← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ذكر مسالك القاهرة وشوارعها على ما هي عليه الآن (١) وقبل أن نذكر خطط القاهرة فلنبتدئ بذكر شوارعها ومسالكها المسلوك منها إلى الأزقّة والحارات، لتعرف بها الحارات والخطط والأزقّة والدّروب (¬a)، وغير ذلك ممّا ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. (¬b) الشّارع الأوّل والطّريق العظمى قصبة القاهرة (¬b) ف «الشّارع الأعظم» - قصبة القاهرة - من باب زويلة إلى بين القصرين، عند (¬c) باب الخرنفش أو الخرنشف، ومن باب الخرنفش ينفرق من هنالك طريقان: ذات اليمين، ويسلك منها إلى الرّكن المخلّق ورحبة باب العيد إلى باب النّصر (¬d)، وذات اليسار، ويسلك منها إلى الجامع الأقمر، وإلى حارة برجوان إلى باب الفتوح. فإذا ابتدأ السّالك بالدّخول من باب زويلة، فإنّه يجد يمنة الزّقاق الضّيّق الذي يعرف اليوم بسوق الخلعيّين، وكان قديما يعرف بالخشّابين، ويسلك من هذا الزّقاق إلى حارة الباطليّة وخوخة حارة الرّوم البرّانية. ثم يسلك الدّاخل أمامه فيجد (¬b) على ما في يمينه قيسارية الفاضل و (¬b) على يسرته سجن متولّي القاهرة - المعروف بخزانة شمائل - وقيسارية سنقر الأشقر ودرب الصّفّيرة (٢). ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته حمّام الفاضل المعدّة لدخول الرجال، وعلى يسرته - تجاه هذه الحمّام (¬e) - قيسارية الأمير بهاء الدين رسلان الدّوادار النّاصريّ، إلى أن ينتهى بين الحوانيت والرّباع فوقها إلى بابي زويلة الأوّل، ولم يبق منهما سوى عقد أحدهما، ويعرف الآن بباب القوس.

стр. 1192

ثم يسلك أمامه فيجد على يسرته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الحدّادين والحجّارين - المعروف اليوم بسوق الأنماطيين وسكن أصحاب (¬a) الملاهي - وإلى المحموديّة، وإلى سوق الأخفافيين، وحارة الجوذرية والصّوّافين والقصّارين والفحّامين وغير ذلك. ويجد تجاه هذا الزّقاق عن يمنته المسجد المعروف قديما بابن البنّاء - وتسمّيه العامّة الآن بسام بن نوح - وهو في وسط سوق الغرابليين والمناخليين ومن معهم من الضّببيين. (¬b) ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى حارة الرّوم (¬b)، ثم يسلك أمامه فيجد سوق السّرّاجين - ويعرف اليوم بالشّوائين - وفي هذا السّوق على يمنته الجامع الظّافري المعروف بجامع الفكّاهين، وبجانبه الزّقاق المسلوك منه إلى حارة الدّيلم وسوق القفّاصين وسوق الطّيوريين والأكفانيين القديمة المعروفة الآن بسكنى دقّاقي الثّياب. ويجد على يسرته الزّقاق المتوصّل (¬c) منه إلى حارة الجوذرية ودرب كركامة ودكّة الحسبة المعروفة قديما بسوق الحدّادين، وسوق الورّاقين القديمة، وإلى سوق (¬d) الفاميين، المعروف اليوم بالأبازرة (¬e)، وإلى غير ذلك. ثم يسلك أمامه إلى سوق (¬d) الحلاويين الآن فيجد عن يمينه الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الكعكيين المعروف قديما بالقطّانين وسكنى الأساكفة، وإلى بابي قيسارية جهاركس، (¬f) الغربيين وإلى درب الأسواني والحارة الباطليّة وغير ذلك، ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الحوائصيين (¬g) فيجد على يمينه قيسارية جهاركس (¬f) وعن يسرته قيسارية الشّرب. ثم يسلك/ أمامه إلى سوق الشّرابشيين، المعروف قديما بسكنى التخانقيين (¬h)، وعن يمنته درب قيطون. ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الشّرابشيين، فيجد عن يمنته قيسارية أمير علي، ويجد عن يسرته سوق الجملون الكبير المسلوك فيه إلى قيسارية ابن قريش وإلى سوق العطّارين والورّاقين، وإلى سوق الكفتيين والصّيارف وإلى (¬a) الأخفافيين، وإلى بئر زويلة والبندقانيين، وإلى غير ذلك. ثم يسلك أمامه فيجد عن يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الفرّائين الآن - وكان يعرف (¬f) قديما بالخروقيين وإلى خطّ الأكفانيين الآن، وكان يعرف (¬f) أوّلا بدرب البيضاء - وإلى درب الأسواني وإلى الجامع الأزهر وغير ذلك، ويجد عن يسرته قيسارية بني أسامة.

стр. 1193

ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق الجوخيّين واللّجميين، فيجد عن يمينه قيسارية السّروج، وعن يسرته قيسارية (¬a). ثم يسلك أمامه إلى سوق السّقطيين والمهامزيين، فيجد عن يمنته درب الشّمسي، ويقابله باب قيسارية الأمير علم الدّين الخيّاط، وتعرف اليوم بقيسارية العصفر. ثم يسلك أمامه شاقّا في السّوق المذكور، فيجد عن يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق القشّاشين (¬b) وعقبة الصّبّاغين (¬b) المعروف اليوم بالخرّاطين، وإلى سوق الخيميين، وإلى الجامع الأزهر وغير ذلك. ويجد قبالة هذا الزّقاق عن يسرته قيسارية العنبر، المعروفة قديما بحبس المعونة. ثم يسلك أمامه فيجد على يسرته الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الورّاقين وسوق الحريريين الشّرابيين المعروف قديما بسوق الصّاغة القديمة، وإلى درب شمس الدولة، وإلى سوق الجراريين (¬c)، وإلى بئر زويلة والبندقانيين، وإلى سويقة الصّاحب والحارة الوزيرية، وإلى باب سعادة وغير ذلك. ثم يسلك أمامه شاقّا في بعض سوق الحريريين وسوق المتعيّشين - وكان قديما سكنى الدّجّاجين والكعكيين، وقبل ذلك أوّلا سكنى السّيوفيين - فيجد عن يمنته قيسارية الصّنادقيين وكانت قديما تعرف بفندق الدّبابليين. ويجد عن يسرته مقابلها دار المأمون البطائحي المعروفة بمدرسة الحنفيّة، ثم عرفت اليوم بالمدرسة السّيوفية لأنّها كانت في سوق السّيوفيين. ثم يسلك أمامه في سوق السّيوفيين القديمة (¬d)، الذي هو الآن سوق المتعيّشين، فيجد عن يمنته خان مسرور وحجرتي الرّقيق ودكّة المماليك بينهما - ولم تزل موضعا لجلوس من يعرض من المماليك التّرك والرّوم ونحوهم للبيع إلى أوائل أيام الملك الظّاهر برقوق، ثم بطل ذلك - ويجد عن يسرته قيسارية الرّمّاحين وخان الحجر، ويعرف اليوم هذا الخطّ بسوق باب الزّهومة. ثم يسلك أمامه فيجد عن يسرته الزّقاق والسّاباط المسلوك فيه إلى حمّام خشيبة ودرب شمس الدولة، وإلى حارة العدويّة المعروفة اليوم بفندق الزّمام، وإلى حارة زويلة وغير ذلك. ويجد بعد هذا الزّقاق، قريبا منه في صفّه، درب السّلسلة.

стр. 1194

ومن هنا ابتداء «خطّ بين القصرين» وكان قديما، في أيام الدّولة الفاطمية، مراحا واسعا ليس فيه عمارة ألبتّة يقف فيه عشرة آلاف فارس. والقصران هما موضع سكنى الخليفة: أحدهما شرقيّ وهو «القصر الكبير»، وكان على يمنة السّالك من موضع خان مسرور طالبا باب النّصر وباب الفتوح؛ وموضعه الآن المدارس الصّالحيّة النّجمية والمدرسة الظّاهرية الرّكنيّة وما في صفّها من الحوانيت والرّباع إلى رحبة العيد، وما وراء ذلك إلى البرقيّة. ويقابل هذا القصر الشّرقي القصر الغربي، وهو «القصر الصّغير»، ومكانه الآن المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس والحوانيت إلى تجاه باب الجامع الأقمر (¬a). فإذا ابتدأ السّالك بدخول بين القصرين من جهة خان مسرور، فإنّه يجد على يسرته درب السّلسلة. ثم يسلك أمامه فيجد على يمينه الزّقاق المسلوك فيه إلى سوق الأمشاطيين المقابل للمدرسة الصّالحية التي للحنفيّة والحنابلة، وإلى الزّقاق الملاصق لسور المدرسة المذكورة المسلوك فيه إلى خطّ الزّراكشة العتيق حيث خان الخليلي وخان منجك (١)، وإلى الخوخ السّبع حيث الآن سوق الأبّارين، وإلى الجامع الأزهر، وإلى المشهد الحسيني وغير ذلك. ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق السّيوفيين الآن، فيجد على يساره دكاكين السّيوفيين، وعلى يمينه دكاكين النّقليين ظاهر سوق الكتبيين الآن، وعلى يساره سوق الصّيارف برأس باب الصّاغة، وكان قديما مطبخ القصر قبالة باب الزّهومة. ثم يسلك أمامه فيجد على يمينه باب المدارس الصّالحية تجاه باب الصّاغة. ثم يسلك أمامه فيجد عن يمينه القبّة الصّالحيّة وبجوارها المدرسة الظّاهرية الرّكنية، ويجد على يساره باب المارستان المنصوري، وفي داخله القبّة المنصورية التي فيها قبور الملوك، وتحت شبابيكها دكك القفصيات التي فيها الخواتيم ونحوها، فيما بين القبّة المذكورة والمدرسة الظّاهرية المذكورة، وفي داخله أيضا المدرسة المنصورية، وتحت شبابيكها أيضا دكك القفصيات فيما بين شبابيكها وشبابيك المدرسة الصّالحية التي للشّافعية والمالكية، وتحتها خيمة الغلمان بجوار قبّة الصّالح، وفي داخله أيضا المارستان الكبير المنصوري المتوصّل من باب سرّه إلى حارة زويلة، وإلى الخرنشف وإلى الكافوري وإلى البندقانيين وغير ذلك.

стр. 1195

ثم يسلك من باب المارستان، فيجد على يمنته سوق السّلاح والنّشّابين (¬a)/ الآن تحت الرّبع المعروف بوقف أمير سعيد، ويجد على يسرته المدرسة النّاصريّة الملاصقة لمئذنة القبّة المنصورية. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته خان بشتاك وفوقه الرّبع - وعرف الآن هذا الخان بالمستخرج - ويجد على يسرته المدرسة الظّاهريّة الجديدة بجوار المدرسة النّاصريّة، وكانت قبل إنشائها مدرسة فندقا يعرف بخان الزّكاة. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته باب قصر بشتاك، ويجد على يسرته المدرسة الكامليّة المعروفة بدار الحديث وهي ملاصقة للمدرسة الظّاهرية السيفية (¬b) الجديدة (¬c). ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته الزّقاق المسلوك فيه إلى بيت أمير سلاح، المعروف بقصر أمير سلاح، وهو الأمير فخر الدّين بكتاش الفخري الصّالحي النّجمي، وإلى دار الأمير سلار نائب السّلطنة، وإلى دار الطّواشي سابق الدّين ومدرسته التي يقال لها المدرسة السّابقيّة. وكان هذا الزّقاق في داخله (¬d) مكان يتوصّل إليه من تحت قبو المدرسة السّابقية، يعرف بالسودوس، فيه عدّة مساكن صارت كلّها اليوم دارا واحدة إنشاء الأمير جمال الدّين الأستادّار. وكان تجاه باب المدرسة (¬e) السّابقية ربع تحته فرن، ومن ورائه عدّة مساكن يعرف مكانها بالحدرة، فهدم الأمير جمال الدّين المذكور الرّبع وما وراءه وحفر فيه صهريجا، وأنشأ به عدّة آدرّ هي الآن جارية في أوقافه. وكان يسلك من باب السّابقية على باب الرّبع والفرن المذكورين، إلى دهليز طويل مظلم ينتهي إلى باب القصر تجاه سور سعيد السّعداء، ومنه يخرج السّالك إلى رحبة باب العيد وإلى الرّكن المخلّق، فهدمه الأمير جمال الدّين وجعل مكانه قيساريّة، وركّب على رأس هذا الزّقاق - تجاه حمّام البيسريّ - دربا في داخله دروب ليصون أمواله، وانقطع التطرّق من هذا الزّقاق، وصار دربا غير نافذ. ويجد السّالك عن يسرته قبالة هذا الزّقاق - الذي (¬f) صار دربا مدربا - باب قصر البيسريّة (١)، وقد بني في وجهه حوانيت بجانبها حمّام البيسري.

стр. 1196

ومن هنا ينقسم شارع القاهرة المذكور إلى طريقين: أحدهما ذات اليمين، والأخرى ذات اليسار (١). [الشارع المسلوك فيه إلى باب الفتوح] فأمّا ذات اليسار فإنّها تتمّة القصبة المذكورة. فإذا مرّ السّالك من باب حمّام الأمير بيسري، فإنّه يجد على يسرته باب الخرنشف المسلوك فيه إلى باب سرّ البيسريّة، وإلى باب حارة برجوان الذي يقال له أبو تراب، وإلى الخرنشف وإسطبل القطبية، وإلى الكافوري، وإلى حارة زويلة، وإلى البندقانيين وغير ذلك. ثم يسلك أمامه فيجد سوقا - يعرف أخيرا بالوزّازين والدّجّاجين - يباع فيه الإوزّ والدّجاج والعصافير وغير ذلك من الطّيور، وأدركناه عامرا سوقا كبيرا، من جملته دكّان لا يباع فيها غير العصافير فيشتريها الصّغار للّعب بها. وفي هذا السّوق، على يمنة السّالك، قيسارية يعلوها ربع كانت مدّة سوقا يباع فيه الكتب، ثم صارت لعمل الجلود، وكانت من جملة أوقاف المارستان المنصوري، فهدمها بعض من كان يتحدّث في نظره عن الأمير أيتمش في سنة إحدى وثمان مائة، وعمّرها على ما هي عليه الآن. وعلى يسرة السّالك في هذا السّوق ربع يجري في وقف المدرسة الكامليّة، وكان هذا السّوق يعرف قديما بالتّبّانين والقمّاحين. ثم يمرّ سالكا أمامه فيجد سوق الشّمّاعين متّصلا بسوق الدّجّاجين، وكان سوقا كبيرا فيه صفّان عن اليمين والشّمال من حوانيت باعة الشّمع أدركته عامرا، وقد بقي منه الآن يسير. وفي آخر هذا السّوق، على يمنة السّالك، الجامع الأقمر، وكان موضعه قديما سوق القمّاحين، وقبالته درب الخضيري. وبجانب الجامع الأقمر من شرقيه الزّقاق الذي يعرف بالمحايريين، ويسلك فيه إلى الرّكن المخلّق وغيره، وقبالة هذا الزّقاق بئر الدّلاء. ثم يسلك المارّ أمامه فيجد على يمنته زقاقا ضيّقا ينتهي إلى دور ومدرسة تعرف بالشّرابشيّة يتوصّل من باب سرّها إلى الدّرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس.

стр. 1197

ثم يسلك أمامه في سوق المتعيّشين، فيجد على يسرته باب حارة برجوان. ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق المتعيّشين - وقد أدركته سوقا عظيما لا يكاد يعدم فيه شيء مما يحتاج إليه من المأكولات وغيرها. بحيث إذا طلب منه شيء من ذلك في ليل أو نهار وجد، وقد خرب الآن ولم يبق منه إلاّ اليسير. وكان هذا السّوق قديما يعرف بسوق أمير الجيوش، وبآخره خان الرّوّاسين، وهو زقاق على يمنة السّالك غير نافذ. ويقابل هذا الزّقاق - على يسرة السّالك إلى باب الفتوح - شارع يسلك فيه إلى سوق يعرف اليوم بسويقة أمير الجيوش، وكان قبل اليوم يعرف بسوق الخروقيين، ويسلك من هذا السّوق إلى باب القنطرة في شارع معمور بالحوانيت من جانبيه، ويعلوها الرّباع، وفيما بين الحوانيت دروب ذات مساكن كثيرة. ثم يسلك أمامه من رأس سويقة أمير الجيوش، فيجد على يمينه الجملون الصغير المعروف بجملون ابن صيرم، وكان مسكنا للبزّازين فيه عدّة حوانيت عامرة بأصناف الثّياب أدركتها عامرة، وفيه مدرسة ابن صيرم المعروفة بالمدرسة الصّيرميّة، وفي آخره باب زيادة الجامع الحاكمي، وكان على بابها عدّة حوانيت تعمل فيها الضّبب التي/ برسم الأبواب. ويخرج من هذا الجملون إلى طريقين: أحدهما يسلك فيها إلى درب الفرنجية وإلى دار الوكالة وشارع باب النّصر، والأخرى إلى درب الرّشيدي النافذ إلى رأس (¬a) الجوّانية. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته شبّاك المدرسة الصّيرميّة، ويقابله باب قيسارية خوند أردكين الأشرفية. ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق المرحّلين، وكان صفّين من حوانيت عامرة فيها جميع ما يحتاج إليه في ترحيل الجمال، وقد خرب وبقي منه قليل. وفي هذا السّوق على يسرة السّالك زقاق يعرف بخان (¬b) الوراقة وفيه أحد أبواب قيسارية خوند المذكورة وعدّة مساكن، وكان مكانه يعرف قديما بإسطبل الحجريّة. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته أحد أبواب الجامع الحاكمي وميضأته، ويجد باب الفتوح القديم، ولم يبق منه سوى عقده وشيء من عضادته، وبجواره شارع على يسرة السالك يتوصّل منه إلى حارة بهاء الدين وباب القنطرة. ثم يسلك أمامه شاقّا في سوق المتعيّشين، فيجد على يمينه بابا آخر من أبواب الجامع الحاكمي. ثم يسلك أمامه فيجد عن يسرته زقاقا بساباط ينفذ إلى حارة بهاء الدّين، فيه كثير من المساكن.

стр. 1198

ثم يسلك أمامه فيجد عن يمينه باب الجامع الحاكمي الكبير، ويجد عن يساره فندق العادل، ويشقّ في سوق عظيم إلى باب الفتوح، وهو آخر قصبة القاهرة. [الشارع المسلوك فيه إلى باب النّصر] وأمّا ذات اليمين من شارع بين القصرين، فإنّ المارّ إذا سلك من الدّرب الذي يقابل حمّام البيسري طالبا الرّكن المخلّق، فإنّه يشقّ في سوق القفّاصين (¬a) وسوق الحصريين إلى الرّكن المخلّق، ويباع فيه الآن النّعال، وبه حوض في ظهر الجامع الأقمر لشرب الدّواب تسمّيه العامّة حوض النّبي، ويقابله مسجد يعرف بمراكع موسى (١). وينتهي هذا السّوق إلى طريقين: أحدهما إلى بئر العظام التي تسمّيها العامّة بئر العظمة، ومنها ينقل الماء إلى الجامع الأقمر والحوض المذكور بالرّكن المخلّق، ويسلك منه إلى المحايريين. والطّريق الأخرى تنتهي إلى الفندق المعروف بقيسارية الجلود، ويعلوها ربع أنشأت ذلك خوند بركة أم الملك الأشرف شعبان بن حسين. وبجوار هذه القيسارية بوّابة عظيمة قد سترت بحوانيت يتوصّل منها إلى ساحة عظيمة هي من حقوق المنحر، كانت خوند المذكورة قد شرعت في عمارتها قصرا لها فماتت دون إكماله. ثم يسلك أمامه فيجد الرّباع التي تعلو الحوانيت، والقيسارية المستجدّة في مكان باب القصر الذي كان ينتهي إلى مدرسة سابق الدّين وبين القصرين، وكان أحد أبواب القصر، ويعرف بباب الرّيح. وهذه الرّباع والقيسارية من جملة إنشاء الأمير جمال الدّين الأستادّار، وكانت قبله حوانيت ورباعا، فهدمها وأنشأها على ما هي عليه اليوم. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته (¬b) مدرسة الأمير جمال الدّين المذكور، وكان موضعها خانا وظاهره حوانيت، فبنى مكانها مدرسة وحوضا للسّبيل وغير ذلك. ويقال لهذه الأماكن «رحبة باب العيد»، ويسلك منها إلى طريقين: أحدهما ذات اليمين، والأخرى ذات اليسار.

стр. 1199

فأمّا ذات اليمين فإنّها تنتهي إلى المدرسة الحجازيّة (¬a) وقصر الحجازيّة (¬a) وإلى درب قراصيا وإلى حبس الرّحبة، وإلى درب السّلاّمي، المسلوك منه إلى باب العيد الذي تسمّيه العامّة بالقاهرة، وإلى المارستان العتيق، وإلى قصر الشّوك ودار الضّرب، وإلى باب سرّ المدارس الصّالحية، وإلى خزانة البنود. ويسلك من رأس درب السّلاّمي هذا، في رحبة باب العيد، إلى السّفينة (¬b) وخطّ خزانة البنود ورحبة الأيدمري والمشهد الحسيني ودرب ملوخيا والجامع الأزهر والحارة الصّالحية والحارة البرقيّة، إلى باب البرقيّة والباب الجديد والباب المحروق. وأمّا ذات اليسار من رحبة باب العيد، فإنّ المارّ يسلك من باب مدرسة الأمير جمال الدّين إلى باب زاوية الخدّام، إلى باب الخانقاه المعروفة بدار سعيد السّعداء، فيجد عن يمينه زقاقا بجوار سور دار الوزارة يسلك فيه إلى خرائب تتر، وإلى خطّ الفهّادين، وإلى درب ملوخيا وغير ذلك. ثم يسلك أمامه فيجد عن يمينه المدرسة القراسنقريّة والخانقاه الرّكنيّة بيبرس، وهما من جملة دار الوزارة وما جاور الخانقاه إلى باب الجوّانيّة؛ وتجاه خانقاه بيبرس الدّرب الأصفر، وهو المنحر الذي كانت الخلفاء تنحر فيه الأضاحي. ثم يسلك أمامه فيجد على يمنته دار الأمير ابن (¬c) قزمان بجوار خانقاه بيبرس، وبجوارهما دار الأمير شمس الدّين سنقر الأعسر الوزير، وقد عرفت الآن بدار خوند طولوباي زوجة السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون، وبجوارهما حمّام الأمير الأعسر المذكور، وجميع هذا من دار الوزارة. ويجد على يسرته درب الرّشيدي تجاه حمّام الأعسر المسلوك فيه إلى درب الفرنجية وجملون ابن صيرم. ثم يسلك أمامه فيجد على يمينه الشّارع المسلوك فيه إلى الجوّانيّة، وإلى خطّ الفهّادين، وإلى درب ملوخيا وإلى العطوفية، وقد خربت هذه الأماكن. ويجد على يسرته الوكالة المستجدّة من إنشاء الملك الظّاهر برقوق. ثم يسلك أمامه فيجد على يسرته زقاقا، يسلك فيه إلى جملون ابن صيرم وإلى درب الفرنجية. ثم يسلك/ أمامه فيجد على يمنته دار الأمير شهاب الدّين أحمد ابن خالة الملك النّاصر محمد بن قلاوون، ودار الأمير علم الدّين سنجر الجاولي - وهما من حقوق الحجر التي كانت بها مماليك الخلفاء وأجنادهم - ويجد على يسرته وكالة الأمير قوصون.

стр. 1200

ثم يسلك من باب الوكالة، فيجد مقابل باب قاعة الجاولي خان الجاولي وبعدها باب النّصر القديم، وأدركت منه (¬a) قطعة كانت تجاه ركن المدرسة القاصديّة الغربي وقد زال. ويسلك منه إلى رحبة الجامع الحاكمي، فيجد على يمنته المدرسة القاصديّة، وعلى يسرته بابي الجامع الحاكمي، وتجاه أحدهما الشّارع المسلوك فيه إلى حارة العيدانية وحارة العطوفية وغير ذلك. ومن باب الجامع الحاكمي ينتهي إلى باب النّصر فيما بين حوانيت ورباع ودور (١). فهذه صفة القاهرة الآن، وستقف إن شاء اللّه تعالى على كيفية ابتداء وضع هذه الأماكن وما صارت إليه، وذكر التّعريف بمن نسبت إليه أو عرفت به، على ما التقطت ذلك من كتب التّواريخ ومجامع الفضلاء، ووقفت عليه بخطوط الثّقات، وأخبرني بذلك من أدركته من المشيخة، وما شاهدته من ذلك، سالكا فيه سبيل التوسّط في القول بين الإكثار والاختصار. واللّه الموفّق بمنّه وكرمه، لا إله إلاّ هو.

стр. 1201

ذكر سور القاهرة اعلم أنّ القاهرة مذ أسّست عمل سورها ثلاث مرّات: الأولى وضعه القائد جوهر، والمرّة الثانية وضعه أمير الجيوش بدر الجمالي في أيّام الخليفة المستنصر، والمرّة الثالثة بناه الأمير الخصيّ بهاء الدّين قراقوش الأسدي في سلطنة الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب أوّل ملوك القاهرة. السّور الأوّل كان من لبن وضعه جوهر القائد على مناخه الذي نزل به هو وعساكره حيث القاهرة الآن، فأداره على القصر والجامع (١). وذلك أنّه لمّا سار من الجيزة، بعد زوال الشّمس من يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة بعساكره، وقصد إلى مناخه الذي رسمه له مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ، واستقرّت به الدار، اختطّ القصر، وأصبح المصريون يهنّئونه فوجدوه قد حفر الأساس في اللّيل، فأدار السّور اللّبن، وسمّاها «المنصوريّة» (٢)، إلى أن قدم المعزّ لدين اللّه من بلاد المغرب إلى مصر ونزل بها فسمّاها «القاهرة». ويقال في سبب تسميتها: إنّ القائد جوهرا لمّا أراد بناءها أحضر المنجّمين وعرّفهم أنّه يريد عمارة بلد ظاهر مصر لتقيم بها الجند، وأمرهم باختيار طالع سعيد لوضع الأساس بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم أبدا. فاختاروا طالعا لوضع الأساس وطالعا لحفر السّور، وجعلوا بدائر السّور قوائم خشب بين كلّ قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمّال: «إذا تحرّكت الأجراس فارموا ما بأيديكم من الطّين والحجارة». فوقفوا ينتظرون الوقت الصّالح لذلك، فاتّفق أنّ غرابا وقع على حبل من تلك الحبال التي فيها الأجراس فتحرّكت كلّها، فظنّ العمّال أنّ المنجّمين قد حرّكوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجّمون: «القاهر في الطّالع»، فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. ويقال إنّ المرّيخ كان في الطّالع عند ابتداء وضع الأساس -

стр. 1202

وهو قاهر الفلك - فسمّوها «القاهرة»، واقتضى نظرهم أنّها لا تزال تحت القهر (¬a) (١). وأدخل في دائر هذا السّور بئر العظام، وجعل القاهرة حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعزّ، وعمّر القصر بترتيب ألقاه إليه المعزّ. ويقال: إنّ المعزّ لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها، وقال لجوهر: «لمّا فاتك عمارة القاهرة بالسّاحل، كان ينبغي عمارتها بهذا الجبل»، يعني سطح الجرف الذي يعرف اليوم بالرّصد المشرف على جامع راشدة (٢). ورتّب في القصر جميع ما يحتاج إليه الخلفاء بحيث لا تراهم الأعين في النّقلة من مكان إلى مكان، وجعل في ساحاته البحر والميدان والبستان، وتقدّم بعمارة المصلّى بظاهر القاهرة. وقد أدركت من هذا السّور اللّبن قطعا، وآخر ما رأيت منه قطعة كبيرة كانت فيما بين باب البرقيّة ودرب بطّوط، هدمها شخص من النّاس في سنة ثلاث وثمان مائة، فشاهدت من كبر لبنها ما يتعجّب منه في زمننا حتى إنّ اللّبنة تكون قدر ذراع في ثلثي ذراع. وعرض جدار السّور عدّة أذرع يسع أن يمرّ به فارسان، وكان بعيدا عن السّور الحجر الموجود الآن، وبينهما نحو الخمسين ذراعا. وما أحسب أنّه بقي الآن من هذا السّور اللّبن شيء ألبتّة. وجوهر هذا مملوك روميّ (٣) ربّاه المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ وكنّاه بأبي الحسن، وعظم محلّه

стр. 1203

عنده في سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، وصار في رتبة الوزارة، فصيّره قائد جيوشه. وبعثه في صفر منها ومعه عساكر كثيرة فيهم الأمير زيري بن مناد الصّنهاجي وغيره من الأكابر، فسار إلى تاهرت وأوقع بعدّة أقوام وافتتح مدنا، وسار إلى فاس فنازلها مدّة ولم ينل منها شيئا، فرحل عنها إلى سجلماسة وحارب ثائرا فأسره بها. وانتهى في مسيره إلى/ البحر المحيط، واصطاد منه حوتا (¬a)، وبعثه في قلّة ماء إلى مولاه المعزّ، وأعلمه أنّه قد استولى على ما مرّ به من المدائن والأمم حتى انتهى إلى البحر المحيط، ثم عاد إلى فاس فألحّ عليها بالقتال إلى أن أخذها عنوة، وأسر صاحبها (١) وحمله هو والثّائر بسجلماسة في قفصين مع هدية إلى المعزّ، وعاد في أخريات السّنة وقد عظم شأنه وبعد صيته. ثم لمّا قوي عزم المعزّ على تسيير الجيوش لأخذ مصر وتهيّأ أمرها، فقدّم عليها القائد جوهرا، وبرز إلى رقّادة (¬b) ومعه ما ينيف على مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال، وكان المعزّ يخرج إليه في كلّ يوم ويخلو به، وأطلق يده في بيوت أمواله، فأخذ منها ما يريد زيادة على ما حمله معه. وخرج إليه يوما فقام جوهر بين يديه وقد اجتمع الجيش، فالتفت المعزّ إلى المشايخ الذين وجّههم مع جوهر وقال: «واللّه لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، ولتدخلنّ إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولتبركنّ (¬c) في خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا» (٢).

стр. 1204

وأمر المعزّ بإفراغ الذّهب في هيئة الأرحية، وحملها مع جوهر على الجمال ظاهرة، وأمر أولاده وإخوته الأمراء ووليّ العهد وسائر أهل الدولة أن يمشوا في خدمته وهو راكب، وكتب إلى سائر عمّاله يأمرهم إذا قدم عليهم جوهر أن يترجّلوا مشاة في خدمته. فلمّا قدم برقة افتدى صاحبها من ترجّله ومشيه في ركابه بخمسين ألف دينار ذهبا، فأبى جوهر إلاّ أن يمشي في ركابه وردّ المال، فمشى. ولمّا رحل من القيروان إلى مصر، في يوم السبت رابع عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، أنشد محمّد بن هانئ في ذلك (١): [الطويل] رأيت بعيني فوق ما كنت أسمع … وقد راعني يوم من الحشر أروع غداة كأنّ الأفق سدّ بمثله … فعاد غروب الشّمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودّعت كيف أودّع … ولم أدر إذ شيّعت كيف أشيّع ألا إنّ هذا حشد من لم يذق له … غرار الكرى جفن ولا بات يهجع إذا حلّ في أرض بناها مدائنا … وإن سار عن أرض غدت وهي بلقع تحلّ بيوت المال حيث محلّه … وجمّ العطايا والرّواق المرفّع وكبّرت الفرسان للّه إذ بدا … وظلّ السّلاح المنتضى يتقعقع وعبّ عباب الموكب الفخم حوله … وزفّ كما زفّ (¬a) الصّباح الملمّع رحلت إلى الفسطاط أوّل (¬b) رحلة … بأيمن فأل بالذي أنت مجمع فإن يك في مصر ظماء لمورد … فقد جاءهم نيل سوى النّيل يهرع ويمّمهم من لا يغار بنعمة … فيسلبهم لكن يزيد فيوسع ولمّا دخل إلى مصر واختطّ القاهرة، وكتب بالبشارة إلى المعزّ، قال ابن هانئ (٢): [الطويل] يقول (¬c) بنو العبّاس هل (¬d) فتحت مصر … فقلّ لبني العبّاس قد قضي الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر … تصاحبه البشرى ويقدمه النّصر

стр. 1205

ولم يزل معظّما مطاعا، وله حكم على ما فتح من بلاد الشّام حتى ورد المعزّ من المغرب إلى القاهرة. وكان جعفر بن فلاح يرى نفسه أجلّ من جوهر، فلمّا قدم معه إلى مصر سيّره جوهر إلى بلاد الشّام في العساكر، فأخذ الرّملة وغلب الحسن بن عبد اللّه بن طغج، وسار فملك طبريّة ودمشق (١). فلمّا صارت الشّام له، شمخت نفسه عن مكاتبة جوهر، فأنفذ كتبه من دمشق إلى المعزّ وهو بالمغرب سرّا من جوهر، يذكر فيها طاعته ويقع في جوهر، ويصف ما فتح اللّه للمعزّ على يده؛ فغضب المعزّ لذلك، وردّ كتبه كما هي مختومة، وكتب إليه: «قد أخطأت الرّأي لنفسك، نحن قد أنفذناك مع قائدنا جوهر فاكتب إليه، فما وصل منك إلينا على يده قرأناه، ولا تتجاوزه بعد، فلسنا نفعل لك ذلك على الوجه الذي أردته وإن كنت أهله عندنا، ولكنّا لا نستفسد جوهرا مع طاعته لنا». فزاد غضب جعفر بن فلاح، وانكشف ذلك لجوهر، فلم يبعث ابن فلاح لجوهر يسأله نجدة خوفا ألاّ ينجده بعسكر، وأقام مكانه لا يكاتب جوهرا بشيء من أمره، إلى أن قدم عليه الحسن ابن أحمد القرمطي، وكان من أمره ما قد ذكر في موضعه (٢). ولمّا مات المعزّ واستخلف من بعده ابنه العزيز، وورد إلى دمشق أفتكين (¬a) الشّرابي من بغداد، ندب العزيز باللّه جوهرا القائد إلى الشّام، فخرج إليها بخزائن السّلاح والأموال والعساكر العظيمة، فنزل على دمشق لثمان بقين من ذي القعدة سنة خمس وستين وثلاث مائة، فأقام عليها وهو يحارب أهلها، إلى أن قدم الحسن بن أحمد القرمطيّ من الأحساء/ إلى الشّام، فرحل جوهر

стр. 1206

في ثالث جمادى الأولى سنة ستّ وستين، فنزل على الرّملة والقرمطيّ في أثره فهلك، وقام من بعده جعفر القرمطي فحارب جوهرا، واشتدّ الأمر على جوهر وسار إلى عسقلان، وحصره أفتكين بها حتى بلغ من الجهد مبلغا عظيما، فصالح أفتكين وخرج من عسقلان إلى مصر، بعد أن أقام بها وبظاهر الرّملة نحوا من سبعة عشر شهرا، فقدم على العزيز وهو يريد الخروج إلى الشّام. فلمّا ظفر العزيز بأفتكين واصطنعه في سنة ثمانين وثلاث مائة، واصطنع منجوتكين التركي أيضا، أخرجه راكبا من القصر وحده في سنة إحدى وثمانين، والقائد جوهر وابن عمّار ومن دونهما من أهل الدولة مشاة في ركابه، وكانت يد جوهر في يد ابن عمّار، فزفر ابن عمّار زفرة كاد أن ينشقّ لها وقال: لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه. فنزع جوهر يده منه، وقال: قد كنت عندي يا أبا محمد أثبت من هذا، فظهر منك إنكار في هذا المقام. لأحدثنّك حديثا عسى أن يسلّيك عمّا أنت فيه، واللّه ما وقف على هذا الحديث أحد غيري: لمّا خرجت إلى مصر، وأنفذت إلى مولانا المعزّ من أسرته، ثم حصل في يدي آخرون اعتقلتهم، وهم نيف على ثلاث مائة أسير من مذكوريهم والمعروفين فيهم، فلمّا ورد مولانا المعزّ إلى مصر أعلمته بهم، فقال: أعرضهم عليّ، واذكر في كلّ واحد حاله؛ ففعلت - وكان في يده كتاب مجلّد يقرأ فيه - فجعلت آخذ الرجل من يد الصّقالبة وأقدّمه إليه وأقول: هذا فلان ومن حاله وحاله، فيرفع رأسه وينظر إليه ويقول: يجوز. ويعود إلى قراءة ما في الكتاب، حتى أحضرت له الجماعة، وكان آخرهم غلاما تركيّا، فنظر إليه وتأمّله، ولمّا ولّى أتبعه بصره. فلمّا لم يبق أحد قبّلت الأرض وقلت: «يا مولانا، رأيتك فعلت لمّا رأيت هذا التركي ما لم تفعله مع من تقدّمه»؛ فقال: يا جوهر، يكون عندك مكتوما حتى ترى أنّه يكون لبعض ولدنا غلام من هذا الجنس تتّفق له فتوحات عظيمة في بلاد كثيرة، ويرزقه اللّه على يده ما لم يرزقه أحد منّا مع غيره». وأنا أظنّ أنّه ذاك الذي قال لي مولانا المعزّ، ولا علينا إذا فتح اللّه لموالينا على أيدينا أو على يد من كان. «يا أبا محمد لكلّ زمان دولة ورجال، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا؟ لقد أرجل لي مولانا المعزّ، لمّا سرت إلى مصر، أولاده وإخوته ووليّ عهده وسائر أهل دولته، فتعجب النّاس من ذلك، وها أنا اليوم أمشي راجلا

стр. 1207

بين يدي منجوتكين. أعزّونا وأعزّوا بنا غيرنا، وبعد هذا فأقول: اللّهم قرّب أجلي ومدّتي، فقد أنفت على الثمانين أو أنا فيها». فمات في تلك السنة، وذلك أنّه اعتلّ، فركب إليه العزيز باللّه عائدا، وحمل إليه قبل ركوبه خمسة آلاف دينار ومرتبة مثقل، وبعث إليه الأمير منصور بن العزيز باللّه خمسة آلاف دينار. وتوفّي يوم الاثنين لسبع بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، فبعث إليه العزيز بالحنوط والكفن، وأرسل إليه الأمير منصور بن العزيز أيضا الكفن، وأرسلت إليه السّيّدة العزيزية الكفن، فكفّن في سبعين ثوبا ما بين مثقل ووشي مذهّب، وصلّى عليه العزيز باللّه، وخلع على ابنه الحسين وحمله وجعله في مرتبة أبيه، ولقّبه ب «القائد ابن القائد»، ومكّنه من جميع ما خلّفه أبوه. وكان جوهر عاقلا، محسنا إلى النّاس، كاتبا بليغا؛ فمن مستحسن توقيعاته على قصّة رفعت إليه بمصر: «سوء الاجترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الذّمام. فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللاّزم لكم ملازمة الاحتساب، لأنّكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعدّيتم. فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة إلاّ تقتضي الذمّ لكم والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه رأيه فيكم» (١). ولمّا مات رثاه كثير من الشّعراء. السّور الثّاني بناه أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة ثمانين وأربع مائة، وزاد فيه الزّيادات التي فيما بين بابي زويلة وباب زويلة الكبير، وفيما بين باب الفتوح الذي عند حارة بهاء الدّين وباب الفتوح الآن، وزاد عند باب النّصر أيضا جميع الرّحبة التي تجاه جامع الحاكم الآن إلى باب النّصر،

стр. 1208

وجعل السّور من لبن، وأقام الأبواب من حجارة (١). وفي نصف جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وثمان مائة، ابتدئ بهدم السّور الحجر فيما بين باب زويلة الكبير وباب الفرج، عند ما هدم الملك المؤيّد شيخ الدّور ليبني جامعه، فوجد عرض السّور في أماكن (¬a) نحو العشرة أذرع (٢). السّور الثّالث ابتدأ في عمارته السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب في سنة ستّ وستين وخمس مائة، وهو يومئذ على وزارة العاضد لدين اللّه (٣). فلمّا كانت سنة تسع وستين وقد استولى على المملكة، انتدب لعمل السّور الطّواشي بهاء الدّين قراقوش الأسدي، فبناه بالحجارة على ما هو عليه الآن. وقصد أن يجعل على القاهرة ومصر والقلعة سورا واحدا، فزاد في سور القاهرة القطعة التي من باب القنطرة إلى باب الشّعريّة، ومن باب الشّعريّة إلى باب البحر. وبنى قلعة المقس وهي برج كبير، وجعله على النّيل بجانب جامع المقس، وانقطع السّور من هناك، وكان في أمله مدّ السّور من المقس إلى أن يتّصل/ بسور مصر. وزاد في سور القاهرة قطعة

стр. 1209

ممّا يلي باب النّصر ممتدّة إلى باب البرقيّة وإلى درب بطّوط وإلى خارج باب الوزير (١)، ليتّصل بسور قلعة الجبل، فانقطع من مكان يقرب الآن من الصّوّة (٢) تحت القلعة لموته. وإلى الآن آثار الجدر ظاهرة لمن تأمّلها فيما بين آخر السّور إلى جهة القلعة. وكذلك لم يتهيّأ له أن يصل سور قلعة الجبل بسور مصر. وجاء دور هذا السّور المحيط بالقاهرة الآن تسعة وعشرين ألف ذراع وثلاث مائة ذراع وذراعين بذراع العمل، وهو الذّراع الهاشمي: من ذلك ما بين قلعة المقس على شاطئ النّيل والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمس مائة ذراع، ومن قلعة المقس إلى حائط قلعة الجبل بمسجد سعد الدّولة ثمانية آلاف وثلاث مائة واثنان وتسعون ذراعا، ومن جانب حائط قلعة الجبل من جهة مسجد سعد الدّولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع، ومن وراء القلعة بحيال مسجد سعد الدّولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع. وذلك طول قوسه في أبراجه من النّيل إلى النّيل. وقلعة المقس المذكورة كانت برجا مطلاّ على النّيل في شرقيّ جامع المقس، ولم تزل إلى أن هدمها الوزير الصّاحب شمس الدّين عبد اللّه المقسي، عند ما جدّد الجامع المذكور في سنة سبعين وسبع مائة، وجعل في مكان البرج المذكور جنينته وذكر أنّه وجد في البرج مالا، وأنّه إنّما جدّد الجامع منه، والعامّة تقول اليوم جامع المقسي بالإضافة (٣). وكان يحيط بسور القاهرة خندق شرع في حفره من باب الفتوح إلى المقس في المحرّم سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، وكان أيضا من الجهة الشرقية خارج باب النّصر إلى باب البرقيّة وما

стр. 1210

بعده. وشاهدت آثار الخندق باقية، ومن ورائه سور بأبراج له عرض كبير مبني من حجارة (¬a)، إلاّ أنّ الخندق انطمّ، وتهدّمت الأسوار التي كانت من ورائه. وهذا السّور هو الذي ذكره القاضي الفاضل في كتابه إلى السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فقال: «واللّه يحيي المولى حتى يستدير بالبلدين نطاقه، ويمتدّ عليهما رواقه، فهما (¬b) عقيلة ما كان معصمها ليترك بغير سوار، ولا خصرها ليتحلّى بغير منطقة نضار. والآن قد استقرّت خواطر النّاس، وأمنوا به من يد تتخطّف، ومن طمع (¬c) مجرم يقدم ولا يتوقّف». ذكر أبواب القاهرة وكان للقاهرة من جهتها القبليّة بابان متلاصقان يقال لهما: بابا زويلة؛ ومن جهتها البحريّة بابان متباعدان: أحدهما باب الفتوح، والآخر باب النّصر؛ ومن جهتها الشّرقيّة ثلاثة أبواب متفرّقة: أحدها يعرف الآن بباب البرقيّة، والآخر بالباب الجديد، والآخر بالباب المحروق؛ ومن جهتها الغربيّة ثلاثة أبواب: باب القنطرة، وباب الفرج، وباب سعادة، وباب آخر يعرف بباب الخوخة. ولم تكن هذه الأبواب على ما هي عليه الآن، ولا في مكانها عند ما وضعها جوهر (١). باب زويلة [أثر رقم ١٩٩] كان بابا (¬d) زويلة، عند ما وضع القائد جوهر القاهرة، بابين متلاصقين بجوار المسجد المعروف اليوم بسام بن نوح، فلمّا قدم المعزّ إلى القاهرة دخل من أحدهما - وهو الملاصق للمسجد الذي بقي منه إلى اليوم عقد، ويعرف بباب القوس - فتيامن النّاس به، وصاروا يكثرون الدّخول والخروج منه، وهجروا الباب المجاور له، حتى جرى على الألسنة أنّ من مرّ به لا تقضي له حاجة.

стр. 1211

وقد زال هذا الباب ولم يبق له اليوم أثر (¬a)، إلاّ أنّه يفضي إلى الموضع الذي يعرف اليوم بالحجّارين، حيث تباع آلات الطّرب من الطّنابير والعيدان ونحوها، وإلى الآن مشهور بين النّاس أنّ من سلك (¬b) من هنالك (¬c) لا تقضى حاجته (¬d)، ويقول بعضهم: من أجل أنّ هناك (¬e) آلات المنكر، وأهل البطالة من المغنّين والمغنّيات. وليس الأمر كما زعم، فإنّ هذا القول جار على ألسنة أهل القاهرة من حين دخل المعزّ إليها قبل أن يكون هذا الموضع سوقا للمعازف وموضعا لجلوس أصحاب الملاهي (¬f) (١). فلمّا كان في سنة خمس وثمانين وأربع مائة، بنى أمير الجيوش بدر الجمالي، وزير الخليفة المستنصر باللّه، باب زويلة الكبير الذي هو باق إلى الآن وعلّى أبراجه (٢)، ولم يعمل له باشورة (٣) - كما هي عادة أبواب الحصون من أن يكون في كلّ باب عطفة (¬g) حتى لا تهجم عليه العساكر في وقت الحصار، ويتعذّر سوق الخيل ودخولها جملة - لكنّه عمل في بابه زلاّقة كبيرة من حجارة صوّان عظيمة، بحيث إذا هجم عسكر على القاهرة لا تثبت قوائم الخيل على الصّوّان. فلم تزل هذه الزّلاّقة باقية إلى أيام السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، فاتّفق مروره من هناك (¬h)، فاختلّ فرسه وزلق به/ وأحسبه سقط عنه، فأمر بنقضها فنقضت، وبقي منها شيء يسير ظاهر (٤).

стр. 1212

باب زويلة الذي أنشأه بدر الجمالي سنة ٤٨٥ هـ فلمّا ابتنى الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار المسجد المقابل لباب زويلة، وجعله باسم الملك النّاصر فرج ابن الملك الظّاهر برقوق (١)، ظهر عند حفره الصّهريج الذي به بعض هذه الزّلاّقة، وأخرج منها حجارة من صوّان لا تعمل فيها العدّة الماضية، وأشكالها في غاية من الكبر لا يستطيع جرّها إلاّ أربعة أرؤس بقر، فأخذ الأمير جمال الدّين منها شيئا. وإلى الآن حجر منها ملقى تجاه قبو الخرنشف من القاهرة. ويذكر أنّ ثلاثة إخوة قدموا من الرّها (٢)، بنّائين بنوا باب زويلة وباب النّصر وباب الفتوح، كلّ واحد بنى بابا، وأنّ باب زويلة هذا بني في سنة أربع وثمانين وأربع مائة، وأنّ

стр. 1213

باب الفتوح بني (¬a) في سنة ثمانين وأربع مائة. وقد ذكر ابن عبد الظّاهر في كتاب «خطط القاهرة» أنّ باب زويلة هذا بناه العزيز باللّه نزار بن المعزّ وتمّمه أمير الجيوش، وأنشد لعلي بن محمد النّيلي: [الكامل] يا صاح لو أبصرت باب زويلة … لعلمت قدر محلّه بنيانا باب تأزّر بالمجرّة وارتدى ال … شّعرى ولاث برأسه كيوانا لو أنّ فرعونا رآه لم يرد … صرحا ولا أوصى به هامانا (١) انتهى (¬b). وسمعت غير واحد يذكر أنّ فردتيه يدوران في سكرّجتين (٢) من زجاج. وذكر جامع «السّيرة النّاصرية (¬c) محمد بن قلاوون»، أنّ في سنة خمس وثلاثين وسبع مائة رتّب أيدكين - والي القاهرة في أيام الملك النّاصر محمد بن قلاوون - على باب زويلة خليليّة تضرب كلّ ليلة بعد العصر (٣). وقد أخبرني من طاف البلاد ورأى مدن المشرق، أنّه لم يشاهد في مدينة من المدائن عظم باب زويلة، ولا رأى (¬d) مثل بدنتيه اللتين عن جانبيه. ومن تأمّل الأسطر التي قد كتبت على أعلاه من خارجه، فإنّه يجد فيها اسم أمير الجيوش والخليفة المستنصر وتاريخ بنائه (٤).

стр. 1214

وقد كانت البدنتان أزيد (¬a) ممّا هما الآن بكثير، هدم أعلاهما الملك المؤيّد شيخ لما أنشأ الجامع داخل باب زويلة، وعمّر على البدنتين منارتين. ولذلك خبر تجده في ذكر الجوامع عند ذكر الجامع المؤيّدي (¬b) من هذا الكتاب فانظره عند ذكر الجوامع تجده (¬b) (١). باب النّصر [أثر رقم ٧] كان باب النّصر أوّلا دون موضعه اليوم، وأدركت قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه ركن المدرسة القاصديّة الغربي بحيث تكون الرّحبة التي فيما بين المدرسة القاصديّة وبين بابي جامع الحاكم القبليين خارج القاهرة. وكذلك (¬c) تجد في أخبار الجامع الحاكمي أنّه وضع خارج القاهرة (٢). فلمّا كان في أيام المستنصر وقدم عليه أمير الجيوش بدر الجمالي من عكّا وتقلّد وزارته وعمّر سور القاهرة، نقل باب النّصر من حيث وضعه القائد جوهر إلى حيث هو الآن، فصار قريبا من مصلّى العيد، وجعل له باشورة أدركت بعضها إلى أن احتفرت أخت الملك الظّاهر برقوق الصّهريج السّبيل تجاه باب النّصر، فهدمت (¬d) وأقامت السّبيل مكانه (٣). وعلى باب النّصر مكتوب (¬e) بالكوفيّ في أعلاه: «لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه، عليّ وليّ اللّه، صلوات اللّه عليهما» (٤).

стр. 1215

[النّصّ التأسيسي لباب النّصر (العزّ) «(١ - ٢) بسملة … [الآية ٢٥٦ سورة البقرة] بعزّ اللّه العزيز الجبّار (٣) يحاط الإسلام وتنشأ المعاقل والأسوار. أنشأ هذا؛ باب العزّ والسّور المحيط بالمعزّيّة القاهرة المحروسة حماها اللّه فتى مولانا وسيّدنا الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الأئمّة الطّاهرين وأبنائه الأكرمين، السّيّد الأجلّ (٤) أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبو النّجم بدر المستنصري (٥) عضّد اللّه به الدّين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته، الذي حصّن اللّه بحسن تدبيره الدولة والأنام، وشمل صلاحه الخاصّ والعامّ، ابتغاء ثواب اللّه ورضوانه وطلب فضله وإحسانه، وصيانة كرسي الخلافة وازدلافا إلى اللّه بحياطة الكافّة. وبدئ بعمله في محرّم سنة ثمانين وأربع مائة»]. باب الفتوح [أثر رقم ٦] وضعه القائد جوهر دون موضعه الآن، وبقي منه إلى يومنا هذا عقده وعضادته اليسرى، وعليه أسطر من الكتابة بالكوفي، وهو برأس حارة بهاء الدّين من قبليّها دون جدار الجامع الحاكمي.

стр. 1216

وأمّا الباب المعروف اليوم بباب الفتوح، فإنّه من وضع أمير الجيوش، وبين يديه باشورة قد ركبها الآن النّاس بالبنيان لمّا عمّر ما خرج عن باب الفتوح (١). جزء من النّصّ الإنشائي لباب الفتوح [النّصّ التأسيسي لباب الفتوح (الإقبال) «بسملة. لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، محمّد رسول اللّه، عليّ وليّ اللّه، صلّى اللّه عليهما وعلى الأئمة من ذرّيتهما أجمعين [الآية ٢٥٦ سورة البقرة]- بعزّ اللّه العزيز الجبّار يحاط الإسلام وتنشأ المعاقل والأسوار. رأى إنشاء هذا باب الإقبال والسّور المحيط بالمعزّية القاهرة المحروسة حماها اللّه فتى مولانا وسيّدنا معدّ أبي تميم الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الأئمّة الطّاهرين وأبنائه الأكرمين، السّيّد الأجلّ أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبو النّجم بدر المستنصري عضّد اللّه به الدّين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته، الذي حصّن اللّه بحسن تدبيره الدّولة والأنام، وشمل صلاحه بإذن اللّه تعالى الخاصّ والعامّ، وابتغاء ثواب اللّه ورضوانه وطلب فضله وإحسانه وصيانة كرسي الخلافة. وازدلافا إلى اللّه بحياطة الكافّة. وبدئ بعمله في محرّم سنة ثمانين وأربع مائة للهجرة الحنيفية، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد النّبيّ وعلى آله الأئمّة الطّاهرين وسلّم تسليما إلى يوم الدّين، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل»].

стр. 1217

أمير الجيوش أبو النّجم بدر الجمالي: كان مملوكا أرمنيّا لجمال الدّولة بن عمّار، فلذلك عرف بالجمالي، وما زال يأخذ بالجدّ من زمن شبيبته (¬a) فيما يباشره، ويوطّن نفسه على قوّة العزم، ويتنقّل في الخدم حتى ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر في يوم الأربعاء ثالث عشرين ربيع الآخر سنة خمس وخمسين وأربع مائة (١). ثم سار منها كالهارب في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ستّ وخمسين، ثم وليها ثانيا يوم الأحد سادس شعبان سنة ثمان وخمسين، فبلغه قتل ولده في (¬b) شعبان بعسقلان، فخرج في شهر رمضان سنة ستين وأربع مائة، فثار العسكر وأحرقوا (¬c) قصره، وتقلّد نيابة عكّا. فلمّا كانت الشّدّة بمصر من شدّة الغلاء وكثرة الفتن، والأحوال بالحضرة قد فسدت، والأمور قد تغيّرت، وطوائف العسكر قد شغبت، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنّهي، والرّجاء قد أيس منه، والصّلاح لا مطمع فيه، ولواتة قد ملكت الرّيف، والصّعيد بأيدي العبيد، والطّرقات قد/ انقطعت برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الثّقيلة. فلمّا قتل بلدكوش ناصر الدّولة حسين بن حمدان، كتب المستنصر إليه يستدعيه ليكون المتولّي لتدبير دولته، فاشترط أن يحضر معه من يختاره من العساكر، وأن (¬b) لا يبقي أحدا من عسكر مصر، فأجابه المستنصر إلى ذلك. فاستخدم معه عسكرا، وركب البحر من عكّا في أوّل كانون، وسار بمائة مركب، بعد أن قيل له إنّ العادة لم تجر بركوب البحر في الشتاء لهيجانه وخوّف التّلف، فأبى عليهم وأقلع، فتمادى الصّحو والسّكون مع الرّيح الطيبة مدّة أربعين يوما، حتى كثر التعجّب من ذلك، وعدّ من سعادته. فوصل إلى تنّيس ودمياط، واقترض المال من تجّارها ومباشريها (¬d)، وقام بأمر ضيافته وما يحتاج إليه من الغلال سليمان اللّواتي كبير أهل البحيرة. وسار إلى قليوب فنزل بها وأرسل إلى المستنصر

стр. 1218

يقول: لا أدخل مصر (¬a) حتى تقبض على بلدكوش - وكان أحد الأمراء، وقد استبدّ (¬b) على المستنصر بعد قتل ابن حمدان - فبادر المستنصر وقبض عليه واعتقله بخزانة البنود. فقدم بدر عشيّة الأربعاء، لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة خمس وستين وأربع مائة، فتهيّأ له أن قبض على جميع أمراء الدولة. وذلك أنّه لمّا قدم لم يكن عند الأمراء علم من استدعائه، فما منهم إلاّ من أضافه وقدم إليه، فلمّا انقضت نوبهم في ضيافته، استدعاهم إلى منزله في دعوة صنعها لهم، وبيّت مع أصحابه أنّ القوم إذا جنّهم (¬c) اللّيل فإنّهم لابد يحتاجون إلى الخلاء، فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك، ووكّل بكلّ واحد واحدا من أصحابه، وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال وإقطاع وغيره. فصار الأمراء إليه، وظلّوا نهارهم عنده وباتوا مطمئنين، فما طلع ضوء النّهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء، وصارت رؤوسهم بين يديه. فقويت شوكته، وعظم أمره، وخلع عليه المستنصر بالطّيلسان المقوّر، وقلّده وزارة السّيف والقلم، فصارت القضاة والدّعاة وسائر المستخدمين من تحت يده، وزيد في ألقابه «أمير الجيوش، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين»، وتتبّع المفسدين فلم يبق منهم أحدا حتى قتله، وقتل من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم جماعة. ثم خرج إلى الوجه البحري، فأسرف في قتل من هنالك من لواتة، واستصفى أموالهم، وأزاح المفسدين وأفناهم بأنواع القتل، وصار إلى البرّ الشرقي فقتل منه كثيرا من المفسدين. ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد، فحاصرها أياما من المحرّم سنة سبع وسبعين وأربع مائة إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممّن كان بها، وعمّر بها (¬d) جامع العطّارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه في ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وأربع مائة (١).

стр. 1219

ثم سار إلى الصّعيد، فحارب جهينة والثّعالبة، وأفنى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال ما لا يعرف قدره كثرة فانصلح (¬a) به حال الإقليم بعد فساده. ثم جهّز العساكر لمحاربة البلاد الشّامية، فسارت إليها غير مرّة وحاربت أهلها، ولم يظفر منها بطائل، واستناب ولده شاهنشاه وجعله وليّ عهده. فلمّا كان في سنة سبع وثمانين وأربع مائة، مات في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى منها. وقد تحكّم في مصر تحكّم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه أمر، واستبدّ بالأمور فضبطها أحسن ضبط. وكان شديد الهيبة، وافر الحرمة، مخوف السّطوة. قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلاّ خالقها، منها أنّه قتل في يوم (¬b) من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان، إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية والغربيّة والشّرقيّة وبلاد الصّعيد وأسوان وأهل القاهرة ومصر - إلاّ أنّه عمّر البلاد، وأصلحها بعد فسادها وخرابها بإتلاف المفسدين من أهلها. وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة. وكانت له محاسن منها أنّه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين حتى ترفّعت (¬c) أحوال الفلاّحين واستغنوا في أيّامه، ومنها حضور التّجّار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها في أيام الشّدّة، ومنها كثرة كرمه. وكانت مدّة أيّامه بمصر إحدى وعشرين سنة، وهو أوّل وزراء السّيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر. ومن آثاره الباقية بالقاهرة: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النّصر (١).

стр. 1220

وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقّب بالأفضل ابن أمير الجيوش، وبه وبابنه الأفضل عادت (¬a) أبّهة الخلافة (¬b) الفاطمية بعد تلاشي أمرها، وعمرت الدّيار المصرية بعد خرابها واضمحلال أحوال أهلها (١). وأظنّه هو الذي أخبر عنه المعزّ فيما تقدّم من حكاية جوهر عنه، فإنّه لم يتّفق ذلك لأحد من رجال دولتهم غيره (٢)، ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الآيتان ٢١٦، ٢٣٢ سورة البقرة]. باب القنطرة عرف بذلك لأنّ جوهرا القائد بنى هناك قنطرة فوق الخليج الذي بظاهر القاهرة، ليمشي عليها إلى المقس عند مسير/ القرامطة إلى مصر في شوّال سنة ستين وثلاث مائة (٣). باب الشّعريّة يعرف بطائفة من البربر يقال لهم بنو الشّعريّة، هم ومزانة وزيارة وهوّارة من أحلاف لواتة الذين نزلوا بالمنوفيّة.

стр. 1221

باب سعادة عرف بسعادة بن حيّان غلام المعزّ لدين اللّه، لأنّه لمّا قدم من بلاد المغرب بعد بناء القائد جوهر القاهرة نزل بالجيزة، وخرج جوهر إلى لقائه، فلمّا عاين سعادة جوهرا ترجّل وسار إلى القاهرة في رجب سنة ستين وثلاث مائة، فدخل إليها من هذا الباب فعرف به وقيل له: باب سعادة. ووافى سعادة هذا إلى (¬a) القاهرة بجيش كبير معه. فلمّا كان في شوّال سيّره جوهر في عسكر مجرّد (¬b) عند ورود الخبر من دمشق بمجيء الحسن (¬c) بن أحمد القرمطيّ المعروف بالأعصم، إلى الشّام، وقتل جعفر بن فلاح. فسار سعادة يريد الرّملة فوجد القرمطي قد قصدها، فانحاز بمن معه إلى يافا ورجع إلى مصر. ثم خرج إلى الرّملة، فملكها في سنة إحدى وستين، فأقبل إليه القرمطيّ، ففرّ منه إلى القاهرة، وبها مات لخمس بقين من المحرّم سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وحضر جوهر جنازته، وصلّى عليه الشّريف أبو جعفر مسلم، وكان فيه برّ وإحسان (١). باب الفرج (¬a) (٢)

стр. 1222

الباب المحروق كان يعرف أوّلا (¬a) بباب القرّاطين، فلمّا زالت دولة بني أيّوب، واستقلّ بالملك الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني - أوّل من ملك من المماليك بسلطنة الديار المصرية (¬b) في سنة خمسين وستّ مائة - كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية - مماليك الملك الصّالح نجم الدين أيّوب - الفارس أقطاي الجمدار، وقد استفحل أمره، وكثرت أتباعه، ونافس المعزّ أيبك، وتزوّج بابنة الملك المظفّر صاحب حماة، وبعث إلى المعزّ بأن ينزل من قلعة الجبل ويخليها له حتى يسكنها بامرأته المذكورة. فقلق المعزّ منه، وأهمّه شأنه، وأخذ يدبّر عليه، فقرّر مع عدّة من مماليكه أن يقفوا بموضع من القلعة عيّنه لهم، وإذا جاء الفارس أقطاي فتكوا به، وأرسل إليه وقت القائلة يستدعيه ليشاوره في أمر مهمّ. فركب في قائلة يوم الاثنين حادي عشرين (¬c) شعبان سنة اثنتين وخمسين وستّ مائة في نفر من مماليكه، وهو آمن مطمئن بما صار له في الأنفس من الحرمة والمهابة، وبما يثق به من شجاعته. فلمّا صار بقلعة الجبل وانتهى إلى باب (¬d) قاعة العواميد (١)، عوّق من معه من المماليك عن الدّخول معه، ووثب به المماليك الذين أعدّهم المعزّ، وتناولوه بالسّيوف فهلك لوقته، وغلّقت أبواب القلعة وانتشر الصّوت بقتله في البلد. فركب أصحابه وخشداشيته (٢) - وهم نحو السبع مائة فارس - إلى تحت القلعة، وفي ظنّهم أنّ الفارس أقطاي لم يقتل، وإنّما قبض عليه السّلطان، وأنّهم يقاتلونه حتى يطلقه لهم، فلم يشعروا إلاّ برأس الفارس أقطاي وقد ألقيت عليهم من القلعة، فانفضّوا لوقتهم، وتواعدوا على الخروج من

стр. 1223

مصر إلى الشّام. وأكابرهم يومئذ بيبرس البندقداري، وقلاوون الألفي، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز (¬a)، وبرامق. فخرجوا في اللّيل من بيوتهم بالقاهرة إلى جهة باب القرّاطين - ومن العادة أن تغلق أبواب القاهرة باللّيل - فألقوا النّار في الباب حتى سقط من الحريق وخرجوا منه، فقيل له من ذلك الوقت «الباب المحروق»، وعرف به (١). وأمّا القوم فإنّهم ساروا إلى الملك النّاصر يوسف بن العزيز صاحب الشّام، فقبلهم وأنعم عليهم، وأقطعهم إقطاعات، واستكثر بهم (٢). وأصبح المعزّ وقد علم بخروجهم إلى الشّام، فأوقع الحوطة على جميع أموالهم ونسائهم وأولادهم وعامّة تعلّقاتهم وسائر أسبابهم، وتتبّعهم ونادى عليهم في الأسواق بطلب البحريّة، وتحذير العامّة من إخفائهم، فصار إليه من أموالهم ما ملأ عينيه (¬b). واستمرّت البحريّة في الشّام إلى أن قتل المعزّ أيبك، وخلع ابنه المنصور، وتسلطن الأمير قطز، فتراجعوا في أيّامه إلى مصر، وآلت أحوالهم إلى أن تسلطن منهم بيبرس وقلاوون، وللّه عاقبة الأمور (٣). باب البرقيّة (¬c) (٤).

стр. 1224

باب البرقيّة (التوفيق) [النّصّ التأسيسي لباب البرقية (التّوفيق). «(١ - ٢) بسملة - لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، محمّد رسول اللّه، عليّ وليّ اللّه، صلّى اللّه عليهما وعلى الأئمّة من ذرّيتهما أجمعين [الآية ٢٥٦ سورة البقرة] (٣) بعزّ اللّه العزيز الجبّار يحاط الإسلام وتنشأ المعاقل والأسوار. رأى إنشاء هذا؛ باب التّوفيق والسّور المحيط بالمعزّيّة القاهرة المحروسة حماها اللّه فتى مولانا وسيّدنا معدّ أبي تميم الإمام المستنصر (٤) باللّه أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الأئمّة الطّاهرين وأبنائه الأكرمين، السّيّد الأجلّ أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبي النّجم بدر المستنصري، عضّد اللّه به الدّين، ومتّع بطول بقائه (٥) أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته، الذي حصّن اللّه بحسن تدبيره الدّولة والأنام وشمل الخاصّ والعامّ، ابتغاء ثواب اللّه ورضوانه وطلب فضله وإحسانه وصيانة كرسي الخلافة وازدلافا إلى اللّه بحياطة الكافّة. وبدئ بعمله في محرّم سنة ثمانين وأربع مائة للهجرة الحنيفية»].

стр. 1225

ذكر قصور الخلفاء ومناظرهم والإلماع بطرف من مآثرهم، وما صارت إليه أحوالها من بعدهم اعلم أنّه كان للخلفاء الفاطميين بالقاهرة وظواهرها قصور ومناظر منها: «القصر الكبير الشّرقي» الذي وضعه القائد/ جوهر عند ما أناخ في موضع القاهرة، ومنها: «القصر الصّغير الغربي»، و «القصر النّافعي»، و «قصر الذّهب»، و «قصر الإقبال (¬a)»، و «قصر الظّفر»، و «قصر الشّجرة»، و «قصر الشّوك»، و «قصر الزّمرّد»، و «قصر النّسيم»، و «قصر الحريم»، و «قصر البحر». وهذه كلّها قاعات ومناظر من داخل سور القصر الكبير، ويقال لها: «القصور الزّاهرة»، ويسمّى مجموعها «القصر». وكان بجوار القصر الغربي «الميدان»، و «البستان الكافوري». وكان لهم عدّة مناظر وآدر سلطانية غير هذه القصور منها: «دار الضّيافة»، و «دار الوزارة الكبرى (¬b)»، و «دار الوزارة القديمة»، و «دار الضّرب»، و «المنظرة بالجامع الأزهر»، و «المنظرة بجوار الجامع الأقمر»، و «منظرة اللّؤلؤة» على الخليج بظاهر القاهرة، و «منظرة الغزالة»، و «دار الذّهب»، و «منظرة المقس»، و «منظرة الدّكّة»، و «البعل»، و «الخمس وجوه»، و «التّاج»، و «قبّة الهواء»، و «البساتين الجيوشيّة»، و «البستان الكبير»، و «منظرة السّكّرة»، و «المنظرة ظاهر باب الفتوح»، و «دار الملك» بمدينة مصر، و «منازل العزّ» بها، و «منظرة الصّناعة» بالسّاحل، و «منظرة بجوار جامع القرافة الكبرى» - المعروف اليوم بجامع الأولياء - و «الأندلس» بالقرافة، و «المنظرة ببركة الحبش». وسأذكر من أخبار هذه الأماكن في مدّة الدّولة الفاطمية، وما آل إليه حالها بحسب ما انتهى إليّ علمه إن شاء اللّه. القصر الكبير هذا القصر كان في الجهة الشّرقيّة من القاهرة، فلذلك يقال له: «القصر الكبير الشّرقي»، ويسمّى «القصر المعزّي»؛ لأنّ المعزّ لدين اللّه أبا تميم معدّا هو الذي أمر عبده وكاتبه جوهرا

стр. 1226

ببنائه حين سيّره من رقّادة - أحد بلاد إفريقيّة - بالعساكر إلى مصر وألقى إليه ترتيبه، فوضعه على الترتيب الذي رسمه له (١). ويقال: إنّ جوهرا لمّا أسّسه في الليلة التي أناخ قبلها في موضعه، وأصبح رأى فيه زورات (¬a) غير معتدلة لم تعجبه، فقيل له في تغييرها، فقال: «قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة». فتركه على حاله (٢). وكان ابتداء وضعه، مع وضع أساس سور القاهرة، في ليلة الأربعاء الثامن عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وركّب عليه بابين (¬b) يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، ثم إنّه أدار عليه سورا محيطا به في سنة ستين وثلاث مائة. وهذا القصر كان دار الخلافة، وبه سكن الخلفاء إلى آخر وقت (¬c). فلمّا انقرضت الدّولة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، أخرج أهل القصر منه، وأسكن فيه الأمراء، ثم خرب أوّلا فأوّلا. وذكر ابن عبد الظّاهر في كتاب «خطط القاهرة»، عن مرهف بوّاب باب الزّهومة، أنّه قال: «أعلم هذا الباب المدّة الطويلة، وما رأيته دخل إليه حطب، ولا رمي منه تراب». قال: وهذا أحد أسباب خرابه لوقود أخشابه وتكويم ترابه. قال: ولمّا أخذه صلاح الدّين وأخرج من كان به، كان فيه اثنا عشر ألف نسمة، ليس فيهم فحل إلاّ الخليفة وأهله وأولاده، فأسكنهم دار المظفّر بحارة برجوان، وكانت تعرف بدار الضّيافة.

стр. 1227

قال: ووجد إلى جانب القصر بئرا تعرف ببئر الصّنم، كان الخلفاء يرمون فيها القتلى، فقيل: إنّ فيها مطلبا وقصد تغويرها، فوجدها (¬a) معمورة بالجان، وقتل عمارها (¬b) جماعة من أشياعه، فردمت وتركت (١). انتهى. وكان صلاح الدّين لمّا أزال الدولة أعطى هذا (¬c) القصر الكبير لأمراء دولته، وأنزلهم فيه فسكنوه، وأعطى القصر الصّغير الغربي لأخيه الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب فسكنه، وفيه ولد له ابنه الكامل ناصر الدّين محمد. وكان قد أنزل والده نجم الدّين أيّوب بن شاذي في منظرة اللّؤلؤة. ولمّا قبض على الأمير داود ابن الخليفة العاضد - وكان وليّ عهد أبيه، وينعت ب «الحامد للّه» - اعتقله وجميع إخوته وهم: أبو الأمانة جبريل، وأبو الفتوح وابنه أبو القاسم، وسليمان بن داود ابن العاضد، (¬d) وعبد الظّاهر بن حيدر بن العاضد (¬d)، وعبد الوهّاب بن إبراهيم بن العاضد، وإسماعيل بن العاضد، وجعفر بن أبي الطّاهر بن جبريل، وعبد الظّاهر بن أبي الفتوح بن جبريل ابن الحافظ وجماعة. فلم يزالوا في الاعتقال بدار المظفّر وغيرها، إلى أن انتقل الكامل محمد بن العادل من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل، فنقل معه ولد العاضد وإخوته وأولاد عمّه، واعتقلهم بها. وفيها مات داود بن العاضد (٢). ولم يزل بقيتهم معتقلين بالقلعة إلى أن استبدّ السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، فأمر في سنة ستين وستّ مائة (¬c) بالإشهاد على كمال الدّين إسماعيل بن العاضد، وعماد الدّين أبي القاسم ابن الأمير أبي الفتوح بن العاضد، وبدر الدّين عبد الوهّاب بن إبراهيم بن العاضد: أنّ جميع المواضع التي قبليّ المدارس الصّالحيّة من القصر الكبير، والموضع المعروف بالتّربة باطنا وظاهرا بخطّ الخوخ السّبع، وجميع الموضع المعروف بالقصر النّافعيّ بالخطّ المذكور، وجميع الموضع المعروف بالجبّاسة بالخطّ المذكور، وجميع الموضع المعروف بخزائن السّلاح السّلطانية وما هو بخطّه، وجميع الموضع المعروف بسكن أولاد شيخ/ الشّيوخ وغيرهم من القصر

стр. 1228

الشّارع بابه قبالة دار الحديث النّبوي الكاملية، وجميع الموضع المعروف بالقصر الغربي، وجميع الموضع المعروف بدار الفطرة بخطّ المشهد الحسيني، وجميع الموضع المعروف بدار الضّيافة بحارة برجوان، (¬a) وجميع الموضع المعروف بدار الذّهب بظاهر القاهرة (¬a)، وجميع الموضع المعروف باللّؤلؤة، وجميع قصر الزّمرّد، وجميع البستان الكافوري، ملك لبيت المال بالنّظر المولوي السّلطاني الملكي الظّاهري، من وجه صحيح شرعي لا رجعة لهم فيه، ولا لواحد منهم في ذلك ولا في شيء منه ولا مثنوية (¬b)، بسبب يد ولا ملك ولا وجه من الوجوه كلّها، خلا ما في ذلك من مسجد للّه تعالى، أو مدفن لآبائهم. فأشهدوا عليهم بذلك، وورّخ (¬c) الإشهاد بالثالث عشر من جمادى الأولى سنة ستين وستّ مائة، وأثبت على قاضي القضاة الصاحب تاج الدّين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ الشّافعي. وتقرّر مع المذكورين أنّه مهما كان قبضوه من أثمان بعض الأماكن المذكورة التي عاقد عليها وكلاؤهم واتّصلوا إليه، يحاسبوا به من جملة ما تحرّر ثمنه عند وكيل بيت المال. وقبضت أيدي المذكورين عن التصرّف في الأماكن المذكورة وغيرها ممّا هو منسوب إلى آبائهم، ورسم ببيع ذلك، فباعه وكيل بيت المال كمال الدّين ظافر شيئا بعد شيء (١). ونقضت تلك المباني، وابتني في مواضعها على غير تلك الصّفة من المساكن وغيرها كما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى. وكان هذا «القصر» يشتمل على مواضع منها: قاعة الذّهب وكان يقال لقاعة الذّهب «قصر الذّهب» (٢)، وهو أحد قاعات القصر الذي هو قصر المعزّ لدين اللّه معدّ. (¬d) وبنى قصر الذّهب العزيز باللّه نزار بن المعزّ (¬d)، وكان يدخل إليه من باب الذّهب

стр. 1229

الذي كان مقابلا للدار القطبيّة - التي هي اليوم المارستان المنصوري - ويدخل إليه أيضا من باب البحر الذي هو الآن تجاه المدرسة الكاملية (١). وجدّد هذا القصر من بعد العزيز الخليفة المستنصر في سنة ثمان وعشرين وأربع مائة. وبهذه القاعة كانت الخلفاء تجلس في الموكب يوم الاثنين ويوم الخميس. وبها كان يعمل سماط شهر رمضان للأمراء وسماط العيدين، وبها كان سرير الملك (٢). هيئة جلوس الخليفة بمجلس الملك (¬a) - قال الفقيه أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب «سيرة المعزّ»: وكان وصول المعزّ لدين اللّه إلى قصره بمصر في يوم الثلاث، لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة. ولمّا وصل إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلّى ركعتين، وصلّى بصلاته كلّ من دخل معه. واستقرّ في قصره بأولاده وحشمه وخواصّ عبيده. والقصر يومئذ يشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحليّ وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم، وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك (٣). وللنّصف من رمضان جلس المعزّ في قصره على السّرير الذّهب الذي عمله عبده القائد جوهر في الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أوّلا، ثم أذن بعدهم للأولياء ولسائر وجوه النّاس. وكان القائد جوهر قائما بين يديه يقدّم النّاس قوما بعد قوم. ثم مضى القائد جوهر، وأقبل بهديّته التي عبّأها ظاهرة يراها النّاس، وهي: من الخيل مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة: منها مذهّب ومنها مرصّع ومنها معنبر، وواحد (¬b) وثلاثون قبّة على نوق بخاتي بالدّيباج والمناطق والفرش منها تسعة بديباج مثقل، وتسع نوق مجنوبة مزيّنة بمثقل، وثلاثة وثلاثون بغلا منها سبعة مسرجة ملجمة، ومائة وثلاثون بغلا للنقل، وتسعون نجيبا، وأربعة صناديق مشبّكة يرى ما فيها وفيها أواني الذّهب والفضّة، ومائة سيف محلّى بالذّهب والفضّة، ودرجان من فضة محرقة فيها جوهر وشاشية مرصّعة في غلاف، وتسع

стр. 1230

مائة ما بين سفط وتخت، فيها سائر ما أعدّه (¬a) له من ذخائر مصر (١). وفي يوم عرفة نصب المعزّ «الشّمسة» التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر شبرا في اثني عشر شبرا، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، في كلّ هلال أترجّة ذهب مشبّك (¬b)، جوف كلّ أترجّة خمسون درّة كبار كبيض الحمام، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق، وفيها كتاب دورها (¬c) آيات الحجّ بزمرّد أخضر قد فسر، وحشو الكتاب درّ كبير لم ير مثله، وحشو الشّمسة المسك المسحوق، يراها النّاس في القصر ومن خارج القصر لعلوّ موضعها، وإنّما نصبها عدّة فرّاشين، وجرّوها لثقل وزنها (٢). وقال في كتاب «الذّخائر والتّحف وما كان بالقصر من ذلك»: إنّ وزن ما استعمل من الذّهب الإبريز الخالص في سرير الملك الكبير مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال، ووزن ما حلّي به السّتر الذي أنشأه سيّد الوزراء أبو محمد اليازوري من الذّهب أيضا ثلاثون ألف مثقال، وأنّه رصّع بألف وخمس مائة وستين قطعة جوهر من سائر ألوانه (٣). وذكر أنّ في الشّمسة الكبيرة ثلاثين ألف مثقال ذهبا وعشرين ألف درهم محرقة، وثلاثة آلاف وستّ مائة قطعة جوهر من سائر ألوانه وأنواعه، وأنّ في الشّمسة التي لم تتمّ من الذّهب/ سبعة عشر ألف مثقال (٤). وقال المرتضى أبو محمد عبد السّلام بن محمد بن الحسن بن عبد السّلام بن الطوير الفهري القيسراني الكاتب المصري في كتاب «نزهة المقلتين في أخبار الدّولتين الفاطمية والصّلاحيّة»،
следующие страницы →