ولم يكن الدّرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرّمل يعرف في القديم، وإنّما عرف بعد خراب تنّيس والفرما، وإزاحة الفرنج عن بلاد السّاحل بعد تملّكهم له مدّة من السنين.
وكان من يسافر في البرّ من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجبّ عميرة، المعروف اليوم ببركة الجبّ وبركة الحاج (١).
ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرّملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن طغج - المعروف اليوم بالكافوري - من القاهرة، ودير للنّصارى يعرف بدير العظام، تزعم النّصارى أنّ فيه بعض من أدرك المسيح ﵇ وبقي الآن بئر هذا الدّير، ويعرف ببئر العظام - والعامّة تقول بئر العظمة - وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة، ومنها ينقل الماء إليه.
وكان بهذه الرّملة أيضا مكان ثالث يعرف بقصير الشّوك - بصيغة التصغير - تنزله بنو عذرة في الجاهلية، وصار موضعه عند بناء القاهرة يعرف بقصر الشّوك من جملة القصور الزّاهرة. هذا الذي اطّلعت عليه أنّه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش.
وكان النّيل حينئذ بشاطئ المقس يمرّ من موضع السّاحل القديم بمصر - الذي هو الآن/ سوق المعاريج، وحمّام ظنّ (¬a)، والمراغة، وبستان الجرف، وموردة الحلفاء، ومنشأة المهراني - على ساحل الحمراء، وهي موضع قناطر السّباع، فيمرّ النّيل بساحل الحمراء إلى المقس، موضع جامع المقس الآن، وفيما بين الخليج وبين ساحل النّيل بساتين الفسطاط (٢).
فإذا صار النّيل إلى المقس، حيث الجامع الآن، مرّ من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطّبّالة، من الموضع المعروف اليوم بالجرف، وصار إلى البعل، ومرّ على طرف منية الأصبغ من غربيّ الخليج إلى المنية.
وكان فيما بين الخليج والجبل، ممّا يلي بحري موضع القاهرة، مسجد بني على رأس إبراهيم ابن عبد اللّه بن حسن بن الحسن (¬b) بن عليّ بن أبي طالب، ثم جدّده (¬c) تبر الإخشيدي، فعرف بمسجد تبر، والعامّة تقول مسجد التّبن (٣).
стр. 1157
ولم يكن الممرّ من الفسطاط إلى عين شمس وإلى الحوف الشرقي وإلى البلاد الشّامية، إلاّ بحافة الخليج، ولا يكاد يمرّ بالرّملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كبير أحد (¬a)، ولذلك كان بها دير للنّصارى، إلاّ أنّه لمّا عمّر الإخشيد البستان المعروف بالكافوري، أنشأ بجانبه ميدانا وكان كثيرا ما يقيم به، وكان كافور أيضا يقيم به.
وكان فيما بين موضع القاهرة ومدينة الفسطاط، ممّا يلي الخليج المذكور، أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى، وهي موضع قناطر السّباع وجبل يشكر، حيث الجامع الطّولوني وما دار به. وفي هذه الحمراء عدّة كنائس وديارات للنّصارى خربت شيئا بعد شيء، إلى أن خرب آخرها في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون.
وجميع ما بين القاهرة ومصر، ممّا هو موجود الآن من العمائر في زمننا (¬b)، فإنّه حادث بعد بناء القاهرة، ولم يكن هناك قبل بنائها شيء ألبتّة سوى كنائس الحمراء. وسيأتي بيان ذلك مفصّلا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
ذكر حدّ القاهرة
قال ابن عبد الظّاهر في كتاب «الرّوضة البهيّة الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة»: الذي استقرّ عليه الحال أنّ حدّ القاهرة من مصر من السّبع سقايات، وكان قبل ذلك من المجنونة إلى مشهد السّيّدة رقيّة عرضا. انتهى (١).
والآن تطلق القاهرة على ما حازه السّور الحجر الذي طوله من باب زويلة الكبير إلى باب الفتوح وباب النّصر، وعرضه من باب سعادة وباب الخوخة إلى باب البرقيّة والباب المحروق. ثم لمّا توسّع النّاس في العمارة بظاهر القاهرة، وبنوا خارج باب زويلة حتى اتّصلت العمائر بمدينة فسطاط مصر، وبنوا خارج باب الفتوح وباب النّصر إلى أن انتهت العمائر إلى الرّيدانية، وبنوا خارج باب القنطرة إلى حيث الموضع الذي يقال له بولاق من شاطئ بحر النّيل (¬c)، وامتدّوا بالعمارة من بولاق على الشّاطئ إلى أن اتّصلت بمنشأة المهراني، وبنوا خارج باب البرقيّة والباب
стр. 1158
المحروق إلى سفح الجبل بطول السّور؛ فصار حينئذ العامر بالسّكنى على قسمين: أحدهما يقال له «القاهرة»، والآخر يقال له: «مصر».
فأمّا «مصر» فإنّ حدّها - على ما وقع عليه الاصطلاح في زمننا هذا الذي نحن فيه - من حدّ أوّل قناطر السّباع إلى طرف بركة الحبش القبليّ ممّا يلي بساتين الوزير، وهذا هو طول حدّ مصر. وحدّها في العرض من شاطئ النّيل، الذي يعرف قديما بالسّاحل الجديد، حيث فم الخليج الكبير وقنطرة السّدّ إلى أوّل القرافة الكبرى.
وأمّا حدّ «القاهرة» فإنّ طولها من قناطر السّباع إلى الرّيدانية، وعرضها من شاطئ النّيل ببولاق إلى الجبل الأحمر؛ ويطلق على ذلك كله «مصر والقاهرة».
وفي الحقيقة «قاهرة المعزّ» التي أنشأها القائد جوهر عند قدومه من حضرة مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ إلى مصر في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، إنّما هي ما دار عليه السّور فقط. غير أنّ السّور المذكور الذي أداره القائد جوهر، تغيّر وعمل - منذ بنيت إلى زمننا هذا - ثلاث مرّات، ثم حدثت العمائر فيما وراء السّور من القاهرة، فصار يقال لداخل السّور «القاهرة»، ولما خرج من السّور «ظاهر القاهرة» (١).
وظاهر القاهرة أربع جهات:
«الجهة القبليّة» وفيها الآن معظم العمارة، وحدّ هذه الجهة طولا من عتبة باب زويلة إلى الجامع الطّولوني، وما بعد الجامع الطّولوني فإنّه من حدّ مصر. وحدّها عرضا من الجامع الطّيبرسي بشاطئ النّيل غربيّ المريس إلى قلعة الجبل، وفي الاصطلاح الآن أنّ القلعة من حكم مصر.
«والجهة البحريّة» وكانت، قبل السبع مائة من سني الهجرة وبعدها إلى قبيل الوباء الكبير، فيها أكثر العمائر والمساكن ثم تلاشت من بعد ذلك. وطول هذه الجهة من باب الفتوح وباب النّصر إلى الرّيدانيّة. وعرضها من منية الأمراء - المعروفة في زمننا الذي نحن فيه بمنية السّيرج - إلى الجبل الأحمر، ويدخل في هذا الحدّ مسجد تبر والرّيدانيّة.
«والجهة الشّرقيّة» فإنّها حيث ترب أهل القاهرة، ولم تحدث بها العمائر من التّرب (¬a) إلاّ بعد
стр. 1159
سنة اثنتي عشرة وسبع مائة. وحدّ هذه الجهة طولا/ من باب القلعة المعروف بباب السّلسلّة (١) إلى ما يحاذي مسجد تبر في سفح الجبل. وحدّها عرضا فيما بين سور القاهرة والجبل.
«والجهة الغربيّة» فأكثر العمائر بها لم تحدث أيضا إلاّ بعد سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، وإنّما كانت بساتين وبحرا. وحدّ هذه الجهة طولا من منية السّيرج إلى منشأة المهراني بحافّة بحر النّيل.
وحدّها عرضا من باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة إلى ساحل النّيل.
وهذه الأربع جهات من خارج السّور يطلق عليها «ظاهر القاهرة».
وتحوي مصر والقاهرة من الجوامع والمساجد والمدارس والزّوايا والرّبط، والدّور العظيمة والمساكن الجليلة، والمناظر البهجة والقصور الشّامخة، والبساتين الفخرة (¬a)، والحمّامات العامرة (¬b)، والقياسر المعمورة بأصناف الأنواع، والأسواق المملوءة ممّا تشتهي الأنفس، والخانات المشحونة بالواردين، والفنادق الكاظّة بالسّكّان، والتّرب التي تحكي القصور، ما لا يمكن حصره، ولا يعرف ما هو قدره. إلاّ أنّ قدر ذلك - بالتقريب الذي يصدقه الاختبار - طولا بريد أو ما يزيد (¬c) عليه، وهو من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبليّ بركة الحبش، وعرضا يكون نصف بريد فما فوقه، وهو من ساحل النّيل إلى الجبل.
ويدخل في هذا الطّول والعرض بركة الحبش وما دار بها، وسطح الجرف المسمّى بالرّصد، ومدينة الفسطاط التي يقال لها مدينة مصر، والقرافة الكبرى والقرافة (¬d) الصّغرى، وجزيرة الحصن المعروفة اليوم بالرّوضة، ومنشأة المهراني، وقطائع ابن طولون التي تعرف الآن بحدرة ابن قميحة، وخطّ جامع ابن طولون، والرّميلة تحت القلعة، والقبيبات وقلعة الجبل، والميدان الأسود - الذي هو اليوم مقابر أهل القاهرة - خارج باب البرقيّة إلى قبّة النّصر، والقاهرة المعزّيّة وهو ما دار عليه السّور الحجر، والحسينيّة والرّيدانيّة، والخندق وكوم الرّيش وجزيرة الفيل، وبولاق، والجزيرة الوسطى المعروفة بجزيرة أروى، وزريبة قوصون، وحكر ابن الأثير، ومنشأة الكتّاب (¬e)، والأحكار التي فيما بين القاهرة وساحل النّيل، وأراضي اللّوق، والخليج الكبير الذي تسمّيه العامّة
стр. 1160
بالخليج الحاكمي، والحبّانيّة والصّليبة والتّبّانة، ومشهد السّيّدة نفيسة، وباب القرافة، وأرض الطّبّالة، والخليج النّاصريّ، والمقس والدّكّة، وغير ذلك مما يأتي ذكره إن شاء اللّه.
وقد أدركنا هذه المواضع وهي عامرة، والمشيخة تقول هي خراب بالنسبة لما كانت عليه قبل حدوث طاعون سنة تسع وأربعين وسبع مائة، الذي يسمّيه أهل مصر «الفناء الكبير» (١)، وقد تلاشت هذه الأماكن، وعمّها الخراب منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة؛ وللّه عاقبة الأمور.
ذكر بناء القاهرة وما كانت عليه في الدّولة الفاطميّة
وذلك أنّ القائد جوهرا الكاتب، لمّا قدم الجيزة بعساكر مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، أقبل في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وسارت عساكره بعد زوال الشّمس، وعبرت الجسر أفواجا، وجوهر في فرسانه، إلى المناخ الذي رسم له المعزّ موضع القاهرة الآن، فاستقرّ هنالك (¬a) واختطّ القصر. وبات المصريون، فلمّا أصبحوا حضروا للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه إزورارات غير معتدلة، فلمّا شاهدها جوهر لم تعجبه، ثم قال: «قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة»، فتركه على حاله وأدخل فيه دير العظام (٢).
ويقال إنّ القاهرة اختطّها جوهر في يوم السبت لستّ بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، واختطّت كلّ قبيلة خطّة عرفت بها: فزويلة بنت الحارة المعروفة بها، واختطّت جماعة من أهل برقة الحارة البرقيّة، واختطّت الرّوم حارتين: حارة الرّوم الآن، وحارة الرّوم الجوّانيّة بقرب باب النّصر (٣).
وقصد جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن تصير حصنا فيما بين القرامطة وبين مدينة مصر ليقاتلهم من دونها، فأدار السّور اللّبن على مناخه الذي نزل فيه بعساكره، وأنشأ من داخل
стр. 1161
السّور جامعا وقصرا، وأعدّها معقلا يتحصّن به وتنزله عساكره، واحتفر الخندق من الجهة الشّاميّة ليمنع اقتحام عساكر القرامطة إلى القاهرة وما وراءها من المدينة.
وكان مقدار القاهرة حينئذ أقلّ من مقدارها اليوم، فإنّ أبوابها كانت من الجهات الأربعة:
ففي الجهة القبليّة - التي تفضي بالسّالك منها إلى مدينة مصر - بابان متجاوران يقال لهما «بابا زويلة»، وموضعهما الآن بحذاء المسجد الذي تسمّيه العامّة بسام بن نوح، ولم يبق إلى هذا العهد سوى عقده، ويعرف بباب القوس. وما بين باب القوس هذا وباب زويلة الكبير ليس هو من المدينة التي أسّسها القائد جوهر، وإنّما هي زيادة حدثت بعد ذلك.
وكان في جهة القاهرة البحريّة - وهي التي يسلك منها إلى عين شمس - بابان: أحدهما «باب النّصر» وموضعه بأوّل الرّحبة التي قدّام الجامع/ الحاكمي الآن، وأدركت قطعة منه كانت قدّام الرّكن الغربي من المدرسة القاصديّة. وما بين هذا المكان وباب النّصر الآن ممّا زيد في مقدار القاهرة بعد جوهر.
والباب الآخر من الجهة البحريّة «باب الفتوح»، وعقده باق إلى يومنا هذا مع عضادته (١) اليسرى وعليه أسطر مكتوبة بالقلم الكوفي. وموضع هذا الباب الآن بآخر سوق المرحّلين وأوّل رأس حارة بهاء الدين ممّا يلي باب الجامع الحاكمي. وما (¬a) بين هذا العقد وباب الفتوح، من الزّيادات التي زيدت في القاهرة من بعد جوهر.
وكان في الجهة الشّرقيّة من القاهرة - وهي الجهة التي يسلك منها إلى الجبل - بابان أيضا (¬b):
أحدهما يعرف الآن ب «الباب المحروق»، والآخر يقال له «باب البرقيّة»، وموضعهما دون مكانهما الآن. ويقال لهذه الزّيادة من هذه الجهة «بين السّورين». وأحد البابين القديمين موجود إلى الآن أسكفّته (٢).
стр. 1162
وكان في الجهة الغربيّة من القاهرة - وهي المطلّة على الخليج الكبير - بابان: أحدهما «باب سعادة»، والآخر «باب القنطرة» (¬a)، وباب ثالث يعرف ب «باب الخوخة» أظنّه حدث بعد جوهر.
وكان داخل سور القاهرة يشتمل على قصرين وجامع، يقال لأحد القصرين «القصر الكبير الشّرقيّ»، وهو منزل سكنى الخليفة ومحلّ حرمه، وموضع جلوسه لدخول العساكر وأهل الدولة، وفيه الدّواوين وبيت المال وخزائن السّلاح وغير ذلك. وهو الذي أسّسه القائد جوهر، وزاد فيه المعزّ ومن بعده من الخلفاء. والآخر تجاه هذا القصر، ويعرف ب «القصر الغربيّ»، وكان يشرف على البستان الكافوري ويتحوّل إليه الخليفة في أيام النّيل للنّزهة على الخليج، وعلى ما كان إذ ذاك بجانب الخليج الغربي من البركة التي كان (¬b) يقال لها بطن البقرة، ومن البستان المعروف بالبغدادية، وغيره من البساتين التي كانت تتّصل بأرض اللّوق وجنان الزّهري. وكان يقال لمجموع القصرين «القصور الزّاهرة»، ويقال للجامع «جامع القاهرة» و «الجامع الأزهر».
فأمّا «القصر الكبير الشّرقي»، فإنّه كان من باب الذّهب - الذي موضعه الآن محراب المدرسة الظّاهريّة التي أنشأها الملك (¬b) الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري - وكان يعلو عقد باب الذّهب منظرة يشرف الخليفة فيها من طاقات في أوقات معروفة، وكان باب الذّهب هذا هو أعظم أبواب القصر (١).
ويسلك من باب الذّهب المذكور إلى باب البحر - وهو الباب الذي يعرف اليوم بباب قصر بشتاك مقابل المدرسة الكاملية - ويسلك (¬b) من باب البحر إلى الرّكن المخلّق (¬c)، ومنه إلى باب الرّيح؛ وقد أدركنا منه عضادتيه وأسكفّته وعليها أسطر بالقلم الكوفي، وجميع ذلك مبني بالحجر، إلى أن هدمه الأمير الوزير المشير جمال الدّين يوسف الأستادّار. وفي موضعه الآن قيسارية أنشأها المذكور بجوار مدرسته من رحبة باب العيد (٢).
стр. 1163
ويسلك من باب الرّيح المذكور إلى باب الزّمرّد - وهو موضع المدرسة الحجازيّة الآن - ومن باب الزّمرّد إلى باب العيد، وعقده (١) باق وفوقه قبّة إلى الآن في درب السّلاّمي بخطّ رحبة باب العيد.
وكان قبالة باب العيد هذا رحبة عظيمة في غاية الاتّساع، يقف فيها العساكر الكثيرة من الفارس والراجل في يومي العيدين، تعرف ب «رحبة العيد»، وهي من باب الرّيح إلى خزانة البنود.
وكان يلي باب العيد «السّفينة» (¬a)، وبجوار السّفينة (¬a) «خزانة البنود»، ويسلك من خزانة البنود إلى باب قصر الشّوك؛ وأدركت منه قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه الحمّام التي عرفت بحمّام الأيدمري، ثم قيل لها في زمننا حمّام يونس (٢)، بجوار المكان المعروف بخزانة البنود. وقد عمل موضع هذا الباب زقاق يسلك منه إلى المارستان العتيق وقصر الشّوك ودرب السّلاّمي وغيره، ويسلك من باب قصر الشّوك إلى باب الدّيلم، وموضعه الآن المشهد الحسيني.
وكان فيما بين قصر الشّوك وباب الدّيلم رحبة عظيمة، تعرف ب «رحبة قصر الشّوك»، أوّلها من رحبة خزانة البنود، وآخرها حيث المشهد الحسيني الآن. وكان قصر الشّوك يشرف على إسطبل الطّارمة.
ويسلك من باب الدّيلم إلى باب تربة الزّعفران - وهي مقبرة أهل القصر من الخلفاء وأولادهم ونسائهم - وموضع باب تربة الزّعفران فندق الخليلي في هذا الوقت ويعرف بخطّ الزّراكشة العتيق (٣).
وكان فيما بين باب (¬b) الدّيلم وباب تربة الزّعفران، «الخوخ السّبع» التي يتوصّل منها الخليفة إلى الجامع الأزهر في ليالي الوقودات (¬c)، فيجلس بمنظرة الجامع الأزهر ومعه حرمه لمشاهدة الوقيد والجمع. وبجوار الخوخ السّبع «إسطبل الطّارمة»، وهو برسم الخيل الخاصّ المعدّة لركاب الخليفة.
стр. 1164
ذكر بناء القاهرة وما كانت عليه في الدّولة الفاطميّة
الحدود الخارجية للقصرين الفاطميين
стр. 1165
وكان مقابل باب الدّيلم، ومن وراء إسطبل الطّارمة، الجامع المعدّ لصلاة الخليفة بالنّاس أيام الجمع، وهو الذي يعرف في وقتنا هذا ب «الجامع الأزهر»، ويسمّى في كتب التاريخ ب «جامع القاهرة»، وقدّام هذا الجامع رحبة متّسعة من حدّ إسطبل الطّارمة إلى الموضع الذي يعرف اليوم بالأكفانيين.
ويسلك من باب تربة الزّعفران إلى باب الزّهومة - وموضعه الآن باب سرّ قاعة مدرّس (¬a) الحنابلة من المدارس الصّالحيّة - وفيما بين باب (¬b) تربة الزّعفران وباب الزّهومة «دار العلم» و «خزانة الدّرق».
ويسلك/ من باب الزّهومة إلى باب الذّهب المذكور أوّلا؛ وهذا هو دور «القصر الشّرقي الكبير» (١).
وكان بحذاء رحبة باب العيد «دار الضّيافة» - وهي الدّار المعروفة بدار سعيد السّعداء التي هي اليوم خانقاه للصّوفية (٢) - ويقابلها «دار الوزارة»، وهي حيث الزّقاق المقابل لباب سعيد السّعداء، والمدرسة القراسنقرية، وخانقاه بيبرس وما يجاورها إلى باب الجوّانيّة، وما وراء هذه الأماكن.
وبجوار دار الوزارة، «الحجر»، وهي من حذاء دار الوزارة بجوار باب الجوّانيّة إلى باب النّصر القديم. ومن وراء دار الوزارة «المناخ السّعيد»، ويجاوره حارة العطوفية، وحارة الرّوم الجوّانية.
وكان جامع الخطبة - الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم - خارجا عن القاهرة، وفي غربيه الزيادة التي هي باقية إلى اليوم، وكانت أهراء لخزن الغلال التي تدّخر بالقاهرة كما هي عادة الحصون.
стр. 1166
وكان في غربيّ الجامع الأزهر حارة الدّيلم، وحارة الرّوم البرّانيّة، وحارة الأتراك - وهي التي (¬a) تعرف اليوم بدرب الأتراك - وحارة الباطليّة.
وفيما بين باب الزّهومة والجامع الأزهر وهذه الحارات، «خزائن القصر» وهي: خزانة الكتب، وخزانة الأشربة، وخزانة السّروج، وخزانة الخيم، وخزائن الفرش، وخزائن الكسوات، وخزائن دار أفتكين، ودار الفطرة، ودار التعبئة، وغير ذلك من الخزائن. هذا ما كان في الجهة الشّرقيّة من القاهرة.
وأمّا «القصر الصّغير الغربي» فإنّه موضع المارستان الكبير المنصوري إلى جوار حارة برجوان. وبين هذا القصر وبين القصر الكبير الشّرقي فضاء متّسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر، ما بين فارس وراجل، يقال له «بين القصرين».
وبجوار القصر الغربي «الميدان» - وهو الموضع الذي يعرف بالخرنشف - و «إسطبل الجمّيزة» (¬b). وبحذاء الميدان «البستان الكافوري» المطلّ من غربيه على الخليج الكبير. ويجاور الميدان دار برجوان العزيري، وبحذائها رحبة الأفيال، ودار الضّيافة القديمة، ويقال لهذه المواضع الثلاثة حارة برجوان.
ويقابل دار برجوان «المنحر» وموضعه الآن يعرف بالدّرب الأصفر، ويدخل إليه من قبالة خانقاه بيبرس. وفيما بين ظهر المنحر وباب حارة برجوان سوق أمير الجيوش، وهو من باب حارة برجوان الآن إلى باب الجامع الحاكمي.
ويجاور حارة برجوان من بحريها «إسطبل الحجريّة»، وهو متّصل بباب الفتوح الأوّل، وموضع باب إسطبل الحجريّة يعرف اليوم بخان الوراقة والقيسارية تجاه الجملون الصّغير وسوق المرحّلين. وتجاه إسطبل الحجريّة الزيادة، وفيما بين الزّيادة والمنحر درب الفرنجيّة.
وبجوار البستان الكافوري حارة زويلة، وهي تتّصل بالخليج الكبير من غربيها. وتجاه حارة زويلة «إسطبل الجمّيزة»، وفيه خيول الخليفة أيضا. وفي هذا الإسطبل بئر زويلة، وموضعها الآن قيسارية معقودة على البئر المذكورة، يعلوها ربع يعرف بقيسارية يونس من خطّ البندقانيين؛ فكان إسطبل الجمّيزة المذكور فيما بين القصر الغربيّ من بحريه وبين حارة زويلة، وموضعه الآن قبالة باب سرّ المارستان المنصوري إلى البندقانيين.
стр. 1167
وبحذاء القصر الغربي من قبليه «مطبخ القصر» تجاه باب الزّهومة المذكور، والمطبخ موضعه الآن الصّاغة قبالة المدارس الصّالحيّة. وبجوار المطبخ الحارة العدويّة، وهي من الموضع الذي يعرف بحمّام خشيبة إلى حيث الفندق الذي يقال له فندق الزّمام. وبجوار العدويّة حارة الأمراء، ويقال لها اليوم (¬a) درب شمس الدّولة، ويجاور حارة الأمراء «الصّاغة القديمة» وموضعها اليوم (¬a) سوق الزّجّاجين وسوق الحريريين الشّرابيين.
ويجاور الصّاغة القديمة «حبس المعونة»، وهو موضع قيسارية العنبر؛ وتجاه حبس المعونة عقبة الصّبّاغين وسوق القشّاشين، وهو يعرف اليوم بالخرّاطين؛ ويجاور حبس المعونة دكّة الحسبة ودار العيار، ويعرف موضع دكّة الحسبة الآن بالأبزاريين؛ وفيما بين دكّة الحسبة وحارتي الرّوم والدّيلم سوق السّرّاجين، ويقال له الآن الشّوّائين؛ وبطرف سوق السّرّاجين مسجد ابن البنّاء الذي تسمّيه العامّة سام بن نوح؛ ويجاور هذا المسجد باب زويلة.
وكان من حذاء حارة زويلة، من ناحية باب الخوخة، «دار الوزير يعقوب بن كلّس»، وصارت بعده «دار الدّيباج» و «دار الاستعمال»، وموضعها الآن المدرسة الصّاحبيّة (¬b) وما وراءها. وتتّصل دار الدّيباج بالحارة الوزيريّة، وإلى جانب الوزيريّة الميدان الآخذ (¬c) إلى باب سعادة وفيما بين باب سعادة وباب زويلة أهراء أيضا ومسطاح (¬d).
هذا ما كانت عليه صفة القاهرة في الدّولة الفاطمية، وحدثت هذه الأماكن شيئا بعد شيء.
ولم تزل القاهرة دار خلافة ومنزل ملك ومعقل قتال، لا ينزلها إلاّ الخليفة وعساكره وخواصّه الذين يشرّفهم بقربه فقط.
وأمّا «ظاهر القاهرة» من جهاتها الأربع فإنّه كان في الدولة الفاطمية على ما أذكر:
أمّا «الجهة القبليّة» - وهي التي فيما بين باب زويلة ومصر طولا، وفيما بين الخليج الكبير والجبل عرضا - فإنّها كانت قسمين: ما جازه (¬e) يمينك إذا خرجت من باب زويلة تريد مصر، وما جازه (¬e) شمالك إذا خرجت منه نحو الجبل.
فأمّا ما جازه (¬e) يمينك - وهي المواضع التي تعرف اليوم بدار التّفّاح، وتحت الرّبع، والقشّاشين، وقنطرة باب الخرق، وما على حافتي الخليج من جانبيه/ طولا إلى الحمراء التي يقال
стр. 1168
لها اليوم خطّ قناطر السّباع، ويدخل في ذلك سويقة عصفور، وحارة الحمزيّين، وحارة بني سوس إلى الشّارع، وبركة الفيل والهلاليّة والمحمودية إلى الصّليبة ومشهد السّيّدة نفيسة - فإنّ هذه الأماكن كلّها كانت بساتين تعرف بجنان الزّهري، وبستان سيف الإسلام وغير ذلك. ثم حدث في الدّولة هناك حارات للسّودان، وعمّر الباب الجديد - وهو الذي يعرف اليوم بباب القوس - من سوق الطّيور في الشّارع عند رأس (¬a)، وحدثت الحارة الهلاليّة، والحارة المحمودية.
وأمّا ما جازه (¬b) شمالك - حيث الجامع المعروف بجامع الصّالح والدّرب الأحمر إلى قطائع ابن طولون التي هي الآن الرّميلة والميدان تحت القلعة - فإنّ ذلك كان مقابر أهل القاهرة.
وأمّا «جهة القاهرة الغربيّة» - وهي التي فيها الخليج الكبير، وهي من باب القنطرة إلى المقس وما جاور ذلك - فإنّها كانت بساتين من غربيها النّيل، وكان ساحل النّيل بالمقس حيث الجامع الآن، فيمرّ من المقس إلى المكان الذي يقال له اليوم (¬c) الجرف، ويمضي على شمالي أرض الطّبّالة إلى البعل، وموضع كوم الرّيش إلى المنية.
ومواضع هذه البساتين اليوم أراضي اللّوق والزّهري، وغيرها من الحكورة التي في برّ الخليج الغربي إلى بركة قرموط والخور وبولاق. وكان فيما بين باب سعادة وباب الخوخة وباب الفرج وبين الخليج فضاء لا بنيان فيه، والمناظر تشرف على ما في غربيّ الخليج من البساتين التي وراءها بحر النّيل.
ويخرج النّاس فيما بين المناظر والخليج للنّزهة، فيجتمع هناك من أرباب البطالة واللّهو ما لا يحصى عددهم، وتمرّ لهم هناك من اللّذّات والمسرّات ما لا تسع الأوارق حكايته، خصوصا في أيّام النّيل عند ما يتحوّل الخليفة إلى اللّؤلؤة ويتحوّل خاصّته إلى دار الذّهب وما جاورها، فإنّه تكثر حينئذ الملاذ بسعة الأرزاق وإدرار النّعم في تلك المدّة، كما يأتي ذكره إن شاء اللّه (١).
وأمّا «جهة القاهرة البحريّة» فإنّها كانت قسمين: خارج باب الفتوح، وخارج باب النّصر.
أمّا خارج باب الفتوح فإنّه كان هناك منظرة من مناطر الخلافة (¬d)، وقدّامها البستانان الكبيران:
وأوّلهما من زقاق الكحل (٢)، وآخرهما منية مطر التي تعرف اليوم بالمطريّة. ومن غربيّ هذه
стр. 1169
المنظرة - في جانب الخليج الغربي - منظرة البعل، فيما بين أرض الطّبّالة والخندق، وبالقرب منها مناظر الخمس وجوه والتّاج ذات البساتين الأنيقة المنصوبة لتنزّه الخليفة.
وأمّا خارج باب النّصر فكان به «مصلّى العيد» التي عمل من بعضها مصلّى الأموات لا غير (١)، والفضاء من المصلّى إلى الرّيدانيّة وكان بستانا عظيما، ثم حدث في ما خرج من باب النّصر «تربة أمير الجيوش بدر الجمالي»، وعمّر النّاس التّرب بالقرب منها (٢)، وحدث فيما خرج عن باب الفتوح عمائر منها «الحسينيّة» وغيرها (٣).
وأمّا «جهة القاهرة الشّرقيّة» - وهي ما بين السّور والجبل - فإنّه كان فضاء، ثم أمر الحاكم بأمر اللّه أن تلقى أتربة القاهرة من وراء السّور لتمنع السّيول أن تدخل إلى القاهرة، فصار منها الكيمان التي تعرف ب «كيمان البرقيّة». ولم تزل هذه الجهة خالية من العمارة إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية. (¬a) فسبحان الباقي بعد فناء خلقه (¬a).
ذكر ما صارت إليه القاهرة بعد استيلاء الدّولة الأيّوبيّة عليها
قد تقدّم أنّ القاهرة إنّما وضعت منزل سكنى للخليفة وحرمه وجنده وخواصّه، ومعقل قتال يتحصّن بها ويلتجأ إليها؛ وأنّها ما برحت هكذا حتى كانت الشّدّة (¬b) العظمى في خلافة المستنصر. ثم قدم أمير الجيوش بدر الجمالي وسكن القاهرة، وهي باب داثرة خاوية على عروشها غير عامرة. فأباح للنّاس من العسكريّة والملحيّة والأرمن، وكلّ من وصلت قدرته إلى عمارة، بأن يعمّر ما شاء في القاهرة ممّا خلا من فسطاط مصر ومات أهله، فأخذ النّاس ما كان هناك من أنقاض الدّور وغيرها، وعمّروا به المنازل في القاهرة وسكنوها (٤). فمن حينئذ سكنها
стр. 1170
أصحاب السّلطان، فلمّا زالت (¬a) الدولة الفاطمية باستيلاء السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بن شاذي في سنة سبع وستين وخمس مائة، فنقلها عمّا كانت عليه من الصّيانة وجعلها مبتذلة (¬b) وصيّرها مدينة (¬b) لسكن العامّة والجمهور، وحطّ من مقدار قصور الخلافة وأسكن في بعضها، وتهدّم البعض وأزيلت معالمه وتغيّرت معاهده فصارت خططا وحارات وشوارع ومسالك وأزقّة.
ونزل السّلطان منها في دار الوزارة الكبرى حتى بنيت قلعة الجبل، فكان السّلطان صلاح الدّين يتردّد إليها ويقيم بها، وكذلك ابنه الملك العزيز عثمان وأخوه الملك العادل أبو بكر. فلمّا كان الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، تحوّل من دار الوزارة إلى القلعة وسكنها، ونقل سوق الخيل والجمال والحمير إلى الرّميلة تحت القلعة (١).
فلمّا خرب المشرق والعراق، بهجوم عساكر التّتر (¬c) منذ كان جنكز خان في أعوام بضع عشرة وستّ مائة، إلى أن قتل الخليفة المستعصم ببغداد في صفر سنة ستّ وخمسين وستّ مائة، كثر قدوم المشارقة/ إلى مصر، وعمرت حافتي الخليج الكبير وما دار على بركة الفيل، وعظمت عمارة الحسينيّة (٢).
فلمّا كانت سلطنة الملك النّاصر محمد بن قلاوون الثالثة بعد سنة إحدى عشرة وسبع مائة، واستجدّ بقلعة الجبل المباني الكثيرة من القصور وغيرها، حدثت فيما بين القلعة وقبّة النّصر عدّة ترب، بعد ما كان ذلك المكان فضاء يعرف بالميدان الأسود وميدان القبق (٣). وتزايدت العمائر بالحسينيّة حتى صارت من الرّيدانيّة إلى باب الفتوح.
وعمر جميع ما حول بركة الفيل والصّليبة إلى جامع ابن طولون، وما جاوره إلى المشهد النّفيسي، وحكر النّاس أرض الزّهريّ وما قرب منها، وهو من قناطر السّباع إلى منشأة المهرانيّ، ومن قناطر السّباع إلى البركة النّاصريّة إلى اللّوق إلى المقس. فلمّا حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون
стр. 1171
الخليج النّاصريّ، اتّسعت الخطّة فيما بين المقس والدّكّة إلى ساحل النّيل، وأنشأ النّاس فيها البساتين العظيمة والمساكن الكثيرة والأسواق والجوامع والمساجد والحمّامات والشّون، وهي من المواضع التي من باب البحر خارج المقس إلى ساحل النّيل المسمّى ببولاق، ومن بولاق إلى منية السّيرج، ومنه في القبلة إلى منشأة المهراني.
وعمر ما خرج عن باب زويلة يمنة ويسرة من قنطرة الخرق إلى الخليج، ومن باب زويلة إلى المشهد النّفيسي. وعمرت القرافة من باب القرافة إلى بركة الحبش طولا، ومن القرافة الكبرى إلى الجبل عرضا، حتى إنّه استجدّ في أيام النّاصر بن قلاوون بضع وستون حكرا، ولم يبق مكان يحكر.
واتّصلت عمائر مصر والقاهرة، فصارا بلدا واحدا يشتمل على البساتين والمناظر والقصور والدّور والرّباع والقياسر والأسواق والفنادق والخانات والحمّامات والشّوارع والأزقّة والدّروب والخطط والحارات والأحكار والمساجد والجوامع والزّوايا والرّبط والمشاهد والمدارس والتّرب والحوانيت والمطابخ والشّون والبرك والخلجان والجزائر والبساتين (¬a) والرّياض والمتنزّهات، متّصلا جميع ذلك بعضه ببعض، من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبلي بركة الحبش، ومن شاطئ النّيل بالجيزة إلى الجبل المقطّم.
وما زالت هذه الأماكن في كثرة العمارة وزيادة العدد، تضيق بأهلها لكثرتهم وتختال عجبا بهم لمّا بالغوا في تحسينها وتأنّقوا في جودتها وتنميقها، إلى أن حدث الفناء الكبير في سنة تسع وأربعين وسبع مائة (١)، فخلا كثير من هذه المواضع، وبقي كثير أدركناه. فلمّا كانت الحوادث من
стр. 1172
سنة ستّ وثمان مائة وقصر جري النّيل في مدّه، وخربت البلاد الشّامية بدخول الطّاغية تيمورلنك وتحريقها وقتل أهلها، وارتفاع أسعار الدّيار المصرية، وكثرة الغلاء فيها وطول مدّته، وتلاف النّقود المتعامل بها وفسادها، وكثرة الحروب والفتن بين أهل الدولة، وخراب بلاد (¬a) الصّعيد وجلاء أهله عنه، وتداعي أسفل أرض مصر من البلاد الشرقية والغربية إلى الخراب، واتّضاع أمور ملوك مصر، وسوء حال الرّعيّة، واستيلاء الفقر والفاقة (¬a) والحاجة والمسكنة على النّاس وكثرة تنوّع المظالم الحادثة من أرباب الدّولة بمصادرة الجمهور، وتتبّع أرباب الأموال واحتجاز (¬b) ما بأيديهم من المال بالقوّة والقهر والغلبة، وطرح البضائع ممّا يتّجر فيه السّلطان وأصحابه على التجّار والباعة بأغلى الأثمان، إلى غير ذلك ممّا لا يتّسع لأحد ضبطه، ولا تسع الأوراق حكايته، كثر الخراب بالأماكن التي تقدّم ذكرها وعمّ سائرها، وصارت كيمانا وخرائب موحشة مقفرة يأويها البوم والرّخم، أو مستهدمة واقعة أو آيلة إلى السّقوط والدّثور، سنّة اللّه التي قد خلت في عباده، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا (١).
ذكر طرف ممّا قيل في القاهرة ومتنزّهاتها
قال أبو الحسن عليّ بن رضوان الطّبيب: ويلي الفسطاط - في العظم وكثرة النّاس - القاهرة، وهي في شمال الفسطاط، وفي شرقيها أيضا الجبل المقطّم يعوق عنها ريح الصّبا، والنّيل منها أبعد قليلا، وجميعها مكشوف للهواء، وإن كان عمل فوق (٢) ربّما عاق عن بعض ذلك.
وليس ارتفاع الأبنية بها كارتفاع أبنية (¬a) الفسطاط لكن دونها كثيرا، وأزقّتها وشوارعها - بالقياس إلى أزقّة الفسطاط وشوارعها - أنظف وأقلّ وسخا وأبعد من العفن، وأكثر شرب أهلها من مياه الآبار، (¬c) وإذا هبّت الرّيح تحرقها (¬c) وإذا هبّت ريح الجنوب أحدرت (¬d) من بخار الفسطاط على القاهرة شيئا كثيرا، وقرب مياه آبار القاهرة من وجه الأرض - مع سخافتها - موجب ضرورة أن تكون يصل إليها بالرّشح من عفونة الكنف شيء ما.
стр. 1173
وبين القاهرة والفسطاط بطائح تمتلئ من رشح الأرض في أيام فيض النّيل، ويصبّ فيها بعض خرّارات القاهرة، ومياه البطائح هذه رديئة وسخة أرضها، وما يصبّ فيها من العفونة يقتضي أن يكون البخار المرتفع منها على القاهرة والفسطاط زائدا في رداءة الهواء بهما. ويطرح في جنوب القاهرة قذر كثير نحو حارة الباطليّة، وكذلك يطرح في وسط حارة/ العبيد (¬a).
إلاّ أنّه إذا تأمّلنا حال القاهرة كانت - بالإضافة إلى الفسطاط - أعدل وأجود هواء وأصلح حالا، لأنّ أكثر عفوناتهم ترمى خارج المدينة، والبخار ينحلّ منها أكثر. وكثير أيضا من أهل القاهرة يشرب من ماء النّيل وخاصّة في أيّام دخوله الخليج، وهذا الماء يستقى بعد مروره بالفسطاط واختلاطه بعفوناتها (١).
قال: وقد اقتصر أمر الفسطاط والجيزة والجزيرة: فظاهر أنّ أصحّ أجزاء المدينة الكبرى القرافة، ثم القاهرة والشّرف وعمل فوق مع الحمراء والجيزة، وشمال القاهرة أصحّ من جميع هذه لبعده عن بخار الفسطاط وقربه من الشمال، وأردأ (¬b) موضع في المدينة الكبرى هو ما كان من الفسطاط حول الجامع العتيق إلى مايلي النّيل والسّواحل. وإلى جانب القاهرة من الشّمال الخندق، وهو في غور، فهو (¬c) يتغيّر أبدا لهذا السّبب. فأمّا المقس فمجاورته للنّيل تجعله أرطب (٢).
وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب في حلى المغرب» (¬d) ومن خطّه نقلت ما نصّه من كتاب الكمائم للبيهقي (¬d): وأمّا مدينة القاهرة فهي الحالية الباهرة التي تفنّن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها، واتّخذوها وطنا لخلافتهم ومركزا لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط (٣).
قال: وسمّيت القاهرة لأنّها تقهر من شذّ عنها ورام مخالفة أمرها (¬e)، وقدّروا أنّ منها يملكون الأرض ويستولون على قهر الأمم، وكانوا يظهرون ذلك ويتحدّثون به (٤).
стр. 1174
قال ابن سعيد: هذه المدينة اسمها أعظم منها، وكان ينبغي أن تكون في ترتيبها ومبانيها على خلاف ما عاينته؛ لأنّها مدينة بناها المعزّ أعظم خلفاء العبيديين، وكان سلطانه قد عمّ جميع طول المغرب من أوّل الديار المصرية إلى البحر المحيط، وخطب له في البحرين من جزيرة العرب (¬a) عند القرامطة، وفي مكّة والمدينة وبلاد اليمن وما جاورها، وقد علت كلمته، وسارت مسير الشّمس في كلّ بلدة، وهبّت هبوب الرّيح في البرّ والبحر، لا سيّما وقد عاين مباني أبيه المنصور في مدينة المنصوريّة التي إلى جانب القيروان، وعاين المهديّة مدينة جدّه عبيد اللّه المهدي، لكن الهمّة السّلطانية ظاهرة على قصور الخلفاء بالقاهرة، وهي ناطقة إلى الآن بألسن الآثار وللّه درّ القائل:
[الكامل]
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها … من بعدهم فبألسن البنيان
إنّ البناء إذا تعاظم شأنه … أضحى يدلّ على عظيم الشان
وتهمّم (¬b) من بعد الخلفاء المصريون بالزيادة في تلك القصور، وقد عاينت فيها إيوانا يقولون إنّه بني على قدر إيوان كسرى الذي بالمدائن [من أرض العراق] (¬c)، وكان يجلس فيه خلفاؤهم (١).
ولهم على الخليج الذي بين الفسطاط والقاهرة مبان عظيمة جليلة الآثار. وأبصرت في قصورهم حيطانا عليها طبقات (¬d) عديدة من الكلس والجبس، ذكر لي أنّهم كانوا يجدّدون تبييضها في كلّ سنة.
والمكان المعروف في القاهرة ب «بين القصرين» هو من الترتيب السّلطاني؛ لأنّ هناك ساحة متّسعة للعسكر والمتفرّجين ما بين القصرين.
ولو كانت القاهرة (¬e) كلّها كذلك كانت (¬e) عظيمة القدر كاملة الهمّة السّلطانية، ولكن ذلك أمد قليل، ثم تسير منه إلى أمد ضيّق، وتمرّ في ممرّ كدر حرج بين الدكاكين، إذا ازدحمت فيه الخيل مع الرّجّالة كان ذلك ما تضيق منه الصّدور، وتسخن منه العيون (٢).
ولقد عاينت يوما وزير الدّولة وبين يديه أمراء الدولة، وهو في موكب جليل، وقد لقي في طريقه عجلة بقر تحمل حجارة، وقد سدّت جميع الطّرق بين يدي الدكاكين، ووقف الوزير،
стр. 1175
وعظم الازدحام، وكان في موضع طبّاخين والدّخان في وجه الوزير وعلى ثيابه، وقد كاد يهلك المشاة، وكدت أهلك في جملتهم.
وأكثر دروب القاهرة ضيّقة مظلمة كثيرة التّراب والأزبال، والمباني عليها من قصب وطين مرتفعة قد ضيّقت مسلك الهواء والضّوء بينهما، ولم أر في جميع بلاد المغرب أسوأ حالا منها في ذلك، ولقد كنت إذا مشيت فيها يضيق صدري، ويدركني وحشة عظيمة حتى أخرج إلى بين القصرين (١).
ومن عيوب القاهرة أنّها في أرض النّيل الأعظم، ويموت الإنسان فيها عطشا لبعدها عن مجرى النّيل لئلاّ يصادرها ويأكل ديارها. وإذا احتاج الإنسان إلى فرجة في نيلها مشى في مسافة بعيدة بظاهرها بين المباني التي خارج السّور إلى موضع يعرف بالمقس (٢)، وجوّها لا يبرح كدرا بما تثيره الأرجل من التّراب الأسود.
وقد قلت فيها حين أكثر عليّ رفقائي (¬a) من الحضّ على العود إليها (¬b):
[المتقارب]
يقولون: سافر إلى القاهرة … وما لي بها راحة ظاهرة
زحام وضيق وكرب وما … تثير بها أرجل السّائرة
وعند ما يقبل المسافر عليها يرى سورا أسود كدرا (¬c) وجوّا مغبرّا، فتنقبض نفسه، ويفرّ أنسه (٣).
وأحسن موضع في ظواهرها للفرجة «أرض الطّبّالة» (٤)، لا سيّما أيّام (¬d) القرط والكتّان، فقلت/ (¬e):
[الطويل]
سقى اللّه أرضا كلّما زرت أرضها … كساها وحلاّها بزينته القرط
تجلّت عروسا والمياه عقودها … وفي كلّ قطر من جوانبها قطر
стр. 1176
وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرّصافي:
[الكامل]
ما زالت الأمحال تأخذه … حتى غدا كذؤابة النّجم
وقلت في نوّار الكتّان على جانبي هذا الخليج:
[البسيط]
انظر إلى النّهر، والكتّان يرمقه … من جانبيه بأجفان لها حدق
رأته سيفا عليه للصّبا شطب … فقابلته بأحداق بها أرق
وأصبحت في يد الأرواح تنسجها … حتى غدت حلقا من فوقها حلق
فقم وزرها ووجه الأفق متّضح … أو عند صفرته إن كنت تغتبق (١)
وأعجبني في ظاهرها «بركة الفيل»، لأنّها دائرة كالبدر، والمناظر فوقها كالنّجوم. وعادة السّلطان أن يركب فيها بالليل، وتسرج أصحاب المناظر على قدر همّتهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظر عجيب وفيها أقول:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنّما هي والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر
ونظرت إليها، وقد قابلتها الشّمس بالغدوّ، فقلت:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها
وخلّ طرفك مجنونا ببهجتها … تهيم وجدا وحبّا في بدائعها (٢)
والفسطاط أكثر أرزاقا وأرخص أسعارا من القاهرة، لقرب النّيل من الفسطاط، فالمراكب التي تصل بالخيرات تحطّ هناك، ويباع ما يصل فيها بالقرب منها، وليس يتّفق ذلك في ساحل القاهرة لأنّه بعيد عن المدينة (٣).
والقاهرة هي أكثر عمارة واحتراما وحشمة من الفسطاط، لأنّها أجلّ مدارس، وأضخم خانات، وأعظم ديارا لسكنى الأمراء فيها، لأنّها المخصوصة بالسّلطنة لقرب قلعة الجبل منها،
стр. 1177
فأمور السّلطنة كلّها فيها أيسر وأكثر، وبها الطّراز وسائر الأشياء التي تتزيّن بها الرجال والنّساء؛ إلاّ أنّ في هذا الوقت، لمّا اعتنى السّلطان الآن ببناء قلعة الجزيرة التي أمام الفسطاط وصيّرها سرير السّلطنة (١)، عظمت عمارة الفسطاط، وانتقل إليها كثير من الأمراء، وضخمت أسواقها، وبني فيها للسّلطان أمام الجسر الذي للجزيرة قيسارية عظيمة، تنقّل إليها من القاهرة سوق الأجناد التي يباع فيها الفراء والجوخ وما أشبه ذلك (٢).
و «معاملة» [أهل] (¬a) القاهرة والفسطاط بالدراهم المعروفة بالسّوداء، كلّ درهم منها ثلث من الدّرهم النّاصري، وفي المعاملة بها شدّة وخسارة في البيع والشّراء، ومخاصمة مع الفريقين.
وكان بها في القديم الفلوس، فقطعها الملك الكامل، فبقيت إلى الآن مقطوعة منها.
وهي في الإقليم الثالث، وهواؤها رديء لا سيّما إذا هبّ المريسيّ من جهة القبلة، وأيضا رمد العين فيها كثير، والمعايش فيها متعذّرة نزرة لا سيما أصناف الفضلاء، وجوامك المدارس قليلة كدرة. وأكثر ما يتعيشّ بها اليهود والنّصارى في كتابة الخراج والطّب. والنّصارى بها يمتازون بالزّنار في أوساطهم، واليهود بعلامة صفراء في عمائمهم، ويركبون البغال، ويلبسون الملابس الجليلة (٣).
ومآكل أهل القاهرة الدّلينيس (¬b) والصّير والصّحناة والبطارخ، ولا تصنع النّيدة - وهي حلاوة القمح - إلاّ بها وبغيرها من الديار المصرية، وفيها جوار طبّاخات، أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين، لهن في الطّبخ صناعة عجيبة ورياسة متقدّمة.
ومطابخ السّكّر، والمطابخ التي يصنع فيها الورق المنصوري، مخصوصة بالفسطاط دون القاهرة.
ويصنع فيها من الأنطاع المستحسنة ما يسفّر إلى الشّام وغيرها، ولها من الشّروب الدّمياطية وأنواعها ما اختصّت به، وفيها صنّاع للقسيّ كثيرون متقدّمون، ولكن قسيّ دمشق بها يضرب المثل وإليها النهاية.
стр. 1178
ويسفّر من القاهرة إلى الشّام ما يكون من أنواع الكمرانات (١)، وخرائط الجلد والسّيور وما أشبه ذلك.
وهي الآن عظيمة آهلة يجيء إليها من الشّرق والغرب والجنوب والشّمال، ما لا يحيط بجملته وتفصيله إلاّ خالق الكلّ جلّ وعلا (¬a) (٢).
وهي مستحسنة للفقير الذي لا يخاف على طلب زكاة ولا ترسيما وعذابا، ولا يطلب برفيق له إذا مات، فيقال له: ترك عندك مالا. فربّما سجن في شأنه، أو ضرب وعصر.
والفقير المجرّد فيها مستريح من جهة رخص الخبر وكثرته، ووجود السّماعات والفرج في ظواهرها ودواخلها، وقلّة الاعتراض عليه فيما تذهب إليه نفسه/ يحكم فيها كيف شاء من رقص في وسط (¬b) السّوق، أو تجريد، أو سكر من حشيشة أو غيرها، أو صحبة المردان وما أشبه ذلك، بخلاف غيرها من بلاد المغرب (٣).
وسائر (¬c) الفقراء لا يعترضون بالقبض للأسطول، إلاّ المغاربة فذلك وقف عليهم لمعرفتهم بمعاناة البحر، فقد عمّ ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف، وهم في القدوم عليها بين حالين: إن كان المغربيّ غنيّا طولب بالزّكاة وضيّقت عليه أنفاسه حتى يفرّ منها؛ وإن كان مجرّدا فقيرا حمل إلى السّجن حتى يجيء وقت الأسطول.
وفي القاهرة أزاهير كثيرة غير منقطعة الاتّصال، وهذا الشأن في الدّيار المصرية تفضل به كثيرا من البلاد. وفي اجتماع النّرجس والورد فيها أقول:
[السريع]
من فضّل النّرجس وهو الذي … يرضى بحكم الورد إذ يرأس
أما ترى الورد غدا قاعدا … وقام في خدمته النّرجس
وأكثر ما فيها من الثّمرات والفواكه الرّمّان والموز والتفّاح، وأمّا الإجّاص فقليل غال، وكذلك الخوخ، وفيها الورد والنّرجس والنّسرين واللّينوفر والبنفسج والياسمين واللّيمون الأخضر والأصفر. وأمّا العنب والتّين فقليل غال، ولكثرة ما يعصرون العنب في أرياف النّيل لا يصل منه
стр. 1179
إلاّ القليل، ومع هذا فشرابه عندهم في نهاية الغلاء. وعامّتها يشربون المزر الأبيض المتّخذ من القمح، حتى إنّ القمح يطلع عندهم سعره بسببه فينادي المنادي من قبل الوالي بقطعة وكسر أوانيه (١).
ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر، ولا آلات الطّرب ذوات الأوتار، ولا تبرّج النّساء العواهر، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها من بلاد المغرب. وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب، وربما وقع فيه قتل بسبب السّكر فيمنع فيه الشّرب، وذلك في بعض الأحيان. وهو ضيّق عليه في الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطّرب والتهكّم والمخالعة، حتى إنّ المحتشمين والرّؤساء لا يجيزون العبور به في مركب. وللسّرج في جانبيه باللّيل منظر فتّان، وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل السّتر باللّيل. وفي ذلك أقول:
[مخلع البسيط]
لا تركبن في خليج مصر … إلاّ إذا أسدل الظّلام
فقد علمت الذي عليه … من عالم كلّهم طغام
صفّان للحرب قد أطلاّ … سلاح ما بينهم كلام
يا سيّدي لا تسر إليه … إلاّ إذا هوّم النّيام
واللّيل ستر على التّصابي … عليه من فضله لثام
والسّرج قد بدّدت عليه … منها دنانير لا ترام
وهو قد امتد، والمباني … عليه في خدمة قيام
للّه كم دوحة جنينا … هناك أثمارها الأثام
انتهى (٢). وفيه تحامل كثير.
وقال زكيّ الدّين الحسين من رسالة كتبها من مصر في شهر رجب سنة اثنتين وسبع مائة إلى أخيه وهو بدمشق يتشوّق إليها، ويذكر ما فيها من المواضع والمتنزّهات، ويذمّ من مصر بقوله:
«فكيف يبقى لمن حلّ في جنّة النّعيم ورياضها، ويرتع في ميادين
стр. 1180
المسرّة (¬a) وغياضها، تلفّت إلى من سلّمته يد الأقدار إلى أرض ليست بذات قرار، وبدّلوا بجنّتهم ذات البان المتقاوح (¬b)، والورق المتصادح، والنّشر المتقادح، والماء المطلق المسلسل، والنّسيم الصّحيح العليل جنّتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، وتقصّدتهم يد القضاء فأخذتهم بالبأساء والضّرّاء، وأوقعتهم بمصر وسمومها (¬c)، وحميمها وغمومها، وحزومها وغرورها (¬d)، وحرورها وزفيرها، وسعيرها وكيمانها، ونيرانها وسودانها، وفلاّحيها وملاّحيها، ومساربها ومشاربها، ومسالكها ومهالكها، وصحناتها وعصفورها وبوريّها وممقورها (¬e)، ومخاوف نوروزها وحرارة تمّوزها، ودارس طلولها، ورائس أسطولها، وتعكّر مائها، وتكدّر هوائها؛ فلو تراهم في أرجائها القصوى كالأباعر الهمل، وهم يصطرخون فيها ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ اَلَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الآية ٣٧ سورة فاطر].
فأجابه من دمشق بكتاب من جملته على لسان دمشق كأنّها تخاطبه:
«ويا أيّها الولد العزيز، كيف سمحت فطرتك السّليمة، ومروءتك الكريمة، وسيرتك المستقيمة، وصبرك المحافظ، ودينك المراقب الملاحظ، بذمّ من جنيت نعمها، وسكنت حرمها، وقلت مصر وسمومها (¬c)، وسقت عليها القول من كلّ جانب، واستعرت لها التّكدير حتّى في المشارب والمسارب.
وهلاّ ذكرتها وقد باكرها نيل نيل النّعيم بمعنيه (¬f) بليل/ النّسيم بكأس تسنيمه (¬g)، وطما البحر عليها زاخرا فأغناها عن بكاء السّحاب وتجهيمه، وعمّ معظم أرضها، وعبّ عبابه في طولها وعرضها، حتى كاد يعلو رفيع قصورها، وتتسوّر سورته (¬h) شامخ سورها. ومع ذا لا تراه جسورا على ضعاف جسورها، قد طبق التّهائم والأنجاد، وغرّق الآكام والوهاد، وعلا أعلى الصّعيد والصّعاد،
стр. 1181
وأعاد البرّ سلطانه بحرا بالازدياد (١).
فإذا ارتوى أوام أكباد البلاد، وروى السّهل والوعر والهضاب والوهاد، وذهب إملاق الأرض بكلّ ملقة وخليج، وانجاب عنها فاهتزّت وربت، وأنبتت من كلّ زوج بهيج، بدت روضة نضرة بأملاق مقطّعة، كزمرّدة خضراء بلآلئ مرصّعة: فكم من غدير مستدير كبدر منير، ودقيق مستطيل كسيف صقيل، وكم من قليب قلاّب بماء كجلاّب، وكم من عظيم بركة فيركبها (¬a) النّسيم بلطفه، وطينها (¬b) عبير عنبرها فضمّخها بكفّه، وزهت بزهو نيلوفرها فغرقت بعرقه (¬c)، وكم ترى من ملقة لبقة، عليها عيون نرجس محدقة، كصحن خدّ عروس منمّقة.
والنّوّار قد دارت بمدام النّدى كؤوسه، وجالت في مراج الأفراح نفوسه، ونجم نجمه وابتسم عبوسه (¬d)، وسامره الرّذاذ المنهلّ، وباكره الطّلّ فكلّله بلؤلؤه وقلّده، وزاره النّسيم المعتلّ فأقامه وأقعده، ونمّق أرضه وروضه فذهّبه وفضّضه.
قد باهت (¬e) برياضها الغنّاء، وزهت بزخرفها وزينتها الحسناء، وامتدّ بساطها الزّمرّدي، وانبسط مداها (¬f) الزّبرجدي، فلا يدرك أقصاه ناظر مسافر، ولا يحيط بمنتهاه خيال ولا خاطر (٢).
فللّه درّها من روضة مزن، وكعبة حسن، ومقطّعات بماء غير آسن، وحرم بحر لحجاج طيره آمن. أتاها حجيج الطّير من كلّ فجّ عميق، ملبّيا داعي حسنها من كلّ مكان سحيق، قد امتطى ركبها متون الرّياح، وعلا جثمانها على (¬g) عالم الأرواح، ووصلن الإدلاج بالصّباح، وقطعن جناح (¬h) اللّيل بخفّاق الجناح كأنّهن الدّراري السّواري، أو المنشآت الجواري، أو المطايا المهاري.
[الطويل]
تواصل من جوّ حوائض مثله (¬i) … صعود على حكم الطّريق نزول
стр. 1182
رفاق تعاهدن على الوفاء، وتحالفن على النّعماء والبلاء، خرجن مهاجرات من الأوطان ألوفا، وقدمن صافّين (¬a) كالمصلّين صفوفا، يقدمهنّ دليل كأنّه إمام، قد قتل طرق الآفاق خبرا، واستوى لديه الإضواء والإظلام، أبصر من زرقاء اليمامة، وأطير من الورقاء والغمامة (¬b)، وأهدى من النّجم، وأشدّ من السّهم يتناجين بلغات أعجميّات، مسبّحات بألحان مطربات، وطفن في حرمها الآمن، واعتمرن بتلك المحاسن. فتراها عند إقبال نوّها وحومها في جوّها، ما يستقيم خطّا مستقيما، وإن كانت تصطفّ صفّا عظيما: ومنها ما يستهلّ هلالا، ومنها ما يحكي بنات نعش حالا، ومنها ما ينثني بإدلاله دالاّ، ومنها ما يخطّ نونا نونا فيحكي حاجيا مقرونا، ومنها ما يكتب زينا فيعيدها عينا، ومنها ما يصوّر ميم الهجاء فيشاهد مبسم السّماء، (¬c) ومنها ما ينعطف على خدّها صدعا مسلسلا، ومنها ما يشبه عذارا منمنما (¬c)، ومنها ما يأتي زرافات ووحدانا، فيبدع في إعجابه حسنا وإحسانا.
فكم من حبل إوزّ معلّق بالسّماء محلّق (¬d) إلى ذلك الماء، وأوانس عرايس (¬e) أنيسات كيّسات، وصور صور كأمثال حور، وطير لغلغ مكتس بديباج مصبّغ، وجليل حبرج كعلج متوّج، وكركي عريض طويل كبعير كبير جميل، وغرير غرّ مغر متعرّز (¬f) متعيّر، وسبيطر شديد شويطر، وكم ضخم الدّسيعة جوّال ككوهي بالقوة المنيعة صوّال، ورخام مرزّم كذي إمرة محتشم، وجلالة نسر في الشّائع الذّائع والحاضر الواقع، أبهى من النّسر الطّائر والواقع، وعظيم عقاب تمّ الحسن بحسنه وكلّ الصّيد في ضمنه، وكم من خضارى وجهار (¬g)، وبلشون وشهرمان، صنوان وغير صنوان، وكم من بطّ على شطّ وخلط، وقطقط منقّط، وغر وغرنوق، وكرشوع (¬h) ممشوق، ونورس مستأنس قد (¬i) امتلأت بهن الآفاق، وتكلّلت بنجومهنّ الأملاق، وشربن من جريانها فأسكرهنّ الاصطباح والاغتباق: فكم من مسودّ كحال نجد (¬j)، وأزرق كلازورد، وأشقر كزهر ورد أحمر ناصع، وأصفر فاقع، وأبيض ذي خضاب
стр. 1183
عندمي بلطيف منقار بقمي، ومبرقش ومقمّع، ومعمّم ومقنّع، وأشقري منقّش، وأرقش مرشّش، وعودي وهندي، وصيني مسني، وعينين كياقوتتين قد رصّعتا في لجين، وكم من طائر أبهى من قمر سائر، يفرق مثل الصّبح سافر.
فتراهنّ في الماء صموتا وقوفا، صفوفا عكوفا، كصور أصنام، أو حجارة مبدؤة في آكام، وكم من أطيار ظراف ملاح لطاف، ذوات ألحان ونضرة وألوان، وخلق وأخلاق، ونطق وأطواق، وإيناس مع شمّاس، قد ازدانت الأرض بأصواتهم واختلاف لغاتهم وعجائب صفاتهم (¬a)، فبرزت بأنواع الأعاجيب، وتجلّت بأجمل الجلابيب، وأبدعت في صور الإحسان، وتصوّرت في بدائع الألوان.
فإذا بدت زرقاء في زهر كتّانها، مذهّبة بأزهار لبسانها/ مفضّضة بنجوم أقحوانها، خلعت السّماء عليها خلعة جميل أردانها. وإذا فاح نشر نوّار قرطها، شممت المسك الذّكيّ من مرطها، ورأيت لآلئ سمطها مبسوطة على خضر بسطها، ومغالاتها بغالية نور فولها، وهباتها إذا رفل النّسيم في ذيولها، قد رصّعت أغصانه بفصوص لجينها، ونقّطته من حسنها بسواد عينها: فعيونه كعيون غزلانها في فتكها، وأحداقه كأحداق ولدانها من تركها.
وكم لها من طرّة معنبرة، وجبهة منوّرة، ووجنة مزعفرة، وملاءة منشورة معصفرة، وخدّ مورّد، وطرف مهنّد، ولمائها صنيع من عقيق الشّقيق، وسكرها من ذلك الرّيق على التّحقيق.
وأين بزوغ بشنينها، وامتداد يقطينها، وأين حلاوة عرائس نخلاتها، وطلاوة أوانس قاماتها بمشابهتها في صفاتها، وغرائس فسيلاتها، وأين نضيد طلعها، وحميد فرعها ومديد جذعها، وفخر جمّارها على غير جمّارها (¬b) واخضرار أكمامها، واحمرار لثامها، وبنان بسرها المطرّف، وبنان نشرها المشرّف، وانتظام سرورها بابتسام منثورها.
стр. 1184
وورد واديها ومنحناها، وندى ندّها وتمر حناها، وآس آسها، وطبيب طيب أنفاسها، وتبرّجها بأترجّها وتبهرجها بنارنجها، وتختّمها بمختّمها، وتبسّمها عن بلسمها، وتشقّق أبرادها عن نهود أكبادها، وتضاعف أرجها بمضعّف بنفسجها، وجلالة مقدارها إذا فتحت أزرارها عن جلاجل (¬a) نارها، وطيب شميمها من أشمونها، ونسيمها ووسمها بأوسيمها، وجنان قليوبها، وجريان قليبها، وأحواضها ببهتينها ورياضها، وطرّتها بمطريّتها، ونفيس أنسها بمقسها، وغريب غرسها ببلقسها، وعظيم آسها بمحلّق مقياسها. وكريم تحيّتها من قبل اليمن هبوب أنفاسها، واجتماع أسعدها، وارتفاع رصدها، وسواقيها الحنّانة في سجعها الفتّانة (¬b) بسكبها من دمعها، وجنّة لوقها، ولجّة بولاقها، وبركة فيلها من بركة نيلها، وجزيرة ذهبها، وقلعة الجزيرة بذهبها من عجبها.
حكت فلكها في بحرها، وأحكمت مملكتها ببرّها، وعظم جللها بقلعة جبلها، واعتلاء أعلامها ببناء أهرامها.
وإذا نظرت إلى سعود صعودها إلى سعيد صعيدها، واغتباطها بانحطاطها إلى صوب سكندريتها ودمياطها، ألهتك عن حسن الثّريّا ومناطها.
ولا تنس الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، التي تسبق عند طياب الرّياح مفوقات السّهام، وإعجابها بغربانها البحرية، وحرّاقاتها الحربيّة، وشوانيها وهول مبانيها، وجلال شكلها وجمال معانيها: تبدو موشّاة بالنّضار الأحمر، منقّشة باللون الأفخر، فهي كالأرقم المنمّر، أو كمتلوّن الثّمر، أو الطاووس الذّكر، أو النّاووس البنّي الأصفر، معمّرة ببأس الحديد والأحجار، محمولة على سيح الماء التّيّار، مشحونة بالرّجال، منصورة عند القتال، مصونة بالمجن والنّبال، تبرز مذكّرة بالآية النّوحيّة، وتضمن إحراز الهمّة العليّة الفتحيّة.
حصون أمنع من أعزّ قلاع، تطير إذا فتح لها جناح القلاع، فتسبق وفد الرّيح عند الإسراع، وتفوق سرعة السّحاب عند الاتّساع، فهنّ مع العقبان في النّيق حوّم، وهنّ مع البنيان في البحر عوّم، لو أقسم من رآها، ولو قال مشاهد
стр. 1185
معناها: إنّ اللّه نفخ فيها الرّوح فأحياها، لبرّ في يمينه التي أقسم وتلاها.
وكم من مركب لحسنه معجب، وكم من سفين قويّ أمين، وخضاري جليل، وعشاري طويل، وسماري (¬a) طويل جميل، ونستراوي عكاوي، ولكّة ودرمونة ومعدية مكنية، وسلّور دقيق، وشختور رشيق، وقرقور رقيق، وزورق ذي رواء ورونق (¬b)، وطريدة بخيل الطّراز (¬c) معمورة، دهماء بحمل الجياد والأجناد مشهورة، ومخلوف بالمعروف في الآفاق معروف.
وما أحلى بنان رطبها المخضّب، ودقيق (¬d) قامة قصبها المقصّب، وبهجة فوزها بطلح موزها، وخضر أعلام أوراقها، وصفر كرام أعلاقها، لا البلاغة تبلغ من إحصاء فضلها مراما، ولا الفصاحة تصوغ لوصف تشبيهها كلاما.
فنسأل اللّه تعالى أن يكنفها بركنه الذي لا يرام، ويحرسها بعينه التي لا تنام، بمنّه وكرمه».
وقال إبراهيم بن القاسم الكاتب - الملقّب بالرّقيق (١) - يتشوّق إلى مصر، وقد خرج عنها في سنة ثمان (¬e) وثمانين وثلاث مائة، من قصيدة (٢):
[الطويل]
هل الرّيح إن سارت مشرّقة تسري … تؤدّي تحيّاتي إلى ساكني مصر؟
فما خطرت إلاّ بكيت صبابة … وحمّلتها ما ضاق عن حمله صدري
/ لأنّي إذا هبت قبولا بنشرهم … شممت نسيم المسك من ذلك النّشر
فكم لي بالأهرام أو دير نهية … مصايد غزلان المطايد والقفر
إلى جيزة الدّنيا وما قد تضمّنت … جزيرتها ذات المواخر والجسر
وبالمقس والبستان للعين منظر … أنيق إلى شاطى الخليج إلى القصر
وفي بئر دوس مستراد وملعب … إلى دير مرحنّا (٣) إلى ساحل البحر
стр. 1186
فكم بين بستان الأمير (١) وقصره … إلى البركة النّضراء من زهر نضر
تراها كمرآة بدت في رفارف … من السّندس الموشّى تنشر للتجر
وكم ليلة لي بالقرافة خلتها … لما نلت من لذّاتها ليلة القدر (٢)
وقال أحمد بن رستم بن إسفهسلار الدّيلمي (٣)، يخاطب الوزير نجم الدّين يوسف (¬a) بن الحسين المجاور (٤)، وتوفي في رابع عشر ذي الحجّة سنة إحدى وعشرين وستّ مائة [بدمشق، ومولده في سنة ثمان وأربعين وخمس مائة وكان شيخا مشورا معدّلا] (¬b).
[الكامل]
حيّ الدّيار بشاطئ مقياسها … فالمقسم الفيّاح بين دهّاسها
فالرّوضتين وقد تضوّع عرفها … أرج البنفسج في غضارة آسها
فمنازل العين المنيفة أصبحت … يغني سناها عن سنا نبراسها
فخليجها لذاته مطلوبة … تسمو محاسنه علا بأناسها
حافاته محفوفة بمنازل … نزلت بها الآرام دون كنّاسها (٥)
وقال العلاّمة جمال (¬c) الدّين محمّد الشّيرازي المعروف بإمام منكلي بغا:
[السريع]
حيّا الحيا مصر وسكّانها … وباكر الوسميّ كثبانها
وجاد صوب المزن من أرضها … معاهد الأنس وأوطانها
معاهد بالأنس معمورة … لم أنس مهما عشت إحسانها
كم أيقظتني في ذرى دوحها … عجماء لا تفقه ألحانها
وكم نعيم قد تخيّلته … فيها وكم غازلت غزلانها
وعاينت عينى بها أغيدا … منعّس المقلة وسنانها
تسحر بالتّفتير ألحاظه … كأنّ من بابل شيطانها
стр. 1187
وكم شجت قلبي بها غادة … قد كحّلت بالغنج أجفانها
إذا دعت صبّا إلى حبّها … لا يستطيع الصّبّ عصيانها
وكم ليال لي بها قد مضت … تسحب بالإعجاب أردانها
وا لهف نفسي كيف شطّت بها … حوادث قوّضن بنيانها
فارقتها لا عن قلّي صدّني … عنها فراق الرّوح جسمانها
واعتضّت عن غزلانها والمها … نعاج حبرون وثيرانها
يا سائلي عن حالتي بعدها … هأنذا أذكر عنوانها
ما حال من فارق أصحابه … وفارق الدّنيا وجيرانها
تقلب فوق الجمر أحشاؤه … تؤجّج الأشواق نيرانها
والعين لا تنفكّ من عبرة … ترسل فوق الخدّ طوفانها
يا سائق النّوق يبثّ الثّرى … كمثل بثّ السّحب تهتانها
حيّ ربا مصر وجناتها … وحورها العين وولدانها
ودورها الزّهر وساحاتها … وبين قصريها وميدانها
وأرضها المخضّب أرجاؤها … ونيلها الزّاهي وخلجانها
والرّوضة الفيحاء تلك التي … تجلو عن الأنفس أحزانها
ومنية السّيرج لا تنسها … وقرطها الأحوى وكتّانها
/ والتّاج والخمس وجوه التي … أضحت من الأعين إنسانها
وحيّ بأبرق وجد بالحيا … جزيرة الفيل وغيطانها
وبانها الغصن ونسرينها … ووردها البكر وريحانها
وظلّها الضّافي وأزهارها … وماءها الصّافي وغدرانها
والمعهد المأنوس من ربعها … وحيّ أهليها وسكانها
لم أنس لا أنسى اصطباحي بها … ولا اغتباقاتي وإبّانها
ولا أويقات التّصابي ولا … تلك الخلاعات وأزمانها
أيّام لا أنفكّ من صبوة … أهوى اللّذاذات وإعلانها
أخطر تيها في رياض الصّبا … مرنّح الأعطاف كسلانها
وخيل لهوي في ميادينها … تجرجر الصّبوة أرسانها
ودوحتي ناضرة غضّة … تعطف ريح اللّهو أغصانها
حاشاي أن أنقض عهدا لها … حاشاي أن أصبح خوّانها
стр. 1188
حاشاي أن أهجرها قاليا … حاشاي أن أحدث سلوانها
حاشاي أن أرضى بديلا بها … روابي الشّام وقيعانها
وماءها الثّجّ وحصباءها … وصخرها الصّلد وصوّانها
قد تاقت النّفس إلى إلفها … وحثّت الأشواق أظعانها
واذّكّرت في البعد أحبابها … فهيّج التّبريح أشجانها
وما لها غيرك من ملتجا … يا أوحد الدّنيا وإنسانها
وقال الرّئيس شهاب الدّين أحمد بن محيي الدين يحيى بن فضل اللّه العمريّ كاتب السّرّ:
[مجزوء الرجز]
لمصر فضل باهر … بعيشها الرّغد النّضر
في كل سفح يلتقي … ماء الحياة والخضر (¬a) (١)
ذكر ما قيل في مدّة بقاء القاهرة ووقت خرابها
قال العارف محيي الدّين محمد بن العربي الطّائي الحاتمي في الملحمة المنسوبة إليه (٢): قاهرة تعمر في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وتخرب سنة ثمانين وسبع مائة.
ووقفت لها على شرح لم أعرف تصنيف من هو، فإنّه لم يسمّ في النّسخة التي وقفت عليها، وهو شرح لطيف قليل الفائدة، فإنّه ترك كلام المصنّف فيما مضى على ما هو معروف في كتب التّاريخ، ولم يبيّن مراده فيما استقبل، وكانت الحاجة ماسّة إلى معرفة ما يستقبل، أكثر من المعرفة بحال ما مضى، لكن أخبرني غير واحد من الثّقات أنّه وقف لهذه الملحمة على شرح كبير في مجلدين.
قال هذا الشّارح: كانت بداية عمارة القاهرة والنّيّران في شرفهما: الشّمس في برج الحمل، والقمر في برج الثّور وهو برج ثابت، قال: فعمر القاهرة ومدّتها أربع مائة وإحدى وستون سنة.
стр. 1189
قال في الأصل: وإذا نزل زحل برج الجوزاء، عزّت الأقوات بمصر، وقلّ أغنياؤهم، وكثر فقراؤهم، ويكون الموت فيهم، ويخرج أهل برقة عن أوطانهم، لا سيما إذا قارن زحل الجوزهر، فإنّ الحال يكون أشدّ وأقوى.
قال الشارح: كان ذلك في سنة أربع وستين وستّ مائة، في أيام الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس، فإنّه نزل زحل برج الجوزاء، فوقع الغلاء. وفي آخر سنة أربع وأوّل سنة خمس وتسعين وستّ مائة، في أيّام الملك العادل كتبغا، حلّ زحل في برج الجوزاء، وكان معه الجوزهر، فكانت أشدّ وأقوى، وكثر الغلاء والوباء.
قال: سئل المعزّ عن التّرك: ما هم؟ فقال: قوم مسلمون، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الحدود والواجبات، ويقاتلون في سبيل اللّه أعداء اللّه؛ فقيل له: أتطول مدّتهم؟ قال: لا تطول مدّتهم؛ قيل: فكيف يكون زوالهم؟ قال: يكون هكذا، وكان إلى جانبه طبق كيزان، فحرّكه حركة شديدة فتكسّرت الكيزان، فقال: هكذا يكون زوالهم، يقتل بعضهم بعضا، قال:
[الكامل]
احذر بنيّ من القران العاشر … وارحل بأهلك قبل نقر الناقر
قال الشّارح: أوّل القران العاشر في سنة خمس وثمانين وسبع مائة، وفيه تكون حالات رديئة بأرض مصر، وهذا يوافق ما في القول عن القاهرة، وتخرب في سنة خمس وثمانين وسبع مائة - يعني بداية انحطاطها من سنة خمس وثمانين وسبع مائة التي فيها القران العاشر، ويثبت في عشرين سنة التي هي أيام القران. وقد ذكر في الرّبع/ الآخر أربع مائة وإحدى وستّين سنة، وقد تخيّلت أنّها مدّة عمر القاهرة، فإذا زدتها على تاريخ عمارتها، بلغ ذلك ثمان مائة وتسع عشرة
стр. 1190
سنة، وفي ذلك الوقت يكون زوالها، وهو ما بين سنة ثمانين وسبع مائة إلى سنة تسع عشرة وثمان مائة، ويكون بسبب ذلك (¬a) قحط عظيم، وقلّة خير، وكثرة شرّ حتى تخرب (¬b) ويضعف أهلها.
قال: قران زحل والمرّيخ في برج الجدي يكون في سنة سبعين وسبع مائة، فتعد لكلّ مائة سنة من سني الهجرة ثلاث سنين، فيكون ثلاثا وعشرين سنة، تزيدها على سبع مائة وسبعين سنة، تبلغ سبع مائة وثلاثا وتسعين سنة، ففي مثلها من سني الهجرة يكون أوّل أوقات خراب القاهرة.
انتهى.
وتهذيب هذا القول أنّ زحل كلّما حلّ برج الجوزاء، اتّضعت أحوال مصر، وقلّت أموالهم، وكثر الغلاء والفناء عندهم بحسب الأوضاع الفلكيّة. وزحل يحلّ في برج الجوزاء كلّ ثلاثين سنة شمسيّة، فيقيم فيه نحوا من ثلاثين شهرا. وأنت إذا اعتبرت أمور العالم، وجدت الحال كما ذكر (¬c)، فإنّه كلّما حلّ زحل برج الجوزاء، وقع الغلاء بمصر.
وذكر أنّ القران العاشر تتّضع فيه أحوال القاهرة، ورأينا الأمر كما ذكر (¬c)، فإنّ القران العاشر كان في سنة ستّ وثمانين وسبع مائة، ومدّة سنيه عشرون سنة شمسيّة، آخرها سابع عشر رجب سنة سبع وثمان مائة. وفي هذه المدّة اتّضع حال القاهرة وأهلها اتّضاعا قبيحا.
ومن الأوقات المحذورة لها أيضا اقتران زحل والمرّيخ في برج السّرطان، ويكون ذلك في كلّ ثلاثين سنة شمسية، ويقترنان في سنة ثمان عشرة وثمان مائة، وفي مدّته تنقضي الأربع مائة والإحدى والستون سنة التي ذكر أنّها عمر القاهرة في سنة تسع عشرة وثمان مائة.
وشواهد الأحوال (¬d) اليوم تصدّق ذلك؛ لما عليه أهل القاهرة الآن من الفقر والفاقة وقلّة المال، وخراب الضّياع والقرى، وتداعي الدّور للسّقوط، وشمول الخراب أكثر معمور القاهرة، واختلاف أهل الدولة، وقرب انقضاء مدّتهم، وغلاء سائر الأسعار.
ولقد سمعت عمّن يرجع إليه في مثل ذلك، أنّ العمارة تنتقل من القاهرة إلى بركة الحبش، فيصير هنالك مدينة.
стр. 1191
ذكر مسالك القاهرة وشوارعها على ما هي عليه الآن (١)
وقبل أن نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها إلى الأزقّة والحارات، لتعرف بها الحارات والخطط والأزقّة والدّروب (¬a)، وغير ذلك ممّا ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى.
(¬b) الشّارع الأوّل والطّريق العظمى قصبة القاهرة (¬b)
ف «الشّارع الأعظم» - قصبة القاهرة - من باب زويلة إلى بين القصرين، عند (¬c) باب الخرنفش أو الخرنشف، ومن باب الخرنفش ينفرق من هنالك طريقان: ذات اليمين، ويسلك منها إلى الرّكن المخلّق ورحبة باب العيد إلى باب النّصر (¬d)، وذات اليسار، ويسلك منها إلى الجامع الأقمر، وإلى حارة برجوان إلى باب الفتوح.
فإذا ابتدأ السّالك بالدّخول من باب زويلة، فإنّه يجد يمنة الزّقاق الضّيّق الذي يعرف اليوم بسوق الخلعيّين، وكان قديما يعرف بالخشّابين، ويسلك من هذا الزّقاق إلى حارة الباطليّة وخوخة حارة الرّوم البرّانية.
ثم يسلك الدّاخل أمامه فيجد (¬b) على ما في يمينه قيسارية الفاضل و (¬b) على يسرته سجن متولّي القاهرة - المعروف بخزانة شمائل - وقيسارية سنقر الأشقر ودرب الصّفّيرة (٢).
ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته حمّام الفاضل المعدّة لدخول الرجال، وعلى يسرته - تجاه هذه الحمّام (¬e) - قيسارية الأمير بهاء الدين رسلان الدّوادار النّاصريّ، إلى أن ينتهى بين الحوانيت والرّباع فوقها إلى بابي زويلة الأوّل، ولم يبق منهما سوى عقد أحدهما، ويعرف الآن بباب القوس.
стр. 1192
ثم يسلك أمامه فيجد على يسرته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الحدّادين والحجّارين - المعروف اليوم بسوق الأنماطيين وسكن أصحاب (¬a) الملاهي - وإلى المحموديّة، وإلى سوق الأخفافيين، وحارة الجوذرية والصّوّافين والقصّارين والفحّامين وغير ذلك. ويجد تجاه هذا الزّقاق عن يمنته المسجد المعروف قديما بابن البنّاء - وتسمّيه العامّة الآن بسام بن نوح - وهو في وسط سوق الغرابليين والمناخليين ومن معهم من الضّببيين.
(¬b) ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى حارة الرّوم (¬b)، ثم يسلك أمامه فيجد سوق السّرّاجين - ويعرف اليوم بالشّوائين - وفي هذا السّوق على يمنته الجامع الظّافري المعروف بجامع الفكّاهين، وبجانبه الزّقاق المسلوك منه إلى حارة الدّيلم وسوق القفّاصين وسوق الطّيوريين والأكفانيين القديمة المعروفة الآن بسكنى دقّاقي الثّياب. ويجد على يسرته الزّقاق المتوصّل (¬c) منه إلى حارة الجوذرية ودرب كركامة ودكّة الحسبة المعروفة قديما بسوق الحدّادين، وسوق الورّاقين القديمة، وإلى سوق (¬d) الفاميين، المعروف اليوم بالأبازرة (¬e)، وإلى غير ذلك.
ثم يسلك أمامه إلى سوق (¬d) الحلاويين الآن فيجد عن يمينه الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الكعكيين المعروف قديما بالقطّانين وسكنى الأساكفة، وإلى بابي قيسارية جهاركس، (¬f) الغربيين وإلى درب الأسواني والحارة الباطليّة وغير ذلك، ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الحوائصيين (¬g) فيجد على يمينه قيسارية جهاركس (¬f) وعن يسرته قيسارية الشّرب.
ثم يسلك/ أمامه إلى سوق الشّرابشيين، المعروف قديما بسكنى التخانقيين (¬h)، وعن يمنته درب قيطون.
ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الشّرابشيين، فيجد عن يمنته قيسارية أمير علي، ويجد عن يسرته سوق الجملون الكبير المسلوك فيه إلى قيسارية ابن قريش وإلى سوق العطّارين والورّاقين، وإلى سوق الكفتيين والصّيارف وإلى (¬a) الأخفافيين، وإلى بئر زويلة والبندقانيين، وإلى غير ذلك.
ثم يسلك أمامه فيجد عن يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الفرّائين الآن - وكان يعرف (¬f) قديما بالخروقيين وإلى خطّ الأكفانيين الآن، وكان يعرف (¬f) أوّلا بدرب البيضاء - وإلى درب الأسواني وإلى الجامع الأزهر وغير ذلك، ويجد عن يسرته قيسارية بني أسامة.
стр. 1193
ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الجوخيّين واللّجميين، فيجد عن يمينه قيسارية السّروج، وعن يسرته قيسارية (¬a).
ثم يسلك أمامه إلى سوق السّقطيين والمهامزيين، فيجد عن يمنته درب الشّمسي، ويقابله باب قيسارية الأمير علم الدّين الخيّاط، وتعرف اليوم بقيسارية العصفر.
ثم يسلك أمامه شاقّا في السّوق المذكور، فيجد عن يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق القشّاشين (¬b) وعقبة الصّبّاغين (¬b) المعروف اليوم بالخرّاطين، وإلى سوق الخيميين، وإلى الجامع الأزهر وغير ذلك. ويجد قبالة هذا الزّقاق عن يسرته قيسارية العنبر، المعروفة قديما بحبس المعونة.
ثم يسلك أمامه فيجد على يسرته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الورّاقين وسوق الحريريين الشّرابيين المعروف قديما بسوق الصّاغة القديمة، وإلى درب شمس الدولة، وإلى سوق الجراريين (¬c)، وإلى بئر زويلة والبندقانيين، وإلى سويقة الصّاحب والحارة الوزيرية، وإلى باب سعادة وغير ذلك.
ثم يسلك أمامه شاقّا في بعض سوق الحريريين وسوق المتعيّشين - وكان قديما سكنى الدّجّاجين والكعكيين، وقبل ذلك أوّلا سكنى السّيوفيين - فيجد عن يمنته قيسارية الصّنادقيين وكانت قديما تعرف بفندق الدّبابليين. ويجد عن يسرته مقابلها دار المأمون البطائحي المعروفة بمدرسة الحنفيّة، ثم عرفت اليوم بالمدرسة السّيوفية لأنّها كانت في سوق السّيوفيين.
ثم يسلك أمامه في سوق السّيوفيين القديمة (¬d)، الذي هو الآن سوق المتعيّشين، فيجد عن يمنته خان مسرور وحجرتي الرّقيق ودكّة المماليك بينهما - ولم تزل موضعا لجلوس من يعرض من المماليك التّرك والرّوم ونحوهم للبيع إلى أوائل أيام الملك الظّاهر برقوق، ثم بطل ذلك - ويجد عن يسرته قيسارية الرّمّاحين وخان الحجر، ويعرف اليوم هذا الخطّ بسوق باب الزّهومة.
ثم يسلك أمامه فيجد عن يسرته الزّقاق والسّاباط المسلوك فيه إلى حمّام خشيبة ودرب شمس الدولة، وإلى حارة العدويّة المعروفة اليوم بفندق الزّمام، وإلى حارة زويلة وغير ذلك. ويجد بعد هذا الزّقاق، قريبا منه في صفّه، درب السّلسلة.
стр. 1194
ومن هنا ابتداء «خطّ بين القصرين» وكان قديما، في أيام الدّولة الفاطمية، مراحا واسعا ليس فيه عمارة ألبتّة يقف فيه عشرة آلاف فارس. والقصران هما موضع سكنى الخليفة: أحدهما شرقيّ وهو «القصر الكبير»، وكان على يمنة السّالك من موضع خان مسرور طالبا باب النّصر وباب الفتوح؛ وموضعه الآن المدارس الصّالحيّة النّجمية والمدرسة الظّاهرية الرّكنيّة وما في صفّها من الحوانيت والرّباع إلى رحبة العيد، وما وراء ذلك إلى البرقيّة. ويقابل هذا القصر الشّرقي القصر الغربي، وهو «القصر الصّغير»، ومكانه الآن المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس والحوانيت إلى تجاه باب الجامع الأقمر (¬a).
فإذا ابتدأ السّالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور، فإنّه يجد على يسرته درب السّلسلة. ثم يسلك أمامه فيجد على يمينه الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الأمشاطيين المقابل للمدرسة الصّالحية التي للحنفيّة والحنابلة، وإلى الزّقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة المسلوك فيه إلى خطّ الزّراكشة العتيق حيث خان الخليلي وخان منجك (١)، وإلى الخوخ السّبع حيث الآن سوق الأبّارين، وإلى الجامع الأزهر، وإلى المشهد الحسيني وغير ذلك.
ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق السّيوفيين الآن، فيجد على يساره دكاكين السّيوفيين، وعلى يمينه دكاكين النّقليين ظاهر سوق الكتبيين الآن، وعلى يساره سوق الصّيارف برأس باب الصّاغة، وكان قديما مطبخ القصر قبالة باب الزّهومة.
ثم يسلك أمامه فيجد على يمينه باب المدارس الصّالحية تجاه باب الصّاغة. ثم يسلك أمامه فيجد عن يمينه القبّة الصّالحيّة وبجوارها المدرسة الظّاهرية الرّكنية، ويجد على يساره باب المارستان المنصوري، وفي داخله القبّة المنصورية التي فيها قبور الملوك، وتحت شبابيكها دكك القفصيات التي فيها الخواتيم ونحوها، فيما بين القبّة المذكورة والمدرسة الظّاهرية المذكورة، وفي داخله أيضا المدرسة المنصورية، وتحت شبابيكها أيضا دكك القفصيات فيما بين شبابيكها وشبابيك المدرسة الصّالحية التي للشّافعية والمالكية، وتحتها خيمة الغلمان بجوار قبّة الصّالح، وفي داخله أيضا المارستان الكبير المنصوري المتوصّل من باب سرّه إلى حارة زويلة، وإلى الخرنشف وإلى الكافوري وإلى البندقانيين وغير ذلك.
стр. 1195
ثم يسلك من باب المارستان، فيجد على يمنته سوق السّلاح والنّشّابين (¬a)/ الآن تحت الرّبع المعروف بوقف أمير سعيد، ويجد على يسرته المدرسة النّاصريّة الملاصقة لمئذنة القبّة المنصورية.
ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته خان بشتاك وفوقه الرّبع - وعرف الآن هذا الخان بالمستخرج - ويجد على يسرته المدرسة الظّاهريّة الجديدة بجوار المدرسة النّاصريّة، وكانت قبل إنشائها مدرسة فندقا يعرف بخان الزّكاة.
ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته باب قصر بشتاك، ويجد على يسرته المدرسة الكامليّة المعروفة بدار الحديث وهي ملاصقة للمدرسة الظّاهرية السيفية (¬b) الجديدة (¬c).
ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى بيت أمير سلاح، المعروف بقصر أمير سلاح، وهو الأمير فخر الدّين بكتاش الفخري الصّالحي النّجمي، وإلى دار الأمير سلار نائب السّلطنة، وإلى دار الطّواشي سابق الدّين ومدرسته التي يقال لها المدرسة السّابقيّة. وكان هذا الزّقاق في داخله (¬d) مكان يتوصّل إليه من تحت قبو المدرسة السّابقية، يعرف بالسودوس، فيه عدّة مساكن صارت كلّها اليوم دارا واحدة إنشاء الأمير جمال الدّين الأستادّار. وكان تجاه باب المدرسة (¬e) السّابقية ربع تحته فرن، ومن ورائه عدّة مساكن يعرف مكانها بالحدرة، فهدم الأمير جمال الدّين المذكور الرّبع وما وراءه وحفر فيه صهريجا، وأنشأ به عدّة آدرّ هي الآن جارية في أوقافه.
وكان يسلك من باب السّابقية على باب الرّبع والفرن المذكورين، إلى دهليز طويل مظلم ينتهي إلى باب القصر تجاه سور سعيد السّعداء، ومنه يخرج السّالك إلى رحبة باب العيد وإلى الرّكن المخلّق، فهدمه الأمير جمال الدّين وجعل مكانه قيساريّة، وركّب على رأس هذا الزّقاق - تجاه حمّام البيسريّ - دربا في داخله دروب ليصون أمواله، وانقطع التطرّق من هذا الزّقاق، وصار دربا غير نافذ. ويجد السّالك عن يسرته قبالة هذا الزّقاق - الذي (¬f) صار دربا مدربا - باب قصر البيسريّة (١)، وقد بني في وجهه حوانيت بجانبها حمّام البيسري.