← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قال: وكتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقّاص وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص وهو نازل بالإسكندرية: «ألاّ تجعلوا بيني وبينكم ماء، متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت». فتحوّل سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط (١). قال: وإنّما سمّيت الفسطاط لأنّ عمرو بن العاص لمّا أراد التّوجّه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الرّوم، أمر بنزع فسطاطه فإذا فيه يمام قد فرخ، فقال عمرو: لقد تحرّم منّا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر. فلمّا قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي كان خلّفه، وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصا (¬a) عند دار عمرو الصغيرة (٢). قال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني: كان فسطاط عمرو عند درب حمّام شمول بخطّ الجامع (٣). وقال ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» في حديث النبيّ ﷺ ، إنّه قال: «عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط» يرويه سويد بن عبد العزيز، عن النّعمان بن المنذر، عن مكحول، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ . الفسطاط المدينة، وكلّ مدينة فسطاط، ولذلك قيل لمصر فسطاط. (¬b) وأخبرني أبو حاتم، عن الأصمعي، أنّه قال: حدّثني رجل من بني تميم قال: قرأت في كتاب رجل من قريش: هذا ما اشترى فلان بن فلان من عجلان مولى زياد، اشترى منه خمس مائة جريب حيال الفسطاط، يريد البصرة. ومنه قول الشّعبي في الآبق: إذا أخذ في الفسطاط عشرة، وإذا أخذ خارجا عن

стр. 982

الفسطاط أربعون. وأراد أنّ يد اللّه على أهل الأمصار، وأنّ من شذّ عنهم، وفارقهم في الرّأي، فقد خرج عن يد الله. وفي ذلك آثار (١). وقال البكريّ: الفسطاط - بضمّ أوّله وكسره وإسكان ثانيه - اسم لمصر. ويقال فسطاط وبسطاط. قال المطرّزي: وفصطاد وفستاد، وبكسر أوائل جميعها، فهي عشر لغات. وقال ابن قتيبة: كلّ مدينة فسطاط، وذكر حديث «عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط» (٢). ذكر الخطط التي كانت بمدينة الفسطاط اعلم أنّ الخطط التي كانت بمدينة فسطاط مصر، بمنزلة الحارات التي هي اليوم بالقاهرة، فقيل لتلك في مصر خطّة/، وقيل لها في القاهرة حارة (٣). قال القضاعيّ: ولمّا رجع عمرو من الإسكندرية، ونزل موضع فسطاطه، انضمّت القبائل بعضها إلى بعض، وتنافسوا في المواضع. فوّلى عمرو على الخطط معاوية بن حديج التّجيبي، وشريك بن سميّ الغطيفي، وعمرو بن قحزم الخولاني، وحيويل بن ناشرة

стр. 983

المعافري، وكانوا هم الذين أنزلوا النّاس وفصلوا بين القبائل، وذلك في سنة إحدى وعشرين (١). خطّة أهل الرّاية - أهل الرّاية جماعة من قريش والأنصار وخزاعة وأسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وثقيف ودوس وعبس بن بغيض وجرش من بني كنانة وليث بن بكر، والعتقاء منهم، إلاّ أنّ منزل العتقاء في غير الرّاية (٢). وإنّما سمّوا أهل الرّاية، ونسبت الخطّة إليهم، لأنّهم جماعة لم يكن لكلّ بطن منهم العدد ما ينفرد بدعوة من الدّيوان، فكره كلّ بطن منهم أن يدعى باسم قبيلة غير قبيلته؛ فجعل لهم عمرو بن العاص راية ولم ينسبها إلى أحد، فقال: يكون موقفكم تحتها، فكانت لهم كالنّسب الجامع، وكان ديوانهم عليها. وكان اجتماع هذه القبائل لما عقده رسول اللّه ﷺ من الولاية بينهم. وهذه الخطّة محيطة بالجامع من جميع جوانبه، ابتدأوا من المصفّ الذي كانوا عليه في حصارهم الحصن - وهو باب الحصن الذي يقال له باب الشّمع - ثم مضوا بخطّتهم إلى حمّام الفأر، وشرعوا بغربيها إلى النّيل، فإذا بلغت إلى النّحّاسين، فالجانبان لأهل الرّاية إلى باب المسجد الجامع، المعروف بباب الورّاقين، ثم يسلك على حمّام شمول. وفي هذه الخطّة زقاق القناديل إلى تربة عفّان، إلى سوق الحمام، إلى باب القصر الذي بدأنا بذكره. خطّة مهرة بن حيدان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير (٣) - وخطّة مهرة هذه قبليّ خطّة الرّاية. واختطت مهرة أيضا على سفح الجبل الذي يقال له جبل يشكر ممّا يلي الخندق، إلى شرقيّ العسكر، إلى جنان بني مسكين. ومن جملة خطّة مهرة الموضع الذي يعرف اليوم بمساطب الطّبّاخ، واسمه حمد. ويقال إنّ الخطّة التي لهم قبليّ الرّاية، كانت حوزا لهم يربطون فيها خيلهم إذا رجعوا إلى الجمعة، ثم انقطعوا إليها وتركوا منازلهم بيشكر. خطّة تجيب - وتجيب هم بنو عديّ وسعد ابني الأشرس بن شبيب بن السّكن بن الأشرس بن كندة (٤)، فمن كان من ولد عديّ وسعد يقال لهم تجيب. وتجيب أمّهم: وهذه الخطّة تلي خطة مهرة، وفيها درب الممصوصة، آخره حائط من الحصن الشّرقي.

стр. 984

وخطط لخم في موضعين - فمنها خطّة لخم بن عديّ بن مرّة بن أدد ومن خالطها من جذام (١)، فابتدأت لخم بخطّتها من الذي انتهت إليه خطّة الرّاية، وأصعدت ذات الشّمال. وفي هذه الخطّة سوق بربر، وشارعه مختلط فيما بين لخم والرّاية. ولهم خطّتان أخريان: إحداهما منسوبة إلى بني ريّة بن عمرو بن الحارث بن وائل ابن راشدة من لخم، وأوّلها شرقيّ الكنيسة المعروفة بميكائيل التي عند خليج بني وائل (٢). وهذا الموضع اليوم ورّاقات يعمل فيها الورق بالقرب من باب القنطرة خارج مصر. والخطّة الثانية خطّة راشدة بن أذبّ بن جزيلة من لخم (٣)، وهي متاخمة للخطّة التي قبلها. وفي هذه الخطّة جامع راشدة (٤)، وجنان كهمس بن معمر الذي عرف بالماذرائي، ثم عرف بجنان الأمير تميم، وهو اليوم يقال له المعشوق (٥)، بجوار رباط (¬a) الآثار النّبويّة. ولهم مواضع مع اللّفيف، وخطط بالحمراء أيضا (¬b). خطط اللّفيف - إنّما سمّوا بذلك لالتفاف بعضهم ببعض، وسبب ذلك أنّ عمرو بن العاص لمّا فتح الإسكندرية، أخبر أنّ مراكب الرّوم قد توجّهت إلى الإسكندرية لقتال المسلمين، فبعث عمرو بعمرو بن جمالة الأزدي الحجريّ ليأتيه بالخبر، فمضى. وتسرّعت (¬c) هذه القبائل التي تدعى اللّفيف، وتعاقدوا على اللّحاق به، واستأذنوا عمرو بن العاص في ذلك، فأذن لهم، وهم جمع كثير، فلمّا رآهم عمرو بن جمالة استكثرهم، وقال: تاللّه ما رأيت قوما قد سدّوا الأفق مثلكم، وإنّكم كما قال اللّه تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الآية ١٠٤ سورة الإسراء]، فبذلك سمّوا من يومئذ اللّفيف. وسألوا عمرو بن العاص أن يفرد لهم دعوة، فامتنعت عشائرهم من ذلك، فقالوا لعمرو: فإنّا نجتمع في المنزل حيث كنّا؛ فأجابهم إلى ذلك. فكانوا مجتمعين في المنزل متفرّقين في الدّيوان، إذا دعي كلّ بطن منهم انضمّ إلى بني أبيه. قال قتادة ومجاهد والضّحّاك بن مزاحم في قوله: ﴿جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ قال: جميعا.

стр. 985

وكان عامّتهم من الأزد من الحجر ومن غسّان ومن شجاعة، والتفّ بهم نفر من جذام ولخم والوحاف (¬a) وتنوخ من قضاعة، فهم مجتمعون في المنزل، متفرّقون في الدّيوان (١). وهذه الخطّة أوّلها ممّا يلي الرّاية، سالكا ذات الشمال إلى نقّاشي البلاط، وفيها دار ابن عشرات إلى نحو من سوق وردان. خطط أهل الظّاهر - إنّما سمّي هذا المنزل بالظّاهر، لأنّ القبائل التي نزلته كانت بالإسكندرية، ثم قفلت بعد قفول عمرو بن العاص، وبعد أن اختطّ النّاس خططهم. فخاصمت إلى عمرو، فقال لهم معاوية بن حديج، وكان ممّن يتولّى الخطط يومئذ: أرى لكم أن تظهروا على أهل هذه القبائل، فتتّخذوا منزلا، فسمّي الظّاهر بذلك. وكانت القبائل التي نزلت الظّاهر/ العتقاء، وهم جماع من القبائل كانوا يقطعون الطّريق (¬b) على أيّام النّبيّ ﷺ ، فبعث إليهم، فأتى بهم أسرى فأعتقهم، فقيل لهم العتقاء (٢)؛ وديوانهم مع أهل الرّاية، وخطّتهم بالظّاهر متوسّطة فيه، وكان منهم (¬c) طوائف من الأزد وفهم. وأوّل هذه الخطّة من شرقي خطّة لخم، وتتّصل بموضع العسكر. ومن هذه الخطّة سويقة العراقيين، وعرفت بذلك لأنّ زيادا لمّا ولاّه معاوية بن أبي سفيان البصرة، غرّب جماعة من الأزد إلى مصر، - وبها مسلمة بن مخلد - في سنة ثلاث وخمسين، فنزل منهم هنا نحو من مائة وثلاثين، فقيل لموضعهم من خطّة الظّاهر سويقة العراقيين (٣). خطط غافق - هو غافق بن الحارث بن عكّ بن عدثان بن عبد اللّه بن الأزد (٤). وهذه الخطّة تلي خطّة لخم إلى خطّة الظّاهر، بجوار درب الأعلام. خطط الصّدف - واسمه مالك بن سهل بن عمرو بن قيس بن حمير، ودعوتهم مع كندة (٥). و (¬d) خطط خولان بن عمرو بن مالك بن يزيد بن عريب. وهذه الخطّة تتّصل بالقطائع (¬d).

стр. 986

خطط الفارسيين - واستند لخطّة خولان من حضر فتح مصر من الفارسيين، وهم بقايا جند باذان عامل كسرى على اليمن قبل الإسلام، أسلموا بالشّام، ورغبوا في الجهاد؛ فنفروا مع عمرو ابن العاص إلى مصر، فاختطّوا بها (١)، وأخذوا في سفح الجبل الذي يقال له جبل باب أليون. وهذا الجبل اليوم شرف (¬a) من وراء خطّة جامع ابن طولون، تعرف أرضه بالأرض الصّفراء، وهي من جملة العسكر. خطّة مذحج - بالحاء قبل الجيم - وهو مالك بن مرّة بن أدد بن زيد بن كهلان [بن عبد اللّه بن ناجية] (¬b) (٢). خطّة غطيف بن مراد (٣). خطّة وعلان بن قرن بن ناجية بن مراد، وكلّهم من مذحج (٤)، فاختطّت وعلان من الزّقاق الذي فيه الصّنم المعروف بسريّة فرعون، وهذا الزّقاق أوّله باب السّوق الكبير، واختطّت أيضا بخولان. ثم انفردت وعلان بخططها مقابل المسجد المعروف بالدّينوري، وأسندت إلى خولان. وهذه الخطّة اليوم كيمان تطلّ على قبر القاضي بكّار. خطّة يحصب [وهو حيّ من اليمن وإذا نسبت إليه قلت يحصبي مثل ثعلبي، وهو يحصب] (¬b) (٥) ابن مالك بن أسلم بن زيد بن غوث، وهذه الخطّة موضعها كيمان، وهي تتّصل بالشّرف، الذي يعرف اليوم بالرّصد، المطلّ على راشدة. خطّة رعين بن زيد بن سهل [بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس، من حمير وخطّتهم قبلي مذحج] (¬b) (٦). خطّة ذي الكلاع بن شرحبيل بن سعد من حمير [وخطّة الكلاع متّصلة بخطة رعين إلى بحري مسجد الأقدام] (¬b) (٧) خطّة المعافر بن يعفر بن مرّة بن أدد - وهذه الخطّة من الرّصد إلى سقاية ابن طولون. وهي القناطر التي تطلّ على عفصة، وتفصل بين القرافتين. والقناطر للمعافر، ولهم إلى مصلّى خولان، وإلى الكوم المشرف على المصلّى.

стр. 987

خطّة سبأ وخطّة الرّحبة بن زرعة بن كعب (١). خطّة السّلف بن سعد (٢) - فيما بين الكوم المطلّ على قبر القاضي بكّار وبين المعافر. خطّة بني وائل بن زيد مناة بن أفصى بن إياس بن حرام بن جذام بن عديّ (٣) - وهي من سفح الشّرف المعروف بالرّصد إلى خطّة خولان. خطّة القبض (بالتحريك) ابن مرثد (٤) - وهي بجانب خطّة بني وائل إلى نحو بركة الحبش. قال: وكان سبب نزول بني وائل والقبض وريّة وراشدة والفارسيين هذه المواضع، أنّهم كانوا في طوالع عمرو بن العاص، فنزلوا في مقدّمة النّاس، وحازوا هذه المواضع قبل الفتح. خطط الحمراوات الثّلاث - قال الكنديّ: وكانت الحمراء على ثلاثة قوّاد (¬a): بنو ينّه (¬b)، وروبيل، والأزرق، وكانوا ممّن سار مع عمرو بن العاص من الشّام إلى مصر من عجم الشّام، ممّن كان رغب في الإسلام من قبل اليرموك، ومن أهل قيساريّة وغيرهم. وقال القضاعيّ: وإنّما قيل لها الحمراء لنزول الرّوم بها؛ وهي خطط بليّ بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، وفهم، وعدوان، وبعض الأزد وهم ثراد، وبني بحر، وبني سلامان، ويشكر من (¬c) لخم، وهذيل بن مدركة ابن إلياس من (¬c) مضر، وبني ينّه (¬b)، وبنى الأزرق وهم من الرّوم، وبني روبيل وكان يهوديّا فأسلم (٥). فأوّل ذلك: الحمراء الدّنيا خطّة بليّ بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة، ومنها خطّة ثراد من الأزد، وخطّة فهم بن عمرو بن قيس عيلان، ومنها خطّة بني بحر بن سوادة من الأزد. ومن ذلك: الحمراء الوسطى: منها خطّة بني ينّه (¬b) وهم قوم من الرّوم حضر الفتح منهم مائة رجل، ومنها خطّة هذيل بن مدركة بن إلياس من مضر، ومنها خطّة بني سلامان من الأزد، ومنها خطّة عدوان. ومن ذلك: الحمراء القصوى، وهي خطّة بني الأزرق، وكان روميّا، حضر الفتح منهم أربع مائة، وخطّة بني روبيل، وكان يهوديّا فأسلم، وحضر الفتح منهم ألف رجل، وخطّة بني يشكر ابن جزيلة من (¬c) لخم. وكانت منازل يشكر مفرّقة في الجبل (¬d) الذي عليه الآن جامع أحمد بن طولون (¬d)، فدثرت قديما وعادت صحراء، حتى جاءت المسوّدة - يعني جيوش بني العبّاس - فعمّروها، وهي الآن خراب (٦).

стр. 988

وقال ابن المتوّج: الحمراوات ثلاث: أولى، ووسطى، وقصوى: فأمّا الأولى فتجمع حائز الإوزّ وعقبة العدّاسين، وسوق وردان، وخطّة الزّبير، إلى نقّاشين (¬a) البلاط، طولا وعرضا، على قدر ذلك؛ وأمّا الوسطى، فمن درب نقّاشين (¬a) البلاط إلى درب معاني، طولا وعرضا على قدره؛ وأمّا القصوى فمن درب معاني إلى القنطرة (¬b) الظّاهرية - يعني قناطر السّباع -، وهي حدّ ولاية مصر من القاهرة. وكانت هذه الحمراوات جلّ عمارة مصر في زمن الرّوم. فإذا الحمراء الأولى والوسطى هما الآن خراب، وموضعهما فيما بين سوق المعاريج، وحمّام ظنّ (¬c) من شرقيهما/ إلى ما يقابل المراغة في الشّرق (١). وأمّا الحمراء الدّنيا فهي الآن تعرف بخطّ قناطر السّباع، وبخطّ السّبع سقايات، وبحكر الخليلي وحكر آقبغا، والكوم حيث الأسرى، ومنها أيضا خطّ الكبش، وخطّ الجامع الطّولوني والعسكر، ومنها حدرة ابن قميحة إلى حيث قنطرة السّدّ، وبستان الطّواشي وما في شرقية إلى مشهد الرّأس المعروف بزين العابدين. وسيأتي لذلك مزيد بيان، إن شاء اللّه تعالى، عند ذكر العسكر. وكانت مدينة الفسطاط على قسمين: هما «عمل فوق»، و «عمل أسفل». ف عمل فوق (٢) له طرفان: غربيّ، وشرقيّ. فالغربيّ من شاطئ النّيل في الجهة القبلية وأنت مارّ في الشّرف، المعروف اليوم بالرّصد، إلى القرافة الكبرى. والشّرقيّ من القرافة الكبرى إلى العسكر. وعمل أسفل (٣) ما عدا ذلك إلى حدّ القاهرة.

стр. 989

ذكر أمراء الفسطاط من حين فتحت مصر إلى أن بني العسكر اعلم أنّ عدّة من ولي مصر من الأمراء في الإسلام - منذ فتحت وسكن الفسطاط إلى أن بني العسكر - تسعة وعشرون أميرا في مدّة مائة وثلاث عشرة سنة وسبعة أشهر. أوّلها يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين من الهجرة النّبويّة - وهو يوم فتح مصر - وآخرها سلخ شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة، آخر ولاية صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس على مصر، وأوّل ولاية أبي عون عبد الملك، وهو أوّل من سكن العسكر من أمراء مصر. وأوّل أمراء الفسطاط بعد الفتح - على ما ذكر الكنديّ وغيره (١) - عمرو بن العاص بن وائل ابن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك، أبو عبد اللّه. كان تاجرا في الجاهليّة، وكان يختلف بتجارته إلى مصر - وهي الأدم والعطر - ثم ضرب الدّهر ضرباته حتى فتح المسلمون الشّام، فخلا بعمر بن الخطّاب ﵁ فاستأذنه في المسير إلى مصر، فسار في سنة تسع عشرة، وأتى الحصن فحاصره سبعة أشهر، إلى أن فتحه في يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين (٢). وقيل كان فتح مصر في ثاني عشر بئونة سنة سبع وخمسين وثلاث مائة لدقلطيانوس، فعلى هذا يكون فتح مصر في سنة تسع عشرة من الهجرة.

стр. 990

وتحرير ذلك أنّ الذي بين يوم الجمعة، أوّل يوم من ملك دقلطيانوس، وبين يوم الخميس أوّل سنة الهجرة، ثمان وثلاثون وثلاث مائة سنة فارسية وتسعة وثلاثون يوما. فإذا ألغينا ذلك من تاريخ مصر في ثاني عشر بئونة سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، بقي ثمان عشرة سنة وثمانية أشهر وثلاثة أيام. وهذه سنون شمسية، عنها من سني القمر تسع عشرة سنة وشهر وثلاثة عشر يوما، فيكون ذلك في ثالث عشر ربيع الأوّل سنة عشرين، فلعلّ الوهم وقع في الشهر القبطي. وحاز الحصن بما فيه، وسار إلى الإسكندرية في ربيع الأوّل منها، فحاصرها ثلاثة أشهر، ثم فتحها عنوة - وهو الفتح الأوّل - ويقال بل فتحها مستهلّ سنة إحدى وعشرين، ثم سار عنها إلى برقة، فافتتحها (¬a) بصلح في آخر سنة إحدى وعشرين ومضى منها إلى أطرابلس ففتحها (¬a) عنوة في سنة اثنتين وعشرين، وقيل في سنة ثلاث وعشرين. وقدم على أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ قدمتين: استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري، وفي الثانية ابنه عبد اللّه. وتوفّي عمر ﵁ في ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين، وبويع أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ فوفد عليه عمرو، وسأله عزل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح عن صعيد مصر - وكان عمر ولاّه الصّعيد - فامتنع من ذلك عثمان، وعقد لعبد اللّه بن سعد على مصر كلّها. فكانت ولاية عمرو على مصر، صلاتها وخراجها، منذ افتتحها إلى أن صرف عنها، أربع سنين وأشهرا (١). عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، واسمه الحسام بن الحارث بن حبيّب بن جذيمة بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ، ولي من قبل أمير المؤمنين عثمان ﵁ فجاءه الكتاب بالفيّوم، فجعل لأهل أطواب (¬b) جعلا، فقدموا به الفسطاط (٢). ثم إنّ منويل الخصيّ سار إلى الإسكندرية في سنة أربع وعشرين، فسأل أهل مصر عثمان أن يردّ عمرو بن العاص لمحاربته، فردّه واليا على الإسكندرية، فحارب الرّوم بها حتى افتتحها، وعبد

стр. 991

اللّه بن سعد مقيم بالفسطاط، حتى فتحت الإسكندرية الفتح الثاني عنوة في سنة خمس وعشرين (١). ثم جمع لعبد اللّه بن سعد أمر (¬a) مصر، صلاتها وخراجها، ومكث أميرا مدّة ولاية عثمان ﵁ كلّها، محمودا في ولايته. وغزا ثلاث غزوات كلّها لها شأن: غزا إفريقيّة سنة سبع وعشرين، وقتل ملكها جرجير. وغزا غزوة الأساود حتى بلغ دمقلة في سنة إحدى وثلاثين. وغزا ذا الصّواري في سنة أربع وثلاثين، فلقيهم قسطنطين بن هرقل في ألف مركب، وقيل في سبع مائة مركب والمسلمون في مائتي مركب، فهزم اللّه الرّوم؛ وإنّما سمّيت غزوة ذي الصّواري لكثرة صواري المراكب واجتماعها (٢). ووفد على عثمان/ حين تكلّم النّاس بالطّعن على عثمان، واستخلف عقبة بن عامر الجهنيّ - وقيل السّائب بن هشام العامريّ - وجعل على خراجها سليم (¬b) بن عتر التّجيبي، وكان ذلك سنة خمس وثلاثين في رجب (٣). محمّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف: انتزى (¬c) في شوّال سنة خمس وثلاثين، على عقبة بن عامر خليفة عبد اللّه بن سعد، فأخرجه من الفسطاط، ودعا إلى خلع عثمان، وأسعر البلاد، وحرّض على عثمان بكلّ شرّ يقدر عليه (٤). فاعتزله شيعة عثمان ونابذوه - وهم معاوية بن حديج، وخارجة بن حذافة، وبسر بن أبي (¬d) أرطاة، ومسلمة بن مخلد، في جمع كثير - وبعثوا إلى عثمان بأمرهم وبصنيع ابن أبي حذيفة (٥). فبعث سعد بن أبي وقّاص ليصلح أمرهم، فخرج إليه جماعة، فقلبوا عليه فسطاطه وشجّوه وسبّوه، فركب وعاد راجعا، ودعا عليهم. وأقبل عبد اللّه بن سعد، فمنعوه أن يدخل، فانصرف إلى عسقلان. وقتل عثمان ﵁ وسعد (¬e) بعسقلان.

стр. 992

ثم أجمع ابن أبي حذيفة على بعث جيش إلى عثمان، فجهّز إليه ستّ مائة رجل عليهم عبد الرّحمن بن عديس البلوي (١). ثم قتل عثمان في ذي الحجّة منها (٢)، فثار شيعة عثمان بمصر، وعقدوا لمعاوية بن حديج، وبايعوه على الطّلب بدم عثمان، وساروا إلى الصّعيد، فبعث إليهم ابن أبي حذيفة خيلا فهزمت. ومضى ابن حديج إلى برقة، ثم رجع إلى الإسكندرية، فبعث إليه ابن أبي حذيفة بجيش آخر، فاقتتلوا بخربتّا في أوّل شهر رمضان سنة ستّ وثلاثين، فانهزم الجيش، وأقامت شيعة عثمان بخربتّا (٣). وقدم معاوية بن أبي سفيان يريد الفسطاط، فنزل سلمنت في شوّال، فخرج إليه ابن أبي حذيفة في أهل مصر فمنعوه، ثم اتّفقا على أن يجعلا رهنا ويتركا الحرب. فاستخلف ابن أبي حذيفة على مصر الحكم بن الصّلت، وخرج في الرّهن هو وابن عديس وعدّة من قتلة عثمان، فلمّا بلغوا لدّا سجنهم معاوية بها وسار إلى دمشق، فهربوا من السّجن، وتبعهم أمير فلسطين فقتلهم في ذي الحجّة سنة ستّ وثلاثين (٤). قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، ولاّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ لمّا بلغه مصاب ابن أبي حذيفة، وجمع له الخراج والصّلاة. فدخل مصر مستهلّ ربيع الأوّل سنة سبع وثلاثين، فاستمال الخارجيّة بخربتّا شيعة عثمان، وبعث إليهم أعطياتهم، ووفد عليه وفدهم فأكرمهم. وكان من ذوي الرّأي، فجهد عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان على أن يخرجاه من مصر ليغلبا على أمرها، فإنّها كانت من جيش عليّ ﵁ فامتنع منهما بالدّهاء والمكايدة، فلم يقدرا على مصر، حتّى كاد معاوية قيسا من قبل عليّ ﵁ فأشاع أنّ قيسا من شيعته، وأنّه يبعث إليه بالكتب والنّصيحة سرّا (٥).

стр. 993

فسمع ذلك جواسيس عليّ ﵁ وما زال به محمد بن أبي بكر وعبد اللّه بن جعفر، حتّى كتب إلى قيس بن سعد يأمره بالقدوم إليه؛ فوليها إلى أن غزل أربعة أشهر وخمسة أيام، وصرف لخمس خلون من رجب سنة سبع وثلاثين (١). فوليها الأشتر مالك بن الحارث بن خالد النّخعي، من قبل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فلمّا قدم القلزم شرب عسلا فمات، فبلغ ذلك عمرا ومعاوية، فقال عمرو: إنّ للّه جنودا من عسل (٢). ثم وليها محمّد بن أبي بكر الصّدّيق من قبل عليّ ﵁ وجمع له صلاتها وخراجها، فدخلها للنصف من رمضان سنة سبع وثلاثين، فهدم دور شيعة عثمان، ونهب أموالهم، وسجن ذراريهم، فنصبوا له الحرب، ثم صالحهم على أن يسيّرهم إلى معاوية، فلحقوا بمعاوية بالشّام (٣). فبعث معاوية عمرو بن العاص في جيوش أهل الشّام إلى الفسطاط، وتغيّب ابن أبي بكر، فظفر به معاوية بن حديج فقتله، ثم جعله في جيفة حمار ميّت، وأحرقه بالنّار لأربع عشرة خلت من صفر سنة ثمان وثلاثين. فكانت ولايته خمسة أشهر (٤). ثم وليها عمرو بن العاص ولايته الثانية، من قبل معاوية بن أبي سفيان ﵁ فاستقبل بولايته شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثلاثين، وجعل إليه الصّلاة والخراج جميعا، وجعلت مصر له طعمة بعد عطاء جندها والنّفقة في مصلحتها. ثم خرج عمرو للحكومة، واستخلف على مصر ابنه عبد اللّه، وقيل بل خارجة بن حذافة، ورجع إلى مصر. وتعاقد بنو ملجم (¬a): عبد الرّحمن وقيس ويزيد على قتل عليّ ومعاوية وعمرو، وتواعدوا ليلة من رمضان سنة أربعين، فمضى كلّ منهم إلى صاحبه، وكان يزيد هو صاحب عمرو، فعرضت لعمرو علّة منعته من حضور المسجد، فصلّى خارجة بالنّاس، فشدّ عليه يزيد فضربه حتى قتله؛ فدخل به

стр. 994

على عمرو، فقال: أما واللّه ما أردت غيرك يا عمرو؛ قال عمرو: ولكن اللّه أراد خارجة (١). وللّه درّ القائل: [البسيط] وليتها إذ فدت عمرا بخارجة … فدت عليّا بمن شاءت من البشر [الدّولة الأمويّة] وعقد عمرو لشريك بن سميّ على غزو لواتة من البربر، فغزاهم في سنة أربعين وصالحهم. ثم انتقضوا، فبعث إليهم عقبة بن نافع، في سنة إحدى وأربعين، فغزاهم حتى هزمهم. وعقد لعقبة أيضا على غزو هوّارة، وعقد لشريك/ بن سميّ على غزو لبدة، فغزواهما في سنة ثلاث وأربعين، فقفلا وعمرو شديد الدّنف في مرض موته (٢). وتوفيّ ليلة الفطر، فغسّله عبد اللّه بن عمرو، وأخرجه إلى المصلّى وصلّى عليه؛ فلم يبق أحد شهد العيد إلاّ صلّى عليه، ثم صلّى بالنّاس صلاة العيد، وكان أبوه استخلفه (٣). وخلّف عمرو بن العاص سبعين بهارا دنانير (والبهار جلد ثور، ومبلغه إردبّان بالمصري)، فلمّا حضرته الوفاة أخرجه، وقال: من يأخذه بما فيه؟ فأبى ولداه أخذه وقالا: حتى نردّ إلى كلّ ذي حقّ حقّه. فقال: واللّه ما أجمع بين اثنين منهم. فبلغ معاوية، فقال: نحن نأخذه بما فيه. ثم وليها عتبة بن أبي سفيان من قبل أخيه معاوية بن أبي سفيان، على صلاتها، فقدم في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين، وأقام أشهرا (¬a). ثم وفد على أخيه، واستخلف عبد اللّه بن قيس ابن الحارث - وكان فيه شدّة - فكره النّاس ولايته، وامتنعوا منها. فبلغ ذلك عتبة، فرجع إلى مصر وصعد المنبر فقال: «يا أهل مصر! قد كنتم تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد وليكم من إن (¬b) قال فعل، فإن أبيتم درأكم بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم رجا (¬c) في الأخير ما أدراك في الأوّل، إنّ البيعة شائعة، لنا عليكم السّمع، ولكم علينا العدل، وأيّنا غدر فلا

стр. 995

ذمّة له عند صاحبه»؛ فناداه المصريون من جنبات المسجد: سمعا سمعا، فناداهم: عدلا عدلا، ثم نزل (١). ثم جمع له معاوية الصّلاة والخراج. وعقد عتبة لعلقمة بن يزيد على الإسكندرية في اثني عشر ألفا من أهل الدّيوان تكون لها رابطة. ثم خرج إليها مرابطا في ذي الحجّة سنة أربع وأربعين، فمات بها، واستخلف على مصر عقبة بن عامر الجهني. فكانت ولايته ستّة أشهر (٢). ثم وليها عقبة بن عامر بن عبس الجهنيّ، من قبل معاوية، وجعل له صلاتها وخراجها، وكان قارئا فقيها مفرضا شاعرا، له الهجرة والصّحبة والسّابقة (٣). ثم وفد مسلمة بن مخلد (¬a) الأنصاري على معاوية، فولاّه مصر وأمره أن يكتم ذلك عن عقبة ابن عامر، وجعل عقبة على البحر، وأمره أن يسير إلى رودس. فقدم مسلمة فلم يعلم بإمارته، وخرج مع عقبة إلى الإسكندرية، فلمّا توجّه سائرا استوى مسلمة على سرير إمارته، فبلغ ذلك عقبة فقال: أخلعانا وغربة (¬b)؟! وكان صرفه لعشر بقين من ربيع الأوّل سنة سبع وأربعين، وكانت ولايته سنتين وثلاثة أشهر (٤). فولي مسلمة بن مخلد بن صامت بن نيار الأنصاري، من قبل معاوية، وجمع له الصّلاة والخراج والغزو، فانتظمت غزواته في البرّ والبحر. وفي إمارته نزلت الرّوم البرلّس في سنة ثلاث وخمسين، فاستشهد يومئذ وردان مولى عمرو بن العاص في جمع من المسلمين (٥). وهدم ما كان عمرو بن العاص بناه من المسجد وبناه، وأمر بابتناء منارات المساجد كلّها إلاّ خولان وتجيب. وخرج إلى الإسكندرية في سنة ستين، واستخلف عابس بن سعيد (٦). ومات معاوية بن أبي سفيان في رجب منها، واستخلف ابنه يزيد بن معاوية، فأقرّ مسلمة، وكتب إليه بأخذ البيعة، فبايعه الجند إلاّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فدعا عابس بالنّار ليحرق عليه بابه، فحينئذ بايع ليزيد (٧).

стр. 996

وقدم مسلمة من الإسكندرية، فجمع لعابس مع الشّرط القضاء في سنة إحدى وستين (١). وقال مجاهد: صلّيت خلف مسلمة بن مخلد، فقرأ سورة البقرة فما ترك ألفا ولا واوا. وقال ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد: كان مسلمة بن مخلد يصلّي بنا، فيقوم في الظّهر، فربّما قرأ الرجل البقرة. وتوفيّ مسلمة وهو وال لخمس بقين من رجب سنة اثنتين وستين، فكانت ولايته خمس عشرة سنة وأربعة أشهر، واستخلف عابس بن سعيد (٢). ثم وليها سعيد بن يزيد بن علقمة بن يزيد بن عوف الأزدي من أهل فلسطين، فقدم مستهلّ رمضان سنة اثنتين وستين، فتلقّاه عمرو بن قحزم الخولاني فقال: يغفر اللّه لأمير المؤمنين، أما كان فينا مائة شاب كلّهم مثلك يولّي علينا أحدهم! ولم تزل أهل مصر على الشّنآن له، والإعراض عنه، والتكبّر عليه حتى توفي يزيد بن معاوية. ودعا عبد اللّه بن الزّبير ﵁ إلى نفسه، فقامت الخوارج الذين بمصر وأظهروا دعوته، وسار منهم إليه، فبعث لعبد الرّحمن بن جحدم فقدم. واعتزل سعيدا، فكانت ولايته سنتين غير شهر (٣). ثم وليها عبد الرّحمن بن عتبة بن جحدم، من قبل عبد اللّه بن الزّبير، فدخل في شعبان سنة أربع وستين في جمع كثير من الخوارج، فأظهروا التّحكيم ودعوا إليه، فاستعظم الجند ذلك، وبايعه النّاس على غلّ في قلوب شيعة بني أميّة. ثم بويع مروان بن الحكم بالخلافة في أهل الشّام، وأهل مصر معه في الباطن، فسار إليها، وبعث ابنه عبد العزيز في جيش إلى أيلة ليدخل مصر من هناك. وأجمع ابن جحدم على حربه، وحفر الخندق في شهر، وهو الذي في شرقي القرافة (¬a) (٤). وقدم مروان فحاربه ابن جحدم، وقتل بينهما كثير من النّاس، ثم اصطلحا، ودخل مروان لغرّة (¬b) جمادى الأولى سنة خمس وستين. فكانت مدّة ابن جحدم تسعة أشهر (٥).

стр. 997

ووضع مروان العطاء، فبايعه النّاس، إلاّ نفر من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة ابن الزّبير، فضرب أعناقهم - وكانوا ثمانين رجلا - وذلك للنصف من جمادى الآخرة (١). ويومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص/، فلم يستطع أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان (٢). وجعل مروان صلاة مصر وخراجها إلى ابنه عبد العزيز وسار، وقد أقام بها شهرين لهلال رجب (¬a) (٣). عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أبو الأصبغ، ولي من قبل أبيه، لهلال رجب سنة خمس وستين، على الصّلاة والخراج. ومات أبوه، وبويع من بعده عبد الملك بن مروان، فأقرّ أخاه عبد العزيز (٤). ووقع الطّاعون بمصر سنة سبعين، فخرج عبد العزيز منها، ونزل حلوان فاتّخذها دارا وسكنها، وجعل بها (¬b) الحرس و (¬b) الأعوان، وبنى بها الدّور والمساجد، وعمّرها أحسن عمارة، وغرس نخلها وكرمها (٥). وعرّف بمصر - وهو أوّل من عرّف بها - في سنة إحدى وسبعين (٦). وجهّز البعث في البحر لقتال ابن الزّبير في سنة اثنتين وسبعين (٧). ثم مات لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين، فكانت ولايته عشرين سنة وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما (٨). فولي عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان من قبل أبيه على صلاتها وخراجها، فدخل يوم الاثنين لإحدى عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ستّ وثمانين، وهو ابن سبع (¬c) وعشرين سنة، وقد تقدّم إليه أبوه أن يعفّي (¬d) آثار عمّه عبد العزيز، فاستبدل بالعمّال وبالأصحاب (٩).

стр. 998

ومات عبد الملك، وبويع ابنه الوليد بن عبد الملك، فأقرّ أخاه عبد اللّه (١). وأمر عبد اللّه فنسخت دواوين مصر بالعربيّة، وكانت بالقبطيّة (٢). وفي ولايته غلت الأسعار، فتشاءم الناس به - وهي أوّل شدّة رأوها بمصر - وكان يرتشي. ثم وفد على أخيه في صفر سنة ثمان وثمانين، واستخلف عبد الرّحمن بن عمرو بن قحزم الخولاني، وأهل مصر في شدّة عظيمة (٣). ورفع سقف المسجد الجامع في سنة تسع وثمانين، ثم صرف، فكانت ولايته ثلاث سنين وعشرة أشهر (٤). فولي قرّة بن شريك بن مرثد بن الحارث العبسيّ للوليد بن عبد الملك (٥)، على صلاة مصر وخراجها، فقدمها يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ربيع الأوّل سنة تسعين (٦). وخرج عبد اللّه بن عبد الملك من مصر بكلّ ما ملكه، فأحيط به في الأردن، وأخذ سائر ما معه، وحمل إلى أخيه (٧). وأمر الوليد بهدم ما بناه عبد العزيز في المسجد، فهدم أوّل سنة اثنتين وتسعين وبني. واستنبط قرّة (¬a) بركة الحبش من الموات وأحياها، وغرس فيها القصب، فقيل لها إسطبل قرّة وإسطبل القاش (٨).

стр. 999

ثم مات وهو وال ليلة الخميس لستّ بقين من ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين، واستخلف على الجند والخراج عبد الملك بن رفاعة، فكانت ولايته ستّ سنين إلاّ (¬a) أيّاما (١). ثم ولي عبد الملك بن رفاعة بن خالد بن ثابت الفهمي، من قبل الوليد بن عبد الملك، على صلاتها. وتوفّي الوليد، واستخلف سليمان بن عبد الملك، فأقرّ ابن رفاعة. وتوفيّ سليمان، وبويع عمر بن عبد العزيز فعزل ابن رفاعة، فكانت ولايته ثلاث سنين. ثم ولي أيّوب بن شرحبيل بن أكسوم بن أبرهة بن الصّبّاح، من قبل عمر بن عبد العزيز، على صلاتها في ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين. فورد كتاب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بالزّيادة في أعطيات النّاس عامّة، وحرّمت (¬b) الخمر وكسّرت وعطّلت حاناتها، وقسم للغارمين بخمسة وعشرين ألف دينار، ونزعت مواريث القبط عن الكور واستعمل المسلمون عليها، ومنع النّساء (¬c) الحمّامات (٢). وتوفّي عمر بن عبد العزيز، واستخلف يزيد بن عبد الملك، فأقرّ أيّوب على الصّلاة، إلى أن مات لإحدى عشرة، وقيل لسبع عشرة، خلت من رمضان سنة إحدى ومائة، فكانت ولايته سنتين ونصفا (٣). فولي بشر بن صفوان الكلبي، من قبل يزيد بن عبد الملك، قدمها لسبع عشرة خلت من رمضان سنة إحدى ومائة. وفي إمرته نزل الرّوم تنّيس (٤). ثم ولاّه يزيد على إفريقيّة، فخرج إليها في شوّال سنة اثنتين ومائة، واستخلف أخاه حنظلة (٥). فولي حنظلة بن صفوان باستخلاف أخيه، فأقرّه يزيد بن عبد الملك، وخرج إلى الإسكندرية في سنة ثلاث ومائة، واستخلف عقبة بن مسلم (¬d) التّجيبي. وكتب يزيد بن عبد الملك، في سنة أربع ومائة، بكسر الأصنام والتّماثيل، فكسرت كلّها ومحيت التّماثيل.

стр. 1000

ومات يزيد بن عبد الملك، وبويع هشام بن عبد الملك، فصرف حنظلة في شوّال سنة خمس ومائة، فكانت ولايته ثلاث سنين (١). وولي محمّد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، من قبل أخيه هشام بن عبد الملك، على الصّلاة، فدخل مصر لإحدى عشرة خلت من شوّال سنة خمس ومائة. ووقع وباء شديد بمصر، فترفّع محمد إلى الصّعيد هاربا من الوباء أياما، ثم قدم وخرج عن مصر لم يلها إلاّ نحوا من شهر، وانصرف إلى الأردنّ (٢). فولي الحرّ بن يوسف بن يحيى بن الحكم، من قبل هشام بن عبد الملك، على صلاتها، فدخل لثلاث خلون من ذي الحجّة سنة خمس ومائة. وفي إمرته كان أوّل انتقاض القبط في سنة سبع ومائة، ورابط بدمياط ثلاثة أشهر، ثم وفد إلى هشام بن عبد الملك، فاستخلف حفص بن الوليد. وقدم في ذي القعدة من سنة سبع، وانكشف النّيل عن أرض (¬a) فبنى فيها (٣). وصرف في ذي القعدة سنة ثمان ومائة باستعفائه، لمغاضبة كانت بينه وبين عبيد اللّه/ (¬b) بن الحبحاب متولّي خراج مصر، فكانت ولايته ثلاث سنين سواء (٤). وولي حفص بن الوليد بن سيف بن عبد الله، من قبل هشام بن عبد الملك، ثم صرف بعد جمعتين يوم الأضحى بشكوى ابن الحبحاب منه، وقيل صرف سلخ سنة (¬c) ثمان ومائة (٥). فولي عبد الملك بن رفاعة ثانيا على الصّلاة، فقدم من الشّام عليلا لثنتي عشرة بقيت من المحرّم سنة تسع ومائة، وكان أخوه الوليد يخلفه من أوّل المحرّم. وقيل بل ولي أوّل المحرّم، ومات للنصف منه. وكانت ولايته خمس عشرة ليلة (٦).

стр. 1001

ثم ولي أخوه الوليد بن رفاعة باستخلاف أخيه، فأقرّه هشام بن عبد الملك على الصّلاة. وفي ولايته نقلت قيس إلى مصر ولم يكن بها أحد منهم، وخرج وهيب اليحصبي شاردا في سنة سبع عشرة ومائة من أجل أنّ الوليد أذن للنّصارى في ابتناء كنيسة بومينا (¬a) بالحمراء (١). وتوفّي وهو وال أوّل جمادى الآخرة سنة سبع عشرة، واستخلف عبد الرّحمن بن خالد، فكانت إمرته تسع سنين وخمسة أشهر (٢). فولي عبد الرّحمن بن خالد بن مسافر الفهمي أبو الوليد، من قبل هشام بن عبد الملك، على صلاتها (٣). وفي إمرته نزل الروم على ترّوجة فحاصروها ثم اقتتلوا فأسروا، فصرفه هشام، فكانت ولايته سبعة أشهر (٤). وولي حنظلة بن صفوان ثانيا، فقدم لخمس خلون من المحرّم سنة تسع ومائة، فانتقض القبط، وحاربهم في سنة إحدى وعشرين ومائة (٥). وقدم رأس زيد بن عليّ إلى مصر في سنة اثنتين وعشرين ومائة (٦). ثم ولاّه هشام إفريقيّة، فاستخلف حفص بن الوليد بأمر (¬b) هشام. وخرج لسبع خلون من ربيع الآخر سنة أربع وعشرين ومائة، فكانت ولايته هذه خمس سنين وثلاثة أشهر (٧). وولي حفص بن الوليد الحضرمي ثانيا، باستخلاف حنظلة له، على صلاتها، فأقرّه هشام ابن عبد الملك إلى ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شعبان سنة أربع وعشرين، فجمع له الصّلاة والخراج جميعا، واستسقى بالنّاس (¬c) وخطب ودعا، ثم صلّى بهم (٨). ومات هشام بن عبد الملك، واستخلف من بعده الوليد بن يزيد، فأقرّ حفصا على الصّلاة والخراج. ثم صرف عن الخراج بعيسى بن أبي عطاء، لسبع بقين من شوّال سنة خمس وعشرين ومائة، وانفرد بالصّلاة، ووفد على الوليد بن يزيد، واستخلف عقبة بن نعيم الرّعيني.

стр. 1002

وقتل الوليد بن يزيد وحفص بالشّام، وبويع يزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأمر حفصا باللّحاق بجنده، وأمره بفرض (¬a) ثلاثين ألفا، فقدم (¬b) وفرض الفروض، وبعث ببيعة (¬c) أهل مصر إلى يزيد بن الوليد (١). ثم توفّي يزيد، وبويع إبراهيم بن الوليد، وخلعه مروان بن محمد الجعدي، فكتب حفص يستعفيه من ولاية مصر، فأعفاه مروان؛ فكانت ولاية حفص هذه ثلاث سنين إلاّ شهرا (٢). وولي حسّان بن عتاهية بن عبد الرّحمن التّجيبي وهو بالشّام، فكتب إلى خير بن نعيم باستخلافه، فسلّم حفص إلى خير. ثم قدم حسّان لثنتي عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة على الصّلاة، وعيسى بن أبي عطاء على الخراج، فأسقط حسّان فروض حفص كلّها. فوثبوا به وقالوا: لا نرضى إلاّ بحفص. وركبوا إلى المسجد، ودعوا إلى خلع مروان، وحصروا حسّان في داره، وقالوا له: اخرج عنّا، فإنّك لا تقيم معنا ببلد (٣). وأخرجوا عيسى بن أبي عطاء صاحب الخراج وذلك في آخر جمادى الآخرة، وأقاموا حفصا، فكانت ولاية حسّان ستة عشر يوما (٤). فولي حفص بن الوليد الثالثة كرها، أخذه قوّاد الفروض بذلك، فأقام على مصر رجب وشعبان، ولحق حسّان بمروان. وقدم حنظلة بن صفوان من إفريقيّة - وقد أخرجه أهلها - فنزل الجيزة، وكتب مروان بولايته على مصر. فامتنع المصريون من ولاية حنظلة، وأظهروا الخلع، وأخرجوا حنظلة إلى الحوف الشّرقي، ومنعوه من المقام بالفسطاط. وهرب ثابت بن نعيم من فلسطين يريد الفسطاط، فحاربوه وهزموه (٥). وسكت مروان عن مصر بقيّة سنة سبع وعشرين ومائة، ثم عزل حفصا مستهلّ سنة ثمان وعشرين (٦).

стр. 1003

وولي الحوثرة بن سهيل بن العجلان الباهلي، فسار إليها في آلاف، وقدم أوّل المحرّم وقد اجتمع الجند على منعه، فأبى عليهم حفص، فخافوا حوثرة وسألوه الأمان، فأمّنهم. ونزل ظاهر الفسطاط وقد اطمأنّوا إليه، فخرج إليه حفص ووجوه الجند، فقبض عليهم وقيّدهم، فانهزم الجند (١). ودخل ومعه (¬a) عيسى بن أبي عطاء على الخراج لثنتي عشرة خلت من المحرّم، وبعث في طلب رؤساء الفتنة، فجمعوا له وضرب أعناقهم، وقتل حفص بن الوليد (٢). ثم صرف في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وبعثه مروان إلى العراق فقتل، واستخلف على مصر حسّان بن عتاهية، وقيل أبا الجرّاح (¬b) بشر بن أوس (٣)، وخرج لعشر خلون من رجب. وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر (٤). ثم ولي المغيرة بن عبيد اللّه بن المغيرة الفزاريّ على الصّلاة من قبل مروان، فقدم لستّ بقين من رجب سنة إحدى وثلاثين، وخرج إلى الإسكندرية، واستخلف أبا الجرّاح الجرشي. وتوفي لثنتي عشرة خلت من جمادى الأولى/ سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فكانت ولايته عشرة أشهر. واستخلف ابنه الوليد بن المغيرة، ثم صرف الوليد في النصف من جمادى الآخرة (٥). وولي عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير، من قبل مروان، على الصّلاة والخراج - وكان واليا على الخراج قبل أن يولّى الصّلاة - في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فأمر باتّخاذ المنابر في الكور ولم تكن قبله، وإنّما كانت ولاة الكور يخطبون على العصي إلى جانب القبلة (٦). وخرج القبط فحاربهم، وقتل كثيرا منهم (٧). وخالف عمرو بن سهيل بن عبد العزيز بن مروان على مروان، فاجتمع (¬c) عليه جمع من قيس في الحوف الشّرقي، فبعث إليهم عبد الملك بجيش، فلم تكن حرب (٨).

стр. 1004

وسار مروان بن محمد إلى مصر منهزما من بني العبّاس، فقدم يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوّال سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سوّد أهل الحوف الشّرقي وأهل الإسكندرية وأهل الصّعيد وأسوان. فعزم مروان على تعدية النّيل، وأحرق وأزال (¬a) دار آل مروان المذهّبة، ثم رحل إلى الجيزة وحرق الجسرين، وبعث بجيش إلى الإسكندرية، فاقتتلوا بالكريون. وخالفت القبط برشيد، فبعث إليهم وهزمهم، وبعث إلى الصّعيد (١). فقدم صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس في طلب مروان، هو وأبو عون عبد الملك بن يزيد، يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجّة، فأدرك صالح مروان ببوصير من الجيزة - بعد ما استخلف على الفسطاط معاوية (¬b) بن بحير (¬c) بن ريسان - فحارب مروان حتى قتل ببوصير يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجّة. ودخل صالح إلى الفسطاط يوم الأحد لثمان خلون من المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مروان إلى العراق (٢). وانقضت أيّام بني أميّة. [الدّولة العبّاسيّة] فولي صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، ولي من قبل أمير المؤمنين أبي العبّاس عبد اللّه بن محمد السّفّاح، فاستقبل بولايته المحرّم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث بوفد أهل مصر إلى أبي العبّاس السّفّاح ببيعة أهل مصر، وأسر عبد الملك [بن مروان] (¬d) بن موسى بن نصير وجماعة، وقتل كثيرا من شيعة بني أميّة، وحمل طائفة منهم إلى العراق (٣)، فقتلوا بقلنسوة من أرض فلسطين. وأمر للنّاس بأعطياتهم للمقاتلة والعيال، وقسمت الصّدقات على اليتامى والمساكين، وزاد صالح في [مؤخّر] (¬d) المسجد [الجامع بالفسطاط أربعة أساطين] (¬d) (٤). وورد عليه كتاب أمير المؤمنين السّفّاح بإمارته على فلسطين والاستخلاف على مصر، فاستخلف أبا عون مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وسار ومعه عبد الملك [بن مروان ابن موسى] (¬d) بن نصير ملزما وعدّة من أهل مصر صحابة لأمير المؤمنين، وأقطع الذين

стр. 1005

سوّدوا قطائع، منها منية بولاق (¬a) وقرى أهناس وغيرها (١). ثم من بعد صالح بن عليّ، سكن أمراء مصر العسكر، وأوّل من سكنه أبو عون. ذكر العسكر الذي بني بظاهر مدينة فسطاط مصر اعلم أنّ موضع العسكر كان (¬b) يعرف في صدر الإسلام بالحمراء القصوى. وقد تقدّم أنّ الحمراء القصوى كانت خطّة بني الأزرق وبني روبيل وبني يشكر بن جزيلة، ثم دثرت هذه الخطط بعد العمارة بتلك القبائل حتى صارت صحراء. فلمّا قدم مروان بن محمد - آخر خلفاء بني أميّة - إلى مصر منهزما من بني العبّاس، نزلت عساكر صالح بن عليّ وأبي عون عبد الملك بن يزيد في هذه الصّحراء - حيث جبل يشكر - حتى ملأوا الفضاء، وأمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فلمّا خرج صالح بن عليّ من مصر، خرب أكثر ما بني فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشمي، فابتنى فيه دارا أنزل فيها حشمه وعبيده، وعمّر النّاس. ثم ولي السّريّ بن الحكم، فأذن للنّاس في البناء، فابتنوا فيه وصار مملوكا بأيديهم، واتّصل بناؤه ببناء الفسطاط، وبنيت فيه دار الإمارة ومسجد جامع عرف ب «جامع العسكر»، ثم عرف ب «جامع ساحل الغلّة». وعملت الشّرطة أيضا في العسكر، وقيل لها «الشّرطة العليا»، وإلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن. وسمّي من حينئذ ذلك الفضاء ب «العسكر»، وصار أمراء مصر إذا ولّوا ينزلون به من بعد أبي عون، فقال النّاس من يومئذ: «كنّا بالعسكر، وخرجنا إلى العسكر (٢)، وكتب من العسكر»، وصار مدينة ذات محالّ وأسواق ودور عظيمة. وفيه بنى أحمد بن طولون مارستانه، فأنفق عليه وعلى مستغله ستين ألف دينار، وكان بالقرب من بركة قارون التي صارت كيمانا، وبعضها بركة على يسرة من سار من حدرة ابن

стр. 1006

قميحة يريد قنطرة السّدّ. وعلى بركة قارون هذه كانت جنان بني مسكين، وبنى كافور الإخشيدي دارا أنفق عليها مائة ألف دينار، وسكنها في رجب سنة ستّ وأربعين وثلاث مائة، وانتقل منها بعد أيّام لوباء وقع في غلمانه من بخار البركة. وعظمت العمارة في العسكر جدّا، إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر، فنزل بدار الإمارة من العسكر، وكان لها باب إلى جامع العسكر، وتنزلها الأمراء منذ بناها صالح بن عليّ بعد قتله مروان./ وما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر والميدان بالقطائع، فتحوّل من العسكر وسكن قصره بالقطائع. فلمّا ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد أبيه، جعل دار الإمارة ديوان الخراج، ثم فرّقت حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر وزوال دولة بني طولون، فسكن محمد بن سليمان بدار (¬a) (١) في العسكر عند المصلّى القديم، وكان المصلّى القديم حيث الكوم المطلّ الآن على قبر القاضي بكّار. وما زالت الأمراء تنزل بالعسكر، إلى أن قدم القائد جوهر من المغرب، وبنى «القاهرة المعزّيّة». ولمّا بنى أحمد بن طولون القطائع، اتّصلت مبانيها بالعسكر، وبنى جامعه على جبل يشكر، فعمر ما هنالك عمارة عظيمة تخرج عن الحدّ في الكثرة. وقدم جوهر القائد بعساكر مولاه المعزّ لدين اللّه في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، والعسكر عامر، إلاّ أنّه منذ بنيت القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال «مدينة الفسطاط والقطائع»، وربّما قيل «والعسكر» أحيانا. فلمّا خرّب محمد بن سليمان قصر ابن طولون وميدانه، بقي في القطائع مساكن جليلة حيث كان العسكر. وأنزل المعزّ لدين اللّه عمّه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الشّدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر، أعوام بضع وخمسين وأربع مائة. فيقال إنّه كان هناك زيادة على مائة ألف دار سوى البساتين (٢)؛ وما هذا ببعيد، فإنّ ذلك كان ما بين سفح الشّرف الذي عليه الآن قلعة الجبل، وبين ساحل مصر القديم حيث الآن الكبارة خارج مصر، وما

стр. 1007

على سمتها إلى كوم الجارح، ومن كوم الجارح إلى جامع ابن طولون وخطّ قناطر السّباع وخطّ السّبع سقايات، إلى قنطرة السّدّ ومراغة مصر، إلى المعاريج بمصر، وإلى كوم الجارح؛ ففي هذه المواضع كان العسكر والقطائع. ويخصّ العسكر من ذلك ما بين قناطر السّباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسّط ما بين قنطرة السّدّ وبين سور القرافة الذي يعرف بباب المجدم؛ فهذا هو العسكر. ولمّا استولى الخراب في المحنة، أمر ببناء حائط يستر الخراب عن نظر الخليفة إذا سار من القاهرة إلى مصر، فيما بين العسكر والقطائع وبين الطّريق، وأمر ببناء حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلمّا كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالأجلّ المأمون بن البطائحي فنودي مدّة ثلاثة أيام في القاهرة ومصر: بأنّ من كان له دار في الخراب أو مكان فليعمره، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له ولا حكر يلزمه، وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حقّ (١). وكان سبب هذا النّداء أنّه لمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي في آخر الشّدّة العظمى وقام بعمارة إقليم مصر، أخذ النّاس في نقل ما كان بالقطائع والعسكر من أنقاض المساكن، حتى أتى على معظم ما هنالك الهدم، فصار موحشا، وخرب ما بين القاهرة ومصر من المساكن، ولم يبق هنالك إلاّ بعض البساتين. فلمّا نادى الوزير المأمون، عمّر النّاس ما كان من ذلك ممّا يلي القاهرة من جهة المشهد النّفيسي إلى ظاهر باب زويلة - كما يرد خبر ذلك في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه (٢) - ونقلت أنقاض العسكر كما تقدّم؛ فصار هذا الفضاء الذي يتوصّل إليه من مشهد السّيّدة نفيسة ومن الجامع الطّولوني ومن قنطرة السّدّ ومن باب المجدم في سور القرافة، ويسلك في هذا الفضاء إلى كوم الجارح.

стр. 1008

ولم يبق الآن من العسكر ما هو عامر سوى جبل يشكر الذي عليه جامع ابن طولون، وما حوله من الكبش وحدرة ابن قميحة، إلى خطّ السّبع سقايات وخطّ قناطر السّباع إلى جامع ابن طولون. وأمّا سوق الجامع من قبليه، وما وراء ذلك إلى المشهد النّفيسي وإلى القبيبات والرّميلة تحت القلعة، فإنّما هو من القطائع، كما ستقف عليه عند ذكر القطائع، وعند ذكر هذه الخطط إن شاء اللّه. وطال ما سلكت هذا الفضاء الذي بين جامع ابن طولون وكوم الجارح حيث كان العسكر، وتذكّرت ما كان هنالك من الدّور الجليلة والمنازل العظيمة والمساجد والأسواق والحمّامات والبساتين والبركة البديعة والمارستان العجيب، وكيف بادت حتى لم يبق لشيء منها أثر ألبتّة، فأنشدت أقول: [المتقارب] وبادوا فلا مخبر عنهم … وماتوا جميعا وهذا الخبر فمن كان ذا عبرة فليكن … فطينا ففي من مضى معتبر وكان لهم أثر صالح … فأين هم ثمّ أين الأثر؟ وسيأتي لذلك مزيد بيان عند ذكر القطائع، وعند ذكر خطّ قناطر السّباع وغيره من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى (١). اذكر من نزل العسكر من أمراء مصر من حين بني إلى أن بنيت القطائع اعلم أنّ أمراء مصر ما برحوا ينزلون فسطاط مصر، منذ اختطّ بعد الفتح إلى أن بنى أبو عون العسكر، فصارت أمراء مصر من عهد أبي عون إنّما ينزلون بالعسكر. وما برحوا على ذلك إلى أن أنشأ الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون القصر والميدان والقطائع، فتحوّل من العسكر إلى القصر وسكن فيه، وسكنه الأمراء من أولاده بعده إلى أن زالت دولتهم. فسكن الأمراء بعد ذلك العسكر إلى أن زالت دولة الإخشيدية، بقدوم جوهر القائد من المغرب. وأوّل من سكن العسكر من أمراء مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد، من أهل جرجان، ولي صلاة مصر وخراجها باستخلاف صالح بن عليّ له في مستهلّ شعبان سنة ثلاث وثلاثين ومائة (٢).

стр. 1009

ووقع الوباء بمصر، فهرب أبو عون إلى يشكر، واستخلف صاحب شرطته عكرمة بن عبد اللّه ابن عمرو بن قحزم. وخرج إلى دمياط في سنة خمس وثلاثين ومائة، واستخلف عكرمة، وجعل على الخراج عطاء بن شرحبيل. وخرج القبط بسمنّود، فبعث إليهم وقتلهم (١). وورد الكتاب بولاية صالح بن عليّ على مصر وفلسطين والمغرب، جمعت له، ووردت الجيوش من قبل أمير المؤمنين السّفّاح لغزو المغرب (٢). فولي صالح بن عليّ الثانية على الصّلاة والخراج، فدخل لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ستّ وثلاثين ومائة، فأقرّ عكرمة على شرطة الفسطاط، وجعل على شرطته بالعسكر يزيد بن هانئ الكندي، وولّى أبا عون جيوش المغرب، وقدّم أمامه دعاة لأهل إفريقيّة. وخرج أبو عون في جمادى الآخرة، وجهّزت المراكب من الإسكندرية إلى برقة (٣). فمات السّفّاح في ذي الحجّة، واستخلف أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فأقرّ صالح، وكتب إلى أبي عون بالرّجوع، وردّ الدّعاة وقد بلغوا سرت (¬a). وبلغ أبو عون برقة، فأقام بها أحد عشر يوما، ثم عاد إلى مصر في جيشه، فجهّزه صالح إلى فلسطين لحربه، فغلب وسيّر إلى مصر ثلاثة آلاف رأس. ثم خرج صالح إلى فلسطين، واستخلف ابنه الفضل، فبلغ بلبيس ورجع (٤). ثم خرج لأربع خلون من رمضان سنة سبع وثلاثين، فلقي أبا عون بالفرما، فأمّره على مصر صلاتها وخراجها ومضى؛ فدخل أبو عون الفسطاط لأربع بقين من رمضان (٥). فولي أبو عون ولايته الثانية من قبل صالح بن عليّ، ثم أفرده أبو جعفر بولايتها. وقدم أبو جعفر بيت المقدس، وكتب إلى أبي عون بأن يستخلف على مصر ويخرج إليه، فاستخلف عكرمة على الصّلاة وعطاء على الخراج، وخرج للنصف من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين ومائة. فلمّا صار إلى أبي جعفر ببيت المقدس، بعث أبو جعفر موسى بن كعب، فكانت ولاية أبي عون هذه ثلاث سنين وستة أشهر (٦).

стр. 1010

فوليها موسى بن كعب بن عيينة ابن عائشة أبو عيينة من تميم، من قبل أبي جعفر المنصور - وكان أحد نقباء بني العبّاس - فدخلها لأربع عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائة، على صلاتها وخراجها. ونزل العسكر وبها النّاس من الجند يغدون ويروحون إليه كما كانوا يفعلون بالأمراء قبله، فانتهوا عنه حتى لم يكن أحد يلزم بابه (١). وكان قد اتّهم في خراسان بأمر أبي مسلم، فأمر به أسد بن عبد اللّه البجلي، والي خراسان، فألجم بلجام، ثم كسرت أسنانه، فكان يقول بمصر: كانت لنا أسنان وليس عندنا خبز، فلمّا جاء الخبز ذهبت الأسنان. وكتب إليه أبو جعفر: «إنّي عزلتك من غير سخط (¬a)، ولكن بلغني أنّ عاملا (¬b) يقتل بمصر يقال له موسى، فكرهت أن تكونه»، فكان ذلك موسى بن مصعب زمن المهدي، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى. فولي موسى بن كعب سبعة أشهر، وصرف في ذي القعدة، واستخلف على الجند خالد (¬c) بن حبيب، وعلى الخراج نوفل بن الفرات، وخرج لستّ بقين منه (٢). فولي محمّد بن الأشعث بن عقبة الخزاعيّ من قبل أبي جعفر، على الصّلاة والخراج، وقدم لخمس خلون من ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين ومائة. وبعث أبو جعفر إلى نوفل بن الفرات «أن اعرض على محمد بن الأشعث ضمان خراج مصر، فإن ضمنه فأشهد عليه وأشخص إليّ، وإن أبى فاعمل على الخراج». فعرض عليه ذلك فأبى، فانتقل نوفل بالدّواوين [إلى دار الرّمل] (¬d)، فافتقد ابن الأشعث النّاس، فقيل له «هم عند صاحب الخراج»، فندم على تسليمه؛ وعقد على جيش بعث به إلى المغرب لحرب (¬e) فانهزم (٣). وخرج ابن الأشعث يوم الأضحى سنة اثنتين وأربعين، وتوجّه إلى الإسكندرية، واستخلف محمد بن معاوية بن بحير بن ريسان (¬f) صاحب شرطته. ثم صرف ابن الأشعث، فكانت ولايته سنة وشهرا (٤).

стр. 1011

وولي حميد بن قحطبة بن شبيب بن خالد بن معدان (¬a) الطّائي من قبل أبي جعفر، على الصّلاة والخراج، فدخل في عشرين ألفا من الجند لخمس خلون من رمضان سنة ثلاث وأربعين ومائة، ثم قدم عسكر آخر في شوّال (١). وقدم عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن داعية لأبيه وعمّه، فدسّ إليه حميد فتغيّب، فكتب بذلك إلى أبي جعفر، فصرفه/ في ذي القعدة، وخرج لثمان بقين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين (٢). فولي يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، من قبل أبي جعفر، على الصّلاة والخراج، فقدم على البريد للنصف من ذي القعدة، فاستخلف على الخراج معاوية بن مروان بن موسى بن نصير (٣). وفي إمرته ظهرت دعوة بني الحسن بن عليّ بمصر، وتكلّم بها النّاس، وبايع كثير منهم لعليّ ابن محمد بن عبد اللّه. وطرق المسجد لعشر خلون من شوّال سنة خمس وأربعين، كما يذكر في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى (٤). ثم قدمت الخطباء برأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسن بن عليّ في ذي الحجّة فنصبت في المسجد (٥). وورد كتاب أبي جعفر بأمر يزيد بن حاتم بالتّحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الدّيوان في كنائس القصر، وذلك في سنة ستّ وأربعين ومائة، من أجل ليلة المسجد (٦). ومنع يزيد أهل مصر من الحجّ سنة خمس وأربعين، فلم يحج أحد منهم ولا من أهل الشّام، لما كان بالحجاز من الاضطراب بأمر بني حسن. ثم حجّ يزيد في سنة سبع وأربعين، واستخلف عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج صاحب شرطته (٧).

стр. 1012

وبعث جيشا لغزو الحبشة من أجل خارجيّ ظهر هناك، فظفر به الجيش، وقدم رأسه في عدّة رؤوس، فحملت إلى بغداد (١). وضمّ يزيد برقة إلى عمل مصر - وهو أوّل من ضمّها إلى مصر - وذلك في سنة ثمان وأربعين (٢). وخرج القبط بسخا، في سنة خمسين ومائة، فبعث إليهم جيشا، فشتّته القبط ورجع منهزما. فصرفه أبو جعفر في ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته سبع سنين وأربعة أشهر (٣). وولي عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج، من قبل أبي جعفر، على الصّلاة لثنتي عشرة بقيت من ربيع الآخر، وهو أوّل من خطب بالسّواد. وخرج إلى أبي جعفر لعشر بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا، ورجع في آخرها (٤). ومات وهو وال مستهلّ صفر سنة خمس وخمسين ومائة، واستخلف أخاه محمدا، فكانت ولايته سنتين وشهرين (٥). فولي محمد بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج باستخلاف أخيه، فأقرّه أبو جعفر على الصّلاة. ومات وهو وال للنصف من شوّال، فكانت ولايته ثمانية أشهر ونصفا، واستخلف موسى بن عليّ (٦). فولي موسى بن عليّ بن رباح باستخلاف محمد بن حديج، فأقرّه أبو جعفر على الصّلاة. وخرج القبط ببلهيب (¬a) في سنة ستّ وخمسين فبعث إليهم وهزمهم. وكان يروح إلى المسجد ماشيا وصاحب شرطته بين يديه يحمل الحربة. وإذا أقام صاحب الشّرطة الحدود يقول له: «ارحم أهل البلاء (¬b)»، فيقول: «أيّها الأمير ما يصلح النّاس إلاّ ما يفعل بهم»، وكان يحدّث فيكتب النّاس عنه (٧).

стр. 1013

ومات أبو جعفر لستّ خلون من ذي الحجّة سنة ثمان وخمسين ومائة، وبويع ابنه محمد المهدي، فأقرّ موسى بن عليّ إلى سابع عشر ذي الحجّة سنة إحدى وستين ومائة، فكانت ولايته ستّ سنين وشهرين (١). وولي عيسى بن لقمان بن محمّد الجمحيّ، من قبل المهدي، على الصّلاة والخراج، فقدم لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجّة سنة إحدى وستين ومائة، وصرف لثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ومائة، فوليها أربعة أشهر (٢). ثم ولي واضح مولى أبي جعفر، من قبل المهدي، على الصّلاة والخراج، فدخل لستّ بقين من جمادى الأولى، وصرف في رمضان (٣). فولي منصور بن يزيد بن منصور الرّعيني - وهو ابن خال المهدي - (¬a) من قبل المهدي (¬a) على الصّلاة، فقدم لإحدى عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وستين ومائة، وصرف للنصف من ذي الحجّة، فكان مقامه شهرين وثلاثة أيام (٤). ثم ولي يحيى بن داود أبو صالح من أهل خراسان، من قبل المهدي، على الصّلاة والخراج. فقدم في ذي الحجّة، وكان أبوه تركيّا، وهو من أشدّ النّاس وأعظمهم هيبة وأقدمهم على الدّم، وأكثرهم عقوبة (٥). فمنع من غلق الدّروب باللّيل ومن غلق الحوانيت، حتى جعلوا عليها شرائج (¬b) (٦) القصب لمنع الكلاب. ومنع حرّاس الحمّامات أن يجلسوا فيها، وقال: من ضاع له شيء فعليّ أداؤه. وكان الرّجل يدخل الحمّام، فيضع ثيابه ويقول: يا أبا صالح احرسها؛ فكانت الأمور على هذا مدّة ولايته (٧). وأمر الأشراف والفقهاء وأهل النّوبات بلبس القلانس الطّوال، والدّخول بها على السّلطان يوم الاثنين والخميس بلا أردية. وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكره قال: «هو

стр. 1014

رجل يخافني ولا يخاف اللّه»، فولي إلى المحرّم سنة أربع وستين (١). وقدم سالم بن سوادة التّميمي، من قبل المهدي، على الصّلاة، ومعه أبو قطيفة (¬a) إسماعيل ابن إبراهيم على الخراج لثنتي عشرة خلت من المحرّم (٢). ثم ولي إبراهيم بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل المهدي، على الصّلاة والخراج، فقدم لإحدى عشرة خلت من المحرّم سنة خمس وستين، وابتنى دارا عظيمة بالموقف من العسكر (٣). وخرج دحية بن المعصب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان بالصّعيد، ونابذ ودعا إلى نفسه بالخلافة، فتراخى عنه/ إبراهيم، ولم يحفل بأمره حتى ملك عامّة الصّعيد؛ فسخط المهديّ لذلك، وعزله عزلا قبيحا لسبع خلون من ذي الحجّة سنة سبع وستين، فوليها ثلاث سنين (٤). ثم ولي موسى بن مصعب بن الرّبيع من أهل الموصل، على الصّلاة والخراج، من قبل المهدي، فقدم لسبع خلون من ذي الحجّة المذكور، فردّ إبراهيم، وأخذ منه ومن عمّاله ثلاث مائة ألف دينار، ثم سيّره إلى بغداد. وتشدّد (¬b) موسى في استخراج الخراج، وزاد على كلّ فدّان ضعف ما تقبّل (¬c) به، وارتشى في الأحكام، وجعل خرجا (¬d) على أهل الأسواق وعلى الدّواب، فكرهه الجند ونابذوه، وثارت قيس واليمانيّة، وكاتبوا أهل الفسطاط فاتّفقوا عليه (٥). وبعث بجيش إلى قتال دحية بالصّعيد، وخرج في جند مصر كلّهم لقتال أهل الحوف. فلمّا التقوا، انهزم عنه أهل مصر بأجمعهم وأسلموه، فقتل من غير أن يكلم (¬e) أحد من أهل مصر لتسع خلون من شوّال سنة ثمان وستين ومائة، فكانت ولايته عشرة أشهر (٦).

стр. 1015

وكان ظالما غاشما، سمعه اللّيث بن سعد يقرأ في خطبته ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الآية ٢٩ سورة الكهف]، فقال اللّيث: اللّهمّ لا تقه منها (¬a) (١). ثم ولي عسّامة بن عمرو باستخلاف موسى بن مصعب، وبعث إلى دحية جيشا مع أخيه بكّار بن عمرو، فحارب يوسف بن نصير وهو على جيش دحية، فتطاعنا، ووضع يوسف الرّمح في خاصرة بكّار، ووضع بكّار الرّمح في خاصرة يوسف، فقتلا معا، ورجع الجيشان منهزمين وذلك في ذي الحجّة (٢). وصرف عسّامة، لثلاث عشرة خلت من ذي الحجّة، بكتاب ورد عليه من الفضل بن صالح بأنّه ولي مصر وقد استخلفه، فخلعه إلى سلخ المحرّم سنة تسع وستين ومائة (٣). ثم قدم الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، سلخ المحرّم المذكور، في جيوش الشّام. ومات المهديّ في المحرّم هذا، وبويع موسى الهادي، فأقرّ الفضل (٤). وقدم ومصر تضطرم (¬b) من أهل الحوف ومن خروج دحية، فإنّ النّاس كانوا قد كاتبوه ودعوه، فسيّر العساكر حتى هزم دحية وأسر وسيق إلى الفسطاط، فضربت عنقه وصلب في جمادى الآخرة سنة تسع وستين. فكان الفضل يقول: أنا أولى النّاس بولاية مصر، لقيامي في أمر دحية وقد عجز عنه غيري، فعزل وندم على قتل دحية. والفضل هو الذي بنى الجامع بالعسكر في سنة تسع وستين، فكانوا يجمعون فيه (٥). ثم ولي عليّ بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الهادي، على الصّلاة والخراج، فدخل في سنة تسع وستين ومائة. ومات الهادي للنصف من ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة، وبويع هارون بن محمد الرّشيد، فأقرّ عليّ بن سليمان. وأظهر في ولايته الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ومنع الملاهي والخمور، وهدم الكنائس المحدثة بمصر، وبذل له في تركها خمسون ألف دينار فامتنع (٦).

стр. 1016

وكان كثير الصّدقة في اللّيل، وأظهر أنّه تصلح له الخلافة وطمع فيها، فسخط عليه هارون الرّشيد، وعزله لأربع بقين من ربيع الأوّل سنة إحدى وسبعين ومائة (١). ثم ولي موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة. فأذن للنّصارى في بنيان الكنائس التي هدمها عليّ بن سليمان، فبنيت بمشورة اللّيث بن سعد وعبد اللّه بن لهيعة (٢). ثم صرف لأربع عشرة خلت من رمضان سنة اثنتين وسبعين ومائة، فكانت ولايته سنة وخمسة أشهر ونصفا (٣). ثم ولي مسلمة بن يحيى بن قرّة بن عبيد اللّه البجلي من أهل جرجان (٤)، من قبل الرّشيد، على الصّلاة، ثم صرف في شعبان سنة ثلاث وسبعين فوليها أحد عشر شهرا (٥). ثم ولي محمّد بن زهير الأزدي على الصّلاة والخراج لخمس خلون من شعبان، فبادر الجند لعمر بن غيلان صاحب الخراج، فلم يدفع عنه، فصرف بعد خمسة أشهر في سلخ ذي الحجّة سنة ثلاث وسبعين ومائة (٦). فولي داود بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة، وقدم هو وإبراهيم بن صالح بن عليّ، فولي داود الصّلاة، وبعث بإبراهيم لإخراج الجند الذين ثاروا من مصر. فدخل لأربع عشرة خلت من المحرّم سنة أربع وسبعين ومائة، فأخرجت الجند العديدة إلى المشرق والمغرب في عالم كثير، فساروا في البحر فأسرتهم الرّوم. وصرف لستّ خلون من المحرّم سنة خمس وسبعين، فكانت ولايته سنة ونصف شهر (٧). ثم ولي موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، على الصّلاة والخراج، من قبل الرّشيد. فدخل لسبع خلون من صفر سنة خمس وسبعين، وصرف لليلتين بقيتا من صفر سنة ستّ وسبعين ومائة، فولي سنة واحدة (٨).

стр. 1017

ثم ولي إبراهيم بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ثانيا من قبل الرّشيد، فكتب إلى عسّامة بن عمرو فاستخلفه. ثم قدم نصر بن كلثوم خليفته على الخراج مستهلّ ربيع الأوّل. وتوفّي عسّامة لسبع بقين من ربيع الآخر، فقدم روح بن روح بن زنباع خليفة لإبراهيم على الصّلاة والخراج. ثم قدم إبراهيم للنصف من جمادى الأولى، وتوفّي وهو وال لثلاث خلون من شعبان. فكان مقامه بمصر شهرين/ وثمانية عشر يوما. وقام بالأمر بعده ابنه صالح بن إبراهيم، مع صاحب شرطته خالد بن يزيد (١). ثم ولي عبد اللّه بن المسيّب بن زهير بن عمرو الضّبّي، من قبل الرّشيد، على الصّلاة لإحدى عشرة بقيت من رمضان سنة ستّ وسبعين ومائة، وصرف في رجب سنة سبع وسبعين ومائة (٢). فولي إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج مستهلّ رجب. فكشف أمر الخراج، وزاد على المزارعين زيادة أجحفت بهم. فخرج عليه أهل الحوف، فحاربهم فقتل كثير من أصحابه. فكتب إلى الرّشيد بذلك، فعقد لهرثمة بن أعين في جيش عظيم وبعث به، فنزل الحوف، فتلقّاه أهله بالطّاعة وأذعنوا، فقبل منهم واستخرج الخراج كلّه. فكان صرف إسحاق في رجب سنة ثمان وسبعين ومائة (٣). فولي هرثمة بن أعين من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج لليلتين خلتا من شعبان، ثم سار إلى إفريقيّة لثنتي عشرة خلت من شوّال، فأقام بمصر شهرين ونصفا (٤). ثم ولي عبد الملك بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج. فلم يدخل مصر، واستخلف عبد اللّه بن المسيّب بن زهير الضّبّي، وصرف في سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة (٥). فولي عبيد اللّه بن المهدي محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج في يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من المحرّم سنة تسع وسبعين ومائة، فاستخلف ابن المسيّب، ثم قدم لإحدى عشرة خلت من ربيع الأوّل، وصرف في شهر رمضان، فولي تسعة أشهر، وخرج من مصر لليلتين خلتا من شوّال (٦).

стр. 1018

فأعاد الرّشيد موسى بن عيسى وولاّه مرّة ثالثة على الصّلاة، فقدم ابنه يحيى بن موسى خليفة له لثلاث خلون من رمضان، ثم قدم آخر ذي القعدة، وصرف في جمادى الآخرة سنة ثمانين ومائة (١). فولّى الرّشيد عبيد اللّه بن المهدي ثانيا على الصّلاة، فقدم داود بن حبّاش خليفة له لسبع خلون من جمادى الآخرة، ثم قدم لأربع خلون من شعبان، وصرف لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة (٢). فولي إسماعيل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس على الصّلاة لسبع خلون من رمضان، فاستخلف عون بن وهب الخزاعيّ، ثم قدم لخمس بقين منه. قال ابن عفير: ما رأيت على هذه الأعواد أخطب من إسماعيل بن صالح. ثم صرف في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين ومائة (٣). فولي إسماعيل بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة. فقدم لأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وصرف في رمضان (٤). فولي اللّيث بن الفضل الأبيوردي، من أهل أبيورد (¬a)، على الصّلاة والخراج، وقدم لخمس خلون من شوّال. ثم خرج إلى الرّشيد لسبع خلون (¬b) من رمضان سنة ثلاث وثمانين ومائة بالمال والهدايا، واستخلف أخاه عليّ بن الفضل (¬c)، ثم عاد في آخر السّنة. وخرج ثانيا بالمال لتسع بقين من رمضان سنة خمس وثمانين، واستخلف هاشم بن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج، وقدم لأربع عشرة خلت من المحرّم سنة ستّ وثمانين. فكان كلّما أغلق (¬d) خراج سنة، وفرغ من حسابها، خرج بالمال إلى أمير المؤمنين هارون الرّشيد ومعه الحساب (٥). ثم خرج عليه أهل الحوف، وساروا إلى الفسطاط، فخرج إليهم في أربعة آلاف ليومين بقيا من شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، واستخلف عبد الرّحمن بن موسى بن عليّ بن رباح على الجند

стр. 1019

والخراج. فواقع أهل الحوف، وانهزم عنه الجند فبقي في نحو المائتين، فحمل بهم وهزم القوم من أرض الجبّ إلى غيفا (¬a)، وبعث إلى الفسطاط بثمانين رأسا وقدم. فرجع أهل الحوف، ومنعوا الخراج. فخرج ليث إلى الرّشيد، وسأله أن يبعث معه بالجيوش، فإنّه لا يقدر على استخراج الخراج من أهل الأحواف إلاّ بجيش (١). فرفع محفوظ بن سليمان أنّه يضمن خراج مصر عن آخره بغير سوط ولا عصا. فولاّه الرّشيد الخراج، وصرف ليثا عن الصّلاة والخراج، وبعث أحمد بن إسحاق على الصّلاة مع محفوظ. وكانت ولاية ليث أربع سنين وسبعة أشهر (٢). فولي أحمد بن إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، من قبل الرّشيد، على الصّلاة والخراج. وقدم لخمس بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين، ثم صرف لثمان عشرة خلت من شعبان سنة تسع وثمانين، فولي سنتين وشهرا ونصفا (٣). ثم ولي عبد اللّه (¬b) بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس على الصّلاة، واستخلف لهيعة بن عيسى بن لهيعة الحضرميّ، ثم قدم للنصف من شوّال. وصرف لإحدى عشرة بقيت من شعبان سنة تسعين ومائة وخرج، واستخلف هاشم بن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن معاوية بن حديج (٤). فولي الحسين بن جميل، من قبل الرّشيد، على الصّلاة، وقدم لعشر خلون من رمضان، ثم جمع له الخراج مع الصّلاة في رجب سنة إحدى وتسعين (٥). وخرج أهل الحوف، وامتنعوا من/ أداء الخراج. وخرج أبو النّداء بأيلة في نحو ألف رجل، فقطع الطّريق بأيلة وشعيب ومدين، وأغار على بعض قرى الشّام، وضوى إليه من جذام جماعة، فبلغ من النّهب والقتل مبلغا عظيما. فبعث الرّشيد من بغداد جيشا لذلك، وبعث الحسين بن جميل من مصر عبد العزيز بن الوزير ابن ضابئ الجروي في عسكر. فالتقى العسكران بأيلة، فظفر عبد العزيز بأبي النّداء. وسار

стр. 1020

جيش الرّشيد إلى بلبيس في شوّال سنة إحدى وتسعين ومائة، فأذعن أهل الحوف بالخراج. وصرف ابن جميل لثنتي عشرة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين ومائة (١). فولي مالك بن دلهم بن عمير الكلبي على الصّلاة والخراج، وقدم لسبع بقين من ربيع الآخر (٢). وفرغ يحيى بن معاذ أمير جيش الرّشيد من أمر الحوف، وقدم الفسطاط لعشر بقين من جمادى الآخرة، فكتب إلى أهل الأحواف: «أن اقدموا حتى أوصي بكم مالك بن دلهم». فدخل الرّؤساء من اليمانيّة والقيسيّة، فأخذت عليهم الأبواب وقيّدوا، وسار بهم للنصف من رجب (٣). وصرف مالك لأربع خلت من صفر سنة ثلاث وتسعين ومائة (٤). فولي الحسن بن التّختاخ (¬a) بن البختكان (¬b) على الصّلاة والخراج، فاستخلف العلاء بن عاصم الخولاني، وقدم لثلاث خلون من ربيع الأوّل. و (¬c) مات الرّشيد، واستخلف ابنه محمد الأمين، فثار الجند بمصر، ووقعت فتنة عظيمة قتل فيها عدّة. وسيّر الحسن مال مصر، فوثب أهل الرّملة وأخذوه (٥). وبلغ الحسن عزله، فسار من طريق الحجاز لفساد طريق الشّام لثمان بقين من ربيع الأوّل سنة أربع وتسعين ومائة، واستخلف عوف بن وهب على الصّلاة، ومحمد بن زياد بن طبق القيسي على الخراج (٦). فولي حاتم بن هرثمة بن أعين، من قبل الأمين، على الصّلاة والخراج. وقدم في ألف من الأبناء فنزل بلبيس، فصالحه أهل الأحواف على خراجهم. وثار عليه أهل نتووتمّي وعسكروا، فبعث إليهم جيشا فانهزموا، ودخل حاتم إلى الفسطاط ومعه نحو مائة من الرّهائن لأربع خلون من شوّال. وصرف في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين ومائة (٧).
следующие страницы →