمر بفتحه بعد أيّام (٧).

стр. 1064

ومات المكتفي في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، فشغب الجند بمصر، وحاربوا النّوشري على طلب مال البيعة، فظفر بجماعة منهم. وبويع جعفر المقتدر، فأقرّ النّوشريّ على الصّلاة (١). وقدم زيادة اللّه بن إبراهيم بن الأغلب أمير إفريقيّة مهزوما من أبي عبد اللّه الشّيعي، في رمضان سنة ستّ وتسعين إلى الجيزة، فمنعه النّوشريّ من العبور، وكانت بين أصحابه وبين جند مصر منافسة، ثم أذن له أن يعبر وحده (٢). ومات النّوشريّ لأربع بقين من شعبان سنة سبع وتسعين وهو وال، فكانت ولايته خمس سنين وشهرين ونصفا، منها مدّة ابن الخليج (¬a) سبعة أشهر وعشرون يوما. وقام من بعده ابنه أبو الفتح محمد بن عيسى (٣). ثم ولي تكين الخزري أبو منصور من قبل المقتدر على الصّلاة، فدعي له بها يوم الجمعة لإحدى عشرة خلت من شوّال، وقدم خليفته لسبع بقين منه، ثم قدم تكين لليلتين خلتا من ذي الحجّة (٤). وتقدّم إليه بالجدّ في أمر المغرب والاحتراس منه، فبعث جيشا إلى برقة عليه أبو اليمن، فحاربه حباسة بن يوسف بعساكر المهدي عبيد اللّه الفاطمي صاحب إفريقيّة، واستولى على برقة، وسار إلى الإسكندرية في زيادة على مائة ألف، فدخلها في المحرّم سنة اثنتين وثلاث مائة (٥). فقدمت الجيوش من العراق مددا لتكين في صفر، وقدم الحسين الماذرائي وأحمد بن كيغلغ في جمع من القوّاد، وبرزت العساكر إلى الجيزة في جمادى الأولى، وخرج تكين فكانت واقعة حباسة قتل فيها آلاف من النّاس، وعاد حباسة إلى المغرب (٦). وقدم مؤنس الخادم من بغداد في جيوشه للنصف من رمضان ومعه جمع من الأمراء، فنزل الحمراء، ولقي النّاس منهم شدائد، وخرج ابن كيغلغ إلى الشّام في رمضان (٧).

стр. 1065

وصرف تكين لأربع عشرة خلت من ذي القعدة صرفه مؤنس، فخرج لسبع خلون من/ ذي الحجّة، وأقام مؤنس يدعى ويخاطب بالأستاذ (١). ثم ولي ذكا الرّومي أبو الحسن الأعور من قبل المقتدر على الصّلاة، فدخل لثنتي عشرة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاث مائة، وخرج موسى بجميع جيوشه لثمان خلون من ربيع الآخر (٢). وخرج ذكا إلى الإسكندرية في المحرّم سنة أربع وثلاث مائة، ثم عاد في ثامن ربيع الأوّل، وتتبّع كلّ من يوما إليه بمكاتبة المهدي صاحب إفريقيّة، فسجن منهم وقطع أيدي أناس وأرجلهم، وجلاّ أهل لوبية ومراقية إلى الإسكندرية خوفا من صاحب برقة، وسيّر العساكر إلى الإسكندرية، ثم فسد ما بينه وبين الرّعيّة بسبب ذكر (¬a) الصّحابة ﵃ والقرآن [بما لا يليق] (¬b) (٣). وقدمت عساكر المهدي صاحب إفريقيّة إلى لوبية ومراقية عليها أبو القاسم، فدخل الإسكندرية ثامن صفر سنة سبع وثلاث مائة، وفرّ الناس من مصر إلى الشّام في البرّ والبحر، فهلك أكثرهم. (¬c) وخرج ذكا والجند مخالفون (¬c) له، فعسكر بالجيزة (٤) وقدم الحسين (¬d) بن أحمد الماذرائي واليا على الخراج، فوضع العطاء (٥). وجدّ ذكا في أمر الحرب، واحتفر خندقا على عسكره بالجيزة، فمرض ومات لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوّل بالجيزة، فكانت إمرته أربع سنين وشهرا (٦). فولي تكين مرّة ثانية من قبل المقتدر، وقدمت جيوش العراق عليها محمود بن حمك (¬e) وإبراهيم بن كيغلغ في ربيع الأوّل، ودخل تكين لإحدى عشرة خلت من شعبان، فنزل الجيزة وحفر خندقا ثانيا، وأقبلت مراكب المغرب فظفر بها في شوّال (٧). وقدم مؤنس الخادم من بغداد بعساكره لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان وثلاث مائة، فنزل الجيزة وكان في نحو ثلاثة آلاف، وسيّر ابن كيغلغ إلى الأشمونين، فمات بالبهنسا أوّل ذي القعدة (٨).

стр. 1066

وملك أصحاب المهدي الفيّوم وجزيرة الأشمونين، فقدم جنّي الخادم من بغداد في عسكر آخر ذي الحجّة، فعسكر بالجيزة، فكانت حروب مع أصحاب المهدي بالفيّوم والإسكندرية، ورجع أبو القاسم بن المهدي إلى برقة (١). وصرف تكين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة تسع وثلاث مائة (٢). فولّى مؤنس أبا قابوس محمود بن حمك (¬a)، فأقام ثلاثة أيام وعزله، وردّ تكين لخمس بقين من ربيع الأوّل، ثم صرفه بعد أربعة أيام وأخرجه إلى الشّام في أربعة آلاف من أهل الدّيوان (٣). ثم ولي هلال بن بدر من قبل المقتدر على الصّلاة، فدخل لستّ خلون من ربيع الآخر، وخرج مؤنس لثمان عشرة خلت منه ومعه ابن حمك (¬a)، فشغب الجند على هلال، وخرجوا إلى منية الأصبغ ومعهم محمد بن طاهر صاحب الشّرط، فكثر النّهب والقتل والفساد بمصر، إلى أن صرف عنها في ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاث مائة، وخرج في نفر من أصحابه (٤). فولي أحمد بن كيغلغ من قبل المقتدر على الصّلاة، وقدم ابنه أبو العبّاس خليفة له أوّل جمادى الأولى، ثم قدم ومعه محمد بن الحسين بن عبد الوهّاب الماذرائي على الخراج في رجب، فأحضرا الجند ووضعا العطاء، وأسقطا كثيرا من الرجّالة - وكان ذلك بمنية الأصبغ - فثار الرجّالة به، ففرّ إلى فاقّوس، وأدخل الماذرائي إلى المدينة لثمان خلون من شوّال، وأقام ابن كيغلغ بفاقّوس إلى أن صرف بقدوم رسول تكين في ثالث ذي القعدة (٥). فولي تكين المرّة الثّالثة من قبل المقتدر على الصّلاة، وخلفه ابن منجور إلى أن قدم يوم عاشوراء سنة اثنتي عشرة وثلاث مائة، فأسقط كثيرا من الرجّالة - وكانوا أهل الشّرّ والنّهب - ونادى ببراءة الذّمّة ممّن أقام منهم بالفسطاط (٦). وصلّى الجمعة في دار الإمارة بالعسكر. وترك حضور الجمعة في مسجد العسكر والمسجد الجامع العتيق في سنة سبع عشرة، ولم يصلّ قبله أحد من الأمراء في دار الإمارة الجمعة (٧).

стр. 1067

ثم قتل المقتدر في شوّال سنة عشرين، وبويع أبو منصور القّاهر باللّه، فأقرّ تكين حتّى مات في سادس عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وثلاث مائة، فحمل إلى بيت المقدّس، وكانت إمرته هذه تسع سنين وشهرين وخمسة أيام (١). فقام ابنه محمّد بن تكين موضعه، وقام أبو بكر محمد بن عليّ الماذرائي بأمر البلد كلّه، ونظر في أعماله، فشغب الجند عليه في طلب أرزاقهم، وأحرقوا دوره ودور أهله. فخرج ابن تكين إلى منية الأصبغ، فبعث إليه الماذرائي يأمره بالخروج من أرض مصر، وعسكر بباب المدينة وأقام هناك بعد ما رحل ابن تكين إلى سلخ ربيع الأوّل، فلحق ابن تكين بدمشق، ثم أقبل يريد مصر فمنعه الماذرائي (٢). ثم ولي محمد بن طغج بن جفّ الفرغاني أبو بكر، من قبل القاهر باللّه، على الصّلاة. فورد كتابه لسبع خلون من رمضان سنة إحدى وعشرين ودعي له وهو بدمشق مدّة اثنين وثلاثين يوما (٣)، إلى أن قدم رسول أحمد بن كيغلغ بولايته الثانية من قبل القاهر باللّه لتسع خلون من شوّال، واستخلف أبا الفتح بن عيسى النّوشري (٤). فشغب الجند في أرزاقهم على الماذرائي صاحب الخراج، فاستتر منهم، فأحرقوا دوره ودور أهله، وكانت فتن قتل فيها جماعة (٥)، إلى أن أتاهم محمد بن تكين من فلسطين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين/ وعشرين، فأنكر الماذرائيّ ولايته، وتعصّب له طائفة، ودعي له بالإمارة، وخرج قوم إلى الصّعيد فيهم ابن النّوشريّ، فأمّروه عليهم وهم على الدّعاء لابن كيغلغ، (¬a) وكانت حروب قتل فيها جماعة وأقبل أحمد بن كيغلغ (¬a) فنزل منية الأصبغ لثلاث خلون من رجب، فلحق به كثير من أصحاب تكين، ففرّ ابن تكين ليلا، ودخل ابن كيغلغ المدينة لستّ خلون منه؛ وكان مقام ابن تكين بالفسطاط مائة يوم واثنى عشر يوما (٦). وخلع القاهر، وبويع أبو العبّاس الرّاضي باللّه، فعاد ابن تكين وأظهر أنّ الراضي ولاّه. فخرج إليه العسكر وحاربوه فيما بين بلبيس وفاقّوس، فانهزم وأسر (¬b) وجيء به إلى المدينة، فحمل إلى الصّعيد (٧).

стр. 1068

فورد كتاب يخبر (¬a) بأنّ محمّد بن طغج سار إلى مصر بولاية الرّاضي له، فبعث إليه ابن كيغلغ بجيش ليمنعوه من دخول الفرما، فأقبلت مراكب ابن طغج إلى تنّيس، وسارت مقدّمته في البرّ، وكانت بينهما حرب (¬b) في تاسع عشر شعبان سنة ثلاث وعشرين كانت لأصحاب ابن طغج، وأقبلت مراكبه إلى الفسطاط سلخ شعبان، فأقبل عسكر (¬c) ابن كيغلغ للنصف من رمضان، ولاقاه لسبع بقين منه، فسلّم ابن كيغلغ إلى محمد بن طغج من غير قتال (١). [الدّولة الإخشديّة] (٢) وولي محمد بن طغج الثانية من قبل الرّاضي على الصّلاة والخراج، فدخل لستّ بقين من رمضان، وقدم أبو الفتح الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات بالخلع لمحمد بن طغج. وكانت حروب مع أصحاب ابن كيغلغ انهزموا منها إلى برقة، وساروا إلى القائم بأمر اللّه محمّد بن المهدي بالمغرب، فحرّضوه على أخذ مصر، فجهزّ جيشا سار إلى مصر، فبعث ابن طغج عسكره إلى الإسكندرية والصّعيد (٣).

стр. 1069

ثم ورد الكتاب من بغداد بالزّيادة في اسم الأمير محمد بن طغج، فلقّب «الإخشيد» (١) ودعي له بذلك على المنبر في رمضان سنة سبع وعشرين (٢). وسار محمد بن رائق إلى الشّامات فعرض الإخشيد الفروض وبعث بمراكب إلى الشّام، ثم سار في المحرّم سنة ثمان وعشرين، واستخلف أخاه الحسن بن طغج، فنزل الفرما وابن رائق بالرّملة، فسفّر بينهما الحسن بن طاهر بن يحيى العلوي في الصّلح حتى تمّ، وعاد إلى الفسطاط مستهلّ جمادى الأولى. ثم أقبل ابن رائق من دمشق في شعبان، فسيّر إليه الإخشيد الجيوش، ثم خرج لستّ عشرة خلت من شعبان والتقيا للنصف من رمضان بالعريش، فكانت بينهما وقعة عظيمة انكسرت فيها ميسرة الإخشيد، ثم حمل بنفسه فهزم أصحاب ابن رائق، وأسر كثيرا منهم، وأثخنهم قتلا وأسرا (٣). ومضى ابن رائق فقتل الحسين بن طغج باللّجون، ودخل الإخشيد الرّملة بخمس مائة أسير، فتداعى ابن طغج وابن رائق إلى الصّلح، فمضى ابن رائق إلى دمشق على صلح، وقدم الإخشيد محمد بن طغج إلى مصر لثلاث خلون من المحرّم سنة تسع وعشرين (٤). ومات الرّاضي باللّه، وبويع المتّقي للّه إبراهيم في شعبان، فأقرّ الإخشيد، وقتل محمد بن رائق بالموصل، قتله بنو حمدان في شعبان سنة ثلاثين وثلاث مائة، فبعث الإخشيد بجيوشه إلى الشّام، ثم سار لستّ خلون من شوّال، واستخلف أخاه أبا المظفّر الحسن بن طغج، ودخل دمشق (٥). ثم عاد لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، فنزل البستان الذي يعرف اليوم بالكافوري من القاهرة، ثم دخل داره وأخذ البيعة لابنه أبي القاسم أونوجور على جميع القوّاد آخر ذي القعدة.

стр. 1070

وسار المتّقي للّه إلى بلاد الشّام ومعه بنو حمدان، فسار الإخشيد لثمان خلون من رجب سنة اثنتين وثلاثين، واستخلف أخاه الحسن، فلقي المتّقي، ثم رجع فنزل البستان لأربع خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وخلع المتّقي، وبويع عبد اللّه المستكفي لسبع خلون من جمادى الآخرة، فأقرّ الإخشيد (١). وبعث الإخشيد بحانك وكافور في الجيوش إلى الشّام، ثم خرج لخمس خلون من شعبان سنة ستّ وثلاثين، واستخلف أخاه الحسن. فلقي عليّ بن عبد اللّه بن حمدان بأرض قنّسرين وحاربه، ومضى فأخذ منه حلب. وخلع المستكفي، ودعي للمطيع للّه الفضل بن جعفر في شوّال سنة أربع وثلاثين، فأقرّ الإخشيد إلى أن مات بدمشق يوم الجمعة لثمان بقين من ذي الحجّة (٢). فولي بعده ابنه أونوجور أبو القاسم باستخلافه إيّاه، وقبض على أبي بكر محمد بن عليّ بن مقاتل في ثالث المحرّم سنة خمس وثلاثين، وجعل مكانه على الخراج محمد بن علي الماذرائي، وقدم العسكر من الشّام أوّل صفر. فلم يزل أونوجور واليا إلى أن مات لسبع خلون من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، وحمل إلى القدس فدفن عند أبيه. وكان كافور متحكّما في أيّامه، ويطلق له في السنة أربع مائة ألف دينار، فلمّا مات قوي كافور، وكانت ولايته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر. فأقام كافور أخاه عليّ بن الإخشيد أبا الحسن لثلاث عشرة خلت من ذي القعدة، فأقرّه المطيع للّه على الحرب والخراج بمصر والشّام والحرمين، وصار خليفته على ذلك كافور غلام أبيه، وأطلق له ما كان يطلق لأخيه في كلّ سنة. وفي سنة إحدى وخمسين ترفّع السّعر، واضطربت الإسكندرية والبحيرة بسبب المغاربة الواردين إليها، وتزايد الغلاء، وعزّ وجود القمح. وقدم القرمطيّ إلى الشّام في سنة ثلاث وخمسين، وقلّ ماء النّيل، ونهبت ضياع مصر، وتزايد الغلاء. وسار/ ملك النّوبة إلى أسوان، ووصل إلى إخميم، فقتل ونهب وأحرق، واشتدّ اضطراب الأعمال.

стр. 1071

وفسد ما بين كافور وبين عليّ بن الإخشيد، فمنع كافور من الاجتماع به، واعتلّ عليّ بعد ذلك علّة أخيه، ومات لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وخمسين وثلاث مائة، فحمل إلى القدس. وبقيت مصر بغير أمير أيّاما، ولم يدع بها إلاّ للمطيع للّه وحده، وكافور يدبّر أمورها ومعه أبو الفضل جعفر بن الفرات. ثم ولي كافور الخصيّ الأسود مولى الإخشيد، من قبل المطيع، على الحرب والخراج وجميع أمور مصر والشّام والحرمين. فلم يغيّر لقبه، وإنّما كان يدعى ويخاطب ب «الأستاذ»، وأخرج كتاب المطيع بولايته لأربع بقين من المحرّم سنة خمس وخمسين، فلم يزل إلى أن توفّي لعشر بقين من جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلاث مائة (١). فولي أحمد بن عليّ الإخشيد أبو الفوارس وسنّه إحدى عشرة سنة، في يوم وفاة كافور، وجعل الحسن (¬a) بن عبيد اللّه بن طغج يخلفه، وأبو الفضل جعفر بن الفرات يدبّر الأمور، وشمول الإخشيدي يدبّر (¬b) العساكر؛ إلى أن قدم جوهر القائد من المغرب بجيوش المعزّ لدين اللّه في سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، ففرّ الحسن (¬a) بن عبيد اللّه، وتسلّم جوهر البلاد كما سيأتي إن شاء اللّه. فكانت مدّة الدّعاء لبني العبّاس بمصر، منذ ابتدأت دولتهم إلى أن قدم القائد جوهر إلى مصر، مائتي سنة وخمسا وعشرين سنة، ومدّة الدّولة الإخشيديّة بها أربعا وثلاثين سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما. ومنذ افتتحت مصر إلى أن انتقل كرسي الإمارة منها إلى القاهرة ثلاث مائة سنة وسبع وثلاثون سنة وأشهر (٢). ذكر ما كانت عليه مدينة الفسطاط من كثرة العمارة قال ابن يونس، عن اللّيث بن سعد: إنّ حكيم بن أبي راشد حدّثه، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، أنّه وقف على جزّار فسأله عن السّعر، فقال: بأربعة أفلس الرّطل؛ فقال له أبو سلمة: هل لك أن تعطينا بهذا السّعر ما بدا لنا وبدا لك؟ قال: نعم. فأخذ منه أبو سلمة، وحزّ في (¬c) القصبة حتى إذا أراد أن يوفّيه، قال: بعتني بدينار، ثم قال: اصرفه فلوسا ثم وفّه.

стр. 1072

وقال الشّريف أبو عبد اللّه محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب «النّقط على كتاب (¬a) الخطط»: سمعت الأمير تأييد الدّولة تميم بن محمد، المعروف بالصّمصام، يقول في سنة تسع وثلاثين وخمس مائة: «حدّثني (¬b) القاضي أبو الحسين عليّ بن الحسين الخلعيّ، عن القاضي أبي عبد اللّه القضاعيّ، قال: كان في مصر الفسطاط من المساجد ستّة وثلاثون ألف مسجد (١)، وثمانية آلاف شارع مسلوك، وألف ومائة وسبعون حمّاما، وأنّ حمّام جنادة في القرافة ما كان يتوصّل إليها إلاّ بعد عناء من الزّحام، وأنّ قبالتها في كلّ يوم جمعة خمس مائة درهم». وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ في كتاب «الخطط»: إنّه طلب لقطر النّدى ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون ألف تكّة بعشرة آلاف دينار، من أثمان كلّ تكّة بعشرة دنانير، فوجدت في السّوق في أيسر وقت وبأهون سعي (٢). وذكر عن القاضي أبي عبيد أنّه لمّا صرف عن قضاء مصر، كان في المودع مائة ألف دينار، وأنّ فائقا مولى أحمد بن طولون اشترى دارا بعشرين ألف دينار، وسلّم الثّمن إلى البائعين وأجّلهم شهرين؛ فلمّا انقضى الأجل، سمع فائق صياحا عظيما وبكاء، فسأل عن ذلك، فقيل هم الذين باعوا الدار، فدعاهم وسألهم عن ذلك، فقالوا: إنّما نبكي على جوارك. فأطرق وأمر بالكتب فردّت عليهم، ووهب لهم الثّمن، وركب إلى أحمد بن طولون فأخبره، فاستصوب رأيه واستحسن فعله. ويقال إنّه كان لفائق ثلاث مائة فرشة، كلّ فرشة لحظيّة مثمّنة. وأنّ دار الحرم بناها خمارويه لحرمه، وكان أبوه اشتراها له، فقام عليه الثّمن وأجرة الصّنّاع والبناء بسبع مائة ألف دينار. وأنّ عبد اللّه بن أحمد بن طباطبا الحسيني دخل الجامع، فلم يحد مكانا في الصّفّ الأوّل، فوقف في الصّف الثاني، فالتفت أبو حفص بن الجلاّب، فلمّا رآه تأخّر، وتقدّم الشّريف مكانه، فكافأه على ذلك بنعمة حملها إليه ودار ابتاعها له، ونقل أهله إليها بعد أن كساهم وحلاّهم.

стр. 1073

وذكر غير القاضي (¬a) (١) أنّه دفع إليه خمس مائة دينار قال: ويقال إنّه أهدى إلى أبي جعفر الطّحاوي كتبا قيمتها ألف دينار. وأنّ رشيقا الإخشيدي استحجبه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي، فلمّا مضت عليه سنة رفع فيه أنّه كسب عشرة آلاف دينار، فخاطبه في ذلك، فحلف بالأيمان الغليظة على بطلان ذلك، فأقسم أبو بكر الماذرائي بمثل ما أقسم به: لئن خرجت سنتنا هذه ولم تكسب هذه الجملة، لا صحبتني! ولم يزل في صحبته إلى أن صودر أبو بكر، فأخذ منه ومن رشيق مال جزيل. وذكر أنّ الحسن بن أبي المهاجر، موسى بن إسماعيل بن عبد الحميد بن بحر بن سعد، كان/ على البريد في زمن أحمد بن طولون وقتله خمارويه. وسبب ذلك ما كان في نفس عليّ بن أحمد الماذرائي منه، فأغرى خمارويه به، وقال: قد بقي لأبيك مال غير الذي ذكره في وصيّته، ولم يقف عليه غير ابن مهاجر، فطالبه. فلم يزل خمارويه بابن مهاجر إلى أن وصف له موضع المال من دار خمارويه، فأخرج فكان مبلغه ألف ألف دينار، فسلّمه إلى أحمد الماذرائي، فحمله إلى داره. وأقبلت توقيعات خمارويه ترد إليه بالصّلات والنّفقات، فيخرجها من فضول أموال الضّياع والمرافق، وحصلت له تلك الأموال، ولم يضع يده عليها إلى أن قتل. وصودر أبو بكر محمد بن عليّ في أيّام الإخشيد وقبضت ضياعه، فعاد إلى تلك الألف ألف دينار مع ما سواها من ذخائره وأعراضه وعقده، فما ظنّك برجل ذخيرته ألف ألف دينار! سوى ما ذكر. وذكر (¬b) عن أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي أنّه قال: بعث إليّ أبو الجيش خمارويه أن أشتري له أردية وأقنعة للجواري، وعمل دعوة خلا فيها بنفسه وبهم، وغدوت متعرّفا لخبره، فقيل لي إنّه طرب لما هو فيه، فنثر دنانير على الجواري والغلمان، وتقدّم إليهم أنّ ما سقط من ذلك في البركة فهو لمحمد بن عليّ كاتبي. فلمّا حضرت وبلغني ذلك، أمرت الغلمان فنزلوا في البركة، فأصعدوا إليّ منها سبعين ألف دينار، فما ظنّك بمال نثر على أناس فتطاير منه إلى بركة ماء هذا المبلغ؟!

стр. 1074

وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب في حلى المغرب»: وفي الفسطاط دار تعرف بعبد العزيز، يصبّ فيها لمن بها في كلّ يوم أربع مائة راوية ماء. وحسبك من دار واحدة يحتاج أهلها في كلّ يوم إلى هذا القدر من الماء (١)! وقال ابن المتوّج في كتاب «إيقاظ المتغفّل واتّعاظ المتأمّل» عن ساحل مصر: ورأيت من نقل عمّن نقل عمّن رأى الأسطال التي كانت بالطّاقات المطلّة على النّيل، وكان عددها ستّة عشر ألف سطل مؤبّدة ببكر وأطناب بها ترخى وتملأ، أخبرني بذلك من أثق بنقله (٢). قال: وكان بالفسطاط في جهته الشّرقيّة حمّام من بناء الرّوم عامرة زمن أحمد بن طولون، قال الرّاوي: دخلتها في زمن خمارويه بن أحمد بن طولون، وطلبت بها صانعا يخدمني، فلم أجد فيها صانعا متفرّغا لخدمتي، وقيل لي إنّ كلّ صانع معه اثنان يخدمهم وثلاثة. فسألت: كم فيها من صانع؟ فأخبرت أنّ بها سبعين صانعا قلّ من معه دون ثلاثة، سوى من قضى حاجته وخرج. قال: فخرجت ولم أدخلها لعدم من يخدمني بها، ثم طفت غيرها، فلم أقدر على من أجده فارغا إلاّ بعد أربع حمّامات، وكان الذي خدمني فيها نائبا (٣). فانظر - رحمك اللّه - ما اشتمل عليه هذا الخبر، مع ما ذكره القضاعيّ من عدد الحمّامات وأنّها ألف ومائة وسبعون حمّاما (٤)، تعرف من ذلك كثرة ما كان بمصر من النّاس، هذا والسّعر راخ فالقمح (¬a) كلّ خمسة أرادبّ بدينار، وأبيع (¬b) عشرة أرادبّ بدينار في أيّام (¬c) أحمد بن طولون. قال ابن المتوّج: خطّ (¬d) مسجد عبد اللّه (٥) أدركت به (¬e) آثار دار عظيمة قيل إنّها كانت دار كافور الإخشيدي. ويقال إنّ هذه الخطّة تعرف بسوق العسكر، وكان به مسجد الوكزة (¬f)، وقيل

стр. 1075

إنّه كان منه قصبة سوق متّصلة إلى جامع أحمد بن طولون. وأخبرني بعض المشايخ العدول عن والده - وكان من أكابر الصّلحاء - أنّه قال: عددت من مسجد عبد اللّه إلى جامع ابن طولون ثلاث مائة وتسعين قدر حمّص مصلوق بقصبة هذا السّوق بالأرض، سوى المقاعد والحوانيت التي بها الحمّص (١). فتأمّل - أعزّك اللّه - ما في هذا الخبر ممّا يدلّ على عظمة مصر، فإنّ هذا السّوق كان خارج مدينة الفسطاط، وموضعه اليوم الفضاء الذي بين كوم الجارح وبين جامع ابن طولون. ومن المعروف أنّ الأسواق التي تكون بداخل المدينة أعظم من الأسواق التي هي خارجها، ومع ذلك ففي هذا السّوق من صنف واحد من المآكل هذا القدر، فكم ترى تكون جملة ما فيه من سائر أصناف المآكل، وقد كان إذ ذاك بمصر عشرات (¬a) أسواق كلّها أو أكثرها أجلّ من هذا السّوق؟! قال: ودرب السّفافريين (¬b) فيه زقاق بني الرّصاص، كان به جماعتهم (¬c) إذا عقد عندهم عقد لا يحتاجون إلى غريب، وكانوا هم وأولادهم نحوا من أربعين نفسا (٢). وقال ابن زولاق في كتاب «سيرة الماذرائيين»: ولمّا قدم الأستاذ مؤنس الخادم من بغداد إلى مصر، استدعى أبو عليّ الحسين بن أحمد الماذرائي المعروف بأبي زنبور، الدّقّاق - وهو الذي نسمّيه اليوم الطّحّان - وقال: إنّ الأستاذ مؤنسا قد وافى، ولي بمشتول قدر ستين ألف أردبّ قمحا، فإذا وافى فقم له بالوظيفة. فكان يقوم له بما يحتاج إليه من دقيق حوّارى مدّة شهر. فلمّا كمل الشهر، قال [له علوان] (¬d) كاتب مؤنس للدّقّاق: كم لك حتى ندفعه إليك؟ فأعلمه الخبر، فقال: ما أحسب الأستاذ يرضى أن يكون في ضيافة أبي علي. وأعلم مؤنسا بذلك، فقال: أنا آكل خبز حسين! لا يبرح الرجل حتى يقبض ماله.

стр. 1076

فمضى الدّقّاق وأعلم أبا زنبور، فقام من فوره إلى مؤنس فأكبّ على رجليه [يقبّلهما] (¬a)، فاحتشم منه وقال: واللّه لا أجيبك إلاّ هذا الشهر الذي مضى، ولا تعاود. ثم رجع فقال للدّقّاق: قم له بالوظيفة في المستقبل، واعمل ما يريده. قال: فجئته وقد فرغ القمح، ومعي الحساب وأربع مائة دينار؛ قال: إيش هذا؟ فقلت: بقيّة ذلك القمح./ فقال: أعفني منه، وتركه (١). فتأمّل ما اشتمل عليه هذا الخبر من سعة حال كاتب من كتّاب مصر، كيف كان له في قرية واحدة هذا القدر من صنف القمح، وكيف صار ممّا يفضل عنه حتى يجعله ضيافة، وكيف لم يعبأ بأربع مائة دينار حتى وهبها لدقّاق قمح. وما ذاك إلاّ من كثرة الغنى (¬b)، وقس عليه باقي الأحوال. وقال عن أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي: إنّه حجّ اثنتين وعشرين حجّة متوالية، أنفق في كلّ حجّة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وأنّه كان يخرج معه بتسعين ناقة لقتبه (¬c) التي يركبها، وأربع مائة لجهازه وميرته، ومعه المحامل فيها أحواض البقل وأحواض الرّياحين وكلاب الصّيد، وينفق على الأشراف وأولاد الصّحابة ولهم عنده ديوان بأسمائهم، وأنّه أنفق في خمس (¬d) حجّات أخر ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار (٢). وكانت جاريته تواصل معه الحجّ، ومعها لنفسها ثلاثون ناقة لقتبها (¬e)، ومائة وخمسون عربيّا لجهازها. وأحصى ما يعطيه كلّ شهر لحاشيته وأهل السّتر وذوي الأقدار، جراية من الدّقيق الحوّارى، فكان بضعا وثمانين ألف رطل. وكان سنة القرمطي (٣) بمكّة، فمن جملة ما ذهب له به مائتا قميص دبيقي، سلف (¬f) كلّ ثوب منها خمسون دينارا (٤).

стр. 1077

وقال مرّة وهو في عطلته: أخذ منّي محمد بن طغج الإخشيد عينا وعرضا ما (¬a) يبلغ نيفا (¬b) وثمانين ويبة دنانير؛ فاستعظم من حضر ذلك، فقال ابنه: الذي أخذ أكثر، وأنا أوقفه عليه؛ ثم قال لأبيه: يا مولاي، أليس نكبت ثلاث مرّات؟ قال: بلى؛ قال: أليس أخذت ضياعك بالشّام؟ قال: نعم؛ قال: فكم ثمنها؟ قال: ألف ألف دينار؛ قال: وضياعك بمصر؛ قال: قريب منها؛ قال: وعرض وعين؟ قال: كذلك. فأمر بعض الحسّاب بضبط ذلك، فجاء ما ينيف عن ثلاثين أردبّا من ذهب (١). فانظر ما تضمّنته أخبار الماذرائي، وقس عليها بقيّة أحوال مصر، فما كان سوى كاتب الخراج وهذه أمواله كما قد رأيت. وقال الشّريف الجوّاني: إنّ أبا عبد اللّه محمد بن ميسّر (¬c) قاضي مصر سمع بأنّ الماذرائي عمل في أيّامه الكعك المحشو بالسّكّر، والقرص الصّغار المسمّى «افطن له»، فأمرهم بعمل الفستق الملبّس بالسّكّر الأبيض الفانيد المطيّب بالمسك، وعمل منه في أوّل الحال أشياء عوض لبّه لبّ ذهب في صحن واحد، فمضى عليه جملة، وخطف قدّامه، تخاطفه الحاضرون، ولم يعد لعمله بل الفستق الملبّس. وكان قد سمع في سيرة الماذرائيين أنّه عمل له هذا «الافطن له» وفي كلّ واحدة خمسة دنانير، ووقف أستاذ على السّماط فقال لأحد الجلساء: «افطن له»؛ وكان عمل على السّماط عدّة صحون من ذلك الجنس، لكن (¬d) ما كان فيها إلاّ (¬d) صحن واحد، فلمّا رمز الأستاذ لذلك الرّجل بقوله «افطن له» وأشار إلى الصّحن، تناول ذلك الرجل منه، فأصاب الذّهب واعتمد عليه فحصل له جملة، ورآه الناس وهو إذا أكل يخرج من فمه ويجمع بيده ويحطّ في حجره، فتنبّهوا له وتزاحموا عليه، فقيل لذلك من يومئذ «افطن له» (٢). وقال أبو سعيد عبد الرّحمن بن أحمد بن يونس في «تاريخ مصر»: حدّثني بعض أصحابنا بتفسير رؤيا رآها غلام ابن عقيل الخشّاب عجيبة، فكانت حقّا كما فسّرت، فسألت غلام ابن عقيل عنها؛ فقال لي: أنا أخبرك، كان أبي في سوق الخشّابين، فأنفق بضاعته ورثت حاله

стр. 1078

ومات، فأسلمتني أميّ إلى ابن عقيل - وكان صديقا لأبي - فكنت أخدمه، وأفتح حانوته وأكنسها، ثم أفرش له ما يجلس عليه، فكان يجري عليّ رزقا أتقوّت به؛ فأنا (¬a) يوما في الحانوت وقد جلس أستاذي ابن عقيل، فجاء ابن العسّال (١) مع رجل من أهل الرّيف يطلب عود خشب لطاحونه، فاشترى من ابن عقيل عود طاحونة بخمسة دنانير. فسمعت قوما من أهل السّوق يقولون: هذا ابن العسّال المفسّر للرّؤيا عند ابن عقيل، فجاء منهم قوم وقصّوا عليه منامات رأوها، ففسّرها لهم؛ فذكرت رؤيا رأيتها في ليلتي، فقلت له: إنّي رأيت البارحة في نومي كذا وكذا، فقصصت عليه الرّؤيا؛ فقال لي: أيّ وقت رأيتها من اللّيل؟ فقلت: انتبهت بعد رؤياي في وقت كذا؛ فقال لي: هذه رؤيا لست أفسّرها إلاّ بدنانير كثيرة. فألححت عليه، فقال أستاذي ابن عقيل: فرّج عنه، هذا غلام صغير فقير لا يملك شيئا؛ فقال: لست آخذ إلاّ عشرين دينارا؛ فقال له ابن عقيل: إن قرّبت علينا وزنت أنا لك ذلك من عندي. فلم يزل به ينزله حتى قال: لست (¬b) واللّه آخذ أقلّ من ثمن العمود (¬c) الخشب: خمسة دنانير؛ فقال له ابن عقيل: إن صحّت الرّؤيا دفعت إليك العمود (¬c) بلا ثمن؛ فقال له: يأخذ مثل هذا اليوم ألف دينار؛ قال أستاذي: فإذا لم يصح هذا؟ فقال: يكون العمود (¬c) عندك إلى مثل هذا اليوم، فإن (¬d) أخذ ما قلت له في ذلك اليوم وإلاّ (¬e) فليس لي عندك شيء، ولا أفسّر رؤيا أبدا؛ فقال له أستاذي: قد أنصفت. ومضت الجمعة، فلمّا كان مثل ذلك اليوم غدوت كما (¬f) كنت أغدو إلى دكّان أستاذي، ففتحتها ورششتها، واستلقيت على ظهري أفكّر فيما قال لي، ومن أين يمكن أن يصير إليّ ألف دينار، فقلت: لعلّ سقف المكان ينفرج فيسقط منه هذا المال، وجعلت أجيل فكري؛ فإنّي كذلك إلى ضحى، إذ وقف عليّ جماعة من أعوان الخراج معهم فارس (¬g)، فقالوا: هذه دكّان ابن عقيل، ثم قالوا لي: قم؛ فقلت لهم: لست/ ابن عقيل، أنا غلامه؛ فقالوا لي (¬e): بل أنت ابنه، وجذبوني فأخرجوني من الدّكّان؛ فقلت: إلى أين؟ فقالوا: إلى ديوان الأستاذ أبي علي الحسين ابن أحمد (يعنون أبا زنبور)؛ فقلت: وما يصنع بي؟ فقالوا: إذا جئت

стр. 1079

سمعت كلامه وما يريده منك. وكنت بعقب علّة ضعيف البدن، فقلت: ما أقدر أمشي، فقالوا: اكتر حمارا تركبه. ولم يكن معي ما أكتري به حمارا، فنزعت تكّة سراويلي من وسطي ودفعتها على درهمين لمن أكراني الحمار، ومضيت معهم فجاءوا بي إلى دار أبي زنبور، فلمّا دخلت قال لي: أنت ابن عقيل؟ فقلت: لا يا سيّدي، أنا غلام في حانوته؛ قال: أفليس تبصر قيمة الخشب؟ قلت: بلى؛ قال: فاذهب مع هؤلاء فقوّم لنا هذا الخشب، فانظر بحيث لا يزيد ولا ينقص. فمضيت معهم، فجاءوا بي إلى شطّ الحمراء (¬a) (١) إلى خشب كثير من أثل وسنط جاف، وغير ذلك ممّا يصلح لبناء المراكب، فقوّمته تقويم جزع حتى بلغت قيمته ألفي دينار؛ فقالوا لي: انظر هذا الموضع الآخر فيه من الخشب أيضا؛ فنظرت فإذا هو أكثر ممّا قوّمت بنحو مرّتين، فأعجلوني ولم أضبط قيمة الخشب. فردّوني إلى أبي زنبور، فقال لي: قوّمت الخشب كما أمرتك؟ ففزعت، فقلت: نعم؛ فقال: هات كم قوّمته؟ فقلت: ألفا دينار؛ فقال: انظر لا تغلط؛ فقلت: هو قيمته عندي؛ فقال لي: فخذه أنت بألفي دينار؛ فقلت: أنا فقير لا أملك دينارا واحدا، فكيف لي بقيمته؟ قال: ألست تحسن تدبيره وتبيعه؟ فقلت: بلى. قال: فدبّره وبعه، ونحن نصبر عليك بالثّمن إلى أن تبيع شيئا شيئا وتؤدّي ثمنه؛ فقلت: أفعل. فأمر بكتاب يكتب عليّ في الدّيوان بالمال، فكتب عليّ، ورجعت إلى الشّطّ أعرف عدد الخشب، وأوصي به الحرّاس. فوافيت جماعة أهل سوقنا وشيوخهم قد أتوا إلى موضع الخشب، فقالوا لي: إيش صنعت، قوّمت الخشب؟ قلت: نعم؛ قالوا: بكم قوّمته؟ فقلت: بألفي دينار؛ فقالوا لي: وأنت تحسن تقوّم لا يساوي هذا هذه القيمة. فقلت لهم: قد كتب عليّ كتّاب في الدّيوان وهو عندي يساوي أضعاف هذا؛ فقالوا لي: اسكت لا يسمعك أحد؛ وكانوا قد قوّموه قبلي لأبي زنبور

стр. 1080

بألف دينار، فقال بعضهم لبعض: أعطوا هذا ربحه وتسلّموه أنتم، فقال قائل: أعطوه ربحه خمس مائة دينار؛ فقلت: لا، واللّه لا آخذ؛ فقالوا: قد رأى رؤيا فزيدوه؛ فقلت: لا، واللّه لا آخذ أقلّ من ألف دينار؛ قالوا: فلك ألف دينار، فحوّل اسمك من الدّيوان نعطك إذا بعنا ألف دينار؛ فقلت: لا واللّه لا أفعل حتى أخذ الألف دينار في وقتي هذا. فمضوا إلى حوانيتهم وإلى منازلهم حتى جاءوني بألف دينار، فقلت: لا آخذها إلاّ بنقد الصّيرفي وميزانه؛ فمضيت معهم إلى صيرفي بالنّاحية حتّى وزنوا عنده الألف دينار، ونقدتها وأخذتها فشددتها في طرف ردائي، ومضيت معهم إلى الدّيوان، وحوّلت أسماءهم مكان اسمي، ووفّوا حقّ الديوان من عندهم. ورجعت وقت الظّهر إلى أستاذي فقال لي: قبضت ألف دينار منهم؟ فقلت: نعم، ببركتك وتركت الدّنانير بين يديه، وقلت له: يا أستاذ خذ ثمن العمود (¬a) الخشب؛ فقال: لا واللّه لا آخذ منك شيئا، أنت عندي مقام ابني. وجاء في الوقت ابن العسّال، فدفع إليه أستاذي العمود (¬a) الخشب، فمضى. فهذا خبر رؤياي وتفسيرها. فتأمّل - أعزّك اللّه - ما يشتمل عليه هذا الخبر (¬b) من عظم ما كانت عليه مصر، فأوّلا (¬b) سعة حال الدّيوان، وكيف فضل فيه خشب يساوي آلافا من الذّهب، ونحن اليوم في زمن إذا احتيج فيه إلى عمارة شيء من الأماكن السّلطانيّة بخشب أو غيره، أخذ من النّاس إمّا بغير ثمن أو بأبخس (¬c) القيم، مع ما يصيب مالكه من الخوف والخسارة للأعوان. وكيف لمّا قوّم هذا الخشب، لم يكلّف المشتري دفع المال في الحال؛ وفي زمننا إذا طرحت البضاعة السّلطانية على الباعة يكلّفون حمل ثمنها بالسّرعة، حتّى إنّ فيهم من يبيعها بأقّلّ من نصف ما اشتراها به، ويكمل الثّمن إمّا من ماله أو يقترضه بربح. وكيف لمّا علم أهل السّوق أنّ الخشب بيع بدون القيمة، لم يمضوا إلى الدّيوان، ويدفعون فيه زيادة: إمّا لقلّة شراء (¬d) النّاس إذ ذاك أو تركهم الأخلاق الرّذيلة من الحسد ونحوه، أو لعلمهم بعدل السّلطان وأنّه لا ينكث ما عقده. وفي زمننا لو ادّعى عدوّ على عدوّه أنّ البضاعة التي كان اشتراها من الدّيوان قيمتها أكثر ممّا أخذها به، لقبل قوله وغرّم زيادة على ما ادّعاه عدوّه من قلّة القيمة جملة أخرى؛ لا جرم أنّه تظاهر سفهاء النّاس بكلّ

стр. 1081

رذيلة وذميمة من الأخلاق، فإنّ الملك سوف (¬a) يجبى إليه ما أنفق (¬b) به. وكيف لمّا علم ابن عقيل أنّ غلامه استفاد على اسمه ألف دينار، لم يشره إلى أخذها، بل دفع عنه الخمسة الدنانير (¬c). وما ذلك إلاّ من انتشار الخير في النّاس، وكثرة أموالهم، وسعة حال كلّ أحد بحسبه، وطيب نفوس الكافّة، ولعمري لو سمع في زمننا أحد من الأمراء والوزراء - فضلا عن الباعة - أنّ غلاما من غلمانه أخذ على اسمه عشر هذا المبلغ، لقامت قيامته. وكيف اتّسعت أحوال الخشّابين حتى وزنوا ألف دينار في ساعة، وأنّه ليعسر اليوم على الخشّابين أن يزنوا في يوم مائة دينار. وهذا كلّه من وفور غنى النّاس بمصر، وعظم أمرهم، وكثرة سعاداتهم. (¬d) وكان/ الفسطاط نحو ثلث بغداد - ومقداره نحو (¬e) فرسخ - على غاية العمارة والخصب والطّيبة واللّذّة، وكانت مساكن أهلها خمس طبقات وستّا وسبعا، وربّما سكن في الدّار الواحدة المائتان من النّاس. وكان فيه دار عبد العزيز بن مروان يصبّ فيها لمن فيها في كلّ يوم أربع مائة راوية ماء، وكان فيها خمسة مساجد وحمّامان وعدّة أفران يخبز بها عجين أهلها (١). وقد قال أبو داود في كتاب «السّنن»: شبّرت قثّاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا، ورأيت أترجّة على بعير قطعتين: قطعت وصيّرت على مثل عدلين؛ ذكره في باب صدقة الزّرع من كتاب الزّكاة (٢). قلت: وقد ذكر أنّ هذا كان في جنان بني سنان البصري خارج مدينة الفسطاط، وكانت بحيث لم ير أبدع منها. فلمّا قدم أمير المؤمنين عبد اللّه المأمون بن هارون الرّشيد مصر سنة سبع عشرة ومائتين، رأى جنان بني سنان هذه، فأعجب بها وسأل إبراهيم بن سنان: كم عليه من الخراج لجنانه؟ فذكر أنّه يحمل إلى الدّيوان في كلّ سنة عشرين ألف دينار؛ فقال المأمون: وكم تردّ عليك هذه الجنان؟ قال: لا أستطيع حصره، إلاّ أنّ ما زاد على مائة ألف دينار أتصدّق به ولو درهما. هذا وله ولد اسمه أحمد بن إبراهيم بن سنان يوصف بعلم وزهد (¬d).

стр. 1082

ذكر الآثار الواردة في خراب مصر روى قاسم بن أصبغ (١)، عن كعب الأحبار، قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة، والكوفة آمنة من الخراب حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدّجّال حتى تفتح القسطنطينيّة. وعن وهب بن منبّه أنّه قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينيّة، وأرمينيّة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينيّة على يدي رجل من بني هاشم (٢). وخراب الأندلس من قبل الزّنج، وخراب إفريقيّة من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النّيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من قبل الجوع والسّيف، وخراب الكوفة من قبل عدوّ من ورائهم يخفرهم حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات قطرة، وخراب البصرة من قبل الغرق، وخراب الأبلّة من قبل عدوّ يخفرهم مرّة برّا ومرّة بحرا، وخراب الرّيّ من قبل الدّيلم، وخراب خراسان من قبل التّبت، وخراب التّبت من قبل الصّين، وخراب الصّين من قبل الهند، وخراب اليمن من قبل الجراد والسّلطان، وخراب مكّة من قبل الحبشة، وخراب المدينة من قبل الجوع. وفي رواية: وخراب أرمينيّة من قبل الرّجف والصّواعق، وخراب الأندلس وخراب الجزيرة من سنابك الخيل واختلاف الجيوش. وعن عبد اللّه بن الصّامت قال: إنّ أسرع الأرضين خرابا للبصرة ومصر؛ فقيل له: وما يخرّبهما وفيهما عيون الرّجال والأموال؟ فقال: يخرّبهما القتل الأحمر والجوع الأغبر كأنّي بالبصرة كأنّها نعامة جاثمة، وأمّا مصر فإنّ نيلها ينضب (أو قال ييبس) فيكون ذلك خرابها. وعن الأوزاعي: إذا دخل أصحاب الرّايات الصّفر مصر، فلتحفر أهل الشّام أسرابا تحت الأرض. وعن كعب: علامة خروج المهدي ألوية تقبل من قبل المغرب عليها رجل من كندة

стр. 1083

أعرج، فإذا ظهر أهل المغرب على مصر، فبطن الأرض يومئذ خير لأهل الشّام. وعن سفيان الثّوري قال: يخرج عنق من البربر، فويل لأهل مصر. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن مولى لشرحبيل بن حسنة - أو لعمرو بن العاص - قال: سمعته يوما واستقبلنا فقال: أيّها لك مصر إذا رميت بالقسيّ الأربع: قوس الأندلس، وقوس الحبشة، وقوس التّرك، وقوس الرّوم. وعن قاسم بن أصبغ، حدّثنا أحمد بن زهير، حدّثنا هارون بن معروف، حدّثنا ضمرة عن الشّيباني قال: تهلك مصر غرقا أو حرقا. وعن عبد اللّه بن معلا أنّه قال لابنته: إذا بلغك أنّ الإسكندرية قد فتحت، فإنّ كان خمارك بالمغرب فلا تأخذيه حتى تلحقي بالمشرق. وذكر مقاتل بن حيّان عن عكرمة، عن ابن عبّاس يرفعه، قال: أنزل اللّه تعالى من الجنّة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون - وهو نهر الهند - وجيحون - وهو نهر بلخ - ودجلة والفرات - وهما نهرا العراق - والنّيل وهو نهر مصر، أنزلها اللّه تعالى من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل ﵇، واستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله : ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ اَلسَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ١٨ سورة المؤمنون]. فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل اللّه تعالى جبريل ﵇ فرفع من الأرض القرآن كلّه والعلم كلّه والحجر من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كلّ ذلك إلى السّماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ/ لَقادِرُونَ﴾ [الآية ١٨ سورة المؤمنون]، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض، فقدت أهلها خير الدّنيا والدّين. وقال ابن لهيعة، عن عقبة بن عامر الحضرميّ، عن حيّان بن الأعين، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: إنّ أوّل مصر خرابا أنطابلس. وقال اللّيث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سالم بن أبي سالم، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: إنّي لأعلم السّنة التي تخرجون فيها من مصر؛ قال: فقلت له: ما يخرجنا منها يا أبا محمد أعدوّ؟ قال: لا، ولكن يخرجكم منها نيلكم هذا، يغور فلا تبقى منه قطرة حتى تكون فيه الكثبان من الرّمل، وتأكل سباع الأرض حيتانه.

стр. 1084

ذكر خراب الفسطاط وكان لخراب مدينة فسطاط مصر سببان: أحدهما «الشّدّة العظمى» التي كانت في خلافة المستنصر باللّه الفاطمي، والثاني «حريق مصر» في وزارة شاور بن مجير السّعدي. فأمّا «الشّدّة العظمى» (١) فإنّ سببها أنّ السّعر نزع (¬a) بمصر في سنة ستّ وأربعين وأربع مائة وتبع الغلاء وباء، فبعث الخليفة المستنصر باللّه أبو تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ، إلى متملّك الرّوم بقسطنطينيّة أن يحمل الغلال إلى مصر، فأطلق أربع مائة ألف أردبّ، وعزم على حملها إلى مصر، فأدركه أجله ومات قبل ذلك. فقام في الملك بعده امرأة، وكتبت إلى المستنصر تسأله أن يكون عونا لها، ويمدّها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد، فأبى أن يسعفها في طلبتها، فحردت لذلك، وعاقت الغلال عن المسير إلى مصر. فحنق المستنصر، وجهّز العساكر، وعليها مكين الدّولة الحسن بن ملهم، وسارت إلى اللاذقيّة، فحاصرتها (¬b) بسبب نقض الهدنة وإمساك الغلال عن الوصول إلى مصر، وأمدّها بالعساكر الكثيرة. ونودي في بلاد الشّام بالغزو، فنزل ابن ملهم قريبا من فامية، وضايق أهلها، وجال في أعمال أنطاكية فسبى ونهب، فأخرج صاحب قسطنطينيّة ثمانين قطعة في البحر، فحاربها ابن ملهم عدّة مرار، وكانت عليه، وأسر هو وجماعة كثيرة في شهر ربيع الأوّل منها. فبعث المستنصر، في سنة سبع وأربعين، أبا عبد اللّه القضاعيّ برسالة إلى القسطنطينيّة. فوافى إليها رسول طغرلبك (¬c) السّلجوقي من العراق بكتابه يأمر متملّك الرّوم بأن يمكّن الرّسول من

стр. 1085

الصّلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، فدخل إليه وصلّى فيه صلاة الجمعة، وخطب للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي (١). فبعث القاضي القضاعي إلى المستنصر يخبره بذلك، فأرسل إلى كنيسة قمامة ببيت المقدس وقبض على جميع ما فيها - وكان شيئا كثيرا - من أموال النّصارى، ففسد من حينئذ ما بين المصريين والرّوم (¬a) حتى استولوا على بلاد السّاحل كلّها، وحاصروا القاهرة كما يرد في موضعه إن شاء اللّه. واشتدّ في هذه السّنة الغلاء، وكثر الوباء بمصر والقاهرة وأعمالها إلى سنة أربع وخمسين وأربع مائة، فحدث مع ذلك الفتنة العظيمة التي خرب بسببها إقليم مصر كلّه. وذلك أنّ المستنصر لمّا خرج على عادته في كلّ سنة على النّجب مع النّساء والحشم إلى أرض الجبّ خارج القاهرة، جرّد بعض الأتراك سيفا وهو سكران على أحد عبيد الشّراء، فاجتمع عليه كثير من العبيد وقتلوه. فحنق لقتله الأتراك، وساروا بجميعهم إلى المستنصر وقالوا: إن كان هذا عن رضاك فالسّمع والطّاعة، وإن كان من غير رضى أمير المؤمنين فلا نرضى بذلك. فتبرّأ المستنصر ممّا جرى وأنكره. فتجمّع الأتراك لمحاربة العبيد، وكانت بينهما حروب شديدة بناحية كوم شريك، قتل فيها عدّة من العبيد، وانهزم من بقي منهم. فشقّ ذلك على أمّ المستنصر، فإنّها كانت السّبب في كثرة العبيد السّود بمصر. وذلك أنّها كانت جارية سوداء فأحبّت الاستكثار من جنسها، واشترتهم من كلّ مكان. وعرفت رغبتها في هذا الجنس، فجلب الناس إلى مصر منهم حتى يقال إنّه صار في مصر إذ ذاك زيادة على خمسين ألف عبد أسود. فلمّا كانت وقعة كوم شريك، أمدّت العبيد بالأموال والسّلاح سرّا. وكانت أمّ المستنصر قد تحكّمت في الدّولة، وحقدت على الأتراك قتلهم (¬b) مولاها أبا سعد التّستري، فقوّت (¬c) العبيد لذلك، حتى صار الواحد منهم يحكم بما يختار،

стр. 1086

فكرهت الأتراك ذلك، وكان ما ذكر (١). فظفر بعض الأتراك يوما بشيء من المال والسّلاح قد بعثت به أمّ المستنصر إلى العبيد تمدّهم به بعد انهزامهم من كوم شريك، فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر وأغلظوا في القول؛ فحلف أنّه لم يكن عنده علم بما ذكر، وصار إلى أمّه فأنكرت ما فعلت. وخرج الأتراك فصار السّيف قائما، ووقعت الفتنة ثانيا، فانتدب المستنصر أبا الفرج بن المغربي ليصلح بين الطائفتين، فاصطلحا على غلّ، وخرج العبيد إلى شبرا دمنهور، فكان هذا أوّل اختلال أحوال أهل مصر (٢). ودبّت عقارب العداوة بين الفئتين إلى سنة تسع وخمسين، فقويت شوكة الأتراك، وضروا على المستنصر، وزاد طمعهم/ فيه، فطلبوا منه الزيادة في واجباتهم وضاقت أحوال العبيد واشتدّت ضرورتهم، وكثرت حاجتهم، وقلّ مال السّلطان واستضعف جانبه. فبعثت أمّ المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، فاجتمعوا بالجيزة، وخرج إليهم الأتراك ومقدّمهم ناصر الدين حسين بن حمدان، فاقتتلا عدّة مرار ظهر في آخرها الأتراك على العبيد، وهزموهم إلى بلاد الصّعيد. فعاد ابن حمدان إلى القاهرة، وقد عظم أمره وقوي جأشه، وكبرت نفسه واستخفّ بالخليفة، فجاءه الخبر أنّه قد تجمّع من العبيد ببلاد الصّعيد خمسة (¬a) عشر ألف فارس، فقلق وبعث بمقدّمي الأتراك إلى المستنصر، فأنكر ما كان من اجتماع العبيد، وجفوا في خطابهم، وفارقوه على غير رضى منهم، فبعثت أمّ المستنصر إلى من بحضرتها من العبيد تأمرهم بالإيقاع على غفلة بالأتراك، فهجموا عليهم وقتلوا منهم عدّة. فبادر ابن حمدان إلى الخروج ظاهر القاهرة، وتلاحق به الأتراك، وبرز إليهم العبيد المقيمون بالقاهرة ومصر، وحاربوهم عدّة أيام. فحلف ابن حمدان أنّه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل الأمر إمّا له أو عليه. وجدّ كلّ من الفريقين في القتال، فظهرت الأتراك على العبيد، وأثخنوا في قتلهم وأسرهم، فعادوا إلى القاهرة، وتتّبع ابن حمدان من في البلد منهم حتى أفنى معظمهم.

стр. 1087

هذا والعبيد ببلاد الصّعيد على حالهم، وبالإسكندرية أيضا منهم جمع كثير، فسار ابن حمدان إلى الإسكندرية وحاصرهم فيها مدّة حتى سألوه الأمان، فأخرجهم وأقام فيها من يثق به. وانقضت هذه السّنة كلّها في قتال العبيد (١). ودخلت سنة ستين وأربع مائة وقد خرق الأتراك ناموس المستنصر، واستهانوا به واستخفّوا بقدره، وصار مقرّرهم في كلّ شهر أربع مائة ألف دينار بعد ما كان ثمانية وعشرين ألف دينار، ولم يبق في الخزائن مال، فبعثوا يطالبونه بالمال، فاعتذر إليهم بعجزه عن ما طلبوه، فلم يعذروه وقالوا: بع ذخائرك، فلم يجد بدّا من إجابتهم، وأخرج ما كان في القصر من الذّخائر، فصاروا يقوّمون ما يخرج إليهم بأخسّ القيم وأقلّ الأثمان، ويأخذون ذلك في واجباتهم. وتجهّز ابن حمدان، وسار إلى الصّعيد يريد قتال العبيد - وكانت شرورهم قد كثرت، وضررهم وفسادهم قد تزايد - فلقيهم وواقعهم غير مرّة، والأتراك تنكسر منهم وتعود إلى محاربتهم إلى أن حمل العبيد عليهم حملة انهزموا فيها إلى الجيزة. فأفحشوا عند ذلك في أمر المستنصر، ونسبوه إلى مباطنة العبيد وتقويتهم، فأنكر ذلك وحلف عليه. فأخذوا في إصلاح شأنهم ولمّ شعثهم، وساروا لقتال العبيد، وما زالوا يلحّون في قتالهم حتى انكسرت العبيد كسرة شنيعة، وقتل منهم خلق كثير وفرّ من بقي، فذهبت شوكتهم، وزالت دولتهم. ورجع ابن حمدان وقد كشف قناع الحياء، وجهر بالسّوء للمستنصر، واستبدّ بسلطنة البلاد (٢). ودخلت سنة إحدى وستين وابن حمدان مستبدّ بالأمر مجاف للمستنصر، فثقل مكانه على الأتراك، وتفرّغوا من العبيد، والتفتوا إليه وقد استبدّ بالأمور دونهم، واستأثر بالأموال عليهم، ففسد ما بينهم وبينه، وشكوا منه إلى الوزير خطير الملك (٣)، فأغراهم به، ولامهم على ما كان من تقويته، وحسّن لهم الثّورة به. فصاروا إلى المستنصر ووافقوه على ذلك، فبعث إلى ابن حمدان يأمره بالخروج عن مصر، ويهدّده إن امتنع. فلم يقدر على الامتناع منه لفساد الأتراك عليه

стр. 1088

وميلهم مع المستنصر، فخرج إلى الجيزة، وانتهب النّاس دوره ودور حواشيه. فلمّا جنّ عليه الليل، عاد من الجيزة سرّا إلى دار القائد تاج الملوك شاذي، وترامى عليه وقبّل رجليه، وسأله النّصرة على الذّكر والوزير الخطير، فإنّهما قاما بهذه الفتنة، فأجابه إلى ذلك، ووعده بقتل المذكورين، وفارقه ابن حمدان. فلمّا كان من الغد ركب شاذي في أصحابه، وأخذ يسير بين القصرين بالقاهرة، وأقبل الوزير الخطير في موكبه، فبادره شاذي على حين غفلة وقتله، ففرّ الذّكر إلى القصر والتجأ بالمستنصر، فلم يكن بأسرع من قدوم ابن حمدان وقد استعدّ للحرب فيمن معه. فركب المستنصر بلأمة الحرب، واجتمع إليه الأجناد والعامّة، وصار في عدد لا ينحصر وبرزت الفرسان. فكانت بين الخليفة وابن حمدان حروب آلت إلى هزيمة ابن حمدان، وقتل كثير من أصحابه، فمضى في طائفة إلى البحيرة، وترامى على بني سنبس وتزوّج منهم (١). فعظم الأمر بالقاهرة ومصر، من شدّة الغلاء وقلّة الأقوات، لما فسد من الأعمال بكثرة النّهب وقطع الطّريق، حتى أكل النّاس الجيف والميتات، ووقف أرباب الفساد في الطريق، فصاروا يقتلون من ظفروا به في أزقّة مصر، فهلك من أهل مصر في هذه الحروب والفتن ما لا يمكن حصره (٢). وامتدّ ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وستين، فجهّز المستنصر عساكره لقتال ابن حمدان بالبحيرة، فسارت إليه ولم يوفّق في محاربته، فكسرها كلّها واحتوى على ما كان معها من سلاح وكراع ومال، فتقوّى به وقطع الميرة عن البلد، ونهب أكثر الوجه البحري، وقطع منه الخطبة للمستنصر، ودعا للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي بالإسكندرية ودمياط وعامّة الوجه البحري. فاشتدّ الجوع، وتزايد الموتان بالقاهرة ومصر/، حتى إنّه كان يموت الواحد من أهل البيت، فلا يمضي يوم وليلة من موته حتى يموت سائر من في ذلك البيت ولا يجد (¬a) من يستولي عليه. ومدّت الأجناد أيديها إلى النّهب، فخرج الأمر عن الحدّ، ونجا أهل القوّة بأنفسهم من

стр. 1089

مصر، وساروا إلى الشّام والعراق، وخرج من خزائن القصر ما يجلّ وصفه (١). وقد ذكر طرف من ذلك في أخبار القاهرة عند ذكر خزائن القصر (٢). فاضطرّ الأجناد - مع (¬a) ما هم فيه من شدّة الجوع - إلى مصالحة ابن حمدان، بشرط أن يقيم في مكانه ويحمل إليه مال مقرّر، وينوب عنه شاذي بالقاهرة. فرضي بذلك وسيّر الغلال إلى القاهرة ومصر، فسكن ما بالناس من شدّة الجوع قليلا. ولم يكن ذلك إلاّ نحو شهر، ووقع الاختلاف عليه، فقدم من البحيرة إلى مصر وحاصرها وانتهبها، وأحرق دورا عديدة بالسّاحل، ورجع إلى البحيرة (٣). فدخلت سنة أربع وستين والحال على ذلك، وشاذي قد استبدّ بأمر الدولة، وفسد ما بينه وبين ابن حمدان، ومنعه من المال الذي تقرّر له، وشحّ به عليه فلم يوصّله إلاّ القليل. (¬b) فحرّك ذلك من (¬b) ابن حمدان، وجمع العربان وسار إلى الجيزة، وخادع شاذي حتى صار إليه ليلا في عدّة من الأكابر، فقبض عليه وعليهم، وبعث أصحابه فنهبوا مصر وأطلقوا فيها النار، فخرج إليهم عسكر المستنصر من القاهرة وهزموهم. فعاد إلى البحيرة، وبعث رسولا إلى الخليفة القائم بأمر اللّه ببغداد يخبره (¬a) بإقامة الخطبة له، وسأله الخلع والتّشاريف. فاضمحلّ أمر المستنصر وتلاشى ذكره، وتفاقم الأمر في الشّدة من الغلاء حتى هلكوا. فسار ابن حمدان إلى البلد وليس في أحد قوّة يمنعه بها، فملك القاهرة، وامتنع المستنصر بالقصر، فسيّر إليه رسولا يطلب منه المال، فوجده وقد ذهب سائر ما كان يعهده من أبّهة الخلافة حتى جلس على حصير، ولم يبق معه سوى ثلاثة من الخدم، فبلّغه رسالة ابن حمدان، فقال المستنصر للرّسول: ما يكفي ناصر الدّولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذا الحال؟! فبكى الرّسول رقّة له، وعاد إلى ابن حمدان، فأخبره بما شاهد من اتّضاع أمر المستنصر وسوء حاله. فكفّ عنه، وأطلق له في كلّ شهر مائة دينار، وامتدّت يده وتحكّم، وبالغ في إهانة المستنصر مبالغة عظيمة، وقبض على أمّه وعاقبها أشدّ العقوبة، واستصفى أموالها فحاز منها شيئا كثيرا.

стр. 1090

فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده من الجوع، فمنهم من سار إلى المغرب، ومنهم من سار إلى الشّام والعراق (١). قال الشّريف محمّد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب «النّقط»: حلّ بمصر غلاء شديد في خلافة المستنصر باللّه، في سنة سبع وخمسين وأربع مائة، وأقام إلى سنة أربع وستين وأربع مائة، وعمّ مع الغلاء وباء شديد، فأقام ذلك سبع سنين، والنّيل يمدّ وينزل فلا يجد من يزرع. وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر، ونزا المارقون بعضهم على بعض، واستولى الجوع لعدم القوت، وصار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل كبيع الطّرف في النّداء، بأربعة عشر (¬a) درهما، وبيع أردبّ من القمح بثمانين دينارا، ثم عدم ذلك وأكلت الكلاب والقطاط، ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا. وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى في الطّرقات ويطوف، وقد أعدّوا سلبا وخطاطيف، فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه (٢)! قال: وحدّثني بعض نسائنا الصّالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فكنّا نسألها فتقول: أنا ممّن خطفني أكلة النّاس في الشّدّة فأخذني إنسان - وكنت ذات جسم وسمن - فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين وآثار الدّماء وزفرة القتلى، فأضجعني على وجهي وربط في يديّ ورجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة، ثم شرّح من أفخاذي شرائح وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم وشوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو، فأخذت في الحركة إلى أن تخلّى (¬b) أحد الأوتاد، وأعان اللّه على الخلاص وتخلّصت، وحللت الرّباط، وأخذت خرقا من داره ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن، وجئت إلى بيتي وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى
следующие страницы →