← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

فكرهت الأتراك ذلك، وكان ما ذكر (١). فظفر بعض الأتراك يوما بشيء من المال والسّلاح قد بعثت به أمّ المستنصر إلى العبيد تمدّهم به بعد انهزامهم من كوم شريك، فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر وأغلظوا في القول؛ فحلف أنّه لم يكن عنده علم بما ذكر، وصار إلى أمّه فأنكرت ما فعلت. وخرج الأتراك فصار السّيف قائما، ووقعت الفتنة ثانيا، فانتدب المستنصر أبا الفرج بن المغربي ليصلح بين الطائفتين، فاصطلحا على غلّ، وخرج العبيد إلى شبرا دمنهور، فكان هذا أوّل اختلال أحوال أهل مصر (٢). ودبّت عقارب العداوة بين الفئتين إلى سنة تسع وخمسين، فقويت شوكة الأتراك، وضروا على المستنصر، وزاد طمعهم/ فيه، فطلبوا منه الزيادة في واجباتهم وضاقت أحوال العبيد واشتدّت ضرورتهم، وكثرت حاجتهم، وقلّ مال السّلطان واستضعف جانبه. فبعثت أمّ المستنصر إلى قوّاد العبيد تغريهم بالأتراك، فاجتمعوا بالجيزة، وخرج إليهم الأتراك ومقدّمهم ناصر الدين حسين بن حمدان، فاقتتلا عدّة مرار ظهر في آخرها الأتراك على العبيد، وهزموهم إلى بلاد الصّعيد. فعاد ابن حمدان إلى القاهرة، وقد عظم أمره وقوي جأشه، وكبرت نفسه واستخفّ بالخليفة، فجاءه الخبر أنّه قد تجمّع من العبيد ببلاد الصّعيد خمسة (¬a) عشر ألف فارس، فقلق وبعث بمقدّمي الأتراك إلى المستنصر، فأنكر ما كان من اجتماع العبيد، وجفوا في خطابهم، وفارقوه على غير رضى منهم، فبعثت أمّ المستنصر إلى من بحضرتها من العبيد تأمرهم بالإيقاع على غفلة بالأتراك، فهجموا عليهم وقتلوا منهم عدّة. فبادر ابن حمدان إلى الخروج ظاهر القاهرة، وتلاحق به الأتراك، وبرز إليهم العبيد المقيمون بالقاهرة ومصر، وحاربوهم عدّة أيام. فحلف ابن حمدان أنّه لا ينزل عن فرسه حتى ينفصل الأمر إمّا له أو عليه. وجدّ كلّ من الفريقين في القتال، فظهرت الأتراك على العبيد، وأثخنوا في قتلهم وأسرهم، فعادوا إلى القاهرة، وتتّبع ابن حمدان من في البلد منهم حتى أفنى معظمهم.

стр. 1087

هذا والعبيد ببلاد الصّعيد على حالهم، وبالإسكندرية أيضا منهم جمع كثير، فسار ابن حمدان إلى الإسكندرية وحاصرهم فيها مدّة حتى سألوه الأمان، فأخرجهم وأقام فيها من يثق به. وانقضت هذه السّنة كلّها في قتال العبيد (١). ودخلت سنة ستين وأربع مائة وقد خرق الأتراك ناموس المستنصر، واستهانوا به واستخفّوا بقدره، وصار مقرّرهم في كلّ شهر أربع مائة ألف دينار بعد ما كان ثمانية وعشرين ألف دينار، ولم يبق في الخزائن مال، فبعثوا يطالبونه بالمال، فاعتذر إليهم بعجزه عن ما طلبوه، فلم يعذروه وقالوا: بع ذخائرك، فلم يجد بدّا من إجابتهم، وأخرج ما كان في القصر من الذّخائر، فصاروا يقوّمون ما يخرج إليهم بأخسّ القيم وأقلّ الأثمان، ويأخذون ذلك في واجباتهم. وتجهّز ابن حمدان، وسار إلى الصّعيد يريد قتال العبيد - وكانت شرورهم قد كثرت، وضررهم وفسادهم قد تزايد - فلقيهم وواقعهم غير مرّة، والأتراك تنكسر منهم وتعود إلى محاربتهم إلى أن حمل العبيد عليهم حملة انهزموا فيها إلى الجيزة. فأفحشوا عند ذلك في أمر المستنصر، ونسبوه إلى مباطنة العبيد وتقويتهم، فأنكر ذلك وحلف عليه. فأخذوا في إصلاح شأنهم ولمّ شعثهم، وساروا لقتال العبيد، وما زالوا يلحّون في قتالهم حتى انكسرت العبيد كسرة شنيعة، وقتل منهم خلق كثير وفرّ من بقي، فذهبت شوكتهم، وزالت دولتهم. ورجع ابن حمدان وقد كشف قناع الحياء، وجهر بالسّوء للمستنصر، واستبدّ بسلطنة البلاد (٢). ودخلت سنة إحدى وستين وابن حمدان مستبدّ بالأمر مجاف للمستنصر، فثقل مكانه على الأتراك، وتفرّغوا من العبيد، والتفتوا إليه وقد استبدّ بالأمور دونهم، واستأثر بالأموال عليهم، ففسد ما بينهم وبينه، وشكوا منه إلى الوزير خطير الملك (٣)، فأغراهم به، ولامهم على ما كان من تقويته، وحسّن لهم الثّورة به. فصاروا إلى المستنصر ووافقوه على ذلك، فبعث إلى ابن حمدان يأمره بالخروج عن مصر، ويهدّده إن امتنع. فلم يقدر على الامتناع منه لفساد الأتراك عليه

стр. 1088

وميلهم مع المستنصر، فخرج إلى الجيزة، وانتهب النّاس دوره ودور حواشيه. فلمّا جنّ عليه الليل، عاد من الجيزة سرّا إلى دار القائد تاج الملوك شاذي، وترامى عليه وقبّل رجليه، وسأله النّصرة على الذّكر والوزير الخطير، فإنّهما قاما بهذه الفتنة، فأجابه إلى ذلك، ووعده بقتل المذكورين، وفارقه ابن حمدان. فلمّا كان من الغد ركب شاذي في أصحابه، وأخذ يسير بين القصرين بالقاهرة، وأقبل الوزير الخطير في موكبه، فبادره شاذي على حين غفلة وقتله، ففرّ الذّكر إلى القصر والتجأ بالمستنصر، فلم يكن بأسرع من قدوم ابن حمدان وقد استعدّ للحرب فيمن معه. فركب المستنصر بلأمة الحرب، واجتمع إليه الأجناد والعامّة، وصار في عدد لا ينحصر وبرزت الفرسان. فكانت بين الخليفة وابن حمدان حروب آلت إلى هزيمة ابن حمدان، وقتل كثير من أصحابه، فمضى في طائفة إلى البحيرة، وترامى على بني سنبس وتزوّج منهم (١). فعظم الأمر بالقاهرة ومصر، من شدّة الغلاء وقلّة الأقوات، لما فسد من الأعمال بكثرة النّهب وقطع الطّريق، حتى أكل النّاس الجيف والميتات، ووقف أرباب الفساد في الطريق، فصاروا يقتلون من ظفروا به في أزقّة مصر، فهلك من أهل مصر في هذه الحروب والفتن ما لا يمكن حصره (٢). وامتدّ ذلك إلى أن دخلت سنة ثلاث وستين، فجهّز المستنصر عساكره لقتال ابن حمدان بالبحيرة، فسارت إليه ولم يوفّق في محاربته، فكسرها كلّها واحتوى على ما كان معها من سلاح وكراع ومال، فتقوّى به وقطع الميرة عن البلد، ونهب أكثر الوجه البحري، وقطع منه الخطبة للمستنصر، ودعا للخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي بالإسكندرية ودمياط وعامّة الوجه البحري. فاشتدّ الجوع، وتزايد الموتان بالقاهرة ومصر/، حتى إنّه كان يموت الواحد من أهل البيت، فلا يمضي يوم وليلة من موته حتى يموت سائر من في ذلك البيت ولا يجد (¬a) من يستولي عليه. ومدّت الأجناد أيديها إلى النّهب، فخرج الأمر عن الحدّ، ونجا أهل القوّة بأنفسهم من

стр. 1089

مصر، وساروا إلى الشّام والعراق، وخرج من خزائن القصر ما يجلّ وصفه (١). وقد ذكر طرف من ذلك في أخبار القاهرة عند ذكر خزائن القصر (٢). فاضطرّ الأجناد - مع (¬a) ما هم فيه من شدّة الجوع - إلى مصالحة ابن حمدان، بشرط أن يقيم في مكانه ويحمل إليه مال مقرّر، وينوب عنه شاذي بالقاهرة. فرضي بذلك وسيّر الغلال إلى القاهرة ومصر، فسكن ما بالناس من شدّة الجوع قليلا. ولم يكن ذلك إلاّ نحو شهر، ووقع الاختلاف عليه، فقدم من البحيرة إلى مصر وحاصرها وانتهبها، وأحرق دورا عديدة بالسّاحل، ورجع إلى البحيرة (٣). فدخلت سنة أربع وستين والحال على ذلك، وشاذي قد استبدّ بأمر الدولة، وفسد ما بينه وبين ابن حمدان، ومنعه من المال الذي تقرّر له، وشحّ به عليه فلم يوصّله إلاّ القليل. (¬b) فحرّك ذلك من (¬b) ابن حمدان، وجمع العربان وسار إلى الجيزة، وخادع شاذي حتى صار إليه ليلا في عدّة من الأكابر، فقبض عليه وعليهم، وبعث أصحابه فنهبوا مصر وأطلقوا فيها النار، فخرج إليهم عسكر المستنصر من القاهرة وهزموهم. فعاد إلى البحيرة، وبعث رسولا إلى الخليفة القائم بأمر اللّه ببغداد يخبره (¬a) بإقامة الخطبة له، وسأله الخلع والتّشاريف. فاضمحلّ أمر المستنصر وتلاشى ذكره، وتفاقم الأمر في الشّدة من الغلاء حتى هلكوا. فسار ابن حمدان إلى البلد وليس في أحد قوّة يمنعه بها، فملك القاهرة، وامتنع المستنصر بالقصر، فسيّر إليه رسولا يطلب منه المال، فوجده وقد ذهب سائر ما كان يعهده من أبّهة الخلافة حتى جلس على حصير، ولم يبق معه سوى ثلاثة من الخدم، فبلّغه رسالة ابن حمدان، فقال المستنصر للرّسول: ما يكفي ناصر الدّولة أن أجلس في مثل هذا البيت على هذا الحال؟! فبكى الرّسول رقّة له، وعاد إلى ابن حمدان، فأخبره بما شاهد من اتّضاع أمر المستنصر وسوء حاله. فكفّ عنه، وأطلق له في كلّ شهر مائة دينار، وامتدّت يده وتحكّم، وبالغ في إهانة المستنصر مبالغة عظيمة، وقبض على أمّه وعاقبها أشدّ العقوبة، واستصفى أموالها فحاز منها شيئا كثيرا.

стр. 1090

فتفرّق حينئذ عن المستنصر جميع أقاربه وأولاده من الجوع، فمنهم من سار إلى المغرب، ومنهم من سار إلى الشّام والعراق (١). قال الشّريف محمّد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب «النّقط»: حلّ بمصر غلاء شديد في خلافة المستنصر باللّه، في سنة سبع وخمسين وأربع مائة، وأقام إلى سنة أربع وستين وأربع مائة، وعمّ مع الغلاء وباء شديد، فأقام ذلك سبع سنين، والنّيل يمدّ وينزل فلا يجد من يزرع. وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد، فانقطعت الطّرقات برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الكثيرة مع ركوب الغرر، ونزا المارقون بعضهم على بعض، واستولى الجوع لعدم القوت، وصار الحال إلى أن بيع رغيف من الخبز الذي وزنه رطل بزقاق القناديل كبيع الطّرف في النّداء، بأربعة عشر (¬a) درهما، وبيع أردبّ من القمح بثمانين دينارا، ثم عدم ذلك وأكلت الكلاب والقطاط، ثم تزايد الحال حتى أكل النّاس بعضهم بعضا. وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتا قصيرة السّقوف قريبة ممّن يسعى في الطّرقات ويطوف، وقد أعدّوا سلبا وخطاطيف، فإذا مرّ بهم أحد شالوه في أقرب وقت، ثم ضربوه بالأخشاب وشرّحوا لحمه وأكلوه (٢)! قال: وحدّثني بعض نسائنا الصّالحات قالت: كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر، فكنّا نسألها فتقول: أنا ممّن خطفني أكلة النّاس في الشّدّة فأخذني إنسان - وكنت ذات جسم وسمن - فأدخلني إلى بيت فيه سكاكين وآثار الدّماء وزفرة القتلى، فأضجعني على وجهي وربط في يديّ ورجليّ سلبا إلى أوتاد حديد عريانة، ثم شرّح من أفخاذي شرائح وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني، ثم أضرم الفحم وشوى من لحمي وأكل أكلا كثيرا، ثم سكر حتى وقع على جنبه لا يعرف أين هو، فأخذت في الحركة إلى أن تخلّى (¬b) أحد الأوتاد، وأعان اللّه على الخلاص وتخلّصت، وحللت الرّباط، وأخذت خرقا من داره ولففت بها أفخاذي، وزحفت إلى باب الدار، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى المأمن، وجئت إلى بيتي وعرّفتهم بموضعه، فمضوا إلى

стр. 1091

الوالي، فكبس عليه وضرب عنقه، وأقام الدّواء في أفخاذي سنة إلى أن ختم الجرح وبقي كذا حفرا (١). وبسبب هذا الغلاء خرب الفسطاط، وخلا موضع العسكر والقطائع وظاهر مصر ممّا يلي القرافة حيث الكيمان الآن إلى بركة الحبش. فلمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى مصر وقام بتدبير أمرها، نقلت أنقاض ظاهر مصر ممّا يلي القاهرة حيث كان العسكر والقطائع، وصار فضاء وكيمانا فيما بين مصر والقاهرة، وفيما بين مصر والقرافة، وتراجعت أحوال الفسطاط بعد ذلك حتى قارب ما كان عليه قبل الشّدّة. وأمّا «حريق مصر» (٢) فكان سببه أنّ الفرنج لمّا تغلّبوا على ممالك الشّام، واستولوا على السّواحل حتى صار بأيديهم ما بين ملطيّة/ إلى بلبيس، إلاّ مدينة دمشق فقط، وصار أمر الوزارة بديار مصر لشاور بن مجير السّعدي، والخليفة يومئذ العاضد لدين اللّه عبد اللّه بن يوسف اسم لا معنى له، وقام في منصب الوزارة بالقوّة في صفر سنة ثمان وخمسين وخمس مائة وتلقّب بأمير الجيوش، وأخذ أموال بني رزّيك وزراء مصر وملوكها من قبله. فلمّا استبدّ بالإمرة، حسده ضرغام صاحب الباب، وجمع جموعا كثيرة وغلب شاور على الوزارة في شهر رمضان منها، فسار شاور إلى الشّام، واستقلّ ضرغام بسلطنة مصر، فكان في هذه السّنة بمصر (¬a) ثلاثة وزراء هم: العادل بن رزّيك بن طلائع بن رزّيك، وشاور بن مجير، وضرغام. فأساء ضرغام السّيرة في قتل أمراء الدولة، وضعفت من أجل ذلك دولة الفاطميين بذهاب رجالها الأكابر (٣). ثم إنّ شاور استنجد بالسّلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشّام، فأنجده وبعث معه عسكرا كثيرا في جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، وقدّم عليه أسد الدين شيركوه، على أن يكون لنور الدين، إذا عاد شاور إلى منصب الوزارة، ثلث خراج مصر بعد إقطاعات العساكر،

стр. 1092

وأن يكون شيركوه عنده بعساكره في مصر ولا يتصرّف إلاّ بأمر نور الدين. فخرج ضرغام بالعسكر وحاربه في بلبيس، فانهزم وعاد إلى مصر، فنزل شاور بمن معه عند التّاج خارج القاهرة، وانتشر عسكره في البلاد، وبعث ضرغام إلى أهل البلاد، فأتوه خوفا من التّرك القادمين معه، وأتته الطائفة الرّيحانيّة والطائفة الجيوشيّة، فامتنعوا بالقاهرة وتطاردوا مع طلائع شاور بأرض الطّبّالة (١). فنزل شاور في المقس، وحارب أهل القاهرة فغلبوه حتى ارتفع إلى بركة الحبش، فنزل على الرّصد فاستولى على مدينة مصر، وأقام أيّاما فمال الناس إليه، وانحرفوا عن ضرغام لأمور. فنزل شاور باللّوق، وكانت بينه وبين ضرغام حروب آلت إلى إحراق الدّور من باب سعادة إلى باب القنطرة خارج القاهرة، وقتل كثير من الفريقين، واختلّ أمر ضرغام وانهزم. فملك شاور القاهرة، وقتل ضرغام آخر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، فأخلف شيركوه ما وعد به السّلطان نور الدين، وأمره بالخروج عن مصر بمن معه (¬a)، فأبى عليه واقتتلا. وكان شير كوه قد بعث بابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب إلى بلبيس ليجمع له الغلال وغيرها من الأموال، فحشد شاور وقاتل الشّاميين، فجرت وقائع. واحترق وجه الخليج خارج القاهرة بأسره وقطعة من حارة زويلة. فبعث شاور إلى الفرنج واستنجد بهم، فطمعوا في البلاد، وخرج ملكهم مرّي [Amaury] من عسقلان بجموعه، فبلغ ذلك شيركوه، فرحل عن القاهرة بعد طول محاصرتها ونزل بلبيس، فاجتمع على قتاله بها شاور وملك الفرنج، وحصروه بها - وكانت إذ ذاك حصينة ذات أسوار - فأقام محصورا مدّة ثلاثة أشهر. وبلغ ذلك نور الدين، فأغار على ما قرب منه من بلاد الفرنج وأخذها من أيديهم، فخافوه ووقع الصّلح مع شيركوه على عوده إلى الشّام، فخرج في ذي الحجّة ولحق بنور الدين. فأقام وفي نفسه من مصر أمر عظيم، إلى أن دخلت سنة اثنتين وستين، فجهّزه نور الدين إلى مصر في جيش قويّ في ربيع الأوّل وسيّره. فبلغ ذلك شاور، فبعث إلى مرّي [Amaury] ملك

стр. 1093

الفرنج يستنجد (¬a) به، فسار بجموع الفرنج حتى نزل بلبيس، فوافاه شاور وأقام حتى قدم شيركوه إلى أطراف مصر، فلم يطق لقاء القوم، فسار حتى خرج من إطفيح إلى جهة بلاد الصّعيد من ناحية بحر القلزم. فبلغ شاور أنّ شير كوه قد ملك بلاد الصّعيد، فسقط في يده، ونهض للفور من بلبيس ومعه الفرنج. فكان من حروبه مع شير كوه ما كان حتى انهزم بالأشمونين، وسار منها بعد الهزيمة إلى الإسكندرية، فملكها وأقرّ بها ابن أخيه صلاح الدين، وخرج إلى الصّعيد، فخرج شاور بالفرنج وحصر الإسكندرية أشدّ حصار، فسار شيركوه من قوص ونزل على القاهرة وحاصرها فرحل إليه (¬b) شاور. وكانت أمور آلت إلى الصّلح، وسار شير كوه بمن معه إلى الشّام في شوّال. فطمع مرّي [Amaury] في البلاد، وجعل له شحنة بالقاهرة، وصارت أسوارها بيد فرسان الفرنج، وتقرّر لهم في كلّ سنة مائة ألف دينار، ثم رحل إلى بلاده وترك بالقاهرة من يثق به من الفرنج، وسار شير كوه إلى الشّام. فتحكّم الفرنج في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقّنوا عجز الدّولة عن مقاومتهم، وانكشفت لهم عورات النّاس، إلى أن دخلت سنة أربع وستين، فجمع مرّي [Amaury] جمعا عظيما من أجناس الفرنج، وأقطعهم بلاد مصر، وسار يريد أخذ مصر. فبعث إليه شاور ليسأله عن سبب مسيره، فاعتلّ بأنّ الفرنج غلبوه على قصد ديار مصر، وأنّه يريد ألفي ألف دينار يرضيهم بها، وسار فنزل على بلبيس وحاصرها حتى أخذها عنوة في صفر فسبى أهلها، وقصد القاهرة. فسيّر العاضد كتبه إلى نور الدين - وفيها شعور نسائه وبناته - يسأله إنقاذ المسلمين من الفرنج. وسار مرّي [Amaury] من بلبيس، فنزل على بركة الحبش - وقد انضمّ النّاس من الأعمال إلى القاهرة - فنادى شاور بمصر ألاّ يقيم بها أحد، وأزعج النّاس في النّقلة منها، فتركوا أموالهم

стр. 1094

وأثقالهم، ونجوا بأنفسهم وأولادهم./ وقد ماج النّاس واضطّربوا كأنّما خرجوا من قبورهم إلى المحشر: لا يعبأ والد بولده، ولا يلتفت أخ إلى أخيه، وبلغ كراء الدّابّة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا، وكراء الجمل (¬a) إلى ثلاثين دينارا. ونزل النّاس (¬b) بالقاهرة في المساجد والحمّامات والأزقّة وعلى الطّرقات، فصاروا مطروحين بعيالهم وأولادهم، وقد سلبوا سائر أموالهم، وينتظرون هجوم العدوّ على القاهرة بالسّيف كما فعل بمدينة بلبيس (١). وبعث شاور إلى مصر بعشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرّق ذلك فيها، فارتفع لهب النار ودخان الحريق إلى السّماء، فصار منظرا مهولا، فاستمرّت النار تأتي على مساكن مصر من اليوم التاسع والعشرين من صفر لتمام أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة من العبيد ورجال الأسطول وغيرهم بهذه المنازل في طلب الخبايا. فلمّا وقع الحريق بمصر، رحل مرّي [Amaury] من بركة الحبش، ونزل بظاهر القاهرة ممّا يلي باب البرقيّة، وقاتل أهلها قتالا كثيرا حتى زلزلوا زلزالا شديدا، وضعفت نفوسهم وكادوا يؤخذون عنوة، فعاد شاور إلى مخاتلة (¬c) الفرنج، وجرت أمور آلت إلى الصّلح على مال (٢). فبينما هم في جبايته، إذ بلغ الفرنج مجيء أسد الدين شير كوه بعساكر الشّام من عند السّلطان نور الدين محمود، فرحلوا في سابع (¬d) ربيع الآخر إلى بلبيس، وساروا منها إلى فاقّوس، فصاروا إلى بلادهم بالسّاحل. ونزل شير كوه بالمقس خارج القاهرة. وكان من قتل شاور واستيلاء شير كوه على مصر ما كان (٣)؛ فمن حينئذ خربت مصر الفسطاط هذا الخراب الذي هو الآن كيمان مصر وتلاشى أمرها، وافتقر أهلها وذهبت أموالهم وزالت نعمهم. فلمّا استبدّ شير كوه بوزارة العاضد، أمر بإحضار أعيان أهل مصر الذين خلوا عن ديارهم في الفتنة وصاروا بالقاهرة، وتغمّم لمصابهم، وسفّه رأي شاور في إحراق المدينة، وأمرهم بالعود إليها. فشكوا إليه ما بهم من الفقر والفاقة وخراب المنازل، وقالوا: إلى أيّ

стр. 1095

موضع (¬a) نرجع؟ وفي أيّ مكان ننزل ونأوي، وقد صارت كما ترى؟ وبكوا وأبكوا، فوعدهم جميلا، وترفّق بهم، وأمر فنودي في النّاس بالرّجوع إلى مصر (١). فتراجع إليها النّاس قليلا قليلا، وعمّروا ما حول الجامع (٢)، إلى أن كانت المحنة من الغلاء والوباء العظيم في سلطنة الملك العادل أبي بكر بن أيّوب لسنتي خمس وستّ وتسعين (¬b) وخمس مائة، فخرب من مصر جانب كبير (٣). ثم تحايا النّاس بها، وأكثروا من العمارة بجانب مصر الغربي على شاطئ النّيل لمّا عمّر الملك الصّالح نجم الدين أيّوب قلعة الرّوضة، وصار بمصر عدّة آدرّ جليلة وأسواق ضخمة. فلمّا كان غلاء مصر والوباء الكائن في سلطنة الملك العادل كتبغا سنة ستّ وتسعين وستّ مائة، خرب كثير من مساكن مصر، وتراجع النّاس بعد ذلك في العمارة إلى سنة تسع وأربعين وسبع مائة، فحدث الفناء الكبير الذي أقفر منه معظم دور مصر وخربت. ثم تحايا النّاس من بعد الوباء، وصار ما يحيط بالجامع العتيق وما على شطّ النّيل عامرا إلى سنة ستّ وسبعين وسبع مائة، فشرقت بلاد مصر، وحدث الوباء بعد الغلاء، فخرب كثير من عامر مصر. ولم تزل تخرب (¬c) شيئا بعد شيء إلى سنة تسعين وسبع مائة، فعظم الخراب في زقاق القناديل (¬d) وخطّ النّخّالين (¬e)، وشرع النّاس في هدم دور مصر وبيع أنقاضها، حتى صارت على ما هي عليه الآن، ﴿وَتِلْكَ اَلْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الآية ٥٩ سورة الكهف].

стр. 1096

ذكر ما قيل في مدينة فسطاط مصر قال ابن رضوان: والمدينة الكبرى اليوم بأرض مصر ذات أربعة أجزاء: الفسطاط، والقاهرة، والجزيرة، والجيزة (¬a). وبعد هذه المدينة عن خطّ الاستواء ثلاثون درجة، والجبل المقطّم في مشرقها (¬b) وبينها وبين مقابر المدينة. وقد قالت الأطبّاء: إنّ أردأ المواضع ما كان الجبل في مشرقه (¬c)، يعوق عنه ريح الصّبا. وأعظم أجزائها هو الفسطاط، ويلي الفسطاط من الغرب النّيل، وعلى شطّ النّيل الغربي أشجار طوال وقصار. وأعظم أجزاء الفسطاط موضع في غور، فإنّه يعلوه من المشرق المقطّم، ومن الجنوب الشّرف، ومن الشّمال الموضع العالي من عمل فوق (١) - أعني الموقف - والعسكر وجامع ابن طولون. ومتى نظرت إلى الفسطاط من الشّرف (¬d)، أو من مكان آخر عال، رأيت وضعها في غور. وقد بيّن أبقراط أنّ المواضع المتسفّلة أسخن من المواضع المرتفعة وأردأ هواء، لاحتقان البخار فيها، ولأنّ ما حولها من المواضع العالية يعوق تخليل (¬e) الرّياح لها. وأزقّة الفسطاط وشوارعها ضيّقة، وأبنيتها عالية، وقد قال روفس (٢): إذا دخلت مدينة فرأيتها ضيّقة الأزقّة مرتفعة البناء، فاهرب منها فإنّها (¬f) وبيئة، أراد أنّ البخار لا ينحلّ (¬g) منها كما ينبغي لضيق الأزقّة وارتفاع البناء. ومن شأن أهل الفسطاط أن يرموا ما يموت في دورهم من السّنانير/ والكلاب ونحوها من الحيوان الذي يخالط الناس في شوارعهم وأزقّتهم، فتتعفّن وتخالط عفونتها الهواء. ومن شأنهم

стр. 1097

أيضا أن يرموا في النّيل الذي يشربون منه فضول حيواناتهم وجيفها، وخرّارات كنفهم تصبّ فيه، وربّما انقطع جري الماء فيشربون هذه العفونة باختلاطها بالماء. وفي خلال الفسطاط مستوقدات عظيمة يصعد منها في الهواء دخان مفرط. وهي أيضا كثيرة الغبار لسخانة أرضها، حتى إنّك ترى الهواء في أيام الصّيف كدرا يأخذ بالنّفس، ويتّسخ الثّوب النّظيف في اليوم الواحد، وإذا مرّ الإنسان في حاجة لم يرجع إلاّ وقد اجتمع في وجهه ولحيته غبار كثير، ويعلوها في العشيّات - خاصّة في أيام الصّيف - بخار كدر أسود وأغبر، سيّما إذا كان الهواء سليما من الرّياح. وإذا كانت هذه الأشياء كما وصفنا، فمن البيّن أنّه تصيّر (¬a) الرّوح الحيواني الذي فينا (¬b) حاله كهذه الحال، فيتولّد إذن في البدن من هذه الأعراض فضول كثيرة واستعدادت نحو العفن، إلاّ أنّ إلف أهل الفسطاط لهذه الحال وأنسهم بها، يعوق عنهم أكثر شرّها، وإن كانوا على كلّ حال أسرع أهل مصر وقوعا في الأمراض. وما يلي النّيل من الفسطاط يجب أن يكون أرطب ممّا يلي الصّحراء، وأهل الشّرف (¬c) أصلح حالا لتخرّق الرّياح لدورهم، وكذلك عمل فوق والحمراء، إلاّ أنّ أهل الشّرف [ماؤهم] (¬d) الذي يشربونه أجود، لأنّه يستقى قبل أن تخالطه عفونة الفسطاط. فأمّا القرافة فأجود هذه المواضع (١)؛ لأنّ المقطّم يعوّق بخار الفسطاط من المرور بها، وإذا هبّت ريح الشّمال مرّت بأجزاء كثيرة من بخار الفسطاط والقاهرة على الشّرف فغيّرت حاله. وظاهر أنّ المواضع المكشوفة في هذه المدينة هي أصحّ هواء، وكذلك حال المواضع المرتفعة (٢) وأردأ موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى ما يلي النّيل والسّواحل. وإذا كان في الشّتاء وأوّل الرّبيع، حمل من بحر الملح سمك كثير، فيصل إلى هذه المدينة وقد عفن وصارت له رائحة منكرة جدّا فيباع في القاهرة، ويأكله أهلها وأهل الفسطاط فيجتمع في أبدانهم منه فضول كثيرة عفنة؛ فلولا اعتدال أمزجتهم، وصحّة أبدانهم في هذا الزّمان، لكان ذلك يولّد في أبدانهم أمراضا كثيرة قاتلة، إلاّ أنّ قوّة الاستمرار تعوق عن ذلك.

стр. 1098

وربّما انقطع النّيل في آخر الرّبيع وأوّل الصّيف من جهة الفسطاط، فيعفن بكثرة ما يلقى فيه، إلى أن يبلغ عفنه إلى أن تصير له رائحة منكرة محسوسة. وظاهر أنّ هذا الماء إذا صار على هذه الحال غيّر مزاج النّاس تغيّرا محسوسا (١). قال: فمن البينّ أن أهل هذه المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض، ما خلا أهل الفيّوم فإنّها أيضا قرية (¬a). وأردأ ما في المدينة [الكبرى] (¬b) الموضع الغائر من الفسطاط. ولذلك غلب على أهلها الجبن وقلّة الكرم، وأنّه ليس أحد منهم يغيث ولا يضيّف الغريب إلاّ في النادر، وصاروا من السّعاية والاغتياب على أمر عظيم. ولقد بلغ بهم الجبن إلى أنّ خمسة أعوان تسوق منهم مائة رجل وأكثر، ويسوق الأعوان المذكورين رجل واحد من أهل البلدان الأخر وممّن قد تدرّب في الحرب. فقد استبان إذن العلّة والسّبب في أن صار أهل المدينة الكبرى بأرض مصر أسرع وقوعا في الأمراض من جميع أهل هذه الأرض، وأضعف أنفسا. ولعلّ لهذا السّبب اختار القدماء اتّخاذ المدينة في غير هذا الموضع: فمنهم من جعلها بمنف وهي مصر القديمة، ومنهم من جعلها بالإسكندرية، ومنهم من جعلها بغير هذه المواضع، ويدلّ على ذلك آثارهم (٢). وقال ابن سعيد عن كتاب «الكمائم» (٣): وأمّا فسطاط مصر فإنّ مبانيها كانت في القديم متّصلة بمباني مدينة عين شمس، وجاء الإسلام وبها بناء يعرف بالقصر حوله مساكن، وعليه نزل عمرو بن العاص، وضرب فسطاطه، حيث المسجد الجامع المنسوب إليه. ثم لمّا فتحها قسم

стр. 1099

المنازل على القبائل، ونسبت المدينة إليه، فقيل «فسطاط عمرو»، وتداولت عليها بعد ذلك ولاة مصر فاتّخذوها سريرا للسّلطنة، وتضاعفت عمارتها، فأقبل النّاس من كلّ جانب إليها، وقصروا أمانيهم عليها، إلى أن رسخت بها دولة بني طولون، فبنوا إلى جانبها المنازل المعروفة ب «القطائع»، وبها كان مسجد ابن طولون الذي هو الآن إلى جانب القاهرة. وهي مدينة مستطيلة يمرّ النّيل مع طولها، ويحطّ في ساحلها المراكب الآتية من شمال النّيل وجنوبه بأنواع الفوائد، ولها متنزّهات، وهي في الإقليم الثالث، ولا ينزل فيها مطر إلاّ في النادر، وترابها تثيره الأرجل وهو قبيح اللّون تتكدّر منه أرجاؤها ويسوء بسببه هواؤها، ولها أسواق ضخمة إلاّ أنّها ضيّقة، ومبانيها بالقصب والطوب طبقة على طبقة. ومذ بنيت القاهرة ضعفت مدينة الفسطاط، وفرّط في الاغتباط بها بعد الإفراط، وبينهما نحو ميلين. (¬a) وأنشدت فيها للشّريف (¬a) العقيلي (١): [الطويل] أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنّني … لأدعو لها أن لا يحلّ بها القطر / وهل في الحيا من حاجة لجنابها … وفي كلّ قطر من جوانبها نهر تبدّت عروسا والمقطّم تاجها … ومن نيلها عقد كما انتظم الدّرّ (٢) وقال عن كتاب أجار (¬b): فالفسطاط هي قصبة مصر، والجبل المقطّم شرقها وهو متّصل بجبل الزّمرّد (٣). وقال عن كتاب ابن حوقل: والفسطاط مدينة حسنة ينقسم النّيل لديها، وهي كبيرة نحو ثلث بغداد، ومقدارها نحو فرسخ، على غاية العمارة [والخصب] (¬c) والطيبة واللّذّة، ذات رحاب

стр. 1100

في محالّها، وأسواق عظام فيها ضيق ومتاجر فخام، ولها ظاهر أنيق وبساتين نضرة، ومتنزّهات على ممرّ الأيام خضرة. وفي الفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب إليها كالبصرة والكوفة، إلاّ أنّها أقلّ من ذلك، وهي سبخة الأرض، غير نقيّة التّربة، وتكون بها الدّار سبع طبقات وستّا وخمسا، وربّما يسكن في الدّار المائتان من النّاس، [وبالفسطاط دار تعرف بدار عبد العزيز، يصبّ فيها لمن بها في كلّ يوم أربع مائة راوية من ماء] (¬a)، ومعظم بنيانهم بالطّوب، وأسفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان للجمعة: بنى أحدهما عمرو بن العاص في وسط الفسطاط (¬b)، والآخر على الموقف بناه أحمد بن طولون. وكان خارج الفسطاط أبنية بناها أحمد بن طولون ميلا في ميل، يسكنها جنده تعرف ب «القطائع»، كما بنى بنو الأغلب خارج القيروان رقّادة؛ وقد خربتا في وقتنا هذا، وأخلف اللّه بدل القطائع - بظاهر مدينة الفسطاط - القاهرة (١). قال ابن سعيد: ولمّا استقررت بالقاهرة تشوّقت إلى معاينة الفسطاط، فسار معي أحد أصحاب العزمة، فرأيت عند باب زويلة من الحمير المعدّة لركوب من يسير إلى الفسطاط جملة عظيمة لا عهد لي بمثلها في بلد، فركب منها حمارا وأشار إليّ أن اركب حمارا آخر، فأنفت من ذلك، جريا على عادة ما خلّفته في بلاد المغرب، فأعلمني أنّه غير معيب على أعيان مصر، وعاينت الفقهاء وأصحاب البزّة والسّادة الظاهرة يركبونها، فركبت. وعند ما استويت راكبا، أشار المكاريّ على الحمار فطار بي، وأثار من الغبار الأسود ما أعمى عينيّ ودنّس ثيابي، وعاينت ما كرهته. ولقلّة معرفتي بركوب الحمار وشدّة عدوه على قانون لم أعهده، وقلّة رفق المكاري، وقعت (¬c) في تلك الظّلمة المثارة من ذلك العجاج، فقلت: [المتقارب] لقيت بمصر أشدّ البوار … ركوب الحمار وكحل الغبار وخلفي مكار يفوق الرّيا … ح لا يعرف الرّفق مهما استطار

стр. 1101

أناديه مهلا فلا يرعوي … إلى أن سجدت سجود العثار وقد مدّ فوقي رواق الثّرى … وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك إليّ أن تتركني أمشي على رجلي، ومشيت إلى أن بلغتها، وقدّرت في (¬a) الطريق بين القاهرة والفسطاط، وحقّقته (¬b) بعد ذلك نحو الميلين. ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عنّي المسرّة، وتأمّلت أسوارا مثلمة سوداء، وآفاقا مغبرّة، ودخلت من بابها وهو دون غلق، مفض إلى خراب معمور بمبان مشتّتة (¬c) الوضع غير مستقيمة الشّوارع، قد بنيت من الطّوب الأدكن والقصب والنّخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التّراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النّظيف ويغضّ طرف الظّريف. فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى أن سرت في أسواقها الضّيّقة، فقاسيت من ازدحام النّاس فيها بحوائج السّوق، والرّوايا التي على الجمال، ما لا يفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضدّه في جامع إشبيليّة وجامع مرّاكش. ثم دخلت إليه، فعاينت جامعا كبيرا قديم البناء، غير مزخرف ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه وتبسط فيه، وأبصرت العامّة رجالا ونساء قد جعلوه معبرا بأوطئة أقدامهم، يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرّب عليهم الطّريق، والبيّاعون يبيعون فيه أصناف المكسّرات والكعك وما جرى مجرى ذلك، والنّاس يأكلون منه في أمكنة عديدة غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدّة صبيان بأواني ماء يطوفون على من يأكل قد جعلوا ما يحصل لهم منهم رزقا، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع وفي زواياه، والعنكبوت قد عظم نسجه في السّقوف والأركان والحيطان، والصّبيان يلعبون في صحنه، وحيطانه مكتوبة بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة من كتب فقراء العامّة، إلاّ أنّ مع هذا كلّه على الجامع المذكور من الرّونق وحسن القبول وانبساط النّفس، ما لا تجده في جامع إشبيليّة مع زخرفته والبستان الذي في صحنه (١).

стр. 1102

ولقد تأمّلت ما وجدت فيه من الارتياح والأنس دون منظر يوجب ذلك، فعلمت أنّه سرّ مودع من وقوف الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - في ساحته عند بنائه، واستحسنت ما أبصرته فيه من حلق المصدّرين لإقراء القرآن والفقه والنّحو في عدّة أماكن، وسألت عن موارد أرزاقهم فأخبرت أنّها من فروض الزّكاة وما أشبه ذلك/، ثم أخبرت أنّ اقتضاءها يصعب إلاّ بالجاه والتّعب. ثم انفصلنا من هنالك إلى ساحل النّيل، فرأيت ساحلا كدر التّربة، غير نظيف ولا متّسع السّاحة ولا مستقيم الاستطالة ولا عليه سور أبيض، إلاّ أنّه مع ذلك كثير العمارة بالمراكب وأصناف الأرزاق التي تصل من جميع أقطار الأرض والنّيل، ولئن قلت إنّي لم أبصر على نهر ما أبصرته على ذلك السّاحل، فإنّي أقول حقّا. والنّيل هنالك ضيّق لكون الجزيرة التي بنى فيها سلطان الدّيار المصرية الآن (١) قلعته، قد توسّطت الماء، ومالت إلى جهة الفسطاط، وبحسن سورها المبيّض الشّامخ حسن منظر الفرجة في ذلك السّاحل. وقد ذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربي - المعروف ببرّ الجيزة - جسر آخر من الجزيرة إليه (٢). وأكثر جواز النّاس بأنفسهم ودوابهم في المراكب؛ لأنّ هذين الجسرين قد اخترما بحصولهما في حيّز قلعة السّلطان، ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الجزيرة والفسطاط راكبا احتراما لموضع السّلطان (٣). وبتنا في ليلة ذلك اليوم بطيّارة (٤) مرتفعة على جانب النّيل، فقلت: [الطويل] نزلنا من الفسطاط أحسن (¬a) منزل … بحيث امتداد النّيل قد دار كالعقد وقد جمعت فيه المراكب سحرة … كسرب قطا أضحى يرفّ على ورد

стр. 1103

وأصبح يطغو (¬a) الموج فيه ويرتمي … ويطفو حنانا وهو يلعب بالنّرد غدا ماؤه كالرّيق ممّن أحبّه … فمدّت عليه حلية من حلى الخدّ وقد كان مثل الزّهر من قبل مدّه … فأصبح لمّا زاده المدّ كالورد قلت هذا لأنّي لم أذق في المياه أحلى من مائه، وأنّه يكون قبل المدّ الذي يزيد به ويفيض على أقطاره أبيض، فإذا كان عباب النّيل صار أحمر. وأنشدني علم الدّين فخر التّرك أيدمر (١)، عتيق وزير الجزيرة، في مدح الفسطاط وأهلها (٢): [الرمل] حبّذا الفسطاط من والدة … جنّبت أولادها درّ الجفا يرد النّيل إليها كدرا … فإذا مازج أهليها صفا لطفوا فالمزن لا يألفهم … خجلا لمّا رآهم ألطفا ولم أر في أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط حتى أنّهم ألطف من أهل القاهرة وبينهما نحو ميلين. وجملة الحال أنّ أهل الفسطاط في نهاية من اللّطافة واللّين في الكلام، وتحت ذلك من الملق وقلّة المبالاة برعاية قدم الصّحبة وكثرة الممازجة والألفة ما يطول ذكره (٣). وأمّا ما يرد على الفسطاط من متاجر البحر الإسكندراني والبحر الحجازي فإنّه فوق ما يوصف، وبها مجمع ذلك لا بالقاهرة، ومنها تجهّز إلى القاهرة وسائر البلاد.

стр. 1104

وبالفسطاط مطابخ السّكّر والصّابون ومعظم ما يجري هذا المجرى، لأنّ القاهرة بنيت للاختصاص بالجند، كما أنّ جميع زيّ الجند بالقاهرة أعظم منه بالفسطاط، وكذلك ما ينسج ويصاغ وسائر ما يعمل من الأشياء الرّفيعة السّلطانية. والخراب في الفسطاط كثير، والقاهرة أجدّ وأعمر وأكثر زحمة بسبب انتقال السّلطان إليها، وسكنى الأجناد فيها. وقد نفخ روح الاعتناء والنّموّ في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصّالحيّة، وكثير من الجند قد انتقل إليها للقرب من الخدمة، وبنى على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر (١)، يعني ابن سعيد ما بني على شقّة مصر من جهة النّيل. ذكر ما عليه مدينة مصر الآن وصفتها قد تقدّم من الأخبار جملة تدلّ على عظم ما كان بمدينة فسطاط مصر من المباني وكثرتها، ثم الأسباب التي أوجبت خرابها. وآخر ما رأيت من الكتب التي صنّفت في خطط مصر كتاب «إيقاظ المتغفّل واتّعاظ المتأمّل»، تأليف القاضي الرئيس تاج الدّين محمد بن عبد الوهّاب بن المتوّج الزّبيري ﵀ وقطع على سنة خمس وعشرين وسبع مائة (٢). فذكر من الأخطاط المشهورة بذاتها لعهده اثنين وخمسين خطّا، ومن الحارات اثنتي عشرة حارة، ومن الأزقّة المشهورة ستة وثمانين زقاقا، ومن الدّروب المشهورة ثلاثة وخمسين دربا، ومن الخوخ المشهورة خمسا وعشرين خوخة، ومن الأسواق المشهورة تسعة عشر سوقا، ومن الخطط المشهورة بالدور ثلاثة عشر خطّا (¬a)، ومن الرّحاب المشهورة خمس عشرة رحبة، ومن العقبات المشهورة إحدى عشرة عقبة، ومن الكيمان المسمّاة ستة كيمان، ومن الأقباء عشرة أقباء، ومن البرك خمس برك، ومن السّقائف خمسا وستين سقيفة، ومن القياسر/ سبع قياسر، ومن مطابخ السّكّر العامرة ستة وستين مطبخا (٣)، ومن الشّوارع ستّة شوارع، ومن المحارس عشرين محرسا، ومن الجوامع

стр. 1105

التي تقام فيها الجمعة بمصر وظاهرها من الجزيرة والقرافة أربعة عشر جامعا، ومن المساجد أربع مائة وثمانين مسجدا، ومن المدارس سبع عشرة مدرسة، ومن الزّوايا ثماني زوايا، ومن الرّبط التي بمصر والقرافة بضعا وأربعين رباطا، ومن الأحباس والأوقاف كثيرا، ومن الحمّامات بضعا وسبعين حمّاما، ومن الكنائس وديارات النّصارى ثلاثين ما بين دير وكنيسة. وقد باد أكثر ما ذكره ودثر، وسيرد ما قاله من ذلك في مواضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى. (¬a) فأمّا هاهنا فإنّي ذاكر إن شاء اللّه جملة ما عليه الحال في مدينة مصر (¬a)، فأقول (¬b) (١): إنّ مدينة مصر محدودة الآن بحدود أربعة: فحدّها الشرقيّ اليوم من قلعة الجبل وأنت آخذ إلى باب القرافة، فتمرّ من داخل السّور الفاصل بين القرافة ومصر إلى كوم الجارح، وتمرّ من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهي إلى الرّصد حيث أوّل بركة الحبش؛ فهذا طول مصر من جهة الشّرق (¬c)، وكان يقال لهذه الجهة «عمل فوق» (٢). وحدّها الغربي من قناطر السّباع خارج القاهرة إلى موردة الحلفاء، وتأخذ على شاطئ النّيل إلى دير الطّين، فهذا أيضا طولها من جهة الغرب. وحدّها القبليّ من شاطئ النّيل بدير الطّين حيث ينتهي الحدّ الغربي، إلى بركة الحبش تحت الرّصد حيث انتهى الحدّ الشّرقي، فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التي تسمّيها أهل مصر الجهة القبليّة. وحدّها البحري من قناطر السّباع، حيث ابتداء الحدّ الغربي، إلى قلعة الجبل حيث ابتداء الحدّ الشرقي، فهذا عرض مصر من جهة الشّمال التي تعرف بمصر بالجهة البحريّة (٣). وما بين هذه الجهات الأربع فإنّه يطلق عليه الآن «مصر»، فيكون أوّل عرض مصر في الغرب بحر النّيل، وآخر عرضها في الشرق أوّل القرافة، وأوّل طولها من قناطر السّباع، وآخره بركة

стр. 1106

الحبش. فإذا عرفت ذلك، ففي الجهة الغربية خطّ السّبع سقايات، ويجاوره الخليج، وعليه من شرقية حكر آقبغا، ومن غربيه المريس (١) ومنشأة المهراني، ويحاذي المنشأة من شرقيّ الخليج خطّ قنطرة السّدّ وخطّ بين الزّقاقين وخطّ موردة الحلفاء وخطّ الجامع الجديد، ومن شرقي خطّ الجامع الجديد خطّ المراغة (٢)، ويتّصل به خطّ الكبارة وخطّ المعاريج، ويجاور خطّ الجامع الجديد من بحريه الدور التي تطلّ على النّيل، وهي متّصلة إلى جسر الأفرم المتّصل بدير الطّين وما جاوره إلى بركة الحبش. وهذه الجهة هي أعمر ما في مصر الآن. وأمّا الجهة الشّرقية فليس فيها شيء عامر إلاّ قلعة الجبل وخطّ المراغة المجاور لباب القرافة إلى مشهد السّيّدة نفيسة، ويجاور خطّ مشهد السّيّدة نفيسة من قبليه الفضاء الذي كان موضع الموقف والعسكر إلى كوم الجارح، ثم خطّ كوم الجارح، وما بين كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش تحت الرّصد فإنّه كيمان. وهي الخطط التي ذكرها القضاعي، وخربت في الشّدّة العظمى زمن المستنصر، وعند حريق شاور لمصر كما تقدّم (٣). وأمّا عرض مصر الذي من قناطر السّباع إلى القلعة فإنّه عامر، ويشتمل على بركة الفيل الصغرى بجوار خطّ السّبع سقايات، ويجاور الدّور التي على هذه البركة من شرقيها خطّ الكبش، ثم خطّ جامع أحمد بن طولون، ثم خطّ القبيبات، وينتهي إلى الفضاء الذي يتّصل بقلعة الجبل. وأمّا عرض مصر الذي من شاطئ النّيل بخطّ دير الطّين إلى تحت الرّصد حيث بركة الحبش، فليس فيه عمارة سوى خطّ دير الطّين، وما عدا ذلك فقد خرب بخراب الخطط، وكان فيه خطّه (¬a) بني وائل وخطّه (¬b) راشدة، فأمّا خطّ السّبع سقايات فإنّه من جملة الحمراء الدّنيا، وسيرد عند ذكر الأخطاط إن شاء اللّه، وما عدا ذلك فإنّه يتبينّ من ذكر ساحل مصر (٤).

стр. 1107

ذكر ساحل النّيل بمدينة مصر قد تقدّم أنّ مدينة فسطاط مصر اختطّها المسلمون حول جامع عمرو بن العاص وقصر الشّمع، وأنّ بحر النّيل كان ينتهى إلى باب قصر الشّمع الغربي المعروف بالباب الجديد. ولم يكن عند فتح أرض مصر بين جامع عمرو وبين النّيل حائل؛ ثم انحسر ماء النّيل عن أرض تجاه الجامع وقصر الشّمع، فابتنى فيها عبد العزيز بن مروان، وحاز منه بشر بن مروان لمّا قدم على أخيه عبد العزيز، ثم حاز منه هشام بن عبد الملك في خلافته وبنى فيه. فلمّا زالت دولة بني أميّة، قبض ذلك في الصّوافي (١)، ثم أقطعه الرّشيد السّريّ بن الحكم، فصار في يد ورثته من بعده يكترونه ويأخذون حكره. وذلك أنّه كان قد اختطّ فيها المسلمون شيئا بعد شيء، وصار شاطئ النّيل - بعد انحسار ماء النّيل عن الأرض المذكورة - حيث الموضع الذي يعرف اليوم بسوق المعاريج. قال القضاعيّ: كان ساحل أسفل الأرض بإزاء المعاريج/ القديم، وكانت آثار المعاريج قائمة سبع درج حول ساحل البيما إلى ساحل البوري اليوم، فعرف ساحل البوري بالمعاريج الجديد (٢) - يعني بالمعاريج الجديد موضع سوق المعاريج اليوم. وكان من جملة خطط مدينة فسطاط مصر الحمراوات الثّلاث (٣): فالحمراء الأولى من جملتها سوق وردان، وكان يشرف بغربيه على النّيل، ويجاوره الحمراء الوسطى، ومن بعضها الموضع الذي يعرف اليوم بالكبارة وكانت على النّيل أيضا، وبجانب الكبارة الحمراء القصوى، وهي من بحريّ الحمراء الوسطى إلى الموضع الذي هو اليوم خطّ قناطر السّباع، ومن جملة الحمراء القصوى خطّ خليج مصر من حدّ قناطر السّباع إلى تجاه قنطرة السّدّ من شرقيها، وبآخر الحمراء القصوى الكبش وجبل يشكر. وكان الكبش يشرف على النّيل من غربيه، وكان السّاحل القديم فيما بين سوق المعاريج اليوم إلى دار التّفّاح بمصر وأنت مارّ إلى باب مصر بجوار الكبارة، وموضع الكوم المجاور لباب مصر من شرقيه.

стр. 1108

فلمّا خربت مصر بحريق شاور بن مجير إياها، صار هذا الكوم من حينئذ وعرف بكوم المشانيق، فإنّه كان يشنق بأعلاه أرباب الجرائم (١)، ثم بنى النّاس فوقه دورا فعرف إلى يومنا هذا بكوم الكبارة. وكان يقال لما بين سوق المعاريج وهذا الكوم لمّا كان ساحل النّيل «القالوص». قال القضاعيّ: رأيت بخطّ جماعة من العلماء «القالوص» بألف، والذي يكتب في هذا الزّمان «القلوص» بحذف الألف. فأمّا القلوص بحذف الألف فهي من الإبل والنّعام الشّابّة، وجمعها قلص وقلاص وقلائص. والقلوص من الحبارى الأنثى الصغيرة (٢). فلعلّ هذا المكان سمّي بالقلوص لأنّه في مقابلة الجمل الذي كان على باب الرّيحان، الذي يأتي ذكره في عجائب مصر (٣). وأمّا «القالوص» بالألف فهي كلمة رومية، ومعناها بالعربية «مرحبا بك»، ولعلّ الرّوم كانوا يصفّقون لراكب هذا الجمل، ويقولون هذه الكلمة على عادتهم (٤). وقال ابن المتوّج: والسّاحل القديم أوّله من باب مصر المذكور - يعني المجاور للكبارة - وإلى المعاريج جميعه كان بحرا يجري فيه ماء النّيل، وقيل: إنّ سوق المعاريج كان موردة سوق السّمك (٥)، يعني ما ذكره القضاعيّ من أنّه كان يعرف بساحل البوري ثم عرف بالمعاريج الجديد. قال ابن المتوّج: ونقل أنّ بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان (¬a) كان مكانه بحر النّيل وأنّ الجرف ربا فيه ونقل أنّ بستان ابن كيسان (¬a) كان صناعة العمارة. وأدركت أنا فيه بابها، ورأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتّصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدّواب الآن. قال كاتبه (¬b): بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم، وهو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة، وهو جار في وقف الخانقاه، التي تعرف بالواصلة، بين الزّقاقين. وحوض ابن كيسان يعرف اليوم بحوض الطّواشي تجاه غيط الجرف المذكور، يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة - وقد ذكر خبر هذه الصّناعة عند ذكر مناظر الخلفاء (٦) - ويعرف بستان ابن كيسان

стр. 1109

اليوم ببستان الطّواشي أيضا، وبين بستان الجرف وبستان الطّواشي هذا مراغة مصر المسلوك فيها (¬a) إلى الكبارة وباب مصر. وقال ابن المتوّج: ورأيت من نقل عمّن نقل عمّن رأى هذا القلوص يتّصل إلى آدرّ الساحل القديم، وأنّه شاهد ما عليه من العمائر المطلّة على بحر النّيل من الرّباع والدور المطلّة، ما عدا (¬b) الأسطال التي كانت بالطّاقات المطلّة عليه (¬c)، فكانت عدّتها ستة عشر ألف سطل مؤبّدة ببكر فيها أطناب ترخى بها وتملأ (١). أخبرني بذلك من أثق بنقله، وقال: إنّه أخبره من يثق به متّصلا بالمشاهد له الموثوق به. قال: وباب مصر الآن بين البستان الذي قبليّ الجامع الجديد - يعني بستان العالمة - وبين كوم المشانيق - يعني كوم الكبارة -، ورأيت السّور يتّصل به إلى دار النّحاس، وجميع ما بظاهره شون. ولم يزل هذا السّور القديم، الذي هو قبليّ بستان العالمة (٢)، موجودا أراه وأعرفه، إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشّابين القديمة الأمير حسام الدّين طرنطاي المنصوري، فأجّر مكانه للعامّة. وصار كلّ من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللّبن، وقلع الأساس الحجر وبنى به، فزال السّور المذكور، ثم حدث السّاحل الجديد. قال كاتبه (¬d): وهذا الباب الذي ذكره ابن المتوّج، كان يقال له باب السّاحل. وأوّل حفر ساحل مصر في سنة ستّ وثلاثين وثلاث مائة، وذلك أنّه جفّ النّيل عن برّ مصر حتى احتاج النّاس أن يستقوا من بحر (¬e) الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر - التي تدعى الآن بالرّوضة - وبين الجيزة، وصار النّاس يمشون هم والدّواب إلى الجزيرة، فحفر الأستاذ كافور الإخشيدي - وهو يومئذ (¬f) قائم بتدبير أمر الأمير أبي القاسم أونوجور (¬f) بن الإخشيد - خليجا حتى اتّصل بخليج بني وائل، ودخل الماء إلى ساحل مصر؛ وذلك (¬g) أنّه لمّا كان قبل سنة ستّ مائة، تقلّص الماء عن ساحل مصر القديم (¬h)، وصار في زمن الاحتراق يقلّ حتى تصير الطّريق إلى المقياس يبسا. فلمّا

стр. 1110

كان في سنة ثمان وعشرين وستّ مائة، خاف السّلطان الملك الكامل/ محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب من تباعد البحر عن العمران بمصر، فاهتمّ بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التّمر الفاضلية، وعمل فيه بنفسه، فوافقه على العمل في ذلك الجمّ الغفير، واستوى في المساعدة السّوقة والأمير، وقسّط مكان الحفر على الدّور التي (¬a) بالقاهرة ومصر والرّوضة بالقياس (¬b). فاستمرّ العمل فيه من مستهلّ شعبان إلى سلخ شوّال مدّة ثلاثة أشهر، حتى صار الماء يحيط بالمقياس وجزيرة الرّوضة دائما بعد ما كان عند الزّيادة يصير جدولا رقيقا في ذيل الرّوضة، فإذا اتّصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر. فلمّا كانت أيّام الملك الصّالح، وعمّر قلعة الرّوضة، أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرا فيما دار بالرّوضة، فأخذ في الاهتمام بذلك، وغرّق عدّة مراكب مملوءة بالحجارة في برّ الجيزة - تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر ومن قبلي جزيرة الرّوضة - فانعكس الماء، وعمل البحر من حينئذ قليلا قليلا، وتكاثف أوّلا فأوّلا وقطع كثيرا من برّ مصر (¬c) من دار الملك إلى قريب المقس، وقطع المنشأة الفاضلية. قال ابن المتوّج عن موضع الجامع الجديد: وكان في الدّولة الصّالحية - يعني الملك الصّالح نجم الدين أيّوب - رملة تمرّغ النّاس فيها الدّوابّ في زمن احتراق النّيل وجفاف البحر الذي هو أمامها؛ فلمّا عمّر السّلطان الملك الصّالح قلعة الجزيرة؛ وصار في كلّ سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه ويطرح بعض رمله في هذه البقعة، شرع خواصّ السّلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر (١). فذكر من عمّر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزّيّة، وذكر ما وراء هذه الدّور من بستان العالمة المطلّ عليه الجامع الجديد وغيره، ثم قال: وإنّما عرف بالعالمة لأنّه كان قد حلّه السّلطان الملك الصّالح لهذه العالمة، فعمّرت بجانبه منظرة لها، وكان الماء يدخل من النّيل لباب المنظرة المذكورة، فلمّا توفّيت بقي البستان مدّة في يد ورثتها ثم أخذ منهم (٢).

стр. 1111

وذكر أنّ بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونا للأتبان السّلطانية، وكذلك ما يجاورها. فلمّا عمّر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون الجامع الجديد، كثرت العمائر من حدّ موردة الحلفاء على شاطئ النّيل حتى اتّصلت بدير الطّين، وعمّر أيضا ما وراء الجامع من حدّ باب مصر - الذي كان بحرا كما تقدّم - إلى حدّ قنطرة السّدّ (١). وأدركنا ذلك كلّه على غاية العمارة، وقد اختلّ منذ الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة، فخرب خطّ بين الزّقاقين المطلّ من غربيه على الخليج ومن شرقيه على بستان الجرف، ولم يبق به إلاّ قليل من الدّور. وموضعه - كما تقدّم - كان في قديم الزّمان غامرا بماء النّيل، ثم ربّى جرفا وهو بين الزّقاقين المذكور، فعمر عمارة كبيرة، ثم خرب الآن، وخرب أيضا خطّ موردة الحلفاء، وكان في القديم غامرا بالماء. فلمّا ربّى النّيل الجرف المذكور، وتربّت الجزيرة قدّام السّاحل القديم - الذي هو الآن الكبارة إلى المعاريج - وأنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون الجامع الجديد، عمرت موردة الحلفاء هذه، واتّصلت من بحريها بمنشأة المهراني، ومن قبليها بالأملاك التي تمتد من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطّين، وصارت موردة (¬a) عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها، ويملؤ منها النّاس الرّوايا. وكان البحر لا يبرح طول السّنة هناك، ثم صار ينشف في فصل الرّبيع والصّيف، واستمرّ على ذلك إلى يومنا هذا، وخرب ما خلف الجامع الجديد أيضا من الأماكن التي كانت بحرا تجاه السّاحل القديم، ثم لمّا انحسر الماء صارت مراغة للدّواب، فعرفت اليوم ب «المراغة»؛ وهي من آخر قنطرة السّدّ إلى قريب من الكبارة، ويحصرها من غربيها بستان الجرف - المقدّم ذكره - وعدّة دور كانت بستانا وشونا إلى باب مصر، ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة، وعرف الآن ببستان الطّواشي، ولم يبق الآن بخطّ المراغة إلاّ مساكن يسيرة حقيرة (٢).

стр. 1112

ذكر المنشأة اعلم أنّ خليج مصر كان يخرج من بحر النّيل فيمرّ بطريق الحمراء القصوى، وكان في الجانب الغربي من هذا الخليج عدّة بساتين من جملتها بستان عرف ببستان الخشّاب، ثم خرب هذا البستان، وموضعه الآن يعرف بالمريس. فلمّا كان بعد الخمس مائة من سني الهجرة، انحسر النّيل عن أرض فيما بين ميدان اللّوق - الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء اللّه (١) - وبين بستان الخشّاب المذكور، فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل؛ لأنّ القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني أنشأ بها بستانا عظيما كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه، وعمّر بجانبه جامعا، وبنى حوله، فقيل لتلك الخطّة منشأة الفاضل. وكثرت بها العمارة، وأنشأ بها موفّق الدين محمد بن أبي بكر المهدوي العثماني الدّيباجي (٢) بستانا دفع له فيه ألف دينار في الأيام الظّاهرية بيبرس (¬a)، وكان الصّرف قد بلغ/ كلّ دينار ثمانية وعشرين درهما ونصفا. فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه، وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدّور، وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر. وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب، بعد خراب بستان الفاضل هذا بمدّة سنين عديدة (¬b): «رحم اللّه الفاضل يا عنب»، إشارة لكثرة أعناب بستان الفاضل وحسنها (٣). وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستّ مائة، وكان الموفّق الدّيباجي المذكور يتولّى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة، فلمّا تلف الجامع باستيلاء النّيل عليه، سأل الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا، وألحّ عليه - وكان من ألزامه - حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهراني.

стр. 1113

و «منشأة المهراني» هذه موضعها فيما بين النّيل والخليج، وفيها من الحمراء القصوى فوّهة الخليج انحسر عنها ماء النّيل قديما، وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنّه كان يعمل فيها أقمنة الطّوب. فلمّا سأل الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا الملك الظّاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان، ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل، أجابه إلى ذلك، وأنشأ الجامع بخطّ الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع (١). فأنشأ هناك الأمير سيف الدّين بلبان المهراني دارا وسكنها، وبنى مسجدا، فعرفت هذه الخطّة به، وقيل لها منشأة المهراني، فإنّ المهراني المذكور أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع. وتتابع النّاس في البناء بمنشأة المهراني، وأكثروا من العمائر حتى يقال إنّه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة، سوى من كان هناك من الوزراء وأماثل الكتّاب وأعيان القضاة ووجوه النّاس، ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت، وبها الآن بقيّة يسيرة من الدّور. ويتّصل بخطّ الجامع الجديد خطّ دار النّحاس، وهو مطلّ على النّيل. «ودار النّحاس» هذه من الدّور القديمة وقد دثرت، وصار الخطّ يعرف بها. قال القضاعيّ: دار النّحاس اختطّها وردان مولى عمرو بن العاص، فكتب مسلمة بن مخلد - وهو أمير مصر - إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانا، فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها، وعوّضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن (٢). وقال ربيعة: كانت هذه الدّار من خطّة الحجر من الأزد، فاشتراها عمرو بن مروان وبناها، فكانت في يد ولده، وقبضت عنهم وبيعت في الصّوافي سنة ثمان وثلاث مائة، ثم صارت إلى شمول الإخشيدي، فبناها قيساريّة وحمّاما، فصارت دار النّحاس قيساريّة شمول. وقال ابن المتوّج: دار النّحاس خطّ نسب لدار النّحاس، وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين: أحدهما من رحبة أمامه، والثاني شارع بالسّاحل القديم (٣). وبآخر هذه الشّقّة التي تطلّ على النّيل «جسر الأفرم»، وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزّيّة وبين رباط الآثار (٤)، كان مطلاّ على النّيل (¬a)، والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط

стр. 1114

النّيل، وعرف بالأمير عزّ الدين أيدمر الأفرم الصّالحي النّجمي أمير جندار، وذلك أنّه لمّا استأجر بركة الشّعيبيّة - كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب (١) - جعل منها فدّانين من غربيها أذن للنّاس في تحكيرها، فحكّرت وبني عليها عدّة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة. وتنافس عظماء دولة النّاصر محمد بن قلاوون من الوزراء وأعيان الكتّاب في المساكن بهذا الجسر، وتناهوا في التأنّق (¬a) وتفنّنوا في بديع الزّخرفة، وبالغوا في تحسين الرّخام، وخرجوا عن الحدّ في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك، بحيث صار خطّ الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر، وسكّانه أرفه (¬b) النّاس عيشا وأترف المتنعّمين حياة وأوفرهم نعمة، ثم خرب هذا الجسر بأسره وذهبت دوره. وأمّا الجهة الشّرقيّة من مصر ففيها قلعة الجبل، وقد أفردت (¬c) لها خبرا مستقلاّ يحتوي على فوائد كثيرة تضمّنه هذا الكتاب، فانظره (٢). ويتّصل آخر قلعة الجبل بخطّ باب القرافة، وهو من أطراف القطائع والعسكر، ويلي خطّ باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر، وقد تقدّم ذكره، وكان بأطراف العسكر ممّا يلي كوم الجارح. الموقف قال ابن وصيف شاه في أخبار الرّيّان بن الوليد، وهو فرعون نبيّ اللّه يوسف - صلوات اللّه عليه -: ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشّام احتال عليه إخوته وباعوه - وكانت قوافل الشّام تعرس بناحية الموقف اليوم - فأوقف الغلام ونودي عليه، وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرّحمن - صلوات اللّه عليهم - فاشتراه أطفين العزيز (٣). ويقال إنّ الذي أخرج يوسف من الجبّ مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد بن زيد بن يشجب (¬d) بن غريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب (¬d) ابن يعرب بن قحطان.

стр. 1115

وقال القضاعيّ: الموقف كان فضاء لأمّ عبد اللّه بنت (¬a) مسلمة بن مخلد، فتصدّقت به على المسلمين، فكان موقفا تباع فيه الدّواب، ثم ملك بعد (١). وقد ذكرته في الظّاهر - يعني في خطط أهل الظّاهر - فإنّ الموقف من جملة خطّه (¬b) أهل الظّاهر. وقال ابن المتوّج: بقعة خطّ الصّفا، هذا الخطّ دثر جميعه ولم يبق له أثر، وهو قبلي الفسطاط أوّله بجوار المصنع. وخطّ الطّحّانين/ أدركته كان صفّين طواحين متلاصقة متّصلة من درب الصّفاء إلى كوم الجارح، وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول، وكان المارّ بين هذين الصّفّين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدّثه لقوّة دوران الطّواحين، وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار؛ دثر جميع ذلك ولم يبق له أثر. قال: وبقعة درب الصّفا هو الدّرب الذي كان باب مصر، وقيل: إنّه كان بظاهره سوق يوسف ﵇ وكان بابا (¬c) كبيرا ببرجين (¬c) يعلوهما عقد كبير، وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوّان، وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن، وكان حول المصنع عمد رخام بدائره حاملة لساباط (¬d) يعلوه مسجد معلّق؛ هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن أسبا (¬e) سلار (٢)، والي مصر في الدولة الظّاهرية (¬f) بيبرس. وهذا الدّرب يسلك منه إلى درب الصّفاء والطّحّانين (٣). قال كاتبه (¬g): كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر، وبابها الآخر من ناحية السّاحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة. وأنا أدركت آثار درب (¬h) الصّفا المذكور والمصنع الخراب، وكان يصبّ فيه الماء للسّبيل، وهو قريب من كوم الجارح. وسيأتي ذكر كوم الجارح في ذكر الكيمان من هذا الكتاب إن شاء اللّه (٤).

стр. 1116

وأمّا الذي يلي كوم الجارح إلى آخر حدّ طول مصر عند بركة الحبش فإنّها الخطط القديمة. وأدركتها عامرة لا سيّما خطّ النّخّالين وخطّ زقاق القناديل وخطّ المصّاصة، وقد خرب جميع ذلك، وبيعت أنقاضه من بعد سنة تسعين وسبع مائة. وأمّا الجهة القبليّة من مصر، فإنّ خطّ دير الطّين حدثت العمارة فيه بعد سنة ستّ مائة، لمّا أنشأ الصّاحب فخر الدين محمد بن الصّاحب بهاء الدين عليّ بن حنّا الجامع هناك، وعمّر النّاس في جسر الأفرم، وكان قبل ذلك آخر عمارة مدينة مصر دار الملك الذي (¬a) موضعها الآن بجوار المدرسة المعزّيّة. وأمّا موضع الجسر فإنّه كان بركة ماء تتّصل بخطّة (¬b) راشدة حيث جامع راشدة، ومن قبلي هذه البركة البستان الذي كان يعرف ببستان الأمير تميم بن المعزّ، ويعرف الآن (¬c) بالمعشوق، وهو وقف على رباط الآثار: ويجاور المعشوق بركة الحبش، وما بين خطّ دير الطّين وآخر عرض مصر من الجهة القبليّة طرف خطّة (¬d) راشدة. وأمّا الجهة البحريّة من مصر، فإنّه يتّصل بخطّ السّبع سقايات الدّور المطلّة على البركة التي يقال لها بركة قارون، وهي التي تجاور الآن حدرة ابن قميحة، وهي من جملة الحمراء القصوى، وبقبلي البركة المذكورة الكوم المعروف بالأسرى، وهو من جملة العسكر، وسيرد إن شاء اللّه ذكره عند ذكر الكيمان (١). ويجاور البركة المذكورة خطّ الكبش - وقد ذكر في الجبال، ويأتي إن شاء اللّه له خبره عند ذكر الأخطاط (٢) - ويلي خطّ الكبش خطّ الجامع الطّولوني، ويلي خطّ الجامع القبيبات وخطّ المشهد النّفيسي؛ وجميع ذلك إلى قلعة الجبل من جملة القطائع.

стр. 1117

ذكر أبواب مدينة مصر وكان لفسطاط مصر أبواب في القديم خربت وتجدّد لها بعد ذلك أبواب أخر: باب الصّفاء هذا الباب كان هو في الحقيقة باب مدينة مصر وهو في شمالها (¬e)، ومنه تخرج العساكر وتعبر القوافل، وموضعه الآن بالقرب من كوم الجارح، وهدم في أيام الملك الظّاهر بيبرس (١). باب السّاحل كان يفضي بسالكه إلى ساحل النّيل القديم، وموضعه قريب من الكبارة (٢). باب مصر هذا الباب هو الذي بناه قراقوش، ومنه يسلك الآن من دخل إلى مدينة مصر من الطريق التي تعرف بالمراغة، وهو مجاور للكوم الذي يقال له كوم المشانيق ويعرف اليوم بالكبارة. وكان موضع هذا الباب غامرا بماء النّيل؛ فلمّا انحسر الماء عن ساحل مصر، صار الموضع المعروف

стр. 1118

بالمراغة والموضع المعروف بغيط الجرف إلى موردة الحلفاء، فضاء لا يصل إليه ماء النّيل ألبتّة (١). فأحبّ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أن يدير سورا يجمع فيه القاهرة ومصر وقلعة الجبل، فزاد في سور القاهرة، على يد قراقوش، من باب القنطرة إلى باب الشّعريّة وإلى باب البحر؛ يريد أن يمدّ السّور من باب البحر إلى الكوم الأحمر - الذي هو اليوم حافة خليج مصر تجاه خطّ بين الزّقاقين - ليصله أيضا من الكوم الأحمر إلى باب مصر هذا، فلم يتهيّأ له ذلك (¬a)، وانقطع السّور عند جامع المقس. وزاد في سور القاهرة أيضا من باب النّصر إلى قلعة (¬b) الجبل فلم يكمل له، ومدّ السّور من قلعة الجبل إلى باب القنطرة خارج (¬b) مصر، فصار هذا الباب غير متّصل بالسّور (٢). باب القنطرة هذا الباب في قبلي مدينة مصر، عرف بقنطرة بني وائل التي كانت هناك، وهو أيضا من بناء قراقوش (٣).

стр. 1119

ذكر قاهرة المعزّ (¬a) اعلم أنّ «القاهرة المعزّيّة» رابع موضع انتقل سرير السّلطنة إليه من أرض مصر في الدولة الإسلامية، وذلك أنّ الإمارة كانت بمدينة الفسطاط، ثم صار محلّها العسكر خارج الفسطاط، فلمّا عمّرت القطائع صارت دار الإمارة إلى أن خربت؛ فسكن الأمراء بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر بعساكر مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه معدّ، فبنى القاهرة حصنا ومعقلا بين يدي المدينة، وصارت القاهرة دار خلافة ينزلها الخليفة بحرمه وخواصّه إلى أن انقرضت الدّولة الفاطمية؛ فسكنها من بعدهم السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب، وابنه الملك العزيز عثمان، وابنه الملك المنصور محمد، ثم الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، وابنه الملك الكامل محمد وانتقل من القاهرة إلى قلعة الجبل، فسكنها بحرمه وخواصّه، وسكنها الملوك من بعده إلى يومنا هذا. فصارت القاهرة مدينة سكنى، بعد ما كانت حصنا يعتقل به ودار خلافة يلتجأ إليها، فهانت بعد العزّ، وابتذلت بعد الاحترام. وهذا شأن الملوك، ما زالوا يطمسون آثار من قبلهم ويميتون ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السّبب أكثر المدن والحصون، وكذلك كانوا أيام العجم وفي جاهلية العرب، وهم على ذلك في أيام الإسلام، فقد هدم عثمان بن عفّان صومعة غمدان وهدم الأطام التي كانت بالمدينة، وقد هدم زياد كلّ قصر ومصنع كان لابن عامر، وقد هدم بنو العبّاس مدن الشّام لبني مروان. [الكامل] وإذا تأمّلت البقاع وجدتها … تشقى كما تشقى الرّجال وتسعد وسيأتي من أخبار القاهرة والكلام على خططها وآثارها، ما تنتهي إليه قدرتي ويصل إلى معرفته علمي، وفوق كلّ ذي علم عليم.

стр. 1120

ذكر ما قيل في نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة (١) اعلم أنّ القوم كانوا ينتسبون (¬a) إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵉ (¬b). والنّاس فريقان في أمرهم: ففريق يثبت صحّة ذلك، وفريق يمنعه وينفيهم عن رسول اللّه ﷺ ، ويزعم أنّهم ادعياء من ولد ديصان الثّنوي (¬c) الذي ينسب إليه الثّنويّة (¬d)، وأنّ ديصان كان له ابن اسمه ميمون القدّاح كان له مذهب في الغلوّ، فولد ميمون عبد اللّه، وكان (¬e) عالما بجميع الشّرائع والسّنن والمذاهب، وأنّه رتّب سبع دعوات يندرج الإنسان فيها حتى ينحلّ عن الأديان كلّها، ويصير معطّلا إباحيّا لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا، ويرى أنّه وأهل نحلته على هدى وجميع من خالفهم أهل ضلالة؛ وأنّه قصد بذلك أن يجعل له أتباعا، وكان يدعو إلى الإمام من آل البيت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق، وأنّه كان من الأهواز، فاشتهر بالعلم والتشيّع، وصار له

стр. 1121

دعاة، وقصد بالمكروه، ففرّ إلى البصرة فاشتهر أمره، وسار منها إلى سلميّة من أرض الشّام (١)، فولد له بها ابن اسمه أحمد ومات (٢). فقام من بعده أحمد، وبعث بالحسين الأهوازي داعية إلى العراق، فلقي أحمد بن الأشعث - المعروف بقرمط - في سواد الكوفة، ودعاه إلى مذهبه فأجابه، وقام هناك بالأمر. وإلى قرمط هذا تنسب القرامطة (٣). وولد لأحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح الحسين ومحمد المعروف بأبي الشّلعلع. فلمّا مات أحمد خلفه ابنه الحسين في الدّعوة حتى مات، فقام من بعده أخوه أبو الشّلعلع. وكان لأحمد ابن عبد اللّه ولد اسمه سعيد فصار تحت حجر عمه، وبعث أبو الشّلعلع بداعيين إلى بلاد (¬a) المغرب، وهما أبو عبد اللّه وأخوه أبو العبّاس، فنزلا في البربر ودعوها (٤). واشتهر سعيد بسلميّة بعد موت عمّه، وكثر ماله فطلبه (¬b) السّلطان، ففرّ من سلميّة إلى مصر يريد المغرب؛ وكان على مصر عيسى النّوشريّ، فورد عليه كتاب الخليفة من بغداد (¬c) بالقبض عليه ففاته، وصار بسجلماسة في زيّ التجّار. فبعث المعتضد من بغداد في طلبه، فأخذ وحبس حتى أخرجه أبو عبد اللّه الشّيعي من محبسه. فتسمّى حينئذ بعبيد اللّه (٥)، وتكنّى بأبي محمد، وتلقّب بالمهدي، وصار إماما علويّا من ولد محمد بن جعفر الصّادق، وإنّما هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح بن ديصان الثّنوي (¬d)

стр. 1122

الأهوازي، وأصله من المجوس؛ فهذا قول من ينكر نسبهم (١). وبعض منكري نسبهم في العلويّة يقول: إنّ عبيد اللّه من اليهود، وإنّ الحسين بن أحمد المذكور تزوّج امرأة يهودية من نساء سلميّة، كان لها ابن من يهودي حدّاد مات وتركه لها، فربّاه الحسين وأدّبه وعلّمه، ثم مات عن غير ولد فعهد إلى ابن امرأته هذا، فكان هو عبيد اللّه المهدي! وهذه أقوال إن أنصفت تبيّن لك أنّها موضوعة، فإنّ بني عليّ بن أبي طالب ﵁ قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشّيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم والدّعاء لابن مجوسي أو لابن/ يهودي، فهذا ممّا لا يفعله أحد ولو بلغ الغاية في الجهل والسّخف. وإنّما جاء ذلك من قبل ضعفة خلفاء بني العبّاس عند ما غصّوا بمكان الفاطميين، فإنّهم كانوا قد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا من بني العبّاس بلاد المغرب ومصر والشّام وديار بكر والحرمين واليمن، وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة. وعجزت عساكر بني العبّاس عن مقاومتهم فلاذت حينئذ بتنفير الكافّة عنهم بإشاعة الطّعن في نسبهم، وبثّ ذلك عنهم خلفاؤهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم، ودفعهم عمّا غلبوا عليه من بلاد (¬a) مصر والشّام والحرمين حتى اشتهر ذلك ببغداد. وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين، وشهد بذلك من أعلام النّاس جماعة، منهم الشّريفان الرّضيّ والمرتضى وأبو حامد الإسفراييني والقدوري في عدّة وافرة، عند ما جمعوا لذلك، في سنة اثنتين وأربع مائة، أيام القادر (٢). وكانت شهادة القوم في ذلك على السّماع، لما اشتهر وعرف بين النّاس ببغداد، وأهلها إنّما هم شيعة بني العبّاس الطّاعنون في هذا النّسب، والمتطيّرون من بني عليّ بن أبي طالب، الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة. فنقل الإخباريون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه،

стр. 1123

ورووه حسب ما يلقّنوه (¬a) من غير تدبّر. والحقّ من وراء هذا، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العبّاس حجّة، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة بالقبض على عبيد اللّه. فتفطّن - أعزّك اللّه - لصحّة هذا الشّاهد، فإنّ المعتضد لولا صحّة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه. إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ ألبتّة، ولا يذعنون له بوجه، وإنّما ينقادون لمن كان علويّا. فخاف ممّا وقع، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض. وإنّما كان القوم - أعني بني عليّ بن أبي طالب - تحت ترقّب الخوف من بني العبّاس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد وبين خائف يترقّب. ومع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطار الأرض، فيهم من المحبّة لهم والإقبال عليهم، ما لا مزيد عليه. وتكرّر قيام الرّجال منهم مرّة بعد مرّة، والطّلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون، حتى سمّي (¬b) محمد بن إسماعيل الإمام، جدّ عبيد اللّه المهدي، بالمكتوم؛ سمّاه بذلك الشّيعة عند اتّفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم. وكانت الشّيعة قد صاروا (¬c) فرقا: فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصّادق هو إسماعيل ابنه، وهؤلاء يعرفون من بين فرق الشّيعة ب «الإسماعيليّة» من أجل أنّهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصّادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر المصدّق (¬d) ومن بعد جعفر المصدق (¬d) ابنه محمد الحبيب. وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمّة، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره، وأنّه يصير له دولة. وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن وبإفريقيّة وفي كتامة ونفرة، تلقّوا ذلك من عهد جعفر الصّادق. فقدم على محمد بن جعفر - والد عبيد اللّه - رجل من شيعته باليمن، فبعث معه الحسين بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدّعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء (١)، وبثّ الدّعاة بأقطار

стр. 1124

الأرض، وكان من جملة دعاته أبو عبد اللّه الشّيعي، فسيّره إلى المغرب فلقي كتامة ودعاهم (١). فلمّا مات محمد بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّه، فطلبه المكتفي العبّاسي، وكان يسكن عسكر مكرم، فسار إلى الشّام، ثم سار إلى المغرب، فكان من أمره ما كان. وكانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب وديار مصر (¬a) عشر رجلا. هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطّن ولا تغترّ بزخرف القول الذي لفّقوه من الطّعن فيهم، واللّه يهدي من يشاء. ذكر الخلفاء الفاطميّين وكان ابتداء الدّولة الفاطميّة (٢) أنّ أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الشّيعي، سار إلى أبي القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفي القائم ببلاد اليمن، وصار من كبار أصحابه وله علم وعنده دهاء ومكر. فورد على ابن حوشب من المغرب خبر موت الحلواني داعية المغرب (¬b) ورفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشّيعي: قد حرث الحلواني وأبو سفيان (¬c) بلاد المغرب وقد ماتا، وليس للبلاد إلاّ أنت فإنّها موطّأة ممهّدة. فخرج أبو عبد اللّه إلى مكّة، وقصد حجّاج كتامة فجلس قريبا منهم، وسمعهم يتحدّثون بفضائل البيت فحدّثهم في معناه، فمالوا إليه وسألوه أن يأذن لهم في زيارته، فلمّا زاروه سألوه عن مقصده، فلم يخبرهم وأوهمهم أنّه يريد مصر، فسرّوا بصحبته ورحلوا وهو رفيقهم/،

стр. 1125

فشاهدوا من عبادته وزهده ما زادهم رغبة فيه. هذا وهو يسألهم عن أحوالهم وقبائلهم حتى صار يعرف جميع أمورهم. فلمّا وصلوا مصر، همّ بمفارقتهم، فقالوا: أيّ شيء تطلب من مصر؟ فقال: أطلب التّعليم بها؛ فقالوا: إذا كان قصدك هذا فبلادنا أنفع لك؛ وما زالوا به حتّى سار معهم. فلمّا وصلوا بلادهم اقترعوا فيمن يضيّفه منهم ومن بقية أصحابهم، ووصلوا به أرض كتامة للنصف من ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكادوا يحتربون عليه أيّهم ينزل عنده؛ فأبى أن ينزل عندهم، وقال: أين يكون فجّ الأخيار؟ فعجبوا لذلك إذ لم يكونوا ذكروه له قطّ، فدلّوه عليه. فسار إليه وقال: هذا فجّ الأخيار، وما سمّي إلاّ بكم. ولقد جاء في الآثار «للمهدي هجرة تنبو (¬a) عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزّمان، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان». وبخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار (١). فتسامعت به القبائل وأتوه، فعظم أمره وهو لا يذكر اسم المهدي ألبتّة. فبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقيّة، فبعث يسأل عن خبره، وكانت له معه قصص آلت إلى قيام أبي عبد اللّه ومحاربته لمن خالفه، فظفر بهم وصارت إليه أموالهم، وغلب على مدائن، وهزم جيوش ابن الأغلب، وقتل كثيرا من أصحابه (٢).
следующие страницы →