وعرف هذا الباب في الدّولة الأيوبية بباب قصر ابن الشّيخ، وذلك أنّ الوزير الصّاحب معين الدّين حسن (¬a) بن شيخ الشّيوخ، وزير الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، كان يسكن بالقصر الذي في داخل هذا الباب، ثم قيل له في زماننا باب القصر. وكان على حاله له عضادتان من حجارة، ويعلوه أسكفّة حجر مكتوب فيها نقرا في الحجر عدّة أسطر بالقلم الكوفي لم يتهيّأ لي قراءة ما فيها، وكان دهليز هذا الباب عريضا يتجاوز عرضه فيما أقدّر العشرة أذرع في طول كبير جدّا، ويعلو هذا الباب دور للسّكنى تشرف على الطريق.
وما زال على ذلك إلى أن أنشأ الأمير الوزير المشير جمال الدّين يوسف الأستادّار مدرسته برحبة باب العيد (١)، واغتصب لها أملاك النّاس، وكان ممّا اغتصب ما بجوار المدرسة المذكورة من الحوانيت والرّباع التي فوقها وما جاور ذلك، وهدمها ليبنيها على ما يريد. فهدم هذا الباب في صفر سنة إحدى عشرة وثمان مائة، وبنى في مكانه ومكان الدّهليز المظلم الذي كان ينتهي بالسّالك فيه من هذا الباب إلى المدرسة السّابقيّة، هذه القيسارية الكبيرة ذات الحوانيت والفسقيّة (¬b) والأبواب الجديدة، ودخل فيها بعض ممّا كان بجانبي هذا الباب من الحوانيت وعلوّها (٢).
ولمّا هدم هذا الباب ظهر في داخل بنيانه شخص؛ وبلغني ذلك فسرت إلى الأمير المذكور - وكان بيني وبينه صحبة - لأشاهد (¬c) الشّخص المذكور، والتمست منه إحضاره. فأخبرني أنّه أحضر إليه شخص من حجارة قصير القامة إحدى عينيه أصغر من أختها (¬d). فقلت: لا بد لي من مشاهدته؛ فأمر/ بإحضار الموكّل بعمارته (¬e) - وأنا معه إذ ذاك في موضع الباب، وقد هدم ما كان فيه من البناء - (¬f) وأمره بإحضار الشخص (¬f)، فذكر أنّه رماه بين أحجار العمارة، وأنّه تكسّر وصار فيما بينها، ولا يستطيع تمييزه منها، فأغلظ عليه وبالغ في الفحص عنه، فأعياهم إحضاره.
стр. 1367
فسألت الرّجل حينئذ عنه فقال لي: إنّهم لمّا انتهوا في الهدم إلى حيث كان هذا الشّخص إذا بدائرة فيها كتابة وبوسطها شخص قصير، صغير إحدى العينين من حجارة؛ وهذه كانت صفة جمال الدّين، فإنّه كان قصير القامة إحدى عينيه أصغر من الأخرى. ويشبه - واللّه أعلم - أن يكون قد عيّن في تلك الكتابة التي كانت حول الشّخص أنّ هذا الباب يهدمه من هذه صفته، كما وجد في باب البحر اسم بيبرس الذي هدم على يديه وبأمره.
وقد ظفر جمال الدّين هذا بأموال عظيمة وجدها في داخل هذا القصر، لمّا أنشأ داره الأولى في الحدرة من داخل هذا الباب في سنة ستّ وتسعين وسبع مائة. وكان لكثرة هذا المال لا يستطيع كتمانه؛ ومن شدّة خوفه يومئذ من الظّاهر برقوق أن يظهر عليه لا يقدر أن يصرّح به.
فكان يقول لأصحابه وخواصّه: وجدت في هذا المكان سبعين قفّة من حديد. أخبرني اثنان رئيسان من أعيان الدّولة عنه أنّه قال لهما هذا القول.
وكنت إذ ذاك، أيام عمارته لهذه القاعة، أتردّد لشيخنا سراج الدّين عمر بن الملقّن (¬a) بالمدرسة السّابقيّة - وبها كان يسكن - فتعرّفت بجمال الدّين منه. وكان يومئذ من عرض الجند، ويعرف بأستادّار بجاس (¬b)، فاشتهر هناك أنّه وجد - حال هدمه وعمارته القاعة والرّواق بالحدرة - مكانا مبنيّا تحت الأرض مبيّض الحيطان فيه مال، فما كان عندي شكّ أنّه من أموال خبايا الفاطميين، فإنّه قد ذكر غير واحد من الإخباريين أنّ السّلطان صلاح الدّين، لمّا استولى على القصر بعد موت العاضد، لم يظفر بشيء من الخبايا، وعاقب جماعة فلم يوقفوه على أمرها.
باب الزّمرّد
سمّي بذلك لأنّه كان يتوصّل منه إلى قصر الزّمرّد. وموضعه الآن المدرسة الحجازية بخطّ رحبة باب العيد (١).
стр. 1368
باب العيد
هذا الباب مكانه اليوم في داخل درب السّلاّمي بخطّ رحبة باب العيد. وهو عقد محكم البناء، ويعلوه قبّة قد عملت مسجدا، وتحتها حانوت يسكنه سقّاء، ويقابله مسطبة. وأدركت العامّة وهم يسمّون هذه القبّة بالقاهرة، ويزعمون أنّ الخليفة كان يجلس بها ويرخي كمّه، فتأتي النّاس وتقبّله. وهذا غير صحيح.
وقيل لهذا الباب باب العيد؛ لأنّ الخليفة كان يخرج منه في يومي العيد إلى المصلّى بظاهر باب النّصر، فيخطب بعد أن يصلّي بالنّاس صلاة العيد، كما ستقف عليه عند ذكر المصلّى إن شاء اللّه (١).
وفي سنة إحدى وستين وستّ مائة، بنى الملك الظّاهر بيبرس خانا للسبيل بظاهر مدينة القدس، ونقل إليه باب العيد هذا فعمله بابا له؛ وتم بناؤه في سنة اثنتين وستين (٢).
باب قصر الشّوك
وهو الذي كان يتوصّل منه إلى قصر الشّوك، وموضعه الآن تجاه حمّام عرفت بحمّام الأيدمري - ويقال لها اليوم حمّام يونس (٣) - عند موقف المكاريّة بجوار خزانة البنود، على يمنة السّالك منها إلى رحبة الأيدمري.
وهو الآن زقاق ينتهي إلى بئر يسقى منها بالدّلاء، ويتوصّل من هناك إلى المارستان العتيق وغيره. وأدركت منه قطعة من جانبه الأيسر (٤).
стр. 1369
باب الدّيلم
وكان يدخل منه إلى المشهد الحسيني، وموضعه الآن درج ينزل منها إلى المشهد تجاه الفندق الذي كان دار الفطرة، ولم يبق لهذا الباب أثر ألبتّة (١).
باب تربة الزّعفران
مكان الآن بجوار خان الخليلي من بحريه، مقابل فندق المهمندار الذي يدقّ فيه ورق الذّهب، وقد بني بأعلاه طبقة ورواق، ولا يكاد يعرفه كثير من النّاس، وعليه كتابة بالقلم الكوفي. وهذا الباب كان يتوصّل منه إلى تربة القصر المذكورة فيما تقدّم (٢).
باب الزّهومة
كان في آخر ركن القصر، مقابل خزانة الدّرق التي هي اليوم خان مسرور. وقيل له باب الزّهومة لأنّ اللّحوم وحوائج الطّعام، التي كانت تدخل إلى مطبخ القصر الذي للحرم (¬a)، إنّما يدخل بها من هذا الباب، فقيل له باب الزّهومة، يعني باب الزّفر (٣).
وكان تجاهه أيضا درب السّلسلة الآتي ذكره إن شاء اللّه (٤). وموضعه الآن باب (¬b) قاعة الحنابلة من المدارس الصّالحيّة، تجاه فندق مسرور الصّغير (٥)، ومن بعد باب الزّهومة المذكورة باب الذّهب الذي تقدّم ذكره. فهذه أبواب القصر الكبير التسعة، واللّه أعلم (¬b).
ذكر المنحر
/ وكان بجوار هذا القصر الكبير «المنحر»، وهو الموضع الذي اتّخذه الخلفاء لنحر
стр. 1370
الأضاحي في عيد النّحر وعيد الغدير، وكان تجاه رحبة باب العيد. وموضعه الآن يعرف بالدّرب الأصفر (١) تجاه خانقاه بيبرس، وصار موضعه ما في داخل هذا الدّرب من الدّور والطّاحون وغيرها، وظاهره تجاه رأس حارة برجوان، يفصل بينه وبين حارة برجوان الحوانيت التي تقابل باب الحارة.
ومن جملة المنحر السّاحة العظيمة التي عملت لها خوند بركة، أمّ السّلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين، البوّابة العظيمة بخطّ الرّكن المخلّق بجوار قيسارية الجلود التي عمل فيها حوانيت الأساكفة.
وكان الخليفة إذا صلّى صلاة عيد النّحر وخطب، ينحر بالمصلّى، ثم يأتي المنحر المذكور وخلفه المؤذّنون يجهرون بالتكبير، ويرفعون أصواتهم كلّما نحر الخليفة شيئا. وتكون الحربة في يد قاضي القضاة وهو بجانب الخليفة ليناوله إيّاها إذا نحر. وأوّل من سنّ منهم إعطاء الضّحايا وتفرقتها في أولياء الدّولة، على قدر رتبهم، العزيز باللّه نزار (٢).
ما كان يعمل في عيد النّحر -
قال المسبّحيّ: وفي يوم عرفة - يعني من سنة ثمانين وثلاث مائة - حمل يانس صاحب الشّرطة السّماط، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب سماطا آخر. وركب العزيز باللّه يوم النّحر فصلّى وخطب على العادة، ثم نحر عدّة نوق بيده، وانصرف إلى قصره، فنصب السّماط والموائد وأكل، ونحر بين يديه، وأمر بتفرقة الضّحايا على أهل الدولة؛ وذكر مثل ذلك في باقي السنين (٣).
وقال ابن المأمون في عيد النّحر من سنة خمس عشرة وخمس مائة: وأمر بتفرقة كسوة (¬a) عيد النّحر والهبة وجملة العين ثلاثة آلاف وثلاث مائة وسبعون دينارا، ومن الكسوات مائة قطعة وسبع قطع برسم الأمراء المطوّقين والأستاذين المحنّكين وكاتب الدّست ومتولّي حجبة الباب وغيرهم من المستخدمين.
стр. 1371
وعدّة ما ذبح ثلاثة أيام النّحر، في هذا العيد وعيد الغدير، ألفان وخمس مائة وأحد وستون رأسا. تفصيله: نوق: مائة وسبعة عشر رأسا، بقر: أربعة وعشرون رأسا، جاموس: عشرون رأسا، هذا الذي ينحره ويذبحه الخليفة بيده في المصلّى والمنحر وباب السّاباط؛ ويذبح الجزّارون من الكباش ألفين وأربع مائة رأس.
والذي اشتملت عليه نفقات الأسمطة في الأيام المذكورة - خارجا عمّا يعمل بالدار المأمونية من الأسمطة، وخارجا عن أسمطة القصور عند الحرم؛ وخارجا عن القصور الحلواء والقصور المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة: ألف وثلاث مائة وستة وعشرون دينارا وربع وسدس دينار؛ ومن السّكّر برسم القصور والقطع المنفوخ: أربعة وعشرون قنطارا. تفصيله: عن قصرين في أوّل يوم خاصّة اثنا عشر قنطارا، المنفوخ عن ثلاثة الأيام اثنا عشر قنطارا (١).
وقال في سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وحضر وقت تفرقة كسوة عيد النّحر، ووصل ما تأخّر فيها بالطّراز، وفرّقت الرّسوم على من جرت عادته بها (¬a) - خارجا عمّا أمر به من تفرقة العين المختصّ بهذا العيد وأضحيته، وخارجا عمّا يفرّق على سبيل الشّرف من (¬b) المناخ، ومن باب السّاباط مذبوحا ومنحورا: ست مائة دينار وسبعة عشر دينارا.
وفي التاسع من ذي الحجّة جلس الخليفة الآمر بأحكام اللّه على سرير الملك، وحضر الوزير وأولاده، وقاموا بما يجب من السّلام، واستفتح المقرئون، وتقدّم حامل المظلّة وعرض ما جرت عادته من المظال الخمسة التي جميعها مذهّب، وسلّم الأمراء على طبقاتهم، وختم المقرئون، وعرضت الدّوابّ جميعها والعمّاريات والوحوش، وعاد الخليفة إلى محلّه.
فلمّا أسفر الصّبح خرج الخليفة وسلّم على من جرت عادته بالسّلام عليه - ولم يخرج شيء عما جرت به العادة في الرّكوب والعود - وغيّر الخليفة ثيابه ولبس ما يختصّ بالنّحر - وهي البدلة الحمراء بالشّدّة التي تسمّى ب «شدّة الوقار» (٢)، والعلم الجوهر في وجهه بغير قضيب ملك في يده - إلى أن دخل المنحر. وفرشت الملاءة الدّبيقي الحمراء، وثلاث بطائن مصبوغة حمر ليتّقي بها الدم، مع كون كلّ من الجزّارين بيده مكبّة صفصاف مدهونة يلقي بها الدم عن الملاءة، وكبّر
стр. 1372
المؤذّنون، ونحر الخليفة أربعا وثلاثين ناقة، وقصد المسجد الذي آخر صفّ المنحر، وهو معلّق بالشّروب والفاكهة المعبّأة فيه، بمقدار ما غسل يديه، ثم ركب من فوره.
وجملة ما نحره وذبحه الخليفة خاصّة في المنحر وباب السّاباط - دون الأجلّ الوزير المأمون وأولاده وإخوته - في الثلاثة الأيام ما عدّته ألف وتسع مائة وستة أربعون رأسا، تفصيله: نوق:
مائة وثلاث عشرة ناقة، نحر منها في المصلّى عقيب الخطبة ناقة، وهي التي تهدى وتطلب من آفاق الأرض للتبرّك بلحمها. ونحر في المناخ مائة ناقة، وهي التي يحمل منها للوزير وأولاده وإخوته والأمراء والضّيوف والأجناد والعسكرية والمميّزين من الرّاجل، وفي كلّ يوم يتصدّق منها على الضّعفاء والمساكين بناقة واحدة، وفي اليوم الثالث من العيد تحمل ناقة منحورة للفقراء في القرافة (١).
وينحر في باب السّاباط ما يحمل إلى من حوته القصور، وإلى دار الوزارة، وإلى الأصحاب والحواشي، اثنتا عشرة ناقة وثماني عشرة بقرة/ وخمس عشرة جاموسة، ومن الكباش ألف وثمان مائة رأس، ويتصدّق كل يوم في باب السّاباط بسقط ما يذبح من النّوق والبقر.
وأمّا مبلغ المنصرف على الأسمطة في الثلاثة الأيام، خارجا عن الأسمطة بالدار المأمونية.
فألف وثلاث مائة وستة وعشرون دينارا وربع وسدس دينار. ومن السّكّر برسم قصور الحلاوة والقطع المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة خارجا عن المطابخ، ثمانية وأربعون قنطارا (٢).
وقال ابن الطّوير: فإذا انقضى ذو القعدة وأهلّ ذو الحجّة، اهتمّ بالركوب في عيد النّحر - وهو يوم عاشره - فيجري حاله كما جرى في عيد الفطر من الزّيّ والرّكوب إلى المصلّى، ويكون لباس الخليفة فيه الأحمر الموشّح، ولا ينخرم منه شيء.
وركوبه ثلاثة أيام متوالية، فأوّلها وهو (¬a) يوم الخروج إلى المصلّى والخطابة كعيد الفطر، وثاني يوم وثالثه إلى المنحر - وهو المقابل لباب الرّيح الذي في ركن القصر، المقابل لسور دار سعيد السّعداء الخانقاه اليوم وكان براحا خاليا لا عمارة فيه - فيخرج من هذا الباب الخليفة بنفسه،
стр. 1373
ويكون الوزير واقفا عليه، فيترجّل ويدخل ماشيا بين يديه بقربه؛ هذا بعد انفصالهما من المصلّى.
ويكون قد قيّد إلى هذا المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة أمام مسطبة مفروشة يطلع عليها الخليفة والوزير ثم أكابر الدّولة، وهو بين الأستاذين المحنّكين، فيقدّم الفرّاشون له إلى المسطبة رأسا فرأسا (¬a)، ويكون بيده حربة من رأسها الذي لا سنان فيه، ويد قاضي القضاة في أصل سنانها، فيجعله القاضي في نحر النّحيرة، ويطعن بها الخليفة، وتجرّ من بين يديه حتى يأتي على العدّة المذكورة. فأوّل نحيرة هي التي تقدّد وتسيّر إلى داعي اليمن - وهو الملك فيه - فيفرّقها على المعتقدين من وزن نصف درهم إلى ربع درهم.
ثم يعمل ثاني يوم كذلك، فيكون عدد ما ينحر سبعا وعشرين، ثم يعمل في اليوم الثالث كذلك، وعدّة ما ينحر ثلاث وعشرون. هذا وفي مدّة هذه الأيام الثلاثة يسير رسم الأضحية إلى أرباب الرّتب والرّسوم - كما سيّرت الغرّة في أوّل السنة - من الدّنانير، بغير رباعية ولا قراريط، على مثال الغرّة من عشرة دنانير إلى دينار. وأمّا لحم الجزور فإنّه يفرّق في أرباب الرّسوم للتبرّك في أطباق مع أدوان الفرّاشين. وأكثر ذلك تفرقة قاضي القضاة وداعي الدّعاة للطّلبة بدار العلم، والمتصدّرين بجوامع القاهرة، ونقباء المؤمنين بها من الشّيعة للبركة (¬b).
فإذا انقضى ذلك خلع الخليفة على الوزير ثيابه الحمراء (¬c) التي كانت عليه، ومنديلا آخر بغير اليتيمة والعقد المنظوم من القصر عند عود الخليفة من المنحر. فيركب الوزير من القصر بالخلع المذكورة شاقّا القاهرة، فإذا خرج من باب زويلة انعطف على يمينه سالكا على الخليج، فيدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة؛ وذلك انفصال عيد النّحر (١).
وقال ابن أبي طيّ: عدّة ما يذبح في هذا العيد، في ثلاثة أيام النّحر وفي يوم عيد الغدير، ألفان وخمس مائة وأحد وستون رأسا، تفصيله: نوق: مائة وسبعة عشر رأسا، بقر: أربعة وعشرون رأسا، جاموس: عشرون رأسا. هذا الذي ينحره الخليفة ويذبحه بيده في المصلّى والمنحر وباب السّاباط؛ ويذبح الجزّارون بين يديه من الكباش ألفا وأربع مائة رأس (٢).
стр. 1374
وقال ابن عبد الظّاهر: كان الخليفة ينحر بالمنحر مائة رأس، ويعود إلى خزانة الكسوة، فيغيّر قماشة ويتوجّه إلى الميدان - وهو الخرنشف بباب السّاباط - للنّحر والذّبح، ويعود بعد ذلك إلى الحمّام ويغيّر ثيابه للجلوس على الأسمطة. وعدّة ما يذبحه ألف وسبع مائة وستة أربعون رأسا:
نوق (¬a): مائة وثلاث عشرة ناقة، والباقي بقر وغنم (١).
قال ابن الطّوير: وثمن الضّحايا - على ما تقدّم (¬b) - ما يقرب من ألفي دينار (٢).
وكانت تخرج المخلّقات (٣) إلى الأعمال بشائر بركوب الخليفة في يوم عيد النّحر. فممّا كتب به الأستاذ البارع أبو القاسم عليّ بن منجب بن سليمان الكاتب، المعروف بابن الصّيرفي المنعوت بتاج الرّئاسة (٤):
«أمّا بعد، فالحمد للّه الذي رفع منار الشّرع وحفظ نظامه، ونشر راية هذا الدّين وأوجب إعظامه، وأطلع بخلافة أمير المؤمنين كواكب سعوده، وأظهر للمؤالف والمخالف عزّة أحزابه وقوّة جنوده، وجعل فرعه ساميا ناميا وأصله ثابتا راسخا، وشرّفه على الأديان بأسرها، وكان لعراها فاصما ولأحكامها ناسخا.
يحمده أمير المؤمنين أن ألزم طاعته الخليقة، وجعل كراماته الأسباب الجديرة بالإمارة الخليقة. ويرغب إليه في الصّلاة على جدّه محمّد الذي حاز الفخار أجمعه، وضمن الجنّة لمن آمن به واتّبع النّور الذي أنزل معه، ورفعه إلى أعلى منزلة تخيّر له منها المحلّ، وأرسله بالهدى ودين الحقّ، فزهق الباطل وخمدت ناره واضمحلّ.
стр. 1375
صلّى اللّه عليه وعلى أخيه وابن عمّه، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، خير الأمّة وإمامها، وحبر الملّة وبدر تمامها، والموفّي يومه في الطّاعات على ماضي أمسه، ومن أقامه رسول اللّه ﷺ في المباهلة مقام نفسه، واختصّه بأبعد غاية في (¬a) الفخر وأشرفها وأفضلها فبعثه لمّا نسخ اللّه معاهدة المشركين وأنزل (¬a) «سورة براءة»، فنادى في الحجّ بأوّلها، ولم يكن غيره ينفذ نفاذه ولا يسدّ مكانه، لأنّه قال: «لا يبلّغ عنّي إلاّ رجل من أهل بيتي». عملا في ذلك بما أمر اللّه به (¬b) سبحانه.
وعلى/ الأئمة من ذرّيتهما خلفاء اللّه في أرضه، والقائمين في سياسة خلقه بصريح الإيمان ومحضه، والمحكّمين من أمر الدّين ما لا وجه لحلّه ولا سبيل إلى نقضه. وسلّم عليهم أجمعين سلاما يتّصل دوامه ولا يخشى انصرامه، ومجّد وكرّم، وشرّف وعظّم.
وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم الأحد عيد النّحر، من سنة ستّ وثلاثين وخمس مائة، الذي تبلّج فجره عن سيّئات محّصت، ونفوس من آثار الذّنوب خلّصت، ورحمة امتدت ظلالها وانتشرت، ومغفرة هنّأت وبشّرت.
وكان من خبر هذا اليوم أنّ أمير المؤمنين برز لكافّة من بحضرته من أوليائه، متوجّها لقضاء حقّ هذا العيد السّعيد وأدائه، في عترة راسخة قواعدها متمكّنة، وعساكر جمّة تضيق عنها ظروف الأمكنة، ومواكب تتوالى كتوالي السّيل، وتهاب هيبة مجيئه في الليل، بأسلحة تحسر لها الأبصار وتبرق، وترتاع الأفئدة منها وتفرق: فمن مشرقي إذا ورد تورّد، ومن سمهري إذا قصد تقصّد، ومن عمد إذا عمدت تبرّأت المغافر من ضمانها، ومن قسيّ إذا أرسلت بنانها وصلت إلى القلوب بغير استئذانها.
ولم يزل سائرا في هدي الإمامة وأنوارها، وسكينة الخلافة ووقارها، إلى أن وصل إلى المصلّى قدّام المحراب، وأدّى الصّلاة إذ لم يكن بينه وبين التّقبيل حجاب. ثم علا المنبر فاستوى على ذروته، ثم هلّل اللّه وكبّره وأثنى
стр. 1376
على عظمته، وأحسن إلى الكافّة بتبليغ موعظته، وتوجّه إلى ما أعدّ من البدن فنحره تكميلا لقربته، وانتهى في ذلك إلى ما أمر اللّه ، وعاد إلى قصوره المكرّمة ومنازله المقدّسة قد رضي اللّه عمله، وشكر فعله وتقبّله.
أعلمك أمير المؤمنين ذلك لتشكر اللّه على النّعمة فيه، وتذيعه قبلك على الرّسم فيما يجاريه، فاعلم هذا واعمل به إن شاء اللّه» (١).
ذكر دار الوزارة الكبرى
وكان بجوار هذا القصر الكبير الشّرقي، تجاه رحبة باب العيد، دار الوزارة الكبرى، ويقال لها «الدار الأفضليّة» و «الدار السّلطانية» (٢).
قال ابن عبد الظّاهر: دار الوزارة بناها بدر الجمالي أمير الجيوش، ثم لم يزل يسكنها من يلي إمرة الجيوش إلى أن انتقل الأمر عن المصريين وصار إلى الغزّ (¬a) بني أيّوب. فاستقرّ سكن الملك الكامل بقلعة الجبل خارج القاهرة، وسكنها السّلطان الملك الصّالح ولده، ثم أرصدت دار الوزارة لمن يرد من الملوك ورسل الخليفة إلى هذا الوقت.
وكانت دار الوزارة قديما تعرف بدار القباب، وأضافها الأفضل إلى دور بني هريسة وعمّرها دارا، وسمّاها «دار الوزارة» (٣). انتهى.
стр. 1377
والذي تدلّ عليه كتب ابتياعات الأملاك القديمة التي بتلك الخطّة أنّها من بناء الأفضل لا من عمارة أبيه بدر. والدّار التي عمّرها أمير الجيوش بدر هي داره بحارة برجوان التي قيل لها دار المظفّر (١).
وما زالت وزراء الدّولة الفاطميّة أرباب السّيوف من عهد الأفضل ابن أمير الجيوش، يسكنون بدار الوزارة هذه إلى أن زالت الدّولة، فاستقرّ بها السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، وابنه من بعده الملك العزيز عثمان، ثم ابنه الملك المنصور، ثم الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، ثم ابنه الملك الكامل، وصاروا يسمّونها «الدّار السّلطانيّة».
موقع دار الوزارة الكبرى من القاهرة الفاطمية
وأوّل من انتقل عنها من الملوك وسكن بالقلعة الملك الكامل ناصر الدّين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وجعلها منزلا للرسل (٢).
فلمّا ولي قطز سلطنة ديار مصر وتلقّب بالملك المظفّر في سنة سبع وخمسين وستّ مائة، وحضر إليه البحريّة - وفيهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي - من الشّام، خرج الملك المظفّر قطز إلى لقائهم، وأنزل الأمير ركن الدّين بيبرس بدار الوزارة، فلم يزل بها حتى سافر صحبة قطز إلى الشّام وقتله، وعاد إلى مصر فتسلطن وسكن بقلعة الجبل.
وفي سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة لمّا قتل الأشرف خليل بن قلاوون في واقعة بيدرا، ثم قتل بيدرا وأجلس الملك النّاصر محمّد بن قلاوون على تخت الملك (٣)، وثارت الأشرفيّة من المماليك
стр. 1378
على الأمراء، وقتل من قتل منهم - خاف بقيّة الأمراء من شرّ المماليك الأشرفيّة، فقبض منهم على نحو الستّ مائة مملوك، وأنزل بهم من القلعة، وأسكن منهم نحو الثلاث مائة بدار الوزارة، وأسكن منهم كثير في مناظر الكبش، وأجريت عليهم الرّواتب، ومنعوا من الرّكوب، إلى أن كان من أمرهم ما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب (١).
ولمّا كانت سنة سبع مائة أخذ الأمير شمس الدّين قراسنقر المنصوري، نائب السّلطنة في أيام الملك المنصور حسام الدّين لاجين، قطعة من دار الوزارة وبنى فيها (¬a) الرّبع المقابل خانقاه سعيد السّعداء، ثم بنى المدرسة المعروفة بالقرانسقريّة ومكتب الأيتام (٢).
فلمّا كانت دولة البرجيّة (٣) بنى الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير الخانقاه الرّكنيّة والرّباط بجانبها من جملة دار الوزارة، وذلك في سنة/ تسع وسبع مائة (٤)، ثم استولى النّاس على ما بقي من دار الوزارة وبنوا فيها.
فمن حقوق هذه الدّار - أعني دار الوزارة - من بحريّها (¬b): الرّبع تجاه الخانقاه الصّلاحية دار سعيد السّعداء، والمدرسة القراسنقريّة، وخانقاه ركن الدّين بيبرس، وما بجوارها من دار قزمان ودار الأمير شمس الدّين سنقر الأعسر الوزير - المعروفة بدار السّتّ (¬c) خوند طولوباي النّاصريّة جهة السّلطان (¬c) الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون - وحمّام الأعسر التي بجانبها، وحمّام الحسام المجاورة (¬d) لها. ومن حقوق هذه الدار أيضا قبليّ هذه الأماكن المذكورة (¬e)، وهي الفرن
стр. 1379
والطّاحون التي قبلي المدرسة القراسنقريّة - (¬a) - وهم جاريان في أوقاف قرانسقر (¬a) - ومن الآدرّ والخربة التي قبليّ ربع قراسنقر، وما جاور باب سرّ المدرسة القراسنقريّة من الآدرّ والمساكن (¬b)، وخربة أخرى هناك، والدّار الكبرى المعروفة بدار الأمير سيف الدّين برلغي الصغير صهر الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير - المعروفة اليوم بدار الغزّاوي - وفيها السّرداب الذي كان رزّيك بن الصّالح رزّيك فتحه في أيام وزارته (¬c) من دار الوزارة إلى دار (¬d) سعيد السّعداء، وهو باق إلى الآن في صدر قاعتها، وذكر أنّ فيه حيّة عظيمة. ومن حقوق دار الوزارة المناخ المجاور لهذه القاعة.
وكان على دار الوزارة سور عظيم مرتفع بناؤه بالحجر المنحوت (¬e)، وقد بقي الآن منه قطعة في حدّ دار الوزارة الغربي وفي بعض (¬f) حدّها القبلي - وهو الجدار الذي فيه باب الطّاحون والسّاقية تجاه باب سعيد السّعداء، من الزّقاق الذي يعرف اليوم بخرائب تتر - ومنه قطعة في حدّها الشرقي عند باب الحمّام والمستوقد بباب الجوّانيّة (١).
وكان بدار الوزارة هذا «الشّبّاك الكبير» المعمول من الحديد في القبّة التي دفن تحتها بيبرس الجاشنكير من خانقاهه، وهو الشّبّاك الذي يقرأ فيه القرّاء، وكان موضوعا في دار الخلافة ببغداد يجلس فيه الخلفاء من بني العبّاس (٢). فلمّا استولى الأمير أبو الحارث البساسيري على بغداد، وخطب فيها للخليفة المستنصر باللّه الفاطمي أربعين جمعة وانتهب قصر الخلافة، وصار الخليفة القائم بأمر اللّه العبّاسي إلى عانة، وسيّر البساسيري الأموال والتّحف من بغداد إلى المستنصر باللّه بمصر في سنة سبع وأربعين وأربع مائة، كان من جملة ما بعث به منديل الخليفة القائم بأمر اللّه الذي عمّمه بيده في قالب من رخام قد وضع فيه كما هو حتى لا تتغيّر شدّته، ومع هذا المنديل رداؤه، والشّبّاك الذي كان يجلس فيه ويتّكئ عليه (٣). فاحتفظ بذلك إلى أن عمّرت دار الوزارة على يد الأفضل ابن أمير الجيوش، فجعل هذا الشّبّاك بها يجلس فيه الوزير ويتّكئ عليه.
وما زال بها إلى أن عمّر الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير الخانقاه الرّكنيّة، وأخذ من دار
стр. 1380
الوزارة أنقاضا منها هذا الشّبّاك، فجعله في القبّة؛ وهو شبّاك جليل.
وأمّا العمامة والرّداء فما زالا بالقصر حتى مات العاضد، وتملّك السّلطان صلاح الدّين ديار مصر، فسيّرهما في جملة ما بعث من مصر إلى الخليفة المستضيء بأمر اللّه (¬a) العبّاسي ببغداد، ومعهما الكتاب الذي كتبه الخليفة القائم على نفسه وأشهد عليه العدول فيه أنّه لا حقّ لبني العبّاس، ولا له من جملتهم، في الخلافة مع وجود بني فاطمة الزّهراء ﵍ وكان البساسيريّ ألزمه حتى أشهد على نفسه بذلك، وبعث بالإشهاد إلى مصر - فأنفذه صلاح الدّين إلى بغداد مع ما سيّر به من التّحف التي كانت بالقصر (١).
وأخبرني شيخ معمّر (¬b) أدركته بالخانقاه الركنية بيبرس - يعرف بابن الرّصّاص ويقال له الشيخ عليّ السّعودي (¬b)، ولد في سنة سبع وسبع مائة، (¬b) على ما ذكر لي مشافهة - وكانت لي به صحبة لكثرة ما كان عنده من الأخبار (¬b) قال: رأيت مرّة وقد سقط من ظهر الرّباط المجاور لخانقاه بيبرس، من جملة ما بقي من سور دار الوزارة، جانب ظهرت منه علبة فيها رأس إنسان كبير.
وعندي أنّ هذه الرّأس من جملة رءوس الأمراء البرقيّة الذين قتلهم ضرغام في أيام وزارته للعاضد بعد شاور. فإنّه كان عمل الحيلة عليهم بدار الوزارة، وصار يستدعي واحدا بعد واحد إلى خزانة بالدّار، ويوهمهم (¬c) أنّه يخلع عليهم، فإذا صار الواحد (¬d) منهم في الخزانة قتل وقطع رأسه، وذلك في سنة ثمان وخمسين وخمس مائة.
وكانت دار الوزارة في الدّولة الفاطمية تشتمل على عدّة قاعات ومساكن وبستان وغيره، وكان فيها مائة وعشرون مقسما للماء الذي يجري في بركها ومطابخها ونحو ذلك (٢).
ذكر رتبة الوزارة وهيئة خلعهم ومقدار جاريهم وما يتعلّق بذلك - (¬e)
الوزارة عبارة عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعنّ له من الأمور. واشتقّ الوزير من الوزر - بكسر الواو - وهو الثّقل، فكأنّه يحمل عن الخليفة ثقل الأمور؛ وقيل مشتقّ من الوزر - بفتح الواو والزاي - وهو المكان الممتنع في الجبل يلجأ إليه ويمتنع فيه، فكأنّ الوزير يلجأ إليه الخليفة فيما يعنّ
стр. 1381
له من الأمور ويمتنع برأيه من الخطأ؛ وقيل مشتقّ من الأزر - بفتح الهمزة وسكون الزاي - فكأنّ الوزير يشدّ أزر الخليفة ويقوّيه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنّ الواو في الوزير بدل من الهمزة، ويقال الوزارة - بكسر الواو وفتحها - والكسر أفصح e.
أمّا المعزّ لدين اللّه، أوّل الخلفاء الفاطميين بديار مصر، فإنّه لم يوقّع اسم الوزارة على أحد في أيامه. وأوّل من قيل له الوزير في الدّولة الفاطمية الوزير يعقوب بن كلّس، وزير العزيز باللّه أبي منصور نزار بن المعزّ، وإليه تنسب الحارة الوزيريّة، كما ستقف عليه عند ذكر الحارات من هذا الكتاب (١). فلمّا مات ابن كلّس لم يستوزر العزيز باللّه بعده أحدا، وإنّما كان رجل يلي الوساطة والسّفارة، فاستقرّ في ذلك جماعة كثيرة بقيّة أيام العزيز وسائر أيام ابنه أبي عليّ منصور الحاكم بأمر اللّه.
ثم ولي الوزارة أحمد بن عليّ الجرجرائي في أيام الظّاهر أبي هاشم عليّ بن/ الحاكم (٢). وما زال الوزراء من بعده واحدا بعد واحد - وهم أرباب أقلام - حتى قدم أمير الجيوش بدر الجمالي.
قال ابن الطّوير: وكان من زيّ هؤلاء الوزراء أنّهم يلبسون المناديل الطّبقيات - يعني العمائم بالأحناك تحت حلوقهم مثل العدول الآن - وينفردون بلبس ثياب (¬a) يقال لها: «الدّراريع» (٣) (واحدتها درّاعة) وهي مشقوقة أمام وجهه إلى قريب من رأس الفؤاد بأزرار وعرى، ومنهم من تكون أزراره من ذهب مشبّك، ومنهم من أزراره لؤلؤ، وهذه علامة الوزارة.
ويحمل له الدّواة المحلاّة بالذّهب، ويقف بين يديه الحجّاب، وأمره نافذ في أرباب السّيوف من الأجناد وأرباب الأقلام. وكان آخرهم الوزير ابن المغربي (٤) الذي قدم عليه أمير الجيوش بدر
стр. 1382
الجماليّ من عكّا، ووزر للمستنصر وزير سيف، ولم يتقدّمه في ذلك أحد (١) انتهى.
وترتيب وزارته بأن تكون وزارته وزارة صاحب سيف، بأن تكون الأمور كلّها مردودة إليه (¬b) ومنه إلى الخليفة دون سائر خدمه، فعقد له هذا العقد، وأنشئ له السّجّل، ونعت ب «السّيّد الأجلّ أمير الجيوش» (٢) - وهو النّعت الذي كان لصاحب ولاية دمشق - وأضيف إليه «كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين»، وجعل القاضي والدّاعي نائبين عنه ومقلّدين من قبله. وكتب له في سجلّه:
«وقد قلّدك أمير المؤمنين جميع (¬a) جوامع تدبيره، وناط بك النّظر في كلّ ما وراء سريره. فباشر ما قلّدك أمير المؤمنين من ذلك مدبّرا للبلاد، ومصلحا للفساد، ومدمّرا أهل العناد» (٣).
وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطّوق، وزيد له الحنك مع الذّؤابة المرخاة والطّيلسان المقوّر زيّ قاضي القضاة، وذلك في سنة سبع وستين وأربع مائة. فصارت الوزارة من حينئذ وزارة تفويض ويقال لمتوليها: «أمير الجيوش»، وبطل اسم الوزارة (¬b) (٤).
стр. 1383
فلمّا قام شاهنشاه ابن أمير الجيوش من بعد أبيه، ومات الخليفة المستنصر، وأجلس ابن بدر في الخلافة أحمد بن المستنصر ولقّبه ب «المستعلي»، صار يقال له: «الأفضل»، ومن بعده صار من يتولّى هذه الرّتبة يتلقّب به أيضا (١).
وأوّل من نعت (¬a) ب «الملك» منهم مضافا إلى بقيّة الألقاب رضوان بن ولخشي عند ما وزر للحافظ لدين اللّه، فقيل له: «السّيّد الأجلّ الملك الأفضل»، وذلك في سنة ثلاثين وخمس مائة (٢). وفعل ذلك من بعده، فتلقّب طلائع بن زرّيك ب «الملك الصّالح» (¬b)، وتلقّب ابنه رزّيك ابن طلائع ب «الملك العادل»، وتلقّب شاور ب «الملك المنصور»، وتلقّب آخرهم صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ب «الملك النّاصر». وصار وزير السّيف من عهد أمير الجيوش بدر إلى آخر الدّولة هو «سلطان مصر، وصاحب الحلّ والعقد، وإليه الحكم في الكافّة من الأمراء والأجناد والقضاة والكتّاب وسائر الرّعيّة، وهو الذي يولّي أرباب المناصب الدّيوانية والدينية».
وصار حال الخليفة معه كما هو حال ملوك مصر من الأتراك إذا كان السّلطان صغيرا والقائم بأمره من الأمراء، وهو الذي يتولّى تدبير الأمور كما كان الأمير يلبغا الخاصّكيّ مع الأشرف شعبان، وكما أدركنا الأمير برقوق.
стр. 1384
قال ابن أبي طيّ (¬a) في «تاريخ حلب» (¬a): وكانت خلعهم - يعني الخلفاء الفاطميين - على الأمراء الثّياب الدّبيقي والعمائم القصب بالطّراز الذّهب؛ وكان طراز الذّهب والعمامة من خمس مائة دينار، ويخلع على أكابر الأمراء الأطواق الذّهب والإسورة والسّيوف المحلاّة. وكان يخلع على الوزير عوضا عن الطّوق عقد جوهر (١).
قال ابن الطّوير: وخلع عليه - يعني على أمير الجيوش بدر الجماليّ - بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطّوق، وزيد له الحنك مع الذّؤابة المرخاة والطّيلسان المقوّر زيّ قاضي القضاة (٢).
(¬a) قال المؤلّف (¬a): وهذه الخلع تشابه خلع الوزراء أرباب الأقلام في زمننا هذا، غير أنّه لقصور أحوال الدولة، جعل عوض العقد الجوهر الذي كان للوزير - ويفكّ بخمسة آلاف مثقال ذهبا - قلادة من عنبر مغشوش يقال لها «العنبرنيّة (¬b)»، ويتميّز بها الوزير خاصّة، ويلبس أيضا الطّيلسان المقوّر ويسمّى اليوم ب «الطّرحة»، ويشاركه فيها جميع أرباب العمائم إذا خلع عليهم، فإنّه تكون خلعهم بالطّرحة.
وترك أيضا اليوم من خلعة الوزير وغيره الذّؤابة المرخاة وهي «العذبة»، وصارت الآن من زيّ القضاة فقط وهجرها الوزراء. ويشبه - واللّه أعلم - أن يكون وضعها في الدولة الفاطمية للوزير في خلعه إشارة إلى أنّه كبير أرباب السّيوف والأقلام، فإنّه كان مع ذلك يتقلّد بالسّيف.
وكذلك ترك في الدّولة التركية من خلع الوزارة تقليد السّيف؛ لأنّه لا حكم له على أرباب السّيوف.
ولمّا قام الأفضل ابن أمير الجيوش خلع أيضا عليه بالسّيف والطّيلسان المقوّر، وبعد الأفضل لم يخلع على أحد من الوزراء كذلك، إلى أن قدم طلائع بن زرّيك ولقّب ب «الملك الصّالح» عند ما خلع عليه للوزارة، وجعل في خلعته السّيف والطّيلسان المقوّر (٣).
قال ابن المأمون: وفي يوم الجمعة ثانيه - يعني ثاني ذي الحجّة سنة خمس عشرة وخمس مائة - أخلع (¬c) على القائد ابن فاتك البطائحي من الملابس الخاصّ الشّريفة في فرد كمّ مجلس
стр. 1385
اللّعبة (١)، وطوّق بطوق ذهب مرصّع/ وسيف ذهب كذلك، وسلّم على الخليفة الآمر بأحكام اللّه. وأمر الخليفة الأستاذين المحنّكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل ابن أمير الجيوش يركب منه. ومشى في ركابه القوّاد على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة - يعني من باب الذّهب - (¬a) شاقّا بين القصرين (¬a)، ودخل من باب العيد راكبا، وجرى الحكم فيه على ما تقدّم للأفضل، ووصل إلى داره فضاعف الرّسوم، وأطلق الهبات.
قال (¬b): ولمّا كان يوم الاثنين خامس ذي الحجّة، اجتمع أمراء الدّولة لتقبيل الأرض بين يدي الخليفة الآمر على العادة التي قرّرها مستجدّة، واستدعى الشّيخ أبا الحسن بن أبي أسامة - (¬c) يعني صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات (¬c) - فلمّا حضر أمر بإحضار السّجلّ - (¬c) يعني تقليد الوزارة - فأحضره في لفافة خاصّ مذهّبة وسلّم الخليفة السّجلّ (¬c) للأجلّ الوزير المأمون من يده، فقبّله وسلّمه لزمام القصر، وأمر الخليفة الوزير المأمون بالجلوس عن يمينه. وقرئ السّجلّ على باب المجلس - (¬a) يعني الذي كان يجلس فيه الخليفة بقاعة الذّهب في يومي الموكب (¬a) وهو أوّل سجلّ قرئ في هذا المكان، وكانت سجلاّت الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان (٢) - ورسم للشّيخ أبي الحسن أن ينقل النّسبة للأمراء والمحنّكين من الآمري إلى المأموني للنّاس أجمع، ولم يكن أحد منهم ينتسب للأفضل ولا لأمير الجيوش. وقدّمت الدّواة للمأمون فعلّم في مجلس الخليفة، وتقدّمت الأمراء والأجناد، فقبّلوا الأرض وشكروا (¬a) أمير المؤمنين (¬a) على هذا الإحسان.
وأمر الخليفة بإحضار الخلع لحاجب الحجّاب حسام الملك (¬a) أفتكين فأحضرت وأفيضت عليه (¬a) وطوّق بطوق ذهب وسيف ذهب ومنطقة ذهب. ثم أمر بالخلع للشّيخ أبي الحسن بن أبي أسامة باستمراره على ما بيده من كتابة الدّست الشّريف، وشرّفه بالدّخول إلى مجلس الخليفة.
ثم استدعى الشّيخ أبا البركات بن أبي اللّيث [متولّي ديوان المجلس] (¬d)، وأخلع عليه بدلة مذهّبة، وكذلك أبو الرّضى سالم ابن الشيخ أبي الحسن، وكذلك أبو المكارم أخوه وأبو محمد أخوهما، ثم أبو الفضل بن الميدمي [منشئ ما يصدر عن ديوان المكاتبات ومحرّر ما يؤمر به من المهمّات] (¬a)، ووهبه دنانير كثيرة بحكم أنّه الذي قرأ السّجلّ، وخلع أيضا (¬e) على الشيخ أبي
стр. 1386
الفضائل بن أبي اللّيث صاحب دفتر المجلس. ثم استدعي عديّ الملك سعيد بن عماد الضّيف، متولّي أمور الضّيافات والرّسل الواصلين إلى الحضرة من (¬a) جميع الجهات، وأخذ العلامة على التّوقيعات فأخلع عليه. وما كان أحد يدخل (¬a) مجلس الأفضل، ولا يصل لعتبته أحد، لا حاجب الحجّاب ولا غيره سوى عديّ الملك هذا، فإنّه كان يقف من داخل العتبة. وكانت هذه الخدمة في ذلك الوقت من أجلّ الخدم وأكبرها، ثم عادت من أهون الخدم وأقلّها (١).
فعند ذلك قال القاضي أبو الفتح [محمود] (¬b) بن قادوس (٢) يمدح الوزير المأمون عند مثوله بين يديه، وقد زيد في نعوته:
[الكامل]
قالوا أتاه النّعت وهو السّيّد ال … مأمون حقّا والأجلّ الأشرف
ومغيث أمّة أحمد ومجيرها … ما زادنا شيئا على ما نعرف
قال: ولمّا استمرّ حسن نظر المأمون للدولة وجميل أفعاله، بلغ الخليفة الآمر بأحكام اللّه، فشكره وأثنى عليه، فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة. فقال الخليفة: تكون في هذه السّاعة (¬c)، وأمر بخلوّ المجلس. فعند ذلك مثل بين يدي الخليفة وقال له: يا مولانا امتثالنا الأمر صعب ومخالفته أصعب، وما يتّسع خلافه قدّام أمراء دولته وهو في دست خلافته ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه منّي، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به، والأمر كبير.
فعند ذلك تغيّر الخليفة وأقسم لا كان (¬d) لي وزير غيرك، وهو في نفسي من أيام الأفضل؛ وهو مستمرّ على الاستعفاء إلى أن بان له التّغيّر في وجه الخليفة، وقال: ما اعتقدت أنّك تخرج عن أمري ولا تخالفني؛ فقال له المأمون عند ذلك: لي شروط، وأنا أذكرها؛ فقال له: مهما شئت اشترط؛ فقال له: قد كنت بالأمس مع الأفضل، وكان قد اجتهد في [أن يشرّفني بعدّة] (¬b)
стр. 1387
النّعوت وحلّ المنطقة [من وسطي] (¬a) فلم أفعل؛ فقال الخليفة: علمت ذلك في وقته؛ قال: وكان أولاده يكتبون إليه بما يعلمه مولاي من كوني قد خنته في المال والأهل، وما كان واللّه العظيم ذلك منّي يوما قطّ! ثم مع ذلك معاداة الأهل جميعا والأجناد وأرباب الطّيالس والأقلام، وهو يعطيني كلّ رقعة تصل إليه منهم، وما سمع كلام أحد منهم فيّ؛ فعند ذلك قال له الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته، إيش يكون فعلي أنا؟ فقال المأمون: يعرّفني المولى ما يأمر به فأمتثله بشرط ألاّ يكون عليه زائد.
فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تجبى إلاّ بالقصر، ولا تصل الكسوات من الطّراز والثّغور إلاّ إليه، ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه، ويوسّع في رواتب القصور من كلّ صنف، وزيادة رسم منديل الكمّ. فعند ذلك قال له المأمون: سمعا وطاعة؛ أمّا الكسوات والجباية والأسمطة فما تكون إلاّ بالقصور، وأمّا توسعة الرّواتب فما ثمّ من يخالف الأمر، وأمّا زيادة رسم منديل الكمّ فقد كان الرّسم في كلّ يوم ثلاثين دينارا، يكون في كلّ يوم مائة دينار؛ ومولانا - سلام اللّه عليه - يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الرّكوبات وأسمطة الأعياد وغيرها في سائر الأيام. ففرح الخليفة، وعظمت مسرّته.
ثم قال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخطّ أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه بآبائه الطّاهرين ألاّ يلتفت لحاسد ولا مبغض، ومهما ذكر/ عنّي (¬b) يطلعني عليه، ولا يأمر فيّ بأمر سرّا ولا جهرا يكون فيه ذهاب نفسي وانحطاط قدري. [وتكون] (¬a) هذه الأيمان باقية إلى وقت وفاتي، فإذا توفّيت تكون لأولادي ولمن أخلّفه بعدي. فحضرت الدّواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد اللّه تعالى في آخرها على نفسه؛ فعند ما حصل الخطّ بيد المأمون، وقف وقبّل الأرض وجعله على رأسه. وكان الخطّ بالأيمان نسختين، إحداهما في قصبة فضّة.
قال: فلمّا قبض على المأمون في شهر رمضان سنة تسع عشرة (¬c) وخمس مائة، أنفذ الخليفة الآمر بأحكام اللّه يطلب الأيمان، فنفّذ له التي في القصبة الفضّة، فحرقها لوقتها، وبقيت النّسخة الأخرى عندي، فعدمت في الحركات التي جرت (١).
стр. 1388
وقال ابن ميسّر في حوادث سنة خمس عشرة وخمس مائة: وفيها تشرّف القائد أبو عبد اللّه محمد بن الأمير نور الدّولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدّولة أبي الحسن مختار المستنصري المعروف بابن البطائحي، في الخامس من ذي الحجّة، وكان قبل ذلك عند الأفضل أستادّاره (١)، وهو الذي قدّمه إلى هذه المرتبة.
واستقرّت نعوته في سجلّه المقروء على كافّة الأمراء والأجناد ب «الأجلّ المأمون، تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصّنائع، ذخر أمير المؤمنين». ثم تجدّد له من النّعوت بعد ذلك «الأجلّ المأمون، تاج الخلافة، عزّ الإسلام، فخر الأنام، نظام الدّين والدّنيا».
ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو «السّيّد الأجلّ المأمون، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين» (٢).
ولمّا كان يوم الثلاثاء التاسع (¬a) من ذي الحجّة - وهو يوم الهناء بعيد النّحر - جلس المأمون في داره عند أذان الصّبح، وجاء النّاس لخدمته للهناء على طبقاتهم من أرباب السّيوف والأقلام، ثم الأمراء والأستاذون المحنّكون والشّعراء بعدهم. فركب إلى القصر، وأتى باب الذّهب، فوجد المرتبة المختصّة بالوزارة قد هيّئت له في موضعها الجاري به العادة، وأغلق الباب الذي عندها على الرّسم المعتاد لوزراء السّيوف والأقلام. وهذا الباب يعرف بباب السّرداب. فعند ما شاهد الحال في المرتبة، توقّف عن الجلوس عليها لأنّها حالة لم يجر معه حديث فيها، ثم ألجأته الضّرورة لأجل حضور الأمراء إلى الجلوس، فجلس عليها وجلس أولاده الثلاثة عن يمينه وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون - خاصّة دون غيرهم - قيام بين يديه، فإنّه لا يصل أحد إلى هذا المكان سواهم. فلم يكن بأسرع من أن فتح الباب وخرج عدّة من الأستاذين المحنّكين بسلام أمير المؤمنين.
стр. 1389
وخرج إليه الأمير الثّقة متولّي الرّسالة وزمام القصور، فعند حضوره وقف له أولاد المأمون وأخواه، فطلع عند خروجه قبالة (¬a) المرتبة وقال: أمير المؤمنين يردّ على السّيّد الأجلّ المأمون السّلام. فوقف عند ذلك الأجلّ (¬b) المأمون وقبّل الأرض، وعاد فجلس مكانه. وتأخّر الأمير إلى أن نزل من المصطبة، وقبّل الأرض وقبّل يد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب على حاله على ما كان عليه الأفضل.
وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسي سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة والباب يغلق في وجهي والدّخان في أنفي، فإنّ الحمّام كانت من خلف الباب في السّرداب.
ثم فتح الباب وعاد الثّقة، وأشار بالدّخول إلى القصر، فدخل إلى المكان الذي هيّئ له ودعي (¬c) لمجلس الوزارة، وبقي الأمراء بالدّهاليز إلى أن جلس الخليفة، واستفتح القرّاء، واستدعي المأمون فحضر بين يديه، وسلّم عليه أولاده وإخوته، وأحلّ الأمراء على قدر طبقاتهم: أوّلهم أرباب الأطواق، ويليهم أرباب العمّاريات والأقصاب، ثم الضّيوف والأشراف. ثم دخل ديوان المكاتبات وسلّم بهم الشّيخ أبو الحسن بن أبي أسامة، ثم ديوان الإنشاء وسلّم بهم الشّريف ابن أنس الدّولة، ثم بقيّة الطّالبيين من الأشراف، ثم سلّم القاضي ابن الرّسعني بشهوده، والداعي ابن عبد الحقيق بالمؤمنين، ثم سلّم القائد مقبل مقدّم الرّكاب الآمري بجميع المقدّمين الآمرية، ثم سلّم بعدهم الشّيخ أبو البركات بن أبي اللّيث متولّي ديوان المملكة. ثم دخل الأجناد من باب البحر، وسلّم كلّ طائفة بمقدّمها.
فلمّا انقضى ذلك دخل والي القاهرة ووالي مصر وسلّم كلّ منهما ببياض أهل البلدين، ثم دخل البطرك بالنّصارى وفيهم كتّاب الدّولة من النّصارى، ورئيس اليهود (١) ومعه الكتّاب من اليهود، ثم سلّم المقرّبون وقد قارب القصر. ودخل الشّعراء على طبقاتهم، وأنشد كلّ منهم ما سمحت به قريحته.
стр. 1390
قال: فكان هذا رتبة الوزير المأمون [في هذا اليوم] (¬a) (١).
قال ابن المأمون: وأمّا ما قرّر للوزارة عينا في الشهر، بغير إيجاب بل يقبض من بيت المال، فهو ثلاثة آلاف دينار. تفصيلها: ما هو على حكم النّيابة في العلامة ألف دينار، وما هو على حكم الرّاتب ألف وخمس مائة دينار، وما هو على مائة غلام - برسم مجلسه وخدمته - لكلّ غلام خمسة دنانير في الشهر. فأمّا الغلمان الرّكابية وغيرهم من الفرّاشين والطّبّاخين، فعلى حكم ما يرغب في إثباته.
وفي السنة: من الإقطاعات خمسون ألف دينار، منها دهشور وجزيرة الذّهب، وبقيّة الجملة في البلاد (¬b) صفقات. ومن البساتين ثلاثة: بستان/ الأمير تميم (٢)، وبستانان بكوم أشفين. ومن القوت - يعني القمح - ومن القضيم - يعني الشّعير - والبرسيم في السنة عشرون ألف أردبّ قمحا وشعيرا. ومن الغنم برسم مطابخه مساقة من المراحات ثمانية آلاف رأس.
وأمّا الحيوان والأحطاب وجميع التّوابل، العال منها والدون، فمهما استدعاه متولّي المطابخ يطلق من دار أفتكين وشون الأحطاب وغير ذلك (٣).
وقد تقدّم مقرّر كسوة الوزارة في العيدين، وفصلي الشّتاء والصّيف، وموسم عيد الغدير، وفتح الخليج. وغير ذلك من غرّتي شهر رمضان وأوّل العام وغيره، كما سيرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
وقد استقصيت سير الوزراء في كتابي الذي سمّيته «تلقيح العقول والآراء في تنقيح أخبار الجلّة الوزراء» (٤) فانظره.
стр. 1391
ذكر الحجر التي كانت برسم الصّبيان الحجريّة
وكان بجوار دار الوزارة مكان كبير يعرف بالحجر (جمع حجرة) فيها الغلمان المختصّون بالخلفاء، كما أدركنا بالقلعة البيوت التي كان يقال لها الطّباق (¬a) (١). وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوّانيّة، وإلى حيث المسجد الذي يعرف بمسجد القاصد (¬b)، تجاه باب الجامع الحاكمي الذي يفضي إلى باب النّصر (٢).
فمن حقوق هذه الحجر: دار الأمير بهادر اليوسفي السّلاحدار النّاصري التي تجاور المسجد الكائن على يمنة من سلك من باب الجوّانيّة طالبا باب النّصر، ومنها الحوض المجاور لهذه الدّار، ودار الأمير أحمد قريب الملك النّاصر محمد بن قلاوون، والمسجد المعروف بالنّخلة، وما يجاوره من القاعتين اللتين تعرف إحداهما بقاعة الأمير علم الدّين سنجر الجاولي، وما في جانبها إلى مسجد القاصد، وما وراء هذه الدور (٣).
وكان لهؤلاء الحجريّة إسطبل برسم دوابّهم - سيأتي ذكره إن شاء اللّه (٤).
وما زالت هذه الحجر باقية بعد انقضاء دولة الخلفاء الفاطميين إلى ما بعد السبع مائة فهدمت، وابتنى الناس مكانها الأماكن المذكورة (٥).
قال ابن أبي طيّ [في «تاريخ حلب» عند وفاة] (¬d) المعزّ لدين اللّه: وجعل كلّ ماهر في صنعة صانعا للخاصّ، وأفرد لهم مكانا برسمهم، وكذلك فعل بالكتّاب والأفاضل، وشرط على ولاة الأعمال عرض أولاد النّاس بأعمالهم، فمن كان ذا شهامة وحسن خلقة أرسله ليخدم في الرّكاب. فسيّروا إليه عالما من أولاد النّاس، فأفرد لهم دورا وسمّاها «الحجر» (٦).
стр. 1392
وقال ابن الطّوير: وكوتب الأفضل بن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج، فاهتمّ للتوجّه إليها ولم (¬a) يبق ممكنا من مال وسلاح (¬b) ورجال وخيل (¬b)، واستناب أخاه المظفّر أبا محمد جعفر بن أمير الجيوش بدر بين يدي الخليفة مكانه، وقصد استنقاذ السّاحل من يد الفرنج، فوصل إلى عسقلان وزحف عليها بذلك العسكر، فخذل من جهة عسكره - وهي نوبة النّصّة (١) - وعلم أنّ السّبب في ذلك من جنده، ولمّا غلب حرّق جميع ما كان معه من الآلات.
وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم، فقال يخاطب صنجل [Saint Angilles] ملك الفرنج:
[متقارب]
نصرت بسيفك دين المسيح … فللّه درّك من صنجل
وما سمع النّاس فيما رووه … بأقبح من كسرة الأفضل
فتوصّل الأفضل إلى ذبح هذا الشّاعر، ولم ينتفع بعد هذه النّوبة أحد من الأجناد بالأفضل، وحظر عليهم النّعوت، ولم يسمع لأحد منهم كلمة. وأنشأ سبع حجر، واختار من أولاد الأجناد ثلاثة آلاف راجل وقسمهم في الحجر، وجعل لكلّ مائة زماما ونقيبا، وزمّ الكلّ بأمير يقال له «الموفّق»، وأطلق لكلّ منهم ما يحتاج إليه من خيل وسلاح وغيره، وعني بهؤلاء الأجناد. فكان إذا دهمه أمر مهم، جهّزهم إليه مع الزّمام الأكبر (¬c) (٢).
وقال ابن المأمون: وكان من جملة الحجريّة الذين يحضرون السّماط رجل يعرف بابن زحل، وكان يأكل خروفا كبيرا مشويّا ويستوفيه إلى آخره، ثم يقدّم له صحن كبير من القصور المعمولة بالسكر، وجميع صنوف الحيوانات على اختلاف أجناسها ما لم يعمل قطّ مثله من الأطعمة، فيأكل معظمه. وكان يقعد في طرف المدوّرة حتى يكون بالقرب من نظر الخليفة لا لميزته، وكان من الأجناد وأسر في أيام الأفضل، وقيّده الفرنجيّ الذي أسره وعذّبه، وطالت مدّته في الأسر وكان فقيرا (٣).
стр. 1393
فاتّفق أن ذكر للفرنجي كثرة أكله، فأراد أن يمتحنه، فقال له: أحضر لي عجلا، أكبر عجل عندكم، آكله إلى آخره. فضحك منه الفرنجيّ، ونقص عقله وأتاه بعجل كبير، ويقال بخنزير، فقال له: اذبحه واشوه، وائتني معه بجرّة خلّ. ثم قال: إذا أكلته ما يكون لي عندك؟ فغلط الفرنجيّ وقال له: أطلقك تمضي إلى أهلك. فاستحلفه على ذلك، وغلّظ عليه اليمين.
وأحضر الفرنجي عدّة من أصحابه ليشاهدوا (¬a) فعله. فلمّا استوفى العجل جميعه، صلّب كلّ من الحاضرين على وجهه/، وتعجّب من فعله وأطلقه؛ فقال: أخاف من أن يعتقد أنّني هربت، فأردّ إليكم. فأحضر الفرنجيّ من العربان من سلّمه إليهم ولم يشعر به إلاّ بباب عسقلان فطلع منها، وأعفي بعد ذلك من السّفر، وبقي برسم الأسمطة (١).
وقال ابن عبد الظّاهر: الحجر قريب من باب النّصر، وهو مكان كبير في صفّ دار الوزارة، إلى جانبه باب القوس الذي يسمّى باب النّصر قديما على يمنة الخارج من القاهرة، كان تربّى فيه جماعة من الشّباب يسمّون «صبيان الحجر» يكونون في جهات متعدّدة، وهم يناهزون خمسة آلاف نسمة. ولكلّ حجرة اسم تعرف به وهي: المنصورة والفتح والجديد، وغير ذلك مفردة لهم، وعندهم سلاحهم.
فإذا جرّدوا خرج كلّ منهم لوقته لا يكون له ما يمنعه، وكانوا في ذلك على مثال الدّاوية والإسبتاريّة (¬b) (٢)، وكانوا إذا سمي الرجل منهم بعقل وشجاعة خرج من هناك إلى الإمرة أو التقدمة، مثل عليّ بن السّلار وغيره، ولا يأوي أحد منهم إلاّ بحجرته بفرسه وعدّته وقماشه.
وللصّبيان الحجريّة حجرة مفردة عليهم أستاذون يبيتون عندهم، وخدّام برسمهم (٣).
стр. 1394
ذكر المناخ السّعيد
وكان من وراء القصر الكبير، فيما يلي ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر، «المناخ»، وهو موضع برسم طواحين القمح التي تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الأخشاب والحديد ونحو ذلك.
قال ابن الطّوير: وأمّا المناخات ففيها من الحواصل ما لا يحصره إلاّ القلم من الأخشاب والحديد والطّواحين النجدية والغشيمة، وآلات الأساطيل من الأسلحة المعمولة بيد الفرنج القاطنين فيه، والقنّب والكتّان والمنجنيقات المعدّة، والطّواحين الدائرة برسم الجرايات المقدم ذكرها، والزّفت في المخازن الذي علته الأتربة ولا ينقطع إلاّ بالمعاول. وقد أدركت هذه الدولة - يعني دولة بني أيّوب - منه شيئا كثيرا في هذا المكان انتفع به.
وإليه يأوي الفرنج في بيوت برسمهم، وكانت عدّتهم كثيرة، ففيه من النّجّارين والجزّارين والدّهّانين والفرّانين (¬a) والخيّاطين والفعلة، ومن العجّانين والطّحّانين في تلك الطّواحين، والفرّانين في أفران الجرايات.
وفي هذا المكان مادّة أكثر أهل الدّولة، وحاميه أمير من الأمراء، ومشارفه من العدول. وفيه أيضا شاهد النّفقات، وعامل يتولّى التنفيذ مع المشارف، وعامل برسم نظم الحساب من تعلّقاتهما بجار غير جواريهم، لأنّ أوقاتهم مستغرقة في مباشرة الإطلاقات وغيرها (١).
وذكر ابن عبد الظّاهر (¬b) أنّ المأمون بن البطائحي استجدّ طواحين برسم الرّواتب (٢).
стр. 1395
ذكر إسطبل الطّارمة
الطّارمة بيت من خشب، وهو دخيل (١). وكان بجوار القصر الكبير، تجاه باب الدّيلم من شرقيّ الجامع الأزهر: إسطبل (٢).
قال ابن الطّوير: وكان لهم إسطبلان: أحدهما يعرف بالطّارمة يقابل قصر الشّوك، والآخر بحارة زويلة يعرف بالجمّيزة.
وكان يكون (¬a) للخليفة الحاضر ما يقرب من ألف رأس - في كلّ إسطبل النصف من ذلك - منها ما هو برسم الخاصّ، ومنها ما يخرج برسم العواري لأرباب الرّتب والمستخدمين دائما، ومنها ما يخرج أيّام المواسم. وهي التغييرات المتقدّم ذكر إرسالها لأرباب الرّتب والخدم.
والمرتّب لكلّ إسطبل منهما: لكلّ ثلاثة أرؤس «سائس» واحد ملازم، ولكلّ واحد منها «شدّاد» برسم تسييرها. وفي كلّ إسطبل بئر بساقية تدور إلى أحواض، ومخازن فيها الشعير والأقراط اليابسة المحمولة من البلاد إليها، ولكلّ عشرين رجلا من السّوّاس «عريف» يلتزم دركهم بالضّمان، لأنّهم الذين يتسلّمون من خزائن السّروج المركبات بالحليّ، ويعيدونها إليها على ما (¬b) تقدّم ذكره في خزائن السّروج (٣).
ولكلّ من الإسطبلين «رائض» كأمير آخور (٤)، ولهما ميرة وجامكيّة متّسعة. وللعرفاء على السّوّاس ميزة، وللجماعات الجرايات من القمح والخبز خارجا عن الجامكيّات. فإذا بقى لأيّام
стр. 1396
المواسم التي يركب فيها الخليفة بالمظلّة مدّة أسبوع، أخرج إلى كلّ رائض في الإسطبل مع أستاذ مظلّة دبيقي مركبة على قفطارية مدهونة، ويختصر الرّائض على ما يركبه الخليفة إمّا فرسين أو ثلاثة، وعليهما المركبات الحلي التي يركبها الخليفة، فيركبها الرّائض بحائل بينه وبين السّرج، ويركب الأستاذ بغلة بمظلّة، ويحمل تلك المظلّة ويسير في براح الإسطبل - وفيه سعة عظيمة - مارّا وعائدا وحولها البوق والطّبل. فيكرّر ذلك عدّة دفعات في كلّ يوم مدّة ذلك الأسبوع، ليستقرّ ما يركبه الخليفة من الدّواب على ذلك، ولا ينفر منه في حال الرّكوب عليه، فيعمل كذلك في كلّ إسطبل من الإسطبلين.
والدّوابّ والبغلة التي تتهيّأ هي التي يركبها الخليفة وصاحب المظلّة يوم الموسم، ولا يختل ذلك. ويقال إنّه ما راثت دابّة/ ولا بالت والخليفة راكبها، ولا بغلة صاحب المظلّة أيضا إلى حين نزولهما عنهما (١).
وكان في السّاحل بطريق مصر من القاهرة (٢)، في البساتين المنسوبة إلى ملك صارم الدّين خطلبا (¬a) (٣)، شونتان مملوءتان تبنا، معبئتان كتعبئته في المراكب كالجبلين الشاهقين، ولهما مستخدمون: حام ومشارف وعامل بجامكيّة جيّدة، تصل بذلك المراكب التّبّانة المؤهلّة له من موظّف الأتبان بالبلاد السّاحلية، وغيرها ممّا يدخل إليه في أيام النّيل. ولها رؤساء، وأمرها جار في ديوان العمائر والصّناعة. والإنفاق منها بالتّوقيعات السّلطانية للإسطبلات المذكورة وغيرها من الأواسي الديوانية وعوامل بساتين الملك.
وإذا جرى بين المستخدمين خلف في الشّنف التّبن المعتبر، عادوا إلى قبضه بالوزن، فيكون الشّنف التّبن ثلاث مائة وستين رطلا بالمصرى نقيّا. وإذا أنفقوا دريسا قد تغيّرت صورة قتّه، كان
стр. 1397
عن القتّة اثنا عشر رطلا ونصف (¬a). ولم يزل ذلك كذلك إلى آخر وقت (¬b) (١).
وممّا يخبر عنهم أنّهم لم يركبوا حصانا أدهم قطّ، ولا يرون إضافته إلى دوابّهّم بالإسطبلات (٢).
وقال ابن عبد الظّاهر: إسطبل الطّارمة كان إسطبلا للخليفة، فلمّا زالت تلك الأيام اختطّ وبني آدرّا (٣).
ذكر دار الضّرب وما يتعلّق بها (¬c) يقال إنّ أوّل ما ظهرت دار ضرب الدّنانير والدّراهم وصياغة الحليّ من الذّهب والفضّة في أيام فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فاقتدى به من بعده في ذلك (¬c).
وكان بجوار خزانة الدّرق - التي هي اليوم خان مسرور الكبير - دار الضّرب. وموضعها كان حينئذ بالقشّاشين التي تعرف اليوم بالخرّاطين (¬d) المسلوك فيها من السّقطيين إلى الخيميّين والجامع الأزهر (¬d). وصار مكان دار الضّرب اليوم درب يعرف بدرب الشّمسي في وسط سوق السّقطيين المهامزيين. وباب هذا الدّرب تجاه باب (¬e) قيسارية العصفر. فإذا دخلت هذا الدّرب، فما كان على يسارك من الدّور فهو موضع دار الضّرب، وبجوارها دار الوكالة الحافظيّة. فجعلت الحوانيت التي على يمنة من سلك من رأس الخرّاطين تجاه سوق العنبر، طالبا الجامع الأزهر، في ظهر دار الضّرب.
وأنشأ هذه الحوانيت وما كان يعلوها من البيوت الأمير المعظّم خمرتاش الحافظي (٤)، وجعلها وقفا، وقال في كتاب وقفها: وحدّ هذه الحوانيت الغربي ينتهي إلى دار الضّرب وإلى دار الوكالة (٥). وقد صارت هذه الحوانيت الآن من جملة أوقاف المدرسة الجماليّة ممّا اغتصبه (¬f) من الأوقاف (٦).
стр. 1398
وما زالت دار الضّرب هذه في الدّولة الفاطمية باقية إلى أن استبدّ السّلطان صلاح الدّين، فصارت دار الضّرب حيث هي اليوم كما تقدّم ذكره. وكان لدار الضّرب المذكورة في أيّامهم أعمال، ويعمل بها دنانير الغرّة ودنانير خميس العدس، ويتولاّها قاضي القضاة لجلالة قدرها عندهم.
قال ابن المأمون: وفي شوّال منها - وهي سنة ستّ عشرة وخمس مائة - أمر الأجلّ ببناء دار الضّرب بالقاهرة المحروسة، لكونها مقرّ الخلافة وموطن الإمامة، فبنيت بالقشّاشين قبالة المارستان، وسمّيت بالدار الآمرية، واستخدم لها العدول، وصار دينارها أعلى عيارا من جميع ما يضرب بجميع الأمصار (١). انتهى.
وكانت دار الضّرب المذكورة تجاه المارستان فكان المارستان بجوار خزانة الدّرق: فما عن يمينك الآن، إذا سلكت من رأس الخرّاطين، فهو موضع دار الضّرب ودار الوكالة هكذا إلى الحمّام التي بالخرّاطين وما وراءها، وما عن يسارك فهو موضع المارستان.
قال ابن عبد الظّاهر: في أيام المأمون بن البطائحي، وزير الآمر بأحكام اللّه، بنيت دار الضّرب في القشّاشين قبالة المارستان الذي هناك، وسمّيت بالدّار الآمريّة (٢).
ذكر (¬a) دار العلم الجديدة
وكان بجوار القصر الكبير الشّرقي دار في ظهر خزانة الدّرق من باب تربة الزّعفران، لمّا أغلق الأفضل بن أمير الجيوش دار العلم التي كان الحاكم بأمر اللّه فتحها في باب التّبّانين، اقتضى الحال بعد قتله إعادة دار العلم (¬b) التي كان الحاكم فتحها (¬b). فامتنع الوزير المأمون من إعادتها في موضعها، فأشار الثّقة زمام القصور بهذا الموضع، فعمل دار العلم في شهر ربيع الأوّل سنة سبع
стр. 1399
عشرة وخمس مائة، وولاّها لأبي محمد حسن بن آدم، واستخدم فيها مقرئين. ولم تزل دار العلم هذه (¬a) حتى زالت الدّولة الفاطمية (١).
قال ابن عبد الظّاهر: رأيت في بعض كتب الأملاك القديمة ما يدلّ على أنّها قريبة من القصر النّافعيّ. وكذا ذكر لي الشّريف السّيّد الحلبي أنّها دار ابن أزدمر - المجاورة لدار سكني الآن - خلف فندق مسرور الكبير، وكذا قال لي والدي، ﵀. وقد بناها جمال الدّين الأستادّار الحلّي (¬b) دارا عظيمة غرم عليها مائة ألف وأكثر من ذلك على ما ذكره (٢). انتهى.
وموضع دار العلم هذه دار كبيرة ذات زلاّقة بجوار درب ابن عبد الظّاهر، قريبا من خان الخليلي بخطّ الزّراكشة العتيق.
ذكر (¬c) موسم أوّل العام
قال ابن المأمون: وأسفرت غرّة سنة سبع عشرة وخمس مائة، وبادر المستخدمون/ في الخزائن وصناديق الإنفاق بحمل ما يحضر بين يدي الخليفة من عين وورق من ضرب السّنة المستجدّة (٣)، ورسم جميع من يختصّ به من إخوته وجهاته وقرابته، وأرباب الصّنائع والمستخدمات، وجميع الأستاذين العوالي والأدوان. وثنّوا بحمل ما يختصّ بالأجلّ المأمون وأولاده وإخوته، واستأذنوا على تفرقة ما يختصّ بالأجلّ المأمون وأولاده والأصحاب والحواشي والأمراء والضّيوف والأجناد، فأمروا بتفرقته. والذين اشتمل عليه المبلغ في هذه السّنة نظير ما كان قبلها.
وجلس المأمون باكرا على السّماط بداره، وفرّقت الرّسوم على أرباب الخدم والمميّزين من جميع أصنافه على ما تضمّنته الأوراق، وحضرت التّغايير (¬d) والتّشريفات وزيّ الموكب إلى الدار المأمونية، وتسلّم كلّ من المستخدمين المدارج بأسماء من شرف بالحجبة ومصفّات العساكر وترتيب الأسمطة، واجتهد (¬e) كلّ منهم إلى شغله وتوجّه لخدمته.
стр. 1400
ثم ركب الخليفة، واستدعى الوزير المأمون، ثم خرج من باب الذّهب وقد نشرت مظلّته، وخدمت الرّهجيّة، ورتّب الموكب والجنائب ومصفّات العساكر عن يمينه وشماله، وجميع تجّار البلدين - من الجوهريين والصّيارف والصّاغة والبزّازين وغيرهم - قد زيّنوا الطّريق بما تقتضيه تجارة كلّ منهم ومعاشه لطلب البركة بنظر الخليفة. وخرج من باب الفتوح، والعساكر فارسها وراجلها بتجمّلها وزيّها، وأبواب حارات العبيد معلّقة بالستور، ودخل من باب النّصر، والصّدقات تعمّ المساكين، والرّسوم تفرّق على المستقرّين، إلى أن دخل من باب الذّهب، فلقيه المقرئون بالقرآن الكريم في طول الدّهاليز، إلى أن دخل خزانة الكسوة الخاصّ وغيّر ثياب الموكب بغيرها، وتوجّه إلى تربة آبائه للترحيم على عادته (١)، وبعد ذلك إلى ما رآه من قصوره على سبيل الرّاحة.
وعبّئت الأسمطة - وجرى الحال فيها وفي جلوس الخليفة ومن جرت عادته وتهيئة قصور الخلافة وتفرقة الرّسوم - على ما هو مستقرّ. وتوجّه الأجلّ المأمون إلى داره، فوجد الحال في الأسمطة على ما جرت به العادة، والتّوسعة فيها أكثر ممّا تقدّمها، وكذلك الهناء في صبيحة الموسم بالدّار المأمونية والقصور، وحضر من جرت العادة بحضوره للهناء، وبعدهم الشّعراء على طبقاتهم، وعادت الأمور في أيام السّلام والرّكوبات وترتيبها على المعهود.
وأحضر كلّ من المستخدمين في الدّواوين ما يتعلّق بديوانه من التّذاكر (٢) والمطالعات بما (¬a) تحتاج إليه الدّولة في طول السّنة، وينعم به ويتصدّق، ويحمل إلى الحرمين الشّريفين من كلّ صنف على ما فصّل في التّذاكر على يد المندوبين، ويحمل إلى الثّغور ويخزّن من سائر الأصناف ممّا يستعمل ويباع في الثّغور والبلاد، والاستيمار (٣)، وجريدة الأبواب، وتذكرة الطّراز والتّوقيع عليها (٤).
وقال ابن الطّوير (٥): فإذا كان العشر الأخر من ذي الحجّة في كلّ سنة، انتصب كلّ من المستخدمين بالأماكن لإخراج آلات الموكب من الأسلحة وغيرها، فيخرج من خزائن الأسلحة ما
стр. 1401
يحمله صبيان الرّكاب حول الخليفة من السّلاح (¬a) وهو: الصّماصم المصقولة المذهّبة مكان السّيوف المحدّبة لغيرهم (¬b)، والدّبابيس الملبّسة (¬c) بالكيمخت (١) الأحمر والأسود ورءوسها مدوّرة مضرّسة أيضا (¬b)، واللّتوت (٢) كذلك ورءوسها مستطيلة مضرّسة أيضا، وآلاته (¬d) يقال لها المستوفيات، وهي عمد حديد من طول ذراعين مربّعة الأشكال، بمقابض مدوّرة في أيديهم بعدّة معلومة من كلّ صنف فيتسلّمها نقباؤهم في (¬e) ضمانهم، وعليهم إعادتها إلى الخزائن بعد تقضّي الخدمة بها.
стр. 1402
ويخرج للطائفة من العبيد الأقوياء السّودان الشّباب - ويقال لهم «أرباب السّلاح الصّغير (¬a)»، وهم ثلاث مائة عبد - لكلّ واحد حربتان بأسنّة مصقولة تحتها جلب فضّة كلّ اثنتين في شرّابة، وثلاث مائة درقة بكوابج (¬b) (١) فضّة يتسلّم ذلك عرفاؤهم على ما تقدّم، فيسلّمونه للعبيد لكلّ واحد حربتان ودرقة (٢).
ثم يخرج من خزانة التّجمّل - وهي من حقوق خزائن السّلاح - القصب الفضّة برسم تشريف الوزير والأمراء أرباب الرّتب، وأزمّة العساكر والطّوائف من الفارس والرّاجل. وهي رماح ملبّسة بأنابيب الفضّة المنقوشة بالذهب إلاّ ذراعين منها، فيشدّ في ذلك الخالي من الأنابيب عدّة من المعاجر الشّرب (٣) الملوّنة، ويترك أطرافها المرقومة مسبلة كالسّناجق (¬c)، وبرءوسها رمّامين منفوخة فضّة مذهّبة وأهلّة مجوّفة كذلك، وفيها جلاجل لها حسّ إذا تحرّكت، وتكون عدّتها ما يقرب من مائة.
ومن العمّاريات - وهي شبه الكجاوات (¬d) - من الدّيباج الأحمر - وهو أجلّها - والأصفر والقرقوبي والسّقلاطون مبطّنة مضبوطة بزنانير حرير، وعلى دائر التّربيع منها مناطق بكوابج (¬e) فضّة مسمورة في جلد نظير عدد القصب، فيسير من القصب عشرة، ومن العمّاريات مثلها من الحمر خاصّة للوزير (¬f) (٤).
ويخرج للوزير خاصّة لواءان على رمحين طويلين ملبّسين بمثل تلك الأنابيب، ونفس اللّواء ملفوف غير منشور. وهذا التّشريف يسير أمام الوزير، وهو للأمراء من ورائهم. ثم يسير للأمراء
стр. 1403
أرباب الرّتب في الخدم - وأوّلهم صاحب الباب، وهو أجلّهم - خمس قصبات وخمس عمّاريات، ويرسل لإسفهسلار/ العساكر أربع قصبات وأربع عمّاريات من عدّة ألوان، ومن سواهما من الأمراء على قدر طبقاتهم ثلاث ثلاث، واثنتان اثنتان، وواحدة واحدة.
ثم يخرج من البنود الخاصّ الدّبيقي المرقوم الملوّن عشرة برماح ملبّسة بالأنابيب، وعلى رءوسها الرّمّامين والأهلّة للوزير خاصّة؛ ودون هذه البنود ممّا هو من الحرير على رماح غير ملبّسة، ورءوسها ورمّامينها من نحاس مجوّف مطلي بالذّهب فتكون هذه أمام الأمراء المذكورين، من تسعة إلى سبعة (¬a) إلى خمسة.
ثم يخرج لقوم يقال لهم: السّبربريّة (١) سلاح كلّ قطعة طول سبعة (¬a) أذرع برأسها طلعة مصقولة، وهي من خشب القنطاريات (٢) داخلة في الطّلعة وعقبها حديد مدوّر السّفل (¬b)، فهي في كفّ حاملها الأيمن، وهو يفتلها فيه فتلا متدارك الدوران (٣)، وفي يده اليسرى نشّابة كبيرة يخطر بها، وعدّتها ستون مع ستين رجلا يسيرون رجّالة في الموكب يسيرون يمنة ويسرة.
ثم يخرج من النّقّارات حمل عشرين بغلا، على كلّ بغل ثلاث، مثل نقّارات الكوسات بغير كوسات، يقال لها «طبول حلب (¬c)» يتسلّمها صنّاعها، ويسيرون في الموكب اثنين اثنين، ولها حسّ مستحسن (٤)، وكان لها ميزة عندهم في التّشريف.
ثم يخرج لقوم متطوّعين - بغير جار ولا جراية - تقرب عدّتهم من مائة رجل، لكلّ واحد درقة من درق اللّمط (٥)، وهي واسعة، وسيف، ويسيرون أيضا رجّالة في الموكب (٦). هذا وظيفة خزائن السّلاح.
стр. 1404
ثم يحضر حامي خزائن السّروج - وهو من الأستاذين المحنّكين - إليها مع مشارفها - وهو من الشّهود المعدّلين - فيخرج منها برسم خاصّ الخليفة من المركّبات الحليّ ما هو برسم ركوبه وما يجنّب في موكبه مائة سرج: منها سبعون على سبعين حصانا، ومنها ثلاثون على ثلاثين بغلة؛ كلّ مركّب مصنوع من ذهب، أو من ذهب وفضّة، أو من ذهب منزّل فيه المينا، أو من فضّة منزّلة بالمينا، وروادفها وقرابيسها (١) من نسبتها، ومنها ما هو مرصّع بالجواهر الفائقة. وفي أعناقها الأطواق الذّهب وقلائد العنبر، وربّما يكون في أيدي وأرجل أكثرها خلاخل مسطوحة دائرة عليها، ومكان الجلد من السّروج الديباج الأحمر والأصفر وغيرهما من الألوان، والسّقلاطون المنقوش بألوان الحرير قيمة كلّ دابّة وما عليها من العدّة ألف دينار.
فيشرّف الوزير من هذه بعشرة حصن لركوبه وأولاده وإخوته ومن يعزّ عليه من أقاربه. ويسلّم ذلك لعرفاء الإسطبلات، بالعرض عليهم من الجرائد التي هي ثابتة فيها علاماتها في أماكنها وأعدادها، وعدد كلّ مركّب منقوش عليه مثل أوّل وثان وثالث إلى آخرها - كما هو مسطور في الجرائد - فتعرّف بذلك قطعة قطعة، ويسلّمها العرفاء للشدّادين بضمان عرفائهم إلى أن تعود، وعليهم غرامة ما نقص منها وإعادتها برمّتها.
ثم يخرج من الخزائن المذكورة لأرباب الدّواوين المرتّبين في الخدم، على مقاديرهم، مركّبات أيضا من الحليّ - دون ما تقدّم ذكره - ما تقرب عدّته من ثلاث مائة مركّب على خيل وبغلات وبغال، يتسلّمها العرفاء المتقدّم ذكرهم على الوجه المذكور، وينتدب حاجب يحضر على التفرقة لفلان وفلان من أرباب الخدم سيفا وقلما، فيعرف كلّ شدّاد صاحبه، فيحضر إليه بالقاهرة ومصر سحر يوم الرّكوب، ولهم من الرّكاب رسوم من دينار إلى نصف دينار إلى ثلث دينار.
فإذا تكامل (¬a) هذا الأمر، وسلّم أيضا الجمّالون بالمناخات أغشية العمّاريات، وتكون إزاحة العلّة (¬b) في ذلك كلّه إلى آخر الثامن والعشرين من ذي الحجّة، وأصبح اليوم التاسع والعشرون - وهو سلخه على رأي القوم - عزم الخليفة على الجلوس في الشّبّاك (٢) لعرض دوابه الخاصّ المقدّم
стр. 1405
ذكرها، ويقال له «يوم عرض الخيل». فيستدعي الوزير صاحب الرّسالة - وهو من كبار الأستاذين المحنّكين وفصحائهم وعقلائهم ومحصّليهم - فيمضي إلى استدعائه في هيئة المسرعين على حصان دهراج (١)، امتثالا لأمر الخليفة بالإسراع، على خلاف حركته المعتادة. فإذا عاد مثل بين يدي الخليفة وأعلمه باستدعائه الوزير. فيخرج راكبا (¬a) من مكانه في القصر - ولا يركب أحد في القصر إلاّ الخليفة (٢) - وينزل في السّهدلاّ بدهليز باب الملك الذي فيه الشّبّاك (٣)، وعليه من ظاهره للنّاس ستر، فيقف من جانبه الأيمن زمام القصر، ومن جانبه الأيسر صاحب بيت المال، وهما من الأستاذين المحنّكين. فيركب الوزير من داره وبين يديه الأمراء، فإذا وصل إلى باب القصر ترجّل الأمراء وهو راكب، ويكون دخوله في هذا اليوم من باب العيد، ولا يزال راكبا إلى أوّل باب من الدّهاليز الطّوال (٤)، فينزل هناك ويمشي فيها وحواليه حاشيته وغلمانه وأصحابه ومن يراه من أولاده وأقاربه، ويصل إلى الشّبّاك فيجد تحته كرسيّا كبيرا من كراسي السلين الحديد (¬b)، فيجلس عليه ورجلاه تطأ الأرض. فإذا استوى جالسا، رفع كلّ أستاذ السّتر من جانبه، فيرى الخليفة جالسا في المرتبة الهائلة، فيقف ويسلّم ويخدم بيده إلى الأرض ثلاث مرّات، ثم يؤمر بالجلوس على كرسيه فيجلس، ويستفتح القرّاء بالقراءة قبل كلّ شيء بآيات لائقة بذلك الحال مقدار نصف ساعة، ثم يسلّم الأمراء. (¬c)