← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أوضاع مختلفة، تسع جامات. وما يحمل إلى الدار المأمونية، برسم المائدة بالدار دون السّماط، جام واحد تتمّة المياومة المذكورة. ما يتسلّمه مقدّم الفرّاشين المستخدمين في خدمة المائدة الشّريفة التي تتولاّها المعلّمة بالقصور الزّاهرة، أربعة أرطال فستق. ما يستلمه الشّاهد والمشارف على المطابخ الآمرية، ممّا يصنع فيها برسم الجامات الحلوى وغيره، ممّا يكون على المدورّة في الأسمطة المستمرّة بقاعة الذّهب في أيام السّلام وفي أيام الرّكوبات وحلول الرّكاب بالمناظر: أربعة أرطال. وما يستلّمه الحاجّ مقبل الفرّاش برسم المائدة المأمونية ممّا يوصّله لزمام الدار دون المطابخ الرجالية: رطلان. الحكم الثاني يطلق مشاهرة - بغير توقيع ولا استدعاء - بأسماء كبراء الجهات والمستخدمين من الأصحاب والحواشي في الخدم المميّزة، وهو في الشهر ثلاثة عشر رطلا. والدّيوان شاهد بأسماء أربابه. وما يطلق من هذه الخزائن السّعيدة بالاستدعاءات والمطالعات ويوقّع عليه بالإطلاق من هذا الصّنف في كلّ سنة على ما يأتي ذكره. وما يستدعى برسم التّوسعة في الرّاتب، عند تحويل الرّكاب العالي إلى اللؤلؤة مدّة أيام النّيل المبارك، في كلّ يوم رطلان. وما يستدعى برسم الصّيام مدّة تسعة وخمسين يوما، رجب وشعبان، حسابا عن كلّ يوم رطلان: مائة وثمانية عشر رطلا. / وما يستدعى لما يصنع بدار الفطرة في كلّ ليلة برسم الخاصّ خشكنانج لطيف وبسندود وجوارشنات ونواطف، ويحمل في سلال صفصاف لوقته، عن مدّة أوّلها مستهلّ رجب وآخرها سلخ رمضان، عن تسعة وثمانين يوما: مائة وثمانية وسبعون رطلا، لكلّ ليلة رطلان، ويسمّى ذلك بالتعبئة. وما يستدعيه صاحب بيت المال ومتولّي الدّيوان، فيما يصنع بالإيوان الشّريف برسم المواليد الشّريفة الأربعة: النّبوي، والعلوي، والفاطمي، والآمري - ممّا هو برسم الخاصّ والموالي والجهات بالقصور الزّاهرة والدّار المأمونية والأصحاب والحواشي - خارجا عمّا يطلق ممّا يصنع بدار الوكالة، ويفرّق على الشّهود والمتصدّرين والفقراء والمساكين ممّا يكون حسابه من غير هذه الخزائن: عشرون رطلا قلب فستق، حسابا لكلّ يوم مؤبّد منها خمسة أرطال.

стр. 1332

ما يستدعى برسم ليالي الوقود الأربع الكائنات في رجب وشعبان (١)، ممّا يعمل بالإيوان برسم الخاصّين والقصور خاصّة: عشرون رطلا، لكلّ ليلة خمسة أرطال. وأمّا ما ينصرف في الأسمطة واللّيالي المذكورات، في الجامع الأزهر بالقاهرة والجامع الظّاهري بالقرافة، فالحكم في ذلك يخرج عن هذه الخزائن، ويرجع إلى مشارف الدار السّعيدة. وكذلك ما يستدعيه المستخدمون في المطابخ الآمرية من التوسعة من هذا الصّنف المذكور في جملة غيره، برسم الأسمطة لمدّة تسعة وعشرين يوما من شهر رمضان ويوم (¬a) سلخه لأسماط فيه، وفي الأعياد جميعها بقاعة الذّهب. وما يستدعيه النّائب برسم ضيافة من يصرف من الأمراء في الخدم الكبار ويعود إلى الباب، ومن يرد إليه من جميع الضّيوف. وما يستدعيه المستخدمون في دار الفطرة برسم فتح الخليج، وهي الجملتان الكبيرتان فجميع ذلك لم يكن في هذه الخزائن محاسبته ولا ذكر جملته؛ والمعاملة فيه مع مشارف الدّار السّعيدة. وأمّا ما يطلق من هذا الصّنف من هذه الخزائن في هذه الولائم والأفراح وإرسال الإنعام، فهو شيء لم تتحقّق أوقاته ولا مبلغ استدعائه أنهى المملوكان ذلك. وللمجلس فضل السّموّ والقدرة فيما يأمر به إن شاء اللّه تعالى (٢). دار التّعبئة قال ابن المأمون: دار التّعبئة كانت في الأيام الأفضليّة تشتمل على مبلغ يسير، فانتهى الأمر فيها إلى عشرة دنانير كلّ يوم، خارجا عمّا هو موظّف على البساتين السّلطانية، وهو النّرجس والنّوفرين (¬b) الأصفر والأحمر، والنّخل الموقوف برسم الخاصّ، وما يصل إليه من الفيّوم وثغر الإسكندرية. ومن جملتها تعبئة القصور للجهات والخاصّ والسّيّدات ولدار الوزارة، وتعبئة المناظر في الرّكوبات إلى الجمع في شهر رمضان، خارجا عن تعبئة الحمّامات وما يحمل كلّ يوم من الزّهرة، وبرسم خزانة الكسوة الخاصّ، وبرسم المائدة، وتفرقة الثّمرة الصيفية في كلّ سنة على

стр. 1333

الجهات والأمراء والمستخدمين والحواشي والأصحاب، وما يحمل لدار الوزارة والضّيوف وحاشية دار الوزارة (١). خزانة الأدم قال: وأمّا الرّاتب من عند بركات الأدمي، فإنّه في كلّ شهر ثمانون (¬a) زوجا أوطيّة، من ذلك: برسم الخاصّ ثلاثون زوجا، برسم الجهات أربعون زوجا، برسم الوزارة عشرة أزواج خارجا عن السّباعيات، فإنّها تستدعى من خزانة الكسوة، وفي كلّ موسم تكون مذهّبة (٢). خزائن دار أفتكين قال ابن الطّوير: وكانت لهم دار كبرى يسكنها نصر الدّولة أفتكين الذي وافق نزار بن المستنصر بالإسكندرية، جعلوها برسم الخزن، فقيل: خزائن دار أفتكين. وتحتوي على أصناف عديدة من الشّمع المحمول من الإسكندرية وغيرها، وجميع القلوب المأكولة من الفستق وغيره، والأعسال على اختلاف أصنافها، والسكّر والقند والشّيرج والزّيت. فيخرج من هذه الخزائن بيد حاميها - وهو من الأستاذين المميّزين - ومشارفها - وهو من المعدّلين - راتب المطابخ خاصّا وعامّا ليوم أو لأيام يتّفق عليها (¬b) للمستخدمين ثم لأرباب التّوقيعات من الجهات، وأرباب الرّسوم في كلّ شهر من أرباب الرّتب، حتى لا يخرج عمّا يحتاجونه منها إلاّ اللّحم والخضراوات، فهي أبدا معمورة بذلك. انتهى (٣). / خبر نزار وأفتكين - لمّا مات الخليفة المستنصر باللّه أبو تميم معدّ ابن الإمام الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربع مائة، بادر الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القصر وأجلس أبا القاسم أحمد بن المستنصر في منصب الخلافة ولقّبه ب «المستعلي باللّه». وسيّر

стр. 1334

إلى الأمير نزار والأمير عبد اللّه والأمير إسماعيل أولاد المستنصر فجاءوا إليه، فإذا أخوهم أحمد - وهو أصغرهم - قد جلس على سرير الخلافة، فامتعضوا لذلك وشقّ عليهم. وأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض، وقال لهم: قبّلوا الأرض لمولانا «المستعلي باللّه» وبايعوه، فهو الذي نصّ عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك وقال كلّ منهم إنّ أباه وعده (¬a) بالخلافة. وقال نزار: لو قطّعت ما بايعت من هو أصغر منيّ سنّا، وخطّ والدي عندي بأنّي وليّ عهده وأنا أحضره. وخرج مسرعا ليحضر الخطّ، فمضى لا يدري به أحد، وتوجّه إلى الإسكندرية. فلمّا أبطأ مجيئه بعث الأفضل إليه ليحضر بالخطّ، فلم يعلم له خبرا، فانزعج لذلك انزعاجا عظيما. وكانت نفرة نزار من الأفضل لأمور: منها أنّه خرج يوما فإذا بالأفضل قد دخل من باب القصر وهو راكب، فصاح به نزار: انزل يا أرمنيّ الجنس، فحقدها عليه؛ وصار كلّ منهما يكره الآخر. ومنها أنّ الأفضل كان يعارض نزارا في أيّام أبيه، ويستخفّ به، ويضع من حواشيه وأسبابه، ويبطش بغلمانه. فلمّا مات المستنصر خافه لأنّه كان رجلا كبيرا، وله حاشية وأعوان، فقدّم لذلك أحمد بن المستنصر بعد ما اجتمع بالأمراء وخوّفهم من نزار، وما زال بهم حتى وافقوه على الإعراض عنه. وكان من جملتهم محمود بن مصال، فسيّر خفية إلى نزار، وأعلمه بما كان من اتّفاق الأفضل مع الأمراء على إقامة أخيه أحمد وإدارته لهم عنه. فاستعدّ للمسير إلى الإسكندرية هو وابن مصال. فلمّا فارق الأفضل ليحضر إليه بخطّ أبيه، خرج من القصر متنكّرا وسار هو وابن مصال إلى الإسكندرية وبها الأمير نصر الدّولة أفتكين - أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي - ودخلا عليه ليلا وأعلماه بما كان من الأفضل وتراميا عليه، ووعده نزار بأن يجعله وزيرا مكان الأفضل فقبلهما أتمّ قبول وبايع نزارا، وأحضر أهل الثّغر لمبايعته فبايعوه، ونعته ب «المصطفى لدين اللّه» (١). فبلغ ذلك الأفضل، فأخذ يتجهّز لمحاربتهم وخرج في آخر المحرّم سنة ثمان وثمانين بعساكره وسار إلى الإسكندرية؛ فبرز إليه نزار وأفتكين، وكانت بين الفريقين عدّة حروب شديدة انكسر

стр. 1335

فيها الأفضل ورجع بمن معه منهزما إلى القاهرة. فقوي نزار وأفتكين وصار إليهما كثير من العرب، واشتدّ أمر نزار وعظم واستولى على بلاد الوجه البحري. وأخذ الأفضل يتجهّز ثانيا إلى المسير لمحاربة نزار، ودسّ إلى أكابر العربان ووجوه أصحاب نزار وأفتكين (¬a) من استمالهم إليه وسار وكانت بينه وبينهم وقعة عظيمة انهزم فيها نزار وأفتكين (¬a)، وصاروا إلى الإسكندرية فنزل الأفضل إليها وحاصرها حصارا شديدا، وألحّ في مقاتلتهم، وبعث إلى أكابر أصحاب نزار ووعدهم. فلمّا كان في ذي القعدة، وقد اشتدّ البلاء من الحصار، جمع ابن مصال ماله وفرّ في البحر إلى جهة بلاد المغرب، ففتّ ذلك في عضد نزار وتبيّن فيه الانكسار. واشتدّ الأفضل وتكاثرت جموعه، فبعث نزار وأفتكين إليه يطلبان الأمان منه فأمّنهما، ودخل الإسكندرية، وقبض على نزار وأفتكين، وبعث بهما إلى القاهرة. فأمّا نزار فإنّه قتل في القصر بأن أقيم بين حائطين بنيا عليه فمات بينهما، وأمّا أفتكين فإنّه قتله الأفضل بعد قدومه (١). ودار أفتكين هذه كانت خارج القصر، وموضعها الآن حيث مدرسة القاضي الفاضل (٢) وآدرّه بدرب ملوخيّا (٣). خزانة البنود «البنود» هي الرّايات والأعلام، ويشبه أن تكون هي التي يقال لها في زمننا «العصائب السّلطانية» (٤).

стр. 1336

وكانت خزانة البنود ملاصقة للقصر الكبير ومن حقوقه فيما بين قصر الشّوك وباب العيد، بناها الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبو هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، وكان فيها ثلاثة آلاف صانع مبرّزين في سائر الصّنائع، (¬a) على ما ذكر ابن أبي طيّ في «تاريخه» (¬a) (١). وكانت أيام الظّاهر هذا سكونا وطمأنينة، وكان مشتغلا بالأكل والشّرب والنّزه وسماع الأغاني. وفي زمانه تأنّق أهل مصر والقاهرة في اتّخاذ المغاني (¬b) والرّقّاصات، وبلغ من ذلك المبالغ العجيبة، واتّخذت له حجر (¬c) المماليك، وكانوا يعلّمونهم فيها أنواع العلوم وأنواع آلة الحرب، وصنوف حيلها من الرّماية والمطاعنة والمسابقة وغير ذلك، (¬d) ذكر ذلك ابن أبي طيّ في سنة ٤٢٧ (¬d) (٢). وقال في كتاب «الذّخائر والتّحف (¬d) وما كان بالقصر من ذلك» وهو جمع بعض المصريين مجهول المصنّف وفيه فوائد جمّة ومنه نقلت ما نصّه (¬d): ولمّا وهب السّلطان - يعني الخليفة المستنصر - لسعد الدّولة المعروف ب «سلام عليك»، ما في خزانة البنود من جميع المتاع والآلات وغير ذلك، في اليوم السّادس من صفر سنة إحدى وستين وأربع مائة، حمل جميعه ليلا. وكان فيما وجد/ سعد الدّولة فيها ألف وتسع مائة درقة لمطي (¬e)، إلى ما سوى ذلك من آلات الحرب وما سواه وغير ذلك من القضب الفضّة والذّهب والبنود وما سواه. وفي خلال ذلك سقط من بعض الفرّاشين نقط شمع يتوقّد نارا، فصادف هناك أعدال كتّان ومتاعا كثيرا، فاحترق جميعه. وكانت لتلك غلبة عظيمة وخوف شديد فيما يليها من القصر ودور العامّة والأسواق (٣). وأعلمني من له خبرة بما كان في خزانة البنود أنّ مبلغ ما كان فيها من سائر الآلات والأمتعة والذّخائر لا تعرف (¬f) له قيمة عظما، وأنّ المنفق فيها كلّ سنة من سبعين ألف دينار إلى ثمانين

стр. 1337

ألف دينار، من وقت دخول القائد جوهر وبناء القصر من سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة إلى هذا الوقت، وذلك زائد عن مائة سنة، وأنّ جميعه باق فيها على الأيام لم يتغيّر، وأنّ جميعه احترق حتى لم يبق منه باقية ولا أثر، وأنّه احترق في هذه الليلة من قرابات النّفط عشرات ألوف، ومن زرّاقات النّفط أمثالها. فأمّا الدّرق والسّيوف والرّماح والنّشّاب فلا تحصى بوجه ولا سبب، مع ما فيها من قضب الفضّة وثيابها المذهبة وغيرها، والبنود المخملة، وسروج ولجم، وثياب الفرجية المصبّغات والبنّادين وغيرها، بعد أن أخذوا ما قدروا عليه، حتى لواء الحمد وسائر البنود وجميع العلامات والألوية والرّايات (¬a). وحدّثني من أثق به (¬b) ايضا أنّه احترق فيها من السّيوف عشرات ألوف وما لا يحصى كثرة، و (¬b) أنّ السّلطان بعد ذلك بمدّة طويلة احتاج إلى إخراج شيء من السّلاح لبعض مهمّاته، فأخرج من خزانة واحدة - ممّا بقي وسلم - خمسة عشر ألف سيف مجوهرة سوى غيرها. (¬c) حدّثني بجميعه الأجلّ عظيم الدّولة متولّي السّتر الشّريف (¬c) (١). انتهى. وجعلت خزانة البنود بعد هذا الحريق حبسا. وفيها يقول القاضي المهذّب بن الزّبير (٢) لمّا اعتقل بها، وكتب بها للكامل بن شاور: [الطويل] أيا صاحبي سجن الخزانة خلّيا … نسيم الصّبا يرسل إلى كبدي نفحا وقولا لضوء الصّبح هل أنت عائد … إلى نظري أم لا أرى بعدها صبحا؟ ولا تيأسا من رحمة اللّه أن أرى … سريعا بفضل الكامل العفو والصّفحا

стр. 1338

وقال: [الطويل] أيا صاحبي سجن الخزانة خلّيا … من الصّبح ما يبدو سناه لناظري فو اللّه ما أدري أطرفي ساهر … على طول هذا اللّيل أم غير ساهر؟ وما لي من أشكو إليه أذاكما … سوى ملك الدّنيا شجاع بن شاور (١) واستمرّت سجنا للأمراء والوزراء والأعيان إلى أن زالت الدولة، فاتّخذها ملوك بني أيّوب أيضا سجنا يعتقل فيه الأمراء والمماليك (٢). ومن غريب ما وقع بها أنّ الوزير أحمد بن علي الجرجرائي لمّا توفي، طلب الوزارة الحسن بن عليّ الأنباري فأجيب إليها، فتعجّل من سوء التدبير قبل تمامه ما فوّته مراده، وضيّع ماله ونفسه (٣). وذلك أنّه كان قد نبغ في أيام الحاكم بأمر اللّه أخوان يهوديّان يتصرّف أحدهما في التّجارة، والآخر في الصّرف وبيع ما يحمله التّجّار من العراق، وهما أبو سعد إبراهيم وأبو نصر هارون ابنا سهل التّستري، واشتهر من أمرهما في البيوع وإظهار ما يحصل عندهما من الودائع الخفيّة لمن يفتقد من التجّار في القرب والبعد، ما ينشأ به جميل الذّكر في الآفاق، فاتّسع حالهما لذلك. واستخدم الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبا سعد إبراهيم بن سهل التّستري في ابتياع ما يحتاج إليه من صنوف الأمتعة، وتقدّم عنده فباع له جارية سوداء فتحظّى بها الظّاهر وأولدها ابنه المستنصر. فرعت لأبي سعد ذلك، فلمّا أفضت الخلافة إلى المستنصر ولدها، قدّمت أبا سعد وتخصّصت به في خدمتها (٤). فلمّا مات الوزير الجرجرائي، وتكلّم ابن الأنباري في الوزارة، قصده أبو نصر أخو أبي سعد، فجبهه أحد أصحابه بكلام مؤلم، فظنّ أبو نصر أنّ الوزير ابن الأنباري إذا بلغه ذلك ينكر على غلامه ويعتذر إليه، فجاء منه خلاف ما ظنّه، وبلغه عنه أضعاف ما سمعه من الغلام، فشكا ذلك

стр. 1339

إلى أخيه أبي سعد وأعلمه بأنّ الوزير متغيّر النّيّة لهما. فلم يفتر أبو سعد عن ابن الأنباري، وأغرى به أمّ المستنصر مولاته، فتحدّثت مع ابنها الخليفة المستنصر في أمره حتى عزله عن الوزارة. فسعى أبو سعد عند أمّ المستنصر لأبي نصر صدقة بن يوسف الفلاحي في الوزارة، فاستوزره المستنصر، وتولّى أبو سعد الإشراف عليه، وصار الوزير الفلاحي منقادا لأبي سعد تحت حكمه. وأخذ الفلاحيّ يعمل على ابن الأنباري ويغري به، ويضع عليه ذنوبا (¬a)، ويذكر عنه ما يوجب الغضب عليه حتى تمّ له ما يريد، فقبض عليه، وخرّج عليه من الدّواوين أموالا كثيرة ممّا كان يتولاّه قديما، وألزمه بحملها، ونوّع له أصناف العذاب، واستصفى أمواله وهو معتقل/ بخزانة البنود، ثم قتله في يوم الاثنين الخامس من المحرّم سنة أربعين وأربع مائة بها (١). فاتّفق أنّ الفلاحيّ لمّا صرف عن الوزارة، اعتقل بخزانة البنود حيث كان ابن الأنباري ثم قتل بها. وحفر له ليدفن فظهر في الحفر رأس ابن الأنباري، قبل أن يمضي فيه القتل، فقال: لا إله إلاّ اللّه، هذا رأس ابن الأنباري أنا قتلته ودفنته ههنا، وأنشد: [الخفيف] ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحكا من تزاحم الأضداد فقتل ودفن في تلك الحفرة مع ابن الأنباري، فعدّ ذلك من غرائب الاتّفاق (٢). ثم إنّ خزانة البنود جعلت منازل للأسرى من الفرنج المأسورين من البلاد الشّامية أيام كانت محاربة المسلمين لهم. فأنزل بها الملك النّاصر محمد بن قلاوون الأسارى بعد حضوره من الكرك، وأبطل السّجن بها. فلم يزالوا فيها بأهاليهم وأولادهم في أيام السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون. فصار لهم فيها أفعال قبيحة وأمور منكرة شنيعة من التّجاهر ببيع الخمر، والتّظاهر بالزّنا واللّياطة، وحماية من يدخل إليها من أرباب الدّيون وأصحاب الجرائم وغيرهم، فلا يقدر أحد - ولو جلّ - على أخذ من صار إليهم واحتمى بهم والسّلطان يغضي عنهم لما يرى في ذلك من مراعاة المصلحة، والسّياسة التي اقتضاها الحال من مهادنة ملوك الفرنج.

стр. 1340

وكان يسكن بالقرب منها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار (١)، ويبلغه ما يفعله الفرنج من العظائم الشّنيعة فلا يقدر على منعهم. وفحش أمرهم، فرفع الخبر إلى السّلطان، وأكثر من شكايتهم غير مرّة، والسّلطان يتغافل عن ذلك إلى أن كثرت مفاوضة الحاج آل ملك للسّلطان في أمرهم، فقال له السّلطان: انتقل أنت عنهم يا أمير. فلم يسعه إلاّ الإعراض عن ذلك جملة، وعمّر داره التي بالحسينيّة والإسطبل والجامع المعروف بجامع آل ملك والحمّام والفندق (٢)، وانتقل من داره التي كان فيها بجوار خزانة البنود، وسكن بالحسينيّة إلى أن مات السّلطان الملك النّاصر في أخريات سنة إحدى وأربعين وسبع مائة. وتنقّل الملك في أولاده إلى أن جلس الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل ابن الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وضرب شورى على من يكون نائب السّلطنة (٣) بالدّيار المصرية يدبّر أحوال المملكة - كما كانت العادة في ذلك مدّة الدولة التركية - فأشير بتولية الأمير بدر الدّين جنكلي بن البابا (٤)، فتنصّل من ذلك وأبى قبوله. فعرضت النّيابة على الأمير الحاج آل ملك، فاستبشر وقال: لي شروط أشرطها على السّلطان، فإن أجابني إليها فعلت ما يرسم به، وهي: ألاّ يفعل شيء في المملكة إلاّ برأيي، وأن يمنع النّاس من شرب الخمر، ويقام منار الشّرع، ولا يعترض على أمر من الأمور فأجيب إلى ما سأل. وأحضرت التّشاريف، فأفيضت عليه بالجامع من قلعة الجبل في يوم الجمعة الثاني عشر من المحرّم سنة أربع وأربعين وسبع مائة، وأصبح يوم السبت جالسا في دار النّيابة من القلعة، وحكم بين النّاس. وأوّل ما بدأ به أن أمر والي القاهرة بالنّزول إلى خزانة البنود، وأن يحتاط على جميع ما فيها من الخمر والفواحش، ويخرج الأسرى منها، ويهدمها حتى يجعلها دكّا ويسوّي بها الأرض. فنزل إليها ومعه الحاجب في عدّة وافرة، وهجموا على من فيها وهم آمنون، وأحاطوا بسائر ما تشتمل عليه - وقد اجتمع من العامّة والغوغاء ما لا يقع عليه حصر - فأراقوا منها خمورا كثيرة تتجاوز الحدّ في الكثرة، وأخرج من كان فيها من النّساء البغايا وغيرهن من

стр. 1341

الشّباب وأرباب الفساد، وقبض على الفرنج والأرمن، وهدمها حتى لم يبق لها أثر. ونودي في النّاس فحكروها، وبنوا فيها الدّور والطّواحين على ما هي عليه الآن، وأمر بالأسرى فأنزلوا بالقرب من المشهد النّفيسي بجوار كيمان مصر فهم هناك إلى الآن، وأنزل من كان منهم أيضا بقلعة الجبل فأسكنوا معهم. وطهّر اللّه تلك الأرض منهم، وأراح العباد من شرّهم، فإنّها كانت شرّ بقعة من بقاع الأرض: يباع فيها لحم الخنزير على الوضم كما يباع لحم الضّأن، ويعصر فيها من الخمور في كلّ سنة ما لا يستطيع أحد حصره، حتى يقال إنّه كان يعصر بها في كلّ سنة اثنان وثلاثون ألف جرّة خمر، ويباع فيها الخمر نحو اثنى عشر رطلا بدرهم، إلى غير ذلك من سائر أنواع الفسوق (١). دار الفطرة قال ابن الطّوير: دار الفطرة خارج القصر بناها العزيز باللّه، وهو أوّل من بناها، وقرّر فيها ما يعمل ممّا يحمل إلى النّاس في العيد. وهي قبالة باب الدّيلم من القصر الذي يدخل منه إلى المشهد الحسيني. ويكون مبدأ الاستعمال فيها تحصيل جميع أصنافها من السّكّر والعسل والقلوب والزّعفران والطّيب والدّقيق، لاستقبال النّصف الثاني من شهر رجب كلّ سنة ليلا ونهارا، من الخشكنانج (٢) والبسندود، وأصناف الفانيد الذي يقال له كعب/ الغزال، والبزماورد (٣)

стр. 1342

والمفستق (¬a)، وهو شوابير مثال الصّنج. والمستخدمون يرفعون ذلك إلى أماكن وسيعة مصونة، فيحصل منه في الحاصل شيء عظيم هائل بيد مائة صانع: وللحلاويين مقدّم، وللخشكنانيين آخر. ثم يندب لها مائة فرّاش لحمل طيافير التّفرقة على أرباب الرّسوم، خارجا عمّن هو مرتّب لخدمتها من الفرّاشين الذين يحفظون رسومها ومواعينها الحاصلة بالدّائم، وعدّتهم خمسة. فيحضر إليها الخليفة والوزير معه، ولا يصحبه في غيرها من الخزائن لأنّها خارج القصر وكلّها للتّفرقة. فيجلس على سريره بها، ويجلس الوزير على كرسي مليّن (¬b) على عادته في النصف الثاني من شهر رمضان، ويدخل معه قوم من الخواصّ، ثم يشاهد ما فيها من تلك الحواصل المعمولة المعبّأة مثل الجبال من كلّ صنف، فيفرّقها من ربع قنطار إلى عشرة أرطال إلى رطل واحد وهو أقلّها. ثم ينصرف الخليفة والوزير بعد أن ينعم على مستخدميها بستين دينارا. ثم يحضر إلى حاميها ومشارفها الأدعية المعمولة المخرّجة من «دفتر المجلس»، كلّ دعو لفريق فريق من خاصّ وغيره، حتى لا يبقى أحد من أرباب الرّسوم إلاّ واسمه وارد في دعو من تلك الأدعية. ويندب صاحب الدّيوان الكتّاب المسلّمين في الدّيوان، فيسيّرهم إلى مستخدميها، فيسلّم كلّ كاتب دعوا أو دعوين أو ثلاثة، على كثرة ما تحتويه وقلته، ويؤمر بالتّفرقة من ذلك اليوم، فيقدّمون أبدا مائتي طيفور من العالي والوسط والدّون، فيحملها الفرّاشون برقاع من كتّاب الأدعيّة باسم صاحب ذلك الطّيفور علا أو دنا، وينزل اسم الفرّاش (¬c) أمام اسمه (¬c) بالدّعو وعريفه حتى لا يضيع منها شيء ولا يختلط. ولا يزال الفرّاشون يخرجون بالطّيافير ملأى ويدخلون بها فارغة، فبمقدار ما تحمل المائة الأولى عبئت المائة الثانية، فلا يفتر ذلك طول التفرقة. فأجلّ الطّيافير ما عدد خشكنانه مائة حبّة،

стр. 1343

ثم إلى سبعين وخمسين. ويكون على صاحب المائة طرحة فوق قوّارته (١)، ثم إلى خمسين، ثم إلى ثلاث وثلاثين، ثم إلى خمس وعشرين، ثم إلى عشرين. ونسبة منثور كلّ واحد على عدد خشكنانه. ثم العبيد السّودان بغير طيافير، كلّ طائفة يتسلّمه لها عرفاؤها في أفراد الخواصّ، لكلّ طائفة على مقدارها؛ الثلاثة الأفراد والخمسة والسبعة إلى العشرة. فلا يزالون كذلك إلى أن ينقضي شهر رمضان، ولا يفوت أحدا شيء من ذلك، ويتهاداه النّاس في جميع الإقليم. قال: وما ينفق في دار الفطرة، فيما يفرّق على النّاس منها، سبعة آلاف دينار (٢). وقال ابن عبد الظّاهر: دار الفطرة بالقاهرة قبالة مشهد الإمام الحسين ﵇ وهي الفندق الذي بناه الأمير سيف الدين بهادر الآن في سنة ستّ وخمسين وست مائة (٣)؛ أوّل من رتّبها الإمام العزيز باللّه، وهو أوّل من سنّها. وكانت الفطرة - قبل أن ينتقل الأفضل إلى مصر - تعمل بالإيوان وتفرّق منه (٤)؛ وعند ما تحوّل إلى مصر نقل الدّواوين من القصر إليها، واستجدّ لها مكانا قبالة دار الملك، إلاّ ديواني (¬a) المكاتبات والإنشاء فإنّهما كانا بقرب الدّار، ويتوصّل إليهما من القاعة الكبرى التي فيها جلوسه (٥). ثم استجدّ للفطرة دارا عملت بعد ذلك ورّاقة، وهي الآن دار الأمير عزّ الدّين الأفرم بمصر قبالة دار الوكالة (٦)، وعملت بها الفطرة مدّة، وفرّق منها إلاّ ما يخصّ الخليفة والجهات والسّيّدات

стр. 1344

والمستخدمات والأستاذين فإنّه كان يعمل بالإيوان على العادة. ولمّا توفّي الأفضل، وعادت الدّواوين إلى مواضعها، أنهى خاصّة الدّولة ريحان - وكان يتولّى بيت المال - أنّ المكان بالإيوان يضيق بالفطرة، فأمره المأمون أن يجمع المهندسين، ويقطع قطعة من إسطبل الطّارمة يبنيه دار الفطرة. فأنشأ الدّار المذكورة قبالة مشهد الحسين، والباب الذي بمشهد الحسين يعرف بباب الدّيلم، وصار يعمل بها ما استجدّ من رسوم المواليد والوقودات. وعقدت لها جملتان: إحداهما وجدت فسطرت، وهي عشرة آلاف دينار، خارجا عن جواري المستخدمين. والجملة الثانية فصّلت فيها الأصناف، وشرحها: دقيق ألف حملة، سكّر سبع مائة قنطار، قلب فستق ستة قناطير، قلب لوز ثمانية قناطير، قلب بندق أربعة قناطير، تمر أربع مائة أردبّ، زبيب ثلاث مائة أردب، خلّ ثلاثة قناطير، عسل نحل خمسة عشر قنطارا، شيرج مائتا قنطار، حطب ألف ومائتا حملة، سمسم أردبّان، آنيسون أردبّان، زيت طيّب برسم الوقود ثلاثون قنطارا، ماء ورد خمسون رطلا، مسك خمس نوافج، كافور قديم عشرة مثاقيل، زعفران مطحون مائة وخمسون درهما. وبيد الوكيل برسم المواعين والبيض والسّقّائين وغير ذلك من المؤن، على ما يحاسب به، ويرفع المخازيم (١): خمس مائة دينار. ووجدت بخطّ ابن ساكن قال: كان المرتّب في دار الفطرة ولها ما يذكر، وهو: زيت طيّب برسم القناديل خمسة عشر قنطارا، مقاطع سكندري برسم القوّارات ثلاث مائة مقطع، طيافير جدد برسم السّماط ثلاث مائة طيفور، شمع برسم السّماط وتوديع الأمراء ثلاثون قنطارا، أجرة الصّنّاع ثلاثة مائة دينار، جاري الحامي مائة وعشرون دينارا، جاري العامل والمشارف (¬a) مائة/ وثمانون دينارا (٢). و [للمشارف] (¬b) شقّة دبيقي بياض حريري، ومنديل دبيقي كبير حريري، وشقّة سقلاطون أندلسي يلبسها قدّام الفطرة يوم حملها، (¬c) ليفرّق طيافير الفطرة على الأمراء وأرباب الرّسومات

стр. 1345

وعلى طبقات النّاس، حتى تعمّ الكبير والصغير والضّعيف والقويّ (¬c). ويبدأ بها من أوّل رجب إلى آخر شهر (¬a) رمضان. ذكر ما اختصر من صفة الطّوافير (¬b) (١): الأعلى منها طيفور [مشوّر] (¬c) فيه مائة حبّة خشكنانج وزنها مائة رطل، وخمس عشرة قطعة حلاوة زنتها مائة رطل، سكّر سليماني وغيره عشرة أرطال، قلوبات ستة أرطال، بسندود عشرون حبّة، كعك وزبيب وتمر قنطار، جملة الطّيفور ثلاثة قناطير وثلث (¬d) ويحمله عدّة فراشين (¬d) إلى ما دون ذلك، على قدر الطّبقات، إلى عشر حبّات (٢). وقال ابن أبي طيّ: وعمل المعزّ لدين اللّه دارا سمّاها دار الفطرة. فكان يعمل فيها من الخشكنانج والحلواء والبسندود والفانيد والكعك والتّمر والبندق شيء كثير من أوّل رجب إلى نصف رمضان، فيفرّق جميع ذلك في جميع الناس، الخاصّ والعامّ على قدر منازلهم في أوان لا تستعاد. وكان قبل ليلة العيد يفرّق على الأمراء الخيول بالمراكب الذّهب والخلع النّفيسة والطّراز الذّهب، والثّياب برسم النساء (٣). المشهد الحسينيّ قال الفاضل محمد بن عليّ بن يوسف بن ميسّر: وفي شعبان - سنة إحدى وتسعين وأربع مائة - خرج الأفضل ابن أمير الجيوش بعساكر جمّة إلى بيت المقدس، وبه سكمان (¬e) وإيلغازي ابنا أرتق في جماعة من أقاربهما ورجالهما وعساكر كثيرة من الأتراك، فراسلهما الأفضل يلتمس منهما تسليم القدس إليه بغير حرب، فلم يجيباه لذلك، فقاتل أهل (¬a) البلد، ونصب عليها المجانيق وهدم منها جانبا، فلم يجدا بدّا من الإذعان له وسلّماه إليه، فخلع عليهما وأطلقهما (٤). وعاد في

стр. 1346

عساكره وقد ملك القدس، فدخل عسقلان، وكان بها مكان دارس فيه رأس الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄ فأخرجه وعطّره، وحمله في سفط (١) إلى أجلّ دار بها، وعمّر المشهد، فلمّا تكامل حمل الأفضل الرّأس الشّريف على صدره، وسعى به ماشيا إلى أن أحلّه في مقرّه. وقيل إنّ المشهد الذي بعسقلان بناه أمير الجيوش بدر الجمالي، وكمّله ابنه الأفضل (٢). وكان حمل الرأس إلى القاهرة من عسقلان ووصوله إليها في يوم الأحد ثامن جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمس مائة. وكان الذي وصل بالرّأس من عسقلان الأمير سيف المملكة تميم واليها كان، والقاضي المؤتمن ابن مسكين مشارفها. وحصل في القصر يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الآخرة المذكور (٣).

стр. 1347

ويذكر أنّ هذا الرّأس الشّريف لمّا أخرج من المشهد بعسقلان، وجد دمه لم يجفّ، وله ريح كريح المسك؛ فقدم به الأستاذ مكنون في عشاري من عشاريّات الخدمة، وأنزل به إلى الكافوري، ثم حمل في السّرداب إلى قصر الزّمرّد، ثم دفن عند قبّة الدّيلم بباب دهليز الخدمة (١). فكان كلّ من يدخل الخدمة يقبّل الأرض أمام القبر، وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر الإبل والبقر والغنم، ويكثرون النّوح والبكاء، ويسبّون من قتل الحسين. ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم. وقال ابن عبد الظّاهر: مشهد الإمام الحسين - صلوات اللّه عليه وسلامه (¬a) - قد ذكرنا أنّ طلائع بن رزّيك المنعوت بالصّالح، كان قد قصد نقل الرأس الشّريفة من عسقلان لمّا خاف عليها من الفرنج، وبنى جامعه خارج باب زويلة ليدفنه به ويفوز بهذا الفخار. فغلبه أهل القصر على ذلك وقالوا: لا يكون ذلك إلاّ عندنا، فعمدوا إلى هذا المكان وبنوه له ونقلوا الرّخام إليه، وذلك في خلافة الفائز على يد طلائع في سنة تسع وأربعين وخمس مائة (٢). وسمعت من يحكي حكاية يستدلّ بها على بعض شرف هذه الرأس المباركة (¬b)، وهي أنّ السّلطان الملك النّاصر ﵀ لمّا أخذ هذا القصر، وشي إليه بخادم له قدر في الدولة المصرية - وكان زمام القصر - وقيل إنّه يعرف الأموال التي بالقصر والدّفائن، فأخذ وسئل، فلم

стр. 1348

يجب بشيء وتجاهل. فأمر صلاح الدّين نوّابه بتعذيبه، فأخذه متولّي العقوبة، وجعل على رأسه خنافس، وشدّ عليها قرمزيّة - وقيل إنّ هذه أشدّ العقوبات، وأنّ الإنسان لا يطيق الصّبر عليها ساعة إلاّ تنقب دماغه وتقتله - ففعل ذلك به مرارا وهو لا يتأوّه، وتوجد الخنافس ميّتة؛ فعجب من ذلك وأحضره، وقال: هذا سرّ فيك، ولا بد أن تعرّفني به. فقال: واللّه ما سبب هذا إلاّ أنّي لمّا وصلت رأس الإمام الحسين حملتها؛ قال: وأيّ سبب (¬a) أعظم من هذا! وراجع في شأنه، فعفا عنه (١). ولمّا ملك السّلطان الملك النّاصر جعل به حلقة تدريس وفقهاء، وفوّضها للفقيه البهاء الدّمشقي، وكان يجلس للتّدريس عند المحراب الذي الضّريح خلفه. فلمّا وزر معين الدّين حسن ابن شيخ/ الشّيوخ بن حمويه، وردّ إليه أمر هذا المشهد بعد إخوته، جمع من أوقافه ما بنى به إيوان التّدريس الآن وبيوت الفقهاء العلوية خاصّة. واحترق هذا المشهد في الأيام الصّالحيّة في سنة بضع وأربعين وستّ مائة، وكان الأمير جمال الدين بن يغمور نائبا عن الملك الصّالح في القاهرة. وسببه أنّ أحد خزّان الشّمع دخل ليأخذ شيئا فسقطت منه شعلة، فوقف الأمير جمال الدّين المذكور بنفسه حتى طفئ. وأنشدته حينئذ فقلت: [الكامل] قالوا تعصّب للحسين ولم يزل … بالنّفس للهول المخوف معرّضا حتّى انضوى ضوء الحريق وأصبح ال … مسوّد من تلك المخاوف أبيضا أرضى الإله بما أتى فكأنّه … بين الأنام بفعله موسى الرّضا (٢) قال: ولحفظة الآثار وأصحاب الحديث ونقلة الأخبار ما إذا طولع وقف منه على المسطور، وعلم منه ما هو غير المشهور. وإنّما هذه البركات مشاهدة مرئية، وهي بصحّة الدّعوى مليّة، والعمل بالنيّة (٣).

стр. 1349

وقال في كتاب «الدّرّ النّظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرّحيم» (١): ومن جملة مبانيه: الميضأة قريب مشهد الإمام الحسين بالقاهرة والمسجد والسّاقية، ووقف عليها أراضي قريب الخندق ظاهر القاهرة، ووقفها دارّ جار، والانتفاع بهذه المثوبة عظيم. ولمّا هدم المكان الذي بني موضعه مئذنة، وجد فيه شيء من طلّسم لم يعلم لأي شيء هو، فيه اسم الظّاهر بن الحاكم واسم أمّه رصد (٢). خبر الحسين - هو الحسين بن عليّ بن أبي طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، أبو عبد اللّه، وأمّه فاطمة الزّهراء ابنة (¬a) رسول اللّه ﷺ (٣). ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل سنة ثلاث، وعقّ عنه رسول اللّه ﷺ يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه وأمر أن يتصدّق بزنته فضّة، وقال: «أروني ابني، ما سمّيتموه؟». فقال عليّ ابن أبي طالب: حربا. فقال: «بل هو حسين». وكان أشبه النّاس بالنّبيّ ﷺ ما كان أسفل من صدره، وكان فاضلا ديّنا، كثير الصّوم والصّلاة والحجّ (٤). وقتل يوم الجمعة، لعشر خلون من المحرّم يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة، بموضع يقال له «كربلاء» من أرض العراق بناحية الكوفة، ويعرف الموضع أيضا بالطّفّ، قتله سنان بن أنس النّخعي (¬b)، وقيل قتله رجل من مذحج، وقيل: قتله شمر بن ذي الجوشن وكان أبرص، وأجهز عليه خوليّ بن يزيد الأصبحي من حمير حزّ رأسه وأتى به (¬c) عبيد اللّه بن زياد وقال:

стр. 1350

[الرجز] أوقّر ركابي فضّة وذهبا … إنّي قتلت الملك المحجّبا قتلت خير النّاس أمّا وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا وقيل قتله عمر (¬a) بن سعد بن أبي وقّاص، وكان الأمير على الخيل التي أخرجها عبيد اللّه بن زياد إلى قتل الحسين، وأمّر عليهم عمر (¬a) بن سعد، ووعده أن يولّيه الرّيّ إن ظفر بالحسين وقتله (١). وقال ابن عبّاس ﵄: رأيت النّبيّ ﷺ فيما يرى النّائم نصف النّهار، وهو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمّي ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين لم أزل ألتقطه منذ اليوم». فوجد (¬b) قد قتل في ذلك اليوم (٢). وهذا البيت زعموا قديما لا يدرى قائله: [الوافر] أترجو أمّة قتلت حسينا … شفاعة جدّه يوم الحساب؟! وقتل مع الحسين سبعة عشر رجلا، كلّهم من ولد فاطمة، وقيل قتل معه من أهل بيته وإخوته ثلاثة وعشرون رجلا. وكان سبب قتله أنّه لمّا مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ (¬c) وأفضت الإمارة إلى ابنه يزيد بن معاوية (¬c) في سنة ستين، وردت بيعته (¬d) على الوليد بن عقبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها. فأرسل إلى الحسين بن عليّ وإلى عبد اللّه بن الزّبير ليلا، فأتى بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرّا، ولكنّا نبايع على رءوس النّاس إذا أصبحنا. فرجعا إلى بيوتهما وخرجا من ليلهما إلى مكّة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب. فأقام الحسين بمكّة شعبان ورمضان وشوّالا وذا القعدة، وخرج يوم التّروية يريد الكوفة بكتب أهل العراق إليه. فلمّا بلغ عبيد اللّه بن زياد مسير الحسين من مكّة، بعث الحصين بن تميم التّميمي صاحب شرطته، فنزل القادسيّة ونظم الخيل ما بينهما وبين جبل لعلع. فبلغ الحسين الحاجز له عن البلاد،

стр. 1351

فكتب إلى أهل الكوفة يعرّفهم بقدومه مع قيس بن مسهر، فظفر به الحصين، وبعث به إلى ابن زياد فقتله. وأقبل الحسين يسير نحو الكوفة، فأتاه خبر قتل مسلم بن عقيل وخبر قتل أخيه من الرّضاعة، فقام حتى أعلم النّاس بذلك، وقال: قد خذلنا شيعتنا، فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف، فليس عليه ذمام منّا، فتفرّقوا حتّى بقي في أصحابه الذين/ جاءوا معه من مكّة، وسار فأدركته الخيل، وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التّميمي، ونزل الحسين فوقفوا تجاهه وذلك في نحر الظهيرة، فسقى الحسين الخيل. وحضرت صلاة الظّهر فأذّن مؤذّنه، وخرج فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس إنّها معذرة إلى اللّه وإليكم، إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم: أن أقدم علينا فليس لنا إمام لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدى. وقد جئتكم فإن تعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم أقدم مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه، فسكتوا؛ وقال للمؤذّن: أقم، فأقام؛ وقال الحسين للحرّ: أتريد أن تصلّي أنت بأصحابك؟ قال: بل صلّ أنت ونصلّي بصلاتك؛ فصلّى بهم، ودخل فاجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه. ثم صلّى بهم العصر، واستقبلهم فحمد اللّه وأثنى عليه، وقال: يا أيّها النّاس إنّكم إن تتّقوا اللّه وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى للّه؛ ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، السّائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم (¬a)، انصرفت عنكم. فقال الحرّ: إنّا واللّه ما ندري ما هذه الكتب والرّسل التي تذكر؛ فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنشرها بين أيديهم؛ فقال الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك ألاّ نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد اللّه بن زياد. فقال الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك. ثم أمر أصحابه لينصرفوا فركبوا، فمنعهم الحرّ من ذلك، فقال له الحسين: ثكلتك أمّك، ما تريد؟ فقال له: واللّه لو كان غيرك من العرب يقولها ما تركت ذكر أمّه بالثّكل كائنا من كان، واللّه ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه؛ فقال له الحسين: ما تريد؟ قال: أريد أن أنطلق بك إلى ابن زياد. وتزايد (¬b) الكلام، فقال الحرّ: إنّي لم أومر بقتالك، إنّما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك (¬c)

стр. 1352

الكوفة، فخذ طريقا لا تدخلك الكوفة ولا تزول إلى المدينة حتى أكتب إلى ابن زياد، وتكتب أنت إلى يزيد أو إلى ابن زياد، فلعلّ اللّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلى بشيء من أمرك. فتياسر عن طريق العذيب (١) والقادسيّة، والحرّ يساره. فلمّا كان يوم الجمعة الثالث من المحرّم سنة إحدى وستين، قدم عمر (¬a) بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف، وبعث إلى الحسين رسولا يسأله: ما الذي جاء به؟ فقال: كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم، فإذا كرهوني فأنا أنصرف عنهم. فكتب عمر (¬a) إلى ابن زياد يعرّفه ذلك، فكتب إليه أن يعرض على الحسين بيعة يزيد، فإن فعل رأينا فيه رأينا، وإلاّ تمنعه ومن معه الماء. فأرسل عمر (¬a) بن سعد خمس مائة فارس، فنزلوا على الشّريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء، وذلك قبل قتله بثلاثة أيام، ونادى مناد: يا حسين ألا تنظر إلى (¬b) الماء، لا ترون (¬c) منه قطرة حتى تموت عطشا! ثم التقى الحسين بعمر (¬d) بن سعد مرارا؛ فكتب عمر (¬a) بن سعد إلى عبيد اللّه بن زياد: «أمّا بعد، فإنّ اللّه قد أطفأ الثّائرة وجمع الكلمة. وقد أعطاني الحسين أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه، أو أن نسيّره إلى أيّ ثغر من الثّغور شئنا (¬e)، أو أن يأتي يزيد أمير المؤمنين فيضع يده في يده، وفي هذا لكم رضى وللأمّة صلاح». فقال ابن زياد لشمر بن ذي الجوشن: اخرج بهذا الكتاب إلى عمر (¬a)، فليعرض على الحسين وأصحابه النّزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم، وإن أبوا فليقاتلهم. فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى فأنت الأمير عليه وعلى النّاس، واضرب عنقه وابعث إليّ برأسه؛ وكتب إلى عمر (¬a) بن سعد: «أمّا بعد، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه ولا لتمنّيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعا. انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم

стр. 1353

واستسلموا، فابعث بهم إليّ سلما، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون، فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره، فإنّه عاقّ شاقّ قاطع ظلوم. فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السّامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا، وخلّ بين شمر وبين العسكر. والسّلام». فلمّا أتاه الكتاب ركب والنّاس معه بعد العصر، فأرسل إليهم الحسين: ما لكم؟ فقالوا: جاء أمر الأمير بكذا؛ فاستمهلهم إلى غدوة. فلمّا أمسوا قام الحسين ومن معه الليل كلّه يصلّون ويستغفرون ويدعون ويتضرّعون. فلمّا صلّى عمر (¬a) بن سعد الغداة يوم السبت - وقيل يوم الجمعة يوم عاشوراء - خرج فيمن معه. وعبّأ الحسين أصحابه - وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا - وركب ومعه مصحف بين يديه وضعه أمامه، واقتتل أصحابه بين يديه. وأخذ عمر (¬a) بن سعد سهما فرمى به وقال: اشهدوا أنّي أوّل من رمى النّاس. وحمل أصحابه فصرعوا رجالا، وأحاطوا بالحسين من كلّ جانب، وهم يقاتلون قتالا شديدا حتى انتصف النّهار، ولا يقدرون يأتونهم إلاّ من وجه واحد. وحمل شمر حتى بلغ فسطاط الحسين. وحضر وقت الصّلاة فسأل الحسين أن يكفّوا عن القتال حتى يصلّي، ففعلوا. ثم اقتتلوا بعد الظهر أشدّ قتال، ووصل إلى الحسين وقد صرعت أصحابه، ومكث طويلا،/ من النّهار كلّما انتهى إليه رجل من النّاس رجع عنه وكره أن يتولّى قتله. فأقدم (¬b) عليه رجل من كندة يقال له مالك، فضربه على رأسه بالسّيف قطع البرنس وأدماه، فأخذ الحسين دمه بيده فصبّه في الأرض، ثم قال: «اللّهم إن كنت حبست عنّا النّصر من السّماء، فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم من هؤلاء الظّالمين». واشتدّ عطشه فدنا ليشرب، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه، فتلقّى الدّم بيده ورمى به إلى السّماء، ثم قال بعد حمد اللّه والثّناء عليه: «اللّهم إنّي أشكو إليك ما يصنع بابن بنت نبيّك؛ اللّهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا».

стр. 1354

فأقبل شمر في نحو عشرة إلى منزل الحسين، وحالوا بينه وبين رحله، وأقدم عليه وهو يحمل عليهم وقد بقي في ثلاثة، ومكث طويلا من النّهار، ولو شاءوا أن يقتلوه لقتلوه، ولكنّهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء. فنادى شمر في النّاس: ويحكم ما تنتظرون بالرّجل؟ اقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم (¬a). فحملوا عليه من كلّ جانب، فضرب زرعة بن شريك التّميمي كفّه الأيسر، وضرب عاتقه وهو يقوم ويكبو. فحمل عليه في تلك الحال سنان ابن أنس النّخعي فطعنه بالرّمح فوقع، وقال لخولي بن يزيد الأصبحي: احتزّ رأسه، فأرعد وضعف (١). فنزل إليه (¬b) وذبحه، وأخذ رأسه فدفعه إلى خولى، وسلب الحسين ما كان عليه حتى سراويله، ومال النّاس فانتهبوا ثقله ومتاعه وما على النّساء. ووجد بالحسين ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وأربعون ضربة. ثمّ (¬c) نادى عمر (¬d) بن سعد في أصحابه: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضّوا ظهره وصدره. وكان عدّة من قتل معه اثنين وسبعين رجلا، ومن أصحاب عمر (¬d) بن سعد ثمانية وثمانين رجلا غير الجرحى. ودفن أهل الغاضريّة من بني أسد الحسين بعد قتله بيوم (٢)، وبعد أن أخذ عمر (¬d) بن سعد رأسه ورءوس أصحابه، وبعث بها إلى ابن زياد، فأحضر الرءوس بين يديه، وجعل ينكث بقضيب ثنايا الحسين وزيد بن أرقم حاضر. وأقام ابن سعد بعد قتل الحسين يومين، ثم رحل إلى الكوفة ومعه بنات (¬e) الحسين وأخواته ومن كان معه من الصّبيان، وعليّ بن الحسين مريض، فأدخلهم على زياد. ولمّا مرّت زينب بالحسين صريعا صاحت: يا محمّداه هذا حسين بالعراء مزمّل بالدّماء مقطّع الأعضاء، يا محمّد بناتك سبايا وذريّتك مقتّلة! فأبكت كلّ عدوّ وصديق. وطيف برأس الحسين في الكوفة (¬f) على خشبة، ثم أرسل بها إلى يزيد بن معاوية، وأرسل

стр. 1355

النّساء والصّبيان وفي عنق عليّ بن الحسين ويديه الغل، وحملوا على الأقتاب. فدخل بعض بني أميّة على يزيد، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، فقد أمكنك اللّه من عدوّ اللّه وعدوّك، قد قتل ووجّه برأسه إليك. فلم يلبث إلاّ أيّاما حتى جيء برأس الحسين، فوضع بين يدي يزيد في طشت، فأمر الغلام فرفع الثّوب الذي كان عليه، فحين رآه خمّر وجهه بكمّه كأنّه يشمّ منه رائحة، وقال: الحمد للّه الذي كفانا المؤنة بغير مؤنة ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللّهُ﴾ [الآية ٦٤ سورة المائدة]. قالت ريّا حاضنة يزيد: فدنوت منه فنظرت إليه وبه ردغ من حنّاء. والذي أذهب نفسه، وهو قادر على أن يغفر له، لقد رأيته يقرع ثناياه بقضيب في يده، ويقول أبياتا من شعر ابن الزّبعري. ومكث الرأس مصلوبا بدمشق ثلاثة أيام ثم أنزل في خزائن السّلاح حتى ولي سليمان بن عبد الملك الملك فبعث إليه، فجيء به وقد نحل وبقي عظما أبيض، فجعله في سفط وطيّبه، وجعل عليه ثوبا، ودفنه في مقابر المسلمين. فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز، بعث إلى خازن بيت السّلاح: أن وجّه إليّ برأس الحسين بن عليّ، فكتب إليه أنّ سليمان أخذه وجعله في سفط، وصلّى عليه ودفنه. فلمّا دخلت المسوّدة سألوا عن موضع الرأس (¬a)، فنبشوه وأخذوه. واللّه أعلم ما صنع به. وقال السّندي (¬b): لمّا قتل الحسين بن عليّ بكت السّماء عليه، وبكاؤها حمرتها. وعن عطاء في قوله تعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ اَلسَّماءُ وَاَلْأَرْضُ﴾ [الآية ٢٩ سورة الدخان] قال: بكاؤها حمرة أطرافها. وعن عليّ بن مسهر، قال: حدّثتني جدّتي قالت: كنت أيّام الحسين جارية شابّة، فكانت السّماء أيّاما كأنّها علقة. وعن الزّهري: بلغني أنّه لم يقلب حجر من أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين إلاّ وجد تحته دم عبيط. ويقال إنّ الدّنيا أظلمت يوم قتل ثلاثا، ولم يمسّ أحد من زعفرانهم شيئا فجعله على وجهه إلاّ احترق. وأنّهم أصابوا إبلا في عسكر الحسين يوم قتل، فنحروها وطبخوها فصارت مثل العلقم، فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا. وروي أنّ السّماء أمطرت دما، فأصبح كلّ شيء لهم ملآن دما. ما كان يعمل في يوم عاشوراء - (¬c) أوّل من تظاهر بالحزن في يوم عاشوراء من الملوك معزّ الدّولة أحمد بن بويه، وذلك أنّه أمر في عاشر المحرّم من سنة اثنتين وخمسين وثلاث مائة أن يغلق النّاس

стр. 1356

ببغداد الحوانيت ويظهروا النّياحة وتخرج النّساء منتشرات الشعور مسوّدات الوجوه وقد شققن ثيابهنّ وهنّ يلطمن وينحن على الحسين، ففعل النّاس ذلك وما قدر أحد على إنكاره. ومن حينئذ تناقل الناس هذا الفعل وعمل بمصر (¬c). قال ابن زولاق في كتاب: «سيرة المعزّ لدين اللّه»: في يوم عاشوراء سنة ثلاث وستين وثلاث مائة، انصرف خلق من الشّيعة وأشياعهم إلى المشهدين قبر كلثم (¬a) ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالهم بالنّياحة والبكاء على الحسين ﵇ وكسروا أواني السّقّائين في الأسواق، وشقّقوا الرّوايا، وسبّوا من ينفق في هذا/ اليوم، ونزلوا حتى بلغوا مسجد الرّيح، وثارت عليهم جماعة من رعيّة أسفل. فخرج أبو محمد الحسين بن عمّار - وكان يسكن هناك في دار محمّد بن أبي بكر - وأغلق الدّرب ومنع الفريقين، ورجع الجميع، فحسن موقع ذلك عند المعزّ. ولولا ذلك لعظمت الفتنة؛ لأنّ النّاس قد غلّقوا الدّكاكين وأبواب الدور، وعطّلوا الأسواق (١). وإنّما قويت أنفس الشّيعة بكون المعزّ بمصر، وقد كانت مصر لا تخلو (¬b) في أيام الإخشيدية والكافورية من الفتن (¬c) في يوم عاشوراء عند قبر كلثم (¬a) وقبر نفيسة. وكان سودان كافور (¬d) يتعصّبون على الشّيعة، ويتعلّق السّودان في الطّرقات (¬e) بالنّاس ويقولون للرجل: من خالك؟ فإن قال معاوية أكرموه، وإن سكت لقي المكروه، وأخذت ثيابه وما معه - حتى كان كافور قد وكّل بالصّحراء، ومنع النّاس من الخروج (٢). وقال المسبّحيّ: وفي يوم عاشوراء - يعني من سنة ستّ وتسعين وثلاث مائة - جرى الأمر فيه على ما يجري كلّ سنة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة، ونزولهم مجتمعين بالنّوح والنّشيد. ثم جمع بعد هذا اليوم قاضي القضاة عبد العزيز بن النّعمان سائر المنشدين الذين يتكسّبون بالنّوح والنّشيد، وقال لهم: لا تلزموا النّاس أخذ شيء منهم إذا وقفتم على حوانيتهم، ولا تؤذوهم، ولا تتكسّبوا بالنّوح والنّشيد، ومن أراد ذلك فعليه بالصّحراء.

стр. 1357

ثم اجتمع بعد ذلك طائفة منهم يوم الجمعة في الجامع العتيق بعد الصّلاة وأنشدوا، وخرجوا على الشّارع بجمعهم وسبّوا السّلف. فقبضوا على رجل، ونودي عليه: هذا جزاء من سبّ عائشة وزوجها ﷺ . (¬a) فاجتمع الرّعاع والغوغاء معه وسبّوا السّلف (¬a) وقدّم الرجل بعد النّداء وضرب عنقه (١). وقال ابن المأمون: وفي يوم عاشوراء - يعني من سنة خمس عشرة وخمس مائة - عبّئ السّماط بمجلس العطايا من دار الملك بمصر - التي كان يسكنها الأفضل ابن أمير الجيوش - وهو السّماط المختصّ بعاشوراء، وهو يعبّأ في غير المكان الجاري به العادة في الأعياد، ولا يعمل مدوّرة خشب بل سفرة كبيرة من أدم، والسّماط يعلوها من غير مرافع نحاس، وجميع الزّبادي أجبان وسلائق (¬b) ومخلّلات وجميع الخبز من شعير. وخرج الأفضل من باب فرد الكمّ، وجلس على بساط صوف من غير مسورة (٢)، واستفتح المقرئون، واستدعيت (¬c) الأشراف على طبقاتهم، وحمل السّماط لهم. وقد عمل في الصّحن الأوّل الذي بين يدي الأفضل إلى آخر السّماط عدس أسود، ثم بعده عدس مصفّى إلى آخر السّماط، ثم رفع وقدّمت صحون جميعها عسل نحل (٣). ولمّا كان يوم عاشوراء - يعني من سنة ستّ عشرة وخمس مائة - جلس الخليفة الآمر بأحكام اللّه على باب الباذهنج - يعني من القصر - بعد قتل الأفضل وعود الأسمطة إلى القصر، على كرسي جريد بغير مخدّة، متلثّما هو وجميع حاشيته، فسلّم عليه الوزير المأمون وجميع الأمراء الكبار والصّغار بالقراميز (٤)، وأذن للقاضي والداعي والأشراف والأمراء بالسّلام عليه، وهم بغير مناديل - (¬d) يعني عمائم (¬d) - ملثّمون حفاة. وعبّئ السّماط في غير موضعه المعتاد، وجميع ما عليه خبز الشّعير والحواضر على ما كان في الأيام الأفضليّة. وتقدّم إلى واليي مصر والقاهرة بألاّ يمكّنا أحدا من جمع ولا قراءة مصرع الحسين. وخرج

стр. 1358

الرّسم المطلق للمتصدّرين والقرّاء الخاصّ والوعّاظ والشّعراء وغيرهم على ما جرت به عادتهم (١). قال: وفي ليلة عاشوراء - من سنة سبع عشرة وخمس مائة - اعتمد الأجلّ الوزير المأمون الوزير (¬a) على السّنّة الأفضليّة من المضيّ فيها إلى التّربة الجيوشية، وحضور جميع المتصدّرين والوعّاظ وقرّاء القرآن إلى آخر الليل، وعوده إلى داره. واعتمد في صبيحة الليلة المذكورة مثل ذلك، وجلس الخليفة على الأرض متلثّما بزيّ (¬b) الحزن، وحضر من شرف بالسّلام عليه والجلوس على السّماط بما جرت به العادة (٢). قال ابن الطّوير: إذا كان اليوم العاشر من المحرّم احتجب الخليفة عن النّاس، فإذا علا النّهار ركب قاضي القضاة والشّهود وقد غيّروا زيّهم - فيكونون كما هم اليوم - ثم صاروا إلى المشهد الحسيني - وكان قبل ذلك يعمل في الجامع الأزهر - فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قرّاء الحضرة والمتصدّرين في الجوامع، جاء الوزير فجلس صدرا، والقاضي والدّاعي من جانبيه، والقرّاء يقرأون نوبة بنوبة، وينشد قوم من الشّعراء غير شعراء الخليفة شعرا يرثون به أهل البيت ﵈. فإن كان الوزير رافضيّا تغالوا، وإن كان سنّيّا اقتصدوا (٣). ولا يزالون كذلك إلى أن تمضي ثلاث ساعات، فيستدعون إلى القصر بنقباء الرّسائل، فيركب الوزير وهو بمنديل صغير إلى داره، ويدخل قاضي القضاة والدّاعي ومن معهما إلى باب الذّهب فيجدون الدّهاليز قد فرشت مساطبها بالحصر بدل البسط، وينصب في الأماكن الخالية من المصاطب دكك لتلحق بالمساطب وتفرش (¬c)، ويجدون صاحب الباب جالسا هناك فيجلس القاضي والدّاعي إلى جانبه، والنّاس على اختلاف طبقاتهم، فيقرأ القرّاء وينشد المنشدون أيضا، (¬d) ثم يفرش وسط القاعة بالحصر المقلوبة ليس على وجوهها وإنّما تخالف مقاربتها (¬d)، ثم يفرش عليها «سماط الحزن» مقدار ألف زبدية من العدس والملوحات والمخلّلات والأجبان والألبان السّاذجة والأعسال النّحل والفطير والخبز المغيّر لونه بالقصد. فإذا قرب الظّهر وقف صاحب الباب وصاحب المائدة، وأدخلا (¬e)/ النّاس للأكل منه. فيدخل القاضي والدّاعي، ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير،

стр. 1359

والمذكوران إلى جانبيه (¬a)، وفي النّاس من لا يدخل، ولا يلزم أحد بذلك. فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أماكنهم ركبانا بذلك الزّيّ الذي ظهروا فيه، وطاف النّوّاح بالقاهرة ذلك اليوم، وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى جواز العصر، فيفتح النّاس بعد ذلك ويتصرّفون (١). ذكر أبواب القصر الكبير الشّرقيّ وكان لهذا القصر الكبير الشّرقي تسعة أبواب: أكبرها وأجلّها باب الذّهب، ثم باب البحر، ثم باب الرّيح، ثم باب الزّمرّد، ثم باب العيد، ثم باب قصر الشّوك، ثم باب الدّيلم، ثم باب تربة الزّعفران، ثم باب الزّهومة (٢). باب الذّهب وهو باب القصر الذي تدخل منه العساكر وجميع أهل الدولة، في يومي الاثنين والخمسين، للموكب المقدّم ذكره بقاعة الذّهب (٣). قال ابن أبي طيّ عن المعزّ لدين اللّه: إنّه لمّا خرج من بلاد المغرب أخرج أموالا كانت له ببلاد المغرب، وأمر بسبكها أرحية كأرحية الطّواحين، وأمر بها حين دخل إلى مصر فألقيت على باب قصره، وهي التي كان النّاس يسمّونها الحشرات. ولم تزل على باب القصر أبواب القصر الفاطمي الكبير

стр. 1360

إلى أن كان زمن الغلاء في أيّام الخليفة المستنصر باللّه، فلمّا ضاق بالنّاس الأمر، أذن لهم أن يبردوا منها بمبارد، فاتّخذ النّاس مبارد حادّة، وغرّهم الطّمع حتى ذهبوا بأكثرها، فأمر بحمل الباقي إلى القصر فلم تر بعد ذلك. وقال ابن ميسّر: إنّ المعزّ لمّا قدم إلى القاهرة كان معه مائة جمل عليها الطّواحين من الذّهب. وقال غيره: كانت خمس مائة جمل على كلّ جمل ثلاثة أرحية ذهبا، وإنّه عمل عضادتي الباب من تلك الأرحية، واحدة فوق أخرى، فسمّي باب الذّهب. جلوس الخليفة في المواليد بالمنظرة علوّ باب الذّهب - قال ابن المأمون في أخبار سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وفي الثاني عشر من المحرّم كان المولد الآمريّ، واتّفق كونه في هذا الشهر يوم الخميس، وكان قد تقرّر أن يعمل أربعون صينية خشكنانج وحلوى وكعك، وأطلق برسم المشاهد المحتوية على الضّرائح الشّريفة لكلّ مشهد سكّر وعسل ولوز ودقيق وشيرج. وتقدّم بأن يعمل خمس مائة رطل حلوى، وتفرّق على المتصدّرين والقرّاء والفقراء: للمتصدّرين ومن معهم في صحون، وللفقراء على أرغفة السّميذ. ثم حضر في الليلة المذكورة القاضي والدّاعي والشّهود، وجميع المتصدّرين وقرّاء الحضرة، وفتحت الطّاقات التي قبليّ باب الذّهب، وجلس الخليفة وسلّموا عليه. ثم خرج متولّي بيت المال بصندوق مختوم، ضمنه عينا: مائة دينار وألف وثمان مائة وعشرون درهما برسم أهل القرافة وساكنيها وغيرهم. وفرّقت الصّواني بعد ما حمل منها للخاصّ، وزمام القصر، ومتولّي الدّفتر خاصّة، وإلى دار الوزارة، والأجلاّء الأخوة والأولاد، وكاتب الدّست، ومتولّي حجبة الباب، والقاضي، والدّاعي، ومفتي الدّولة، ومتولّي دار العلم، والمقرئين الخاصّ، وأئمّة الجوامع بالقاهرة ومصر وبقية الأشراف (١). قال: وخرج الأمر - يعني في سنة سبع عشرة وخمس مائة - بإطلاق ما يخصّ المولد الآمري برسم المشاهد الشّريفة (٢) من سكر وعسل وشيرج ودقيق، وما يصنع ممّا يفرّق على المساكين بالجامعين الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وبالقرافة خمسة قناطير حلوى وألف رطل دقيق، وما يعمل بدار الفطرة ويحمل للأعيان والمستخدمين من بعد القصور والدّار المأمونية أربعين صينية خشكنانج.

стр. 1361

وحضر القاضي والدّاعي والمستخدمون بدار العيد (¬a) والشّهود في عشيّة اليوم المذكور، وقطع سلوك الطريق بين القصرين، وجلس الخليفة في المنظرة، وقبّلوا الأرض بين يديه، والمقرئون الخاصّ جميعهم يقرأون القرآن، وتقدّم الخطيب وخطب خطبة وسّع القول فيها، وذكر الخليفة والوزير، ثم حضر من أنشد وذكر فضيلة الشّهر والمولود فيه. ثم خرج متولّي بيت المال ومعه صندوق من مال النّجاوى خاصّة، مما يفرّق على الحكم المتقدّم ذكره (١). قال: واستهلّ ربيع الأوّل، ونبدأ بما شرف به الشهر المذكور، وهو ذكر مولد سيّد الأوّلين والآخرين محمّد ﷺ لثلاث عشرة منه، وأطلق ما هو برسم الصّدقات من مال النّجاوى خاصّة ستة آلاف درهم، ومن الأصناف من دار الفطرة أربعون صينية فطرة، ومن الخزائن برسم المتولّين والسّدنة للمشاهد الشّريفة (٢) التي بين الجبل والقرافة التي فيها أعضاء آل رسول اللّه ﷺ سكّر وعسل ولوز وشيرج لكلّ مشهد، وما يتولّى تفرقته سناء الملك بن ميسّر أربع مائة رطل حلاوة وألف رطل خبز (٣). قال: وكان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطل أمر المواليد الأربعة: النّبوي، والعلوي، والفاطمي، والإمام الحاضر وما يهتم به، وقدم العهد به حتى نسي/ ذكرها، فأخذ الأستاذون يجدّدون ذكرها للخليفة الآمر بأحكام اللّه ويردّدون الحديث معه فيها، ويحسّنون له مفاوضة (¬b) الوزير بسببها وإعادتها وإقامة الجواري والرّسوم فيها. فأجاب إلى ذلك، وعمل ما ذكر (٤). وقال ابن الطّوير: ذكر جلوس الخليفة في الموالد السّتّة في تواريخ مختلفة، وما يطلق فيها - وهي: مولد النّبيّ ﷺ (٥)، ومولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ومولد فاطمة ﵍، ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد الخليفة الحاضر - ويكون هذا الجلوس في

стр. 1362

المنظرة التي هي أنزل المناظر، وأقرب إلى الأرض، قبالة دار فخر الدّين جهاركس والفندق المستجدّ. فإذا كان اليوم الثاني عشر من ربيع الأوّل، تقدّم بأن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارا من السّكّر اليابس حلواء يابسة من طرائفها، وتعبّأ في ثلاث مائة صينية من النّحاس - وهو مولد النبيّ ﷺ فتفرّق تلك الصّواني في أرباب الرّسوم من أرباب الرّتب، وكلّ صينية في قوّارة، من أوّل النّهار إلى ظهره (١). فأوّل أرباب الرّسوم قاضي القضاة، ثم داعي الدّعاة، ويدخل في ذلك القرّاء بالحضرة، والخطباء والمتصدّرون بالجوامع بالقاهرة وقومة المشاهد. ولا يخرج ذلك عمّا يتعلّق بهذا الجانب بدعو يخرج من دفتر المجلس كما قدّمناه (٢). فإذا صلّى الظّهر ركب قاضي القضاة والشّهود بأجمعهم إلى الجامع الأزهر، ومعهم أرباب تفرقة الصّواني، فيجلسون مقدار قراءة الختمة الكريمة. ثم يستدعى قاضي القضاة ومن معه، فإن كانت الدّعوة مضافة إليه وإلاّ حضر الدّاعي معه بنقباء الرّسائل، فيركبون ويسيرون إلى أن يصلوا إلى آخر المضيق من السّيوفيين، قبل الابتداء بسلوك (¬a) بين القصرين، فيقفوا هناك. وقد مسكت (¬b) الطريق على السالكين من الرّكن المخلّق ومن سويقة أمير الجيوش عند الحوض هناك، وكنست الطريق فيما بين ذلك ورشّت بالماء رشّا خفيفا، وفرش تحت المنظرة المذكورة بالرّمل الأصفر. ثم يستدعى صاحب الباب من دار الوزارة، ووالي القاهرة ماض وعائد يحفظ (¬c) ذلك الموضع (¬d) من الازدحام على نظر الخليفة. فيكون بروز صاحب الباب من الرّكن المخلّق هو وقت استدعاء القاضي ومن معه من مكان وقوفهم، فيقربون من المنظرة، ويترجّلون قبل الوصول إليها يخطوات، فيجتمعون تحت المنظرة دون السّاعة الزّمانية بسمت وتسوّف لانتظار الخليفة. فتفتح إحدى الطّاقات فيظهر منها وجهه وما عليه من المنديل، وعلى رأسه عدّة من الأستاذين المحنّكين وغيرهم من الخواصّ منهم. ويفتح بعض الأستاذين طاقة، ويخرج منها رأسه ويده اليمنى في كمّه، ويشير به قائلا: «أمير المؤمنين يردّ عليكم السّلام»، فيسلّم بقاضي القضاة أوّلا بنعوته، وبصاحب الباب بعده كذلك، وبالجماعة الباقية جملة جملة من غير تعيين أحد.

стр. 1363

فيستفتح قرّاء الحضرة بالقراءة، ويكونون قياما في الصّدر وجوههم للحاضرين، وظهورهم إلى حائط المنظرة. فيقدّم خطيب الجامع الأنور - المعروف بجامع الحاكم - فيخطب كما يخطب فوق المنبر إلى أن يصل إلى ذكر النّبيّ ﷺ فيقول: وإنّ هذا يوم مولده إلى ما منّ اللّه تعالى (¬a) به على ملّة الإسلام من رسالته، ثم يختم كلامه بالدّعاء للخليفة؛ ثم يؤخّر، ويقدّم خطيب الجامع الأزهر فيخطب كذلك، ثم خطيب الجامع الأقمر فيخطب كذلك. والقرّاء في خلال خطابة الخطباء يقرأون. فإذا انتهت خطابة الخطباء، أخرج الأستاذ رأسه ويده في كمّه من طاقته، وردّ على الجماعة السّلام، ثم تغلق الطّاقتان فتنفضّ النّاس. ويجري أمر الموالد الخمسة الباقية على هذا النّظام إلى حين فراغها على عدّتها من غير زيادة ولا نقص (١). انتهى. وهذا الباب صار بعد زوال الدّولة الفاطمية يقابل دار الأمير فخر الدّين جهاركس الصّلاحي، التي عرفت بعد ذلك بالدّار القطبيّة، وهي الآن المارستان المنصوري، وصار موضع هذا الباب محراب المدرسة الظّاهرية الركنية بيبرس (¬b). باب البحر هو من إنشاء الحاكم بأمر اللّه أبي عليّ منصور، وهدم في أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، وشوهد فيه أمر عجيب. قال جامع «السّيرة الظّاهريّة»: لمّا كان يوم عاشوراء - يعني من سنة اثنين وسبعين وست مائة - رسم بنقض علوّ أحد أبواب القصر المسمّى بباب البحر، قبالة المدرسة دار الحديث الكاملية، لأجل نقل عمد فيه لبعض العمائر السّلطانية، فظهر صندوق في حائط عليه. فللوقت أحضرت الشّهود وجماعة كثيرة، وفتح الصّندوق فوجد فيه صورة من نحاس أصفر مفرّغ على كرسي شكل الهرم ارتفاعه قدر شبر، له أربعة أرجل تحمل الكرسي، والصّنم جالس عليه (¬c) متورّكا، وله يدان مرفوعتان ارتفاعا جيدا، يحمل صفيحة (¬d) دورها قدر ثلاثة أشبار. وفي هذه الصّفيحة (¬e) أشكال ناتئة (¬f)، وفي الوسط صورة رأس بغير جسد، ودائره مكتوب كتابة بالقبطي وبالقلفطيريات، وإلى جانبها في الصّفحية (¬e) شكل له قرنان يشبه شكل

стр. 1364

السّنبلة، وإلى الجانب الآخر/ شكل آخر وعلى رأسه صليب، والآخر في يده عكّاز وعلى رأسه صليب، وتحت أرجلهم أشكال طيور، وفوق رءوس الأشكال كتابة. ووجد مع هذا الصّنم في الصّندوق لوح من ألواح الصّبيان التي يكتبون فيها بالمكاتب، مدهون وجهه الواحد أبيض، ووجهه الواحد أحمر، وفيه كتابة قد تكشّط أكثرها من طول المدّة. وقد بلي اللّوح، وما بقيت الكتابة تلتئم ولا الخطّ يفهم (١). وهذا نصّ ما فيه، وأخليت مكان كتابته التي تكشّطت، وأمّا الوجه الأبيض فهو مكتوب بقلم الصّفيحة (¬a) القبطي. والمكتوب في الوجه الأحمر على هذه الصّورة: السّطر الأوّل: بقي منه مكتوبا الإسكندر. السّطر الثاني: الأرض وهبها له. السّطر الثالث: وجرّب لكلّ. السّطر الرابع: أصحاب. السّطر الخامس: وهو يحرص. السّطر السادس: واحترازه بقوّة. السّطر السابع: الملك مرجو وأبواب. السّطر الثامن: غير بيته سبعة. السّطر التاسع: عالم حكيم عالم في عقله. السّطر العاشر: وصفها فلا تفسد. السّطر الحادي عشر: طارد كلّ سوء، والذي صاغها النّساء. السّطر الثاني عشر: سدّ أيضا كلّ آثار أسديّة بيبرس وهي أحد. السّطر الثالث عشر: بيبرس ملك الزمان والحكمة، كلمة اللّه . هذا صورة ما وجد في اللّوح ممّا بقي من الكتابة، والبقيّة قد تكشّط. وقيل إنّ هذا اللّوح بخطّ الخليفة الحاكم، وأعجب ما فيه اسم السّلطان، وهو بيبرس. ولمّا شاهد السّلطان ذلك أمر بقراءته، فعرض على قرّاء الأقلام فقرئ، وذلك بالقلم القبطي. ومضمونه: طلّسم عمل للظّاهر بن الحاكم، واسم أمّه رصد، وفيه أسماء الملائكة وعزائم ورقى وأسماء روحانية وصور ملائكة، أكثره حرس لديار مصر وثغورها، وصرف الأعداء عنها (٢) وكفّهم عن طروقهم إليها، وابتهال إلى اللّه تعالى بأقسام كثيرة بحماية الديار المصرية، وصونها من الأعداء،

стр. 1365

وحفظها من كلّ طارق من جميع الأجناس. وتضمّن هذا الطّلّسم كتابة بالقلفطيريات وأوفاقا وصورا وخواصّ لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى. وحمل هذا الطّلّسم إلى السّلطان، وبقي في ذخائره. قال: ورأيت في كتاب عتيق رثّ سمّاه مصنّفه «وصيّة الإمام العزيز باللّه والد الإمام الحاكم بأمر اللّه لولده المذكور»، وقد ذكر فيه الطّلّسمات التي على أبواب القصر، ومن جملتها أنّ أوّل البروج (¬a) الحمل، وهو بيت المرّيخ وشرف الشّمس، وله القوّة على جميع سلطان الفلك لأنّه صاحب السّيف وإسفهسلارية العسكر بين يدي الشّمس الملكة، وله الأمر والحرب والسّلطان والقوّة، والمستولي لقوّة روحانيته على مدينتنا. وقد أقمنا طلّسما لساعته ويومه، لقهر الأعداء (١) وذلّ المنافقين، في مكان أحكمناه على إشرافه عليه، والحصن الجامع لقصره (¬b)، مجاورا لأوّل باب بنيناه، هذا نصّ ما رأيته. انتهى. ولعلّ معنى كتابة بيبرس في هذا اللّوح إشارة إلى أنّ هدم هذا الباب يكون على زمان بيبرس، فإنّ القوم كانت لهم معارف كثيرة، وعنايتهم بهذا الفنّ وافرة كبيرة. واللّه أعلم. وموضع باب البحر هذا اليوم يعرف بباب قصر بشتاك قبالة المدرسة الكاملية (٢). باب الرّيح كان على ما أدركته تجاه سور سعيد السّعداء، على يمنة السالك من الرّكن المخلّق إلى رحبة باب العيد. وكان بابا مربّعا كبيرا (¬c) يسلك فيه من دهليز مستطيل مظلم إلى حيث المدرسة السّابقيّة (٣) ودار الطّواشي سابق الدّين وقصر أمير السّلاح (٤)، وينتهي إلى بين القصرين تجاه حمّام البيسري.

стр. 1366

وعرف هذا الباب في الدّولة الأيوبية بباب قصر ابن الشّيخ، وذلك أنّ الوزير الصّاحب معين الدّين حسن (¬a) بن شيخ الشّيوخ، وزير الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، كان يسكن بالقصر الذي في داخل هذا الباب، ثم قيل له في زماننا باب القصر. وكان على حاله له عضادتان من حجارة، ويعلوه أسكفّة حجر مكتوب فيها نقرا في الحجر عدّة أسطر بالقلم الكوفي لم يتهيّأ لي قراءة ما فيها، وكان دهليز هذا الباب عريضا يتجاوز عرضه فيما أقدّر العشرة أذرع في طول كبير جدّا، ويعلو هذا الباب دور للسّكنى تشرف على الطريق. وما زال على ذلك إلى أن أنشأ الأمير الوزير المشير جمال الدّين يوسف الأستادّار مدرسته برحبة باب العيد (١)، واغتصب لها أملاك النّاس، وكان ممّا اغتصب ما بجوار المدرسة المذكورة من الحوانيت والرّباع التي فوقها وما جاور ذلك، وهدمها ليبنيها على ما يريد. فهدم هذا الباب في صفر سنة إحدى عشرة وثمان مائة، وبنى في مكانه ومكان الدّهليز المظلم الذي كان ينتهي بالسّالك فيه من هذا الباب إلى المدرسة السّابقيّة، هذه القيسارية الكبيرة ذات الحوانيت والفسقيّة (¬b) والأبواب الجديدة، ودخل فيها بعض ممّا كان بجانبي هذا الباب من الحوانيت وعلوّها (٢). ولمّا هدم هذا الباب ظهر في داخل بنيانه شخص؛ وبلغني ذلك فسرت إلى الأمير المذكور - وكان بيني وبينه صحبة - لأشاهد (¬c) الشّخص المذكور، والتمست منه إحضاره. فأخبرني أنّه أحضر إليه شخص من حجارة قصير القامة إحدى عينيه أصغر من أختها (¬d). فقلت: لا بد لي من مشاهدته؛ فأمر/ بإحضار الموكّل بعمارته (¬e) - وأنا معه إذ ذاك في موضع الباب، وقد هدم ما كان فيه من البناء - (¬f) وأمره بإحضار الشخص (¬f)، فذكر أنّه رماه بين أحجار العمارة، وأنّه تكسّر وصار فيما بينها، ولا يستطيع تمييزه منها، فأغلظ عليه وبالغ في الفحص عنه، فأعياهم إحضاره.

стр. 1367

فسألت الرّجل حينئذ عنه فقال لي: إنّهم لمّا انتهوا في الهدم إلى حيث كان هذا الشّخص إذا بدائرة فيها كتابة وبوسطها شخص قصير، صغير إحدى العينين من حجارة؛ وهذه كانت صفة جمال الدّين، فإنّه كان قصير القامة إحدى عينيه أصغر من الأخرى. ويشبه - واللّه أعلم - أن يكون قد عيّن في تلك الكتابة التي كانت حول الشّخص أنّ هذا الباب يهدمه من هذه صفته، كما وجد في باب البحر اسم بيبرس الذي هدم على يديه وبأمره. وقد ظفر جمال الدّين هذا بأموال عظيمة وجدها في داخل هذا القصر، لمّا أنشأ داره الأولى في الحدرة من داخل هذا الباب في سنة ستّ وتسعين وسبع مائة. وكان لكثرة هذا المال لا يستطيع كتمانه؛ ومن شدّة خوفه يومئذ من الظّاهر برقوق أن يظهر عليه لا يقدر أن يصرّح به. فكان يقول لأصحابه وخواصّه: وجدت في هذا المكان سبعين قفّة من حديد. أخبرني اثنان رئيسان من أعيان الدّولة عنه أنّه قال لهما هذا القول. وكنت إذ ذاك، أيام عمارته لهذه القاعة، أتردّد لشيخنا سراج الدّين عمر بن الملقّن (¬a) بالمدرسة السّابقيّة - وبها كان يسكن - فتعرّفت بجمال الدّين منه. وكان يومئذ من عرض الجند، ويعرف بأستادّار بجاس (¬b)، فاشتهر هناك أنّه وجد - حال هدمه وعمارته القاعة والرّواق بالحدرة - مكانا مبنيّا تحت الأرض مبيّض الحيطان فيه مال، فما كان عندي شكّ أنّه من أموال خبايا الفاطميين، فإنّه قد ذكر غير واحد من الإخباريين أنّ السّلطان صلاح الدّين، لمّا استولى على القصر بعد موت العاضد، لم يظفر بشيء من الخبايا، وعاقب جماعة فلم يوقفوه على أمرها. باب الزّمرّد سمّي بذلك لأنّه كان يتوصّل منه إلى قصر الزّمرّد. وموضعه الآن المدرسة الحجازية بخطّ رحبة باب العيد (١).

стр. 1368

باب العيد هذا الباب مكانه اليوم في داخل درب السّلاّمي بخطّ رحبة باب العيد. وهو عقد محكم البناء، ويعلوه قبّة قد عملت مسجدا، وتحتها حانوت يسكنه سقّاء، ويقابله مسطبة. وأدركت العامّة وهم يسمّون هذه القبّة بالقاهرة، ويزعمون أنّ الخليفة كان يجلس بها ويرخي كمّه، فتأتي النّاس وتقبّله. وهذا غير صحيح. وقيل لهذا الباب باب العيد؛ لأنّ الخليفة كان يخرج منه في يومي العيد إلى المصلّى بظاهر باب النّصر، فيخطب بعد أن يصلّي بالنّاس صلاة العيد، كما ستقف عليه عند ذكر المصلّى إن شاء اللّه (١). وفي سنة إحدى وستين وستّ مائة، بنى الملك الظّاهر بيبرس خانا للسبيل بظاهر مدينة القدس، ونقل إليه باب العيد هذا فعمله بابا له؛ وتم بناؤه في سنة اثنتين وستين (٢). باب قصر الشّوك وهو الذي كان يتوصّل منه إلى قصر الشّوك، وموضعه الآن تجاه حمّام عرفت بحمّام الأيدمري - ويقال لها اليوم حمّام يونس (٣) - عند موقف المكاريّة بجوار خزانة البنود، على يمنة السّالك منها إلى رحبة الأيدمري. وهو الآن زقاق ينتهي إلى بئر يسقى منها بالدّلاء، ويتوصّل من هناك إلى المارستان العتيق وغيره. وأدركت منه قطعة من جانبه الأيسر (٤).

стр. 1369

باب الدّيلم وكان يدخل منه إلى المشهد الحسيني، وموضعه الآن درج ينزل منها إلى المشهد تجاه الفندق الذي كان دار الفطرة، ولم يبق لهذا الباب أثر ألبتّة (١). باب تربة الزّعفران مكان الآن بجوار خان الخليلي من بحريه، مقابل فندق المهمندار الذي يدقّ فيه ورق الذّهب، وقد بني بأعلاه طبقة ورواق، ولا يكاد يعرفه كثير من النّاس، وعليه كتابة بالقلم الكوفي. وهذا الباب كان يتوصّل منه إلى تربة القصر المذكورة فيما تقدّم (٢). باب الزّهومة كان في آخر ركن القصر، مقابل خزانة الدّرق التي هي اليوم خان مسرور. وقيل له باب الزّهومة لأنّ اللّحوم وحوائج الطّعام، التي كانت تدخل إلى مطبخ القصر الذي للحرم (¬a)، إنّما يدخل بها من هذا الباب، فقيل له باب الزّهومة، يعني باب الزّفر (٣). وكان تجاهه أيضا درب السّلسلة الآتي ذكره إن شاء اللّه (٤). وموضعه الآن باب (¬b) قاعة الحنابلة من المدارس الصّالحيّة، تجاه فندق مسرور الصّغير (٥)، ومن بعد باب الزّهومة المذكورة باب الذّهب الذي تقدّم ذكره. فهذه أبواب القصر الكبير التسعة، واللّه أعلم (¬b). ذكر المنحر / وكان بجوار هذا القصر الكبير «المنحر»، وهو الموضع الذي اتّخذه الخلفاء لنحر

стр. 1370

الأضاحي في عيد النّحر وعيد الغدير، وكان تجاه رحبة باب العيد. وموضعه الآن يعرف بالدّرب الأصفر (١) تجاه خانقاه بيبرس، وصار موضعه ما في داخل هذا الدّرب من الدّور والطّاحون وغيرها، وظاهره تجاه رأس حارة برجوان، يفصل بينه وبين حارة برجوان الحوانيت التي تقابل باب الحارة. ومن جملة المنحر السّاحة العظيمة التي عملت لها خوند بركة، أمّ السّلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين، البوّابة العظيمة بخطّ الرّكن المخلّق بجوار قيسارية الجلود التي عمل فيها حوانيت الأساكفة. وكان الخليفة إذا صلّى صلاة عيد النّحر وخطب، ينحر بالمصلّى، ثم يأتي المنحر المذكور وخلفه المؤذّنون يجهرون بالتكبير، ويرفعون أصواتهم كلّما نحر الخليفة شيئا. وتكون الحربة في يد قاضي القضاة وهو بجانب الخليفة ليناوله إيّاها إذا نحر. وأوّل من سنّ منهم إعطاء الضّحايا وتفرقتها في أولياء الدّولة، على قدر رتبهم، العزيز باللّه نزار (٢). ما كان يعمل في عيد النّحر - قال المسبّحيّ: وفي يوم عرفة - يعني من سنة ثمانين وثلاث مائة - حمل يانس صاحب الشّرطة السّماط، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب سماطا آخر. وركب العزيز باللّه يوم النّحر فصلّى وخطب على العادة، ثم نحر عدّة نوق بيده، وانصرف إلى قصره، فنصب السّماط والموائد وأكل، ونحر بين يديه، وأمر بتفرقة الضّحايا على أهل الدولة؛ وذكر مثل ذلك في باقي السنين (٣). وقال ابن المأمون في عيد النّحر من سنة خمس عشرة وخمس مائة: وأمر بتفرقة كسوة (¬a) عيد النّحر والهبة وجملة العين ثلاثة آلاف وثلاث مائة وسبعون دينارا، ومن الكسوات مائة قطعة وسبع قطع برسم الأمراء المطوّقين والأستاذين المحنّكين وكاتب الدّست ومتولّي حجبة الباب وغيرهم من المستخدمين.
следующие страницы →