يحمله صبيان الرّكاب حول الخليفة من السّلاح (¬a) وهو: الصّماصم المصقولة المذهّبة مكان السّيوف المحدّبة لغيرهم (¬b)، والدّبابيس الملبّسة (¬c) بالكيمخت (١) الأحمر والأسود ورءوسها مدوّرة مضرّسة أيضا (¬b)، واللّتوت (٢) كذلك ورءوسها مستطيلة مضرّسة أيضا، وآلاته (¬d) يقال لها المستوفيات، وهي عمد حديد من طول ذراعين مربّعة الأشكال، بمقابض مدوّرة في أيديهم بعدّة معلومة من كلّ صنف فيتسلّمها نقباؤهم في (¬e) ضمانهم، وعليهم إعادتها إلى الخزائن بعد تقضّي الخدمة بها.
стр. 1402
ويخرج للطائفة من العبيد الأقوياء السّودان الشّباب - ويقال لهم «أرباب السّلاح الصّغير (¬a)»، وهم ثلاث مائة عبد - لكلّ واحد حربتان بأسنّة مصقولة تحتها جلب فضّة كلّ اثنتين في شرّابة، وثلاث مائة درقة بكوابج (¬b) (١) فضّة يتسلّم ذلك عرفاؤهم على ما تقدّم، فيسلّمونه للعبيد لكلّ واحد حربتان ودرقة (٢).
ثم يخرج من خزانة التّجمّل - وهي من حقوق خزائن السّلاح - القصب الفضّة برسم تشريف الوزير والأمراء أرباب الرّتب، وأزمّة العساكر والطّوائف من الفارس والرّاجل. وهي رماح ملبّسة بأنابيب الفضّة المنقوشة بالذهب إلاّ ذراعين منها، فيشدّ في ذلك الخالي من الأنابيب عدّة من المعاجر الشّرب (٣) الملوّنة، ويترك أطرافها المرقومة مسبلة كالسّناجق (¬c)، وبرءوسها رمّامين منفوخة فضّة مذهّبة وأهلّة مجوّفة كذلك، وفيها جلاجل لها حسّ إذا تحرّكت، وتكون عدّتها ما يقرب من مائة.
ومن العمّاريات - وهي شبه الكجاوات (¬d) - من الدّيباج الأحمر - وهو أجلّها - والأصفر والقرقوبي والسّقلاطون مبطّنة مضبوطة بزنانير حرير، وعلى دائر التّربيع منها مناطق بكوابج (¬e) فضّة مسمورة في جلد نظير عدد القصب، فيسير من القصب عشرة، ومن العمّاريات مثلها من الحمر خاصّة للوزير (¬f) (٤).
ويخرج للوزير خاصّة لواءان على رمحين طويلين ملبّسين بمثل تلك الأنابيب، ونفس اللّواء ملفوف غير منشور. وهذا التّشريف يسير أمام الوزير، وهو للأمراء من ورائهم. ثم يسير للأمراء
стр. 1403
أرباب الرّتب في الخدم - وأوّلهم صاحب الباب، وهو أجلّهم - خمس قصبات وخمس عمّاريات، ويرسل لإسفهسلار/ العساكر أربع قصبات وأربع عمّاريات من عدّة ألوان، ومن سواهما من الأمراء على قدر طبقاتهم ثلاث ثلاث، واثنتان اثنتان، وواحدة واحدة.
ثم يخرج من البنود الخاصّ الدّبيقي المرقوم الملوّن عشرة برماح ملبّسة بالأنابيب، وعلى رءوسها الرّمّامين والأهلّة للوزير خاصّة؛ ودون هذه البنود ممّا هو من الحرير على رماح غير ملبّسة، ورءوسها ورمّامينها من نحاس مجوّف مطلي بالذّهب فتكون هذه أمام الأمراء المذكورين، من تسعة إلى سبعة (¬a) إلى خمسة.
ثم يخرج لقوم يقال لهم: السّبربريّة (١) سلاح كلّ قطعة طول سبعة (¬a) أذرع برأسها طلعة مصقولة، وهي من خشب القنطاريات (٢) داخلة في الطّلعة وعقبها حديد مدوّر السّفل (¬b)، فهي في كفّ حاملها الأيمن، وهو يفتلها فيه فتلا متدارك الدوران (٣)، وفي يده اليسرى نشّابة كبيرة يخطر بها، وعدّتها ستون مع ستين رجلا يسيرون رجّالة في الموكب يسيرون يمنة ويسرة.
ثم يخرج من النّقّارات حمل عشرين بغلا، على كلّ بغل ثلاث، مثل نقّارات الكوسات بغير كوسات، يقال لها «طبول حلب (¬c)» يتسلّمها صنّاعها، ويسيرون في الموكب اثنين اثنين، ولها حسّ مستحسن (٤)، وكان لها ميزة عندهم في التّشريف.
ثم يخرج لقوم متطوّعين - بغير جار ولا جراية - تقرب عدّتهم من مائة رجل، لكلّ واحد درقة من درق اللّمط (٥)، وهي واسعة، وسيف، ويسيرون أيضا رجّالة في الموكب (٦). هذا وظيفة خزائن السّلاح.
стр. 1404
ثم يحضر حامي خزائن السّروج - وهو من الأستاذين المحنّكين - إليها مع مشارفها - وهو من الشّهود المعدّلين - فيخرج منها برسم خاصّ الخليفة من المركّبات الحليّ ما هو برسم ركوبه وما يجنّب في موكبه مائة سرج: منها سبعون على سبعين حصانا، ومنها ثلاثون على ثلاثين بغلة؛ كلّ مركّب مصنوع من ذهب، أو من ذهب وفضّة، أو من ذهب منزّل فيه المينا، أو من فضّة منزّلة بالمينا، وروادفها وقرابيسها (١) من نسبتها، ومنها ما هو مرصّع بالجواهر الفائقة. وفي أعناقها الأطواق الذّهب وقلائد العنبر، وربّما يكون في أيدي وأرجل أكثرها خلاخل مسطوحة دائرة عليها، ومكان الجلد من السّروج الديباج الأحمر والأصفر وغيرهما من الألوان، والسّقلاطون المنقوش بألوان الحرير قيمة كلّ دابّة وما عليها من العدّة ألف دينار.
فيشرّف الوزير من هذه بعشرة حصن لركوبه وأولاده وإخوته ومن يعزّ عليه من أقاربه. ويسلّم ذلك لعرفاء الإسطبلات، بالعرض عليهم من الجرائد التي هي ثابتة فيها علاماتها في أماكنها وأعدادها، وعدد كلّ مركّب منقوش عليه مثل أوّل وثان وثالث إلى آخرها - كما هو مسطور في الجرائد - فتعرّف بذلك قطعة قطعة، ويسلّمها العرفاء للشدّادين بضمان عرفائهم إلى أن تعود، وعليهم غرامة ما نقص منها وإعادتها برمّتها.
ثم يخرج من الخزائن المذكورة لأرباب الدّواوين المرتّبين في الخدم، على مقاديرهم، مركّبات أيضا من الحليّ - دون ما تقدّم ذكره - ما تقرب عدّته من ثلاث مائة مركّب على خيل وبغلات وبغال، يتسلّمها العرفاء المتقدّم ذكرهم على الوجه المذكور، وينتدب حاجب يحضر على التفرقة لفلان وفلان من أرباب الخدم سيفا وقلما، فيعرف كلّ شدّاد صاحبه، فيحضر إليه بالقاهرة ومصر سحر يوم الرّكوب، ولهم من الرّكاب رسوم من دينار إلى نصف دينار إلى ثلث دينار.
فإذا تكامل (¬a) هذا الأمر، وسلّم أيضا الجمّالون بالمناخات أغشية العمّاريات، وتكون إزاحة العلّة (¬b) في ذلك كلّه إلى آخر الثامن والعشرين من ذي الحجّة، وأصبح اليوم التاسع والعشرون - وهو سلخه على رأي القوم - عزم الخليفة على الجلوس في الشّبّاك (٢) لعرض دوابه الخاصّ المقدّم
стр. 1405
ذكرها، ويقال له «يوم عرض الخيل». فيستدعي الوزير صاحب الرّسالة - وهو من كبار الأستاذين المحنّكين وفصحائهم وعقلائهم ومحصّليهم - فيمضي إلى استدعائه في هيئة المسرعين على حصان دهراج (١)، امتثالا لأمر الخليفة بالإسراع، على خلاف حركته المعتادة. فإذا عاد مثل بين يدي الخليفة وأعلمه باستدعائه الوزير. فيخرج راكبا (¬a) من مكانه في القصر - ولا يركب أحد في القصر إلاّ الخليفة (٢) - وينزل في السّهدلاّ بدهليز باب الملك الذي فيه الشّبّاك (٣)، وعليه من ظاهره للنّاس ستر، فيقف من جانبه الأيمن زمام القصر، ومن جانبه الأيسر صاحب بيت المال، وهما من الأستاذين المحنّكين. فيركب الوزير من داره وبين يديه الأمراء، فإذا وصل إلى باب القصر ترجّل الأمراء وهو راكب، ويكون دخوله في هذا اليوم من باب العيد، ولا يزال راكبا إلى أوّل باب من الدّهاليز الطّوال (٤)، فينزل هناك ويمشي فيها وحواليه حاشيته وغلمانه وأصحابه ومن يراه من أولاده وأقاربه، ويصل إلى الشّبّاك فيجد تحته كرسيّا كبيرا من كراسي السلين الحديد (¬b)، فيجلس عليه ورجلاه تطأ الأرض. فإذا استوى جالسا، رفع كلّ أستاذ السّتر من جانبه، فيرى الخليفة جالسا في المرتبة الهائلة، فيقف ويسلّم ويخدم بيده إلى الأرض ثلاث مرّات، ثم يؤمر بالجلوس على كرسيه فيجلس، ويستفتح القرّاء بالقراءة قبل كلّ شيء بآيات لائقة بذلك الحال مقدار نصف ساعة، ثم يسلّم الأمراء. (¬c)
стр. 1406
ويشرع (¬a) في عرض (¬b) الخيل والبغال (¬b) الخاصّ المقدّم ذكرها دابّة دابّة، وهي هادئة كالعرائس بأيدي شدّاديها، إلى أن يتكمّل (¬c)/ عرضها، فيقرأ القرّاء لختم ذلك الجلوس، ويرخي الأستاذان السّترين (¬d)، فيقوم (¬e) الوزير ويدخل إليه ويقبّل يديه ورجليه، وينصرف عنه إلى داره، فيركب من مكان نزوله والأمراء بين يديه لوداعه إلى داره ركبانا ومشاة إلى قريب المكان، (¬f) وينقضي هذا الأمر (¬f) (١).
[آلات الموكب]
فإذا صلّى الخليفة الظّهر بعد انفضاض ما تقدّم، جلس لعرض ما يلبسه في غد (¬g) تلك الليلة - وهو «يوم استفتاح (¬h) العام» (٢) - بخزائن الكسوات الخاصّ (٣)، ويكون لباسه فيه البياض غير الموشّح، فيعين على منديل خاصّ (٤) وبدلة (٥). فأمّا المنديل فيسلّم لشادّ التّاج الشّريف. ويقال لها (¬i) «شدّة الوقار» - وهو من الأستاذين المحنّكين، وله ميزة لمماسّه ما يعلو تاج الخليفة - فيشدّها شدّة غريبة لا
стр. 1407
يعرفها سواه شكل الإهليلجة. ثم تحضر إليه «اليتيمة»، وهي جوهرة عظيمة لا تعرف لها قيمة، فتنتظم هي وحواليها دونها (¬a) من الجواهر (١)، وهي موضوعة في الحافر، وهو شكل الهلال من ياقوت أحمر ليس له مثال في الدّنيا (٢)، فتنظم على خرقة حرير أحسن وضع، ويخيطها شادّ التاج بخياطة خفيّة (¬b) ممكنة فتكون بأعلى جبهة الخليفة - ويقال إنّ زنة الجوهرة سبعة دراهم، وزنة الحافر أحد عشر مثقالا - وبدائرها قصب زمرّد ذبّابي له قدر عظيم (٣).
ثم يؤمر بشدّ المظلّة التي تشاكل (¬c) تلك البدلة المحضرة بين يديه، وهي مناسبة للثياب (٤)، ولها عندهم جلالة لكونها تعلو رأس الخليفة. وهي اثنا عشر شوزكا، عرض سفل كلّ شوزك شبر، وطول ثلاثة أذرع وثلث، وآخر الشّوزك من فوق دقيق جدّا، فيجتمع ما بين الشّوازك في رأس عمودها (¬d) بدائرة، وهو قنطارية (٥) من الزّان ملبّسة بأنابيب الذّهب، وفي آخر أنبوبة تلي الرأس من جسمه فلكة بارزة مقدار عرض إبهام، فيشدّ آخر الشّوازك في حلقة من ذهب، ويترك متّسعا في رأس الرّمح وهو مفروض، فتلقى تلك الفلكة فتمنع المظلّة من الحدور في العمود المركوز (¬e). ولها أضلاع من خشب الخلنج مربّعات مكسوة بوزن الذّهب، على عدد الشّوازك، خفاف في الوزن طولها طول الشّوازك، وفيها خطاطيف لطاف وحلق يمسك بعضها بعضا، وهي تنضم وتنفتح على طريقة شوكات الكيزان، ولها رأس شبه الرّمّانة، ويعلوه رمّانة صغيرة كلّها ذهب مرصّع بجوهر يظهر للعيان، ولها رفرف دائر يفتحها من نسبتها عرضه أكثر من شبر ونصف، وسفل الرّمّانة فاصل يكون مقداره ثلاث أصابع. فإذا أدخلت الحلقة الذهب الجامعة لآخر شوازك المظلّة في رأس العمود، ركّبت الرّمّانة عليها ولفّت في عرض دبيقي مذهّب، فلا يكشفها منه
стр. 1408
إلاّ حاملها عند تسليمها إليه أوّل وقت الركوب (¬a).
ثم يؤمر بشدّ «لواءي الحمد» المختصّين بالخليفة، وهما رمحان طويلان ملبّسان بمثل أنابيب عمود المظلّة إلى حدّ نقشهما (¬b)، وهما من الحرير الأبيض المرقوم بالذهب، وغير منشورين بل ملفوفين على جسم الرّمحين، فيشدان ليخرجا بخروج المظلّة إلى أميرين من حاشية الخليفة برسم حملهما (١).
ويخرج إحدى وعشرون «راية» لطاف من الحرير المرقوم ملوّنة بكتابة تخالف ألوانها من غيره، ونصّ كتابتهما: ﴿نَصْرٌ مِنَ اَللّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الآية ١٣ سورة الصف]، على رماح مقوّمة من القنا المنتقى، طول كلّ راية ذراعان في عرض ذراع ونصف، في كلّ واحدة ثلاث طرّادات (¬c) فتسلّم لأحد وعشرين رجلا من فرسان صبيان الخاصّ (٢)، ولهم بشارة عود الخليفة سالما أحد و (¬d) عشرون دينارا (٣).
ثم يخرج «رمحان» رءوسهما أهلّة من ذهب صامتة، في كلّ واحد سبع من ديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة مستديرة يدخل فيها الرّيح، فينفتحان فيظهر شكلهما، ويتسلّمهما فارسان من صبيان الخاصّ، فيكونان أمام الرّايات (٤).
ثم يخرج «السّيف الخاصّ»، وهو من صاعقة وقعت على ما يقال، وحليته (¬e) ذهب مرصّعة بالجوهر في خريطة مرقومة بالذّهب، لا يظهر إلاّ رأسه ليسلّم إلى حامله وهو أمير عظيم القدر.
وهذه عندهم رتبة جليلة المقدار، وهو أكبر حامل (٥).
стр. 1409
ثم يخرج «الرّمح» (١)، وهو رمح لطيف في غلاف منظوم من اللّؤلؤ، وله سنان مختصر بحلية ذهب (٢)، ودرقة بكوابج (¬a) ذهب، فيها سعة منسوبة إلى حمزة بن عبد المطّلب ﵁ في غشاء من حرير، لتخرج إلى حاملها وهو أمير مميّز. ولهذه الخدمة وصاحبها عندهم جلالة.
ثم يعلم (¬b) النّاس بطريق الموكب، وسلوكه لا يتعدّى دورتين: إحداهما كبرى، والأخرى صغرى. أمّا الكبرى فمن باب القصر إلى باب النّصر، مارّا إلى حوض عزّ الملك نبا - ومسجده هناك وهو أقصاها (٣) - ثم ينعطف على يساره طالبا باب الفتوح إلى القصر. والأخرى إذا خرج من باب النّصر سار حافّا بالسّور، ودخل من باب الفتوح.
فيعلم النّاس بسلوك أحدهما (¬c)، فيسيرون إذا ركب الخليفة فيها من غير تبديل للموكب، ولا تشويش ولا اختلال. فلا يصبح الصّبح من يوم الرّكوب إلاّ وقد اجتمع من بالقاهرة ومصر من أرباب الرّتب وأرباب التّغييرات (¬d) من أرباب السّيوف والأقلام قياما بين القصرين - وكان براحا واسعا خاليا من البناء الذي فيه اليوم - فيسع القوم لانتظار ركوب (¬e) الخليفة.
ويبكّر الأمراء إلى الوزير إلى داره، فيركب إلى القصر من غير استدعاء لأنّها خدمة لازمة للخليفة، فيسير أمامه تشريفه المقدّم ذكره، والأمراء بين يديه ركبانا ومشاة، وأمامه أولاده وإخوته/ وكلّ منهم مرخي الذّؤابة بلا حنك، وهو في أهبة (¬f) عظيمة من الثّياب الفاخرة والمنديل وهو بالحنك، ويتقلّد بالسّيف المذهّب.
فإذا وصل القصر ترجّل قبله أهله في أخصّ مكان لا يصل الأمراء إليه، ودخل من باب القصر وهو راكب دون الحاضرين إلى دهليز يقال له «دهليز العمود»، فيترجّل على مسطبة هناك، ويمشي بقيّة الدّهليز إلى القاعة، فيدخل «مقطع الوزارة» (٤) هو وأولاده وإخوته وخواصّ حاشيته،
стр. 1410
ويجلس الأمراء بالقاعة على دكك معدّة لذلك مكسوّة في الصّيف بالحصر السّامان وفي الشّتاء بالبسط الجهرميّة المحفورة.
فإذا أدخلت الدّابّة لركوب الخليفة، وأسندت إلى الكرسي الذي يركب عليه من باب المجلس، أخرجت المظلّة إلى حاملها، فيكشفها ممّا هي ملفوفة فيه غير مطنبة (¬a)، فيتسلّمها بإعانة أربعة من الصّقالبة برسم خدمتها، فيركّزها في آلة حديد متّخذة شكل القرن المصطخب (¬b)، وهو مشدود في ركاب حاملها الأيمن بقوّة وتأكيد بعقبها (¬b)، فيمسك العمود بحاجز فوق يده فيبقى وهو منتصب واقف. ولم يذكر قطّ أنّها اضطربت في ريح عاصف (١).
ثم يخرج «بالسّيف»، فيتسلّمه حامله، فإذا تسلّمه أرخيت ذؤابته ما دام حاملا له. ثم تخرج «الدّواة» فتسلّم لحاملها وهو من الأستاذين المحنّكين، وكان الوزراء حملوها لقوم من الشّهود المعدّلين. وهي الدّواة التي كانت من أعاجيب الزّمان، وهي في نفسها من الذّهب وحليتها مرجان، وهي ملفوفة في منديل شرب بياض مذهّب (٢). وقد قال فيها بعض الشّعراء يخاطب
стр. 1411
الخليفة الذي (¬a) صنعت حلية المرجان في وقته، وهذا من أغرب ما يكون، ذكر ذلك في بيتين وهما:
[الطويل]
ألين لداود الحديد كرامة … فقدر منه السّرد كيف يريد
ولان لك المرجان وهو حجارة … ومقطعه صعب المرام شديد
فيخرج الوزير ومن كان معه من المقطع، وتنضمّ إليه الأمراء، ويقفون إلى جانب الدّابّة (¬b).
فيرفع صاحب المجلس السّتر، فيخرج من كان عند الخليفة للخدمة منهم، وفي أثرهم يبرز الخليفة بالهيئة المشروح حالها في لباسه: الثّياب المعروضة عليه، والمنديل الحامل لليتيمة بأعلى جبهته، وهو محنّك مرخيّ الذّؤابة ممّا يلي جانبه الأيسر، ويتقلّد بالسّيف العربي (¬c)، وبيده قضيب الملك وهو طول شبر ونصف من عود مكسو بالذّهب المرصّع بالدّرّ والجوهر (١). فيسلّم على الوزير قوم مرتّبون لذلك، وعلى أهله وعلى الأمراء بعدهم، ثم يخرج أولئك أوّلا فأوّلا، والوزير يخرج بعد الأمراء فيركب ويقف قبالة باب القصر بهيئة.
ويخرج الخليفة [راكبا] (¬d) وحواليه الأستاذون، ودابّته ماشية على بسط مفروشة خيفة من زلقها على الرّخام (٢). فإذا قارب الباب وظهر وجهه، ضرب رجل ببوق لطيف من ذهب معوّج الرأس - يقال له «الغريبة» (٣) - بصوت عجيب يخالف أصوات البوقات.
فإذا سمع ذلك ضربت الأبواق في الموكب، ونشرت المظلّة، وبرز الخليفة من الباب، ووقف وقفة يسيرة بمقدار ركوب الأستاذين المحنّكين وغيرهم من أرباب الرّتب الذين كانوا بالقاعة للخدمة، وسار الخليفة وعلى يساره صاحب المظلّة وهو يبالغ ألاّ يزول عنه ظلّها.
стр. 1412
ثم يكتنف الخليفة مقدّمو صبيان الرّكاب: منهم اثنان في الشّكيمتين (¬a)، واثنان في عنق الدّابّة من الجانبين، واثنان في ركابيه (¬b). فالأيمن مقدّم المقدّمين، وهو صاحب المقرعة التي يتناولها ويناولها، وهو المؤدّي عن الخليفة مدّة ركوبه الأوامر والنّواهي.
ويسير الموكب بالحثّ، فأوّله فروع الأمراء وأولادهم، وأخلاط بعض العسكر الأماثل، إلى أرباب القضب، إلى أرباب الأطواق، إلى الأستاذين المحنّكين، إلى حامل اللّواءين من الجانبين، إلى حامل الدّواة - وهي بينه وبين قربوس السّرج (١) - إلى صاحب السّيف وهما في الجانب الأيسر كلّ واحد ممّن تقدّم ذكره بين عشرة إلى عشرين من أصحابه. ويحجبه أهل الوزير المقدّم ذكرهم من الجانب الأيمن بعد الأستاذين المحنّكين.
ثم يأتي الخليفة وحواليه «صبيان الرّكاب» المذكور (¬c) تفرقة السّلاح فيهم، وهم أكثر من ألف رجل، وعليهم المناديل الطّبقيّات، وهم متقلّدون (¬d) بالسّيوف، وأوساطهم مشدودة بمناديل، وفي أيديهم السّلاح مشهور، وهم من جانبي الخليفة كالجناحين المادّين، وبينهما فرجة لوجه الدّابّة (¬e) ليس فيها أحد، وبالقرب من رأسها الصّقلبيان الحاملان للمذبّتين، وهما مرفوعتان كالنّخلتين، لما يسقط من طائر وغيره (٢)، وهو سائر على تؤدة ورفق.
وفي طول الموكب من أوّله إلى آخره «والي القاهرة» مارّا وعائدا لفسح الطّرقات وتسيير (¬f) الرّكبان، فيلقى في عوده الإسفهسلار كذلك مارّا وعائدا لحثّ (¬g) النّاس و (¬g) الأجناد في الحركة والإنكار على المزاحمين المعترضين، ويلقى في عوده صاحب الباب - ومروره في زمرة الخليفة - إلى أن يصل إلى الإسفهسلار، فيعود لترتيب الموكب وحراسة طرقات الخليفة، وفي يد كلّ منهم دبّوس، وهو راكب خير دوابّه، وأسرعه، هذا لمن هو (¬h) أمام الموكب.
ثم يسير خلف دابّة الخليفة قوم من صبيان الرّكاب لحفظ أعقابه، ثم عشرة يحملون/ عشرة سيوف في خرائط ديباج أحمر وأصفر يشراريب غزيرة - يقال لها «سيوف الدّم» - برسم ضرب الأعناق (٣).
стр. 1413
ثم يسير بعدهم «صبيان السّلاح الصّغير» أرباب الفريجيّات المقدّم ذكرهم أوّلا (١).
ثم يأتي الوزير في هيئته (¬a)، وفي ركابه من أصحابه قوم يقال لهم «صبيان الزّرد» (٢)، من أقوياء الأجناد يختارهم لنفسه (¬b)، ما مقداره خمس مائة رجل من جانبيه بفرجة لطيفة أمامه دون فرجة الخليفة، وكأنّه على وفاز من حراسة الخليفة، ويجتهد ألاّ يغيب عن نظره، وخلفه الطّبول والصّنوج والصّفافير، وهو مع عدّة كثيرة تدوّي بأصواتها وحسّها الدنيا.
ثم يأتي حامل الرّمح المقدّم ذكره ودرقة حمزة (¬c)، ثم طوائف الرّاجل من الرّيحانيّة (¬d) والجيوشية وقبلهما المصامدة، ثم الفريجيّة، ثم الوزيرية زمرة زمرة في عدّة وافرة تزيد على أربعة آلاف في الوقت الحاضر وهم أضعاف ذلك، ثم أصحاب الرّايات والسّبعين، ثم طوائف العساكر من الآمريّة والحجريّة الكبار والحافظيّة والحجريّة الصّغار المنقولين والأفضليّة والجيوشيّة، ثم الأتراك المصطنعون ثم الدّيلم، ثم الأكراد، ثم الغزّ المصطنعة.
وقد كان تقدّم هؤلاء الفرسان عدّة وافرة من المترجّلة أرباب قسيّ اليد وقسيّ الرّجل في أكثر من خمس مائة، وهم المعدون للأساطيل، ويكون من الفرسان المقدّم ذكرهم ما يزيد على ثلاثة آلاف. وهذا كلّه بعض من كلّ (٣) (¬e).
فإذا انتهى الموكب إلى المكان المحدود عادوا على أدراجهم، ويدخلون من باب الفتوح، ويقفون بين القصرين بعد الرّجوع (¬f) كما كانوا قبله.
стр. 1414
فإذا وصل الخليفة إلى الجامع الأقمر بالقمّاحين اليوم، وقف وقفة بجملته في موكبه، وانفرج الموكب للوزير فيتحرّك (¬a) مسرعا ليصير أمام الخليفة حتى يدخل بين يديه، فيمرّ الخليفة فيسكع له سكعة ظاهرة، فيشير الخليفة للسّلام عليه إشارة خفيفة (¬b) - وهذه أعظم مكارمة تصدر عن الخليفة، ولا تكون إلاّ للوزير صاحب السّيف - فيفارقه (¬c) ويسبقه (¬d) إلى دخول باب القصر راكبا على عادته إلى موضعه، ويكون الأمراء قد نزلوا قبله لأنّهم في أوائل الموكب.
فإذا وصل الخليفة إلى باب القصر ودخله، وترجّل الوزير، ودخل قبله الأستاذون المحنّكون وأحدقوا به، والوزير أمام وجه دابّته من (¬e) مكان ترجّله إلى الكرسي الذي ركب منه، فينزل عليه ويدخل إلى مكانه بعد خدمة المذكورين له.
فيخرج الوزير ويركب من مكانه الجاري به على عادته، والأمراء بين يديه وأقاربه حواليه، فيركبون من أماكنهم ويسيرون صحبته إلى داره، فيدخل وينزل أيضا إلى مكانه على كرسي، فتخدمه الجماعة بالوداع (١).
(¬f) دنانير الغرّة التي كانت تضرب وتفرّق في أوّل السّنة في أيام الخلفاء
قال ابن الطّوير في الفصل الخامس من كتابه بعد ذكر ركوب أوّل العام ما نصّه (¬f): وتتفرّق النّاس إلى أماكنهم، فيجدون قد أحضر إليهم الغرّة. وهو أنّه يتقدّم أمر (¬c) الخليفة بأن يضرب بدار الضّرب في العشر الأخر من ذي الحجّة، بتاريخ السّنة التي ركب أوّلها في هذا اليوم، جملة من الدّنانير والرّباعية والدّراهم المدوّرة المقشقلة.
فيحمل إلى الوزير منها ثلاث وستون دينارا وثلاث مائة وستون رباعيّا وثلاث مائة وستون قيراطا، وإلى أولاده وإخوته من كلّ صنف من ذلك خمسون، وإلى أرباب الرّتب من أصحاب السّيوف والأقلام من عشرة دنانير وعشر رباعيات وعشرة قراريط إلى دينار واحد ورباعيّ واحد وقيراط واحد (٢)، فيقبلون ذلك على حكم البركة من قبل (¬g) الخليفة.
стр. 1415
قال: ومبلغ الغرّة التي ينعم بها في أوّل العام المقدّم ذكرها، من الدّنانير والرّباعيات والقراريط، ما يقرب من ثلاثة آلاف دينار (١).
ذكر ما كان يضرب في خميس العدس من خراريب الذّهب
قال ابن المأمون: وأحضر الأجلّ المأمون كاتب الدّفتر، وأمره بالكشف عمّا كان يضرب برسم خميس العدس من الخراريب الذّهب، وهو خمس مائة دينار عن عشرين ألف خرّوبة.
فاستدعى (¬a) كاتب بيت المال ووقّع له بإطلاق ألف دينار، وأمره بإحضار مشارف دار الضّرب وسلّمها إليه. فاعتمد ذلك، وضربت عشرون ألف خرّوبة وأحضرها، فأمر بحملها إلى الخليفة، فسيّر الخليفة منها إلى المأمون ثلاث مائة دينار. وذكر أنّها لم تضرب في مدّة خلافة الحافظ لدين اللّه غير سنة واحدة، ثم بطل حكمها ونسي ذكرها (٢).
قال: وصار ما يضرب باسم الخليفة - يعني الآمر بأحكام اللّه - في ستة مواضع: القاهرة، ومصر، وقوص، وعسقلان، وصور، والإسكندرية (٣).
وقال ابن عبد الظّاهر: خميس العدس كان يضرب فيه خمس مائة دينار (¬b) تعمل عشرة آلاف خرّوبة، كان الأفضل بن أمير الجيوش يحمل منها للخليفة مائتي دينار، والبقيّة برسمه. ثم جعلت في الأيام المأمونية ألف دينار، وربّما زادت أو نقصت يسيرا (٤).
وقد تقدّم أنّ قاضي القضاة كان يتولّى عيار دار الضّرب، ويحضر التّغليق بنفسه ويختم عليه، ويحضر للموعد الآخر لفتحه (٥).
стр. 1416
ذكر دار الوكالة الآمريّة
/ كانت دار الوكالة المذكورة بجانب دار الضّرب، وموضعها الآن على يمنة السّالك من رأس الخرّاطين إلى سوق الخيمّيين والجامع الأزهر.
قال ابن المأمون في شوّال سنة ستّ عشرة وخمس مائة: ثم أنشأ - يعني المأمون بن البطائحي، وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه - دار الوكالة بالقاهرة المحروسة لمن يصل من العراقيين والشّاميين وغيرهما من التّجّار، ولم يسبق إلى ذلك (١).
ذكر مصلّى العيد
وكان في شرقيّ القصر الكبير مصلّى العيد من خارج باب النّصر، وهذا المصلّى بناه القائد جوهر لأجل صلاة العيد في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة (¬a) على ما نقلته من «سيرة المعزّ لدين اللّه» تأليف الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق (¬a)، ثم جدّده العزيز باللّه. وقد بقي إلى الآن بعض هذا المصلّى، واتّخذ في جانب منه موضع مصلّى الأموات اليوم (٢).
ذكر هيئة صلاة العيد وما يتعلّق بها -
قال ابن زولاق (¬a) في «سيرة المعز لدين اللّه» ومن خطّه نقلت (¬a): وركب المعزّ لدين اللّه يوم الفطر لصلاة العيد إلى مصلّى القاهرة التي بناها القائد جوهر، وكان محمّد بن أحمد بن الأدرع الحسني قد بكّر وجلس في المصلّى تحت القبّة في موضع، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلما، وأقعدوه هو دونه، وكان أبو جعفر مسلم خلف المعزّ عن يمينه وهو يصلّي. وأقبل المعزّ في زيّه وبنوده وقبابه، وصلّى بالنّاس صلاة العيد تامّة طويلة، قرأ في الأولى بأمّ الكتاب و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ اَلْغاشِيَةِ﴾ [الآية ١ سورة الغاشية]، ثم كبّر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال - أنا سبّحت خلفه في كلّ ركعة وفي كلّ سجدة
стр. 1417
نيّفا وثلاثين تسبيحة - وكان القاضي النّعمان بن محمّد يبلّغ عنه التّكبير. وقرأ في الثانية بأمّ الكتاب وسورة ﴿وَاَلضُّحى﴾ ثم كبّر أيضا بعد القراءة - وهي صلاة جدّه عليّ بن أبي طالب ﵇ وأطال أيضا في الثانية الرّكوع والسّجود - أنا سبّحت خلفه نيّفا وثلاثين تسبيحة في كلّ ركعة وفي كلّ سجدة - وجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم في كلّ سورة.
وأنكر جماعات يتوسّمون بالعلم قراءته قبل التّكبير لقلّة علمهم، وتقصيرهم في العلوم.
حدّثنا محمد بن أحمد قال: حدّثنا عمر بن شبّة، حدّثنا عبد اللّه ورجاء عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن عليّ ﵇، أنّه كان يقرأ في صلاة العيد قبل التّكبير.
فلمّا فرغ المعزّ من الصّلاة صعد المنبر، وسلّم على النّاس يمينا وشمالا، ثم نشر بالبندين (¬a) اللذين كانا على المنبر، فخطب وراءهما على رسمه. وكان في أعلا درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم - وكان معه على المنبر القائد جوهر وعمّار بن جعفر وشفيع صاحب المظلّة - ثم قال: اللّه أكبر اللّه أكبر، واستفتح بذلك، وخطب وأبلغ وأبكى النّاس، وكانت خطبة بخشوع وخضوع.
فلمّا فرغ من خطبته، انصرف في عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن والخوذ على الخيل بأحسن زيّ، وساروا بين يديه بالفيلين.
فلمّا حضر في قصره أحضر النّاس فأكلوا، وقدّمت إليهم السّمط، ونشّطهم إلى الطّعام، وعتب على من تأخّر، وهدّد من بلغه عنه صيام العيد (١).
وقال المسبّحيّ في حوادث آخر يوم من رمضان سنة ثمانين وثلاث مائة: وبنيت مساطب ما بين القصور والمصلّى الجديدة ظاهر باب النّصر يكون (¬b) عليها المؤذّنون، حتى يتّصل التكبير من المصلّى إلى القصر.
وفيه تقدّم أمر القاضي محمد بن النّعمان بإحضار المتفقّهة والمؤمنين - يعني الشّيعة - وأمرهم بالجلوس يوم العيد على هذه المساطب، ولم يزل يرتّب النّاس، وكتب رقاعا فيها أسماء النّاس، فكانت تخرج رقعة رقعة، فيجلس النّاس على مسطبة مسطبة بالترتيب.
стр. 1418
وفي يوم العيد ركب العزيز باللّه لصلاة العيد، وبين يديه الجنائب والقباب الدّيباج بالحليّ، والعسكر في زيّه من الأتراك والدّيلم والعزيزية، والإخشيدية والكافورية، وأهل العراق بالدّيباج المثقل والسّيوف والمناطق الذّهب، وعلى الجنائب السّروج الذّهب بالجوهر والسّروج بالعنبر، وبين يديه الفيلة عليها الرجّالة بالسّلاح والزّرافة. وخرج بالمظلّة الثقيلة بالجوهر، وبيده قضيب جدّه ﵇ فصلّى على رسمه وانصرف (١).
وقال ابن المأمون (¬a) في «تاريخه» (¬a): ولمّا توفّي أمير الجيوش بدر الجماليّ، وانتقل الأمر إلى ولده الأفضل ابن أمير الجيوش، جرى على سنن والده في صلاة العيد، ويقف في قوس باب داره الذي عند باب النّصر - يعني دار الوزارة -؛ فلمّا سكن بمصر (٢)، صار يطلع من مصر باكرا، ويقف على باب داره على الحالة الأولى إلى أن (¬b) تستحقّ الصّلاة، فيدخل من باب العيد إلى الإيوان، ويصلّي به القاضي ابن الرّسعني، ثم يجلس بعد الصّلاة على المرتبة إلى أن تنقضي الخطبة، فيدخل من باب الملك ويسلّم على الخليفة بحيث لا يراه أحد غيره، ثم يخلع عليه، ويتوجّه إلى داره بمصر، فيكون/ السّماط بها مدى الأعياد.
فلمّا قتل الأفضل، واستقرّ بعده المأمون بن البطائحي في الوزارة، قال: هذا نقص في حقّ العيد، ولا يعلم السّبب في كون الخليفة لا يظهر. فقال له الخليفة الآمر بأحكام اللّه: فما تراه أنت؟ فقال: يجلس مولانا في المنظرة التي استجدّت (¬c) بين باب الذّهب وباب البحر، فإذا جلس مولانا في المنظرة وفتحت الطّاقات، وقف المملوك بين يديه في قوس باب الذّهب، وتجوز جميعها (¬d) فارسها وراجلها، وتشملها بركة نظر مولانا إليها. فإذا حان وقت الصّلاة توجّه المملوك بالموكب والزّيّ وجميع الأمراء والأجناد، واجتاز بأبواب القصر ودخل الإيوان.
فاستحسن ذلك منه واستصوب رأيه (¬e)، وبالغ في شكره (٣).
стр. 1419
ثم عاد المأمون إلى مجلسه، وأمر بتفرقة كسوة العيد والهبات، يعني في عيد النّحر سنة خمس عشرة وخمس مائة. وجملة العين ثلاثة آلاف وثلاث مائة دينار وسبعة دنانير، ومن الكسوات مائة قطعة وسبع قطع، برسم الأمراء المطوّقين والأستاذين المحنّكين وكاتب الدّست ومتولّي حجبة الباب وغيرهم (١).
قال: ووصلت الكسوة المختصّة بالعيد في آخر شهر رمضان - يعني في سنة ستّ عشرة وخمس مائة - وهي تشتمل على دون العشرين ألف دينار، وهو عندهم الموسم الكبير، ويسمّى ب «عيد الحلل» لأنّ الحلل فيه تعمّ الجماعة، وفي غيره للأعيان خاصّة (٢). وقد تقدّم تفصيلها عند ذكر خزانة الكسوة من هذا الكتاب (٣).
قال: ولمّا كان في التاسع والعشرين من شهر رمضان، خرجت الأوامر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين والمؤذّنين في كلّ ليلة برسم السّحور، بحكم أنّها ليلة ختم الشهر. وحضر المأمون في آخر النّهار إلى القصر للفطور مع الخليفة والحضور على الأسمطة على العادة، وحضر إخوته وعمومته وجميع الجلساء، وحضر المقرئون والمؤذّنون، وسلّموا على عادتهم وجلسوا تحت الرّوشن (٤).
وحمل من عند معظم الجهات والسّيّدات والمميّزات من أهل القصور ثلاجي (¬a) وموكبيات مملوءة ماء ملفوفة في عراضي دبيقي، وجعلت أمام المذكورين ليشملها بركة ختم القرآن، واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبا.
ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع ودعا فأبلغ، ورفع الفرّاشون ما أعدّوه برسم الجهات، ثم كبّر المؤذّنون وهلّلوا، وأخذوا في الصّوفيّات إلى أن نثر عليهم من الرّوشن دراهم ودنانير ورباعيات.
стр. 1420
وقدّمت جفان القطائف على الرّسم مع الحلوى، فجروا على عادتهم وملأوا أكمامهم، ثم خرج أستاذ من باب الدار الجليلة بخلع خلعها على الخطيب وغيره، ودراهم تفرّق على الطّائفتين من المقرئين والمؤذّنين (١).
و (٢) رسم أن تحمل الفطرة إلى قاعة الذّهب، وأن تكون التّعبئة في مجلس الملك، وتعبّأ الطّيافير المشورة الكبار من السّرير إلى باب المجلس، وتعبّأ من باب المجلس إلى ثلثي القاعة سماطا واحدا مثل سماط الطّعام، ويكون جميعه سدّا واحدا من حلاوة الموسم، وتزيّن بالقطع المنفوخ، فامتثل الأمر.
وحضر الخليفة إلى الإيوان، واستدعى المأمون وأولاده وإخوته، وعرضت المظالّ المذهّبة المجاومة، وكان المقرئون يلوّحون عند ذكرها بالآيات التي في سورة النّحل: ﴿وَاَللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً﴾ [الآية ٨١ سورة النحل] إلى آخرها. وجلس الخليفة، ورفعت السّتور، واستفتح المقرئون، وجدّد المأمون السّلام عليه، وجلس على المرتبة عن يمينه، وسلّم الأمراء جميعهم على حكم منازلهم لا يتعدّى أحد منهم مكانه، والنّوّاب جميعهم يستدعونهم بنعوتهم وترتيب وقوفهم، وسلّم الرّسل الواصلون من جميع الأقاليم، ووقفوا في آخر الإيوان، وختم المقرئون وسلّموا.
وخدمت الرّهجيّة، وتقدّم متولّي كلّ إسطبل من الرّوّاض وغيرهم يقبّل الأرض ويقف، ودخلت الدّوابّ من باب الدّيلم، والمستخدمون في الرّكاب بالمناديل يتسلّمونها من الشّدّادين، ويدنون بها إلى (¬a) الإيوان. ودوابّ المظلّة متميّزة عن غيرها يتسلّمها الأستاذون دون المستخدمين (¬b) في الرّكاب، ويعلون بها إلى قريب من الشّبّاك الذي فيه الخليفة.
وكلّما عرض دوابّ إسطبل قبّل الأرض متولّيه وانصرف، وتقدّم متولّي غيره على حكمه، إلى أن يعرض جميع ما أحضروه، وهو ما يزيد على ألف فرس، خارجا عن البغال وما تأخّر من الجشارات (¬c) والحجورة والمهارى.
стр. 1421
ولمّا عرضت الدّوابّ، أبطلت الرّهجيّة، وعاد استفتاح المقرئين، وكانوا محسنين فيما ينتزعونه من القرآن الكريم ممّا يوافق الحال، مثل الآية من آل عمران: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ اَلشَّهَواتِ﴾ [الآية ١٤ سورة آل عمران] إلى آخرها، ثم بعدها ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [الآية ٢٦ سورة آل عمران] إلى آخرها.
وعرضت الوحوش بالأجلّة الدّيباج (¬a) مزيّنة بالذّهب والفضّة. وعرضت العمّاريات بالأغشية الطّميم والدّيباج (¬a) والدّبيقي بقباب الذّهب والمناطق والأهلّة، وبعدها النّجب والبخاتي بالأقتاب الملبّسة بالدّبيقي الملوّن المرقوم، وعرض السّلاح وآلات الموكب جميعها، ونصبت الكسوات على باب العيد، وضربت طول اللّيل.
وحملت الفطرة الخاصّ التي يفطر عليها الخليفة بأصناف الجوارشنات بالمسك والعود والكافور والزّعفران، والتّمور المصبّغة التي يستخرج ما فيها وتحشى بالطّيب وغيره وتسدّ وتختم، وسلّمت للمستخدمين في القصور، وعبّئت/ في مواعين الذّهب المكلّلة بالجواهر، وخرجت الأعلام والبنود. وركب المأمون، فلمّا حصل بقاعة الذّهب، أخذ في مشاهدة السّماط من سرير الملك إلى آخرها.
وخرج الخليفة لوقته من الباذهنج، وطلع إلى سرير ملكه وبين يديه الصّواني المقدّم ذكرها، واستدعى بالمأمون فجلس عن يمينه بعد أداء حقّ السّلام، وأمر بإحضار الأمراء المميّزين والقاضي والدّاعي والضّيوف، وسلّم كلّ منهم على حكم ميزته، وقدمت الرّسل فشرفوا بتقبيل الأرض، والمقرئون يتلون، والمؤذّنون يهلّلون ويكبّرون.
وكشفت القوّارات الشّروب (¬b) المذهّبات عمّا هو بين يدي الخليفة، فبدأ وكبّر، وأخذ بيده تمرة فأفطر عليها، وناول مثلها لوزيره (¬c) فأظهر الفطر عليها، وأخذ الخليفة في آن يستعمل من جميع ما حضر، ويناول وزيره منه وهو يقبّله ويحمله في كمّه.
وتقدّمت الأجلاّء (¬d) الإخوة والأولاد - يعني (¬d) إخوة الوزير وأولاده - من تحت السّرير، وهو يناولهم من يده، فيجعلونه في أكمامهم بعد تقبيله، وأخذ كلّ من الحاضرين كذلك، ويومئ بالفطور ويجعله في كمّه على سبيل البركة. فمن كان رأيه الفطور أفطر، ومن لم يكن رأيه أومأ وجعله في كمّه لا ينتقد على أحد فعله.
стр. 1422
ثم قال المأمون بعد ذلك: ما على من يأخذ من هذا المكان نقيصة، بل به له الشّرف والميزة.
ومدّ يده وأخذ من الطّيفور الذي كان بين يديه عود نبات وجعله في كمّه بعد تقبيله، وأشار إلى الأمراء فاعتمد كلّ من الحاضرين ذلك، وملأوا أكمامهم، ودخل النّاس فأخذوا جميع ذلك، ثم خرج المأمون (¬a) إلى داره والجماعة في ركابه، فوجد التّعبئة فيها من صدر المجلس إلى آخره على ما أمر به، ولم يعدم ممّا كان بالقصر غير الصّواني الخاصّ. فجلس على مرتبته والأجلاّء أولاده وإخوته (¬b)، واستدعى بالعوالي من الأمراء والقاضي والدّاعي والضّيوف، فحضروا وشرّفهم (¬c) بجلوسهم معه، وحصل من مسرّتهم بذلك ما بسطهم، ورفعوا اليسير ممّا حضر على سبيل الشّرف، ثم انصرفوا، وحضرت الطّوائف والرّسل على طبقاتهم، إلى أن حمل جميع ما كان بالدّار بأسره. وانقضى حكم الفطور، وعاد التّنفيذ في غيره.
وضربت الطّبول والأبواق على أبواب القصور والدّار المأمونية، وأحضرت التّغايير وفرّقت على أربابها من الأجناد والمستخدمين، وخرجت أزمّة العساكر فارسها وراجلها، وندب الحاجب الذي بيده الدّعو لترتيب صفوفها من باب القصر إلى المصلّى. ثم حضر إلى الدّار المأمونية الشّيوخ المميّزون، وجلس المأمون في مجلسه وأولاده بهيئة العيد وزينته، ورفعت السّتور، وابتدأ المقرئون، وسلّم متولّي الباب والشّيوخ، ولم يدخل المجلس غير كاتب الدّست ومتولّي الحجبة، وبالغ كلّ منهما في (¬d) هيئته وخرج لوقته وتواصلت الأمراء والمشرفون بالحجبة وقد بالغ كلّ منهم في (¬d) زيّه وملبوسه، وجروا على رسمهم في تقبيل الأرض وعتبة المجلس.
ووصل إلى الدّار المأمونية التّجمّل الخاصّ - الذي برسم الخليفة - جميعه: القضب الفضّة، والأعلام، والمنجوقات، والعقبات (¬e)، والعمّاريّات، ولواءي حمد الوزارة (¬f) (¬d) وجميع ذلك بالذّهب والفضّة والرّقومات المذهّبات والحريريات والخيل المسوّمة المختارة (¬d) لركوب الخليفة بالمظلّة بالطّميم والمراكيب الذّهب المرصّعة بالجوهر، وغير ذلك من التّجمّلات.
وركب الأجلّ (¬g) المأمون من داره، وجميع التّشريف (¬h) الخاصّ بين يديه، وخدمت الرّهجيّة ومن جملتهم الغريبة - وهي أبواق لطاف عجيبة غريبة الشّكل، تضرب كلّ وقت يركب فيه الخليفة، ولا تضرب قدّام الوزير إلاّ في المواسم خاصّة وفي أيام الخلع عليه - والأمراء مصطفّون عن يمينه وعن
стр. 1423
شماله، ويليهم إخوته، وبعدهم أولاده. ودخل إلى الإيوان وجلس على المرتبة المختصّة به، وعن يمينه جميع الأجلاّء، والمميّزون وقوف أمامه، ومن انحطّ عنهم من باب الملك إلى الإيوان قيام.
وخرج (¬a) خاصّة الدّولة ريحان إلى المصلّى بالفرش الخاصّ وآلات الصّلاة، وعلّق المحراب بالشّروب المذهّبة، وفرش فيه ثلاث سجّادات متراكبة، وبأعلاها السّجادة اللطيفة التي كانت عندهم معظّمة - وهي قطعة من حصير ذكر أنّها كانت من جملة حصير لجعفر بن محمد الصّادق ﵉ يصلّي عليهما - وفرش الأرض جميعها بالحصر المحاريب. ثم علّق على جانبي المنبر، وفرش جميع درجه، وجعل أعلاه المخادّ التي يجلس عليها الخليفة، وعلّق اللّواءان عليه، وقعد تحت القبّة خاصّة الدّولة ريحان والقاضي، وأطلق البخور، ولم يفتح من أبوابه إلاّ باب واحد وهو الذي يدخل منه الخليفة. ويقعد الدّاعي في الدّهليز ونقباء المؤمنين بين يديه، وكذلك الأمراء والأشراف والشّيوخ والشّهود ومن سواهم من أرباب الحرف، ولا يمكّن من الدخول إلاّ من يعرفه الدّاعي ويكون في ضمانه.
واستفتحت الصّلاة، وأقبل الخليفة من قصوره بغاية زيّه، والعلم الجوهر في منديله، وقضيب الملك بيده، وبنو عمّه وإخوته وأستاذوه في ركابه، وتلقّاه المقرئون عند وصوله والخواصّ، واستدعى بالمأمون، فتقدّم بمفرده وقبّل الأرض، وأخذ السّيف والرّمح من مقدّمي خزائن الكسوة، والرّهجيّة تخدم، وحمل لواء الحمد بين يديه إلى أن خرج من باب العيد، فوجد المظلّة قد نشرت عن يمينه، والذي بيده الدّعو في ترتيب الحجبة لمن شرف بها لا يتعدّى أحد حكمه.
وسار الموكب (¬b) بالجنائب الخاصّ/ وخيل التّخافيف ومصفّات العساكر، والطّوائف جميعها بزيّها وراياتها وراء الموكب إلى أن وصل إلى قريب المصلّى، والعمّاريات والزّرافات. وقد شدّ على الفيلة بالأسرة مملوءة رجالا مشبّكة بالسّلاح لا يتبيّن منهم إلاّ الأحداق، وبأيديهم السّيوف المجرّدة والدّرق الحديد الصّيني؛ والعساكر قد اجتمعت وترادفت صفوفا من الجانبين إلى باب المصلّى، والنّظّارة قد ملأت الفضاء لمشاهدة ما لم يألفوه (¬c)، والموكب سائر بهم. وقد أحاط بالخليفة والوزير صبيان الخاصّ، وبعدهم الأجناد بالدّروع المسبلة، والزّرديات بالمغافر ملثّمة، والتّروك (¬d) الحديد بالصّماصم والدّبابيس.
стр. 1424
ولمّا طلع الموكب من ربوة المصلّى، ترجّل متولّي الباب والحجّاب، ووقف الخليفة بجمعه بالمظلّة إلى أن اجتاز المأمون راكبا بمن حول ركابه، وردّ الخليفة السّلام عليه بكمّه، وصار أمامه، وترجّل الأمراء المميّزون والأستاذون المحنّكون بعدهم وجميع الأجلاّء، وصار كلّ منهم يبدأ بالسّلام على الوزير ثم على الخليفة إلى أن صار الجميع في ركابه.
ولم يدخل من باب المصلّى راكبا غير الوزير خاصّة، ثم ترجّل على بابه الثاني إلى أن وصل الخليفة إليه، فاستدعى به، فسلّم وأخذ الشّكيمة بيده إلى أن ترجّل الخليفة في الدّهليز الآخر، وقصد المحراب والمؤذّنون يكبّرون قدّامه.
واستفتح الخليفة في المحراب، ومسامته فيه وزيره، والقاضي والدّاعي عن يمينه وشماله، ليوصّلوا التّكبير لجماعة المؤذّنين من الجانبين، ويتّصل منهم التّكبير إلى مؤذّني مصلّى الرّجال والنّساء الخارجين على المصلّى الكبير، وكاتب الدّست وأهله ومتولّي ديوان الإنشاء يصلّون تحت عقد المنبر، ولا يمكّن غيرهم أن يكون معهم.
ولمّا قضى الخليفة الصّلاة وهي ركعتان: قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب (¬a) و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ اَلْغاشِيَةِ﴾ [الآية ١ سورة الغاشية]، وكبّر سبع تكبيرات، وركع وسجد، وفي الثانية بالفاتحة وسورة ﴿وَاَلشَّمْسِ وَضُحاها﴾ [الآية ١ سورة الشمس]، وكبّر خمس تكبيرات - وهذه سنّة الجميع ومن ينوب عنهم في صلاة العيدين على الاستمرار - وسلّم وخرج من المحراب وعطف عن يمينه، والحرص عليه شديد، ولا يصل إليه إلاّ من كان خصيصا به، وصعد المنبر بالخشوع والسّكينة، وجميع من بالمصلّى والبريّة (¬b) لا يسأم نظره، ويكثرون من الدّعاء له. ولمّا حصل في أعلى المنبر أشار إلى الأجلّ (¬c) المأمون فقبّل الأرض، وسارع في الطّلوع إليه وأدّى ما يجب من سلامه وتعظيم مقامه ووقف بأعلى درجة. وأشار إلى القاضي فتقدّم وقبّل كلّ درجة إلى أن يصل إلى الدرجة الثالثة، وقف عندها، وأخرج الدّعو من كمّه وقبّله ووضعه على رأسه، واستدعى (¬d) بمن تضمّنه، وهو ما جرت به العادة من تسمية يوم العيد وسنّته والدّعاء للدّولة، وكانت الحال في أيّام وزراء الأقلام والسّيوف إذا حصل الخليفة في أعلى بقي الوزير مع غيره، وأشار الخليفة إلى القاضي، فيقبّل الأرض ويطلع إلى الدّرجة الثالثة ويخرج الدّعو من كمّه ويقبّله ويضعه على رأسه، ويذكر يوم العيد وسنّته والدّعاء للدّولة، ثم يستدعى بالوزير بعد ذلك، فيصعد بعد القاضي. فراعى الخليفة ذلك الأمر في حقّ الوزير، فجعل الإشارة منه إليه أوّلا، ورفعه عن أن يكون مأمورا مثل غيره، وجعلها له ميزة على غيره ممّن تقدّمه، واستمرّت فيما بعد.
стр. 1425
واستفتح الخليفة بالتكبير الجاري به العادة في الفطر والخطبتين إلى آخرهما، وكبّر المؤذّنون، ورفع اللّواءان، وترجّل كلّ أحد من موضعه، كما كان ركوبه، وصار الجميع في ركاب الخليفة، وجرى الأمر في رجوعه على ما تقدّم شرحه، ومضى إلى تربة آبائه (١)، وهي سنّتهم في كلّ ركبة بمظلّة، وفي كلّ يوم جمعة، مع صدقات ورسوم تفرّق (٢).
وأمّا الوزير المأمون فإنّه توجّه وخرج من باب العيد والأمراء بين يديه إلى أن وصل إلى باب الذّهب، فدخل منه بعد أن أمر ولده الأكبر بالوصول إلى داره والجلوس على سماط العيد على عادته. ولمّا حلّ (¬a) المأمون بقاعة الذّهب، وجد الشّروع قد وقع من المستخدمين بتعبئة السّماط، فأمر بتفرقة الرّسوم على أربابها، وهو ما يحمل إلى مجلس الوزارة برسم الحاشية. ولكلّ من حاشية أولاده وإخوته، وكاتب الدّست، ومتولّي حجبة الباب، ومتولّي الدّيوان، وكاتب الدّفتر، والنّائب لكلّ منهم رسم يصرف قبل جلوس الخليفة، وعند انقضاء الأسمطة لغير المذكورين على قدر منزلة كلّ منهم.
ثم حضر أبو الفضائل بن أبي اللّيث (٣)، واستأذن على طيافير الفطرة الكبار التي في مجلس الخليفة، فأمره الوزير بأن يعتمد في تفرقتها على ما كان يعتمده في الأيام الأفضليّة، وهو لكلّ من يصعد المنبر مع الخليفة طيفور.
فلمّا أخذ الخليفة راحة بعد مضيّه إلى التّربة، جلس على السّرير وبين يديه المائدة اللّطيفة الذّهب بالمينا معبّأة بالزّبادي الذّهب، واستدعى الوزير، واصطفّ النّاس من المدوّرة (٤)، إلى آخر السّماط من الجانبين على طبقاتهم، ورفعت السّتور واستفتح المقرئون، ووفيّ الدّولة إسعاف متولّي المائدة مشدود الوسط، ومقدّم خزانة الشّرب بيده شربة في مرفع ذهب وغطاء مرصّعين
стр. 1426
بالجوهر والياقوت، ومتولّي خزائن الإنفاق بيده خريطة مملوءة دنانير لمن يقف يطلب صدقة وإنعاما، فيؤمر بما يدفع/ إليه، وتفرقة الرّسوم الجاري بها العادة.
ولعبت المثافقون (¬a) والبختيارية (١)، وتناوب القرّاء والمنشدون وأرخيت السّتور، وعبّئ السّماط ثانيا على ما كان عليه أوّلا، ثم رفعت السّتور، وجلس على المدوّرة والسّماط من جرت العادة به، وفرّقت الدّنانير على المقرئين والمنشدين والبختيارية والمثافقين (¬a)، ومن هو معروف بكثرة الأكل. ونهبت قصوره الحلاوة (¬b)، (¬c) وانقضى حكم السّماط (¬c) وأرخيت السّتور، وأحضر متولّي خزانة الكسوة الخاصّ للخليفة بدلة إلى أعلى السرير حسب ما كان أمره، فلبسها وخلع الثّياب التي كانت عليه على الوزير بعد ما بالغ في شكره والثّناء عليه.
وتوجّه إلى داره، فوصل إليه من الخليفة الصّواني الخاصّ المكلّلة معبّأة على ما كانت بين يديه، وغيرها من الموائد، وكذلك إلى أولاده وإخوته صينية صينية، ولكاتب الدّست ولمتولّي (¬d) حجبة الباب مثل ذلك. وبكّر (¬e) الوزير بجلوسه في داره مغلّسا (¬f)، ويسارع النّاس على طبقاتهم لهنائه (¬g) بالعيد والخلع، وبما جرى في صعود المنبر، وحضر الشّعراء (٢) وأسنيت لهم الجوائز.
وجرى الحال يومئذ في جلوس الخليفة وفي السّلام لجميع الشّيوخ والقضاة والشّهود والأمراء والكتّاب ومقدّمي الرّكاب والمتصدّرين بالجوامع والفقهاء والقاهريين والمصريين واليهود برئيسهم والنّصارى ببطريقهم، على ما جرت به عادتهم، وختم المقرئون، وقدمت الشّعراء على طبقاتهم إلى آخرهم، وجدّد لكلّ من الحاضرين سلامه.
وانكفأ الخليفة إلى الباذهنج لأداء فريضة الصّلاة والرّاحة بمقدار ما عبّئت المائدة الخاصّ، واستحضر المأمون وأولاده وإخوته، (¬h) والخليفة جالس وأخواه جعفر وعبد الصّمد على يساره، وأجلس المأمون عن يمينه وأولاده (¬h) على عادتهم، واستدعي من شرف بحضور المائدة - وهم:
стр. 1427
الشّيخ أبو الحسن كاتب الدّست، وأبو الرّضا سالم ابنه، ومتولّي حجبة الباب، وظهير الدّين الكتامي - على ما كان عليه الحال قبل الصّيام، وانقضى حكم العيد (١).
وقال ابن الطّوير: إذا قرب آخر العشر الأخر من شهر رمضان، خرج الزّيّ من أماكنه على ما وصفنا - يعني (¬a) في ركوب أوّل العام - ولكن فيه زيادات يأتي ذكرها، ويركب في مستهلّ شوّال بعد تمام شهر رمضان، وعدّته عندهم أبدا ثلاثون يوما (٢). فإذا تهيّأت الأمور من الخليفة والوزير والأمراء وأرباب الرّتب على ما تقدّم، وصار الوزير بجماعته إلى باب القصر، ركب الخليفة بهيئة الخلافة من المظلّة واليتيمة والآلات المقدّم ذكرها، ولباسه في هذا اليوم - (¬b) الذي هو عيد الفطر (¬b) - الثّياب البياض الموشّحة المجوّمة وهي أجلّ لباسهم، والمظلّة كذلك فإنّها أبدا تابعة لثيابه كيف كانت الثياب كانت (٣)، ويكون خروجه من باب العيد إلى المصلّى، والزيادة ظاهرة في هذا اليوم في العساكر (¬c) والأجناد والفارس والراجل (¬c)، وقد انتظم القوم له صفّين من باب القصر إلى باب المصلّى.
ويكون صاحب بيت المال قد تقدّم على الرّسم لفرش المصلّى - (¬c) كما عمل في الجوامع (¬c) - فيفرش الطّرّاحات على رسمها في المحراب مطابقة، ويعلّق أيضا (¬d) سترين يمنة ويسرة: في الأيمن «البسملة والفاتحة» و ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾ [الآية ١ سورة الأعلى]، وفي الأيسر مثل ذلك و ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ اَلْغاشِيَةِ﴾ [الآية ١ سورة الغاشية]، ثم يركز في جانب المصلّى لواءين مشدودين (¬c) مثل ذلك (¬c) على رمحين ملبّسين بأنابيب الفضّة، وهما مستوران مرخيان.
стр. 1428
فيدخل الخليفة من شرقي المصلّى إلى مكان ليستريح فيه دقيقه، ثم يخرج محفوظا كما يحفظ في جامع القاهرة - (¬a) يعني أنّه يخرج ماشيا وحواليه الأستاذون المحنّكون والوزير وراءه ومن يليهم من الخواصّ وبأيديهم الأسلحة من صبيان الخاصّ وهم أمراء وعليهم هذا الاسم (¬a) - فيصير إلى المحراب، ويصلّي صلاة العيد بالتّكبيرات المسنونة، والوزير وراءه والقاضي، ويقرأ في كلّ ركعة ما هو مرقوم في السترين تذكارا (¬b).
فإذا فرغ وسلّم صعد المنبر للخطابة العيدية يوم الفطر، فإذا جلس في الذّروة - وهناك (¬c) طرّاحة سامان أو دبيقي على قدرها، وباقية يستر ببياض على مقداره في تقطيع درجه، وهو مضبوط لا يتغيّر - فيراه أهل ذلك الجمع جالسا في الذّروة. ويكون قد وقف أسفل المنبر الوزير، وقاضي القضاة، وصاحب الباب وإسفهسلار العساكر، وصاحب السّيف، وصاحب الرّسالة، وزمام القصر، وصاحب دفتر المجلس، وصاحب المظلّة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب بيت المال، وحامل الرّمح، ونقيب الأشراف الطّالبيين، ووجه الوزير إليه، فيشير إليه بالصّعود (¬d) فيصعد إليه (¬d) ويقرب وقوفه منه، ويكون وجهه موازيا رجليه فيقبّلهما بحيث يراه العالم، ثم يقوم ويقف على يمنه الخليفة (¬e).
فإذا وقف أشار إلى قاضي القضاة بالصّعود (¬d)، فيصعد إلى سابع درجة، ويتطلّع إليه صاغيا لما يقول، فيشير إليه بقوله (¬d)، فيخرج من كمّه مدرجا قد أحضر إليه أمس من ديوان الإنشاء بعد عرضه على الخليفة والوزير، فيعلن بقراءة مضمونه، فيقول:
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، ثبت بمن شرف بصعوده المنبر الشّريف في يوم كذا - وهو عيد الفطر من سنة كذا - من عبيد أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطّاهرين وأبنائه الأكرمين، بعد صعود السّيّد الأجلّ، ونعوته المقرّرة ودعائه المحرّر».
فإن أراد الخليفة أن يشرّف أحدا من أولاد الوزير وإخوته، استدعاه القاضي بالثّبت (¬f) المذكور، ثم يتلو ذلك ذكر القاضي المذكور (¬d) - وهو القارئ - فلا يتّسع له أن يقول عن نفسه نعوته ولا دعاءه، بل يقول المملوك فلان بن فلان. وكان (¬d) قرأه مرّة القاضى ابن أبي
стр. 1429
عقيل (١)، فلمّا وصل إلى اسمه قال: «العبد الذّليل المعترف بالصّنع الجميل في المقام الجليل أحمد ابن عبد الرّحمن بن/ أبي عقيل»؛ فاستحسن ذلك منه. ثم حذا حذوه الأعزّ بن سلامة (٢) - وقد استقضي في آخر الوقت - فقال: «المملوك في محلّ الكرامة، الذي عليه من الولاء أصدق علامة، حسن بن عليّ بن سلامة» (٢). ثم يستدعي من ذكرنا وقوفهم على باب المنبر بنعوتهم وذكر خدمهم ودعائهم على الترتيب.
فإذا طلع الجماعة - وكلّ منهم يعرف مقامه في المنبر يمنة ويسرة - (¬a) فإذا لم يبق أحد ممن يطلع (¬a) أشار الوزير إليهم، فأخذ من هو في (¬b) كلّ جانب بيده نصيبا من اللّواء الذي بجانبه، فيستر الخليفة ويسترون، وينادي في النّاس بأن ينصتوا. فيخطب الخليفة الخطبة (¬c) من المسطور على العادة، وهي خطبة بليغة موافقة لذلك اليوم (٣). فإذا فرغ ألقي كلّ من في يده من اللّواء شيء خارج المنبر، فينكشفون (¬a) كما كانوا قبل يسترون (¬a)، وينزلون أوّلا فأوّلا الأقرب فالأقرب إلى القهقرى.
فإذا خلا المنبر منهم، قام الخليفة هابطا، ودخل إلى المكان الذي خرج منه، فلبث يسيرا (¬d) وركب في زيّه المفخّم، وعاد من طريقه بعينها إلى أن يصل إلى قريب من (¬c) القصر، فيتقدّمه الوزير كما شرحنا (٤). ثم يدخل من باب العيد فيجلس في الشّبّاك وقد نصب منه إلى فسقيّه كانت في وسط الإيوان (¬e)، مقدار عشرين قصبة سماط من الخشكنان والبسندود والبرماورد مثل الجبل الشّاهق، وفيه القطعة وزنها من ربع قنطار إلى رطل. فيدخل ذلك الجمع إليه، ويفطر منه
стр. 1430
من يفطر، وينقل منه من ينقل، ويباح ولا يحجر عليه، ولا مانع دونه. فيمرّ ذلك بأيدي النّاس، وليس هو ممّا يعتدّ به ولا يغني عمّا (¬a) يفرّق للنّاس ويحمل إلى دورهم. ويعمل في هذا اليوم سماط من الطّعام في القاعة - يعني قاعة الذّهب (¬b) يحضر عليه الخليفة والوزير.
فإذا انقضى ذو القعدة، وهلّ هلال ذي الحجّة، اهتمّ بركوب عيد النّحر فيجري حاله كما جرى في عيد الفطر من الزّيّ والرّكوب إلى المصلّى، ويكون لباس الخليفة فيه الأحمر الموشّح، ولا ينخرم منه شيء (١). انتهى.
وصعد مرّة الخليفة الحافظ لدين اللّه أبو الميمون عبد المجيد المنبر يوم عيد، فوقف الشّريف بن أنس الدّولة بإزائه، وقال مشيرا إلى الحاضرين:
[الطويل]
خشوعا فإنّ اللّه هذا مقامه … وهمسا فهذا وجهه وكلامه
وهذا الذي في كلّ وقت بروزه … تحيّاته من ربّنا وسلامه
فضرب الحافظ الجانب الأيسر من المنبر، فرقى إليه زمام القصر، فقال له: قلّ للشّريف حسبك قضيت حاجتك، ولم يدعه يقول شيئا آخر.
وكانت تكتب المخلّقات (٢) بركوب أمير المؤمنين لصلاة العيد، ويبعث بها إلى الأعمال. فممّا كتب به من إنشاء ابن الصّيرفي:
«أما بعد، فالحمد للّه الذي رفع بأمير المؤمنين عماد الإيمان وثبّت قواعده، وأعزّ بخلافته معتقده وأذلّ بمهابته معانده، وأظهر من نوره ما انبسط في الآفاق وزال معه الإظلام، ونسخ به ما تقدّمه من الملل فقال:
﴿إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللّهِ اَلْإِسْلامُ﴾ [الآية ١٩ سورة آل عمران]، وجعل المعتصم بحبله مفضّلا على من يفاخره ويباهيه، وأوجب دخول الجنّة وخلودها لمن عمل بأوامره ونواهيه.
стр. 1431
وصلّى اللّه على سيّدنا محمد نبيّه الذي اصطفى له الدّين، وبعثه إلى الأقربين والأبعدين، وأيّده في الإرشاد حتّى صار العاصي مطيعا، ودخل النّاس في التّوحيد فرادى وجميعا، وغدوا بعروته الوثقى متمسّكين، وأنزل عليه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ﴾ [الآية ١٦١ سورة الأنعام]. وعلى أخيه وابن عمّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمام الأمّة، وكاشف الغمّة، وأوجه الشّفعاء لشيعته يوم العرض، ومن الإخلاص في ولائه قيام بحقّ وأداء فرض، وعلى الأئمّة من ذرّيتهما سادة البريّة، والعادلين في القضيّة، والعاملين بالسّيرة المرضيّة، وسلّم وكرّم، وشرّف وعظّم.
وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك يوم الثّلاثاء عيد الفطر من سنة ستّ وثلاثين وخمس مائة، وقد كان من قيام أمير المؤمنين بحقّه وأدائه، وجريه في ذلك على عادته وعادة من قبله من آبائه، ما ينبئك به، ويطلعك على مستوره عنك ومغيّبه. وذلك أن دنّس ثوب اللّيل لمّا بيّضه الصّباح، وعاد المحرّم المحظور بما أطلقه المحلّل المباح، توجّهت عساكر أمير المؤمنين من مظانّها إلى بابه، وأفطرت بين يديه بعد ما حازته من أجر الصّيام وثوابه.
ثم انثنت إلى مصافّها في الهيئات التي يقصر عنها تجويد الصّفات، وتغني مهابتها عن تجريد المرهفات، وتشهد أسلحتها وعددها بالتنافس في الهمم، وتعلّق مواضيها في أغمادها شوقا إلى المطلى والقمم. وقد امتلأت الأرض بازدحام الرّجل والخيل، وثار العجاج فلم ير أغرب من اجتماع النّهار واللّيل.
وبرز أمير المؤمنين من قصوره، وظهر للأبصار على أنّه محتجب بضيائه ونوره، وتوجّه إلى المصلّى في هدي جدّه وأبيه، والوقار الذي ارتفع فيه عن النّظير والشّبيه. ولمّا انتهى إليه قصد المحراب واستقبله، وأدّى الصّلاة على وضع رضيه اللّه وتقبّله، وأجرى أمرها على أفضل المعهود، ووفّاها حقّها من القراءة والتّكبير والرّكوع والسّجود.
стр. 1432
وانتهى إلى المنبر فعلا وكبّر/ اللّه، وهلّله على ما أولاه، وذكر الثّواب على إخراج الفطرة وبشّر به، وأنّ المسارعة إليه من وسائل المحافظة على الخير وقربه، ووعظ وعظا ينتفع قابله في عاجلته ومنقلبه. ثم عاد إلى قصوره الزّاهرة، مشمولا بالوقاية، مكنوفا بالكفاية، منتهيا في إرشاد عبيده ورعاياه أقصى الغاية.
أعلمك أمير المؤمنين خبر هذا اليوم لتعلم منه ما تسكن إليه، وتعلن بتلاوته على الكافّة ليشتركوا في معرفته ويشكروا اللّه عليه فاعلم هذا، واعمل به إن شاء اللّه».
وكان من أهل برقة طائفة تعرف ب «صبيان الخفّ»، لها إقطاعات وجرايات وكسوات ورسوم. فإذا ركب الخليفة في العيدين مدّوا حبلين مسطوحين من أعلى باب النّصر إلى الأرض: حبلا عن يمين الباب، وحبلا عن شماله. فإذا عاد الخليفة من المصلّى، نزل على الحبلين طائفة من هؤلاء على أشكال خيل من خشب مدهون، وفي أيديهم رايات، وخلف كلّ واحد منهم رديف، وتحت رجليه آخر معلّق بيديه ورجليه. ويعملون أعمالا تذهل العقول.
ويركب منهم جماعة في الموكب على خيول، فيركضون وهم يتقلّبون عليها، ويخرج الواحد منهم من تحت إبط الفرس وهو يركض، ويعود يركب من الجانب الآخر، ويعود وهو على حاله لا يتوقّف، ولا يسقط منه شيء إلى الأرض، ومنهم من يقف على ظهر الحصان فيركض به وهو واقف (١).
стр. 1433
ذكر القصر الصّغير الغربيّ
وكان تجاه القصر الكبير الشّرقي - الذي تقدّم ذكره - في غربيه، قصر آخر صغير يعرف ب «القصر الغربي» (١). ومكانه الآن حيث المارستان المنصوري وما في صفّه من المدارس، ودار الأمير بيسري، وباب قبو الخرنشف، وربع الملك الكامل المطلّ على سوق الدّجّاجين اليوم - المعروف قديما بالتّبّانين - وما يجاوره من الدّرب المعروف اليوم بدرب الخضيري تجاه الجامع الأقمر، وما وراء هذه الأماكن إلى الخليج (٢).
وكان هذا القصر الغربي يعرف أيضا ب «قصر البحر»، والذي بناه العزيز باللّه نزار بن المعزّ قال المسبّحيّ: ولم يبن مثله في شرق ولا في غرب (٣).
وقال ابن أبي طيّ في «تاريخ حلب» (¬a): أخبار سنة سبع وخمسين وأربع مائة: ففيها تمّم الخليفة المستنصر (¬b) بناء القصر الغربي وسكنه، وغرم عليه ألفي ألف دينار، وكان ابتداء بنيانه في سنة خمسين وأربع مائة. وكان سبب بنائه أنّه عزم (¬c) على أن يجعله منزلا للخليفة القائم بأمر اللّه صاحب بغداد، ويجمع بني العبّاس إليه، ويجعله كالمجلس لهم. فخانه أمله، وتمّمه في هذه السنة، وجعله لنفسه وسكنه (٤).
وقال ابن ميسّر: إنّ ستّ الملك أخت الحاكم كانت أكبر من أخيها الحاكم، وإنّ والدها العزيز باللّه كان قد أفردها بسكنى القصر الغربي، وجعل لها طائفة برسمها كانوا يسمون ب «القصريّة» (٥).
وهذا يدلّك على أنّ القصر الغربي كان قد بني قبل المستنصر وهو الصّحيح، وكان هذا القصر يشتمل أيضا على عدّة أماكن.
стр. 1434
الميدان
كان بجوار القصر الغربي ومن حقوقه الميدان، ويعرف هذا الميدان اليوم بالخرنشف وإسطبل القطبيّة (١).
البستان الكافوري
وكان من حقوق القصر الصّغير الغربي البستان الكافوري، وكان بستانا أنشأه الأمير أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ الإخشيد أمير مصر، وكان مطلاّ على الخليج، فاعتنى به الإخشيد وجعل له أبوابا من حديد، وكان ينزل به ويقيم فيه الأيّام. واهتمّ بشأنه من بعد الإخشيد ابناه الأمير أبو القاسم أونوجور بن الإخشيد، والأمير أبو الحسن عليّ بن الإخشيد في أيام إمارتهما بعد أبيهما. (¬a) فلمّا استبدّ من بعدهما (¬a) الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدي بإمارة مصر، كان كثيرا ما يتنزّه به، ويواصل الرّكوب إلي الميدان الذي كان فيه، وكانت خيوله بهذا الميدان. فلمّا قدم القائد جوهر من المغرب بجيوش مولاه المعزّ لدين اللّه لأخذ ديار مصر، أناخ بجوار هذا البستان وجعله من جملة القاهرة.
وكان متنزّها للخلفاء الفاطميين مدّة أيّامهم، وكانوا يتوصّلون إليه من «سراديب مبنية تحت الأرض»، ينزلون إليها من القصر الكبير الشّرقي، ويسيرون فيها بالدّواب إلى البستان الكافوري ومناظر اللّؤلؤة بحيث لا تراهم الأعين.
وما زال البستان عامرا إلى أن زالت الدّولة فحكر، وبني فيه في سنة إحدى وخمسين وستّ مائة، كما يأتي ذكره إن شاء اللّه، عند ذكر الحارات والخطط من هذا الكتاب (٢).
وأمّا الأقباء والسّراديب فإنّها عملت أسربة للمراحيض (٣)، وهي باقية إلى يومنا هذا تصبّ في الخليج.
стр. 1435
(١) كانت للخلفاء الفاطميين ممرّات من تحت الأرض معقودة عقودا محكمة ليسيروا فيها ركبانا من القصر إلى الميدان والبستان الكافوري ومنظرة اللّؤلؤة وغيرها. فلمّا زالت الدّولة الفاطمية هجرت المسارب فتركت. وكان من جملة ما أحدث في الدولة التركية من جهات المكوس التي استجدّها على النّاس الوزير الفائزي (٢) في سلطنة الملك المعزّ أبيك التّركماني أوّل ملك من ملوك التّرك بمصر، ضرائب مقرّرة في ديوان السّلطان على كسح المراحيض تعرف بمقرّر المشاعليّة (٣).
فلمّا راك الملك النّاصر محمد بن قلاوون الديار المصرية في سنة خمس عشرة وسبع مائة، أبطل عدّة مكوس منها «مكس الأسربة» (٤): وقد سلّطت مراحيض المارستان المنصوري والجامع الحاكمي وغيره من المسامط والمسالح وغيرها على الأسربة التي كانت ممرّا للخلفاء وصارت تخرج من الأسرية إلى الخليج الكبير الذي تسمّيه العامّة «الخليج الحاكمي».
قال ابن الطّوير عن الخلفاء الفاطميين: وكان من قضاياهم أنّه لا سبيل أن يركب أحد في القصر سوى الخليفة ولا ينصرف ليلا ولا نهارا إلاّ كذلك، وله في الليل شدّادات من النّسوة يخدمن البغلات والحمير الإناث للجواز في السّراديب القصيرة الأقباء، والطّلوع على الزّلاّقات إلى أعالي المناظر والمساكن (٥).
وقال ابن عبد الظّاهر: وكان للخلفاء تحت الأرض مكان يركبون من القصر إلى الميدان منه، ولمّا بنيت المدارس الصّالحية رأيته (¬a)، وهو مكان واسع كبير وجعل مصرفا لما يخرج من المياه وغيرها من المدارس (٦).
стр. 1436
وقال في «السّيرة النّاصرية»، وقد ذكر ما أبطله النّاصر من المكوس عند ما عمل الرّوك في سنة خمس عشرة وسبع مائة: وأيضا مقرّر المشاعليّة، وهو ما لهم على تنظيف السّرّابات التي في البيوت والحمّامات والمسامط وغيرها مما يجري في مجراها. وكان إذا امتلأ سرب في مكان، حتى في المدارس والخوانق والمساجد، لا يمكن أن يتصرّف في شيله إلاّ بحضور أحد من جهة ضامن الجهة ليقاول عليه (١). فإذا حضر أحد من جهة الضّامن قدّر في أجرة شيله ما يجب ويختار بحسب ما يراه، فإن لم يوافقه صاحب المكان فارقه (¬a) وترك السّرب مملوءا حتى يحتاج إلى مساءلته ويبذل له ما طلب، فأبطل ذلك السّلطان.
ونودي بأن لا يمكّن مشاعلي من عمل شيء من ذلك فانفرج النّاس في أمرهم وصاروا يرفعون أسربتهم إلى الكيمان من غير حجّيّة عليهم فيها ولا زيادة كلفة من ضريبة سلطانية تؤخذ منهم على ذلك وكانوا في غمّة من ذلك المكس، واستمرّ إبطال هذه الجهة حتى بطلت وللّه الحمد.
ولقد سمعت من غير طريق أنّ السّرب الذي بمئذنة الجامع الحاكمي ممّا يلي باب الفتوح نزل فيه شخص فانتهى به المسير في مكان متّسع، إلى أن سمع قرع نعال الخيل بعتبة باب النّصر ولم ينته إلى آخره فغلب عليه الوهم ورجع.
وسمعنا مشائخ من أدركنا يقولون: إنّ هذا السّرب ينتهي بسالكه إلى الجبل الأحمر.
وانخسف مرّة مكان من الشّارع المسلوك فيه تجاه قبو الخرنشف فرئي منه سرب كبير ثم عمد النّاس إليه فسدّوه، وكذلك بخارج باب زويلة سرب عظيم قد سلّط عليه ما هنالك من الأسربة التي للمسامط والجوامع وغيرها. وأخبرني من تولّى الإشراف على كسحه أنّه نزل إليه الفعلة لتخليص ما سدّ الماء عن المرور فيه وأنّه وجد في غاية الكبر والسّعة، فلمّا فتح السّدّ مرّ ما كان محبوسا هنالك كالسّيل العظيم. وهذا السّرب ينتهي إلى الخليج أيضا وعهدت قديما، أيام كان الماء قريبا من برّ القاهرة، قبل أن ينحسر عن ما هو الآن من الرّمال، إذا جاءت زيادة النّيل في سنة كبيرة وكان نيلا عاليا، أنّ البلاليع التي خارج باب زويلة تطفّ حتى تفيض على الطّرقات (٢).
стр. 1437
القاعة
وكان من جملة القصر الغربي قاعة كبيرة - هي الآن المارستان المنصوري حيث المرضى - كانت سكن ستّ الملك أخت الحاكم بأمر اللّه (١) وكانت أحوالها متّسعة جدّا.
قال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: وأهدت/ السّيّدة الشّريفة ستّ الملك (¬a) أخت الحاكم بأمر اللّه إلى أخيها في (¬a) يوم الثلاثاء التاسع من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، هدايا من جملتها ثلاثون فرسا بمراكبها ذهبا، منها مركب واحد (¬b) مرصّع ومركب من حجر البلّور، وعشرون بغلة بسروجها ولجمها، وخمسون خادما منهم عشرة صقالبة، ومائة تخت من أنواع الثّياب وفاخرها، وتاج مرصّع بنفيس الجوهر وبديعه،
стр. 1438
وشاشيّة مرصّعة، وأسفاط كثيرة من طيب من سائر أنواعه، وبستان من الفضّة مزروع من أنواع الشّجر (١).
قال: وخلّفت [السّيّدة ستّ مصر بنت الحاكم بأمر اللّه] (¬a) حين ماتت، في مستهلّ جمادى الآخرة من سنة خمس وخمسين (¬b) وأربع مائة، ما لا يحصى كثرة، وكان إقطاعها في كلّ سنة يغلّ خمسين ألف دينار، ووجد لها بعد وفاتها ثمانية آلاف جارية، (¬c) منها بلنيات ألف وخمس مائة (¬c). وكانت سمحة نبيلة كريمة الأخلاق والفعل. وكان في جملة موجودها نيّف وثلاثون زيرا صينيّا مملوءا جميعها مسكا مسحوقا، ووجد لها جوهر نفيس من جملته قطعة ياقوت ذكر أنّ فيها عشرة مثاقيل (٢).
قال المسبّحي: ولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاث مائة (¬d).
ولمّا زالت الدّولة عرفت هذه الدار بالأمير فخر الدّين جهاركس ثم (¬e) (¬f) موسك ثم الملك المفضّل قطب الدّين (¬f) ابن الملك العادل.
فلمّا كان في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة، شرع الملك المنصور قلاوون الألفي في بنائها مارستانا ومدرسة وتربة، وتولّى عمارتها الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي مدبّر الممالك (٣). ويقال: إنّ ذرع هذه الدّار عشرة آلاف وست مائة ذراع.
стр. 1439
أبواب القصر الغربيّ
كان لهذا القصر عدّة أبواب: منها باب السّاباط، وباب التّبّانين، وباب الزّمرّد (١).
باب السّاباط
هذا الباب موضعه الآن باب سرّ المارستان المنصوري الذي يخرج منه الآن إلى الخرنشف وكان من الرّسم أن يذبح في باب السّاباط المذكور مدّة أيام النّحر وفي عيد الغدير، عدّة ذبائح تفرّق على سبيل الشّرف.
قال ابن المأمون في سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وجملة ما نحره الخليفة الآمر بأحكام اللّه وذبحه خاصّة في المنحر وباب السّاباط دون الأجلّ - يعني المأمون وأولاده وإخوته - في الثلاثة الأيام ألف وسبع مائة وست وأربعون رأسا، فذكر ما كان بالمنحر.
قال: وفي باب السّاباط، ممّا يحمل إلى من حوته القصور وإلى دار الوزارة والأصحاب والحواشي، اثنتا عشرة ناقة، وثمانية عشر رأس بقر، وخمسة عشر رأس جاموس، ومن الكباش ألف وثمان مائة رأس ويتصدّق كل يوم في باب السّاباط بسقط ما يذبح من النّوق والبقر (٢).
وقال ابن عبد الظّاهر: كان في القصر باب يعرف بباب السّاباط، كان الخليفة في العيد يخرج منه إلى الميدان - وهو الخرنشف الآن - لينحر فيه الضّحايا (٣).
باب التّبّانين
هذا الباب مكان باب الخرنشف الآن، وجعل في موضعه دار العلم التي بناها الحاكم، الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى.
باب الزّمرّد
كان موضع إسطبل القطبيّة قريبا من باب البستان الكافوري الموجود الآن (٤).
стр. 1440
ذكر دار العلم
وكان بجوار القصر الغربي من بحريه دار العلم، ويدخل إليها من باب التّبّانين - الذي هو الآن يعرف بقبو الخرنشف - وصار مكان دار العلم الآن الدّار المعروفة بدار الخضيري، الكائنة بدرب الخضيري المقابل للجامع الأقمر. ودار العلم هذه اتّخذها الحاكم بأمر اللّه (١)، فاستمرّت إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش (٢).
قال الأمير المختار عزّ الملك محمّد بن عبيد اللّه (¬a) بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز (¬a) المسبّحي (¬a) في تاريخه الكبير ومنه نقلت من الجزء الرابع والثلاثين ما نصّه (¬a): وفي يوم السّبت هذا - يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاث مائة - فتحت الدّار الملقّبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن الفقهاء المعمورة. ودخل النّاس إليها، ونسخ كلّ من التمس نسخ شيء ممّا فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء ممّا فيها. وجلس فيها القرّاء والفقهاء (¬b) والمنجّمون وأصحاب النّحو واللّغة والأطبّاء، بعد أن فرشت هذه الدّار وزخرفت، وعلّقت على جميع أبوابها وممرّاتها السّتور، وأقيم قوّام وخدّام وفرّاشون وغيرهم وسموا بخدمتها.
وحصل في هذه الدّار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة، ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قطّ من الملوك، وأباح ذلك كلّه لسائر النّاس على طبقاتهم ممّن يؤثر قراءة الكتب والنّظر فيها. فكان/ ذلك من المحاسن المأثورة أيضا التي لم يسمع بمثلها، من إجراء الرّزق السّنيّ لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها، من فقيه وغيره. وحضرها النّاس على طبقاتهم: فمنهم من يحضر لقراءة الكتب،