دعاة، وقصد بالمكروه، ففرّ إلى البصرة فاشتهر أمره، وسار منها إلى سلميّة من أرض الشّام (١)، فولد له بها ابن اسمه أحمد ومات (٢).
فقام من بعده أحمد، وبعث بالحسين الأهوازي داعية إلى العراق، فلقي أحمد بن الأشعث - المعروف بقرمط - في سواد الكوفة، ودعاه إلى مذهبه فأجابه، وقام هناك بالأمر. وإلى قرمط هذا تنسب القرامطة (٣).
وولد لأحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح الحسين ومحمد المعروف بأبي الشّلعلع. فلمّا مات أحمد خلفه ابنه الحسين في الدّعوة حتى مات، فقام من بعده أخوه أبو الشّلعلع. وكان لأحمد ابن عبد اللّه ولد اسمه سعيد فصار تحت حجر عمه، وبعث أبو الشّلعلع بداعيين إلى بلاد (¬a) المغرب، وهما أبو عبد اللّه وأخوه أبو العبّاس، فنزلا في البربر ودعوها (٤).
واشتهر سعيد بسلميّة بعد موت عمّه، وكثر ماله فطلبه (¬b) السّلطان، ففرّ من سلميّة إلى مصر يريد المغرب؛ وكان على مصر عيسى النّوشريّ، فورد عليه كتاب الخليفة من بغداد (¬c) بالقبض عليه ففاته، وصار بسجلماسة في زيّ التجّار. فبعث المعتضد من بغداد في طلبه، فأخذ وحبس حتى أخرجه أبو عبد اللّه الشّيعي من محبسه. فتسمّى حينئذ بعبيد اللّه (٥)، وتكنّى بأبي محمد، وتلقّب بالمهدي، وصار إماما علويّا من ولد محمد بن جعفر الصّادق، وإنّما هو سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح بن ديصان الثّنوي (¬d)
стр. 1122
الأهوازي، وأصله من المجوس؛ فهذا قول من ينكر نسبهم (١).
وبعض منكري نسبهم في العلويّة يقول: إنّ عبيد اللّه من اليهود، وإنّ الحسين بن أحمد المذكور تزوّج امرأة يهودية من نساء سلميّة، كان لها ابن من يهودي حدّاد مات وتركه لها، فربّاه الحسين وأدّبه وعلّمه، ثم مات عن غير ولد فعهد إلى ابن امرأته هذا، فكان هو عبيد اللّه المهدي! وهذه أقوال إن أنصفت تبيّن لك أنّها موضوعة، فإنّ بني عليّ بن أبي طالب ﵁ قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشّيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم والدّعاء لابن مجوسي أو لابن/ يهودي، فهذا ممّا لا يفعله أحد ولو بلغ الغاية في الجهل والسّخف.
وإنّما جاء ذلك من قبل ضعفة خلفاء بني العبّاس عند ما غصّوا بمكان الفاطميين، فإنّهم كانوا قد اتّصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا من بني العبّاس بلاد المغرب ومصر والشّام وديار بكر والحرمين واليمن، وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة. وعجزت عساكر بني العبّاس عن مقاومتهم فلاذت حينئذ بتنفير الكافّة عنهم بإشاعة الطّعن في نسبهم، وبثّ ذلك عنهم خلفاؤهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم، ودفعهم عمّا غلبوا عليه من بلاد (¬a) مصر والشّام والحرمين حتى اشتهر ذلك ببغداد. وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين، وشهد بذلك من أعلام النّاس جماعة، منهم الشّريفان الرّضيّ والمرتضى وأبو حامد الإسفراييني والقدوري في عدّة وافرة، عند ما جمعوا لذلك، في سنة اثنتين وأربع مائة، أيام القادر (٢).
وكانت شهادة القوم في ذلك على السّماع، لما اشتهر وعرف بين النّاس ببغداد، وأهلها إنّما هم شيعة بني العبّاس الطّاعنون في هذا النّسب، والمتطيّرون من بني عليّ بن أبي طالب، الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة. فنقل الإخباريون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه،
стр. 1123
ورووه حسب ما يلقّنوه (¬a) من غير تدبّر. والحقّ من وراء هذا، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العبّاس حجّة، فإنّه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسجلماسة بالقبض على عبيد اللّه.
فتفطّن - أعزّك اللّه - لصحّة هذا الشّاهد، فإنّ المعتضد لولا صحّة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه. إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ ألبتّة، ولا يذعنون له بوجه، وإنّما ينقادون لمن كان علويّا. فخاف ممّا وقع، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض.
وإنّما كان القوم - أعني بني عليّ بن أبي طالب - تحت ترقّب الخوف من بني العبّاس لتطلّبهم لهم في كلّ وقت، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد وبين خائف يترقّب. ومع ذلك فإنّ لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطار الأرض، فيهم من المحبّة لهم والإقبال عليهم، ما لا مزيد عليه.
وتكرّر قيام الرّجال منهم مرّة بعد مرّة، والطّلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون، حتى سمّي (¬b) محمد بن إسماعيل الإمام، جدّ عبيد اللّه المهدي، بالمكتوم؛ سمّاه بذلك الشّيعة عند اتّفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلّبين عليهم.
وكانت الشّيعة قد صاروا (¬c) فرقا: فمنهم من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصّادق هو إسماعيل ابنه، وهؤلاء يعرفون من بين فرق الشّيعة ب «الإسماعيليّة» من أجل أنّهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وأن الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصّادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد محمد المكتوم ابنه جعفر المصدّق (¬d) ومن بعد جعفر المصدق (¬d) ابنه محمد الحبيب. وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمّة، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره، وأنّه يصير له دولة.
وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير بعدن وبإفريقيّة وفي كتامة ونفرة، تلقّوا ذلك من عهد جعفر الصّادق. فقدم على محمد بن جعفر - والد عبيد اللّه - رجل من شيعته باليمن، فبعث معه الحسين بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدّعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء (١)، وبثّ الدّعاة بأقطار
стр. 1124
الأرض، وكان من جملة دعاته أبو عبد اللّه الشّيعي، فسيّره إلى المغرب فلقي كتامة ودعاهم (١).
فلمّا مات محمد بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّه، فطلبه المكتفي العبّاسي، وكان يسكن عسكر مكرم، فسار إلى الشّام، ثم سار إلى المغرب، فكان من أمره ما كان.
وكانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب وديار مصر (¬a) عشر رجلا. هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطّن ولا تغترّ بزخرف القول الذي لفّقوه من الطّعن فيهم، واللّه يهدي من يشاء.
ذكر الخلفاء الفاطميّين
وكان ابتداء الدّولة الفاطميّة (٢) أنّ أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الشّيعي، سار إلى أبي القاسم الحسين بن فرج بن حوشب الكوفي القائم ببلاد اليمن، وصار من كبار أصحابه وله علم وعنده دهاء ومكر. فورد على ابن حوشب من المغرب خبر موت الحلواني داعية المغرب (¬b) ورفيقه، فقال لأبي عبد اللّه الشّيعي: قد حرث الحلواني وأبو سفيان (¬c) بلاد المغرب وقد ماتا، وليس للبلاد إلاّ أنت فإنّها موطّأة ممهّدة.
فخرج أبو عبد اللّه إلى مكّة، وقصد حجّاج كتامة فجلس قريبا منهم، وسمعهم يتحدّثون بفضائل البيت فحدّثهم في معناه، فمالوا إليه وسألوه أن يأذن لهم في زيارته، فلمّا زاروه سألوه عن مقصده، فلم يخبرهم وأوهمهم أنّه يريد مصر، فسرّوا بصحبته ورحلوا وهو رفيقهم/،
стр. 1125
فشاهدوا من عبادته وزهده ما زادهم رغبة فيه. هذا وهو يسألهم عن أحوالهم وقبائلهم حتى صار يعرف جميع أمورهم.
فلمّا وصلوا مصر، همّ بمفارقتهم، فقالوا: أيّ شيء تطلب من مصر؟ فقال: أطلب التّعليم بها؛ فقالوا: إذا كان قصدك هذا فبلادنا أنفع لك؛ وما زالوا به حتّى سار معهم.
فلمّا وصلوا بلادهم اقترعوا فيمن يضيّفه منهم ومن بقية أصحابهم، ووصلوا به أرض كتامة للنصف من ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين ومائتين، وكادوا يحتربون عليه أيّهم ينزل عنده؛ فأبى أن ينزل عندهم، وقال: أين يكون فجّ الأخيار؟ فعجبوا لذلك إذ لم يكونوا ذكروه له قطّ، فدلّوه عليه. فسار إليه وقال: هذا فجّ الأخيار، وما سمّي إلاّ بكم. ولقد جاء في الآثار «للمهدي هجرة تنبو (¬a) عن الأوطان ينصره فيها الأخيار من أهل ذلك الزّمان، قوم اسمهم مشتقّ من الكتمان».
وبخروجكم في هذا الفجّ سمّي فجّ الأخيار (١).
فتسامعت به القبائل وأتوه، فعظم أمره وهو لا يذكر اسم المهدي ألبتّة.
فبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب أمير إفريقيّة، فبعث يسأل عن خبره، وكانت له معه قصص آلت إلى قيام أبي عبد اللّه ومحاربته لمن خالفه، فظفر بهم وصارت إليه أموالهم، وغلب على مدائن، وهزم جيوش ابن الأغلب، وقتل كثيرا من أصحابه (٢).
стр. 1126
فمات إبراهيم بن الأغلب، وولي زيادة اللّه بن الأغلب، وكان كثير اللّهو، فقوي أمر أبي عبد اللّه، وانتشرت جنوده في البلاد، وصار يقول: «المهدي يخرج في هذه الأيام ويملك الأرض، فيا طوبى لمن هاجر إليّ وأطاعني»، ويغري الناس بزيادة اللّه بن الأغلب ويعيبه، وكانت أكثر خواص زيادة اللّه شيعة، فلم يكن يسوؤهم ظفر أبي عبد اللّه. وأكثر من ذكر كرامات المهدي والإرسال إلى أصحاب زيادة اللّه، إلى أن تمكّن فبعث برجال من كتامة إلى سلميّة من أرض الشّام، فقدموا على عبيد اللّه وأخبروه بما فتح اللّه عليه - وكان قد اشتهر هناك وطلبه الخليفة المكتفي - فخرج من سلميّة فارّا، ومعه ابنه أبو القاسم محمّد (¬a)، ومعهما أموالهما (¬b) ومواليهما فأقاما بمصر مستترين.
فوردت على عيسى النّوشري، أمير مصر، الكتب من بغداد بصفة عبيد اللّه وحليته، وأنّه يأخذ عليه الطّرق (¬c) ويقبضه. فبلغ ذلك عبيد اللّه فخرج والأعوان في طلبه. ويقال إنّ النّوشريّ ظفر به، فناشده اللّه في أمره، فخلّى عنه ووصّله. فسار إلى طرابلس وقد سبق خبره إلى زيادة اللّه، فسار إلى قسنطينة (¬d)، فقدم كتاب زيادة اللّه بن الأغلب إلى عامل طرابلس بأخذ عبيد اللّه وقد فاتهم فلم يدركوه.
فرحل إلى سجلماسة وأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطّرقات، فتلطّف باليسع بن مدرار صاحب سجلماسة وأهدى إليه، فكفّ عنه. ووافاه كتاب زيادة اللّه بالقبض على عبيد اللّه، فلم يجد بدّا من أن قبض عليه وحبسه (¬e).
واشتغل زيادة اللّه بجمع العساكر لمحاربة أبي عبد اللّه وتجهيزهم إليه، فغلبهم أبو عبد اللّه وغنم سائر ما معهم، وقتل أكثرهم، وبلغه ما كان من سجن عبيد اللّه، فكتب إليه يبشّره، فوصل إليه الكتاب وهو بالسّجن مع قصّاب دخل به إليه وهو يبيع اللّحم. وما زال أبو عبد اللّه يضايق زيادة اللّه إلى أن فرّ إلى مصر، وقام من بعده إبراهيم بن الأغلب، فلم يتمّ له أمر.
وملك أبو عبد اللّه القيروان، ونزل برقّادة مستهلّ رجب سنة ستّ وتسعين ومائتين، فأمر ونهى، وبثّ العمّال في الأعمال، وقتل من يخاف شرّه، وأمر فنقش على السّكّة في أحد الوجهين «بلغت حجّة اللّه»، وفي الآخر «تفرّق أعداء اللّه»، ونقش على السّلاح «عدّة في سبيل
стр. 1127
اللّه»، ووسم الخيل على أفخاذها «الملك للّه»، وأقام على ما كان عليه من لبس الخشن الدون وتناول القليل الغليظ من الطّعام (١).
فلمّا دخل شهر رمضان سار من رقّادة في جيوش عظيمة اهتزّ لها المغرب بأسره، يريد سجلماسة، فحاربه اليسع يوما كاملا إلى الليل، ثم فرّ في خاصّته. فدخل أبو عبد اللّه من الغد إلى البلد، وأخرج عبيد اللّه وابنه، ومشى في ركابهما بجميع رؤساء القبائل وهو يقول للنّاس:
«هذا مولاكم»، وهو يبكي من شدّة الفرح، حتى وصل بهما إلى فسطاط ضربه في العسكر فأنزلهما فيه، وبعث الخيل في طلب اليسع، فأدركته وجاءت به فقتله (٢).
وأقام عبيد اللّه بسجلماسة أربعين يوما، ثم سار إلى إفريقيّة في ربيع الآخر سنة سبع وتسعين، ونزل برقّادة، وأمر يوم الجمعة أن يذكر في الخطبة، وتلقّب ب «المهدي أمير المؤمنين» (٣). فدعي له في جميع البلاد بذلك، وجلس بعد الصّلاة الدّعاة، ودعوا النّاس كافة إلى مذهبهم، فمن أجاب قبل منه، ومن أبى قتل. وعرض جواري زيادة اللّه، واختار منهن لنفسه ولولده، وفرّق ما بقي على وجوه كتامة، وقسم عليهم أعمال إفريقية، ودوّن الدّواوين، وجبى الأموال، ودانت له البلاد (٤).
فشقّ ذلك على أبي عبد اللّه، ونافس المهدي، وحسده من أجل أنّه كفّ يده ويد أخيه أبي العبّاس، فعظم عليه الفطام عن الأمر والنّهي والأخذ والعطاء. وأقبل أبو العبّاس يزري على المهدي في مجلس أخيه، ويؤنّب أخاه على ما فعل حتى أثّر في نفسه، فسأل المهدي أن يجلس في القصر ويفوّض إليه الأمور (¬a). وكان قد بلغ المهدي ما يجهر به أبو العبّاس/ من السّوء في حقّه، فردّ أبا عبد اللّه ردّا لطيفا، وأسرّها في نفسه.
стр. 1128
وأكثر أبو العبّاس من قوله حتى أغرى المقدّمين بالمهدي، وقال: ما هذا بالذي كنّا نعتقد طاعته وندعو إليه؛ لأنّ المهدي يأتي بالآيات الباهرة. فمال إليه جماعة، وواجه بعضهم المهدي بذلك، وقال له: إن كنت المهدي فأظهر لنا آية، فقد شككنا فيك. فبعد ما بين المهدي وبين أبي عبد اللّه، وأوجس كلّ منهما في نفسه خيفة من الآخر، وأخذ أبو العبّاس يدبّر في قتل المهدي، والمهدي يحلّ ما كان يبرمه، ثم (¬a) إنّ المهدي لمّا ثقل عليه أمر أبي عبد اللّه وأخيه أبي العبّاس (¬a) رتّب رجالا لقتلهم (¬b).
فلمّا ركب أبو عبد اللّه وأخوه إلى قصر المهدي ثار بهما الرّجال، فقال أبو عبد اللّه: لا تفعلوا. فقالوا له: إنّ الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك. فقتل هو وأخوه للنصف من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائتين بمدينة رقّادة. فثارت فتنة بسبب قتلهما، فركب المهديّ حتى سكنت، وتتّبع جماعة منهم فقتلهم (١).
فلمّا استقام له الأمر، عهد إلى ابنه أبي القاسم، وتتبّع بني الأغلب فقتل منهم جماعة.
وجهّز في سنة إحدى وثلاث مائة ابنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر، فأخذ برقة والإسكندرية والفيّوم، وكانت له مع عساكر مصر وعساكر العراق الواردة إلى مصر مع مؤنس الخادم عدّة حروب، وعاد إلى المغرب (¬c) (٢).
فجهّز المهدي في سنة اثنتين وثلاث مائة حباسة بجيوش إلى مصر، فغلب على الإسكندرية، وكان من أمره ما تقدّم ذكره (٣).
وكان للمهدي ببلاد المغرب عدّة حروب.
وكان يوجد في الكتب خروج أبي يزيد النّكّاري على دولته. فبنى «المهديّة»، وأدار عليها سورا جعل فيه أبوابا زنة كلّ مصراع منها مائة قنطار من حديد، وكان ابتداء بنائها في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاث مائة، وبنى المصلّى بظاهرها وقال: إلى هنا يصل صاحب الحمار - يعني أبا يزيد - فكان كذلك. وأنشأ صناعة فيها تسع مائة شيني (¬d)، وقال: «إنّما
стр. 1129
بنيت هذه لتعتصم الفواطم بها ساعة من نهار»، فكان كذلك (١).
ثم إنّه جهّز ابنه أبا القاسم في سنة ستّ وثلاث مائة على جيش إلى مصر، فأخذ الإسكندرية، وملك جزيرة الأشمونين وكثيرا من صعيد مصر، وكانت له (¬a) هناك حروب مع عساكر مصر والعراق، ثم عاد إلى المغرب.
وخرج أبو القاسم في سنة خمس عشرة بالجيوش إلى المغرب، فحارب قوما وعاد.
فمات عبيد اللّه في ليلة الثلاثاء منتصف شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وعشرين وثلاث مائة، بالمهديّة من القيروان عن ثلاث وستين سنة. فكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وشهرا وعشرين يوما، ولمّا مات أخفى ابنه موته (٢).
وقام من بعد عبيد اللّه المهدي وليّ عهده «القائم بأمر اللّه أبو القاسم محمد» - ويقال كان اسمه بالمشرق عبد الرّحمن، فتسمّى في بلاد المغرب بمحمّد - ولد (¬b) بسلميّة في المحرّم سنة ثمانين ومائتين (٣). فلمّا فرغ من جميع ما يريده وتمكّن، أظهر موت أبيه.
واستقلّ بالأمر وله سبع وأربعون سنة، وتبع سيرة أبيه، وثار عليه جماعة فظفر بهم، وبثّ جيوشه في البرّ والبحر فسبوا وغنموا من بلد جنوة، وبعث جيشا إلى مصر، فملكوا الإسكندرية، والإخشيد يومئذ أمير مصر.
فلمّا كان في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة، خرج عليه أبو يزيد مخلد بن كيداد النّكّارى الخارجيّ بإفريقيّة، واشتدّت شوكته، وكثرت أتباعه، وهزم جيوش القائم غير مرّة، وكان مذهبه تكفير أهل الملّة وإراقة دمائهم ديانة، فملك باجة وحرقها، وقتل الأطفال وسبى النّسوان، ثم
стр. 1130
ملك القيروان. فاضطرب القائم، وخاف النّاس، وهمّوا بالنّقلة من زويلة (١).
وقوي أمر أبي يزيد، ونازل المهديّة وحصر القائم بها، وكاد أن يغلب عليها. فلمّا بلغ المصلّى حيث أشار المهدي أنّه يصل، هزمه أصحاب القائم، وقتلوا كثيرا من أصحابه. وكانت له قصص وأنباء، إلى أن مات القائم لثلاث عشرة خلت من شوّال سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة عن أربع وخمسين سنة وتسعة أشهر، ولم يرق منبرا، ولا ركب دابّة لصيد مدّة خلافته حتّى مات، وصلّى مرّة على جنازة، وصلّى بالنّاس العيد مرّة واحدة (٢).
وكانت مدّة خلافته اثنتي عشرة سنة وستة أشهر وأياما، وترك أبا الطاهر إسماعيل وأبا عبد اللّه جعفرا وحمزة وعدنان وعدّة أخر.
وقام من بعده، ابنه «المنصور بنصر اللّه أبو الطّاهر إسماعيل» (٣)، وكتم موت أبيه خوفا أن يعلم أبو يزيد فإنّه كان قريبا منه، وأبقى الأمور على حالها، ولم يتسمّ بالخليفة، ولا غيّر السّكّة ولا الخطبة ولا البنود، وجدّ في حرب أبي يزيد حتى ظفر به، وحمل إليه، فمات من جراحات كانت به سلخ المحرّم سنة ستّ وثلاثين وثلاث مائة.
ولم يزل المنصور إلى أن مات سلخ شوّال سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة، عن إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر. وكانت مدّة خلافته ثمان سنين، وقيل سبع سنين وعشرة أيام. وقد اختلف في تاريخ ولادته: فقيل ولد أوّل ليلة من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاث مائة بالمهديّة، وقيل
стр. 1131
بل ولد في سنة اثنتين، وقيل سنة إحدى وثلاث مائة. وكان خطيبا بليغا يرتجل الخطبة لوقته، شجاعا عاقلا (١).
وقام من بعده ابنه «المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ» وعمره نحو أربع وعشرين سنة، فإنّه ولد للنصف من رمضان سنة سبع/ عشرة وثلاث مائة، فانقاد إليه البربر وأحسن إليهم، فعظم أمره (٢).
واختصّ من مواليه بجوهر وكنّاه بأبي الحسين، وأعلى قدره، وصيّره في رتبة الوزارة، وعقد له على جيش كثيف فيهم الأمير زيري بن مناد الصّنهاجي؛ فدوّخ المغرب وافتتح مدنا وقهر عدّة أكابر وأسرهم، حتى أتى البحر المحيط فأمر باصطياد سمكة منه، وسيّرها في قلّة من ماء إلى المعزّ إشارة إلى أنّه ملك حتى سكّان البحر المحيط الذي لا عمارة بعده، ثم قدم غانما مظفّرا، فعظم قدره عند المعزّ (٣).
ولمّا كان في بعض الأيام، استدعى المعزّ في يوم شات عدّة من شيوخ كتامة، فدخلوا عليه في مجلس قد فرش باللّبود، وحوله كساء وعليه جبّة، وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتب، وبين يديه دواة وكتب، فقال:
«يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا الشّتاء والبرد، فقلت لأم الأمراء - وإنّها الآن بحيث تسمع كلامي - أترى إخواننا يظنّون أنّا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب، ونتقلّب في المثقل والدّيباج والحرير والفنك والسّمور والمسك والخمر والقباء (¬a) كما يفعل أرباب الدنيا.
ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضرتكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم واحتجبت عنكم، وإنّي لا أفضلكم في أحوالكم إلاّ بما لا بدّ لي منه من
стр. 1132
دنياكم، وبما خصّني اللّه به من إمامتكم، وإنّي مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطي، وإنّي لا أشتغل بشيء من ملاذّ الدنيا إلاّ بما يصون أرواحكم، ويعمّر بلادكم، ويذلّ أعداءكم، ويقمع أضدادكم (¬a)؛ فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثل ما أفعله، ولا تظهروا التكبّر والتجبّر، فينزع اللّه النّعمة عنكم، وينقلها إلى غيركم، وتحنّنوا على من وراءكم ممن لا يصل إليّ كتحنّني عليكم، ليتّصل في النّاس الجميل، ويكثر الخير، وينتشر العدل، وأقبلوا بعدها على نسائكم، والزموا الواحدة التي تكون لكم، ولا تشرهوا إلى التكثّر منهن والرّغبة فيهن، فيتنغّص عيشكم، وتعود المضرّة عليكم، وتنهكوا أبدانكم، وتذهب قوّتكم وتضعف نحائزكم (١)، فحسب الرّجل الواحد الواحدة، ونحن محتاجون إلى نصرتكم بأبدانكم وعقولكم؛ واعلموا أنّكم إذا لزمتم ما آمركم به، رجوت أن يقرّب اللّه علينا أمر المشرق كما قرّب أمر المغرب بكم، انهضوا رحمكم اللّه ونصركم. فخرجوا عنه» (٢).
واستدعى يوما أبا جعفر حسين بن مهذّب صاحب بيت المال - وهو في وسط القصر قد جلس على صندوق، وبين يديه ألوف صناديق مبدّدة - فقال له: هذه صناديق مال، وقد شذّ عنّي ترتيبها فانظرها ورتّبها؛ قال: فأخذت أجمعها إلى أن صارت مرتبة، وبين يديه جماعة من خدّام بيت المال والفرّاشين، فأنفذت إليه أعلمه، فأمر برفعها في الخزائن على ترتيبها، وأن يغلق عليها وتختم بخاتمه، وقال: قد خرجت عن خاتمنا وصارت إليك. فكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك في سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، فأنفقها أجمع على العساكر التي سيّرها إلى مصر من سنة ثمان وخمسين إلى سنة اثنتين وستين وثلاث مائة (٣).
стр. 1133
ولمّا أخذ في تجهيز جوهر بالعساكر إلى أخذ ديار مصر، حتى تهيّأ أمره وبرز للمسير، بعث المعزّ خفيفا الصّقلبي (١) إلى شيوخ كتامة يقول: «يا إخواننا قد رأينا أن ننفذ رجالا إلى بلدان كتامة يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا (¬a) في بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنّا بها على ما نحن بسبيله». فقال بعض شيوخهم (٢) لخفيف لمّا بلغه ذلك:
«قل لمولانا: واللّه لا فعلنا هذا أبدا، كيف تؤدّي كتامة الجزية، ويصير عليها في الدّيوان ضريبة، وقد أعزّها اللّه قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم في المشرق والمغرب؟!
فعاد خفيف إلى المعزّ بذلك، فأمر بإحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال: ما هذا الجواب الذي صدر عنكم؟ فقالوا: هذا جواب جماعتنا، ما كنّا يا مولانا بالذي نؤدّي جزية تبقى علينا. فقام المعزّ في ركابه وقال: بارك اللّه فيكم، فكهذا أريد أن تكونوا، وأنّما أردت أن أختبركم فأنظر كيف أنتم بعدي (٣).
فسار جوهر، وأخذ مصر كما قد ذكر في ترجمته عند ذكر سور القاهرة من هذا الكتاب (٤).
فلمّا ثبتت قدم جوهر بمصر، كتب إليه المعزّ جوابا عن كتابه:
«وأمّا ما ذكرت يا جوهر من أنّ جماعة بني حمدان وصلت إليك كتبهم يبذلون الطّاعة، ويعدون بالمسارعة في المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من آل حمدان بمكاتبة ترهيبا له ولا ترغيبا، ومن كتب إليك كتابا منهم فأجبه بالحسن الجميل ولا تستدعه إليك، ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالم وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدّين وليس لهم فيه نصيب، ويتظاهرون بالكرم وليس
стр. 1134
لواحد منهم كرم في اللّه، ويتظاهرون بالشّجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كلّ الحذر من الاستنامة (¬a) إلى أحد منهم» (١).
ولمّا عزم المعزّ على المسير إلى مصر، أجال فكره فيمن يخلفه في بلاد المغرب، فوقع اختياره على أبي أحمد (¬b) جعفر بن عليّ الأمير، فاستدعاه وأسرّ إليه أنّه يريد استخلافه بالمغرب/ فقال:
«تترك معي أحد أولادك أو إخوتك يجلس في القصر وأنا أدبّر، ولا تسألني عن شيء من الأموال لأنّ ما أجبيه يكون بإزاء ما أنفقه من الأموال، وإذا أردت أمرا فعلته من غير أن أنتظر ورود أمرك فيه لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره إليّ». فغضب المعزّ وقال: «يا جعفر عزلتني عن ملكي، وأردت أن تجعل لي فيه شريكا في أمري، واستبددت بالأعمال والأموال دوني. قم فقد أخطأت حظّك، وما أصبت رشدك»، فخرج عنه.
ثم إنّه استدعى يوسف بن زيري الصّنهاجي وقال له: «تأهّب لخلافة المغرب». فأكبر ذلك وقال: «يا مولانا أنت وآباؤك الأئمّة من ولد رسول اللّه ﷺ ما صفا لكم المغرب، فكيف يصفولي وأنا صنهاجي بربري؟ قتلتني يا مولانا بغير سيف ولا رمح». فما زال به المعزّ حتى أجاب بشريطة أنّ المعزّ يولّي القضاء والخراج لمن يراه ويختاره، ويجعل الخبر لمن يثق به، ويجعله قائما بين أيدي هؤلاء، فمن استعصى عليهم يأمره هؤلاء به حتى يعمل به ما يجب، ويكون الأمر لهم، ويصير كالخادم بين أولئك؛ فأحبّ المعزّ ما قال وشكره.
فلمّا انصرف قال أبو طالب بن القائم بأمر اللّه للمعزّ: «يا مولانا، وتثق بهذا القول من يوسف، وأنّه يقوم بوفاء ما ذكر؟» فقال المعزّ: «يا عمّنا، كم بين قول يوسف وقول جعفر، فاعلم يا عمّ أنّ الأمر الذي طلبه جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، وإذا تطاولت المدّة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أوّلا أحسن وأجود عند ذوي العقل، وهو نهاية ما يفعله [من يترك دياره] (¬c) (٢).
وكانت أمّ الأمراء قد وجّهت من المغرب صبيّة لتباع بمصر، فعرضها وكيلها في مصر للبيع، وطلب فيها ألف دينار. فحضر إليه في بعض الأيّام امرأة شابّة على حمار لتقلّب الصّبيّة، فساومته
стр. 1135
فيها وابتاعتها منه بستّ مائة دينار، فإذا هي ابنة الإخشيد محمد بن طغج، وقد بلغها خبر هذه الصّبيّة، فلمّا رأتها شغفتها حبّا فاشترتها لتستمتع بها (١). فعاد الوكيل إلى المغرب وحدّث المعزّ بذلك فأحضر الشّيوخ، وأمر الوكيل فقصّ عليهم خبر ابنة الإخشيد مع الصّبيّة إلى آخره، فقال المعزّ: «يا إخواننا انهضوا إلى مصر، فلن يحول بينكم وبينها شيء، فإنّ القوم قد بلغ بهم التّرف إلى أن صارت امرأة من بنات الملوك فيهم تخرج بنفسها وتشتري جارية لتتمتّع بها، وما هذا إلاّ من ضعف نفوس رجالهم وذهاب غيرتهم، فانهضوا لمسيرنا إليهم». فقالوا: «السّمع والطّاعة».
فقال: خذوا في حوائجكم، فنحن نقدّم الاختيار لمسيرنا إن شاء اللّه» (٢).
وكان قيصر ومظفّر الصّقلبيّان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والد المعزّ، وكان المظفّر يدلّ على المعزّ من أجل أنّه علّمه الخطّ في صغره، فحرد عليه مرّة وولّى، فسمعه المعزّ يتكلّم بكلمة صقلبيّة استراب منها، ولقّنها منه وأنفت نفسه من السؤال عن معناها. فأخذ يحفظ اللّغات:
فابتدأ بتعلّم اللغة البربريّة حتى أحكمها: ثم تعلّم الرّومية والسّودانية حتى أتقنهما، ثم أخذ يتعلّم الصّقلبيّة، فمرّت به تلك الكلمة، فإذا هي سبّ قبيح، فأمر بمظفّر فقتل من أجل تلك الكلمة (٣).
وبلغه [- وهو بالمغرب -] (¬a) أمر الحرب التي كانت بين بني حسن وبني جعفر بالحجاز، حتى قتل من بني حسن أكثر ممّن قتل من بني جعفر، فأنفذ مالا ورجالا في السّرّ ما زالوا بالطائفتين حتى اصطلحتا، وتحمّل الرجال عن كلّ منهما الحمالات، فجاء الفاضل في القتلى لبني حسن عند بني جعفر نحو سبعين قتيلا، فأدّوا عنهم، وعقدوا بينهم الصّلح في الحرم تجاه الكعبة، وتحمّلوا عنهم الدّيات من مال المعزّ، وكان ذلك في سنة ثمان وأربعين وثلاث مائة.
فصارت هذه الفعلة يدا عند بني حسن للمعزّ، فلمّا ملك جوهر مصر، بادر حسن بن جعفر الحسني بالدّعاء للمعزّ في مكّة، وبعث إلى جوهر بالخبر، فسيّر إلى المعزّ يعرّفه بإقامة الدّعوة له بمكّة، فأنفذ إليه بتقليده الحرم وأعماله (٤).
стр. 1136
وسار المعزّ بعساكره من المغرب حتى نزل بالجيزة، فعقد له جوهرا جسرا جديدا عند المختار بالجزيرة (¬a)، فسار عليه، وقد زيّنت له مدينة الفسطاط فلم يشقّها، ودخل إلى القاهرة بجميع أولاده وإخوته وسائر أولاد عبيد اللّه المهدي وبتوابيت آبائه (١)، وذلك لسبع خلون من رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة (٢). فعند ما دخل القصر صلّى ركعتين، فاقتدى به من حضر، وبات به، ثم أصبح فجلس للهناء، وأمر فكتب في سائر مدينة مصر «خير النّاس بعد رسول اللّه ﷺ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب»، وأثبت اسم المعزّ لدين اللّه واسم ابنه (¬b) عبد اللّه الأمير (٣)، وجلس في القصر على السّرير الذّهب، وصلّى بالنّاس صلاة عيد الفطر في المصلّى، فسبّح في كلّ ركعة وفي كلّ سجدة ثلاثين تسبيحة، ثم خطب بعد الصّلاة. وركب لفتح خليج مصر يوم الوفاء، وعمل عيد غدير خمّ، ومات بعض بني عمّه فصلّى عليه وكبّر سبعا، وكبّر على ميّت آخر خمسا. وقدمت القرامطة إلى مصر، فسيّر إليهم الجيوش وهزموهم (٤).
وما زال إلى أن توفّي من علّة اعتلّها بعد دخوله إلى القاهرة بسنتين وسبعة أشهر وعشرة أيّام، وعمره خمس وأربعون سنة وستة أشهر تقريبا؛ فإنّ مولده بالمهديّة في حادي عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وثلاث مائة، ووفاته بالقاهرة لأربع عشرة خلت من ربيع/ الآخر سنة خمس
стр. 1137
وستين وثلاث مائة، وكانت مدّة خلافته بالمغرب وديار مصر ثلاثا وعشرين سنة وعشرة أيام.
وهو أوّل الخلفاء الفاطميين بمصر وإليه تنسب القاهرة المعزّيّة؛ لأنّ عبده جوهرا القائد بناها حسب ما رسم له كما ذكر في خبر بنائها (١).
وكان المعزّ عالما فاضلا جوادا حسن السيرة، منصفا للرعية، مغرما بالنّجوم، أقيمت له الدّعوة بالمغرب كلّه وديار مصر والشّام والحرمين وبعض أعمال العراق.
وقام من بعده ابنه «العزيز باللّه أبو منصور نزار»، فأقام في الخلافة إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، في الثامن والعشرين من رجب سنة ستّ وثمانين وثلاث مائة، بمدينة بلبيس وحمل إلى القاهرة.
وقام من بعده ابنه «الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ المنصور»، وكانت مدّة خلافته إلى أن فقد خمسا وعشرين سنة وشهرا، وفقد وعمره ستّ وثلاثون سنة وسبعة أشهر في ليلة السابع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة وأربع مائة. وقد بسطت خبر العزيز والحاكم عند ذكر الجوامع من هذا الكتاب (٢).
وقام من بعده ابنه «الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبو الحسن عليّ» بن الحاكم بأمر اللّه. ولد بالقاهرة يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان سنة خمس وتسعين وثلاث مائة، وبويع له بالخلافة يوم عيد النّحر سنة إحدى عشرة وأربع مائة وعمره ستّ عشرة سنة (٣). فخرج إلى صلاة العيد وعلى رأسه المظلّة وحوله العساكر، وصلّى بالنّاس في المصلّى، وعاد فكتب بخلافته إلى الأعمال (٤).
وشرب الخمر ورخّص فيه للنّاس، وفي سماع الغناء وشرب الفقّاع، وأكل الملوخيا وجميع الأسماك، فأقبل النّاس على اللّهو (٥).
стр. 1138
ووزر له الخطير رئيس الرّؤساء أبو الحسن عمّار بن محمد، وكان يلي ديوان الإنشاء وغيره، واستوزره الحاكم إلى أن فقد، فتولّى البيعة للظّاهر، ثم قتل بعد سبعة أشهر في ربيع الأوّل سنة اثنتي عشرة. فاستوزر بعده بدر الدّولة أبا الفتوح موسى بن الحسين، وكان يتولّى الشّرطة، ثم ولي ديوان الإنشاء بعد ابن خيران، وصرف عن الوزارة في المحرّم سنة ثلاث عشرة، وقبض عليه في شوّال وقتل، فوجد له من العين ستّ مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار (١). وولي بعده الوزارة الأمير شمس الملوك المكين مسعود بن طاهر (٢).
وفي سنة أربع عشرة قلّد منتخب الدولة الدّذبري متولّي قيساريّة ولاية فلسطين (٣)، فكانت له مع حسّان بن مفرّج بن جرّاح الطائي حروب.
وفيها نزع السّعر بمصر، وتعذّر وجود الخبز.
وفي المحرّم سنة خمس عشرة لقّب الخادم الأسود معضاد، بالقائد عزّ الدّولة وسنائها أبي الفوارس معضاد الظّاهري، وخلع عليه (٤).
وثار رجل من بني الحسين ببلاد الصّعيد فقبض عليه، وأقرّ أنّه قتل الحاكم بأمر اللّه، ووجد معه قطعة من جلد رأسه وقطعة من الفوطة التي كانت عليه، فسئل عن سبب قتله إيّاه، فقال:
غرت للّه وللإسلام. ثم قتل نفسه بسكين كانت معه، فقطعت رأسه وسيّرت إلى القاهرة (٥).
وفيها اشتدّ الغلاء بمصر، وكثر نقص النّيل (٦).
стр. 1139
وفيها قرّر الشّريف الكبير العجمي والشّيخ نجيب الدّولة الجرجرائي والشّيخ العميد محسن بن بدوس مع القائد معضاد، ألاّ يدخل على الظّاهر أحد غيرهم، وكانوا يدخلون كلّ يوم خلوة، ويخرجون فيتصرّفون في سائر أمور الدولة والظّاهر مشغول بلذّاته. وصار شمس الملوك مظفّر صاحب المظلّة، وابن خيران صاحب الإنشاء، وداعي الدّعاة، ونقيب نقباء الطّالبيين، وقاضي القضاة، ربّما دخلوا على الظّاهر في كلّ عشرين يوما مرّة، ومن عداهم لا يصل إلى الظّاهر (¬a) ألبتّة. والثّلاثة الأول هم الذين يقضون الأشغال، ويمضون الأمور بعد الاجتماع عند القائد معضاد (١).
ومنع النّاس من ذبح الأبقار لقلّتها، وعزّت الأقوات بمصر، وقلّت البهائم كلّها حتى بيع الرأس البقر بخمسين دينارا (٢).
وكثر الخوف في ظواهر البلد، وكثر اضطراب النّاس، وتحدّث زعماء الدولة بمصادرة التّجّار، فاختلف بعضهم على بعض، وكثر ضجيج طوائف العسكر من الفقر والحاجة فلم يجابوا، وتحاسد زعماء الدولة، فقبض على العميد محسن وضرب عنقه (٣).
واشتدّ الغلاء، وفشت الأمراض، وكثر الموت في النّاس، وفقد الحيوان فلم يقدر على دجاجة ولا فرّوج، وعزّ الماء لقلّة الظّهر. فعمّ البلاء من كلّ جهة، وعرض النّاس أمتعتهم للبيع فلم يوجد من يشتريها (٤).
وخرج الحاجّ، فقطع عليهم الطريق بعد رحيلهم من بركة الجبّ، وأخذت أموالهم، وقتل منهم كثير، وعاد من بقي، فلم يحجّ أحد من أهل مصر (٥).
وتفاقم الأمر في شدّة الغلاء فصاح الناس بالظّاهر: الجوع، الجوع يا أمير المؤمنين، لم يصنع بنا هذا أبوك ولا جدّك، فاللّه اللّه في أمرنا (٦).
وطرقت عساكر ابن جرّاح الفرما، ففرّ أهلها إلى القاهرة (٧).
стр. 1140
وأصبح الناس بمصر على أقبح حال من الأمراض والموتان وشدّة الغلاء وعدم الأقوات، وكثر الخوف من الذّعّار التي تكبس البيوت (¬a)، حتى إنّه لمّا عمل سماط عيد النّحر بالقصر، كبس العبيد على السّماط وهم يصيحون: الجوع، ونهبوا سائر ما كان عليه (١).
/ ونهبت الأرياف، وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور من العامّة قبيحة.
واحتاج الظّاهر إلى القرض، فحمل بعض أهل الدولة إليه مالا، وامتنع آخرون.
واجتمع نحو الألف عبد لينهبوا (¬b) البلد من الجوع، فنودي بأنّ من تعرّض له أحد من العبيد فليقتله، وندب جماعة لحفظ البلد، واستعدّ النّاس، فكانت نهبات بالسّاحل، ووقائع مع العبيد احتاج النّاس فيها إلى أن خندقوا عليهم خنادق، وعملوا الدّروب على الأزقّة والشّوارع. وخرج معضاد في عسكر فطردهم، وقبض على جماعة منهم ضرب أعناقهم، وأخذ العبيد في طلب الجرجرائي وغيره من وجوه الدولة، فحرسوا أنفسهم وامتنعوا في دورهم. وانقضت السّنة والنّاس في أنواع من البلاء (٢).
وفي سنة ستّ عشرة، أمر الظّاهر فأخرج من بمصر من الفقهاء المالكية وغيرهم، وأمر الدّعاة أن يحفّظوا النّاس كتاب «دعائم الإسلام» و «مختصر» الوزير، وجعل لمن حفظ ذلك مالا (٣).
وفي سنة سبع عشرة، ثار بمصر رعاف عظيم بالنّاس، وكثرت زيادة النّيل عن العادة، وتصدّق الظّاهر بمائة ألف دينار من أجل أنّه سقط عن فرسه وسلم (٤).
وفي سنة ثمان عشرة، وقّعت الهدنة مع صاحب الرّوم، وخطب للظّاهر في بلاده، وأعاد الجامع بقسطنطينيّة وعمل فيه مؤذّنا، فأعاد الظّاهر كنيسة قمامة بالقدس، وأذن لمن أظهر الإسلام في أيّام الحاكم أن يعود إلى النّصرانية، فرجع إليها كثير منهم (٥).
وصرف الظّاهر وزيره عميد الدّولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الرّوذباري، وأقام بدله أبا القاسم عليّ بن أحمد الجرجرائي (٦).
стр. 1141
وفي سنة عشرين كانت فتنة بين المغاربة والأتراك قتل فيها كثير (١).
وفي سنة إحدى وعشرين، بويع لابن الظّاهر بولاية العهد وعمره ثمانية أشهر، وأنفق على ذلك في خلع لأهل الدولة وطعام ونثار للعامّة ما يجلّ وصفه (٢).
وفي سنة اثنتين وعشرين، تحرّك السّعر لنقص ماء النّيل، ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر (٣).
وفي سنة ثلاث وعشرين، قتل الظّاهر أحد الدّعاة، فاضطربت الرّعية والجند، وتحدّث الدّعاة (¬a) بخلعه، ثم سكنت الفتنة بعد إنفاق مال جزيل (٤).
وفي سنة أربع وعشرين، ركب وليّ العهد من القاهرة إلى مصر وقد زيّنت الطّرقات، فكان إذا مرّ بقوم قبّلوا له الأرض، ونثر يومئذ على العامّة مبلغ خمسة آلاف دينار. فكان يوما عظيما (٥).
وفي سنة خمس وعشرين، بثّ الظّاهر دعاته ببغداد عند اختلاف الأتراك بها، فكثرت دعاته هناك، واستجاب لهم خلق كثير (٦).
فلمّا كان في سنة ستّ وعشرين، كثر الوباء بمصر (٧).
ومات الظّاهر للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربع مائة عن اثنتين وثلاثين سنة إلاّ أياما، فكانت مدّة خلافته خمس عشر سنة وثمانية أشهر وأياما. وكان مشغوفا باللّهو محبّا للغناء، فتأنّق النّاس في أيّامه بمصر، واتّخذوا المغنّيات والرّقّاصات، وبلغوا من ذلك مبلغا عجيبا (¬b). واتّخذ حجرا لمماليكه، وعلّمهم أنواع العلوم وسائر فنون الحرب، واتّخذ خزانة البنود وأقام فيها ثلاثة آلاف صانع، وراسل الملوك، واستكثر من شراء الجواهر، وكانت مملكته بإفريقية ومصر والشّام والحجاز.
وغلب صالح بن مرداس على حلب في أيّامه واستولى على ما يليها، وتغلّب حسّان بن جرّاح على أكثر بلاد الشّام، فتضعضعت الدولة.
стр. 1142
وقام من بعده ابنه وليّ العهد وبويع له، وهو «المستنصر باللّه أبو تميم معدّ»، ومولده في السّادس عشر من جمادى الآخرة سنة عشرين وأربع مائة، وبويع للخلافة للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين، وعمره يومئذ سبع سنين، فأقام ستين سنة وأشهرا في الخلافة، كانت فيها أنباء وقصص شنيعة بديار مصر (١).
منها أنّ أمّه كانت أمّه سوداء لتاجر يهودي يقال له أبو سعد سهل بن هارون التّستري، فابتاعها منه الظّاهر، واستولدها المستنصر. فلمّا أفضت الخلافة إليه استدنت أمّه أبا سعد ورقّته درجة عليّة. وكان الوزير يومئذ أبا القاسم الجرجرائي، فلم يتمكّن أبو سعد من إظهار ما في نفسه حتى مات الجرجرائي (٢).
وتولّى أبو منصور صدقة بن يوسف الفلاحي الوزارة، فانبسطت يد أبي سعد، وصار الفلاحيّ يأتمر بأمره، فعمل عليه وقتله كما ذكر في خبر خزانة البنود، فحقدت أمّ المستنصر على الفلاحي وصرفته عن الوزارة، واستقرّ أبو البركات صفيّ الدين الحسين بن محمد بن أحمد الجرجرائي في الوزارة (٣).
وفي سنة أربعين صار ناصر الدولة الحسين بن حمدان، متولّي دمشق، بالعساكر إلى حلب، وحارب متولّيها ثمال بن صالح بن مرداس، ثم رجع بغير طائل. فقلّد مظفّرا الصّقلبي دمشق، وقبض على ابن حمدان وصادره، واعتقله بصور ثم بالرّملة (٤).
стр. 1143
وخرج أمير الأمراء رفق الخادم (١) على عسكر تبلغ عدّته نحو الثلاثين ألفا، بلغت النّفقة عليه أربع مائة ألف دينار، يريد الشّام ومحاربة بني مرداس (٢).
وفي المحرّم سنة إحدى وأربعين، صرف قاضي القضاة قاسم بن عبد العزيز بن النّعمان عن القضاء بعد ما باشره ثلاث عشرة سنة وشهرا وأربعة أيام، وتقلّد وظيفة القضاء بعده القاضي الأجلّ خطير الملك أبو محمد اليازوري (٣).
وفيها/ حارب رفق بني مرداس، فظفروا به وأسروه فمات بقلعة حلب، فأفرج عن ابن حمدان وبقي بالحضرة (٤). وقبض على الوزير أبي البركات الجرجرائي ونفي إلى الشّام. وعمل أبو الفضل صاعد بن مسعود واسطة لا وزيرا (٥). ثم قلّد قاضي القضاة أبو محمد اليازوري الوزارة مع وظيفة القضاء، ولقّب ب «سيّد الوزراء» (٦).
وفي سنة اثنتين وأربعين، كانت حروب البحيرة، وإخراج بني قرّة منها، وإنزال بني سنبس بعدهم بهم (٧). وفيها دعا عليّ بن محمد الصّليحي باليمن للمستنصر، وبعث إليه بمال النّجوى والهدنة (¬a) (٨).
стр. 1144
وفي سنة أربع وأربعين، كتب ببغداد محاضر بالقدح في نسب الخلفاء المصريين، ونفيهم من الانتساب إلى عليّ بن أبي طالب، وسيّرت إلى الآفاق (١). وقصر مدّ النّيل، فتحرّك السّعر بمصر.
ثم قصر أيضا مدّ النّيل في سنة ستّ وأربعين، فقوي الغلاء، وكثر الموت في النّاس (٢).
وفي سنة ثمان وأربعين، خرج أبو الحارث البساسيري من بغداد منتميا للمستنصر، فسيّرت إليه الأموال والخلع (٣).
وفي سنة ثمان وأربعين عادت حلب إلى مملكة المستنصر (٤).
وفي سنة خمسين قبض على الوزير النّاصر للدين أبي محمد اليازوري (٥)، وتقلّد بعده الوزارة (¬a) أبو الفرج البابليّ ثم صرف بعد اثنين وسبعين يوما وتولّى (¬a) أبو الفرج محمد بن جعفر المغربي، ابن عبد اللّه بن محمد، وولي القضاء بعد اليازوري أبو عليّ أحمد بن عبد الحكم، ثم صرف بعبد الحاكم المليجي (٦).
وفيها أخذ البساسيريّ بغداد، وأقام فيها الخطبة للمستنصر، وفرّ الخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي إلى قريش بن بدران، فبعث به إلى عانة، وسيّرت ثياب القائم وعمامته وغير ذلك من الأموال إلى مصر (٧).
وفيها سار ناصر الدولة إلى دمشق أميرا عليها (٨).
стр. 1145
وفي سنة إحدى وخمسين، أقيمت دعوة المستنصر بالبصرة وواسط وجميع تلك الأعمال، فقدم طغرلبك إلى بغداد، وأعاد الخليفة القائم بعد ما خطب للمستنصر ببغداد أربعون خطبة، وقتل البساسيري (١).
وفيها قطعت خطبة المستنصر أيضا من حلب، فسار إليها ابن حمدان وحارب أهلها، فانكسر كسرة شديدة شنيعة، وعاد إلى دمشق (٢).
وفيها صرف أبو الفرج بن المغربي عن الوزارة، وعبد الحاكم عن القضاء، وأعيد إلى الوزارة أبو الفرج البابليّ، واستقرّ في وظيفة القضاء أحمد بن أبي زكري (٣).
وفي سنة ثلاث وخمسين، كثر صرف الوزراء والقضاة وولايتهم، لكثرة مخالطة الرّعاع للخليفة وتقدّم الأراذل، بحيث كان يصل إليه في كلّ يوم ثمان مائة رقعة فيها المرافعات والسّعايات (٤).
فاشتبهت عليه الأمور، وتناقضت الأحوال، ووقع الاختلاف بين عبيد الدّولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدّة كلّ منهم، وخربت الأعمال وقلّ ارتفاعها، وتغلّب الرّجال على معظمها مع كثرة النّفقات والاستخفاف بالأمور وطغيان الأكابر (٥)؛ إلى أن آل الأمر إلى حدوث الشّدّة العظمى كما قد ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٦)، وكان من قدوم أمير الجيوش بدر الجماليّ في سنة ستّ وستين وأربع مائة وقيامه بسلطنة مصر، ما ذكر في ترجمته عند ذكر أبواب القاهرة (٧).
فلم يزل المستنصر مدّة أمير الجيوش، ملجما عن التصرّف إلى أن مات في سنة سبع وثمانين، فأقام العسكر من بعده في الوزارة ابنه الأفضل شاهنشاه، فباشر الأمور يسيرا.
ومات المستنصر ليلة الخميس لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين عن سبع وستين سنة وخمسة أشهر؛ منها في الخلافة ستون سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام، مرّت فيها أهوال عظيمة، وشدائد آلت به إلى أن جلس على نخّ، وفقد القوت فلم يقدر عليه، حتى كانت امرأة من
стр. 1146
الأشراف تتصدّق عليه في كلّ يوم بقعب فيه فتيت، فلا يأكل سواه مرة في كلّ يوم. وقد مرّ في غير موضع من هذا الكتاب كثير من أخباره.
فلمّا مات المستنصر أقام الأفضل بن أمير الجيوش في الخلافة من بعده ابنه «المستعلي باللّه أبا القاسم أحمد» (١)، وكان مولده في العشرين من المحرّم سنة سبع وستين وأربع مائة، فخالف عليه أخوه نزار وفرّ إلى الإسكندرية، وكان القائم بالأمور كلّها الأفضل، فحاربه حتى ظفر به وقتله، كما تقدّم في خبر أفتكين عند ذكر (¬a) خزائن القصر (٢).
وفي سنة تسعين وقع بمصر غلاء ووباء، وقطعت الخطبة من دمشق للمستعلي، وخطب بها للعبّاسي، وخرج الفرنج من قسطنطينيّة لأخذ سواحل الشّام وغيرها من أيدي المسلمين، فملكوا أنطاكية (٣).
وفي سنة إحدى وتسعين خرج الأفضل بعسكر عظيم من القاهرة، فأخذ بيت المقدس من الأرتقيّة (¬b)، وعاد إلى القاهرة (٤).
وفي سنة اثنتين وتسعين، ملك الفرنج الرّملة وبيت المقدس، فخرج الأفضل بالعساكر وسار إلى عسقلان، فسار إليه الفرنج وقاتلوه وقتلوا كثيرا من أصحابه، وغنموا منه شيئا كثيرا وحصروه، فنجا بنفسه في البحر وصار إلى القاهرة (٥).
وفي سنة ثلاث وتسعين، عمّ الوباء أكثر البلاد، فهلك بمصر عالم عظيم (٦).
стр. 1147
وفي سنة أربع وتسعين، خرج عسكر مصر لقتال الفرنج، وكانت بينهما حروب كثيرة (١).
وفي سنة خمس وتسعين وأربع مائة، مات المستعلي باللّه لثلاث عشرة بقيت من صفر، وعمره سبع وعشرون سنة وسبعة وعشرون يوما، ومدّة خلافته سبع سنين وشهران (٢). وفي أيّامه اختلّت الدّولة/ وانقطعت الدّعوة من أكثر مدن الشّام، فإنّها صارت بين الأتراك والفرنج، وصارت الإسماعيلية فرقتين: فرقة نزاريّة تطعن في إمامة المستعلي، وفرقة ترى صحّة خلافته (٣).
ولم يكن للمستعلي مع الأفضل أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، وقيل إنّه سمّ، وقيل بل قتل سرّا.
فلمّا مات، أقام الأفضل من بعده في الخلافة ابنه «الآمر بأحكام اللّه أبا عليّ منصورا»، وعمره خمس سنين وشهر وأيام، فقتل الأفضل في أيّامه، وأقام في الخلافة تسعا وعشرين سنة وثمانية أشهر ونصفا. وقد ذكرت ترجمته عند ذكر الجامع الأقمر في ذكر الجوامع من هذا الكتاب (٤).
ولمّا قتل الآمر بأحكام اللّه، أقيم من بعده «الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد» ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر باللّه (٥)، وكان قد ولد بعسقلان في المحرّم سنة سبع وقيل في
стр. 1148
سنة ثمان وتسعين وأربع مائة، لمّا أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقيّة أولاده في أيّام الشّدّة، فلذلك كان يقال له، في أيام الآمر بأحكام اللّه: الأمير عبد المجيد العسقلاني ابن عمّ مولانا.
ولمّا قتل النّزاريّة الخليفة الآمر، أقام برغش وهزّار الملوك الأمير عبد المجيد في دست الخلافة، ونعتاه (¬a) ب «الحافظ لدين اللّه»، وأنّه يكون كفيلا لمنتظر في بطن أمّه من أولاد الآمر، واستقرّ هزّار الملوك وزيرا. فثار العسكر وأقاموا أبا عليّ بن الأفضل وزيرا، وقتل هزّار الملوك، ونهب شارع القاهرة، وذلك كلّه في يوم واحد (١).
فاستبدّ أبو عليّ بالوزارة يوم السّادس عشر من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة (٢)، وقبض على الحافظ وسجنه مقيّدا، فاستمرّ إلى أن قتل أبو عليّ في سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين، فأخرج من معتقله، وأخذ له العهد على أنّه «وليّ عهد كفيل لمن يذكر اسمه»، فاتّخذ الحافظ هذا اليوم عيدا سمّاه «عيد النّصر»، وصار يعمل كلّ سنة (٣).
ونهبت القاهرة يومئذ، وقام يانس صاحب الباب بالوزارة، إلى أن هلك في ذي الحجّة منها بعد تسعة أشهر، فلم يستوزر الحافظ بعده أحدا، وتولّى الأمور بنفسه إلى سنة ثمان وعشرين، فأقام ابنه سليمان وليّ عهده مقام وزير، فلم تطل أيامه سوى شهرين ومات، فجعل مكانه ابنه (¬b) حيدرة، فحنق ابنه حسن وثار بالفتنة، وكان من أمره ما ذكر في خبر الحارة اليانسيّة من هذا الكتاب (٤).
стр. 1149
فلمّا قتل حسن، قام بهرام الأرمنيّ وأخذ الوزارة في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين، وكان نصرانيّا، فاشتدّ ضرر المسلمين من النّصارى، وكثرت أذيّتهم (١). فسار رضوان بن ولخشي - وهو يومئذ متولّي الغربية - وجمع النّاس لحرب بهرام، وسار إلى القاهرة، فانهزم بهرام، ودخل رضوان القاهرة، واستولى على الوزارة في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، فأوقع بالنّصارى وأذلّهم، فشكره النّاس، إلاّ أنّه كان خفيفا عجولا، فأخذ في إهانة حواشي الخليفة وهمّ بخلعه، وقال: ما هو بإمام، وإنّما هو كفيل لغيره وذلك الغير لم يصحّ (٢).
فتوحّش الحافظ منه، وما زال يدبّر عليه حتى ثارت فتنة انهزم فيها رضوان، وخرج إلى الشّام فجمع وعاد في سنة أربع وثلاثين، فجهّز له الحافظ العساكر لمحاربته، فقاتلهم وانهزم منهم إلى الصّعيد، فقبض عليه واعتقل، فلم يستوزر الحافظ أحدا بعده إلى أن كانت سنة ستّ وثلاثين، فغلت الأسعار بمصر، وكثر الوباء، وامتدّ إلى سنة سبع وثلاثين فعظم الوباء (٣).
وفي سنة اثنتين وأربعين، خلص رضوان من معتقله بالقصر، وخرج من نقب وثار بجماعة، وكانت فتنة آلت إلى قتله (٤).
وفي سنة أربع وأربعين، ثارت فتنة بالقاهرة بين طوائف العسكر، فمات الحافظ ليلة الخامس من جمادى الآخرة عن سبع وسبعين سنة، منها مدّة خلافته ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما أصابته فيها شدائد كثيرة. وكان حازما سيوسا كثير المداراة، عارفا جمّاعا للمال، مغرى بعلم النّجوم، يغلب عليه الحلم (٥).
فلمّا مات والفتنة قائمة، أقيم ابنه «الظّافر بأمر اللّه أبو منصور إسماعيل»، ومولده للنصف من ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وخمس مائة، فأقام في الخلافة أربع سنين وثمانية
стр. 1150
أشهر إلاّ خمسة أيام، وكان محكوما عليه من الوزارء (¬a) (١).
وفي أيّامه أخذت عسقلان، فظهر الخلل في الدّولة (٢). وقد ذكرت أخباره في خطّ الخشبية عند ذكر الخطط من هذا الكتاب (٣).
فلمّا قتل، أقيم من بعده ابنه «الفائز بنصر اللّه أبو القاسم عيسى»، أقامه في الخلافة بعد مقتل أبيه الوزير عبّاس، وعمره خمس سنين (٤). فقدم طلائع بن رزّيك والي الأشمونين بجموعه إلى القاهرة، ففرّ عبّاس، واستولى طلائع على الوزارة، وتلقّب ب «الصّالح» (٥)، وقام بأمر الدولة إلى أن مات الفائز لثلاث عشرة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين عن إحدى عشرة سنة وستة أشهر ويومين، منها في الخلافة ستّ سنين وخمسة أشهر وأيام لم ير فيها خيرا، فإنّه لمّا أخرج ليقام خليفة رأى أعمامه قتلى وسمع الصّراخ، فاختلّ عقله وصار يصرخ حتى مات.
فأقام الصّالح بن رزّيك في الخلافة بعده «العاضد لدين اللّه أبا محمد عبد اللّه» بن الأمير يوسف بن الحافظ لدين اللّه. ومولده لعشر بقين من المحرّم سنة ستّ وأربعين/ وخمس مائة، وكان عمره يوم بويع نحو إحدى عشرة سنة (٦). وقام الصّالح بتدبير الأمور إلى أن قتل في رمضان
стр. 1151
سنة ستّ وخمسين، كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع (١).
فقام من بعده ابنه رزّيك بن طلائع وحسنت سيرته، فعزل شاور بن مجير السّعدي عن ولاية قوص، فلم يقبل العزل، وحشد وسار على طريق الواحات في البرّيّة إلى ترّوجة، فجمع الناس وسار إلى القاهرة، فلم يثبت رزّيك وفرّ، فقبض عليه بإطفيح (٢).
واستقرّ شاور في الوزارة لأيام خلت من صفر سنة ثمان وخمسين، فأقام إلى أن ثار ضرغام صاحب الباب، ففرّ منه إلى الشّام، واستبدّ ضرغام بالوزارة فقتل أمراء الدولة، وأضعفها بسبب ذهاب أكابرها. فقدم الفرنج ونازلوا مدينة بلبيس مدّة، ودافعهم المسلمون عدّة مرار حتى عادوا إلى بلادهم بالسّاحل، ورجع العسكر إلى القاهرة وقد قتل منهم كثير.
فوصل شاور بعساكر الشّام في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، فحاربه ضرغام على بلبيس بعساكر مصر، وكانت لهم معه معارك انهزموا في آخرها، وغنم شاور ومن معه سائر ما خرجوا به - وكان شيئا جليلا - فسرّوا بذلك، وساروا إلى القاهرة فكانت بين الفريقين حروب آلت إلى هزيمة ضرغام وقتله في شهر رمضان منها.
فاستولى شاور على الوزارة مرّة ثانية، واختلف مع الغزّ القادمين معه من الشّام، وكانت له معهم حروب آلت إلى أنّ شاور كتب إلى مرّي [Amaury] ملك الفرنج يستدعيه إلى القاهرة، ليعينه على محاربة شير كوه ومن معه من الغزّ. فحضر وقد صار شير كوه في مدينة بلبيس. فخرج شاور من القاهرة، ونزل هو ومرّي [Amaury] على بلبيس، وحصروا شير كوه ثلاثة أشهر، ثم وقع الصّلح، فسار شير كوه بالغزّ إلى الشّام، ورحل الفرنج، وعاد شاور إلى القاهرة في سنة ستين وخمس مائة، فلم يزل إلى أن قدم شير كوه من الشّام بالعساكر مرّة ثانية في ربيع الآخر. فخرج شاور من القاهرة إلى لقائه، واستدعى مرّي [Amaury] ملك الفرنج، فسار شير كوه على الشّرق وخرج من إطفيح، فسار إليه شاور بالفرنج، وكانت له معه الوقعة المشهورة، فسار شير كوه بعد الوقعة من الأشمونين وأخذ الإسكندرية، وعاد شاور إلى القاهرة (٣).
стр. 1152
وخرج شير كوه من الإسكندرية بعد أن استخلف عليها ابن أخيه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ولم يزل يسير من الإسكندرية إلى قوص وهو يجبي البلاد. فخرج شاور من القاهرة بالفرنج، ونازل الإسكندرية، فبلغ شير كوه ذلك، فعاد من قوص إلى القاهرة وحصرها، ثم كانت أمور آخرها مسير شير كوه وأصحابه من أرض مصر إلى الشّام في شوّال.
وقد طمع الفرنج في البلاد، وتسلّموا أسوار القاهرة، وأقاموا فيها شحنة معه عدّة من الفرنج لمقاسمة المسلمين ما يتحصّل من مال البلد، وفحش أمر شاور وساءت سيرته، وكثر تجرّيه على الدّماء وإتلافه للأموال.
فلمّا كان في سنة أربع وستين، قوي تمكّن الفرنج في القاهرة، وجاروا في حكمهم بها، وركبوا المسلمين بأنواع الأهبة (¬a)، فسار مرّي [Amaury] يريد أخذ القاهرة، ونزل على مدينة بلبيس وأخذها عنوة. فكتب العاضد إلى نور الدّين محمود بن زنكي صاحب الشّام يستصرخه، ويحثّه على نجدة الإسلام وإنقاذ المسلمين من الفرنج. فجهّز أسد الدّين شير كوه في عسكر كثير، وجهّزهم وسيّرهم إلى مصر، وقد أحرق شاور مدينة مصر كما تقدّم (١).
ونزل مرّي [Amaury] ملك الفرنج على القاهرة، وألحّ في قتال أهلها حتى كاد أن يأخذها عنوة، فسيّر إليه شاور وخادعه حتى رضي بمال يجمعه له، فشرع في جبايته وإذا بالخبر ورد بقدوم شير كوه (¬b) فرحل الفرنج عن القاهرة في سابع ربيع الآخر (¬b). ونزل شير كوه على القاهرة بالغزّ ثالث مرّة فخلع عليه العاضد وأكرمه، فأخذ شاور يفتك بالغزّ على عادته، فكان من قتله ما ذكر في موضعه، وذلك في سابع عشر ربيع الآخر المذكور. وتقلّد شير كوه وزارة
стр. 1153
العاضد وقام بأمور (¬a) الدّولة شهرين وخمسة أيام، ومات في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة.
ففوّض العاضد الوزارة لصلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فساس الأمور ودبّر لنفسه، فبذل الأموال وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال. فلم يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان، وصار يخطب من بعد العاضد للسّلطان نور الدين محمود (¬b)، وأقطع أصحابه البلاد، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبدّ بالأمور ومنع العاضد من التصرّف، حتى تبيّن للنّاس ما يريده من إزالة الدولة، إلى أن كان من واقعة العبيد ما ذكر، فأبادهم وأفناهم (١). ومن حينئذ تلاشى العاضد وانحلّ أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة فقط؛ هذا وصلاح الدّين يوالي الطّلب منه في كلّ يوم ليضعفه، فأتى على المال والخيل والرّقيق وغير ذلك، حتى لم يبق عند العاضد غير فرس واحد فطلبه منه وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من القصر ألبتّة. وتتبّع صلاح الدّين جند العاضد، وأخذ دور الأمراء وإقطاعاتهم فوهبها لأصحابه، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله فقدموا من الشّام عليه.
فلمّا كان في سنة ستّ وستين أبطل المكوس من ديار مصر، وهدم دار المعونة بمصر وعمّرها/ مدرسة للشّافعيّة، وأنشأ مدرسة أخرى للمالكيّة (٢)، وعزل قضاة مصر الشّيعة وقلّد القضاء صدر الدّين عبد الملك بن درباس الشّافعيّ وجعل إليه الحكم في إقليم مصر كلّه؛ فعزل سائر القضاة واستناب قضاة شافعيّة، فتظاهر النّاس من تلك السّنة بمذهب مالك والشّافعيّ ﵄ واختفى مذهب الشّيعة إلى أن نسي من مصر (٣).
وأخذ في غزو الإفرنج (¬c)، فخرج إلى الرّملة وعاد في ربيع الأوّل، ثم سار إلى أيلة، ونازل قلعتها حتى أخذها من الفرنج في ربيع الآخر، ثم سار إلى الإسكندرية ولمّ شعث سورها وعاد، وسيّر توران شاه فأوقع بأهل الصّعيد، وأخذ منهم ما لا يمكن وصفه كثرة وعاد.
стр. 1154
فكثر القول من صلاح الدّين وأصحابه في ذمّ العاضد، وتحدّثوا بخلعه وإقامة الدّعوة العبّاسية بالقاهرة ومصر، ثم قبض على سائر من بقي من أمراء الدّولة وأنزل أصحابه في دورهم في ليلة واحدة، فأصبح في البلد من العويل والبكاء ما يذهل، وتحكّم أصحابه في البلد بأيديهم، وأخرج سائر إقطاعات المصريين لأصحابه، وقبض على بلاد العاضد ومنع عنه سائر موادّه، وقبض على القصور وسلّمها إلى الطّواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي، وجعله زمامها (١). فضيّق على أهل القصر، وصار العاضد معتقلا تحت يده (٢).
وأبطل من الأذان «حيّ على خير العمل»، وأزال شعار الدولة، وصرّح (¬a) بالعزم على قطع خطبة العاضد، فمرض ومات وعمره إحدى وعشرون سنة إلاّ عشرة أيام، منها في الخلافة إحدى عشرة سنة وستة أشهر وسبعة أيام (¬b)، وذلك في ليلة يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مائة، بعد قطع اسمه من الخطبة والدّعاء للمستنجد العبّاسي بثلاثة أيام (٣). وكان كريما ليّن الجانب، مرّت به مخاوف وشدائد، وهو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر. فكانت (¬c) مدّتهم بالمغرب ومصر، منذ قام عبيد اللّه المهدي إلى أن مات العاضد، مائتي سنة واثنتين وسبعين سنة وأياما، منها بالقاهرة (¬d) مائتان وثماني سنين، فسبحان الباقي.
стр. 1155
ذكر ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها
اعلم أنّ مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ كان مدينة الفسطاط - المعروفة في زماننا بمدينة مصر - قبليّ القاهرة. وبها كان محلّ الأمراء ومنزل ملكهم، وإليها تجبى ثمرات الأقاليم، وتأوي الكافة. وكانت قد بلغت من وفور العمارة، وكثرة النّاس، وسعة الأرزاق، والتّفنّن في أنواع الحضارة، والتأنّق في النّعيم، ما أربت به على كلّ مدينة في المعمور حاشا بغداد، فإنّها كانت سوق العالم، وقد زاحمتها مصر وكادت أن تساميها إلاّ قليلا (١).
ثم لمّا انقضت الدّولة الإخشيدية من مصر، واختلّ حال الإقليم بتوالي الغلوات وتواتر الأوباء والفنوات، حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ أمير المؤمنين، على يد عبده وكاتبه القائد جوهر، فنزل حيث القاهرة الآن، وأناخ هناك. وكانت حينئذ رملة - فيما بين مصر وعين شمس - يمرّ بها النّاس عند مسيرهم من الفسطاط إلى عين شمس، وكانت فيما بين الخليج المعروف في أوّل الإسلام بخليج أمير المؤمنين، ثم قيل له خليج القاهرة، ثم هو الآن يعرف بالخليج الكبير وبالخليج الحاكمي. وبين الخليج والجبل (¬a) المعروف باليحاميم، وهو الجبل الأحمر (٢). وكان الخليج المذكور فاصلا بين الرّملة المذكورة وبين القرية التي يقال لها أم دنين ثم عرفت الآن بالمقس. وكان من يسافر من الفسطاط إلى بلاد الشّام ينزل بطرف هذه الرّملة، في الموضع الذي كان يعرف بمنية الأصبغ، ثم عرف إلى يومنا بالخندق.
وتمرّ العساكر والتّجّار وغيرهم من منية الأصبغ (٣) إلى منى (¬b) جعفر على غيفا وسلمنت إلى بلبيس، وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلا، ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما.
стр. 1156
ولم يكن الدّرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرّمل يعرف في القديم، وإنّما عرف بعد خراب تنّيس والفرما، وإزاحة الفرنج عن بلاد السّاحل بعد تملّكهم له مدّة من السنين.
وكان من يسافر في البرّ من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجبّ عميرة، المعروف اليوم ببركة الجبّ وبركة الحاج (١).
ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرّملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن طغج - المعروف اليوم بالكافوري - من القاهرة، ودير للنّصارى يعرف بدير العظام، تزعم النّصارى أنّ فيه بعض من أدرك المسيح ﵇ وبقي الآن بئر هذا الدّير، ويعرف ببئر العظام - والعامّة تقول بئر العظمة - وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة، ومنها ينقل الماء إليه.
وكان بهذه الرّملة أيضا مكان ثالث يعرف بقصير الشّوك - بصيغة التصغير - تنزله بنو عذرة في الجاهلية، وصار موضعه عند بناء القاهرة يعرف بقصر الشّوك من جملة القصور الزّاهرة. هذا الذي اطّلعت عليه أنّه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش.
وكان النّيل حينئذ بشاطئ المقس يمرّ من موضع السّاحل القديم بمصر - الذي هو الآن/ سوق المعاريج، وحمّام ظنّ (¬a)، والمراغة، وبستان الجرف، وموردة الحلفاء، ومنشأة المهراني - على ساحل الحمراء، وهي موضع قناطر السّباع، فيمرّ النّيل بساحل الحمراء إلى المقس، موضع جامع المقس الآن، وفيما بين الخليج وبين ساحل النّيل بساتين الفسطاط (٢).
فإذا صار النّيل إلى المقس، حيث الجامع الآن، مرّ من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطّبّالة، من الموضع المعروف اليوم بالجرف، وصار إلى البعل، ومرّ على طرف منية الأصبغ من غربيّ الخليج إلى المنية.
وكان فيما بين الخليج والجبل، ممّا يلي بحري موضع القاهرة، مسجد بني على رأس إبراهيم ابن عبد اللّه بن حسن بن الحسن (¬b) بن عليّ بن أبي طالب، ثم جدّده (¬c) تبر الإخشيدي، فعرف بمسجد تبر، والعامّة تقول مسجد التّبن (٣).
стр. 1157
ولم يكن الممرّ من الفسطاط إلى عين شمس وإلى الحوف الشرقي وإلى البلاد الشّامية، إلاّ بحافة الخليج، ولا يكاد يمرّ بالرّملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كبير أحد (¬a)، ولذلك كان بها دير للنّصارى، إلاّ أنّه لمّا عمّر الإخشيد البستان المعروف بالكافوري، أنشأ بجانبه ميدانا وكان كثيرا ما يقيم به، وكان كافور أيضا يقيم به.
وكان فيما بين موضع القاهرة ومدينة الفسطاط، ممّا يلي الخليج المذكور، أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى، وهي موضع قناطر السّباع وجبل يشكر، حيث الجامع الطّولوني وما دار به. وفي هذه الحمراء عدّة كنائس وديارات للنّصارى خربت شيئا بعد شيء، إلى أن خرب آخرها في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون.
وجميع ما بين القاهرة ومصر، ممّا هو موجود الآن من العمائر في زمننا (¬b)، فإنّه حادث بعد بناء القاهرة، ولم يكن هناك قبل بنائها شيء ألبتّة سوى كنائس الحمراء. وسيأتي بيان ذلك مفصّلا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
ذكر حدّ القاهرة
قال ابن عبد الظّاهر في كتاب «الرّوضة البهيّة الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة»: الذي استقرّ عليه الحال أنّ حدّ القاهرة من مصر من السّبع سقايات، وكان قبل ذلك من المجنونة إلى مشهد السّيّدة رقيّة عرضا. انتهى (١).
والآن تطلق القاهرة على ما حازه السّور الحجر الذي طوله من باب زويلة الكبير إلى باب الفتوح وباب النّصر، وعرضه من باب سعادة وباب الخوخة إلى باب البرقيّة والباب المحروق. ثم لمّا توسّع النّاس في العمارة بظاهر القاهرة، وبنوا خارج باب زويلة حتى اتّصلت العمائر بمدينة فسطاط مصر، وبنوا خارج باب الفتوح وباب النّصر إلى أن انتهت العمائر إلى الرّيدانية، وبنوا خارج باب القنطرة إلى حيث الموضع الذي يقال له بولاق من شاطئ بحر النّيل (¬c)، وامتدّوا بالعمارة من بولاق على الشّاطئ إلى أن اتّصلت بمنشأة المهراني، وبنوا خارج باب البرقيّة والباب
стр. 1158
المحروق إلى سفح الجبل بطول السّور؛ فصار حينئذ العامر بالسّكنى على قسمين: أحدهما يقال له «القاهرة»، والآخر يقال له: «مصر».
فأمّا «مصر» فإنّ حدّها - على ما وقع عليه الاصطلاح في زمننا هذا الذي نحن فيه - من حدّ أوّل قناطر السّباع إلى طرف بركة الحبش القبليّ ممّا يلي بساتين الوزير، وهذا هو طول حدّ مصر. وحدّها في العرض من شاطئ النّيل، الذي يعرف قديما بالسّاحل الجديد، حيث فم الخليج الكبير وقنطرة السّدّ إلى أوّل القرافة الكبرى.
وأمّا حدّ «القاهرة» فإنّ طولها من قناطر السّباع إلى الرّيدانية، وعرضها من شاطئ النّيل ببولاق إلى الجبل الأحمر؛ ويطلق على ذلك كله «مصر والقاهرة».
وفي الحقيقة «قاهرة المعزّ» التي أنشأها القائد جوهر عند قدومه من حضرة مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ إلى مصر في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، إنّما هي ما دار عليه السّور فقط. غير أنّ السّور المذكور الذي أداره القائد جوهر، تغيّر وعمل - منذ بنيت إلى زمننا هذا - ثلاث مرّات، ثم حدثت العمائر فيما وراء السّور من القاهرة، فصار يقال لداخل السّور «القاهرة»، ولما خرج من السّور «ظاهر القاهرة» (١).
وظاهر القاهرة أربع جهات:
«الجهة القبليّة» وفيها الآن معظم العمارة، وحدّ هذه الجهة طولا من عتبة باب زويلة إلى الجامع الطّولوني، وما بعد الجامع الطّولوني فإنّه من حدّ مصر. وحدّها عرضا من الجامع الطّيبرسي بشاطئ النّيل غربيّ المريس إلى قلعة الجبل، وفي الاصطلاح الآن أنّ القلعة من حكم مصر.
«والجهة البحريّة» وكانت، قبل السبع مائة من سني الهجرة وبعدها إلى قبيل الوباء الكبير، فيها أكثر العمائر والمساكن ثم تلاشت من بعد ذلك. وطول هذه الجهة من باب الفتوح وباب النّصر إلى الرّيدانيّة. وعرضها من منية الأمراء - المعروفة في زمننا الذي نحن فيه بمنية السّيرج - إلى الجبل الأحمر، ويدخل في هذا الحدّ مسجد تبر والرّيدانيّة.
«والجهة الشّرقيّة» فإنّها حيث ترب أهل القاهرة، ولم تحدث بها العمائر من التّرب (¬a) إلاّ بعد
стр. 1159
سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. وحدّ هذه الجهة طولا/ من باب القلعة المعروف بباب السّلسلّة (١) إلى ما يحاذي مسجد تبر في سفح الجبل. وحدّها عرضا فيما بين سور القاهرة والجبل.
«والجهة الغربيّة» فأكثر العمائر بها لم تحدث أيضا إلاّ بعد سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، وإنّما كانت بساتين وبحرا. وحدّ هذه الجهة طولا من منية السّيرج إلى منشأة المهراني بحافّة بحر النّيل.
وحدّها عرضا من باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة إلى ساحل النّيل.
وهذه الأربع جهات من خارج السّور يطلق عليها «ظاهر القاهرة».
وتحوي مصر والقاهرة من الجوامع والمساجد والمدارس والزّوايا والرّبط، والدّور العظيمة والمساكن الجليلة، والمناظر البهجة والقصور الشّامخة، والبساتين الفخرة (¬a)، والحمّامات العامرة (¬b)، والقياسر المعمورة بأصناف الأنواع، والأسواق المملوءة ممّا تشتهي الأنفس، والخانات المشحونة بالواردين، والفنادق الكاظّة بالسّكّان، والتّرب التي تحكي القصور، ما لا يمكن حصره، ولا يعرف ما هو قدره. إلاّ أنّ قدر ذلك - بالتقريب الذي يصدقه الاختبار - طولا بريد أو ما يزيد (¬c) عليه، وهو من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبليّ بركة الحبش، وعرضا يكون نصف بريد فما فوقه، وهو من ساحل النّيل إلى الجبل.
ويدخل في هذا الطّول والعرض بركة الحبش وما دار بها، وسطح الجرف المسمّى بالرّصد، ومدينة الفسطاط التي يقال لها مدينة مصر، والقرافة الكبرى والقرافة (¬d) الصّغرى، وجزيرة الحصن المعروفة اليوم بالرّوضة، ومنشأة المهراني، وقطائع ابن طولون التي تعرف الآن بحدرة ابن قميحة، وخطّ جامع ابن طولون، والرّميلة تحت القلعة، والقبيبات وقلعة الجبل، والميدان الأسود - الذي هو اليوم مقابر أهل القاهرة - خارج باب البرقيّة إلى قبّة النّصر، والقاهرة المعزّيّة وهو ما دار عليه السّور الحجر، والحسينيّة والرّيدانيّة، والخندق وكوم الرّيش وجزيرة الفيل، وبولاق، والجزيرة الوسطى المعروفة بجزيرة أروى، وزريبة قوصون، وحكر ابن الأثير، ومنشأة الكتّاب (¬e)، والأحكار التي فيما بين القاهرة وساحل النّيل، وأراضي اللّوق، والخليج الكبير الذي تسمّيه العامّة
стр. 1160
بالخليج الحاكمي، والحبّانيّة والصّليبة والتّبّانة، ومشهد السّيّدة نفيسة، وباب القرافة، وأرض الطّبّالة، والخليج النّاصريّ، والمقس والدّكّة، وغير ذلك مما يأتي ذكره إن شاء اللّه.
وقد أدركنا هذه المواضع وهي عامرة، والمشيخة تقول هي خراب بالنسبة لما كانت عليه قبل حدوث طاعون سنة تسع وأربعين وسبع مائة، الذي يسمّيه أهل مصر «الفناء الكبير» (١)، وقد تلاشت هذه الأماكن، وعمّها الخراب منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة؛ وللّه عاقبة الأمور.
ذكر بناء القاهرة وما كانت عليه في الدّولة الفاطميّة
وذلك أنّ القائد جوهرا الكاتب، لمّا قدم الجيزة بعساكر مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، أقبل في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وسارت عساكره بعد زوال الشّمس، وعبرت الجسر أفواجا، وجوهر في فرسانه، إلى المناخ الذي رسم له المعزّ موضع القاهرة الآن، فاستقرّ هنالك (¬a) واختطّ القصر. وبات المصريون، فلمّا أصبحوا حضروا للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه إزورارات غير معتدلة، فلمّا شاهدها جوهر لم تعجبه، ثم قال: «قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة»، فتركه على حاله وأدخل فيه دير العظام (٢).
ويقال إنّ القاهرة اختطّها جوهر في يوم السبت لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، واختطّت كلّ قبيلة خطّة عرفت بها: فزويلة بنت الحارة المعروفة بها، واختطّت جماعة من أهل برقة الحارة البرقيّة، واختطّت الرّوم حارتين: حارة الرّوم الآن، وحارة الرّوم الجوّانيّة بقرب باب النّصر (٣).
وقصد جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن تصير حصنا فيما بين القرامطة وبين مدينة مصر ليقاتلهم من دونها، فأدار السّور اللّبن على مناخه الذي نزل فيه بعساكره، وأنشأ من داخل