← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ذكر الدّيوان (¬a) وكانت دواوين الدّولة الفاطمية (١)، لمّا قدم المعزّ لدين اللّه إلى مصر ونزل بقصره في القاهرة، محلّها بدار الإمارة من جوار الجامع الطّولوني. فلمّا مات المعزّ، وقلّد العزيز باللّه الوزارة ليعقوب ابن كلّس، نقل الدّواوين إلى داره؛ فلمّا مات يعقوب نقلها العزيز بعد موته إلى القصر، فلم تزل به إلى أن استبدّ الأفضل ابن أمير الجيوش، وعمّر دار الملك بمصر، فنقل إليها الدّواوين، فلمّا قتل عادت من بعده إلى القصر، وما زالت هناك حتى زالت الدّولة. قال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: وحدّثني من أثق به قال: كنت بالقاهرة يوما من شهور سنة تسع وخمسين وأربع مائة، وقد استفحل أمر المارقين، وقويت شوكتهم، وامتدّت أيديهم إلى أخذ الذّخائر المصونة في قصر السّلطان بغير إذنه (¬b)؛ فرأيت وقد دخل من باب الدّيلم، أحد أبواب القصور المعمورة الزّاهرة، المعروف بتاج الملوك شاذي، وفخر العرب عليّ بن ناصر الدّولة ابن حمدان، ورضيّ الدّولة بن رضيّ الدّولة، وأمير الأمراء بجتكين بن سبكتكين، وأمير العرب ابن كيغلغ، والأعزّ بن سنان، وعدّة من الأمراء أصحابهم البغداديين وغيرهم، وصاروا في الإيوان الصّغير؛ فوقفوا عند ديوان الشّام لكثرة عددهم وجماعتهم، وكان معهم أحد الفرّاشين المستخدمين برسم القصور المعمورة، فدخلوا إلى حيث كان الدّيوان النّظرى في الدّيوان المذكور، وصحبتهم فعلة، وانتهوا إلى حائط مجيّر، فأمروا الفعلة بكشف الجير عنه، فظهرت حنية باب مسدود فأمروا بهدمه، فتوصّلوا منه إلى خزانة ذكر أنّها عزيزيّة من أيّام العزيز باللّه؛ فوجد (¬c) فيها من السّلاح ما يروق النّاظر، ومن الرّماح العزيزيّة المطلية أسنّتها بالذّهب، ذات مهارك فضّة مجرّاة بسواد ممسوح وفضّة بياض ثقيلة الوزن عدّة رزم، أعوادها من الزّان الجيّد، ومن السّيوف المجوهرة النّصول، ومن النّشّاب الخلنج وغيره، ومن الدّرق اللّمط والحجف التبتي وغير ذلك، ومن الدّروع المكلّل سلاح بعضها، والمحلّى بعضها بالفضّة المركّبة عليه، ومن التّخافيف

стр. 1262

والجواشن (١) والكزاغندات (¬a) (٢) الملبّسة ديباجا، المكوكبة بكوابج (¬b) فضّة، وغير ذلك ممّا ذكر أنّ قيمته تزيد على عشرين ألف دينار، فحملوا جميع ذلك إلى (¬c) بعد صلاة المغرب. ولقد شاهدت بعض حواشيهم وركابياتهم يكسرون الرّماح، ويتلفون بذلك أعوادها الزّان ليأخذوا المهارك الفضّة، ومنهم من يجعل ذلك في سرواله (¬d) وعمامته وجيبه، ومنهم من يستوهب من صاحبه السّيف الثّمين. وكان فيها من الرّماح الطّوال الخطيّة السّمر الجياد عدّة، حملوا منها ما قدروا عليه، وبقي منها ما كسره الرّكابية ومن يجري مجراهم، كانوا يبيعونه للمغازليين ولصنّاع المرادين حتى كثر هذا الصّنف بالقاهرة. ولم تعترضهم الدّولة، ولا التفتت إلى قدر ذلك ولا احتفلت به، وجعلته هو وغيره فداءا لأموال المسلمين وحفظا لما في منازلهم (٣). ديوان المجلس قال ابن الطّوير: ديوان المجلس هو أصل الدّواوين قديما، وفيه علوم الدّولة بأجمعها، وفيه عدّة كتّاب، ولكلّ واحد مجلس مفرد، وعنده معين أو معينان. وصاحب هذا الدّيوان هو المتحدّث في الإقطاعات، ويلحق بديوان النّظر (٤)، ويخلع عليه وينشأ له السّجلّ، وله المرتبة والمسند والدّواة والحاجب إلى غير ذلك (٥).

стр. 1263

قال: ذكر خدمهم الخاصّة المتّصلة بهم. فأوّلها «دفتر المجلس» وصاحبه من الأستاذين المحنّكين، ثم يتولاّه أجلّ كتّاب الدّولة ممّن يكون مترشّحا لرأس الدّواوين. ويتضمّن ذلك الدّفتر - وله مكان ديوان بالقصر - الباطن من الإنعام في العطايا، والظّاهر من الرّسوم المفرّقة (¬a) في غرّة السنة، والضّحايا، والمرتّب من الكسوات للأولاد والأقارب والجهات وأرباب الرّتب على اختلاف الطّبقات، وما يرد من ملوك الدّنيا من التّحف والهدايا، وما يرسل إليهم من الملاطفات، ومقادير الصّلات/ للمترسّلين بالمكاتبات، وما يخرج من الأكفان لمن يموت من أرباب الجهات المحترمات. ثم يضبط ما ينفق في الدّولة من المهمّات ليعلم ما بين كلّ سنة من التّفاوت: فالغّرّة (¬b) المنعم بها في أوّل العام من الدّنانير والرّباعية والقراريط تقرب من ثلاثة آلاف دينار، وثمن الضّحايا يقرب من ألفي دينار، وما ينفق في دار الفطرة فيما يفرّق على النّاس سبعة آلاف دينار، وما ينفق في دار الطّراز للاستعمالات: الخاصّ وغيرها في كلّ سنة عشرة آلاف دينار، وما ينفق في مهمّ فتح الخليج غير المطاعم ألفا دينار، وما ينفق في شهر رمضان في سماطه ثلاثة آلاف دينار، وما ينفق في سماطي الفطر والنّحر أربعة آلاف دينار؛ هذا خارجا (¬c) عمّا يطلق للنّاس أصنافا من خزانته (¬d) من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات، وما تخرج به الخطوط من التّشريفات والمسامحات، وما يطلق من الأهراء من الغلاّت حتى لا يفوتهم علم شيء من هذه المطلقات. وفي هذه الخدمة كاتب مستقلّ بين يدي صاحب ديوانه الأصل (¬e)، ومعه كاتبان آخران لتنزيل ذلك في الدّفتر. والدّفتر عبارة عن جرائد مسطوحات ينزّل ذلك فيها في أوقاته من غير فوات (١). قال: وإذا انقضى عيد النّحر من كلّ سنة، تقدّم بعمل «الاستيمار» (٢) لتلك السنة تمام ذي الحجّة منها، فيجتمع كتّاب ديوان الرّواتب عند متولّيه، وتحمل العروض إليه. فإذا تحرّرت نسخة

стр. 1264

التّحرير بيّضت بعد أن يستدعى من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير خرج - وفي الإدرار ما هو مستقرّ بالوجهين - فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرّواتب وجهاتها، حتى لا يفوت الاستيمار (¬a) شيء من كلّ ما تقرّر شرحه، ويعلم مقداره عينا وورقا وغلّة وغير ذلك. فيحرّر ذلك كلّه بأسماء المرتزقين، وأوّلهم الوزير ومن يلوذ به، وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الضّوّ (¬b). فإذا تكمّل استدعي له من خزانة الفروش (¬c) وطاء حرير (١) لشدّه، وشرّابة لشكّه (¬d) إمّا خضراء أو حمراء، ويعمل له صدر من الكلام اللاّئق بما بعده. وهذا كلّه خارج عن الكسوات المطلقة لأربابها، (¬e) ورسم الغرّة في أوّل (¬e) كلّ سنة، وما يحمل من دار الفطرة من الأصناف برسم عيد الفطر، وعمّا يشهد به دفتر المجلس من العطايا الخافية والرّسوم. وقد انعقد مرّة - وأنا أتولّى ديوان الرّواتب - على ما مبلغه نيّف ومائة ألف دينار أو قريب من مائتي ألف درهم (¬f)، ومن القمح والشّعير على عشرة آلاف أردبّ. فإذا فرغ من شكّه (¬g) في الشّرّابة، حمل إلى صاحب ديوان النّظر إن كان، وإلاّ لصاحب ديوان المجلس ليعرضه على الخليفة إن كان - يعني مستبدّا - أو الوزير، لاستقبال المحرّم من السنة الآتية في أوقات معلومة، فيتأخّر في العرض، ريثما (¬h) يستوعب المحرّم ليحيط العلم بما فيه، فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان وقد شطب على بعضه. وكانوا يتحرّجون من الإقامات على مال الدّولة التي لا أصل لها وعلى غير متوفّر، ويتنجّزها أربابها بالتّشقيلات (¬i) على الخلفاء والوزراء، وينقص قوم للاستكثار، ويزاد قوم للاستحقاق، ويصرف قوم ويستخدم آخرون، على ما تقتضيه الآراء في ذلك الوقت، ثم يخرج فيسلّم (¬j) لربّ هذا الدّيوان، فيحمل الأمر على ما شطب فيه (¬k)، وعلامة الإطلاق خروجه من العرض.

стр. 1265

وقيل: إنّه عمل مرّة في أيام المستنصر باللّه، فلمّا استؤذن على عرضه قال: هل وقّع أحد بما فيه غيرنا؟ قيل له: معاذ اللّه يا مولانا، ما تمّ إنعام إلاّ لك، ولا رزق إلاّ من اللّه على يديك. فقال: ما ينقض ما خرج (¬a) به أمرنا ولا خطّنا وما صرفناه في دولتنا بإذننا. وتقدّم إلى وليّ الدّولة ابن خيران (¬b) (١) كاتب الإنشاء بإمضائه للنّاس من غير عرض، وحمل الأمر على حكمه، ووقّع (¬c) الخليفة بظاهره: «الفقر مرّ المذاق، والحاجة تذلّ الأعناق، وحراسة النّعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في الإطلاق، ﴿ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اَللّهِ باقٍ﴾ (¬d) (٢) [الآية ٩٦ سورة النحل]. ووقّع في خلافة الحافظ لدين اللّه على استيمار الرّواتب ما نصّه: «أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات اللّه كثير الإعطاء، ولا يكدّره بالتأخير له والتّسويف والإبطاء. ولمّا انتهى إليه ما أرباب الرّواتب عليه من القلق للامتناع من إيجاباتهم، وحمل خروجاتهم: قد ضعفت قلوبهم، وقنطت نفوسهم، وساءت ظنونهم، شملهم برحمته ورأفته، وأمّنهم ممّا كانوا وجلين من مخافته، وجعل التّوقيع بذلك بخطّ يده تأكيدا للإنعام والمنّ، وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمنّ؛ فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمّنت هذه الأوراق ذكرهم، على ما ألفوه وعهدوه من

стр. 1266

رواتبهم، وإيجابها على سياقها لكافّتهم (¬a)، من غير تأوّل ولا تعنّت، ولا استدراك ولا تعقّب. وليجروا في تسبيباتهم على عادتهم، لا ينقض من أمرهم ما كان مبرما، ولا ينسخ من رسمهم ما كان محكما، كرما من أمير المؤمنين وفعلا مبرورا، وعملا بما أخبر به في قوله تعالى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الآية ٩ سورة الإنسان]. ولينسخ في جميع الدّواوين بالحضرة إن شاء اللّه (١)». وقال في كتاب «كنز الدّرر»: إنّ في سنة ستّ وأربع مائة، عرض على الحاكم بأمر اللّه الاستيمار باسم المتفقّهين والقرّاء والمؤذّنين بالقاهرة/ ومصر، وكانت الجملة في كلّ سنة أحدا وسبعين ألف دينار وسبع مائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثي دينار وربع دينار. فأمضى جميع ذلك (٢). وقال ابن المأمون: وأمّا الاستيمار فبلغني ممّن أثق به أنّه كان في الأيام الأفضليّة اثني عشر ألف دينار، وصار في الأيام المأمونيّة لاستقبال سنة ستّ عشرة وخمس مائة ستّة عشر ألف دينار. وأمّا «تذكرة الطّراز» فالحكم فيها مثل الاستيمار. والشائع فيها أنّها كانت تشتمل في الأيام الأفضليّة على أحد وثلاثين ألف دينار، ثم اشتملت في الأيام المأمونية على ثلاثة وأربعين ألف دينار، وتضاعفت في الأيام الآمريّة (٣). وعرض «روزنامج» (٤) بما أنفق عينا من بيت المال - في مدّة أوّلها محرّم سنة سبع عشرة وخمس مائة، وآخرها سلخ ذي الحجّة منها - في العساكر المسيّرة لجهاد الفرنج برّا والأساطيل بحرا، والمنفق في أرباب النّفقات من الحجريّة والمصطنعيّة والسّودان على اختلاف قبوضهم، وما ينصرف برسم جراية (¬b) القصور الزّاهرة، وما يبتاع من الحيوان برسم المطابخ، وما هو برسم منديل الكمّ الشّريف في كلّ سنة مائة دينار، والمطلق في الأعياد والمواسم، وما ينعم به عند الرّكوبات

стр. 1267

من الرّسوم والصّدقات وعند العود منها، وثمن الأمتعة المبتاعة من التّجّار على أيدي الوكلاء، والمطلق برسم الرّسل والضّيوف ومن يصل مستأمنا ودار الطّراز ودار الدّيباج (١)، والمطلق برسم الصّلات والصّدقات ومن يهتدي للإسلام، وما ينعم به على الولاة عند استخدامهم في الخدم، ونفقات بيت المال والعمائر وهو من العين: أربع مائة ألف وثمانية وستون ألفا وسبع مائة وسبعة وتسعون دينارا ونصف، من جملة خمس مائة ألف وسبعة وستين ألفا ومائة و (¬a) أربعة وتسعين (¬a) دينارا ونصف. يكون الحاصل بعد ذلك، ممّا يحمل إلى الصّناديق الخاصّ برسم المهمّات لما يتجدّد من تسفير العساكر، وما يحمل إلى الثّغور عند نفاد ما بها: ثمانية وتسعين ألفا ومائة وسبعة وتسعين دينارا وربعا وسدسا. ولم يكن يكتب من بيت المال وصول بجري (¬b) ولا تعرف. وذلك خارج عمّا يحمل مشاهرة برسم الدّيوان المأموني والأجلاّء إخوته وأولاده، وما أنعم به على ما تضمّنت اسمه مشاهرة من الأصحاب والحواشي وأرباب الخدم، والكتّاب والأطبّاء والشّعراء، والفرّاشين الخاصّ والجوق والمؤذّنين (¬c)، والخيّاطين والرّفّائين وصبيان بيت المال ونوّاب الباب ونقباء الرّسائل، وأرباب الرّواتب المستقرة من ذوي النّسب والبيوتات، والضّعفاء، والصّعاليك من الرّجال والنّساء، عن مشاهرتهم: ستة عشر ألفا وستّ مائة واثنان وثمانون دينارا وثلثا دينار، يكون في السّنة مائتي ألف ومائة دينار. فذلك (¬d) الجملة سبع مائة ألف وسبعة وستين ألفا ومائتين وأربعة وتسعين دينارا ونصفا (٢). قال: وفي هذا الوقت - يعني شوّال سنة سبع عشرة وخمس مائة - وقعت مرافعة في أبي البركات بن أبي اللّيث (٣)، متولّي ديوان المجلس، صورتها: «المملوك يقبّل الأرض، وينهي أنّه ما واصل إنهاء حال هذا الرجل وما يعتمده لأنّه أهل ينال خدمة، وإنّما هي نصيحة تلزمه في حقّ سلطانه، وقد

стр. 1268

حصل له من الأموال والذّخائر ما لا عدد له ولا قيمة عليه، ويضرب المملوك عن وجوه الخيانة (¬a) التي هي ظاهرة، لأنّ السّلطان لا يرضى بذكرها في عالي مجلسه، ولا سماعها في دولته، وله ولأهله مستخدمون في الدّولة ستّ عشرة سنة، بالجاري الثّقيل لكلّ منهم. ويذكر المملوك ما وصلت قدرته إلى علمه، ما هو باسمه خاصّة دون من هو مستخدم في الدّواوين من أهله وأصحابه، ويبدأ بما برسمه (¬b) مياومة إدرارا من بيت المال والخزائن ودار التّعبئة والمطابخ وشون الحطب - وهو ما يبيّن: برسم البقولات والتّوابل - نصف دينار، ومن الضّأن رأس واحد، ومن الحيوان ثلاثة أطيار، ومن الحطب حملة واحدة، ومن الدّقيق خمسة وعشرون رطلا، ومن الخبز عشرون وظيفة، ومن الفاكهة ثمرة وزهرة (¬c) قصريتان وشمّامة. وفي كلّ اثنين وخميس من السّماط بقاعة الذّهب: طيفور خاصّ (١)، وصحن من الأوائل، وخمسة وعشرون رغيفا من الخبز الموائدي والسّميذ. وفي كلّ يومي أحد وأربعاء من الأسمطة بالدار المأمونية مثل ذلك. وفي كلّ يوم سبت وثلاثاء من أسمطة الرّكوبات: خروف شواء (¬d)، وجام (٢) حلوى، ورباعي عينا. ويحضر إليه في كلّ يوم من الإسطبلات: بغلة بمركوب محلّى، وبغلة برسم الراجل، وفرّاشين من الجوق برسم خدمته وتبيت على بابه. وإذا خرج من بين يدي السّلطان في اللّيل، كان له شمعة من الموكبيات توصّله إلى داره وزنها سبعة عشر رطلا، ولا تعود. وبرسم ولده في كلّ يوم: ثلاثة أرطال لحم، وعشرة أرطال دقيق، وفي أيام الرّكوبات رباعي.

стр. 1269

والمشاهرة جاري ديوان الخاصّ والمجلس برسمه مائة وعشرون دينارا، وبرسم ولده راتبا؛ عشرة دنانير. وأثبت أربعة غلمان نصارى، ونسبهم للإسلام، في جملة المستخدمين في الرّكاب، ولم يخدموا لا في اللّيل ولا في النّهار، بما مبلغه سبعة دنانير. ومن السّكّر خمسة عشر رطلا، ومن عسل النّحل عشرة أرطال، ومن قلب الفستق ثلاثة/ أرطال، وقلب بندق خمسة أرطال، وقلب لوز أربعة أرطال، ورد مربّى رطلان، زيت طيّب عشرة أرطال، شيرج خمسة أرطال، زيت حار ثلاثون رطلا، خلّ ثلاث جرار، أرز نصف ويبة، سمّاق أربعة أرطال، حصرم وكشك وحبّ رمّان وقراصيا بالسّويّة اثنا عشر رطلا، سدر وأشنان ويبة، ومن الكيزان عشرون شربة عزيزية، وثلجية واحدة، ومن الشّمع ستّ شمعات: منهم اثنتان منويات، وأربعة رطليات. والمسانهة في بكور الغرّة: برسم خاصّة (¬a) خمسة دنانير، وخمس رباعية، وعشرة قراريط جدد. وبرسم ولده دينار رباعي، وثلاثة قراريط، وخروف مقموم، وخمسة أرؤس، وربع قنطار خبز برّ مازق، وصحن أرز بلبن وسكّر. ومن السّماط بالقصر في اليوم المذكور: خروف شواء، وزبادي، وجام حلوى، والخبز وقطعة منفوخ، ومن القمح ثلاث مائة أردبّ، ومن الشّعير مائة وخمسون أردبّا، وفي المواليد الأربعة أربع صواني فطرة. وكسوة الشّتاء: برسمه خاصّة منديل حريري، وشقّة دبيقي حرير، وشقّة ديباج، ورداء أطلس، وشقّة ديباج داري، وشقّتان سقلاطون إحداهما إسكندراني، وشقّتان عتّابي، وشقّتان خزّ مغربي، وشقّتان إسكندراني، وشقّتان دمياطي، وشقّة طلي مريّش (¬b) وفوطة خاصّ. وبرسم ولده شقّة سقلاطون داري، وشقّة عتّابي داري، وشقّة خزّ مغربي، وشقّتان دمياطيّ، وشقّتان إسكندراني وشقّة طلي وفوطة. وبرسم من عنده منديلا

стр. 1270

كمّ أحدهما خزائني خاصّ، ونصفيّ أردية دبيقي، وشقّة سقلاطون داري، وشقّة عتّابي، وشقّة سوسي، وشقّة دمياطي، وشقّتان إسكندراني وفوطة. وبرسمه أيضا في عيد الفطر: طيفوران فطرة مشورة، ومائة حبّة بوري، وبدلة مذهّبة مكمّلة، ولولده بدلة حرير، وبرسم من عنده حلّة مذهبة. وفي عيد النّحر رسمه مثل عيد الفطر، ويزيد عنه هبة مائة دينار. ولولده مثل عيد الفطر وزيادة عشرة دنانير، ويساق إليه من الغنم ما لم يكن باسمه. وفي موسم فتح الخليج: أربعون دينارا، وصينية فطرة، وطيفور خاصّ من القصر، وخروف شواء، وجام حلواء، وبرسم ولده: خمسة دنانير. ولخاصّه في النّوروز: ثلاثون دينارا، وشقّة دبيقي حريري، وشقّة لاذ، ومعجر حريري، ومنديل كمّ حريري، وفوطة، ومائة بطّيخة، وسبع مائة حبّة رمّان، وأربعة عناقيد موز، وفرد بسر، وثلاثة أقفاص تمر قوصي، وقفصان سفرجل، وثلاث بكالى هريسة: واحدة بدجاج وأخرى بلحم ضأن، والثالثة بلحم بقري، وأربعون رطلا خبز برّ مازق. ولولده خمسة دنانير، وحوائج النّوروز بما تقدّم ذكره. وبرسمه في الميلاد: جام قاهرية، ومترد سميذ معتصمي، وزلابية، وستّ قرّابات جلاّب، وعشر حبّات بوري. وبرسم الغطاس: خمس مائة حبّة ترنج ونارنج وليمون مراكبي، وخمسة عشر طن قصب، وعشر حبّات بوري. وبرسمه في عيد الغدير من السّماط بالقصر مثل عيد النّحر. وله هبة عن رسم الخلع من المجلس المأموني - يعني مجلس الوزارة - ثلاثون دينارا، ولولده خمسة دنانير. ومن تكون هذه رسومه، في أي وجه تنصرف أمواله؟ والذي باسم أخيه نظير ذلك، وكذلك صهره في ديوان الوزارة، وابن أخيه في الدّيوان التّاجي ووجوه الأموال من كلّ جهة واصلة إليهم، والأمانة مصروفة عنهم.

стр. 1271

وقد اختصر المملوك فيما ذكره، والذي باسمه أكثر. وإذا أمر بكشف ذلك من الدّواوين، تبينّ صحّة قول المملوك، وعلم أنّه ممّن يتجنّب قول المحال ولا يرضاه لنفسه، سيّما إن رفعه إلى المقام الكريم». وشفع ذلك بكثرة القول فيهم، وعرض بالقبض عليهم، وأوجب على نفسه أنّه يثبت في جهاتهم من الأموال التي تخرج عن هذا الإنعام، ما يجده حاضرا مدخورا عند من يعرفه مائة ألف دينار. فلم يسمع كلامه إلى أن ظهر الرّاهب في الأيام الآمرية، فوجد هو وغيره الفرصة فيهم، وكثّروا الرفايع (¬a) عليهم، فقبض عليهم عن آخرهم ومن يعرفهم، وأخذ منهم الجملة الكبيرة، ثم بعد ذلك عادوا إلى خدمهم بما كان من أسمائهم، وتجدّد من جاههم، وانتقامهم من أعدائهم أكثر ممّا كان أوّلا. انتهى (١). فانظر - أعزّك اللّه - إلى سعة أحوال الدّولة من معلوم رجل واحد من كتّاب دواوينها، يتبيّن لك - بما تقدّم ذكره في هذه المرافعة - من عظم الشأن وكثرة العطاء، ما يكون دليلا على باقي أحوال الدّولة. ديوان النّظر قال ابن الطّوير: أمّا دواوين الأموال فإنّ أجلّها من يتولّى النّظر عليهم، وله العزل والولاية، ومن يده عرض الأوراق في أوقات معروفة على الخليفة أو الوزير (٢)، ولم ير فيه نصرانيّ إلاّ الأخرم (٣)، ولم يتوصّل إليه إلاّ بالضّمان. وله الاعتقال بكلّ مكان يتعلّق بنوّاب الدّولة، وله

стр. 1272

الجلوس بالمرتبة والمسند، وبين يديه حاجب من أمراء الدّولة، وتخرج له الدّواة بغير كرسي. وهو يندب المترسّلين لطلب الحساب، والحثّ على طلب الأموال، ومطالبة أرباب البدول (¬a)، ولا يعترض/ فيما يقصده من أحد من الدّولة (١). ديوان التّحقيق ديوان مقتضاه المقابلة على الدّواوين، وكان لا يتولاّه إلاّ كاتب خبير، وله الخلع والمرتبة والحاجب، ويلحق برأس الدّيوان - يعني متولّي ديوان النّظر - ويفتقر إليه في أكثر الأوقات (٢). وقال ابن المأمون: وفي هذه السّنة - يعني سنة إحدى وخمس مائة - فتح (¬b) ديوان سمّي ديوان التّحقيق، تولاّه ابن أبي اللّيث النّصراني وأضيف إليه (¬b) ديوان المجلس. قال: ولمّا كثرت الأموال عند ابن أبي اللّيث صاحب الدّيوان، رغب في التّبجّح على الأفضل ابن أمير الجيوش بنهضته، فسأل (¬c) أن يشاهده قبل حمله، وذكر أنّه سبع مائة ألف دينار خارجا عن نفقات الرجال. فجعلت الدّنانير في صناديق بجانب، والدّراهم في صناديق بجانب، وقام ابن أبي اللّيث بين الصّفين. فلمّا شاهد الأفضل ابن أمير الجيوش ذلك، قال لابن أبي اللّيث:

стр. 1273

«يا شيخ، تفرّحني بالمال! وتربة أمير الجيوش إن بلغني أنّ بئرا معطّلة، أو أرضا بائرة، أو بلدا خرابا، لأضربنّ عنقك». فقال: «وحقّ نعمتك لقد حاشا اللّه أيّامك أن يكون فيها بلد خراب، أو بئر معطّلة، أو أرض بور»، فأبى أن (¬a) يخلع عليه حتى (¬a) يكشف عمّا ذكر (١). انتهى. وقتل ابن أبي اللّيث في سنة ثمان عشرة وخمس مائة (٢). ديوان (¬b) الجيوش والرّواتب قال ابن الطّوير: أمّا الخدمة في ديوان الجيوش فتنقسم قسمين: الأوّل «ديوان الجيش»، وفيه مستوف أصيل، ولا يكون إلاّ مسلما، وله ميزة (¬c) على غيره لجلوسه بين يدي الخليفة داخل عتبة باب المجلس، وله الطّرّاحة والمسند، وبين يديه الحاجب، وترد عليه أمور الأجناد، وله العرض والحلى والشّيّات (¬d). ولهذا الدّيوان خازنان برسم دفع (¬e) الشّواهد. وإذا عرض أحد الأجناد، ورضي به عرض دوابّه، فلا يثبت له إلاّ الفرس الجيّد من ذكور الخيل وإناثها، ولا ينزل (¬f) لأحد منهم برذون ولا بغل وإن كان عندهم البراذين والبغال، وليس لهم تغيير أحد من الأجناد إلاّ بمرسوم، وكذلك إقطاعهم. ويكون بين يدي هذا المستوفي نقباء الأمراء ينهون إليه متجدّدات الأجناد من الحياة والموت والمرض والصّحّة، وكان قد فسح للأجناد في مقايضة بعضهم بعضا في الإقطاع بالتّوقيعات بغير علامة، بل بتخريج صاحب ديوان المجلس. ومن هذا الدّيوان تعمل أوراق أرباب الجرايات، وما كان لأمير - وإن علا قدره - بلد مقوّر (٣) إلاّ نادرا (٤).

стр. 1274

وأمّا القسم الثاني من هذا الدّيوان فهو «ديوان الرّواتب»، ويشتمل على أسماء كلّ مرتزق في الدولة (¬a) وجار وجاريه، وفيه كاتب أصيل بطرّاحة، وفيه من المعينين والمبيّضين نحو عشرة أنفس. والتّعريفات واردة عليه من كلّ عمل باستمرار من هو مستمر، ومباشرة من استجدّ، وموت من مات، ليوجب استحقاقه على النّظام المستقيم. وفي هذا الدّيوان عدّة عروض: العرض الأوّل - يشتمل على راتب الوزير وهو في الشهر خمسة آلاف دينار، ومن يليه من ولد وأخ من ثلاث مائة دينار إلى مائتي دينار، ولم يقرّر لولد وزير خمس مائة دينار سوى شجاع بن شاور المنعوت بالكامل، ثم حواشيهم على مقتضى عدّتهم من خمس مائة إلى أربع مائة إلى ثلاث مائة خارجا عن الإقطاعات. العرض الثّاني - حواشي الخليفة وأوّلهم الأستاذون المحنّكون على رتبهم وجواري خدمهم التي لا يباشرها سواهم. فزمام القصر، وصاحب بيت المال، وحامل الرّسالة، وصاحب الدّفتر، وشادّ التاج، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب المجلس: لكلّ واحد منهم مائة دينار في كلّ شهر. ومن دونهم ينقص عشرة دنانير، حتى يكون آخرهم من له في كلّ شهر عشرة دنانير، وتزيد عدّتهم على ألف نفس. ولطبيبي الخاصّ، لكلّ واحد خمسون دينارا، ولمن دونهما من الأطباء برسم المقيمين بالقصر لكلّ واحد عشرة دنانير. العرض الثالث - يتضمّن أرباب الرّتب بحضرة الخليفة: فأوّله كاتب الدّست الشّريف وجاريه مائة وخمسون دينارا، ولكلّ واحد من كتّابه ثلاثون دينارا، (¬b) ثم من يتولّى مجالسة الخليفة والتّوقيع بالقلم الدقيق في المظالم وجاريه مائة دينار (¬b)، ثم صاحب الباب وجاريه مائة وعشرون دينارا، ثم حامل السّيف وحامل الرّمح لكلّ منهما سبعون دينارا، وبقية الأزمّة على العساكر والسّودان من خمسين إلى أربعين دينارا إلى ثلاثين دينارا. العرض الرابع - يشتمل على المستقرّ لقاضي القضاة ومن يلي قاضي القضاة مائة دينار، وداعي الدّعاة مائة دينار، ولكلّ من قرّاء الحضرة عشرون دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة، ولخطباء الجوامع من عشرين دينارا إلى عشرة، وللشّعراء من عشرين دينارا إلى عشرة دنانير. العرض الخامس - يشتمل على أرباب الدّواوين ومن يجري مجراهم، وأوّلهم من يتولّى ديوان النّظر وجاريه سبعون دينارا، وديوان التّحقيق جاريه خمسون دينارا، وديوان المجلس أربعون/

стр. 1275

دينارا، وصاحب دفتر المجلس خمسة وثلاثون دينارا، وكاتبه خمسة دنانير، وديوان الجيوش وجاريه أربعون دينارا، والموقّع بالقلم الجليل ثلاثون دينارا، ولجميع أصحاب الدّواوين الجاري فيها المعاملات لكلّ واحد عشرون دينارا، ولكلّ معين من عشرة دنانير إلى سبعة إلى خمسة دنانير. العرض السّادس - يشتمل على المستخدمين بالقاهرة ومصر، لكلّ واحد من المستخدمين في ولاية القاهرة وولاية مصر في الشهر خمسون دينارا والحماة بالأهراء، والمناخات، والجوالي، والبساتين، والأملاك وغيرها، لكلّ منهم من عشرين دينارا إلى خمسة عشر إلى عشرة إلى خمسة دنانير. العرض السّابع - الفرّاشون بالقصور برسم خدمتها وتنظيفها خارجا وداخلا، ونصب السّتائر المحتاج إليها، وخدمة المناظر الخارجة عن القصر. فمنهم خاصّ برسم خدمة الخليفة وعدّتهم خمسة عشر رجلا، منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ ولهم (¬a) من ثلاثين دينارا إلى ما حولها، ولهم رسوم متميّزة، ويقرّبون من الخليفة في الأسمطة التي يجلس عليها. ويليهم الرّشّاشون داخل القصر وخارجه ولهم عرفاء، ويتولّى أمرهم استاذ من خواصّ الخليفة، وعدّتهم نحو الثلاث مائة رجل، وجاريهم من عشرة دنانير إلى خمسة دنانير. العرض الثّامن - صبيان الرّكاب وعدّتهم تزيد على ألفي رجل، ومقدّموهم أصحاب ركاب الخليفة وعدّتهم اثنا عشر مقدّما، منهم مقدّم المقدّمين وهو صاحب الرّكاب اليمين، ولكلّ من هؤلاء المقدّمين في كلّ شهر خمسون دينارا، ولهم نقباء من جهة المذكورين يعرفونهم، وهم مقرّرون جوقا على قدر جواريهم: جوقة لكلّ منهم خمسة عشر دينارا، وجوقة لكلّ منهم عشرة دنانير، وجوقة لكلّ منهم خمسة دنانير. ومنهم من ينتدب في الخدم السّلطانية، ويكون لهم نصيب في الأعمال التي يدخلونها، وهم الذين يحملون المخلّقات (¬b) لركوب الخليفة في المواسم وغيرها (١). وأوّل من قرّر العطاء لغلمانه وخدمه، وأولادهم الذكور والإناث ولنسائهم، وقرّر لهم أيضا الكسوة العزيز باللّه بن المعزّ.

стр. 1276

ديوان الإنشاء والمكاتبات وكان لا يتولاّه إلاّ أجلّ كتّاب البلاغة، ويخاطب بالشّيخ الأجلّ، ويقال له: «كاتب الدّست الشّريف»، وإليه (¬a) تسلّم المكاتبات الواردة مختومة، فيعرضها على الخليفة من يده، وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها للكتّاب، والخليفة يستشيره في أكثر أموره، ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه، وهذا أمر لا يصل إليه غيره، وربّما بات عند الخليفة ليالي. وكان جاريه مائة وعشرين دينارا في الشهر. وهو أوّل أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرّسوم والملاطفات، ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر، ولا يجتمع بكتّابه أحد إلاّ الخواصّ، وله حاجب من الأمراء الشّيوخ وفرّاشون، وله المرتبة الهائلة والمخاد والمسند، والدّواة لكنّها بغير كرسي. وهي من أخصّ الدّوى، ويحملها أستاذ من أستاذي الخليفة (١). التّوقيع بالقلم الدّقيق في المظالم وكان لا بدّ للخليفة من جليس يذاكره ما يحتاج إليه من كتاب اللّه، وتجويد الخطّ وأخبار الأنبياء والخلفاء. فهو يجتمع به في أكثر الأيّام ومعه أستاذ من المحنّكين مؤهّل لذلك فيكون الأستاذ ثالثهما، ويقرأ على الخليفة ملخّص السّير، ويكرّر عليه ذكر مكارم الأخلاق، وله بذلك رتبة عظيمة تلحق برتبة كاتب الدّست. ويكون صحبته للجلوس دواة محلاّة، فإذا فرغ من المجالسة ألقي في الدّواة كاغدة فيها (¬b) عشرة دنانير، وقرطاس فيه ثلاثة مثاقيل ندّ مثلّث خاصّ ليتبخّر به عند دخوله على الخليفة ثاني دفعة (¬c).

стр. 1277

وله منصب التّوقيع بالقلم الدّقيق، وله طرّاحة ومسند وفرّاش يقدّم إليه ما يوقّع عليه، وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلاّ بإذن، وهو يلي صاحب ديوان المكاتبات في الرّسوم، والكساوي وغيرها (١). التّوقيع بالقلم الجليل وهي رتبة جليلة، ويقال لها: «الخدمة الصّغرى»، ولها الطّرّاحة والمسند بغير حاجب، بل الفرّاش لترتيب ما يوقّع عليه (¬a) (٢). مجلس النّظر في المظالم كانت الدّولة إذا خلت من وزير صاحب سيف، جلس صاحب الباب في باب الذّهب بالقصر وبين يديه النّقباء/ والحجّاب، فينادي المنادي بين يديه: يا أرباب الظّلامات فيحضرون: فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة والقضاة رسالة بكشفها. ومن تظلّم ممّن ليس من أهل البلدين أحضر قصّة بأمره، فيتسلّمها الحاجب منه. فإذا جمعها أحضرها إلى الموقّع بالقلم الدّقيق فيوقّع عليها، ثم تحمل إلى الموقّع بالقلم الجليل، فيبسط ما أشار إليه الموقّع الأوّل، ثم تحمل في خريطة إلى الخليفة، فيوقّع عليها، ثم تخرج في الخريطة إلى الحاجب، فيقف على باب القصر ويسلّم كلّ توقيع لصاحبه. فإن كان وزيره صاحب سيف، جلس للمظالم بنفسه، وقبالته قاضي القضاة ومن جانبيه شاهدان معتبران، ومن جانب الوزير الموقّع بالقلم الدّقيق، ويليه صاحب ديوان المال، وبين يديه صاحب الباب وإسفهسلار العساكر، وبين أيديهما النّوّاب والحجّاب على طبقاتهم. ويكون الجلوس بالقصر في مجلس المظالم في يومين من الأسبوع. وكان الخليفة إذا رفعت إليه القصّة وقّع عليها: «يعتمد ذلك إن شاء اللّه». ويوقّع في الجانب الأيمن منها: «يوقّع بذلك»، فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس، فيوقّع عليها جليلا، ويخلّي

стр. 1278

مكان «العلامة» (١)، فيعلّم عليها الخليفة وتثبت. وكانت علامتهم أبدا: «الحمد للّه ربّ العالمين». وكان الخليفة يوقّع في المسامحة (٢) والتّسويغ (٣) والتّحبيس (٤): «قد أنعمنا بذلك، أو قد أمضينا

стр. 1279

ذلك». وكان إذا أراد أن يعلّم ذلك الشيء الذي أنهي وقّع: «ليخرج الحال في ذلك». فإذا أحضر إليه إخراج الحال، علّم عليه. فإن كان حينئذ وزير، وقّع الخليفة بخطّه: «وزيرنا السّيّد الأجلّ - وذكر نعته المعروف به - أمتعنا اللّه ببقائه، يتقدّم بنجاز ذلك إن شاء اللّه تعالى»، فيكتب الوزير تحت خطّ الخليفة: «يمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، ويثبت في الدّواوين» (١). رتب الأمراء وكان أجلّ خدم الأمراء أرباب السّيوف، خدمة الباب، ويقال لمتولّي هذه الخدمة: «صاحب الباب» (٢)، وينعت أبدا بالمعظّم. وأوّل من خدم بها المعظّم خمرتاش (٣) في أيّام الخليفة الحافظ، وكان من العقلاء، وناب عن الحافظ في مرضه، فلمّا عوفي أراده على الوزارة فامتنع. وله نائب يقال له: «النّائب»، وتسمّى الخدمة فيها ب «النّيابة الشّريفة»، ومقتضاها أنّها مميّزة، ولا يليها إلاّ أعيان العدول وأرباب العمائم، وينعت أبدا ب «عديّ الملك». وهو الذي يتلقّى الرّسل الواصلة من الدّول، ومعه نوّاب الباب في خدمته، ويحفظهم وينزلهم بالأماكن المعدّة لهم، ويقدّمهم للسّلام على الخليفة والوزير مع صاحب الباب، فيكون صاحب الباب يمينا وهو يسارا، ويتولّى افتقادهم والحثّ على ضيافتهم، ولا يمكّن من التقصير في حقوقهم واجتماع النّاس بهم، والاطّلاع على ما جاءوا فيه، أو من ينقل الأخبار إليهم (٤).

стр. 1280

ويلي رتبة صاحب الباب رتبة (¬a) «الإسفهسلار»، وهو زمام كلّ زمام، وإليه أمور الأجناد (١). ثم يليه «حامل سيف الخليفة» أيام الرّكوب بالمظلّة واليتيمة، ثم من يزمّ طائفتي الحافظيّة والآمريّة وهما وجه الأجناد. وهؤلاء أرباب الأطواق، ويليهم أرباب القصب والعمّاريات - وهي الأعلام - ثم زيّ الطّوائف، ثم من يترشّح لذلك من الأماثل. وكانت الدّولة لا تسند ذلك إلاّ إلى أرباب الشّجاعة والنّجدة، ولهذا دخل فيه أخلاط النّاس من الأرمن والرّوم وغيرهم، وعلى ذلك كان عملهم لا للزّينة والتّباهي (٢). قاضي القضاة وكان من عادة الدّولة أنّه إذا كان وزير ربّ سيف، فإنّه يقلّد القضاء رجلا نيابة عنه، وهذا إنّما حدث من عهد أمير الجيوش بدر الجمالي. وإذا كان الخليفة مستبدّا، قلّد القضاء رجلا ونعته ب «قاضي القضاة»، وتكون رتبته أجلّ رتب أرباب العمائم وأرباب الأقلام، ويكون في بعض الأوقات داعيا، فيقال له حينئذ: «قاضي القضاة وداعي الدّعاة»، ولا يخرج شيء من الأمور الدينية عنه (٣). ويجلس في يومي (¬a) السّبت والثّلاثاء بزيادة جامع عمرو بن العاص بمصر على طرّاحة ومسند حرير (٤)، فلمّا ولي ابن أبي (¬a) عقيل (٥) القضاء رفع المرتبة والمسند، وجلس على طرّاحات السّامان، فاستمرّ هذا الرّسم. ويجلس الشّهود حواليه يمنة ويسره بحسب تاريخ عدالتهم، وبين يديه خمسة من الحجّاب: اثنان بين يديه، واثنان على باب المقصورة، وواحد ينفذ الخصوم إليه.

стр. 1281

وله أربعة من الموقّعين بين يديه، اثنان يقابلان اثنين. وله كرسي الدّواة، وهي دواة محلاّة بالفضّة تحمل إليه من خزائن القصور، ولها حامل بجامكيّة في الشهر على الدولة. ويقدّم له من الإسطبلات برسم ركوبه على الدّوام بغلة شهباء، وهو مخصوص بهذا اللّون من البغال دون أرباب الدّولة، وعليها من خزانة السّروج سرج بحليّ ثقيل ورادفتي (¬a) فضّة، ومكان الجلد حرير. وتأتيه في المواسم الأطواق، ويخلع عليه/ الخلع المذهّبة بلا طبل ولا بوق إلاّ إذا ولي الدّعوة مع الحكم، فإنّ للدّعوة في خلعها الطّبل والبوق والبنود الخاصّ، وهي نظير البنود التي يشرّف بها الوزير صاحب السّيف. وإذا كان للحكم خاصّة، كان حواليه القرّاء رجّالة، وبين يديه المؤذّنون يعلنون بذكر الخليفة أو الخليفة (¬b) والوزير إن كان ثمّ وزير صاحب سيف (¬b)، ويحمل بنوّاب الباب والحجّاب، ولا يتقدّم عليه أحد في محضر هو حاضره من ربّ سيف وقلم، ولا يحضر لا ملاك ولا جنازة إلاّ بإذن، ولا سبيل إلى قيامه لأحد وهو في مجلس الحكم، ولا يعدّل شاهد إلاّ بأمره. ويجلس بالقصر في يومي الاثنين والخميس أوّل النّهار للسّلام على الخليفة، ونوّابه لا يفترون عن الأحكام، ويحضر إليه وكيل بيت المال (١). قال ابن الطّوير (¬c): وكان له النّظر في دار (¬d) الضّرب لضبط ما يضرب من الدّنانير (¬e) لسبب كان متقدّما وهو: إنّه نقل عن ابن طولون أنّه كان له إلمام بعين شمس مكان الحجارة التي يسمّونها المسال وأنّ يد فرسه ساخت يوما في أرض صلدة فعجب من ذلك وأمر بحفر ذلك المكان فوجد الخبيئة المشهورة وهي في قبو عظيم فيه خمسة نواويس، فكشفها فوجد في الأوسط منها ميّتا في عسل نحل على صدره لوح لطيف من ذهب فيه كتابة لا تعرف، وكلّ من النّواويس مملوء بالسّبائك الذّهب، فنقل ذلك ودفن الميّت وأخذ اللّوح فما وجد من يحلّه، فقيل: إن بدير العربة راهبا شيخا معمّرا وقد كان يعني بهذا، فأمر بإحضاره فقيل إنّه ما ينهض فاستدعى رجلا من

стр. 1282

عدول مصر يقال له: ابن عمروس فدفع له اللّوح وأمره بالمضيّ إلى الرّاهب فإن فسّر له نقل عنه ما يقول له وندب معه قوما. فمضى إلى مكان الرّاهب فلطف به وأطلعه على سبب حضوره إليه. فلمّا وقف على اللّوح قال: نعم هذا يقول: أنا أكبر الملوك وذهبي أخلص الذّهب، فسطر هذا وعاد إلى أحمد بن طولون. فلمّا علم ذلك قال: قبّح اللّه، من يكون هذا الكافر، من أكبر منه، ولا ذهبه أخلص من ذهبه؟ فاستدعى أهل الخيرة لاستخلاص الذّهب وأقام دار الضّرب فكان يتولاّها بنفسه ويحصل إليه ما يعلّق منها في النّار يختمه ويفتحه ويتحرّى العيار، فإذا صحّ له أمر بضربه دنانير. ولم يزل على ذلك حتى مات فاعتمد ابنه خمارويه ذلك بعده. فلمّا انتقلت البلاد إلى الخلفاء لم يسعهم مباشرة هذه الأمور بأنفسهم فأسندوها إلى قاضي القضاة e، فكان القاضي يحضر التّغليق بنفسه ويختم عليه ويحضر للموعد الآخر لفتحه (١). وكان القاضي لا يصرف إذا ولّي (¬a) إلاّ بجنحة، ولا يعدّل أحدا إلاّ بتزكية عشرين شاهدا، عشرة من مصر وعشرة من القاهرة، ورضى الشّهود به، ولا يحتمي أحد على الشّرع، ومن فعل ذلك أدّب (٢). ذكر (¬a) قاعة الفضّة وهي من جملة قاعات القصر، (¬b) ذكرها الأمير جمال الملك موسى بن المأمون البطائحي في «تاريخه» (¬b) (٣). ذكر قاعة السّدرة كانت بجوار المدرسة والتّربة الصّالحيّة، واشتراها قاضي القضاة شمس الدّين محمّد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن عليّ بن سرور المقدسي الحنبلي، مدرّس الحنابلة بالمدرسة الصّالحيّة (٤)،

стр. 1283

بألف وخمسة وتسعين دينارا في رابع شهر ربيع الآخر سنة ستين وستّ مائة، من كمال الدّين ظافر ابن الفقيه نصر وكيل بيت المال، ثم باعها شمس الدّين المذكور للملك الظّاهر بيبرس في حادي عشرين ربيع الآخر المذكور. وكان يتوصّل إليها من باب البحر. ذكر (¬a) قاعة الخيم كانت شرقي قاعة السّدرة، وقد دخلت قاعة السّدرة وقاعة الخيم في مكان المدرسة الظّاهريّة العتيقة (¬b) (١). ذكر المناظر الثّلاث استجدّهن الوزير المأمون بن (¬a) البطائحي، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه: إحداهنّ بين باب الذّهب وباب البحر، والأخرى على قوس باب الذّهب، ومنظرة ثالثة. وكان يقال لها: الزّاهرة والفاخرة والنّاضرة، وكان يجلس الخليفة في إحداها لعرض العساكر يوم عيد الغدير، ويقف الوزير في قوس باب الذّهب (¬b) (٢). ذكر (¬a) قصر الشّوك قال ابن عبد الظّاهر: كان منزلا لبني عذرة قبل القاهرة يعرف بقصر الشّوك، وهو الآن أحد أبواب القصر (٣). انتهى. والعامّة تقول: «قصر الشّوق» (٤). وأدركت مكانه دارا استجدّت بعد الدّولة الفاطمية، هدمها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار في سنة إحدى عشرة وثمان مائة لينشئها دارا، فمات قبل ذلك. وموضعه اليوم بالقرب من دار الضّرب فيما بينه وبين المارستان العتيق (٥).

стр. 1284

ذكر (¬a) قصر أولاد الشّيخ هذا المكان من جملة القصر الكبير، وكان قاعة، فسكنها الوزير الصّاحب الأمير الكبير معين الدّين حسين ابن شيخ الشّيوخ صدر الدّين بن حمويه، في أيام الملك الصّالح نجم الدّين أيوب، فعرف به (١). وأدركت هذا المكان خطّا يعرف بالقصر، يتوصّل إليه من زقاق تجاه حمّام بيسري، وفيه عدّة دور: منها دار الطّواشي سابق الدّين ومدرسته المعروفة بالمدرسة السّابقيّة. وكان يتوصّل إليه من الرّكن المخلّق أيضا، من الباب المظلم تجاه سور سعيد السّعداء، المعروف قديما بباب الرّيح (٢). ثم عرف بباب (¬a) قصر ابن الشّيخ، وعرف في زمننا بباب القصر، إلى أن هدمه جمال الدّين الأستادّار كما يأتي إن شاء اللّه (٣). قصر الزّمرّد / هو من جملة القصر الكبير، وعرف أخيرا بقصر قوصون، ثم عرف في زمننا بقصر الحجازيّة. وقيل له: قصر الزّمرّد لأنّه كان بجوار باب الزّمرّد أحد أبواب القصر. ووجد به في سنة بضع وسبعين وسبع مائة تحت التّراب عمودان عظيمان من الرّخام الأبيض، فعمل لهما ابن عابد رئيس الحراريق السّلطانية أساقيل، وجرّهما إلى المدرسة التي أنشأها الملك الأشرف شعبان بن حسين تجاه الطّبلخاناة من قلعة الجبل (٤). وأدركنا لجرّ هذين العمودين أوقاتا في أيام تجمّع النّاس فيها من كلّ أوب لمشاهدة ذلك، ولهجوا بذكرهما زمنا، وقالوا فيهما شعرا وغناء كثيرا، وعملوا أنموذجات (¬b) من ثياب الحرير وتطريز المناديل عرفت بجرّ العمود. وكانت الأنفس حينئذ منبسطة، والقلوب خالية من

стр. 1285

الهموم، وللناس إقبال على اللّهو لكثرة نعمهم وطول فراغهم. وكان العمودان المذكوران ممّا ارتدم من أنقاض القصر، فسبحان الوارث! ذكر (¬a) الرّكن المخلّق موضعه الآن تجاه حوض الجامع الأقمر، على يمنة من أراد الدّخول إلى المسجد المعروف الآن بمعبد موسى. وقيل له: الرّكن المخلّق لأنّه ظهر في سنة ستين وستّ مائة في هذا الموضع حجر مكتوب عليه: «هذا مسجد موسى ﵇»، فخلّق بالزّعفران، وسمّي من ذلك اليوم بالرّكن المخلّق (١). وأخبرني الأمير الوزير أبو المعالي يلبغا السّالمي أنّه قرأ في الأسطر المكتوبة بأسكفّة باب الجامع الأقمر كلاما من جملته: «والحوانيت التي بالرّكن المخوّق» بواو بعد الخاء. فرأيت بعد ذلك في «الأمالي» للقالي: «وقال أبو عبيد (¬b)، عن أبي عمرو: الخوقاء الصّحراء التي لا ماء بها، ويقال الواسعة، وأخوق: واسع». فلعلّه سمّي المخوّق بمعنى الاتّساع، فكان ركنا متّسعا وفي بناء واسع، أو يكون المخلّق باللام من قولهم: قدح مخلّق - بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام وفتحها - أي مستو أملس. وكلّ ما ليّن وملّس فقد خلّق، فكلّ مملّس مخلّق، وسمّته العامّة بعد ذلك «الرّكن المخلّق» عند ما خلّقوه بالزّعفران، واللّه أعلم (٢). السّفينة (¬c) وكان من جملة القصر الكبير موضع يعرف بالسّفينة (¬c) يقف عنده المتظلّمون، وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كلّ ليلة لمن يأتيه من المتظلّمين، فإذا ظلم أحد وقف تحت السّفينة (¬c) وقال

стр. 1286

بصوت عال: «لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه، عليّ وليّ الله». فيسمعه الخليفة فيأمر بإحضاره إليه، أو يفوّض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي (١). ومن غريب ما وقع أنّ الموفّق بن الخلاّل (٢) لمّا كان يتحدّث في أمور الدّواوين أيّام الخليفة الحافظ لدين اللّه، وخرج من انتدب بعد انحطاط النّيل من العدول والنّصارى الكتّاب إلى الأعمال، لتحرير ما شمله الرّيّ وزرع من الأراضي، وكتابة المكلّفات (٣). فخرج إلى بعض النّواحي من يمسحها من شادّ وناظر وعدول، وتأخّر الكاتب النّصراني ثم لحقهم وأراد التعدية إلى الناحية، فحمله ضامن تلك المعدّيّة إلى البرّ، وطلب منه أجرة التّعدية، فنفر فيه النّصراني وسبّه وقال: أنا ماسح هذه البلدة، وتريد منّي حق التّعدية؟ فقال له الضّامن: إن كان لي زرع خذه. وقلع لجام بغلة النّصراني، وألقاه في معديته. فلم يجد النّصراني بدّا من دفع الأجرة إليه حتى (¬a) أخذ لجام بغلته. فلمّا تممّ مساحة البلد، وبيّض مكلّفة المساحة ليحملها إلى دواوين الباب - وكانت عادتهم حينئذ هذا (¬b) - كتب الجملة بزيادة عشرين فدّانا وترك بياضا في بعض الأوراق، وقابل العدول على المكلّفة، وأخذ خطوطهم (¬c) عليها بالصّحة، ثم كتب في البياض الذي تركه: «أرض اللّجام - باسم ضامن المعدّيّة -: عشرين فدّانا قطيعة. كلّ فدّان أربعة دنانير، عن ذلك ثمانون دينارا». وحمل المكلّفة إلى ديوان الأصل. وكانت العادة إذا مضى من السنة الخراجية أربعة أشهر، ندب من الجند من فيه حماسة وشدّة، ومن الكتّاب العدول، وكاتب نصراني. فيخرجون إلى سائر الأعمال كذلك (¬b)

стр. 1287

لاستخراج ثلث الخراج على ما تشهد به المكلّفات المذكورة، فينفق في الأجناد، فإنّه لم يكن حينئذ للأجناد إقطاعات كما هو الآن (١). وكان من العادة أن يخرج إلى كلّ ناحية ممّن ذكر من لم يكن خرج وقت المساحة، بل ينتدب قوم سواهم. فلمّا خرج الشادّ والكاتب والعدول لاستخراج ثلث مال الناحية، استدعوا أرباب الزّرع على ما تشهد به المكلّفة، ومن جملتهم ضامن المعدّيّة. فلمّا حضر ألزم بستة وعشرين دينارا وثلثي دينار، عن نظير ثلث المال الثمانين دينارا التي تشهد بها المكلّفة عن خراج أرض اللّجام. فأنكر الضّامن أن تكون له زراعة بالناحية، وصدّقه أهل البلد. فلم يقبل الشادّ ذلك - وكان عسوفا - وأمر به فضرب بالمقارع، واحتجّ بخطّ العدول على المكلّفة، وما زال به حتى باع معدّيته وغيرها، وأورد ثلث المال الثابت في المكلّفة./ وسار إلى القاهرة، فوقف تحت السّفينة (¬a)، وأعلن بما تقدّم ذكره، فأمر الخليفة الحافظ بإحضاره. فلمّا مثل بحضرته قصّ عليه ظلامته مشافهة، وحكى له ما اتّفق منه في حقّ النّصراني، وما كاده به. فأحضر ابن الخلاّل وجميع أرباب الدّواوين، وأحضرت المكلّفات التي عملت للناحية المذكورة في عدّة سنين ماضية، وتصفّحت بين يديه سنة سنة، فلم يوجد لأرض اللّجام ذكر ألبتّة. فحينئذ أمر الخليفة الحافظ بإحضار ذلك النّصرانيّ وسمّر في مركب، وأقام له من يطعمه ويسقيه، وتقدّم بأن يطاف به سائر الأعمال، وينادى عليه، ففعل ذلك. وأمر بكفّ أيدي النّصرانية كلّها عن الخدم في سائر المملكة، فتعطّلوا مدّة إلى أن ساءت أحوالهم (٢). وكان الحافظ مغرما بعلم النّجوم، وله عدّة من المنجّمين من جملتهم شخص صار إليه عدّة من أكابر كتّاب النّصارى، ودفعوا إليه جملة من المال، ومعهم رجل منهم يعرف بالأخرم بن أبي زكريا (٣)، وسألوه أن يذكر للحافظ في أحكام تلك السّنة حلية هذا الرجل، فإنّه إن أقامه في تدبير

стр. 1288

دولته زاد النّيل، ونما الارتفاع، وزكت الزّروع، ونتجت الأغنام، ودرّت الضّروع، وتضاعفت الأسماك، وورد التّجّار، وجرت قوانين المملكة على أجمل الأوضاع. فطمع ذلك المنجّم في كثرة ما عاينه من الذّهب، وعمل ما قرّره النّصارى معه. فلمّا رأى الحافظ ذلك تعلّقت نفسه بمشاهدة تلك الصّفة، فأمر بإحضار الكتّاب من النّصارى، وصار يتصفّح وجوههم من غير أن يطلع أحدا على ما يريده، وهم يؤخّرون الأخرم عن الحضور إليه - قصدا منهم، وخشية أن يفطن بمكرهم - إلى أن اشتدّ إلزامهم بإحضار سائر من بقي منهم، فأحضروه بعد أن وضعوا من قدره (¬a) وليشينوا أمره (¬a). فلمّا رآه الحافظ، رأى فيه الصّفات التي عيّنها منجّمه، فاستدناه إليه وقرّبه، وآل أمره إلى أن ولاّه أمر (¬b) الدّواوين. فأعاد كتّاب النّصارى أوفر ما كانوا عليه، وشرعوا في التّجبّر، وبالغوا في إظهار الفخر، وتظاهروا بالملابس العظيمة، وركبوا البغلات الرائعة والخيول المسوّمة بالسّروج المحلاّة واللّجم الثّقيلة، وضايقوا المسلمين في أرزاقهم واستولوا على الأحباس الدّينية والأوقاف الشّرعية، واتّخذوا العبيد والمماليك والجواري من المسلمين والمسلمات. وصودر بعض كتّاب المسلمين فألجأته الضّرورة إلى بيع أولاده وبناته، فيقال إنّه اشتراهم بعض النّصارى، وفي ذلك يقول ابن الخلاّل: [الوافر] إذا حكم النّصارى في الفروج … وغالوا بالبغال وبالسّروج وذلّت دولة الإسلام طرّا … وصار الأمر في أيدي العلوج فقل للأعور الدّجّال هذا … زمانك إن عزمت على الخروج وموضع السّفينة (¬c) فيما بين درب السّلاّمي وبين خزانة البنود، يتوصّل إليه من تجاه البئر التي قدّام دار كانت تعرف بقاعة ابن كتيلة؛ ثم استولى عليها جمال الدّين الأستادّار وجعلها مسكنا لأخيه ناصر الدّين الخطيب، وغيّر بابها.

стр. 1289

ذكر دار الضّرب هذا المكان - الذي هو الآن دار الضّرب من بعض القصر - كان خزانة بجوار الإيوان الكبير، سجن بها الخليفة الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر باللّه أبي تميم معدّ. وذلك أنّ الآمر لمّا قتل في يوم الثلاثاء رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة قام العادل برغش وهزّار الملوك جوامرد - وكانا أخصّ غلمان الآمر - بالأمير عبد المجيد، ونصّباه خليفة، ونعتاه بالحافظ لدين اللّه، وهو يومئذ أكبر الأقارب سنّا (١). وذكر أنّ الآمر قال قبل أن يقتل بأسبوع عن نفسه: «المسكين المقتول بالسّكّين» (٢)، وأنّه أشار إلى أنّ بعض جهاته حامل منه، وأنّه رأى أنّها ستلد ذكرا وهو الخليفة من بعده، وأنّ كفالته للأمير عبد المجيد. فجلس على أنّه كافل للمذكور، وندب هزّار الملوك للوزارة، وخلع عليه (٣). فلم يرض الأجناد بوزارته (¬a)، وثاروا بين القصرين - وكبيرهم رضوان بن ولخشي - وأقاموا أبا عليّ (¬b) أحمد (¬c) بن الأفضل الملقّب بكتيفات، وقالوا: لا نرضى إلاّ أن تصرف هزّار الملوك وتفوّض الوزارة لأحمد بن الأفضل (¬d) فنزعت الخلع من هزّار الملوك في مجلس الخلافة وقبض عليه وقتل وخلع على أحمد بن الأفضل (¬d) في سادس عشره. فكان أوّل ما بدأ به أن أحاط على الخليفة الحافظ وسجنه بالقاعة المذكورة وقيّده، وهمّ بخلعه فلم يتأتّ له ذلك. وكان إماميّا، فأبطل ذكر الحافظ من الخطبة، وصار يدعو للقائم المنتظر، ونقش على السّكّة: «اللّه الصّمد، الإمام محمّد» (٤).

стр. 1290

فلمّا قتل في يوم الثلاثاء سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمس مائة، بالميدان خارج باب الفتوح، سارع صبيان الخاصّ الذين تولّوا قتله إلى الحافظ، وأخرجوه من الخزانة/ المذكورة، وفكّوا عنه قيده - وكان كبيرهم يانس - وأجلسوه في الشّبّاك على منصب الخلافة، وطيف برأس أحمد بن الأفضل، وخلع على يانس خلع الوزارة (١). وما زالت الخلافة في يد الحافظ حتّى مات ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمس مائة، عن سبع وستين سنة: منها خليفة، من حين قتل ابن الأفضل، ثمان عشرة سنة وأربعة أشهر وأيام. ذكر (¬a) خزائن السّلاح كانت بالإيوان الكبير الذي تقدّم ذكره، في صدر الشّبّاك الذي يجلس فيه الخليفة، تحت القبّة التي هدمت في سنة سبع وثمانين وسبع مائة كما تقدّم. وخزائن السّلاح المذكورة هي الآن باقية بجوار دار الضّرب خلف المشهد الحسيني، وعقد الإيوان باق وقد تشعّث (٢). ذكر (¬a) المارستان العتيق قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وسبعين وخمس مائة (¬b) ومن خطّه نقلت (¬b): في تاسع ذي القعدة أمر السّلطان - يعني صلاح الدّين يوسف بن أيّوب - بفتح مارستان للمرضى والضّعفاء، فاختير له مكان بالقصر، وأفرد برسمه من أجرة الرّباع الدّيوانية مشاهرة مبلغها مائتا دينار، وغلاّت جهاتها الفيّوم. واستخدم له أطبّاء وطبائعيين وجرائحيين ومشارف وعاملا وخدّاما. ووجد النّاس به رفقا، وإليه مستروحا، وبه نفعا (٣).

стр. 1291

وكذلك بمصر أمر بفتح مارستانها القديم، وأفرد برسمه من ديوان الأحباس ما تقدير ارتفاعه عشرون دينارا، واستخدم له طبيب وكحّال (¬a) ومشارف، وارتفق به الضّعفاء، وكثر بسبب ذلك الدّعاء (١). وقال ابن عبد الظّاهر: كان قاعة بناها العزيز باللّه في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة. وقيل إنّ القرآن مكتوب في حيطانها، ومن خواصّها أنّه لا يدخلها نمل لطلّسم بها. ولمّا قيل ذلك لصلاح الدّين ﵀ قال: هذا يصلح أن يكون مارستانا. وسألت مباشريه عن ذلك [في سنة سبع وخمسين وستّ مائة] (¬b) فقالوا: إنّه صحيح. وكان قديما المارستان - فيما بلغني - القشّاشين، وأظنّه المكان المعروف بدار الضّرب (¬c). انتهى (٢). والقشّاشين المذكورة تعرف اليوم بالخرّاطين، المسلوك فيها إلى الخيميّين والجامع الأزهر. ذكر التّربة (¬d) كان من جملة القصر الكبير التّربة المعزّيّة، وفيها دفن المعزّ لدين اللّه آباءه الذين أحضرهم في توابيت معه من بلاد المغرب وهم: الإمام المهدي عبيد اللّه، وابنه الإمام (¬e) القائم بأمر اللّه محمد، وابنه الإمام المنصور بنصر اللّه إسماعيل. واستقرّت مدفنا يدفن فيه الخلفاء وأولادهم ونساؤهم، وكانت تعرف بتربة الزّعفران، وهو مكان كبير من جملتها الموضع الذي يعرف اليوم بخطّ الزّراكشة العتيق، ومن هناك بابها (٣).

стр. 1292

ولمّا أنشأ الأمير جهاركس الخليليّ خانه المعروف به بالخطّ المذكور، أخرج ما شاء اللّه من عظامهم، فألقيت في المزابل على كيمان البرقيّة. ويمتدّ من هناك من حيث المدرسة البديريّة، خلف المدارس الصّالحيّة النّجميّة، وبها إلى اليوم بقايا من قبورهم (١). وكان لهذه التّربة عوائد ورسوم: منها أنّ الخليفة كلّما ركب بمظلّة وعاد إلى القصر، لا بد أن يدخل إلى زيارة آبائه بهذه التّربة، وكذلك لا بد أن يدخل في يوم الجمعة دائما، وفي عيدي الفطر والأضحى، مع صدقات ورسوم تعرف (¬a) (٢). (¬b) قال المسبّحيّ في حوادث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة: وفي نصف شوّال توفّيت السّيّدة العزيزية أمّ ولد أمير المؤمنين العزيز باللّه وزوجته، بالمخيّم في منى جعفر، فحملت إلى القصر وصلّى عليها العزيز باللّه ودفنها في تربة القصر وستر قبرها بالمثقل والجوهر؛ وكفّنت بما مبلغه عشرة آلاف دينار، وأخذت الغاسلة ما كان تحتها من فرش وما كان عليها من الثّياب وكان ذلك بمبلغ ستة آلاف دينار. ورثاها جماعة من الشّعراء، فأطلقت لهم جوائز خمس مائة دينار. ورجع العزيز إلى المضارب، وأقامت ابنتها المناحة على قبرها والقوّاد والغلمان والخدّام بالثّياب المسخّمة وعلى رءوسهم كرازي الصّوف، وأيديهم مشبّكة على رؤسهم يصيحون: وا ستّنا! وهم حفاة، فإذا توسّطوا الطّريق حفنوا حفنات من تراب وحثوها على رءوسهم ودخلوا، وأقاموا كذلك شهرا كاملا والعزيز باللّه يواصل زيارتها في كلّ يوم والنّاس يطعم، ويفرّق الأطعمة على سائر النّاس مع الحلوى، وفرّق على الشّعراء بعد ذلك ألفي دينار (¬b) (٣). قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر - يعني شوّالا سنة ستّ عشرة وخمس مائة - تنبّه ذكر الطّائفة النّزاريّة، وتقرّر بين يدي الخليفة الآمر بأحكام اللّه أن يسير رسول إلى صاحب ألموت، بعد أن جمعوا الفقهاء من الإسماعيليّة والإماميّة، وقال لهم الوزير المأمون البطائحي: ما لكم من الحجّة في الرّدّ على هؤلاء الخارجين على الإسماعيليّة؟ فقال كلّ منهم: لم يكن لنزار إمامة، ومن اعتقد هذا فقد خرج عن المذهب وضلّ، ووجب قتله. وذكروا حجّتهم، فكتب الكتاب.

стр. 1293

ووصلت كتب من خواصّ الدّولة تتضمّن أنّ القوم قويت شوكتهم، واشتدّت في البلاد طمعتهم، وأنّهم سيّروا الآن ثلاثة آلاف برسم النّجوى وبرسم المؤمنين الذين تنزل الرّسل عندهم، ويختفون في محلّهم. فتقدّم الوزير بالفحص عنهم، والاحتراز التّام على الخليفة في ركوبه ومتنزّهاته، وحفظ الدّور والأسواق. ولم يزل البحث في طلبهم إلى أن وجدوا فاعترفوا بأنّ خمسة منهم هم الرّسل الواصلون بالمال فصلبوا. وأمّا المال، وهو ألفا دينار، فإنّ الخليفة أبى قبوله، وأمر أن ينفق في السّودان عبيد الشّراء. وأحضر من بيت المال نظير المبلغ، وتقدّم بأن يصاغ به قنديلان من ذهب وقنديلان/ من فضّة، وأن يحمل منها قنديل ذهب وقنديل فضّة إلى مشهد الحسين بثغر عسقلان (١)، وقنديل إلى التّربة المقدّسة تربة الأئمّة بالقصر. وأمر الوزير المأمون بإطلاق ألفي دينار من ماله، وتقدّم بأن يصاغ بها قنديل ذهب وسلسلة فضّة برسم المشهد العسقلاني، وأنّ يصاغ على المصحف الذي بخطّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ (¬a) - بالجامع العتيق بمصر من فوق الفضّة ذهب. وأطلق حاصل الصّناديق التي تشتمل على مال النّجاوى برسم الصّدقات عشرة آلاف درهم تفرّق في الجوامع الثلاثة: الأزهر بالقاهرة، والعتيق بمصر، وجامع القرافة، وعلى فقراء المؤمنين على أبواب القصور. وأطلق من الأهراء ألفي أردبّ قمحا، وتصدّق على عدّة من الجهات بجملة كثيرة، واشتريت عدّة جوار من الحجر، وكتب عتقهن للوقت، وأطلق سراحهنّ (٢). وقال في كتاب «الذّخائر»: إنّ الأتراك طلبوا من المستنصر نفقة في أيام الشّدّة فماطلهم، وأنّهم هجموا على التّربة المدفون فيها أجداده فأخذوا ما فيها من قناديل الذّهب. وكانت قيمة ذلك مع ما اجتمع إليه من الآلات الموجودة هناك - مثل المداخن والمجامر وحليّ المحاريب وغير ذلك - خمسين ألف دينار (٣).

стр. 1294

ذكر (¬a) القصر النّافعيّ قال ابن عبد الظّاهر: القصر النّافعي قرب التّربة، يقرب من جهة السّبع خوخ، كان فيه عجائز من عجائز القصر وأقارب الأشراف (١)، انتهى. وموضع هذا القصر اليوم فندق المهمندار الذي يدقّ فيه الذّهب، وما في قبليه من خان منجك، ودار خواجا عبد العزيز المجاورة للمسجد الذي بحذاء خان منجك، وما بجوار دار خواجا من الزّقاق المعروف بدرب الحبيشي (¬b) (٢). وكان حدّ هذا القصر الغربي ينتهي إلى الفندق الذي بالخيميّين، المعروف قديما بخان منكورس، ويعرف اليوم بخان القاضي (٣). واشترى بعض هذا القصر، لمّا بيع بعد زوال الدّولة، الأمير ناصر الدّين عثمان بن سنقر الكاملي المهمندار، (¬c) وعمّره الفندق (¬c) الذي يعرف بفندق المهمندار، بعد أن كان إسطبلا له. واشترى بعضه الأمير حسام الدّين لاجين الأيدمري - المعروف بالدّرفيل - دوادار الملك الظّاهر بيبرس، وعمّره إسطبلا ودارا، وهي الدّار التي تعرف اليوم بخواجا عبد العزيز على باب درب الحبشي، ثم عمل الإسطبل الخان الذي يعرف اليوم بخان منجك. وابتنى النّاس في مكان درب الحبيشي (¬b) الدّور (٤)، وزال أثر القصر فلم يبق منه شيء ألبتّة.

стр. 1295

الخزائن التي كانت بالقصر (¬a) وكانت بالقصر الكبير عدّة خزائن، منها: خزانة الكتب، وخزانة البنود، وخزائن السّلاح، وخزائن الدّرق، وخزائن السّروج، وخزانة الفرش، وخزانة الكسوات، وخزائن الأدم، وخزائن الشّراب، وخزانة التّوابل، وخزائن الخيم، ودار التّعبئة، وخزائن دار أفتكين، ودار الفطرة، ودار العلم، وخزانة الجوهر والطّيب. وكان الخليفة يمضي إلى موضع من هذه الخزائن، وفي كلّ خزانة دكّة عليها طرّاحة، ولها فرّاش يخدمها وينظّفها طول السّنة، وله جار في كلّ شهر فيطوفها كلّها في كلّ (¬b) السّنة. خزانة الكتب قال المسبّحيّ (¬c) في «تاريخه الكبير» في حوادث سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة (¬c): وذكر عند العزيز باللّه كتاب «العين» للخيل بن أحمد، فأمر خزّان دفاتره فأخرجوا من خزانته نيفا وثلاثين نسخة من كتاب «العين» منها نسخة بخطّ الخليل. وحمل إليه رجل نسخة من (¬d) «تاريخ الطّبريّ» اشتراها بمائة دينار، فأمر العزيز الخزّان فأخرجوا من الخزانة ما ينيف عن عشرين نسخة من «تاريخ الطّبري»، منها نسخة بخطّه. وذكر عنده كتاب «الجمهرة» لابن دريد، فأخرج من الخزانة مائة نسخة منها (١). وقال في كتاب «الذّخائر»: عدّة الخزائن التي برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر، أربعون خزانة: خزانة من جملتها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة؛ وأنّ الموجود فيها من جملة الكتب المخرجة في شدّة المستنصر، ألفان وأربع مائة ختمة قرآن في ربعات بخطوط منسوبة زائدة الحسن، محلاّة بذهب وفضّة وغيرهما (٢). وأنّ جميع ذلك كلّه ذهب فيما أخذه الأتراك في واجباتهم ببعض قيمته، ولم يبق في خزائن القصر البرّانية منه شيء بالجملة، دون خزائن القصر الدّاخلة التي لا يتوصّل إليها.

стр. 1296

ووجدت صناديق مملوءة أقلاما مبرية من براية ابن مقلة وابن البوّاب وغيرهما (١). قال: وكنت بمصر في العشر الأول من محرّم سنة إحدى وستين وأربع مائة، فرأيت فيها خمسة وعشرين جملا موقرة كتبا محمولة إلى/ دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي، فسألت عنها، فعرفت أنّ الوزير أخذها من خزائن القصر هو والخطير ابن الموفّق في الدّين بإيجابات (¬a) وجبت لهما عمّا يستحقّانه وغلمانهما من ديوان الحلبيّين، وأنّ حصّة الوزير أبي الفرج منها قوّمت عليه، من جاري مماليكه وغلمانه، بخمسة آلاف دينار. وذكر لي من له خبرة بالكتب أنّها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار. ونهب جميعها من داره يوم انهزم ناصر الدّولة ابن حمدان من مصر في صفر من السنة المذكورة، مع غيرها ممّا نهب من دور من سار معه من الوزير أبي الفرج وابن أبي كدينة وغيرهما. هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدّولة أبي الفضل ابن المحترق بالإسكندرية، ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب؛ وسوى ما ظفرت به لواتة محمولا مع من صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النّيل إلى الإسكندرية، في سنة إحدى وستين وأربع مائة وما بعدها، من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحّة وحسن خطّ وتجليد وغرابة، التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم، وأحرق ورقها تأوّلا منهم أنّها خرجت من قصر السّلطان - أعزّ اللّه نصره - وأنّ فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم. سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار، وبقي منها ما لم يحرق وسفت عليه الرّياح التّراب، فصار تلالا باقية إلى اليوم في نواحي أبيار تعرف بتلال الكتب (٢). وقال ابن الطّوير: خزانة الكتب كانت في أحد مجالس البيمارستان (¬b) اليوم - يعني المارستان

стр. 1297

ظهرية كتاب «حذف من نسب قريش»، وهي بخط أبى إسحاق النجيرمي، وعليها ما يفيد أنها كانت في خزانة الظافر الفاطمي ظهريّة كتاب التّعليقات والنّوادر عن أبي علي الهجري، وعليها ما يفيد أنها كانت بين كتب خزانة الوزير الأفضل بن بدر الجمالي ثم انتقلت إلى خزانة الفائز الفاطمي

стр. 1298

العتيق -، فيجيء الخليفة راكبا (¬a) ويدخل إليها (¬a) ويترجّل على الدّكّة المنصوبة ويجلس عليها، ويحضر إليه من يتولاّها - وكان في ذلك الوقت الجليس ابن عبد القويّ - فيحضر إليه المصاحف بالخطوط المنسوبة، وغير ذلك ممّا يقترحه من الكتب. فإن عنّ له (¬b) أخذ شيء منها أخذه (¬b) ثم يعيده. وتحتوي هذه الخزانة على عدّة رفوف في دور ذلك المجلس العظيم، والرّفوف مقطّعة بحواجز، وعلى كلّ حاجز باب متقن (¬c) بمفصّلات وقفل. وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب من المجلّدات، ويسير من المجرّدات: فمنها الفقه على سائر المذاهب، والنّحو واللّغة، وكتب الحديث النّبوي (¬d)، والتّواريخ وسير الملوك، والنّجامة والرّوحانيات والكيمياء، من كلّ صنف النسخة والعشرة (¬e). ومنها النّواقص التي ما تمّمت، كل ذلك تترجمه ورقة ملصقة على باب كلّ خزانة (¬f)، وما فيها من المصاحف الكريمة في مكان فوقها. وفيها من الدّروج بخطّ ابن مقلة ونظائره كابن البوّاب وغيره، وتولّى بيعها ابن صورة في أيام الملك النّاصر صلاح الدّين. فإذا أراد الخليفة الانفصال، مشى فيها مشية لنظرها، وفيها ناسخان وفرّاشان: صاحب المرتبة (¬g) وآخر، فيعطي الشّاهد عشرين دينارا، ويخرج إلى غيرها (١). وقال ابن أبي طيّ، بعد ما ذكر استيلاء صلاح الدّين على القصر: ومن جملة ما باعوه خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدّنيا، ويقال إنّه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر. ومن عجائبها أنّه كان فيها ألف ومائتا نسخة من «تاريخ الطّبري» إلى غير ذلك. ويقال إنّها كانت تحتوي (¬h) على ألف ألف (¬i) وستّ مائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة (٢). انتهى.

стр. 1299

وممّا يؤيّد ذلك أنّ القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ، لمّا أنشأ المدرسة الفاضليّة بالقاهرة، جعل فيها من كتب القصر مائة ألف كتاب مجلّد (١)، وباع ابن صورة دلاّل الكتب منها جملة في مدّة أعوام، فلو كانت كلّها مائة ألف لما فضل عن القاضي الفاضل منها شيء. وذكر ابن واصل أنّ خزانة الكتب كانت تزيد على مائة وعشرين ألف مجلّد (٢). خزانة الكسوات قال ابن أبي طيّ: وعمل - يعني المعزّ لدين اللّه - دارا وسمّاها دار الكسوة، كان يفصّل فيها من جميع أنواع الثّياب والبزّ، ويكسو بها النّاس على اختلاف أصنافهم كسوة الشّتاء والصّيف، وكانت لأولاد النّاس ونسائهم كذلك. وجعل ذلك رسما يتوارثونه في الأعقاب، وكتب بذلك كتبا، وسمّى هذا الموضع «خزانة الكسوة». وقال، عند ذكر انقراض الدّولة: ومن أخبارهم أنّهم كانوا يخرجون من خزائن الكسوة إلى جميع خدمهم وحواشيهم، ومن يلوذ بهم من صغير وكبير ورفيع وحقير، كسوات الصّيف والشّتاء من العمامة إلى السّراويل، وما دونه من الملابس والمنديل، من فاخر الثّياب ونفيس الملبوس. ويقومون لهم بجميع ما يحتاجون إليه من نفيس المطعومات والمشروبات.

стр. 1300

[قال]: وسمعت من يقول: إنّه حضر كسا القصر التي تخرج في الصّيف والشّتاء، فكان مقدارها ستّ مائة ألف دينار وزيادة. قال: وكانت خلعهم على الأمراء الثّياب الدّبيقي والعمائم القصب (¬a) بالطّرز الذّهب. وكان طراز الذّهب والعمامة من خمس مائة دينار، ويخلع على أكابر الأمراء الأطواق والإسورة والسّيوف المحلاّة. وكان يخلع على/ الوزير عوضا عن الطّوق عقد جوهر (١). وقال ابن المأمون: وجلس الأجلّ - يعني الوزير المأمون - في مجلس الوزارة لتنفيذ الأمور وعرض المطالعات، وحضر الكتّاب ومن جملتهم ابن أبي اللّيث كاتب الدّفتر، ومعه ما كان أمر به من عمل جرائد الكسوة للشّتاء بحكم حلوله وأوان تفرقتها، فكان ما اشتمل عليه المنفق فيها، لسنة ستّ عشرة وخمس مائة، من الأصناف أربعة عشر ألفا وثلاث مائة وخمس قطع؛ وأنّ أكثر ما أنفق عن مثل ذلك في الأيام الأفضليّة، في طول مدّتها، في سنة ثلاث عشرة وخمس مائة: ثمانية آلاف وسبع مائة وخمس وسبعون قطعة، يكون الزّائد عنها - بحكم ما رسم به في منفق سنة ستّ عشرة - خمسة آلاف وخمس مائة (¬b) وأربعا وثلاثين قطعة (٢). ووصلت الكسوة المختصّة بالعيد في آخر الشّهر، وقد تضاعفت عمّا كانت عليه في الأيّام الأفضليّة لهذا الموسم، وهي تشتمل على ذهوب وسلف دون العشرين ألف دينار، وهو عندهم الموسم الكبير، ويسمّى ب «عيد الحلل»؛ لأنّ الحلل فيه تعمّ الجماعة، وفي غيره للأعيان خاصّة. فأحضر الأمير افتخار الدّولة، مقدّم خزانة الكسوة الخاصّ، ليتسلّم ما يختصّ بالخليفة، وهو برسم الموكب: بدلة خاصّ جليلة مذهبة، ثوبها موشّح مجاوم مذايل، عدّتها باللّفافتين إحدى عشرة قطعة: السّلف عنها مائة وستة وسبعون دينارا ونصف، ومن الذّهب العالي المغزول ثلاث مائة وسبعة وخمسون مثقالا ونصف، كلّ مثقال أجرة غزله ثمن دينار، ومن الذّهب العراقي ألفان وتسع مائة وأربع وتسعون قصبة. تفصيل ذلك: شاشيّة طميم: السّلف ديناران وسبعون قصبة ذهبا عراقيّا. منديل بعمود ذهب: السّلف سبعون دينارا (¬a) وألفان ومائتان وخمسون قصبة ذهبا عراقيّا، فإن كان الذّهب
следующие страницы →