ببنائه حين سيّره من رقّادة - أحد بلاد إفريقيّة - بالعساكر إلى مصر وألقى إليه ترتيبه، فوضعه على الترتيب الذي رسمه له (١).
ويقال: إنّ جوهرا لمّا أسّسه في الليلة التي أناخ قبلها في موضعه، وأصبح رأى فيه زورات (¬a) غير معتدلة لم تعجبه، فقيل له في تغييرها، فقال: «قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة».
فتركه على حاله (٢).
وكان ابتداء وضعه، مع وضع أساس سور القاهرة، في ليلة الأربعاء الثامن عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وركّب عليه بابين (¬b) يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين، ثم إنّه أدار عليه سورا محيطا به في سنة ستين وثلاث مائة. وهذا القصر كان دار الخلافة، وبه سكن الخلفاء إلى آخر وقت (¬c). فلمّا انقرضت الدّولة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، أخرج أهل القصر منه، وأسكن فيه الأمراء، ثم خرب أوّلا فأوّلا.
وذكر ابن عبد الظّاهر في كتاب «خطط القاهرة»، عن مرهف بوّاب باب الزّهومة، أنّه قال:
«أعلم هذا الباب المدّة الطويلة، وما رأيته دخل إليه حطب، ولا رمي منه تراب». قال: وهذا أحد أسباب خرابه لوقود أخشابه وتكويم ترابه.
قال: ولمّا أخذه صلاح الدّين وأخرج من كان به، كان فيه اثنا عشر ألف نسمة، ليس فيهم فحل إلاّ الخليفة وأهله وأولاده، فأسكنهم دار المظفّر بحارة برجوان، وكانت تعرف بدار الضّيافة.
стр. 1227
قال: ووجد إلى جانب القصر بئرا تعرف ببئر الصّنم، كان الخلفاء يرمون فيها القتلى، فقيل:
إنّ فيها مطلبا وقصد تغويرها، فوجدها (¬a) معمورة بالجان، وقتل عمارها (¬b) جماعة من أشياعه، فردمت وتركت (١). انتهى.
وكان صلاح الدّين لمّا أزال الدولة أعطى هذا (¬c) القصر الكبير لأمراء دولته، وأنزلهم فيه فسكنوه، وأعطى القصر الصّغير الغربي لأخيه الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب فسكنه، وفيه ولد له ابنه الكامل ناصر الدّين محمد. وكان قد أنزل والده نجم الدّين أيّوب بن شاذي في منظرة اللّؤلؤة.
ولمّا قبض على الأمير داود ابن الخليفة العاضد - وكان وليّ عهد أبيه، وينعت ب «الحامد للّه» - اعتقله وجميع إخوته وهم: أبو الأمانة جبريل، وأبو الفتوح وابنه أبو القاسم، وسليمان بن داود ابن العاضد، (¬d) وعبد الظّاهر بن حيدر بن العاضد (¬d)، وعبد الوهّاب بن إبراهيم بن العاضد، وإسماعيل بن العاضد، وجعفر بن أبي الطّاهر بن جبريل، وعبد الظّاهر بن أبي الفتوح بن جبريل ابن الحافظ وجماعة. فلم يزالوا في الاعتقال بدار المظفّر وغيرها، إلى أن انتقل الكامل محمد بن العادل من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل، فنقل معه ولد العاضد وإخوته وأولاد عمّه، واعتقلهم بها. وفيها مات داود بن العاضد (٢).
ولم يزل بقيتهم معتقلين بالقلعة إلى أن استبدّ السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، فأمر في سنة ستين وستّ مائة (¬c) بالإشهاد على كمال الدّين إسماعيل بن العاضد، وعماد الدّين أبي القاسم ابن الأمير أبي الفتوح بن العاضد، وبدر الدّين عبد الوهّاب بن إبراهيم بن العاضد: أنّ جميع المواضع التي قبليّ المدارس الصّالحيّة من القصر الكبير، والموضع المعروف بالتّربة باطنا وظاهرا بخطّ الخوخ السّبع، وجميع الموضع المعروف بالقصر النّافعيّ بالخطّ المذكور، وجميع الموضع المعروف بالجبّاسة بالخطّ المذكور، وجميع الموضع المعروف بخزائن السّلاح السّلطانية وما هو بخطّه، وجميع الموضع المعروف بسكن أولاد شيخ/ الشّيوخ وغيرهم من القصر
стр. 1228
الشّارع بابه قبالة دار الحديث النّبوي الكاملية، وجميع الموضع المعروف بالقصر الغربي، وجميع الموضع المعروف بدار الفطرة بخطّ المشهد الحسيني، وجميع الموضع المعروف بدار الضّيافة بحارة برجوان، (¬a) وجميع الموضع المعروف بدار الذّهب بظاهر القاهرة (¬a)، وجميع الموضع المعروف باللّؤلؤة، وجميع قصر الزّمرّد، وجميع البستان الكافوري، ملك لبيت المال بالنّظر المولوي السّلطاني الملكي الظّاهري، من وجه صحيح شرعي لا رجعة لهم فيه، ولا لواحد منهم في ذلك ولا في شيء منه ولا مثنوية (¬b)، بسبب يد ولا ملك ولا وجه من الوجوه كلّها، خلا ما في ذلك من مسجد للّه تعالى، أو مدفن لآبائهم.
فأشهدوا عليهم بذلك، وورّخ (¬c) الإشهاد بالثالث عشر من جمادى الأولى سنة ستين وستّ مائة، وأثبت على قاضي القضاة الصاحب تاج الدّين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ الشّافعي. وتقرّر مع المذكورين أنّه مهما كان قبضوه من أثمان بعض الأماكن المذكورة التي عاقد عليها وكلاؤهم واتّصلوا إليه، يحاسبوا به من جملة ما تحرّر ثمنه عند وكيل بيت المال.
وقبضت أيدي المذكورين عن التصرّف في الأماكن المذكورة وغيرها ممّا هو منسوب إلى آبائهم، ورسم ببيع ذلك، فباعه وكيل بيت المال كمال الدّين ظافر شيئا بعد شيء (١). ونقضت تلك المباني، وابتني في مواضعها على غير تلك الصّفة من المساكن وغيرها كما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
وكان هذا «القصر» يشتمل على مواضع منها:
قاعة الذّهب
وكان يقال لقاعة الذّهب «قصر الذّهب» (٢)، وهو أحد قاعات القصر الذي هو قصر المعزّ لدين اللّه معدّ. (¬d) وبنى قصر الذّهب العزيز باللّه نزار بن المعزّ (¬d)، وكان يدخل إليه من باب الذّهب
стр. 1229
الذي كان مقابلا للدار القطبيّة - التي هي اليوم المارستان المنصوري - ويدخل إليه أيضا من باب البحر الذي هو الآن تجاه المدرسة الكاملية (١). وجدّد هذا القصر من بعد العزيز الخليفة المستنصر في سنة ثمان وعشرين وأربع مائة.
وبهذه القاعة كانت الخلفاء تجلس في الموكب يوم الاثنين ويوم الخميس. وبها كان يعمل سماط شهر رمضان للأمراء وسماط العيدين، وبها كان سرير الملك (٢).
هيئة جلوس الخليفة بمجلس الملك (¬a) -
قال الفقيه أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب «سيرة المعزّ»: وكان وصول المعزّ لدين اللّه إلى قصره بمصر في يوم الثلاث، لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاث مائة. ولمّا وصل إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلّى ركعتين، وصلّى بصلاته كلّ من دخل معه. واستقرّ في قصره بأولاده وحشمه وخواصّ عبيده.
والقصر يومئذ يشتمل على ما فيه من عين وورق وجوهر وحليّ وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم، وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك (٣).
وللنّصف من رمضان جلس المعزّ في قصره على السّرير الذّهب الذي عمله عبده القائد جوهر في الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أوّلا، ثم أذن بعدهم للأولياء ولسائر وجوه النّاس.
وكان القائد جوهر قائما بين يديه يقدّم النّاس قوما بعد قوم.
ثم مضى القائد جوهر، وأقبل بهديّته التي عبّأها ظاهرة يراها النّاس، وهي: من الخيل مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة: منها مذهّب ومنها مرصّع ومنها معنبر، وواحد (¬b) وثلاثون قبّة على نوق بخاتي بالدّيباج والمناطق والفرش منها تسعة بديباج مثقل، وتسع نوق مجنوبة مزيّنة بمثقل، وثلاثة وثلاثون بغلا منها سبعة مسرجة ملجمة، ومائة وثلاثون بغلا للنقل، وتسعون نجيبا، وأربعة صناديق مشبّكة يرى ما فيها وفيها أواني الذّهب والفضّة، ومائة سيف محلّى بالذّهب والفضّة، ودرجان من فضة محرقة فيها جوهر وشاشية مرصّعة في غلاف، وتسع
стр. 1230
مائة ما بين سفط وتخت، فيها سائر ما أعدّه (¬a) له من ذخائر مصر (١).
وفي يوم عرفة نصب المعزّ «الشّمسة» التي عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر شبرا في اثني عشر شبرا، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، في كلّ هلال أترجّة ذهب مشبّك (¬b)، جوف كلّ أترجّة خمسون درّة كبار كبيض الحمام، وفيها الياقوت الأحمر والأصفر والأزرق، وفيها كتاب دورها (¬c) آيات الحجّ بزمرّد أخضر قد فسر، وحشو الكتاب درّ كبير لم ير مثله، وحشو الشّمسة المسك المسحوق، يراها النّاس في القصر ومن خارج القصر لعلوّ موضعها، وإنّما نصبها عدّة فرّاشين، وجرّوها لثقل وزنها (٢).
وقال في كتاب «الذّخائر والتّحف وما كان بالقصر من ذلك»: إنّ وزن ما استعمل من الذّهب الإبريز الخالص في سرير الملك الكبير مائة ألف مثقال وعشرة آلاف مثقال، ووزن ما حلّي به السّتر الذي أنشأه سيّد الوزراء أبو محمد اليازوري من الذّهب أيضا ثلاثون ألف مثقال، وأنّه رصّع بألف وخمس مائة وستين قطعة جوهر من سائر ألوانه (٣).
وذكر أنّ في الشّمسة الكبيرة ثلاثين ألف مثقال ذهبا وعشرين ألف درهم محرقة، وثلاثة آلاف وستّ مائة قطعة جوهر من سائر ألوانه وأنواعه، وأنّ في الشّمسة التي لم تتمّ من الذّهب/ سبعة عشر ألف مثقال (٤).
وقال المرتضى أبو محمد عبد السّلام بن محمد بن الحسن بن عبد السّلام بن الطوير الفهري القيسراني الكاتب المصري في كتاب «نزهة المقلتين في أخبار الدّولتين الفاطمية والصّلاحيّة»،
стр. 1231
الفصل العاشر في ذكر هيئتهم في الجلوس العام بمجلس الملك (١): (¬a) ولا يتعدّى ذلك يومي الاثنين والخميس، ومن كان أقرب النّاس إليهم، ولهم خدم لا تخرج عنهم (¬a)، وينتظر لجلوس الخليفة أحد اليومين المذكورين - (¬b) يعني الاثنين والخميس (¬b) -، وليس على التّوالي بل على التّفاريق.
فإذا تهيّأ ذلك في يوم من هذه الأيّام، استدعى الوزير من داره صاحب الرّسالة (٢) على الرّسم المعتاد في سرعة الحركة، فيركب في أهبته (¬c) وجماعته على الترتيب المقدّم ذكره - يعني في ذكر الرّكوب أوّل العام، وسيأتي إن شاء اللّه في موضعه من هذا الكتاب - فيصير من مكان ترجّله عن دابّته ب «دهليز العمود» بالقصر (٣) إلى «مقطع الوزارة» (٤)، وبين يديه أجلاّء أهل الإمارة، كلّ ذلك بقاعة الذّهب التي كان يسكنها السّلطان بالقصر.
وكان الجلوس قبل ذلك بالإيوان الكبير - الذي هو خزائن السّلاح (٥) - وفي صدره على سرير الملك، وهو باق في مكانه إلى الآن من هذا المكان إلى آخر أيام المستعلي. ثم إنّ الآمر نقل الجلوس إلى هذا المكان، واسمه مكتوب بأعلى باب (¬d) باذهنجه (٦) إلى اليوم؛ فيكون المجلس
стр. 1232
المذكور معلّقا بالسّتور (¬a) الدّيباج شتاء والدّبيقي (١) صيفا، وفرش الشّتاء البسط الحرير - عوضا عن الصّوف - مطابقا للسّتور الدّيباج، وفرش الصّيف مطابقا للستور الدّبيقي ما بين طبريّ وطبرستاني مذهّب معدوم المثل، وفي صدره المرتبة المؤهلة لجلوسه في هيئة هائلة (¬b) على سرير الملك المغشّي بالقرقوبي (٢)، فيكون وجه الخليفة عليه قبالة وجوه الوقوف بين يديه. فإذا تهيّأ الجلوس استدعي الوزير من المقطع إلى باب المجلس المذكور - وهو معلّق وعليه سترا جنابه (¬c) - فيقف بحذائه، وعن يمينه زمام القصر، وعن يساره زمام بيت المال.
فإذا انتصب الخليفة على المرتبة، وضع أمين الملك مفلح - أحد الأستاذين المحنّكين الخواصّ - الدّواة مكانها من المرتبة، وخرج من المقطع الذي يقال له «فرد الكمّ»، فإذا الوزير واقف أمام باب المجلس، وحواليه الأمراء المطوّقون أرباب الخدم الجليلة وغيرهم، وفي خلالهم قرّاء الحضرة؛ فيشير صاحب المجلس إلى الأستاذين، فيرفع كلّ منهم جانب السّتر، فيظهر الخليفة جالسا بمنصبه المذكور، فيستفتح القرّاء بقراءة القرآن الكريم، ويسلّم الوزير بعد دخوله إليه، فيقبّل يديه ورجليه، ويتأخّر مقدار ثلاثة أذرع وهو قائم قدر ساعة زمانية، ثم يؤمر بأن يجلس على الجانب الأيمن، وتطرح له مخدّة تشريفا.
ويقف الأمراء في أماكنهم المقرّرة: فصاحب الباب وإسفهسلار العساكر من جانبي الباب يمينا ويسارا، ويليهم من خارجه لاصقا بعتبته زمام الآمرية والحافظية كذلك، ثم بقيّتهم على مقاديرهم، فكلّ واحد لا يتعدّى مكانه (¬d) هكذا إلى آخر الرّواق، وهو الإفريز العالي عن أرض القاعة، ويعلوه السّاباط على عقود القناطر التي على العهد هناك (¬d).
ثم أرباب القصب والعمّاريات يمنة ويسرة كذلك، ثم الأماثل والأعيان من الأجناد المترشّحين للتّقدمة، ويقف مسندا بالصّدر الذي يقابل باب المجلس بوّاب (¬e) الباب والحجّاب. ولصاحب الباب في ذلك المحلّ الخروج والدّخول، وهو الموصّل عن كلّ قائل ما يقول.
стр. 1233
فإذا انتظم ذلك النّظام، واستقرّ بهم المقام، فأوّل ماثل للخدمة بالسّلام: قاضي القضاة، والشّهود المعروفون بالاستخدام، فيجيز صاحب الباب القاضي دون من معه، فيسلّم متأدّبا، ويقف قريبا. ومعنى الأدب في السّلام أنّه يرفع يده اليمنى، ويشير بالمسبحة ويقول بصوت مسموع: «السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته». فيتخصّص بهذا الكلام دون غيره من أهل السّلام.
ثم يسلّم بالأشراف الأقارب زمامهم، وهو من الأستاذين المحنّكين، وبالأشراف الطّالبيين نقيبهم، وهو من الشّهود المعدّلين، وتارة يكون من الأشراف المميّزين. فيمضي عليهم كذلك ساعتان زمانيتان أو ثلاث.
ويخصّ بالسّلام في ذلك الوقت من خلع عليه لقوص أو الشّرقيّة أو الغربيّة أو الإسكندرية، فيشرّفون بتقبيل العتبة (¬a).
فإن دعت حاجة الوزير إلى مخاطبة الخليفة في أمر، قام من مكانه وقرب منه منحنيا على سيفه، فيخاطبه مرّة أو مرّتين.
ثم يؤمر الحاضرون فيخرجون، حتى يكون آخر من يخرج الوزير بعد تقبيل يد الخليفة ورجله، ويخرج فيركب على عادته إلى داره وهو مخدوم بأولئك.
ثم يرخى السّتران (¬b) ويغلق باب المجلس إلى يوم مثله، فيكون الحال كما ذكر، ويدخل الخليفة إلى مكانه المستقرّ فيه ومعه خواصّ أستاذيه.
وكان أقرب النّاس إلى الخلفاء «الأستاذون المحنّكون»، وهم أصحاب الأنس لهم، ولهم من الخدم ما لا يتطرّق إليه سواهم، ومنهم: زمام القصر، وشادّ التّاج الشّريف، وصاحب بيت المال، وصاحب الدّفتر، وصاحب الرّسالة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب المجلس، وهم المطّلعون على أسرار الخليفة. وكانت لهم طريقة محمودة في بعضهم بعضا، منها أنّه متى ترشّح أستاذ للحنك (¬c) وحنّك، حمل إليه كلّ/ واحد من المحنّكين بدلة من ثياب، ومنديلا وسيفا وفرسا (¬d)، فيصبح لاحقا بهم وفي يديه مثل ما في أيديهم.
وكان لا يركب أحد في القصر إلاّ الخليفة، ولا يتصرّف ليلا ونهارا إلاّ كذلك، وله في الليل شدّادات من النّساء يخدمن البغلات والحمير الإناث، للجواز في السّراديب
стр. 1234
القصيرة الأقباء، والطّلوع على الزلاّقات إلى أعالي المناظر والأماكن.
وفي كلّ محلّة من محلاّت القصر فسقيّة مملوءة بالماء خيفة من حدوث حريق في الليل (١).
كيفيّة سماط شهر رمضان بهذه القاعة -
قال ابن الطّوير: فإذا كان اليوم الرابع من شهر رمضان، رتّب عمل السّماط كلّ ليلة بالقاعة بالقصر إلى آخر (¬a) السّادس والعشرين منه، ويستدعى له قاضي القضاة في ليالي الجمع توقيرا له، فأمّا الأمراء ففي كلّ ليلة منهم قوم بالنّوبة، ولا يحرمونهم الإفطار مع أولادهم وأهاليهم (¬b) طول الشّهر (¬b)، ويكون حضورهم بمسطور يخرج إلى صاحب الباب وإسفهسلاره (¬c)، فيعرف صاحب كلّ نوبة ليلته فلا يتأخّر. ويحضر الوزير فيجلس صدره، فإن تأخّر كان ولده أو أخوه، وإن لم يحضر أحد من قبله كان صاحب الباب.
ويهتمّ فيه اهتماما عظيما تامّا، بحيث لا يفوته شيء من أصناف المأكولات الفائقة والأغذية الرائقة، وهو مبسوط في طول القاعة، مادّ من الرّواق إلى طول (¬d) ثلثي القاعة المذكورة.
والفرّاشون قيام لخدمة الحاضرين، وجوق (¬e) الأستاذين يحضرون الماء المبخّر في الكيزان (¬f) الخزف برسم الحاضرين. ويكون انفصالهم العشاء الآخرة، فيعمّهم ذلك ويصل منه شيء إلى أكثر (¬d) أهل القاهرة من بعض النّاس لبعض، ويأخذ الرّجل الواحد ما يكفي جماعة.
فإذا حضر الوزير، أخرج إليه ممّا هو بحضرة الخليفة، وكانت يده فيه، (¬b) فيخصّه به (¬b) تشريفا له وتطييبا لنفسه، وربّما حمل لسحوره من خاصّ ما يعبّأ (¬g) لسحور الخليفة نصيب وافر. ثم يتفرّق النّاس إلى أماكنهم بعد العشاء الآخرة بساعة أو ساعتين.
قال: ومبلغ ما ينفق في شهر رمضان لسماطه، مدّة سبعة وعشرين يوما، ثلاثة آلاف دينار (٢).
عمل سماط عيد الفطر بهذه القاعة -
قال الأمير المختار عزّ الملك محمد (¬d) بن عبيد اللّه بن أحمد ابن إسماعيل بن عبد العزيز المسبّحيّ في «تاريخه الكبير»: وفي آخر يوم منه - يعني شهر رمضان -
стр. 1235
سنة ثمانين وثلاث مائة، حمل يانس الصّقلبي، صاحب الشّرطة السّفلى، السّماط وقصور السكّر والتّماثيل وأطباقا فيها تماثيل حلوى، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب القصور والتّماثيل (¬a) السكّر.
(¬b) وقال في آخره: وفي آخر سلخ رمضان حمل السّماط السكر التماثيل وخمس قصور الذي برسم متولي الشّرطة، وحمل عليّ بن سعد السّماط الذي رسمه أن يعمله (¬b) (١).
وقال ابن الطّوير: فأمّا الأسمطة الباطنة التي يحضرها الخليفة بنفسه، ففي يوم عيد الفطر اثنان، ويوم عيد النّحر واحد.
فأمّا الأوّل من عيد الفطر، فإنّه يعبّأ (¬c) في الليل بالإيوان قدّام الشّبّاك الذي يجلس فيه الخليفة، فيمدّ ما مقداره ثلاث مائة ذراع في عرض سبعة أذرع، من الخشكنان والفانيذ والبسندود، المقدّم ذكر عمله بدار الفطرة. فإذا صلّى الفجر في أوّل الوقت، حضر إليه الوزير وهو جالس في الشّبّاك، ومكّن النّاس من ذلك الممدود، فأخذ وحمل ونهب؛ فيأخذه من يأكله في يومه، ومن يدّخره لغده، ومن لا حاجة له به فيبيعه، ويتسلّط عليه أيضا حواشي القصر المقيمون هناك.
فإذا فرغ من ذلك وقد بزغت الشّمس، ركب من باب الملك بالإيوان، وخرج من باب العيد إلى المصلّى والوزير معه - كما وصفنا في هيئة ركوب هذا العيد في فصله - مخلّيا لقاعة الذّهب لسماط الطّعام (٢). فينصب له سرير الملك قدّام باب المجلس في الرّواق، وينصب فيه مائدة من فضّة يقال لها «المدوّرة» (٣)، وعليها من الأواني (¬d) الفضّيات والذّهبيات والصّيني الحاوية للأطعمة الخاصّ، الفائحة الطّيب الشّهيّة، من غير خضراوات، سوى الدّجاج الفائق المسمّن المعمول بالأمزجة الطيبة النافعة. ثم ينصب السّماط أمام السّرير إلى باب المجلس قبالته - ويعرف بالمحوّل (٤) - طول القاعة - وهو الباب اليوم الذي يدخل منه إليها من باب البحر، الذي هو باب القصر اليوم.
стр. 1236
والسّماط خشب مدهون شبه الدّكك اللاطية، فيصير من جمعه للأواني سماطا عاليا في ذلك الطول وبعرض عشرة أذرع، فيفرش فوق ذلك الأزهار المشمومات (¬a)، ويرصّ الخبز على حافتيه شوابير (¬b) (١)، كلّ واحد ثلاثة أرطال من نقيّ الدّقيق، ويدهن وجهها عند خبيزها بالماء، فيحصل لها بريق ويحسن منظرها. ويعمّر داخل ذلك السّماط على طوله بأحد وعشرين طبقا.
في كلّ طبق أحد وعشرون خروفا (¬a) ثنيّا سمينا مشويّا، وفي كلّ من الدّجاج والفراريج وفراخ الحمام ثلاث مائة وخمسون طائرا، فيبقى طائلا مستطيلا، فيكون كقامة الرجل الطويل، ويسوّر بشرائح الحلواء اليابسة، ويزيّن بألوانها المصبغة. ثم يسدّ خلل تلك الأطباق بالصّحون الخزفيّة التي في كلّ واحد منها سبع دجاجات، وهي مترعة بالألوان الفائقة من الحلواء/ المائعة والطّباهجة المفستقة (¬c) (٢)، والطّيب غالب على ذلك كلّه، فلا يبعد أن تناهز عدّة الصّحون المذكورة خمس مائة صحن، ويرتّب ذلك أحسن ترتيب من نصف الليل بالقاعة إلى حين عود الخليفة من المصلّى والوزير معه.
فإذا دخلا (¬d) القاعة، وقف الوزير على باب دخول الخليفة لينزع عنه الثياب العيدية التي في عمامتها اليتيمة (¬e) ولبس سواها من خزائن الكسوات الخاصّة التي قدّمنا ذكرها.
стр. 1237
وقد عمل بدار الفطرة قصران حلوى (¬a)، في كلّ واحد سبعة عشر قنطارا، وحملا: فمنهما واحد يمضى به من طريق قصر الشّوك إلى باب الذّهب (١)، والآخر يشقّ به بين القصرين يحملهما العتّالون، فينصبان أوّل السّماط وآخره، وهما شكل مليح، مدهونان بأوراق الذّهب، وفيهما سخوط ناتئة لأنّها مسبوكة في قوالب لوحا لوحا. فإذا عبر الخليفة راكبا، ونزل على السّرير الذي عليه المدوّرة الفضّة وجلس، قام على رأسه أربعة من كبار الأستاذين المحنّكين، وأربعة من خواصّ الفرّاشين. ثم يستدعي الوزير فيطلع إليه ويجلس عن يمينه، ويستدعي الأمراء المطوّقين ومن يليهم من الأمراء دونهم، فيجلسون على السّماط كقيامهم بين يديه، فيأكل من أراد من غير إلزام، فإنّ في الحاضرين من لا يعتقد الفطر في ذلك اليوم. فيستولي على ذلك المعمول (¬b) قلّة الأكل، وثقل الرّسوم (¬b)، ويباح فلا يبقى منه إلاّ السّماط فقط، فيعمّ أهل القاهرة ومصر من ذلك نصيب وافر.
فإذا انقضى ذلك عند صلاة الظّهر، انفضّ النّاس، وخرج الوزير إلى داره مخدوما بالجماعة الحاضرين، وقد عمل سماطا لأهله وحواشيه ومن يعزّ عليه من الأمراء (¬c)، (¬d) لا يلحق بأيسر يسير من سماط الخليفة (¬d).
وعلى هذا العمل يكون سماط عيد النّحر أوّل يوم منه، وركوبه إلى المصلّى كما ذكرنا، ولا يخرج عن هذا المنوال، ولا ينقص عن هذا المثال، ويكون النّاس كلّهم مفطرين، ولا يفوت أحدا منهم شيء كما ذكرنا في عيد الفطر.
قال: ومبلغ ما ينفق في سماطي الفطر والأضحى أربعة آلاف دينار (٢).
وكان يجلس على أسمطة الأعياد في كلّ سنة رجلان من الأجناد، يقال لأحدهما: ابن فائز، وللآخر الدّيلمي، يأكل كلّ واحد منهما خروفا مشويّا وعشر دجاجات محلاّة وجام
стр. 1238
حلوى عشرة أرطال، ولهما رسوم تحمل إليهما بعد ذلك من الأسمطة لبيوتهما، ودنانير وافرة على حكم الهبة. وكان أحدهما أسر بعسقلان في تجريدة جرّد إليها، وأقام مدّة في الأسر. فاتّفق أنّه كان عندهم عجل سمين فيه عدّة قناطير لحم، فقال له الذي أسره وهو يلاعبه: إن أكلت هذا العجل أعتقتك. ثم ذبحه وسوّى لحمه وأطعمه حتى أتى على جميعه، فوفّى له وأعتقه، فقدم على أهله بالقاهرة، ورتّب يأكل على السّماط (١).
الإيوان الكبير
قال القاضي الرئيس محيي الدّين عبد اللّه بن عبد الظّاهر الرّوحي الكاتب في كتاب «الرّوضة البهيّة الزّاهرة في خطط المعزّيّة القاهرة»: الإيوان الكبير بناه العزيز باللّه أبو منصور نزار بن المعزّ لدين اللّه معدّ في سنة تسع وستين وثلاث مائة (٢)، انتهى.
وكان الخلفاء أوّلا يجلسون به في يومي الاثنين والخميس، إلى أن نقل الخليفة الآمر بأحكام اللّه الجلوس منه في اليومين المذكورين إلى قاعة الذّهب كما تقدّم. وبصدر هذا الإيوان كان الشّبّاك الذي يجلس فيه الخليفة، وكان يعلو هذا الشّبّاك قبّة.
وفي هذا الإيوان كان يمدّ سماط الفطرة بكرة يوم عيد الفطر كما تقدّم (٣)، وبه أيضا كان يعمل الاجتماع والخطبة في يوم عيد الغدير. وكان بجانب هذا الإيوان الدّواوين. وكان بهذا الإيوان ضلعا سمكة إذا أقيما واريا الفارس بفرسه، ولم يزالا حتى بعثهما السّلطان صلاح الدّين يوسف إلى بغداد في هديّة.
عيد الغدير - اعلم أنّ عيد الغدير لم يكن عيدا مشروعا، ولا عمله أحد من سالف الأمّة المقتدى بهم. وأوّل ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معزّ الدّولة عليّ بن بويه، فإنّه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة، فاتّخذه الشّيعة من حينئذ عيدا (٤).
وأصلهم فيه ما خرّجه الإمام أحمد في «مسنده الكبير»، من حديث البراء بن عازب ﵁ قال: كنّا مع رسول اللّه ﷺ في سفر لنا، فنزلنا بغدير خمّ، ونودي «الصّلاة جامعة»،
стр. 1239
وكسح لرسول اللّه ﷺ تحت شجرتين فصلّى الظّهر، وأخذ بيد عليّ بن أبي طالب ﵁ فقال: «ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»، قالوا: بلى؛ قال: «ألستم تعلمون أنيّ أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟»، قالوا: بلى؛ فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه». قال: فلقيه عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (١).
وغدير خمّ على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة الطّريق، وتصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير (٢).
ومن سنّتهم في هذا العيد - وهو أبدا يوم الثامن عشر من ذي الحجة - أن يحيوا ليلته بالصّلاة، ويصلّوا في صبيحته ركعتين قبل الزّوال، ويلبسوا فيه الجديد، ويعتقوا الرّقاب، ويكثروا من عمل البرّ ومن الذّبائح.
ولمّا عمل الشّيعة هذا العيد بالعراق، أرادت عوامّ السّنّة مضاهاة فعلهم ونكايتهم، فاتّخذوا في سنة تسع وثمانين وثلاث مائة - بعد عيد الغدير بثمانية أيام - عيدا أكثروا فيه من السّرور واللّهو، وقالوا: هذا يوم دخول رسول اللّه ﷺ الغار هو وأبو بكر الصّديق ﵁ وبالغوا في هذا اليوم في إظهار الزّينة ونصب القباب وإيقاد النيران، ولهم في ذلك أعمال مذكورة في أخبار بغداد.
стр. 1240
(¬a) وخرّج الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن هبة اللّه بن عساكر من طريق ابن شوذب عن مطر الورّاق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: «من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجّة كتب اللّه له صيام ستّين شهرا»، وهو يوم غدير خمّ. الحديث ذكره في ترجمة عليّ ﵁ من «تاريخ دمشق» (¬a) (١).
وقال ابن زولاق (¬b) في كتاب «سيرة المعزّ» ومن خطّه كتبت (¬b): وفي يوم ثمانية عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وهو يوم الغدير، تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة ومن تبعهم للدّعاء لأنّه يوم عيد، لأنّ رسول اللّه ﷺ عهد إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب فيه واستخلفه، فأعجب المعزّ ذلك من فعلهم، وكان هذا أوّل ما عمل بمصر (٢).
قال المسبّحيّ: وفي يوم الغدير، وهو ثامن عشر ذي الحجّة، اجتمع النّاس بجامع القاهرة والقرّاء والفقهاء والمنشدون، فكان جمعا عظيما أقاموا إلى الظّهر، ثم خرجوا إلى القصر فخرجت إليهم الجائزة؛ وذكر أنّ الحاكم بأمر اللّه كان قد منع من عمل عيد الغدير (٣).
قال ابن الطّوير: إذا كان العشر الأوسط من ذي الحجّة، اهتمّ الأمراء والأجناد بركوب عيد الغدير، وهو في الثامن عشر منه، وفيه خطبة وركوب الخليفة بغير مظلّة ولا يتيمة، ولا خروج عن القاهرة، ولا يخرج لأحد شيء. فإذا كان أوّل (¬c) ذلك اليوم ركب الوزير بالاستدعاء الجاري به العادة، فيدخل القصر، وفي دخوله بروز الخليفة لركوبه من الكرسي على عادته، فيخدم ويخرج ويركب من مكانه من الدّهليز، ويخرج فيقف قبالة باب القصر، ويكون ظهره إلى دار فخر الدّين جهاركس اليوم (٤). ثم يخرج الخليفة راكبا أيضا فيقف في الباب - ويقال له القوس - وحواليه الأستاذون المحنّكون رجّالة، ومن الأمراء المطوّقين من يأمره الوزير بإيثار (¬d) خدمة الخليفة على خدمته، ثم يجوز زيّ كلّ من له زيّ على مقدار همّته؛ فأوّل ما يجوز زيّ الخليفة، وهو الظّاهر في ركوبه، فتجر الجنائب الخاصّ التي قدّمنا ذكرها أوّلا؛ ثم زيّ الأمراء المطوّقين لأنّهم
стр. 1241
غلمانه، واحدا فواحدا بعددهم وأسلحتهم وجنائبهم إلى آخر أرباب القصب والعمّاريات؛ ثم طوائف العسكر أزمّتها أمامها وأولادهم مكانهم لأنّهم وقوف في خدمة الخليفة (¬a) بالباب طائفة طائفة، فيكونون أكثر عددا من خمسة آلاف فارس؛ ثم المترجّلة الرّماة بالقسيّ بالأيدي والأرجل، وتكون عدّتهم قريبا من ألف. ثم الراجل من الطّوائف الذين قدّمنا ذكرهم في الركوب (¬b) - يعني الجيوشية والرّيحانية (¬b) - فتكون عدّتهم قريبا من سبعة آلاف، كلّ منهم بزمام وبنود ورايات وغيرها، بترتيب مليح مستحسن.
ثم يأتي زيّ الوزير مع ولده أو أحد أقاربه، وفيه جماعته وحاشيته في جمع عظيم وهيئة هائلة. ثم زيّ صاحب الباب وهم أصحابه وأجناده ونوّاب الباب وسائر الحجّاب. ثم يأتي زيّ إسفهسلار العساكر بأصحابه وأجناده في عدّة وافرة. ثم يأتي زيّ والي القاهرة، وزيّ والي مصر.
فإذا فرغا خرج الخليفة من الباب، والوقوف بين يديه مشاة في ركابه، خارجا عن صبيان ركابه الخاصّ. فإذا وصل إلى باب الزّهومة بالقصر، انعطف على يساره داخلا من الدّرب هناك، جائزا على الخوخ.
فإذا وصل إلى باب الدّيلم الذي داخله المشهد الحسيني، فيجد في دهليز ذلك الباب قاضي القضاة والشّهود، فإذا وازاهم خرجوا للخدمة والسّلام عليه، فيسلّم القاضي كما ذكرنا من تقبيل رجله الواحدة التي تليه، والشّهود أمام رأس الدّابّة بمقدار قصبة. ثم يعودون ويدخلون من ذلك الدّهليز إلى الإيوان الكبير، وقد علّق عليه السّتور القرقوبية جميعه على سعته وغير القرقوبية سترا فسترا، ثم يعلّق بدائره على سعته ثلاثة صفوف: الأوسط طوارق فارسيات مدهونة، والأعلى والأسفل درق، وقد نصب كرسي الدّعوة وفيه تسع درجات لخطابة الخطيب في هذا العيد، فيجلس القاضي والشّهود تحته، والعالم من الأمراء والأجناد والمتشيّعين ومن يرى هذا الرأي من الأكابر والأصاغر.
فيدخل الخليفة من باب العيد إلى الإيوان إلى باب الملك، فيجلس بالشّبّاك وهو ينظر القوم، ويخدمه الوزير عند ما ينزل، ويأتي هو ومن معه فيجلس بمفرده على يسار منبر الخطيب، ويكون قد سيّر لخطيبه بدلة حريرية (¬c) يخطب فيها، وثلاثون دينارا، ويدفع له كرّاس محرّر من ديوان
стр. 1242
الإنشاء يتضمّن نصّ الخلافة من النّبيّ ﷺ إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ بزعمهم.
فإذا فرغ ونزل، صلّى قاضي القضاة بالنّاس ركعتين. فإذا قضيت الصّلاة قام الوزير إلى الشّبّاك فيخدم الخليفة ويمضي (¬a)، وينفضّ النّاس بعد التهاني من الإسماعيلية بعضهم بعضا. وهو عندهم أعظم من عيد النّحر، وينحر فيه أكثرهم (١).
قال: وكان الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد، لمّا سلم من يد أبي عليّ بن الأفضل - الملقّب كتيفات - لمّا وزر له وخرج عليه/، عمل عيدا في ذلك اليوم - وهو السّادس عشر من المحرّم - من غير ركوب ولا حركة، بل إنّ الإيوان باق على فرشه وتعليقه من يوم الغدير (٢).
فيفرش المجلس الخراب (¬b) اليوم في الإيوان الذي بابه خورنق - وكان يقابل الإيوان الكبير الذي هو اليوم خزائن السّلاح - بأحسن فرش، وينصب له مرتبة هائلة قريبا من باذهنجه، فيجتمع أرباب الدولة سيفا وقلما، ويحضرون إلى الإيوان إلى باب الملك المجاور للشّبّاك (٣).
стр. 1243
فيخرج الخليفة راكبا إلى المجلس، فيترجّل على بابه وبين يديه الخواصّ، فيجلس على المرتبة، ويقفون بين يديه صفّين إلى باب المجلس، ثم يجعل قدّامه كرسي الدّعوة وعليه غشاء قرقوبيّ، وحواليه الأمراء الأعيان وأرباب الرّتب. فيصعد قاضي القضاة ويخرج من كمّه كرّاسة مسطّحة تتضمّن فصولا ك «الفرج بعد الشّدّة» بنظم مليح، يذكر فيه كلّ من أصابه من الأنبياء والصّالحين والملوك شدّة وفرّج اللّه عنه، واحدا فواحدا، حتى يصل إلى الحافظ، وتكون هذه الكرّاسة محمولة من ديوان الإنشاء. فإذا تكاملت قراءتها، نزل عن المنبر ودخل إلى الخليفة، ولا يكون عنده من الثّياب أجلّ ممّا لبسه، ويكون قد حمل إلى القاضي قبل خطابته بدلة مميّزة يلبسها للخطابة، ويوصّل إليه بعد الخطابة خمسون دينارا (١).
وقال الأمير جمال الملك أبو عليّ موسى بن المأمون أبي عبد اللّه محمد بن فاتك بن مختار البطائحي في «تاريخه»: واستهلّ عيد الغدير - يعني من سنة ستّ عشرة وخمس مائة - وهاجر إلى باب الأجلّ - يعني الوزير المأمون البطائحي - الضّعفاء والمساكين من البلاد، ومن انضمّ إليهم من العوالي والأدوان، على عادتهم في طلب الحلال وتزويج الأيامى، وصار موسما يرصده كلّ أحد، ويرتقبه كلّ غني وفقير فجرى في معروفه على رسمه، وبالغ الشّعراء في مدحه بذلك.
ووصلت كسوة العيد المذكور، فحمل ما يختصّ بالخليفة والوزير، وأمر بتفرقة ما يختصّ بأزمّة العساكر فارسها وراجلها، من عين وكسوة. ومبلغ ما يختصّ بهم من العين سبع مائة وتسعون دينارا، ومن الكسوات مائة وأربع وأربعون قطعة. والهبة المختصّة بهذا العيد برسم كبراء الدّولة وشيوخها وأمرائها وضيوفها، والأستاذين المحنّكين والمميّزين منهم، خارجا عن أولاد الوزير وإخوته. ويفرّق من مال الوزير بعد الخلع عليه ألفان وخمس مائة دينار وثمانون دينارا، وأمر بتعليق جميع أبواب القصور، وتفرقة المؤذّنين بالجوامع والمساجد عليها، وتقدّم بأن تكون الأسمطة بقاعة الذّهب على حكم سماط أوّل يوم من عيد النّحر.
стр. 1244
وفي باكر هذا اليوم، توجّه الخليفة إلى الميدان، وذبح ما جرت به العادة، وذبح الجزّارون بعده مثل عدد الكباش المذبوحة في عيد النّحر، وأمر بتفرقة ذلك للخصوص دون العموم. وجلس الخليفة في المنظرة، وخدمت الرّهجيّة (١)، وتقدّم الوزير والأمراء وسلّموا، فلمّا حان وقت الصّلاة والمؤذّنون على أبواب القصر يكبّرون تكبير العيد، إلى أن دخل الوزير فوجد المنبر قد هيّئ (¬a)، فتقدّم القاضي أبو الحجّاج يوسف بن أيّوب فصلّى به وبالجماعة صلاة العيد، وطلع الشّريف بن أنس الدّولة وخطب خطبة العيد.
ثم توجّه الوزير إلى باب الملك، فوجد الخليفة قد جلس قاصدا للقائه، وقد ضربت المقرمة، فأمره بالمضيّ إليها، وخلع عليه خلعة مكمّلة من بدلات النّحر، وثوبها أحمر بالشّدّة الدّائميّة، وقلّده سيفا مرصّعا بالياقوت والجوهر، وعند ما نهض ليقبّل الأرض، وجده قد أعدّ له العقد الجوهر، وربطه بيده في عنقه، وبالغ في إكرامه.
وخرج من باب الملك، فتلقّاه المقرئون، وسارع النّاس إلى خدمته، وخرج من باب العيد وأولاده وإخوته والأمراء المميّزون (¬b) تحجبه. وخدمت الرّهجيّة وضربت الغريبة (¬c) (٢)، والموكب جميعه بزيّه وقد اصطفّت العساكر، وتقدّم إلى ولده بالجلوس على أسمطته وتفريقها (¬d) برسومها.
وتوجّه إلى القصر واستفتح المقرئون، فسلّم الحاضرون، وجرى الرّسم في السّماط الأوّل والثاني وتفرقة الرّسوم والموائد، على حكم أوّل يوم من عيد النّحر. وتوجّه الخليفة بعد ذلك إلى السّماط الثّالث الخاصّ بالدار الجديدة (¬e) لأقاربه وجلسائه.
ولمّا انقضى حكم التعييد، جلس الوزير (¬f) في مجلسه، واستفتح المقرئون، وحضر الكبراء وبياض البلدين للهناء (¬g) بالعيد والخلع، وخرج الرّسم وتقدّم الشّعراء فأنشدوا وشرحوا الحال،
стр. 1245
وحضر متولّي خزائن الكسوة الخاصّ بالثّياب التي كانت على المأمون قبل الخلع، وقبضوا الرّسم الجاري به العادة وهو مائة دينار، وحضر متولّي بيت المال وصحبته صندوق فيه خمسة آلاف دينار برسم فكاك العقد الجوهر والسّيف المرصّع؛ فأمر الوزير المأمون الشّيخ أبا الحسن بن أبي أسامة، كاتب الدّست الشّريف، بكتب مطالعة إلى الخليفة بما حمل إليه من المال برسم منديل الكمّ، وهو ألف دينار، ورسم الإخوة والأقارب ألف دينار، وتسلّم متولّي الدّيوان (¬a) بقيّة المال ليفرّق على الأمراء المطوّقين والمميّزين والضّيوف والمستخدمين (١).
ذكر (¬b) المحوّل
قال ابن عبد الظّاهر: المحوّل هو مجلس الداعي، ويدخل إليه من باب الرّيح، وبابه من باب البحر/، ويعرف بقصر البحر. وكان في أوقات الاجتماع يصلّي الدّاعي بالنّاس في رواقه (٢).
وقال المسبّحيّ: وفي ربيع الأوّل - يعني من سنة خمس وثمانين وثلاث مائة - جلس القاضي محمد بن النّعمان على كرسي بالقصر لقراءة علوم آل البيت، على الرّسم المعتاد المتقدّم له ولأخيه بمصر وأبيه (¬c) بالمغرب، فمات في الزّحمة أحد عشر رجلا فكفّنهم العزيز باللّه (٣).
وقال ابن الطّوير: وأمّا داعي الدّعاة فإنّه يلي قاضي القضاة في الرّتبة، ويتزيّا بزيّه في اللّباس وغيره (٤). ووضعه أنّه يكون عالما بجميع مذاهب أهل البيت يقرأ عليه، ويأخذ العهد على من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم، وبين يديه من نقباء المؤمنين (¬d) اثنا عشر نقيبا، وله نوّاب كنوّاب الحكم في سائر البلاد، ويحضر إليه فقهاء الدولة، ولهم مكان يقال له «دار العلم» (٥)، ولجماعة منهم على التّصدير بها أرزاق واسعة.
стр. 1246
وكان الفقهاء منهم يتّفقون على دفتر يقال له «مجلس الحكمة» (١)، في كلّ يوم اثنين وخميس، ويحضر مبيّضا إلى داعي الدّعاة فينفذه إليهم، ويأخذه منهم ويدخل به إلى الخليفة في هذين اليومين المذكورين، فيتلوه عليه إن أمكن، ويأخذ علامته (٢) بظاهره، ويجلس بالقصر لتلاوته على المؤمنين في مكانين: للرجال على كرسي الدّعوة بالإيوان الكبير، وللنّساء بمجلس الدّاعي وكان من أعظم المباني وأوسعها (¬a).
فإذا فرغ من تلاوته على المؤمنين والمؤمنات حضروا إليه لتقبيل يديه، فيمسح على رؤوسهم بمكان العلامة - أعني خطّ الخليفة - وله أخذ «النّجوى» (٣) من المؤمنين بالقاهرة ومصر وأعمالهما
стр. 1247
لا سيّما الصّعيد، ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث، فيجتمع من ذلك شيء كثير يحمله إلى الخليفة من يده (¬a) بينه وبينه، وأمانته في ذلك مع اللّه تعالى، فيفرض له الخليفة منه ما يعينه لنفسه وللنّقباء.
وفي الإسماعيلية المموّلين من يحمل ثلاثة وثلاثين دينارا وثلثي دينار على حكم النّجوى، وصحبة ذلك رقعة مكتوبة باسمه، فيتميّز في المحوّل، فيخرج له عليها خطّ الخليفة: «بارك اللّه فيك وفي مالك وولدك ودينك»، فيذخر ذلك ويفاخر (¬b) به.
وكانت هذه الخدمة متعلّقة بقوم يقال لهم بنو عبد القوي، أبا عن جدّ، آخرهم الجليس.
وكان الأفضل ابن أمير الجيوش نفاهم إلى المغرب، فولد الجليس بالمغرب وربّي به وكان يميل إلى مذهب أهل السّنّة، وولي القضاء مع الدّعوة، وأدركه أسد الدّين شير كوه وأكرمه، وجعله واسطة عند الخليفة العاضد، وكان قد حجر على العاضد، ولولاه لم يبق في الخزائن شيء لكرمه، وكأنّه علم أنّه آخر الخلفاء (١).
قال المسبّحيّ: وكان الدّاعي يواصل الجلوس بالقصر لقراءة ما يقرأ على الأولياء والدّعاوى المتّصلة، فكان يفرد للأولياء مجلسا، وللخاصّة وشيوخ الدّولة ومن يختصّ بالقصور من الخدم وغيرهم مجلسا، ولعوامّ النّاس وللطارئين على البلد مجلسا، وللنّساء في جامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر مجلسا، وللحرم وخواصّ نساء القصور مجلسا.
وكان يعمل المجالس في داره، ثم ينفذها إلى من يختصّ بخدمة الدولة، ويتّخذ لهذه المجالس كتّابا (¬c) يبيّضونها بعد عرضها على الخليفة. وكان يقبض في كلّ مجلس من هذه المجالس ما يتحصّل من النّجوى من كلّ من يدفع شيئا من ذلك عينا وورقا من الرجال والنّساء، ويكتب أسماء من يدفع شيئا على ما يدفعه، وكذلك في عيد الفطر يكتب ما يدفع عن الفطرة، ويحصل
стр. 1248
من ذلك مال جليل يحمل (¬a) إلى بيت المال شيئا بعد شيء، وكانت تسمّى مجالس الدّعوة «مجالس الحكمة» (١).
وفي سنة أربع مائة كتب سجلّ عن الحاكم بأمر اللّه فيه رفع الخمس والزّكاة والفطرة والنّجوى التي كانت تحمل، ويتقرّب بها، وتجرى على أيدي القضاة. وكتب سجلّ آخر بقطع مجالس الحكمة التي تقرأ على الأولياء يوم الخميس والجمعة (٢)، انتهى.
ووظيفة داعي الدّعاة كانت من مفردات الدّولة الفاطميّة. وقد لخّصت من أمر الدّعوة طرفا أحببت إيراده هنا (٣).
وصف الدّعوة وترتيبها
وكانت الدّعوة مرتّبة على منازل، دعوة بعد دعوة.
الدّعوة الأولى -
سؤال الدّاعي لمن يدعوه إلى مذهبه عن المشكلات، وتأويل الآيات، ومعاني الأمور الشّرعيّة، وشيء من الطّبيعيات ومن الأمور الغامضة، فإن كان المدعو عارفا (¬b) سلّم له الدّاعي، وإلاّ تركه يعمل فكره فيما ألقاه عليه من الأسئلة، وقال له: يا هذا إنّ الدين لمكتوم، وإن الأكثر له منكرون وبه جاهلون، ولو علمت هذه الأمّة ما خصّ اللّه به الأئمة من العلم لم تختلف؛ فيتشوّق (¬c) حينئذ المدعو إلى معرفة ما عند الدّاعي من العلم، فإذا علم منه الإقبال، أخذ في ذكر معاني القرآن (¬d) وشرائع الدّين (¬e) وتنزيل الآيات (¬e)، وتقرير أنّ الآفة التي نزلت بالأمّة وشتّتت الكلمة؛ وأورثت الأهواء المضلّة، ذهاب الناس عن أئمّة نصبوا لهم، وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدّونها على حقيقتها (¬f)، ويحفظون معانيها ويعرفون بواطنها.
стр. 1249
غير أنّ الناس لمّا عدلوا عن الأئمة، ونظروا في الأمور بعقولهم، واتّبعوا ما حسن في رأيهم، وقلّدوا سفلتهم (¬a)، وأطاعوا سادتهم وكبراءهم أتباع الملوك (¬b)، وطلبا للدنيا التي هي أيدي متّبعي الإثم وأجناد الظّلمة وأعوان الفسقة، الذين يحبّون العاجلة، ويجتهدون في طلب الرّياسة على الضّعفاء/، ومكايدة رسول اللّه ﷺ في أمّته، وتغيير كتاب اللّه ، وتبديل سنّة رسول اللّه ﷺ ، ومخالفة دعوته، وإفساد شريعته، وسلوك غير طريقته، ومعاندة الخلفاء الأئمة من بعده تحيّر من قبل ذلك، وصار النّاس إلى أنواع الضّلالات.
فإنّ دين محمد ﷺ ما جاء بالتحلّي، ولا بأماني الرجال، ولا شهوات النّاس، ولا بما خفّ على الألسنة وعرفته دهماء العامّة. ولكنه صعب مستصعب، وأمر مستقبل، وعلم خفيّ غامض ستره اللّه في حجبه، وعظم شأنه عن ابتذال أسراره. فهو سرّ اللّه المكتوم، وأمره المستور الذي لا يطيق حمله، ولا ينهض بأعبائه وثقله إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للتقوى (¬c)؛ فإذا ارتبط المدعو على الداعي وأنس له، نقله إلى غير ذلك.
فمن مسائلهم: ما معنى رمي الجمار والعدو بين الصّفا والمروة، ولم كانت الحائض تقضي الصّوم ولا تقضي الصّلاة، وما بال الجنب يغتسل من ماء دافق يسير ولا يغتسل من البول النّجس الكثير القدر، وما بال اللّه خلق الدّنيا في ستة أيام، أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى الصّراط المضروب في القرآن مثلا، والكاتبين الحافظين، وما لنا لا نراهما، أخاف ربّنا أن نكابره ونجاحده حتى أذكى (¬d) العيون، وأقام علينا الشّهود، وقيّد ذلك في القرطاس بالكتابة؟
وما تبديل الأرض غير الأرض، وما عذاب جهنّم، وكيف يصحّ تبديل جلد مذنب بجلد لم يذنب حتى يعذّب، وما معنى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الآية ١٧ سورة الحاقة]، وما إبليس، وما الشّياطين، وما وصفوا به وأين مستقرّهم، وما مقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج وهاروت وماروت، وأين مستقرّهم؟ وما سبعة أبواب النّار؟ وما ثمانية أبواب الجنّة؟ وما شجرة الزّقّوم النابتة في الجحيم؟ وما دابّة الأرض ورؤوس الشّياطين والشّجرة الملعونة في القرآن، والتّين والزّيتون؟
وما الخنّس الكنّس، وما معنى ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ [الآية ١ سورة البقرة وسورة الأعراف]، وما معنى ﴿كهيعص﴾ [الآية ١ سورة مريم]؛ و ﴿حم * * عسق﴾ [الآيتان ١، ٢ سورة الشورى]؟ ولم جعلت
стр. 1250
السّموات سبعا، والأرضون سبعا، والمثاني من القرآن سبع آيات، ولم فجّرت العيون اثنتي عشرة عينا، ولم جعلت الشّهور اثني عشر شهرا، وما يعمل معكم علم (¬a) الكتاب والسّنّة، ومعاني الفرائض اللازمة؟ فكّروا أوّلا في أنفسكم: أين أرواحكم، وكيف صورها، وأين مستقرّها، وما أوّل أمرها، والإنسان ما هو، وما حقيقته، وما الفرق بين حياته وحياة البهائم، وفضل ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات، وما الذي بانت به حياة الحشرات من حياة النّبات؟ وما معني قول رسول اللّه ﷺ : «خلقت حوّاء من ضلع آدم»؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير؟ ولم كانت قامة الإنسان منتصبة دون غيره من الحيوانات، ولم كان في يديه من الأصابع عشر، وفي رجليه عشر أصابع، وفي كلّ إصبع من أصابع يديه ثلاثة شقوق، إلاّ الإبهام فإنّ فيه شقّين فقط؟ ولم كان في وجهه سبع ثقوب وفي سائر بدنه ثقبان، ولم كان في ظهره اثنتا عشرة عقده وفي عنقه سبع عقد، ولم جعل رأسه (¬b) صورة ميم، ويداه حاء، وبطنه ميما، ورجلاه دالا، حتى سار ذلك كتابا مرسوما يترجم عن محمد؟ ولم جعلت قامته إذا انتصب صورة ألف، وإذا ركع صارت صورة لام، وإذا سجد صارت صورة هاء، فكان كتابا يدلّ على اللّه؟ ولم جعلت أعداد عظام الإنسان كذا، وأعداد أسنانه كذا، والأعضاء الرئيسة كذا؟ إلى غير ذلك من التّشريح والقول في العروق والأعضاء ووجوه منافع الحيوان.
ثم يقول الدّاعي: ألا تتفكّرون في حالكم وتعتبرون، وتعلمون أنّ الذي خلقكم حكيم غير مجازف، وأنّه فعل جميع ذلك لحكمة، وله فيها أسرار خفيّة حتى جمع ما جمع وفرّق ما فرّق؟ فكيف يسعكم الإعراض عن هذه الأمور وأنتم تسمعون قول اللّه : ﴿وَفِي اَلْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الآيتان ٢٠، ٢١ سورة الذاريات]، ﴿وَيَضْرِبُ اَللّهُ اَلْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الآية ٢٥ سورة إبراهيم]، ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي اَلْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ﴾ [الآية ٥٣ سورة فصلت].
فأيّ شيء رآه الكفّار في أنفسهم وفي الأفاق حتى عرفوا أنّه الحق؟ وأيّ حقّ عرفه من جحد الدّيانة؟ ألا يدلّكم هذا على أنّ اللّه جلّ اسمه أراد أن يرشدكم إلى بواطن الأمور الخفيّة، وأسرار فيها مكتومة لو تنبّهتم لها وعرفتموها لزالت عنكم كلّ حيرة، ودحضت كلّ شبه (¬a)، وظهرت لكم المعارف السّنيّة؟
стр. 1251
ألا ترون أنّكم جهلتم أنفسكم التي من جهلها كان حريّا ألاّ يعلم غيرها؟ أليس اللّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الآية ٧٣ سورة الإسراء]؛ ونحو ذلك من تأويل القرآن، وتفسير السّنن والأحكام، وإيراد أبواب من التّجويز والتّعليل.
فإذا علم الداعي أنّ نفس المدعو قد تعلّقت بما سأله عنه، وطلب منه الجواب عنها، قال له حينئذ: لا تعجل فإنّ دين اللّه أعلى وأجلّ من أن يبذل لغير أهله، ويجعل غرضا للعب. وجرت عادة اللّه وسنّته في عباده، عند شرع من نصبه، أن يأخذ العهد على من يرشده، ولذلك قال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ [الآية ٧ سورة الأحزاب]؛ وقال/ : ﴿مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اَللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الآية ٢٣ سورة الأحزاب]؛ وقال ﷻ : ﴿يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [الآية ١ سورة المائدة]، قال: ﴿وَلا تَنْقُضُوا اَلْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اَللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اَللّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ * * وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ [الآيتان ٩١، ٩٢ سورة النحل]، وقال: ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الآية ٧٠ سورة المائدة]، ومن أمثال هذا.
فقد أخبر اللّه تعالى أنّه لم يملّك حقّه إلاّ لمن أخذ عهده، فأعطنا صفقة يمينك، وعاهدنا بالموكد من أيمانك وعقودك: ألاّ تفشي لنا سرّا، ولا تظاهر علينا أحدا، ولا تطلب لنا غيلة، ولا تكتمنا نصحا، ولا توالي لنا عدوّا.
فإذا أعطى العهد قال له الداعي: أعطنا جعلا من مالك وغرما (¬a) نجعله مقدّمة أمام كشفنا لك الأمور وتعريفك إيّاها - والرّسم في هذا الجعل بحسب ما يراه الداعي - فإن امتنع المدعو أمسك عنه الدّاعي، وإن أجاب وأعطى نقله إلى الدّعوة الثانية.
وإنّما سمّيت الإسماعيليّة بالباطنيّة، لأنّهم يقولون: لكلّ ظاهر من الأحكام الشّرعيّة باطن، ولكلّ تنزيل تأويل.
الدّعوة الثّانية -
لا تكون إلاّ بعد تقدّم الدّعوة الأولى. فإذا تقرّر في نفس المدعو جميع ما تقدّم (¬b) وعاهد الدّاعي (¬b) وأعطى الجعل، قال له الداعي: إنّ اللّه تعالى لم يرض في إقامة حقّه وما شرعه لعباده، إلاّ أن يأخذوا ذلك عن أئمّة نصبهم للنّاس، وأقامهم لحفظ شريعته على ما أراده
стр. 1252
اللّه تعالى. ويسلك في تقرير هذا، ويستدلّ عليه بأمور مقرّرة في كتبهم، حتى يعلم أن اعتقاد الأئمّة قد ثبت في نفس المدعو، فإذا اعتقد ذلك نقله إلى الدّعوة الثالثة.
الدّعوة الثّالثة -
مرتّبة على الثانية، وذلك أنّه إذا علم الداعي ممّن دعاه أن ارتباطه على دين اللّه لا يعلم إلاّ من قبل الأئمّة، قرّر حينئذ عنده أنّ الأئمّة سبعة، قد رتّبهم الباري تعالى كما رتّب الأمور الجليلة، فإنّه جعل الكواكب السّيّارة سبعة، وجعل السّموات سبعا، وجعل الأرضين سبعا، ونحو ذلك ممّا هو سبع من الموجودات.
وهؤلاء السّبعة الأئمّة (¬a) هم: عليّ بن أبي طالب، والحسن بن عليّ، والحسين بن عليّ، وعليّ ابن الحسين الملقّب زين العابدين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد الصّادق، والسّابع هو القائم صاحب الزّمان. وهم - أعني الشّيعة - مختلفون في هذا القائم: فمنهم من يجعله محمّد ابن إسماعيل بن جعفر الصّادق ويسقط إسماعيل بن جعفر، ومنهم من يعدّ إسماعيل بن جعفر إماما، ثم يعدّ ابنه محمّد بن إسماعيل.
فإذا تقرّر عند المدعو أنّ الأئمّة سبعة، انحلّ عن معتقد الإمامية من الشّيعة القائلين بإمامة اثنى عشر إماما، وصار إلى معتقد الإسماعيلية بأنّ الإمامة انتقلت إلى محمّد بن إسماعيل بن جعفر.
فإذا علم الدّاعي ثبات هذا العقد في نفس المدعو، شرع في ثلب بقيّة الأئمّة الذين قد اعتقد الإمامية فيهم الإمامة، وقرّر عند المدعو أنّ محمّد بن إسماعيل عنده علم المستورات وبواطن المعلومات التي لا يمكن أن توجد عند أحد غيره، وأنّ عنده أيضا علم التّأويل ومعرفة وتفسير ظاهر الأمور، وعنده سرّ اللّه تعالى في وجه تدبيره المكتوم، واتّفاق (¬b) دلالته في كلّ أمر يسأل عنه في جميع المعدومات، وتفسير المشكلات وبواطن الظّاهر كلّه، والتأويلات وتأويل التأويلات.
وأنّ دعاته هم الوارثون لذلك كلّه من بين سائر طوائف الشّيعة، لأنّهم أخذوا عنه، ومن جهته رووا، وأنّ أحدا من النّاس المخالفين لهم لا يستطيع أن يساويهم، ولا يقدر على التّحقّق بما عندهم إلاّ منهم، ويحتجّ لذلك بما هو معروف في كتبهم ممّا لا يسع هذا الكتاب حكايته لطوله. فإذا انقاد المدعو وأذعن لما تقرّر، نقله إلى الدّعوة الرّابعة.
الدّعوة الرّابعة -
لا يشرع الداعي في تقريرها حتى يتيقّن صحّة انقياد المدعو لجميع ما تقدّم.
فإذا تيقّن منه صحّة الاعتقاد (¬c)، قرّر عنده أنّ عدد الأنبياء النّاسخين للشّرائع المبدّلين لأحكامها
стр. 1253
أصحاب الأدوار وتقليب الأحوال الناطقين بالأمور، سبعة فقط كعدد الأئمّة سواء. وكلّ واحد من هؤلاء الأنبياء لا بدّ له من صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمّته، ويكون معه ظهيرا له في حياته، وخليفة له من بعد وفاته إلى أن يبلّغ شريعته إلى أحد يكون سبيله معه كسبيله هو مع نبيّه الذي اتّبعه، ثم كذلك كلّ مستخلف خليفة، إلى أن يأتي منهم على تلك الشّريعة سبعة أشخاص، ويقال لهؤلاء: السّبعة الصّامتون، لثباتهم على شريعة اقتفوا فيها أثر واحد هو أوّلهم، ويسمّى الأوّل من هؤلاء السّبعة «السّوس».
وإنّه لا بدّ عند انقضاء هؤلاء السّبعة ونفاذ دورهم، من استفتاح دور ثان يظهر فيه نبيّ ينسخ شرع من مضى من قبله، وتكون الخلفاء من بعد أمورهم تجرى كأمر من كان قبلهم، ثم يكون من بعدهم نبيّ ناسخ يقوم من بعده سبعة صمت أبدا؛ وهكذا حتى يقوم النّبيّ السابع من النّطقاء، فينسخ جميع الشّرائع التي كانت قبله، ويكون صاحب الزّمان الأخير.
فكان أوّل هؤلاء الأنبياء النّطقاء آدم ﵇ وكان صاحبه وسوسه ابنه شيث. وعدّوا تمام السبعة الصامتين على شريعة آدم.
وكان الثّاني من الأنبياء النّطقاء نوح ﵇ فإنّه نطق بشريعة نسخ بها شريعة آدم، وكان صاحبه وسوسه ابنه سام، وتلاه بقيّة السبعة الصامتين على شريعة نوح.
ثم كان الثّالث من الأنبياء النّطقاء إبراهيم خليل الرّحمن - صلوات اللّه عليه - فإنّه نطق بشريعة نسخ بها شريعة نوح وآدم ﵉ وكان صاحبه وسوسه في حياته، والخليفة القائم من بعده المبلّغ شريعته، ابنه إسماعيل ﵇ ولم يزل يخلفه صامت بعد صامت على شريعة إبراهيم حتى تم دور السّبعة الصّمت.
وكان الرّابع من الأنبياء النّطقاء موسى بن عمران ﵇ فإنّه نطق بشريعة نسخ بها شريعة آدم ونوح وإبراهيم، وكان صاحبه وسوسه أخوه هارون. ولمّا مات هارون في حياة موسى، قام من بعد موسى يوشع بن نون خليفة له صمت على شريعته وبلّغها، فأخذها عنه واحد بعد واحد إلى أن كان آخر الصّمت على شريعة موسى: يحيى بن زكرياء، وهو آخر الصّمت.
ثم كان الخامس من الأنبياء النّطقاء المسيح عيسى بن مريم - صلوات اللّه عليه - فإنّه نطق بشريعة نسخ بها شرائع من كان قبله، وكان صاحبه وسوسه شمعون الصّفا، ومن بعده تمام السّبعة الصّمت على شريعة المسيح.
стр. 1254
إلى أن كان السّادس من الأنبياء النّطقاء نبيّنا محمّد ﷺ ، فإنّه نطق بشريعة نسخ بها جميع الشّرائع التي جاء بها الأنبياء من قبله، وكان صاحبه وسوسه عليّ بن أبي طالب ﵁ ثم من بعد عليّ ستّة صمتوا على الشّريعة المحمّدية، وقاموا بميراث أسرارها، وهم: ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم عليّ بن الحسين، ثم محمّد بن عليّ، ثم جعفر بن محمّد، ثم إسماعيل بن جعفر الصّادق، وهو آخر الصّمت من الأئمّة المستورين.
والسّابع من النّطقاء هو صاحب الزّمان، وعند هؤلاء الإسماعيلية أنّه محمّد بن إسماعيل بن جعفر، وأنّه الذي انتهى إليه علم الأوّلين، وقام بعلم بواطن الأمور وكشفها، وإليه المرجع في تفسيرها دون غيره، وعلى جميع الكافّة اتّباعه والخضوع له والانقياد إليه والتّسليم له، لأنّ الهداية في موافقته واتّباعه، والضّلال والحيرة في العدول عنه. فإذا تقرّر ذلك عند المدعو، انتقل الدّاعي إلى الدّعوة الخامسة.
الدّعوة الخامسة -
مترتّبة على ما قبلها، وذلك أنّه إذا صار المدعو في الرّتبة الرّابعة من الاعتقاد، أخذ الدّاعي يقرّر أنّه لا بد مع كلّ إمام قائم في كلّ عصر حجج متفرّقون عليهم تقوم الأرض في جميع جهاتها، وعدّة هؤلاء الحجج أبدا اثنا عشر رجلا في كلّ زمان، كما أنّ عدد الأئمّة سبعة.
ويستدلّ لذلك بأمور: منها أنّ اللّه تعالى لم يخلق شيئا عبثا، ولا بدّ في خلق كلّ شيء من حكمة، وإلاّ فلم خلق النّجوم التي بها قوام العالم سبعة، وجعل أيضا السّموات سبعا، والأرضين سبعا، والبروج اثنى عشر، والشّهور اثنى عشر شهرا، ونقباء بني إسرائيل اثنى عشر نقيبا، ونقباء رسول اللّه ﷺ من الأنصار اثنى عشر نقيبا.
وخلق تعالى في كفّ كلّ إنسان أربع أصابع، وفي كلّ إصبع ثلاثة شقوق، تكون جملتها اثني عشر شقّا. على أنّه في كلّ يد إبهام وفي كلّ إبهام شقّان إشارة ودلالة على أنّ الإنسان بدنه كالأرض، وأصابعه كالجزائر الأربع، والشّقوق التي في الأصابع كالحجج، والإبهام الذي به قوام جميع الكفّ وسداد الأصابع، كالذي يقوم الأرض بعدد ما فيها، والشّقّان اللذان في الإبهام إشارة إلى أنّ الإمام وسوسه لا يفترقان.
ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشرة خرزة إشارة إلى الحجج الاثنى عشر، وصار في عنقه سبع، فكان العنق عاليا على خرزات الظّهر، وذلك إشارة إلى الأنبياء النّطقاء والأئمّة السبعة، وكذلك الأثقاب السّبعة التي في وجه الإنسان العالي على بدنه وأشياء من هذا النّوع كثيرة. فإذا تمهّد عند المدعو ما دعاه إليه الدّاعي وتقرّر، نقله حينئذ إلى الدّعوة السّادسة.
стр. 1255
الدّعوة السّادسة -
لا تكون إلاّ بعد ثبوت جميع ما تقدّم في نفس المدعو، وذلك أنّه إذا صار إلى الرّتبة الخامسة، أخذ الداعي في تفسير معاني شرائع الإسلام - من الصّلاة والزّكاة والحجّ والطّهارة وغير ذلك من الفرائض - بأمور مخالفة للظّاهر، بعد تمهيد قواعد تبين في أزمنة من غير عجلة. تؤدّي إلى أنّ هذه الأشياء وضعت على جهة الرّموز لمصلحة العامّة وسياسة أمورهم (¬a)، حتى يشتغلوا بها عن بغي بعضهم على بعض، وتصدّهم عن الفساد في الأرض حكمة من الناصبين للشّرائع، وقوّة في حسن سياستهم لأتباعهم، وإتقانا منهم لما رتّبوه من النواميس ونحو ذلك حتى يتمكّن هذا الاعتقاد في نفس المدعو.
فإذا طال الزّمان، وصار المدعو ولا بد (¬b) يعتقد أنّ أحكام الشّريعة كلّها وضعت على سبيل الرّمز لسياسة العامّة، وأنّ لها معاني أخر غير ما يدلّ عليه الظّاهر، نقله الداعي إلى الكلام في الفلسفة، وحضّه على النّظر في كلام أفلاطون وأرسطو وفيثاغورس ومن في معناهم، ونهاه عن قبول الأخبار والاحتجاج بالسّمعيات، وزيّن له الاقتداء بالأدلّة العقلية والتّعويل عليها.
فإذا استقرّ ذلك/ عنده واعتقده، نقله بعد ذلك إلى الدّعوة السّابعة، ويحتاج ذلك إلى زمان طويل.
الدّعوة السّابعة -
لا يفصح بها الدّاعي ما لم يكثر أنسه بمن دعاه، ويتيقّن أنّه قد تأهّل إلى الانتقال إلى رتبة أعلى ممّا هو فيه، فإذا علم ذلك منه قال: اعلم (¬c) أنّ صاحب الدّلالة والنّاصب للشّريعة لا يستغني بنفسه، ولا بد له من صاحب معه يعبّر عنه، ليكون أحدهما الأصل والآخر عنه كان وصدر. وهذا إنّما هو إشارة العالم السّفلي لما يحويه العالم العلوي، فإنّ مدبّر العالم في أصل الترتيب وقوام النّظام صدر عنه أوّل موجود بغير واسطة ولا سبب نشأ عنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الآية ٨٢ سورة يس] إشارة إلى الأوّل في الرّتبة، والآخر هو القدر الذي قال فيه: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْ ءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [الآية ٤٩ سورة القمر]، وهذا معنى ما نسمعه من أنّ اللّه أوّل ما خلق القلم فقال للقلم «اكتب» فكتب في اللّوح ما هو كائن.
وأشياء من هذا النوع موجودة في كتبهم، وأصلها مأخوذ من كلام الفلاسفة القائلين: الواحد لا يصدر عنه إلاّ واحد، وقد أخذ هذا المعنى المتصوّفة وبسطوه بعبارات أخر في كتبهم. فإن
стр. 1256
كنت ممّن ارتاض وعرف مقالات النّاس، تبيّن لك ما ذكرت. ولا يحتمل هذا الكتاب بسط القول في هذا المعنى.
وإذا تقرّر ما ذكر في هذه الدّعوة عند المدعو، نقله الدّاعي إلى الدّعوة الثامنة.
الدّعوة الثامنة -
متوقّفة على اعتقاد سائر ما تقدّم، فإذا استقرّ ذلك عند المدعو دينا له، قال له الدّاعي: اعلم أنّ أحد المذكورين اللذين هما: مدبّر الوجود والصادر عنه، إنّما تقدّم السابق على اللاحق تقدّم العلّة على المعلول، فكانت الأعيان كلّها ناشئة وكائنة عن الصّادر الثاني بترتيب معروف في بعضهم. ومع ذلك فالسّابق عندهم لا اسم له ولا صفة ولا يعبّر عنه ولا يقيّد، فلا يقال: هو موجود ولا معدوم ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز، وكذلك سائر الصّفات - فإنّ الإثبات عندهم يقتضي شركة بينه وبين المحدثات، والنّفي يقتضي التّعطيل - وقالوا: ليس بقديم ولا محدث، بل القديم أمره وكلمته، والمحدث خلقه وفطرته، كما هو مبسوط في كتبهم.
فإذا استقرّ ذلك عند المدعو، قرّر عنده الدّاعي أنّ التالي يدأب في أعمال منه (¬a) حتى يلحق بمنزلة السّابق، وأنّ النّاطق (¬b) في الأرض يدأب في أعماله حتى يلتحق (¬c) بمنزلة (¬d) التالي فيقوم مقامه ويصير بمنزلته سواء، وأنّ السّوس يدأب في أعماله حتى يصير بمنزلة (¬d) النّاطق سواء، وأنّ الدّاعي يدأب في أعماله حتى يبلغ منزلة السّوس وحاله سواء. وهكذا تجري أمور العالم في أكواره وأدواره.
ولهذا القول بسط كبير، فإذا اعتقد المدعو ذلك (¬d) قرّر عنده الدّاعي أنّ معجزة النّبيّ الصّادق النّاطق ليست سوى مجيئه بأشياء (¬e) ينتظم بها سياسة الجمهور، وتشمل الكافّة مصلحتها بترتيب من الحكمة تحوي معاني فلسفية تنبئ عن حقيقة أنيّة السّماء والأرض، وما يشتمل العالم عليه بأسره من الجواهر والأعراض: تارة برموز يعقلها العالمون، وتارة بإفصاح يعرفه كلّ أحد، فينتظم بذلك للنّبيّ شريعة يتّبعها النّاس.
ويقرّر عنده أيضا أنّ القيامة والقرآن والثّواب والعقاب معناها سوى ما يفهمه العامّة وغير ما يتبادر الذّهن إليه، وليس هو إلاّ حدوث أدوار عند انقضاء أدوار من أدوار الكواكب وعوالم اجتماعاتها، من كون وفساد جاء على ترتيب الطّبائع، كما قد بسطه الفلاسفة في كتبهم، فإذا استقرّ هذا العقد عند المدعو، نقله الدّاعي إلى الدّعوة التاسعة.
стр. 1257
الدّعوة التّاسعة -
هي النّتيجة التي يحاول الدّاعي، بتقرير جميع ما تقدّم، رسوخها في نفس من يدعوه. فإذا تيقّن أنّ المدعو تأهّل لكشف السّرّ والإفصاح عن الرّموز، أحاله على ما تقرّر في كتب الفلاسفة من علم الطّبيعيات وما بعد الطّبيعة والعلم الإلهي، وغير ذلك من أقسام العلوم الفلسفية؛ حتى إذا تمكّن المدعو من معرفة ذلك، كشف الدّاعي قناعه وقال: ما ذكر من الحدوث والأصول رموز إلى معاني المبادي وتقلّب الجواهر، وإنّ الوحي إنّما هو صفاء النّفس، فيجد النّبيّ في فهمه ما يلقى إليه ويتنزّل عليه، فيبرزه إلى النّاس، ويعبّر عنه بكلام اللّه الذي ينظم به النّبيّ شريعته، بحسب ما يراه من المصلحة في سياسة الكافّة.
ولا يجب حينئذ العمل بها إلاّ بحسب الحاجة من رعاية مصالح الدّهماء، بخلاف العارف فإنّه لا يلزمه العمل بها، ويكفيه معرفته فإنّها اليقين الذي يجب المصير إليه، وما عدا المعرفة من سائر المشروعات، فإنّما هي أثقال وآصار حملها الكفّار أهل الجهالة لمعرفة الأعراض والأسباب.
ومن جملة المعرفة عندهم أنّ الأنبياء النّطقاء أصحاب الشّرائع إنّما هم لسياسة العامّة، وأنّ الفلاسفة أنبياء حكمة الخاصّة، وأنّ الإمام إنّما وجوده في العالم الرّوحاني إذا صرنا بالرّياضة في المعارف إليه، وظهوره الآن إنّما هو ظهور أمره ونهيه على لسان أوليائه، ونحو ذلك ممّا هو مبسوط في كتبهم وهذا حاصل علم الدّاعي، ولهم في ذلك مصنّفات كثيرة منها اختصرت ما تقدّم ذكره.
ابتداء هذه الدّعوة
اعلم أنّ هذه الدّعوة منسوبة إلى شخص كان بالعراق يعرف بميمون القدّاح، وكان من غلاة الشّيعة. فولد ابنا عرف بعبد اللّه بن ميمون، اتّسع علمه/، وكثرت معارفه، وكاد أن يطّلع على جميع مقالات الخليفة، فرتّب له مذهبا، وجعله في سبع دعوات، ودعا النّاس إلى مذهبه، فاستجاب له خلق، وكان يدعو إلى الإمام محمّد بن إسماعيل، وظهر من الأهواز ونزل بعسكر مكرم، فصار له مال واشتهرت دعاته، فأنكر النّاس عليه وهمّوا به، ففرّ إلى البصرة ومعه من أصحابه الحسين الأهوازي.
فلمّا انتشر ذكره بها طلب، فصار إلى بلاد الشّام وأقام بسلميّة، وبها ولد له ابنه أحمد، فقام من بعد أبيه عبد اللّه بن ميمون، فسيّر الحسين الأهوازي داعية له إلى العراق، فلقي حمدان بن الأشعث المعروف بقرمط بسواد الكوفة، فدعاه واستجاب له، وأنزله عنده. وكان من أمره ما هو مذكور في أخبار القرامطة من كتابنا هذا، عند ذكر المعزّ لدين اللّه معدّ.
стр. 1258
ثم إنّه ولد لأحمد بن عبد اللّه ابنه الحسين ومحمّد المعروف بأبي الشّلعلع، فلمّا هلك أحمد خلفه ابنه الحسين، ثم قام من بعده أخوه أبو الشّلعلع، وكان من أمرهم ما هو مذكور في موضعه (١).
فانتشرت الدّعاة في أقطار الأرض، وتفقّهوا في الدّعوة حتى وضعوا فيها الكتب الكثيرة، وصارت علما من العلوم المدوّنة، ثم اضمحلّت الآن وذهبت بذهاب أهلها، ولهذا يقال: إنّ أصل دعوة الإسماعيلية مأخوذ من القرامطة، ونسبوا من أجلها إلى الإلحاد (٢).
صفة العهد الذي يؤخذ على المدعو
وهو أنّ الدّاعي يقول لمن يأخذ عليه العهد ويحلّفه (٣): جعلت على نفسك عهد اللّه وميثاقه، وذمّة رسوله وأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله، وما أخذه على النّبيين من عقد وعهد وميثاق، أنّك تستر جميع ما تسمعه وسمعته وعلمته وتعلمه وعرفته وتعرفه من أمري وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الحقّ، الإمام الذي عرفت إقراري له ونصحي لمن عقد ذمّته، وأمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته المطيعين له على هذا الدّين، ومخالصته له من الذّكور والإناث والصّغار والكبار فلا تظهر من ذلك شيئا قليلا ولا كثيرا، ولا شيئا يدلّ عليه إلاّ ما أطلقت لك أن تتكلّم به، أو أطلقه لك صاحب الأمر المقيم بهذا البلد، فتعمل في ذلك بأمرنا، ولا تتعدّاه ولا تزيد عليه.
стр. 1259
وليكن ما تعمل عليه قبل العهد وبعده بقولك وفعلك: أن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وتشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وتشهد أنّ الجنّة حقّ، وأنّ النّار حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ البعث حقّ، وأنّ السّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور، وتقيم الصّلاة لوقتها، وتؤتي الزّكاة لحقّها، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت الحرام، وتجاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده على ما أمر اللّه به ورسوله، وتوالي أولياء اللّه، وتعادي أعداء اللّه، وتقوم بفرائض اللّه وسنّته وسنن رسول اللّه ﷺ وعلى آله الطاهرين ظاهرا وباطنا وعلانية، سرّا وجهرا.
فإن ذلك يؤكد هذا العهد ولا يهدمه، ويثبّته ولا يزيله، ويقرّبه ولا يباعده، ويشدّه ولا يضعفه، ويوجب ذلك ولا يبطله، ويوضّحه ولا يعمّيه. كذلك هو الظّاهر والباطن، وسائر ما جاء به النّبيّون من ربّهم - صلوات اللّه عليهم أجمعين - على الشّرائط المبيّنة في هذا العهد، جعلت على نفسك الوفاء بذلك قل نعم، فيقول المدعو: نعم.
ثم يقول الدّاعي له: والصّيانة له بذلك وأداء الأمانة، على ألاّ تظهر شيئا أخذ عليك في هذا العقد في حياتنا ولا بعد وفاتنا، لا في غضب ولا على حال رضى، ولا على رغبة ولا في حال رهبة، ولا عند شدّة ولا في حال رخاء، ولا على طمع ولا على حرمان؛ تلقى اللّه على السّتر لذلك والصّيانة له، على الشّرائط المبيّنة في هذا العهد.
وجعلت على نفسك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله ﷺ : أن تمنعني وجميع من أسمّيه لك وأثبته عندك ممّا تمنع منه نفسك، وتنصح لنا ولوليّك وليّ اللّه، نصحا ظاهرا وباطنا، فلا تخن اللّه ووليه ولا أحدا من إخواننا وأوليائنا ومن تعلم أنّه منّا، بسبب في أهل ولا مال، ولا رأي ولا عهد ولا عقد تناول (¬a) عليه بما يبطله.
فإن فعلت شيئا من ذلك - وأنت تعلم أنّك قد خالفته، وأنت على ذكر منه - فأنت بريء من اللّه خالق السّموات والأرض الذي سوّى خلقك وألّف تركيبك وأحسن إليك في دينك ودنياك وآخرتك، وتبرأ من رسله الأوّلين والآخرين وملائكته المقرّبين الكروبيين والرّوحانيين والكلمات التامّات والسّبع المثاني والقرآن العظيم، وتبرأ من التّوراة والإنجيل والزّبور والذّكر الحكيم، ومن كلّ دين ارتضاه اللّه في مقدّم الدّار الآخرة، ومن كلّ عبد ﵁.
стр. 1260
وأنت خارج من حزب اللّه وحزب أوليائه (¬a) وداخل في حزب الشّيطان وحزب أوليائه (¬a)، وخذلك اللّه خذلانا بيّنا يعجّل لك بذلك النّقمة والعقوبة والمصير إلى نار جهنّم التي ليس للّه فيها رحمة، وأنت بريء من حول اللّه وقوّته ملجأ إلى حول نفسك وقوّتك، وعليك لعنة اللّه التي لعن اللّه بها إبليس وحرّم عليه بها الجنّة وخلّده في النّار، إن خالفت شيئا من ذلك، ولقيت اللّه يوم تلقاه وهو عليك غضبان.
وللّه عليك أن تحجّ إلى بيته الحرام ثلاثين حجّة حجّا واجبا ماشيا حافيا، لا يقبل اللّه منك إلاّ الوفاء بذلك. وكل ما تملك في الوقت الذي تخالفه فيه، فهو صدقة على الفقراء والمساكين الذين لا رحم بينك وبينهم، لا يأجرك اللّه عليه، ولا يدخل عليك بذلك منفعة./ وكلّ مملوك لك من ذكر أو أنثى في ملكك، أو تستفيده إلى وقت وفاتك، إن خالفت شيئا من ذلك، فهم أحرار لوجه اللّه . وكلّ امرأة لك أو تتزوّجها إلى وقت وفاتك، إن خالفت شيئا من ذلك، فهنّ طوالق ثلاثا بتّة، طلاق الحرج لا مثنويّة (¬b) لك ولا خيار ولا رجعة ولا مشيئة. وكلّ ما كان لك من أهل ومال وغيرهما، فهو عليك حرام، وكلّ ظهار فهو لازم لك.
وأنا المستحلف لك لإمامك وحجّتك، وأنت الحالف لهما. وإن نويت أو عقدت أو أضمرت خلاف ما أحملك عليه وأحلّفك به، فهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها مجدّدة عليك لازمة لك، ولا يقبل اللّه منك إلاّ الوفاء بها، والقيام بما عاهدت بيني وبينك، قل نعم، فيقول:
نعم (١).
ولهم مع ذلك وصايا كثيرة أضربنا عنها خشية الإطالة، وفيما ذكرنا لمن عقل كفاية (¬c).
стр. 1261
ذكر الدّيوان (¬a)
وكانت دواوين الدّولة الفاطمية (١)، لمّا قدم المعزّ لدين اللّه إلى مصر ونزل بقصره في القاهرة، محلّها بدار الإمارة من جوار الجامع الطّولوني. فلمّا مات المعزّ، وقلّد العزيز باللّه الوزارة ليعقوب ابن كلّس، نقل الدّواوين إلى داره؛ فلمّا مات يعقوب نقلها العزيز بعد موته إلى القصر، فلم تزل به إلى أن استبدّ الأفضل ابن أمير الجيوش، وعمّر دار الملك بمصر، فنقل إليها الدّواوين، فلمّا قتل عادت من بعده إلى القصر، وما زالت هناك حتى زالت الدّولة.
قال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: وحدّثني من أثق به قال: كنت بالقاهرة يوما من شهور سنة تسع وخمسين وأربع مائة، وقد استفحل أمر المارقين، وقويت شوكتهم، وامتدّت أيديهم إلى أخذ الذّخائر المصونة في قصر السّلطان بغير إذنه (¬b)؛ فرأيت وقد دخل من باب الدّيلم، أحد أبواب القصور المعمورة الزّاهرة، المعروف بتاج الملوك شاذي، وفخر العرب عليّ بن ناصر الدّولة ابن حمدان، ورضيّ الدّولة بن رضيّ الدّولة، وأمير الأمراء بجتكين بن سبكتكين، وأمير العرب ابن كيغلغ، والأعزّ بن سنان، وعدّة من الأمراء أصحابهم البغداديين وغيرهم، وصاروا في الإيوان الصّغير؛ فوقفوا عند ديوان الشّام لكثرة عددهم وجماعتهم، وكان معهم أحد الفرّاشين المستخدمين برسم القصور المعمورة، فدخلوا إلى حيث كان الدّيوان النّظرى في الدّيوان المذكور، وصحبتهم فعلة، وانتهوا إلى حائط مجيّر، فأمروا الفعلة بكشف الجير عنه، فظهرت حنية باب مسدود فأمروا بهدمه، فتوصّلوا منه إلى خزانة ذكر أنّها عزيزيّة من أيّام العزيز باللّه؛ فوجد (¬c) فيها من السّلاح ما يروق النّاظر، ومن الرّماح العزيزيّة المطلية أسنّتها بالذّهب، ذات مهارك فضّة مجرّاة بسواد ممسوح وفضّة بياض ثقيلة الوزن عدّة رزم، أعوادها من الزّان الجيّد، ومن السّيوف المجوهرة النّصول، ومن النّشّاب الخلنج وغيره، ومن الدّرق اللّمط والحجف التبتي وغير ذلك، ومن الدّروع المكلّل سلاح بعضها، والمحلّى بعضها بالفضّة المركّبة عليه، ومن التّخافيف
стр. 1262
والجواشن (١) والكزاغندات (¬a) (٢) الملبّسة ديباجا، المكوكبة بكوابج (¬b) فضّة، وغير ذلك ممّا ذكر أنّ قيمته تزيد على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك إلى (¬c) بعد صلاة المغرب.
ولقد شاهدت بعض حواشيهم وركابياتهم يكسرون الرّماح، ويتلفون بذلك أعوادها الزّان ليأخذوا المهارك الفضّة، ومنهم من يجعل ذلك في سرواله (¬d) وعمامته وجيبه، ومنهم من يستوهب من صاحبه السّيف الثّمين.
وكان فيها من الرّماح الطّوال الخطيّة السّمر الجياد عدّة، حملوا منها ما قدروا عليه، وبقي منها ما كسره الرّكابية ومن يجري مجراهم، كانوا يبيعونه للمغازليين ولصنّاع المرادين حتى كثر هذا الصّنف بالقاهرة. ولم تعترضهم الدّولة، ولا التفتت إلى قدر ذلك ولا احتفلت به، وجعلته هو وغيره فداءا لأموال المسلمين وحفظا لما في منازلهم (٣).
ديوان المجلس
قال ابن الطّوير: ديوان المجلس هو أصل الدّواوين قديما، وفيه علوم الدّولة بأجمعها، وفيه عدّة كتّاب، ولكلّ واحد مجلس مفرد، وعنده معين أو معينان. وصاحب هذا الدّيوان هو المتحدّث في الإقطاعات، ويلحق بديوان النّظر (٤)، ويخلع عليه وينشأ له السّجلّ، وله المرتبة والمسند والدّواة والحاجب إلى غير ذلك (٥).
стр. 1263
قال: ذكر خدمهم الخاصّة المتّصلة بهم. فأوّلها «دفتر المجلس» وصاحبه من الأستاذين المحنّكين، ثم يتولاّه أجلّ كتّاب الدّولة ممّن يكون مترشّحا لرأس الدّواوين. ويتضمّن ذلك الدّفتر - وله مكان ديوان بالقصر - الباطن من الإنعام في العطايا، والظّاهر من الرّسوم المفرّقة (¬a) في غرّة السنة، والضّحايا، والمرتّب من الكسوات للأولاد والأقارب والجهات وأرباب الرّتب على اختلاف الطّبقات، وما يرد من ملوك الدّنيا من التّحف والهدايا، وما يرسل إليهم من الملاطفات، ومقادير الصّلات/ للمترسّلين بالمكاتبات، وما يخرج من الأكفان لمن يموت من أرباب الجهات المحترمات.
ثم يضبط ما ينفق في الدّولة من المهمّات ليعلم ما بين كلّ سنة من التّفاوت: فالغّرّة (¬b) المنعم بها في أوّل العام من الدّنانير والرّباعية والقراريط تقرب من ثلاثة آلاف دينار، وثمن الضّحايا يقرب من ألفي دينار، وما ينفق في دار الفطرة فيما يفرّق على النّاس سبعة آلاف دينار، وما ينفق في دار الطّراز للاستعمالات: الخاصّ وغيرها في كلّ سنة عشرة آلاف دينار، وما ينفق في مهمّ فتح الخليج غير المطاعم ألفا دينار، وما ينفق في شهر رمضان في سماطه ثلاثة آلاف دينار، وما ينفق في سماطي الفطر والنّحر أربعة آلاف دينار؛ هذا خارجا (¬c) عمّا يطلق للنّاس أصنافا من خزانته (¬d) من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات، وما تخرج به الخطوط من التّشريفات والمسامحات، وما يطلق من الأهراء من الغلاّت حتى لا يفوتهم علم شيء من هذه المطلقات.
وفي هذه الخدمة كاتب مستقلّ بين يدي صاحب ديوانه الأصل (¬e)، ومعه كاتبان آخران لتنزيل ذلك في الدّفتر. والدّفتر عبارة عن جرائد مسطوحات ينزّل ذلك فيها في أوقاته من غير فوات (١).
قال: وإذا انقضى عيد النّحر من كلّ سنة، تقدّم بعمل «الاستيمار» (٢) لتلك السنة تمام ذي الحجّة منها، فيجتمع كتّاب ديوان الرّواتب عند متولّيه، وتحمل العروض إليه. فإذا تحرّرت نسخة
стр. 1264
التّحرير بيّضت بعد أن يستدعى من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير خرج - وفي الإدرار ما هو مستقرّ بالوجهين - فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرّواتب وجهاتها، حتى لا يفوت الاستيمار (¬a) شيء من كلّ ما تقرّر شرحه، ويعلم مقداره عينا وورقا وغلّة وغير ذلك. فيحرّر ذلك كلّه بأسماء المرتزقين، وأوّلهم الوزير ومن يلوذ به، وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الضّوّ (¬b). فإذا تكمّل استدعي له من خزانة الفروش (¬c) وطاء حرير (١) لشدّه، وشرّابة لشكّه (¬d) إمّا خضراء أو حمراء، ويعمل له صدر من الكلام اللاّئق بما بعده.
وهذا كلّه خارج عن الكسوات المطلقة لأربابها، (¬e) ورسم الغرّة في أوّل (¬e) كلّ سنة، وما يحمل من دار الفطرة من الأصناف برسم عيد الفطر، وعمّا يشهد به دفتر المجلس من العطايا الخافية والرّسوم. وقد انعقد مرّة - وأنا أتولّى ديوان الرّواتب - على ما مبلغه نيّف ومائة ألف دينار أو قريب من مائتي ألف درهم (¬f)، ومن القمح والشّعير على عشرة آلاف أردبّ.
فإذا فرغ من شكّه (¬g) في الشّرّابة، حمل إلى صاحب ديوان النّظر إن كان، وإلاّ لصاحب ديوان المجلس ليعرضه على الخليفة إن كان - يعني مستبدّا - أو الوزير، لاستقبال المحرّم من السنة الآتية في أوقات معلومة، فيتأخّر في العرض، ريثما (¬h) يستوعب المحرّم ليحيط العلم بما فيه، فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان وقد شطب على بعضه.
وكانوا يتحرّجون من الإقامات على مال الدّولة التي لا أصل لها وعلى غير متوفّر، ويتنجّزها أربابها بالتّشقيلات (¬i) على الخلفاء والوزراء، وينقص قوم للاستكثار، ويزاد قوم للاستحقاق، ويصرف قوم ويستخدم آخرون، على ما تقتضيه الآراء في ذلك الوقت، ثم يخرج فيسلّم (¬j) لربّ هذا الدّيوان، فيحمل الأمر على ما شطب فيه (¬k)، وعلامة الإطلاق خروجه من العرض.
стр. 1265
وقيل: إنّه عمل مرّة في أيام المستنصر باللّه، فلمّا استؤذن على عرضه قال: هل وقّع أحد بما فيه غيرنا؟ قيل له: معاذ اللّه يا مولانا، ما تمّ إنعام إلاّ لك، ولا رزق إلاّ من اللّه على يديك.
فقال: ما ينقض ما خرج (¬a) به أمرنا ولا خطّنا وما صرفناه في دولتنا بإذننا.
وتقدّم إلى وليّ الدّولة ابن خيران (¬b) (١) كاتب الإنشاء بإمضائه للنّاس من غير عرض، وحمل الأمر على حكمه، ووقّع (¬c) الخليفة بظاهره:
«الفقر مرّ المذاق، والحاجة تذلّ الأعناق، وحراسة النّعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في الإطلاق، ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اَللّهِ باقٍ﴾ (¬d) (٢) [الآية ٩٦ سورة النحل].
ووقّع في خلافة الحافظ لدين اللّه على استيمار الرّواتب ما نصّه:
«أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات اللّه كثير الإعطاء، ولا يكدّره بالتأخير له والتّسويف والإبطاء. ولمّا انتهى إليه ما أرباب الرّواتب عليه من القلق للامتناع من إيجاباتهم، وحمل خروجاتهم: قد ضعفت قلوبهم، وقنطت نفوسهم، وساءت ظنونهم، شملهم برحمته ورأفته، وأمّنهم ممّا كانوا وجلين من مخافته، وجعل التّوقيع بذلك بخطّ يده تأكيدا للإنعام والمنّ، وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمنّ؛ فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمّنت هذه الأوراق ذكرهم، على ما ألفوه وعهدوه من