← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

وقال في «السّيرة النّاصرية»، وقد ذكر ما أبطله النّاصر من المكوس عند ما عمل الرّوك في سنة خمس عشرة وسبع مائة: وأيضا مقرّر المشاعليّة، وهو ما لهم على تنظيف السّرّابات التي في البيوت والحمّامات والمسامط وغيرها مما يجري في مجراها. وكان إذا امتلأ سرب في مكان، حتى في المدارس والخوانق والمساجد، لا يمكن أن يتصرّف في شيله إلاّ بحضور أحد من جهة ضامن الجهة ليقاول عليه (١). فإذا حضر أحد من جهة الضّامن قدّر في أجرة شيله ما يجب ويختار بحسب ما يراه، فإن لم يوافقه صاحب المكان فارقه (¬a) وترك السّرب مملوءا حتى يحتاج إلى مساءلته ويبذل له ما طلب، فأبطل ذلك السّلطان. ونودي بأن لا يمكّن مشاعلي من عمل شيء من ذلك فانفرج النّاس في أمرهم وصاروا يرفعون أسربتهم إلى الكيمان من غير حجّيّة عليهم فيها ولا زيادة كلفة من ضريبة سلطانية تؤخذ منهم على ذلك وكانوا في غمّة من ذلك المكس، واستمرّ إبطال هذه الجهة حتى بطلت وللّه الحمد. ولقد سمعت من غير طريق أنّ السّرب الذي بمئذنة الجامع الحاكمي ممّا يلي باب الفتوح نزل فيه شخص فانتهى به المسير في مكان متّسع، إلى أن سمع قرع نعال الخيل بعتبة باب النّصر ولم ينته إلى آخره فغلب عليه الوهم ورجع. وسمعنا مشائخ من أدركنا يقولون: إنّ هذا السّرب ينتهي بسالكه إلى الجبل الأحمر. وانخسف مرّة مكان من الشّارع المسلوك فيه تجاه قبو الخرنشف فرئي منه سرب كبير ثم عمد النّاس إليه فسدّوه، وكذلك بخارج باب زويلة سرب عظيم قد سلّط عليه ما هنالك من الأسربة التي للمسامط والجوامع وغيرها. وأخبرني من تولّى الإشراف على كسحه أنّه نزل إليه الفعلة لتخليص ما سدّ الماء عن المرور فيه وأنّه وجد في غاية الكبر والسّعة، فلمّا فتح السّدّ مرّ ما كان محبوسا هنالك كالسّيل العظيم. وهذا السّرب ينتهي إلى الخليج أيضا وعهدت قديما، أيام كان الماء قريبا من برّ القاهرة، قبل أن ينحسر عن ما هو الآن من الرّمال، إذا جاءت زيادة النّيل في سنة كبيرة وكان نيلا عاليا، أنّ البلاليع التي خارج باب زويلة تطفّ حتى تفيض على الطّرقات (٢).

стр. 1437

القاعة وكان من جملة القصر الغربي قاعة كبيرة - هي الآن المارستان المنصوري حيث المرضى - كانت سكن ستّ الملك أخت الحاكم بأمر اللّه (١) وكانت أحوالها متّسعة جدّا. قال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: وأهدت/ السّيّدة الشّريفة ستّ الملك (¬a) أخت الحاكم بأمر اللّه إلى أخيها في (¬a) يوم الثلاثاء التاسع من شعبان سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، هدايا من جملتها ثلاثون فرسا بمراكبها ذهبا، منها مركب واحد (¬b) مرصّع ومركب من حجر البلّور، وعشرون بغلة بسروجها ولجمها، وخمسون خادما منهم عشرة صقالبة، ومائة تخت من أنواع الثّياب وفاخرها، وتاج مرصّع بنفيس الجوهر وبديعه،

стр. 1438

وشاشيّة مرصّعة، وأسفاط كثيرة من طيب من سائر أنواعه، وبستان من الفضّة مزروع من أنواع الشّجر (١). قال: وخلّفت [السّيّدة ستّ مصر بنت الحاكم بأمر اللّه] (¬a) حين ماتت، في مستهلّ جمادى الآخرة من سنة خمس وخمسين (¬b) وأربع مائة، ما لا يحصى كثرة، وكان إقطاعها في كلّ سنة يغلّ خمسين ألف دينار، ووجد لها بعد وفاتها ثمانية آلاف جارية، (¬c) منها بلنيات ألف وخمس مائة (¬c). وكانت سمحة نبيلة كريمة الأخلاق والفعل. وكان في جملة موجودها نيّف وثلاثون زيرا صينيّا مملوءا جميعها مسكا مسحوقا، ووجد لها جوهر نفيس من جملته قطعة ياقوت ذكر أنّ فيها عشرة مثاقيل (٢). قال المسبّحي: ولدت بالمغرب في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وثلاث مائة (¬d). ولمّا زالت الدّولة عرفت هذه الدار بالأمير فخر الدّين جهاركس ثم (¬e) (¬f) موسك ثم الملك المفضّل قطب الدّين (¬f) ابن الملك العادل. فلمّا كان في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة، شرع الملك المنصور قلاوون الألفي في بنائها مارستانا ومدرسة وتربة، وتولّى عمارتها الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي مدبّر الممالك (٣). ويقال: إنّ ذرع هذه الدّار عشرة آلاف وست مائة ذراع.

стр. 1439

أبواب القصر الغربيّ كان لهذا القصر عدّة أبواب: منها باب السّاباط، وباب التّبّانين، وباب الزّمرّد (١). باب السّاباط هذا الباب موضعه الآن باب سرّ المارستان المنصوري الذي يخرج منه الآن إلى الخرنشف وكان من الرّسم أن يذبح في باب السّاباط المذكور مدّة أيام النّحر وفي عيد الغدير، عدّة ذبائح تفرّق على سبيل الشّرف. قال ابن المأمون في سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وجملة ما نحره الخليفة الآمر بأحكام اللّه وذبحه خاصّة في المنحر وباب السّاباط دون الأجلّ - يعني المأمون وأولاده وإخوته - في الثلاثة الأيام ألف وسبع مائة وست وأربعون رأسا، فذكر ما كان بالمنحر. قال: وفي باب السّاباط، ممّا يحمل إلى من حوته القصور وإلى دار الوزارة والأصحاب والحواشي، اثنتا عشرة ناقة، وثمانية عشر رأس بقر، وخمسة عشر رأس جاموس، ومن الكباش ألف وثمان مائة رأس ويتصدّق كل يوم في باب السّاباط بسقط ما يذبح من النّوق والبقر (٢). وقال ابن عبد الظّاهر: كان في القصر باب يعرف بباب السّاباط، كان الخليفة في العيد يخرج منه إلى الميدان - وهو الخرنشف الآن - لينحر فيه الضّحايا (٣). باب التّبّانين هذا الباب مكان باب الخرنشف الآن، وجعل في موضعه دار العلم التي بناها الحاكم، الآتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى. باب الزّمرّد كان موضع إسطبل القطبيّة قريبا من باب البستان الكافوري الموجود الآن (٤).

стр. 1440

ذكر دار العلم وكان بجوار القصر الغربي من بحريه دار العلم، ويدخل إليها من باب التّبّانين - الذي هو الآن يعرف بقبو الخرنشف - وصار مكان دار العلم الآن الدّار المعروفة بدار الخضيري، الكائنة بدرب الخضيري المقابل للجامع الأقمر. ودار العلم هذه اتّخذها الحاكم بأمر اللّه (١)، فاستمرّت إلى أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش (٢). قال الأمير المختار عزّ الملك محمّد بن عبيد اللّه (¬a) بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز (¬a) المسبّحي (¬a) في تاريخه الكبير ومنه نقلت من الجزء الرابع والثلاثين ما نصّه (¬a): وفي يوم السّبت هذا - يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاث مائة - فتحت الدّار الملقّبة بدار الحكمة بالقاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن الفقهاء المعمورة. ودخل النّاس إليها، ونسخ كلّ من التمس نسخ شيء ممّا فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء ممّا فيها. وجلس فيها القرّاء والفقهاء (¬b) والمنجّمون وأصحاب النّحو واللّغة والأطبّاء، بعد أن فرشت هذه الدّار وزخرفت، وعلّقت على جميع أبوابها وممرّاتها السّتور، وأقيم قوّام وخدّام وفرّاشون وغيرهم وسموا بخدمتها. وحصل في هذه الدّار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة، ما لم ير مثله مجتمعا لأحد قطّ من الملوك، وأباح ذلك كلّه لسائر النّاس على طبقاتهم ممّن يؤثر قراءة الكتب والنّظر فيها. فكان/ ذلك من المحاسن المأثورة أيضا التي لم يسمع بمثلها، من إجراء الرّزق السّنيّ لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها، من فقيه وغيره. وحضرها النّاس على طبقاتهم: فمنهم من يحضر لقراءة الكتب،

стр. 1441

ومنهم من يحضر للنّسخ، ومنهم من يحضر للتّعلّم، وجعل فيها ما يحتاج النّاس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر. وهي الدّار المعروفة بمختار الصّقلبي (١). قال: وفي سنة ثلاث وأربع مائة، أحضر جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق، وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد (٢)، وجماعة من الأطبّاء، إلى حضرة الحاكم بأمر اللّه، وكانت كلّ طائفة تحضر على انفرادها للمناظرة بين يديه، ثم خلع على الجميع ووصلهم (٣). ووقف الحاكم بأمر اللّه أماكن في فسطاط مصر على عدّة مواضع، وضمّنها كتابا ثبت على قاضي القضاة مالك بن سعيد - وقد ذكر عند ذكر الجامع الأزهر (٤) - وقال فيه وقد ذكر دار العلم: «ويكون العشر وثمن العشر لدار الحكمة، لما يحتاج إليه في كلّ سنة من العين المغربي مائتان وسبعة وخمسون دينارا. من ذلك لثمن الحصر العبداني وغيرها لهذه الدّار عشرة دنانير، ومن ذلك لورق الكاتب - يعني النّاسخ - تسعون دينارا، ومن ذلك للخازن بها ثمانية وأربعون دينارا، ومن ذلك لثمن الماء اثنا عشر دينارا، ومن ذلك للفرّاش خمسة عشر دينارا، ومن ذلك للورق والحبر والأقلام لمن ينظر فيها من الفقهاء اثنا عشر دينارا، ومن ذلك لمرمّة السّتارة دينار واحد، ومن ذلك لمرمّة ما عسى أن يتقطّع من الكتب وما عساه أن يسقط من ورقها اثنا عشر دينارا، ومن ذلك لثمن لبود للفرش في الشّتاء خمسة دنانير، ومن ذلك لثمن طنافس في الشّتاء أربعة دنانير».

стр. 1442

وقال ابن المأمون: في هذا الشهر - يعني شهر ذي الحجّة سنة ستّ عشرة وخمس مائة - جرت نوبة القصّار - وهي طويلة وأوّلها من الأيام الأفضليّة، وكان فيهم رجلان يسمّى أحدهما بركات، والآخر حميد بن مكّي الإطفيحي القصّار - مع جماعة يعرفون بالبديعيّة، وهم على الإسلام والمذاهب الثلاثة المشهورة، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة. فاعتمد بركات من جملتهم أن استفسد عقول جماعة، وأخرجهم عن الصّواب - وكان ذلك في أيام الأفضل - فأمر للوقت بغلق دار العلم والقبض على المذكور، فهرب. وكان في (¬a) جملة من استفسد عقله بركات المذكور أستاذان من القصر. فلمّا طلب بركات المذكور واستتر، دقّق الأستاذن الحيلة إلى أن أدخلاه عندهما في زيّ جارية اشترياها، وقاما بحقّه وجميع ما يحتاج إليه، وصار أهله يدخلون إليه في بعض الأوقات. فمرض بركات عند الأستاذين، فحارا في أمره ومداواته، وتعذّر عليهما إحضار طبيب له، واشتدّ مرضه ومات، فأعملا الحيلة، وعرّفا زمام القصر أن إحدى عجائزهما قد توفّيت، وأنّ عجائزهما يغسّلنها على عادة القصوريات (¬b) ويشيّعنها إلى تربة النّعمان بالقرافة (١)، وكتبا عدّة من يخرج. ففسح لهما في العدّة، وأخذا في غسله، وألبساه ما أخذاه من أهله - وهو ثياب معلّمة وشاشيّة ومنديل وطيلسان مقوّر - ودرّجوه (¬c) في الدّبيقي، وتوجّه مع التّابوت الأستاذان المشار إليهما. فلمّا قطعوا به بعض الطّريق أراد تكميل الأجر له على قدر عقولهما، فقالا للحمّالين: هو رجل تربيته عندنا، فنادوا عليه نداء الرّجال واكتموا الحال، وهذه أربعة دنانير لكم، فسرّ الحمّالون بذلك. فلمّا عادوا إلى صاحب الدّكّان عرّفوه بما جرى وقاسموه الدّنانير، فخافت نفسه، وعلم أنّها قضيّة لا تخفى، فمضى بهم إلى الوالي وشرح له القضيّة. فأودعهم في الاعتقال، وأخذ الذّهب منهم، وكتب مطالعة بالحال. فمن أوّل ما سمع القائد أبو عبد اللّه بن فاتك - الذي قيل له بعد ذلك المأمون - بالقضيّة - وكان مدبّر الأمور في الأيام الأفضليّة - قال: هو بركات المطلوب. وأمر بإحضار الأستاذين والكشف عن القضيّة، وإحضار الحمّالين والكشف عن القبر بحضورهم؛ فإذا تحقّقوه أمرهم

стр. 1443

بلعنه: فمن أجاب إلى ذلك منهم أطلقوه، ومن أبى أحضروه فحقّقوا معرفته: فمنهم من بصق في وجهه وتبرّأ منه، ومنهم من همّ بتقبيله ولم يتبرّأ منه. فجلس الأفضل واستدعى الوالي والسّيّاف، واستدعى من كان تحت الحوطة من أصحابه، فكلّ من تبرّأ منه ولعنه أطلق سبيله، وبقي من الجماعة ممّن لم يتبرّأ منه خمسة نفر وصبي لم يبلغ الحلم، فأمر بضرب رقابهم، وطلب الأستاذين فلم يقدر عليهما. وقال للصّبيّ من لفظه: تبرّأ منه وأنعم عليك وأطلق سبيلك. فقال له: اللّه يطالبك إن لم تلحقني بهم، فإنّي مشاهد ما هم فيه. وأخذ بسيفه على الأفضل، فأمر بضرب عنقه (¬a). فلمّا توفّى الأفضل أمر الخليفة الآمر بأحكام اللّه وزيره المأمون بن البطائحي، باتّخاذ دار العلم وفتحها على الأوضاع الشّرعية. ثم عاد حميد القصّار المثنّى بذكره، وظهر، وسكن مصر يدقّ الثّياب بها، ويطلع إلى دار العلم، وأفسد عقل أستاذ وخيّاط وجماعة وادّعى الرّبوبية. فحضر الدّاعي ابن عبد الحقيق إلى الوزير المأمون، وعرّفه بأن هذا قد تعلّق (¬b) بطرف من علم الكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري (١)، ثم انسلخ من (¬c) الإسلام وسلك طريق الحلاّج (٢) في التّمويه،/ فاستهوى من ضعف عقله وقلّت بصيرته، فإنّ الحلاّج في أوّل أمره كان يدّعي أنّه داعية المهدي، ثم ادّعى أنّه المهدي، ثم ادّعى الإلهية وأنّ الجنّ تخدمه، وأنّه أحيا عدّة من الطّيور. وكان هذا القصّار تنمّس بالدّين (¬d)، وجرت له أمور في الأيام الأفضليّة، ونفي دفعة واعتقل أخرى، ثم هرب بعد ذلك، ثم حضر وسار يواصل طلوع الجبل، واستصحب من استهواه من

стр. 1444

أصحابه. فإذا أبعد قال لبعضهم بعد أن يصلّي ركعتين: نطلب شيئا تأكله أصحابنا. فيمضي ولا يلبث دون أن يعود ومعه ما كان أعدّه مع بعض خاصّته الذين يطّلعون على باطنه. فكانوا يهابونه ويعظّمونه حتى إنّهم يخافون الإثم في تأمّل صورته، فلا ينكفّون مطرقين بين يديه. وكان قصيرا دميم الخلقة، وادّعى مع ذلك الرّبوبية. وكان ممّن اختصّ بحميد رجل خيّاط وخصيّ، فرسم المأمون بالقبض على المذكور وعلى جميع أصحابه. فهرب الخيّاط وطلب فلم يوجد، ونودي عليه، وبذل لمن يحضر به مال فلم يقدر عليه، واعتقل القصّار وأصحابه، وقرّروا فلم يقرّوا بشيء من حاله. وبعد أيام تماوت في الحبس فلمّا استؤمر عليه أمر بدفنه، فلمّا حمل ليدفن ظهر أنّه حيّ، فأعيد إلى الاعتقال، وبقي كلّ من تبرّأ (¬a) منه معتقلا، ما خلا الخصيّ فإنّه لم يتبرّأ منه. وذكر أنّ القتل لا يصل إليه، فأمر بقطع لسانه ورمي قدّامه وهو مصرّ على ما في نفسه، فأخرج القصّار والخصيّ ومن لم يتبرّأ منه من أصحابه، فصلبوا على الخشب وضربوا بالنّشّاب، فماتوا لوقتهم. ثم نودي على الخيّاط ثانيا، فأحضر وفعل به ما فعل بأصحابه بعد أن قيل له: ها أنت تنظره. فلم يتبرّأ منه، وصلب إلى جانبه. وذكر أنّ بعض أصحاب هذا القصّار - ممّن لم يعرف (¬b) - كان يشتري الكافور، ويرميه بالقرب من خشبته التي هو مصلوب عليها، فيستقبل رائحته من سلك تلك الطّريق، ويقصد بذلك أن يربط عقول من كان القصّار قد أضلّه. فأمر المأمون أن يحطّوا عن الخشب، وأن تخلط رممهم ويدفنوا متفرّقين حتى لا يعرف قبر القصّار من قبورهم. وكان قتلهم في سنة سبع عشرة وخمس مائة، وابتداء هذه القضيّة سنة ثلاث عشرة وخمس مائة. قال: وكان الشّريف عبد اللّه يحدّث عن صديق له مأمون القول، أنّه أخبره أنّه لمّا شاع خبر هذا القصّار وما ظهر منه، أراد أن يمتحنه، فتسبّب إلى أن خالطه، وصار في جملة أصحابه ومن يعظّمه ويطلع معه إلى الجبل، فأفسد عقله وغيّر معتقده، وأخرجه عن الإسلام. وأنّه لامه على ذلك وردعه، فحدّثه بعجائب منها أنّه قال: واللّه ما من الجماعة الذين يطلعون معه إلى الجبل أحد إلاّ ويسأله ويستدعيه ما يريد على سبيل الامتحان، فيحضره إليه لوقته. وأنّ بيده سكّينا لا

стр. 1445

تقطع إلاّ بيديه، وإذا أمسك طائرا وقبضه أحد من الحاضرين، يدفع السّكين التي معه له ويقول له: اذبحه، فلا تمشي في يده، فيأخذها هو ويذبحه بها ويجري دمه، ثم يعود ويمسكه بيده ويسرّحه فيطير، ويقول: إنّ الحديد لا يعمل فيه، ويوسّع القول فيما يشاهده منه ويسمعه. فلمّا اعتقل القصّار، بقي هذا الرّجل مصرّا على اعتقاده، فلمّا قتل وخرج إليه وشاهده وتحقّق موته، علم أنّ ما كان فيه سحر وزور وإفك، فتصدّق بجملة من ماله، وعاد إلى مذهبه وصحّ معتقده (١). وقال ابن عبد الظّاهر: دار العلم كان الأفضل بن أمير الجيوش قد أبطلها، وهي بجوار باب التّبّانين، وهي متّصلة بالقصر الصّغير، وفيها مدفون الدّاعي المؤيّد في الدّين هبة اللّه بن موسى الأعجمي (٢)، وكان لإبطالها أمور سببها اجتماع النّاس والخوض في المذاهب، والخوف من الاجتماع على المذهب النّزاري. ولم يزل الخدّام يتوصّلون إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه حتى تحدّث في ذلك مع الوزير المأمون، فقال: أين تكون هذه الدّار؟ فقال بعض الخدّام: تكون بالدّار التي كانت أوّلا؛ فقال المأمون: هذا لا يكون لأنّه باب صار من جملة أبواب القصور (¬a) وبرسم الحوائج، ولا يمكن الاجتماع، وما (¬b) يؤمن من غريب يتحصّل به. فأشار كلّ من الأستاذين بشيء، فقال (¬c) بعضهم: أن تكون في بيت المال القديم؛ فقال المأمون: يا سبحان اللّه قد منعنا أن تكون متاخمة القصر (¬d) الكبير الذي هو سكن الخليفة نجعلها ملاصقته (¬e)! فقال الثّقة زمام القصور: في جواري موضع ليس ملاصقا للقصر ولا مخالطا له، يجوز أن يعمّر ويكون دار العلم. فأجاب المأمون إلى ذلك

стр. 1446

وقال: بشرط أن يكون متولّيها رجل دين (¬a)، والدّاعي النّاظر فيها، ويقام فيها متصدّرون برسم قراءة القرآن. فاستخدم فيها أبو محمد حسن بن آدم فتولاّها، وشرط عليه ما تقدّم ذكره، واستخدم فيها مقرئون (١). ذكر دار الضّيافة خرّج مالك في «الموطّأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، أنّه قال: كان إبراهيم ﵇ أوّل من ضيّف الضّيف. وأوّل من اتّخذ دار ضيافة في الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ في سنة سبع عشرة، وأعدّ فيها الدّقيق والسّمن والعسل وغيره، وجعل بين مكّة والمدينة من يحمل المنقطعين من ماء إلى ماء حتى يوصّلوهم (¬b) إلى البلد. فلمّا استخلف عثمان بن عفّان ﵁ أقام الضّيافة لأبناء السّبيل والمتعبّدين في المسجد. وأوّل من بني بمصر دار الضّيافة للنّاس عثمان بن قيس بن أبي العاص السّهمي، أحد من شهد فتح مصر من الصّحابة (٢). وكان ميدان القصر الغربي - الذي هو الآن الخرنشف - دار الضّيافة بحارة برجوان. وكانت هذه الدّار أوّلا تعرف بدار الأستاذ برجوان، وفيها كان يسكن حيث الموضع المعروف بحارة برجوان. ثم لمّا قدم أمير الجيوش بدر الجمالي في أيام الخليفة المستنصر من عكّا واستبدّ بأمر الدولة، أنشأ هناك دارا عظيمة وسكنها، ولم يسكن بدار الدّيباج التي كانت دار الوزارة القديمة. فلمّا مات أمير الجيوش بدر، واستقرّ في (¬c) سلطنة ديار مصر ابنه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، وأنشأ دار القباب - التي عرفت بدار الوزارة الكبرى - قريبا من رحبة باب العيد، أقرّ أخاه أبا محمد جعفرا المنعوت بالمظفّر بن أمير الجيوش بدار أمير الجيوش من حارة برجوان،

стр. 1447

فعرفت بدار المظفّر، وما زال بها حتى مات وقبر بها، وإلى اليوم قبره بها، وتسمّيه العامّة جعفرا الصّادق (١). ولمّا مات المظفّر اتّخذت داره المذكورة دار ضيافة برسم الرّسل الواردين من الملوك، واستمرّت كذلك إلى أن انقرضت الدّولة، فأنزل بها السّلطان صلاح الدّين أولاد العاضد، إلى أن نقلهم إلى قلعة الجبل الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب. فلمّا كان في سنة تسع وسبعين وست مائة، تقدّم أمر الملك المنصور قلاوون لوكيل بيت المال القاضي مجد الدّين عيسى بن الخشّاب، ببيع دار المظفّر، فباع القاعة الكبرى وما هو من حقوقها، وبيعت دار المظفّر الصّغرى، وهدمها النّاس وبنوا في مكانها دورا. وموضعها الآن دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسي الحنفي، وما بجوارها إلى الدار التي بها سكني اليوم (٢)، وهي من حقوق دار المظفّر الصّغرى، على ما في كتبها القديمة. ولمّا أنشأ قاضي القضاة شمس الدين المذكور داره في سنة سبع، أو سنة ثمان وثمانين وسبع مائة، ظهر من تحت الأرض عند حفر الأساس حجر عظيم، قيل إنّه عتبة دار المظفّر الكبرى. وكان إذ ذاك الأمير جهاركس الخليلي يتولّى عمارة مدرسة الملك الظّاهر برقوق التي في خطّ بين القصرين (٣)، فلمّا بلغه خبر هذا الحجر بعث إليه، وأمر بجرّه إلى العمارة، فعمل عتبة باب المزمّلة التي للمدرسة. وكان من وراء هذه الدّار رحبة الأفيال، أدركتها ساحة ثم عمّر فيها. قال ابن الطّوير: الخدمة المعروفة ب «النّيابة للقاء المترسّلين (¬a)» - وهي خدمة جليلة - يقال لمتولّيها: «النّائب»، وينعت ب «عديّ الملك»، وهو ينوب عن صاحب الباب (٤) في لقاء الرّسل الوافدين عن مسافة، وإنزال كلّ واحد في دار تصلح له، ويقيم له من يقوم بخدمته، وله نظير في دار الضّيافة - وهو يسمّى اليوم بمهمندار - ويرتّب لهم ما يحتاجون إليه، ولا يمكّن أحدا من

стр. 1448

الاجتماع بهم، ويذكّر صاحب الباب بهم، ويبالغ في نجاز ما وصلوا فيه. وهو الذي يسلّم بهم أبدا عند الخليفة والوزير، وينفذ بهم ويستأذن عليهم. ويدخل الرّسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى، والنّائب بيده اليسرى، فيحفظ ما يقولون وما يقال لهم، ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه، وبين يديه من الفرّاشين المقدّم ذكرهم عدّة لإعانته، وإذا غاب أقام عنه نائبا إلى أن يعود، وله من الجاري خمسون دينارا في كلّ شهر، وفي اليوم نصف قنطار خبز، وقد يهدي إليه المرسلون طرفا فلا يتناولها إلاّ بإذن (١). انتهى. وفي هذه الدولة التركية يقال لمتولّي هذه الوظيفة: «مهمندار»، ولا يليها عندهم إلاّ صاحب سيف من الأمراء العشراوات. وكانت في الدولة الفاطمية، على ما ذكره ابن الطّوير، لا يليها إلاّ أعيان العدول وأرباب العمائم، وينعت أبدا ب «عديّ الملك». وأصل هذه الكلمة بالفارسية مهمان دار (ومعناها: متلقّي الضّيوف). ذكر إسطبل الحجريّة وكان بجوار دار الضّيافة إسطبل الصّبيان الحجريّة المقدّم ذكرهم (٢). وموضع هذا الإسطبل اليوم يعرف بخان الوراقة، داخل باب الفتوح القديم بسوق المرحّلين، على يسرة من أراد الخروج من باب الفتوح القديم، تجاه زيادة الجامع الحاكمي. ومن حقوق هذا الإسطبل أيضا الموضع الذي فيه الآن القيسارية المعروفة بقيسارية السّتّ (٣)، التي هي اليوم تجاه المدرسة الصّيرميّة والجملون الصّغير. وكانت بهذا الإسطبل خيول الصّبيان الحجريّة، إحدى طوائف العساكر في زمن الخلفاء الفاطميين. ذكر مطبخ القصر وكان بجوار القصر الغربي، قبالة باب الزّهومة من القصر الكبير «مطبخ القصر» وموضعه الآن الصّاغة تجاه المدارس الصّالحيّة. ولمّا كانت مطبخا كان يخرج إليه من باب الزّهومة. وذكر

стр. 1449

ابن عبد الظّاهر أنّه كان يخرج من المطبخ المذكور مدّة شهر رمضان، ألف ومائتا قدر من جميع ألوان الطّعام، تفرّق كلّ يوم على أرباب الرّسوم والضّعفاء (١). درب السّلسلة وكان بجوار مطبخ القصر درب السّلسلة (٢). قال ابن الطّوير: ويبيت خارج باب القصر في كلّ ليلة خمسون فارسا. فإذا أذّن بالعشاء الآخرة داخل القاعة، وصلّى الإمام الرّاتب بها بالمقيمين فيها من الأستاذين وغيرهم، وقف على باب القصر أمير يقال له سنان الدّولة بن الكركندي (٣)، فإذا علم بفراغ الصّلاة أمر بضرب النّوبات من الطّبل والبوق ولوائقهما من عدّة وافرة، بطرائق مستحسنة مدّة ساعة زمانية (٤). ثم يخرج بعد ذلك أستاذ برسم هذه الخدمة فيقول: أمير المؤمنين يردّ على سنان الدّولة السّلام، فيصقع (٥) ويغرس حربة على الباب، ثم يرفعها بيده، فإذا رفعها أغلق الباب، وسار حواليّ القصر سبع دورات. فإذا انتهى ذلك جعل على الباب البيّاتين والفرّاشين المقدّم ذكرهم، وانضوى (¬a) (٦) المؤذّنون إلى خزانتهم هناك، وترمى السّلسلة عند المضيق آخر بين القصرين من جانب السّيوفيين (٧) فينقطع المارّ من ذلك المكان إلى أن تضرب النّوبة سحرا قرب الفجر، فتنصرف النّاس من هناك بارتفاع السّلسلة (٨).

стр. 1450

وقال ابن عبد الظّاهر: درب السّلسلة الذي هو الآن إلى جانب السّيوفيين، كانت عنده سلسلة منه إلى قبالته تعلّق كلّ يوم من الظهر حتى لا يعبر راكب تحت القصر. وهذا الدّرب يعرف بسنان الدّولة بن الكركندي. وهذا الدّرب هو المختص بالنّقيرة (¬a). وهذه النّقيرة (¬a) أمرها مستظرف لا من قبل الحسن بل من قبل التعجّب من العقول، ولها خمسة أوقات، وهي: ليالي العيدين، وغرّة السّنة، وغرّة شهر رمضان، ويوم فتح الخليج. وهو أنّه يقف راكبا في وسط الزّلاّقة التي لباب الذّهب قبالة الدار القطبيّة، فيخرج إليه السّلام من الخليفة، ثم تخدم الرّهجيّة، ثم يصعد على كندجة (¬b) (١) باب الزّهومة وقدّامه دوابّ المظلّة يمنة ويسرة، والرّهجيّة تخدم، وأرباب الضّوء ومستخدمو الطّرق على السّلسلة. فإذا كان الطّوف وصلوا إليه، واجتمعت الرّهجيّة كلّهم، وركب فرسا وعليه ثياب حسنة، وكشف عن راياته وأخذ بيده رمحا، واجتمعت الرّهجيّة حوله، ويعبر مشورا وأولئك خلفه بالصّراخ والصّياح بشعار الإمام، ثم يسير بذاك الجمع وخيل المظلّة إلى أبواب القصر، فيقف عند كلّ باب وتخدم الرّهجيّة إلى أن يعودوا إلى باب الذّهب، ثم إلى دار الوزارة للهناء. فلم يزالوا كذلك إلى قبالة باب (¬c) ابن الكركندي فبطلت هذه السّنّة في الأيام الآمريّة. وصاحب النّقيرة (¬a) ممّن وصل آباؤه صحبة المعزّ لدين اللّه من بلاد المغرب، فكانت هذه سنّتهم (٢). ذكر الدّار المأمونيّة وكان بجوار درب السّلسلة الدار المأمونيّة وهي المدرسة السّيوفيّة (٣)، وكانت هذه الدّار سكن المأمون بن البطائحي، وعرفت قديما بقوام الدّولة حبوب ثم عرفت بالمأمون محمد بن فاتك.

стр. 1451

ذكر (¬a) المأمون البطائحي - هو أبو عبد اللّه محمد بن الأمير نور الدّولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدّولة أبي الحسن مختار المستنصري (١). اتّصل بخدمة الأفضل بن أمير الجيوش في شهر شوّال سنة إحدى وخمس مائة عند ما تغيّر على تاج المعالي مختار الذي كان اصطنعه وفخّم أمره وسلّم إليه خزائن أمواله وكسواته، وسلّم ما كان بيده من الخدمة لمحمد بن فاتك، فتصرّف فيها. وقرّر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصّة دون الإقطاع، وهو مائة دينار في كلّ شهر وثلاثون دينارا عن جاري الخزائن، مضافا إلى الأصناف الرّاتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة. فحسن عند الأفضل موقع خدمته فاعتمد عليه وسلّم له جميع أموره، وصرّفه في كلّ أحواله. فلمّا كثر عليه الشّغل، استعان بأخويه أبي تراب حيدرة وأبي الفضل جعفر، فأطلق الأفضل لهما ما وسّع به عليهما من المياومة والمشاهرة والمسانهة. ونعته الأفضل ب «القائد»، فصار يخاطب ب «القائد» ويكاتب به، وصار عنده بمنزلة الأستادّار. فلمّا قتل الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة خمس عشرة وخمس مائة، قام القائد أبو عبد اللّه بن فاتك لخدمة الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وأطلعه على أموال الأفضل، وبالغ في مناصحته حتى لقد اتّهم أنّه هو الذي دبّر في قتل الأفضل بإشارة الخليفة./ فخلع عيه الآمر في مستهلّ ذي القعدة بمجلس اللّعبة من القصر (٢)، وهو المجلس الذي يجلس فيه الخليفة، ولم يخلع قبله على أحد فيه، وحلّ المنطقة من وسطه، وخلع على ولده وحلّ منطقته، وخلع على إخوته.

стр. 1452

واستمرّ تنفيذ الأمور إليه إلى أن استهلّ ذو الحجّة، ففي يوم الجمعة ثانيه خلع عليه من الملابس الخاصّ [الشّريفة] (¬a) في فرد كمّ مجلس اللّعبة، [وطوّق ب] (¬a) طوق ذهب مرصّع وسيف ذهب كذلك، وسلّم على الخليفة. وتقدّم الأمر للأمراء وكافّة الأستاذين المحنّكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه، ومشى في ركابه القوّاد على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل من باب العيد راكبا. ووصل إلى داره، فضاعف الرّسوم وأطلق الهبات. فلمّا كان يوم الاثنين خامسه، اجتمع الأمراء بين يدي الخليفة، وأحضر السّجلّ في لفافة خاصّ مذهبة، فسلّمه الخليفة له من يده، فقبّله وسلّمه لزمام القصر، فأمره الخليفة بالجلوس إلى جانبه عن يمينه، وقرئ السّجلّ على باب المجلس، وهو أوّل سجلّ قرئ هناك، وكانت سجلاّت الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان (١). ورسم للشّيخ أبي الحسن بن أبي أسامة، كاتب الدّست، أن ينقل نسبة الأمراء والمحنّكين من الآمري إلى المأموني، وكذا النّاس أجمع، ولم يكن أحد ينتسب إلى الأفضل ولا لأمير الجيوش، وقدّمت له الدّواة فعلّم في مجلس الخليفة. ونعت ب «السّيّد الأجلّ المأمون تاج الخلافة، وجيه الملك، فخر الصّنائع، ذخر أمير المؤمنين عزّ الإسلام، فخر الأنام نظام الدّين، أمير الجيوش، سيف الإسلام ناصر الإمام (¬b)، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين». وكان يجلس بداره في يومي الأحد والأربعاء للراحة والنّفقة في العسكر الفارس (¬c) البساطيّة إلى الظّهر، ثم يرفع النّفقة ويحطّ السّماط، ويجلس بعد العصر والكتّاب بين يديه، فينفق في الراجل إلى آخر النّهار. وفي يوم الجمعة يطلق للمقرئين بحضرته خمسة دنانير، ولكلّ من هو مستمرّ القراءة على بابه من الضّعفاء والأجراء ممّا هو ثابت بأسمائهم خمس مائة درهم، ولبقيّة الضّعفاء والمساكين خمس مائة درهم أخرى. فإذا توجّه يوم الجمعة إلى القرافة يكون المبلغ المذكور مستقرّا لأربابه.

стр. 1453

ولم يزل إلى ليلة السّبت الرابع من رمضان سنة تسع عشرة وخمس مائة، فقبض الآمر المذكور عليه وعلى إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من خواصّه وأهله واعتقله، ثم صلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين. وقيل: إنّ سبب القبض عليه ما بلغ الآمر عنه أنّه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلي يغريه بقتل أخيه ليقيمه مكانه في الخلافة، وكان الذي بلّغ الآمر ذلك الشّيخ أبو الحسن بن أبي أسامة. وبلغه أيضا عنه أنّه سيّر نجيب الدّولة أبا الحسن إلى اليمن ليضرب سكّة عليها «الإمام المختار محمد بن نزار». وذكر عنه أنّه سمّ شيئا ودفعه لفصّاد الخليفة فنمّ عليه الفصّاد. وكان مولد المأمون في سنة ثمان وسبعين وأربع مائة، وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامّة بتدبير الدّول، كريما واسع الصّدر، سفّاكا للدّماء، كثير التحرّز والتطلّع إلى معرفة أحوال النّاس من العامّة والجند، فكثر الوشاة في أيّامه. حبس المعونة وكان بجوار الدّار المأمونية حبس المعونة، وموضعه اليوم قيساريّة العنبر (١). قال ابن المأمون: في سنة سبع عشرة وخمس مائة، تقدّم أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة (¬a) بإحضار عرفاء السّقّائين وأخذ الحجج على المتعيّشين (¬b) منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا، وكذلك يعتمد في القربيّين - (¬c) الذين يحملون الماء في القرب (¬c) - وأن يبيتوا على باب كل معونة ومعهم عشرة (¬d) من الفعلة بالطّواري والمساحي، (¬c) وألزم الواليين (¬c) أن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما بحكم فقرهم (٢). انتهى. وكان حبس المعونة هذا يسجن فيه أرباب الجرائم كما هو اليوم السّجن المعروف بخزانة شمائل (٣)، وأمّا الأمراء والأعيان فيسجنون بخزانة البنود كما تقدّم (٤). ولم يزل هذا الموضع سجنا مدّة الدولة الفاطمية ومدّة دولة بني أيّوب، إلى أن عمّره الملك المنصور قلاوون

стр. 1454

قيساريّة أسكن فيها العنبرانيين في سنة ثمانين وست مائة (١). ذكر الحسبة ودار العيار وكان بجوار حبس المعونة دكّة الحسبة ومكانها اليوم يعرف بالأبازرة ومكسر الحطب، بجوار سوق القصّارين والفحّامين (٢). قال ابن الطّوير: وأمّا الحسبة فإنّ من تسند إليه لا يكون إلاّ من وجوه المسلمين وأعيان المعدّلين؛ لأنّها خدمة دينية، وله استخدام النّوّاب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنوّاب الحكم، وله الجلوس (¬a) بجامعي القاهرة ومصر يوما بعد يوم (٣). ويطوف نوّابه على أرباب الحرف والمعايش، ويأمر نوّابه بالختم على قدور الهرّاسين ونظر لحمهم ومعرفة من جزّاره، وكذلك الطّبّاخون، ويتتبّعون الطّرقات، ويمنعون من المضايقة فيها، ويلزمون رؤساء المراكب ألاّ يحملوا أكثر من وسق (¬b) السّلامة، وكذلك مع الحمّالين على البهائم. / ويأخذون (¬c) السّقّائين بتغطية الرّوايا بالأكسية - ولهم عيار وهو أربعة وعشرون دلوا، كلّ دلو أربعون رطلا - وأن يلبسوا السّراويلات القصيرة الضّابطة لعوراتهم وهي زرق، وينذرون معلّمي المكاتب بألاّ يضربوا الصّبيان ضربا مبرّحا ولا في مقتل، وكذلك معلّمو العوم بتحذيرهم من التّغرير بأولاد النّاس، ويقفون على من يكون سيّئ المعاملة فينهونه بالرّدع والأدب، وينظرون المكاييل والموازين.

стр. 1455

وللمحتسب النّظر في دار العيار، ويخلع عليه ويقرأ سجلّه بمصر والقاهرة على المنبر، ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها، والولاة تشدّ منه (¬a) إذا احتاج إلى ذلك، وجاريه ثلاثون دينارا في كلّ شهر (١). انتهى. وكان للعيار مكان يعرف بدار العيار تعيّر فيه الموازين بأسرها وجميع الصّنج. وكان ينفق على هذه الدّار من الديوان السّلطاني فيما تحتاج إليه من الأصناف، كالنّحاس والحديد والخشب والزّجاج، وغير ذلك من الآلات وأجر الصّنّاع والمشارفين ونحوهم. ويحضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعيّر المعمول فيها بحضوره، فإن صحّ ذلك أمضاه، وإلاّ أمر بإعادة عمله حتى يصحّ. وكان بهذه الدار أمثلة يصحّح بها العيار، فلا تباع الصّنج والموازين والأكيال إلاّ بهذه الدّار، ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدّار باستدعاء المحتسب لهم، ومعهم موازينهم وصنجهم ومكاييلهم، فتعيّر في كلّ قليل. فإن وجد فيها النّاقص استهلك وأخذ من صاحبه لهذه الدّار، وألزم بشراء نظيره ممّا هو محرّر بهذه الدّار والقيام بثمنه. ثم سومح النّاس، وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساد فقط والقيام بأجرته فقط. وما زالت هذه الدّار باقية جميع الدّولة الفاطمية، فلمّا استولى صلاح الدّين على السّلطنة، أقرّ هذه الدّار، وجعلها وقفا على سور القاهرة مع ما كان جاريا في أوقاف السّور من الرّباع والنّواحي الجارية في ديوان الأسوار (٢). وما زالت هذه الدار باقية إلى (¬b) (٣). وكانت بدار العيار خراريب يعرف بها الأوزان منها أن السّمّاق زنة الأردب منه ما بين مائة قنطار مصري وثلث إلى مائة وأربعين رطلا، والقلّة الزيت الحار مائة واثنا عشر رطلا مصريا، والحمل الحطب السّنط مائة وعشرة أرطال، والبندق يصح من الجيد فيه ثلاثة أرطال ونصف

стр. 1456

وربع من الثلث، واللّوز يصح من قليه نحو ألفي رطل من كل قنطار، والفستق يصح من كل عشرة أرطال أربعة أرطال من القلب، والبيعة العنبر بمصر سبع مثاقيل ونصف وربع، وبالإسكندرية عشرة مثاقيل، والزّعفران الشّعر كل منّ منه مائتان وستون درهما عنها أربعة وعشرون أوقية كلّ أوقية عشرة دراهم ونصف وثلث. والطحون المنّ مائتان وأربعون درهما، أربعة وعشرون أوقية كلّ أوقية عشرة دراهم. والحمل البقم الآمري، وهو الرّقيق منه والكولمي وهو الجافي منه ست مائة رطل بالمصري. والحمل الفلفل خمس مائة رطل، والحمل القطن المحلوج خمس مائة وخمسون رطلا وثلث رطل، والراوية القطران مائتان وثمانون رطلا جرويّا والمطر الزيت بالإسكندرية أحد وعشرون رطلا وثلث رطل جروي وهو أربعة أقساط وثلث كل قسط خمسة أرطال وثلث بالجروي، والأرز الروي الويبة ستة عشر قدحا وزنها ثلاثون رطلا بالجروي يكون القنطار ثلاث وبيات وثلث والأردبّ مائة وثمانين رطلا بالجروي، والأرز الغشيم الزاحي بغير تبييض يصح إذا بشر أرز بياض بالملح خمس وبيات عن المائة أردب ثلاثة وثمانون أردبّا، والذّراع الحام ثلاثة أشبار وذراع الحصر شبران والذراع الذي يقاس به الحبل السميل ثلاثة أذرع (١). إسطبل الجمّيزة وكان بجوار القصر الغربي من قبليه (¬a) «إسطبل الجمّيزة»، من جانب باب السّاباط الذي هو الآن باب سرّ المارستان المنصوري. وقيل له إسطبل الجمّيزة من أجل أنّه كان في وسطه شجرة جمّيز كبيرة (٢). وكان موضع هذا الإسطبل تجاه من يخرج من باب السّاباط، فينزل من الحدرة التي هي الآن تجاه باب سرّ المارستان المتوصّل منها إلى حارة زويلة، ويمتدّ فيما حاذاه يسارك إذا وقفت بأوّل هذه الحدرة حيث الطّاحون الكبيرة التي هي الآن في أوقاف المارستان وما وراءها، ويحاذيها إلى الموضع المعروف اليوم بالبندقانيين.

стр. 1457

وكانت بئره تعرف ببئر زويلة، وعليها ساقية تنقل الماء لشرب الخيول وموضع هذه البئر اليوم قيساريّة تعرف بقيساريّة يونس تجاه درب الأنجب. وقد شاهدت هذه البئر لمّا أنشأ الأمير يونس الدّوادار هذه القيساريّة والرّبع علوّها، فرأيت بئرا كبيرة جدّا، وقد عقد على فوّهتها عقد ركّب فوقه بعض القيساريّة، وترك منها شيء؛ ومنها الآن النّاس تسقي بالدّلاء. وما زال هذا الإسطبل باقيا إلى أن انقرضت الدّولة الفاطمية فحكر، وبني في مكانه الآدرّ التي هي موجودة الآن، وحكره جار في أوقاف الصّلاح الإربلي (¬a) الكاملي (¬b)، وقد تقدّم ذكر هذا الإسطبل عند ذكر إسطبل الطّارمة، فانظر رسومه هناك (١). دار الدّيباج وكان بجوار إسطبل الجمّيزة (¬c) من غربيه دار الدّيباج، وهي حيث المدرسة الصّاحبيّة بسويقة الصّاحب، وما جاورها من جانبها وما خلفها إلى الوزيريّة، وكانت هي دار الوزارة القديمة (٢). وأوّل من أنشأها الوزير يعقوب بن يوسف (¬d) بن كلّس وزير العزيز باللّه، ثم سكنها الوزير النّاصر للدّين قاضي القضاة وداعي الدّعاة علم المجد أبو محمد الحسن بن عليّ بن عبد الرّحمن اليازوري. وما زالت سكن الوزراء إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجمالي من عكّا، ووزر للمستنصر (¬e)، وصار وزيرا مستبدّا، فأنشأ داره بحارة برجوان وسكنها (٣)، وسكن من بعده ابنه الأفضل بن أمير الجيوش بدار القباب التي عرفت بدار الوزارة الكبرى (٤). وصارت هذه الدّار تعرف بدار الدّيباج، لأنّه يعمل فيها الحرير الدّيباج، ويتولاّها الأماثل والأعيان. فممّن وليها أبو سعيد بن قرقة الطّبيب متولّي خزائن السّلاح وخزائن السّروج والصّناعات (٥).

стр. 1458

فلمّا انقرضت الدّولة الفاطمية، بنى النّاس في مكان دار الدّيباج المدرسة السّيفيّة، وما وراءها من المواضع التي تعرف أماكنها اليوم بدرب الحريري، وما جاور هذا الدّرب إلى المدرسة الصّاحبيّة وما بجوارها وما هو في ظهرها. فصار يعرف خطّ دار الدّيباج في زمننا بخطّ سويقة الصّاحب (١). الأهراء السّلطانيّة وكانت أهراء الغلال السّلطانية، في دولة الخلفاء الفاطميين، حيث المواضع التي فيها الآن خزانة شمائل (٢)، وما وراءها إلى قرب الحارة الوزيريّة. قال ابن الطّوير: وأمّا الأهراء فإنّها كانت في عدّة/ أماكن بالقاهرة هي اليوم إسطبلات ومناخات، وكانت تحتوي على ثلاث مائة ألف أردبّ من الغلاّت وأكثر من ذلك. وكان فيها مخازن يسمّى أحدها بغداد (¬a)، وآخر الغول، وآخر القرافة. ولها الحماة من الأمراء والمشارفون (¬b) من العدول، والمراكب واصلة إليها بأصناف الغلاّت إلى ساحل مصر وساحل المقس، والحمّالون يحملون ذلك إليها بالرّسائل على يد رؤساء المراكب وأمنائها من كلّ ناحية سلطانية، وأكثر ذلك من الوجه القبلي. ومنها إطلاق الأقوات لأرباب الرّتب والخدم وأرباب الصّدقات وأرباب الجوامع والمساجد، وجرايات العبيد السّودان بتعريفات (¬c)، وما ينفق في الطّواحين المعلّقة (¬d) برسم خاصّ الخليفة، وهي طواحين مداراتها (¬e) سفل وطواحينها علو حتى لا تقارب زبل الدّواب (٣)، ويحمل دقيقها للخاصّ، وما يختصّ بالجهات في خرائط من شقق حلبيّة. ومن الأهراء (¬f) تخرج جرايات رجال الأسطول - وفيها ما هو قديم يقطع بالمساحي، ويخلط في بعض الجرايات بالجديد بجرايات المذكورين - وجرايات السّودان، ومنها ما يستدعى بدار الضّيافة

стр. 1459

لأخباز الرّسل ومن يتبعهم، وما يعمل من القمح برسم الكعك لزاد الأسطول. فلا يفتر مستخدموها من دخل وخرج، ولهم جامكيّات (¬a) مميّزة وجرايات برسم أقواتهم وشعير لدوابّهم (¬b). وما يقبض من الواصلين بالغلال (¬c) إلاّ ما يماثل العيون المختومة معهم، وإلاّ ذرّي وطلب العجز بالنسبة (١). وذكر ابن المأمون أنّ غلاّت الوجه القبلي كانت تحمل إلى الأهراء. وأمّا الأعمال البحرية والبحيرة والجزيرتان (٢) والغربيّة والكفور والأعمال الشّرقيّة، فيحمل منها اليسير، ويحمل باقيها إلى الإسكندرية ودمياط وتنّيس، ليسيّر إلى ثغر عسقلان وثغر صور. وأنّه كان يسيّر إليهما في كلّ سنة مائة وعشرون ألف أردب: منها لعسقلان خمسون ألفا، ولصور سبعون ألفا، فيصير هناك ذخيرة، ويباع منها عند الغني عنها. قال: وكان يتحصّل للدّيوان في كلّ سنة ألف ألف أردب (٣). وذكر جامع «السّيرة اليازورية» أنّ المتجر كان يقام به للديوان من الغلّة، وأنّ الوزير أبا محمد اليازوري قال للخليفة المستنصر - وهو يومئذ يتقلّد وظيفة قاضي القضاة، وقد قصر النّيل في سنة أربع وأربعين وأربع مائة، ولم يكن بالمخازن السّلطانيّة غلال فاشتدت المسغبة -: يا أمير المؤمنين، إنّ المتجر الذي يقام بالغلّة فيه أوفى مضرّة على المسلمين وربّما انحطّ (¬d) السّعر من مشتراها، ولا يمكن

стр. 1460

بيعها، فتتغيّر في المخازن وتتلف. وأنّه يقام متجر لا كلفة فيه على النّاس، ويفيد أضعاف فائدة الغلّة، ولا يخشى عليه من تغيّر في المخازن ولا انحطاط سعر، وهو الخشب والصّابون والحديد والرّصاص والعسل وما أشبه ذلك. فأمضى الخليفة ما رآه، واستمرّ ذلك، ودام الرّخاء على النّاس وتوسّعوا (١). ذكر المناظر التي كانت للخلفاء الفاطميّين ومواضع نزههم وما كان لهم فيها من أمور جميلة وكان للخلفاء الفاطميين مناظر كثيرة بالقاهرة ومصر والرّوضة والقرافة وبركة الحبش وظواهر القاهرة، وكانت لهم عدّة متنزّهات أيضا. فمن مناظرهم التي بالقاهرة: منظرة الجامع الأزهر، ومنظرة اللّؤلؤة على الخليج، ومنظرة الدّكّة، ومنظرة المقس، ومنظرة باب الفتوح، ومنظرة البعل، ومنظرة التّاج والخمس وجوه، ومنظرة الصّناعة بمصر، ودار الملك ومنازل العزّ والهودج بالرّوضة، ومنظرة بركة الحبش والأندلس بالقرافة، وقبّة الهواء، ومنظرة السّكّرة. وكان من متنزّهاتهم: كسر خليج أبي المنجّا، وقصر الورد بالخرقانيّة، وبركة الجبّ. منظرة الجامع الأزهر وكان بجوار الجامع الأزهر من قبليه منظرة تشرف على الجامع الأزهر (٢) يجلس الخليفة فيها لمشاهدة ليالي الوقود. ذكر ليالي الوقود - قال (¬a) الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد (¬a) المسبّحيّ في (¬a) «تاريخه الكبير»، ومنه نقلت (¬a): شهر رجب من سنة ثمانين وثلاث مائة وفيه - يعني خرج

стр. 1461

النّاس في لياليه، على رسمهم في ليالي الجمع وليلة النّصف، إلى جامع القاهرة - يعني الجامع الأزهر - عوضا عن القرافة، وزيد فيه في الوقيد على حافات الجامع وحول صحنه التّنانير والقناديل والشّمع على الرّسم في كلّ سنة، والأطعمة والحلوى والبخور في مجامر الذّهب والفضّة وطيف بها. وحضر القاضي محمد بن النّعمان في ليلة النّصف في المقصورة (¬a) ومعه شهوده و (¬b) جماعة من (¬b) وجوه البلد، وقدّمت إليه سلال الحلوى والطّعام، وجلس بين يديه القرّاء وغيرهم والمنشدون والنّاحة. وأقام إلى نصف الليل، وانصرف إلى داره بعد أن قدّم إلى من معه أطعمة من عنده وبخّرهم. وقال في شعبان: وكان النّاس في كلّ ليلة جمعة وليلة النّصف، على مثل ما كانوا عليه في رجب وأزيد. قال (¬c): وفي ليلة النّصف من شعبان كان/ للنّاس جمع عظيم بجامع القاهرة من الفقهاء والقرّاء والمنشدين، وحضر القاضي محمّد بن النّعمان في جميع شهوده ووجوه البلد، ووقدت التّنانير والمصابيح على سطح الجامع ودور صحنه، ووضع الشّمع على المقصورة وفي مجالس العلماء، وحمل إليهم العزيز باللّه الأطعمة والحلوى والبخور، فكان جمعا عظيما (١). قال: وفي شهر رجب سنة اثنتين وأربع مائة قطع الرّسم الجاري من الخبز والحلوى الذي يقام في هذه الثلاثة الأشهر لمن يبيت بجامع القاهرة في ليالي الجمع والأنصاف، وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي إلى جامع القاهرة ليلة النّصف من رجب، واجتمع النّاس بالقرافة على ما جرت به رسومهم من كثرة اللعب والمزاح (¬d) (٢). روى الفاكهي في كتاب «[تاريخ] (¬e) مكّة» أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان يصيح في أهل مكّة ويقول: يا أهل مكّة أوقدوا ليلة هلال المحرّم، فأوضحوا فجاجكم لحاجّ بيت اللّه، واحرسوهم ليلة هلال المحرّم حتى يصبحوا. وكان الأمر على ذلك بمكّة في هذه الليلة حتى كانت ولاية عبد اللّه بن محمد بن داود على مكّة، فأمر النّاس أن يوقدوا ليلة هلال رجب، فيحرسوا

стр. 1462

عمّار أهل اليمن، ففعلوا ذلك في ولايته، ثم تركوه بعد (١). وفي ليلة النصف من رجب سنة خمس عشرة وأربع مائة، حضر الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبو هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه ومعه السّيّدات، وخدم الخاصّة وغيرهم وسائر العامّة والرّعايا، فجلس الخليفة في المنظرة (٢). وكان في ليلة شعبان أيضا اجتماع لم يشهد مثله من أيام العزيز باللّه، وأوقدت المساجد كلّها أحسن وقيد، وكان مشهدا عظيما بعد عهد الناس بمثله (٣)، لأنّ الحاكم بأمر اللّه كان أبطل ذلك فانقطع عمله. وقال ابن المأمون: ولمّا كانت ليلة مستهلّ رجب - يعني من سنة ستّ عشرة وخمس مائة - عملت الأسمطة الجاري بها العادة، وجلس الخليفة الآمر بأحكام اللّه عليها، والأجلّ المأمون الوزير ومن جرت عادته بين يديه. وأظهر الخليفة من المسرّة والانشراح ما لم تجر به عادته، وبالغ في شكر وزيره وإطرائه، وقال: قد أعدت لدولتي بهجتها، وجدّدت فيها من المحاسن ما لم يكن، وقد أخذت الأيّام نصيبها من ذلك، وبقيت اللّيالي - وقد كان بها مواسم قد زال حكمها، وكان فيها توسعة وبرّ ونفقات - وهي «ليالي الوقود الأربع»، وقد آن وقتهنّ، فأشتهي نظرهنّ. فامتثل الأمر، وتقدّم بأن يحمل إلى القاضي خمسون دينارا يصرفها في ثمن الشّمع وأن يعتمد الرّكوب في الأربع اللّيالي - وهي ليلة مستهلّ رجب، وليلة نصفه، وليلة مستهلّ شعبان، وليلة نصفه - وأن يتقدّم إلى جميع الشّهود بأن يركبوا صحبته، وأن يطلق للجوامع والمساجد توسعة في الزّيت برسم الوقود، ويتقدّم إلى متولّي بيت المال بأن يهتم برسم هذه اللّيالي من أصناف الحلاوات، ممّا يجب برسم القصور ودار الوزارة خاصّة (٤). وقال: في سنة سبع عشرة وخمس مائة وفي اللّيلة التي صبيحتها مستهلّ رجب، حضر القاضي أبو الحجّاج يوسف بن أيّوب المغربي (٥)، ووقّع له بما استجدّ إطلاقه في العام الماضي، وهو

стр. 1463

خمسون دينارا من بيت المال لابتياع الشّمع برسم أوّل ليلة رجب. واستدعى ما هو برسم (¬a) الخليفة وجهاته ووزيره ممّا يصنع بالإيوان وهي عدّة أصناف وكذلك (¬a) ما هو برسم القعبتين (¬b): إحداهما للقصور (¬c)، والأخرى للدّار المأمونية - بحكم الصّيام من مستهلّ رجب إلى سلخ رمضان - ممّا يصنع في دار الفطرة خشكنانج صغير وبسندود، في كلّ يوم قنطار سكر ومثقالان مسكا وديناران مؤونة. وكان يطلق في الأربع ليالي الوقود - برسم الجوامع الستة: الأزهر والأنور والأقمر بالقاهرة والطّولوني والعتيق بمصر، وجامع القرافة، والمشاهد التي تضمّنت الأعضاء الشّريفة (١)، وبعض

стр. 1464

المساجد التي لأربابها وجاهة - جملة كبيرة من الزّيت الطّيّب، ويختص بجامع راشدة، وجامع ساحل الغلّة بمصر (١)، والجامع بالمقس، يسير (٢). قال: ولقد حدّثني القاضي المكين بن حيدرة - وهو من أعيان الشّهود - أنّ من جملة الخدم التي كانت بيده مشارفة الجامع العتيق، وأنّ القومة بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود بمدّة إلى أن يكملوا ثمانية عشر ألف فتيلة، وأنّ المطلق برسمه خاصّة، في كلّ ليلة برسم وقوده، أحد عشر قنطارا ونصف قنطار زيت طيّب (٣). وذكر ركوب القاضي والشّهود في الليلة المذكورة على جاري العادة قال: وتوجّه الوزير المأمون يوم الجمعة ثاني الشهر بموكبه إلى مشهد السّيّدة نفيسة وما بعده من المشاهد، ثم إلى جامع القرافة، وبعده إلى الجامع العتيق بمصر. وقد عمّ معروفه جميع الضّعفاء وقومة المساجد والمشاهد، وصلّى الجمعة. وعند انقضاء الصّلاة، أحضر إليه الشّريف الخطيب المصحف الذي بخطّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ فوقّع بإطلاق ألف دينار من ماله، وأن يصاغ عليه فوق الحلية (¬a) الفضّة حلية ذهب، وكتب عليه اسمه. وفي الخامس عشر من الشهر المذكور ليلة الوقود، جرى الحال في ركوب القاضي وشهوده على التّرتيب الذي تقدّم في أوّل الشهر. ولمّا وصل إلى الجامع وجده قد عبّئ في الرّواق الذي عن يمين الخارج منه، سماط كعك وخشكنانج وحلوى، فجلس عليه بشهوده،/ ونهبه الفقراء والمساكين، وتوجّه بعده إلى ما سواه من جامع القرافة وغيره، فوجد في رواق الجامع المذكور سماطا مثل السّماط المذكور، فاعتمد فيه على ما ذكر. وله أيضا رسم صدقة في هذا النصف للفقراء وأهل الرّبط، ممّا يفرّقه القاضي، عشرة دنانير (¬b) وخمس مائة - درهم، ولمسجد الفتح وغيره تسعة دنانير (¬b) يفرّقها القاضي (٤). وقال ابن الطّوير: إذا مضى النّصف من جمادى الآخرة - وكان عدده عندهم تسعة وعشرين يوما - أمر أن يسبك في خزائن دار أفتكين ستّون شمعة، وزن كلّ شمعة منها سدس قنطار

стр. 1465

بالمصري، وحملت إلى دار قاضي القضاة لركوب ليلة مستهلّ رجب. فإذا كان بعد صلاة العصر من ذلك اليوم اهتم الشّهود أيضا، فمنهم من يركب بثلاث شمعات إلى اثنتين إلى واحدة. ويمضي أهل مصر منهم إلى القاهرة، فيصلّون المغرب في الجوامع والمساجد، ثم ينتظرون ركوب القاضي؛ فيركب من داره بهيئته وأمامه الشّمع المحمول إليه موقودا مع المندوبين لذلك من الفرّاشين من الطّبقة السّفلى، من كلّ جانب ثلاثون شمعة، وبينهما المؤذّنون بالجوامع يذكرون اللّه تعالى، ويدعون للخليفة والوزير بترتيب مقدّر محفوظ (١). ويندب في حجبته ثلاثة من نوّاب الباب، وعشرة من الحجّاب، خارجا عن حجّاب الحكم المستقرّين وعدّتهم خمسة في زيّ الأمراء، وفي ركابه القرّاء يطرّبون بالقراءة، والشّهود وراءه على التّرتيب في جلوسهم بمجلس الحكم الأقدم فالأقدم، وحوالي كلّ واحد ما له من شمع؛ فيشقّون من أوّل شارع فيه دار القاضي إلى بين القصرين، وقد اجتمع من العالم في وقت جوازهم ما لا يحصى كثرة رجالا ونساء وصبيانا؛ بحيث لا يعرف الرّئيس من المرءوس وهو مارّ إلى أن يأتي هو والشّهود باب الزّمرّد من أبواب القصر في الرّحبة الوسيعة تحت المنظرة العالية في السّعة العظيمة من الرّحبة المذكورة، وهي التي تقابل درب قراصيا. فيحضر صاحب الباب ووالي القاهرة والقرّاء والخطباء - كما شرحنا في المواليد السّتّة (٢) - ويترجّلون تحتها ريثما يجلس الخليفة فيها وبين يديه شمع ويبين شخصه، ويحضر بين يديه الخطباء الثلاثة ويخطبون كالمواليد، ويذكرون استهلال رجب وأنّ هذا الرّكوب علامته، ثم يسلّم الأستاذ من الطّاقة الأخرى استفتاحا وانصرافا كما ذكرنا. ثم يركب النّاس إلى دار الوزارة، فيدخل القاضي والشّهود إلى الوزير فيجلس لهم في مجلسه ويسلّمون عليه، ويخطب الخطباء أيضا بأخفّ من مقام الخليفة، ويدعون له ويخرجون عنه، فيشقّ القاضي والجماعة القاهرة، وينزل على باب كلّ جامع بها ويصلّي ركعتين؛ ثم يخرج من باب زويلة طالبا مصر بغير نظام، ووالي القاهرة في خدمة القوم (¬a)، مستكثرا من الأعوان والحفظة

стр. 1466

في الطّرقات إلى جامع ابن طولون، فيدخل القاضي إليه للصّلاة فيجد والي مصر عنده للقاء القوم وخدمتهم، فيدخل المشاهد التي في طريقه أيضا. فإذا وصل إلى باب مصر ترتّب كما ترتّب في القاهرة، وصار شاقّا الشّارع الأعظم إلى باب الجامع من الزّيادة التي يحكم فيها، فيوقد له التّنّور الفضّة الذي كان معلّقا فيه، وكان مليحا في شكله وتعليقه غير منافر في الطّول والعرض، واسع التّدوير، فيه عشر مناطق في كلّ منطقة مائة وعشرون بزاقة، وفيه سروات بارزة مثل النّخيل، في كلّ واحدة عدّة بزاقات، تقرب عدّة ذلك من ثلاث مائة، ومعلّق بدائر سفله مائة قنديل نجومية. ويخرج من الجامع (¬a) فإن كان ساكنا بمصر استقرّ بها، وإن كان ساكنا بالقاهرة وقف له والي القاهرة بجامع ابن طولون، فيودّعه والي مصر، ويسير معه والي القاهرة إلى داره. فإذا مضى من رجب أربعة عشر يوما، ركب ليلة الخامس عشر كذلك، وفيه زيادة طلوعه - بعد صلاته بجامع مصر - إلى القرافة ليصلّي في جامعها، والنّاس يجتمعون له لينظروه ومن معه في كلّ مكان، ولا يملّون من ذلك. فإذا انقضت هذه الليلة، استدعي منه الشّمع ليكمل نقصه (¬b)، حتى يركب به في أوّل شعبان ونصفه على الهيئة المذكورة، والأسواق معمورة بالحلواء، ويتفرّغ النّاس لذلك هذه الأربع اللّيالي (١). منظرة اللّؤلؤة وكان للخلفاء الفاطميين منظرة - تعرف بقصر اللّؤلؤة، وبمنظرة اللّؤلؤة - على الخليج بالقرب من باب القنطرة. وكان قصرا من أحسن القصور وأعظمها زخرفة، وهو أحد متنزّهات الدّنيا المذكورة، فإنّه كان يشرف من شرقيه على البستان الكافوري، ويطلّ من غربيه على الخليج (٢). وكان غربيّ الخليج إذ ذاك ليس فيه من المباني شيء، وإنّما كان فيه بساتين عظيمة وبركة تعرف

стр. 1467

ببطن البقرة، فيرى الجالس في قصر اللّؤلؤة جميع أرض الطّبّالة وسائر أرض اللّوق وما هو من قبليها، ويرى بحر النّيل من وراء البساتين. قال ابن ميسّر: هذه المنظرة بناها العزيز باللّه، ولمّا ولي برجوان وزارة الحاكم بأمر اللّه، بعد أمين الدّولة ابن عمّار الكتاميّ، سكن بمنظرة اللّؤلؤة في جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة إلى أن قتل (١). وفي السّادس والعشرين من ربيع الآخر سنة اثنتين وأربع مائة، أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم اللّؤلؤة ونهبها، فهدمت ونهبت وبيع ما فيها. وقال المسبّحي/: وفي سادس عشري ربيع الآخر - يعني سنة اثنتين وأربع مائة - أمر الحاكم بأمر اللّه بهدم الموضع المعروف باللّؤلؤة على الخليج موازاة المقس، وأمر بنهب أنقاضه، فنهبت كلّها، ثم قبض على من وجد عنده شيء من نهب أنقاض اللّؤلؤة واعتقلوا (٢). وقال ابن المأمون: ولمّا وقع الاهتمام بسكن اللّؤلؤة والمقام فيها مدّة النّيل على الحكم الأوّل - يعني قبل وزارة أمير الجيوش بدر وابنه الأفضل - أمر بإزالة ما لم تكن العادة جارية به من مضايقتها بالبناء (٣). ولمّا بدت زيادة النّيل، وعوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه على السّكن باللّؤلؤة، أمر الأجلّ الوزير المأمون بأخذ جماعة الفرّاشين، الموقوفين برسم خدمتها، بالمبيت بها على سبيل الحراسة لا على سبيل السّكن بها، (¬a) ثم أحضر وكيله أبا البركات محمد بن عثمان وأمره أن يمضي إلى داري الفلك والذّهب اللتين على شاطئ الخليج ويصلح ما فسد منهما ويضيف إليهما دار الشّابورة (¬a). وعند ما بلغ النّيل ستة عشر ذراعا أمر بإخراج الخيم؛ وعند ما قارب النّيل الوفاء تحوّل الخليفة في اللّيل من قصوره، بجميع جهاته وإخوته وأعمامه والسّيّدات كرائمه وعمّاته، إلى اللّؤلؤة، وتحوّل المأمون إلى دار الذّهب (٤)، وأسكن الشّيخ أبا الحسن محمد بن أبي أسامة الغزالة على شاطئ

стр. 1468

الخليج (١)، (¬a) ولم يسكن أحد قبله فيها ممّن يجري مجراه ولا كانت إلاّ سكن الأمير أبو القاسم ابن الإمام المستنصر والد الخليفة الحافظ (¬a)، وسكن حسام الملك صاحب (¬b) الباب داره على الخليج. وأمر متولّي المعونة (٢) أن يكشف الآدرّ المطلّة على الخليج قبلي اللّؤلؤة، ولا يمكّن أحدا من السّكن في شيء منها إلاّ من كان له ملك، ومن كان ساكنا بالأجرة ينقل، ويقام بالأجرة لربّ الملك ليسكن بها حواشي الخليفة مدّة سنة. وقرّر من التوسعة في النّفقات، وما يكون برسم المستخدمين في المبيتات، وما يختصّ برواتب القصور مدّة المقام في اللّؤلؤة في أيام النّيل، مياومة من الغنم والحيوان وجميع الأصناف، وهي جملة كبيرة. وأمر متولّي الباب أن يندب في كلّ يوم (¬c) حاجبا وثلاثين من صبيان الرّكاب إلى مسجد الليمونة قبلي اللّؤلؤة ويطلق لهم في كلّ يوم (¬c) خروف شواء وقنطار خبز. وكذلك جميع الدّروب من بحريها (¬d)، ويطلق لهم برسم الغداء مثل ذلك، وتكون نوبة دائرة بينهم، وبقيّة مستخدمي الرّكاب ملازمون لأبواب القصر على رسمهم، وفي يومي الرّكوب يجتمعون للخدمة إلاّ من هو في نوبته فيما رسم له. وأمر متولّي زمّ (¬e) المماليك الخاصّ أن يكونوا بأجمعهم حيث يكون الخليفة، وفي اللّيل يبيت منهم عدّة برسم الخدمة تحت اللّؤلؤة، ولهم في كلّ يوم مثل ما تقدّم. والرّهجيّة تقسم قسمين: أحدهما على أبواب القصور، والآخر على أبواب اللّؤلؤة، وأصحاب الضّوء مثل ذلك. وقرّر للجماعة المقدّم ذكرها في اللّيل، عن رسم المبيت وعن ثمن الوقود، ما يخرج إليهم مختوما بأسماء كلّ منهم. ويعرضهم متولّي الباب في كلّ ليلة بنفسه عند رواحه وعوده. وكذلك ما يختصّ بدار الذّهب من الحرس عليها من باب سعادة ومن باب الخوخة، ولهم رسوم كما تقدّم

стр. 1469

لغيرهم، والمتفرّجون يخرجون كلّ ليلة للنّرهة عليهم، ويقيمون إلى بعض اللّيل حتى ينصرفوا، من غير خروج في شيء من ذلك عمّا يوجبه الشّرع. وفي يومي السّلام يمضي الخليفة من قصوره بحيث لا يراه إلاّ أستاذوه وخواصّه، إلى قاعة الذّهب من القصر الكبير الشّرقي ويحضر الوزير على عادته إليه ويكون السّلام بها عليه (¬a) على مستمرّ العادة، والأسمطة بها في يومي الاثنين والخميس، وتكون الرّكوبات من اللّؤلؤة في يومي السّبت والثّلاثاء إلى المتنزّهات (١). وقال في سنة سبع عشرة وخمس مائة: ولمّا جرى النّيل وبلغ خمسة عشر ذراعا، أمر بإخراج جميع (¬b) الخيام والمضارب الدّبيقي والدّيباج، وتحوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى اللّؤلؤة بحاشيته (٢). وأطلقت التّوسعة في كلّ يوم لما يخصّ الخاصّ والجهات والأستاذين من جميع الأصناف. وانضاف إليها ما يطلق كلّ ليلة عينا وورقا وأطعمة للبيّاتين بالنّوبة برسم الحرس بالنّهار والسّهر في طول الليل، من باب قنطرة بهادر (¬c) إلى مسجد اللّيمونة، من البرّين (¬d) من صبيان الخاصّ والرّكاب والرّهجيّة والسّودان والحجّاب، كلّ طائفة بنقيبها. والعرض من متولّي الباب واقع بالعدة في طرفي كل ليلة، ولا يمكّن بعضهم بعضا من المنام، والرّهجيّة تخدم على الدّوام (٣). وتحوّل الوزير المأمون إلى دار الذّهب، وأطلقت التّوسعة، والحال في إطلاق الأسمطة لهم في اللّيل والنّهار مستمرّ. وقال ابن عبد الظّاهر: المنظرة المعروفة باللّؤلؤة على برّ الخليج، بناها الظّاهر لإعزاز دين اللّه بن الحاكم - يعني بعد ما هدمها أبوه الحاكم - وكانت معدّة لنزهة الخلفاء، وكان التّوصّل إليها من القصر - يعني القصر الغربيّ - من باب مراد (٤). وأظنّه، فيما ذكره لي علم الدّين بن ممّاتي الورّاق، أنّه شاهد في كتب دار ابن كوخيا العتيقة أنّه بابها.

стр. 1470

وكانت عادة الخلفاء أن يقيموا بها أيام النّيل؛ ولمّا حصل التّوهّم من النّزاريّة والحشيشيّة قلّ (¬a) تصرفّهم - لا سيّما إليها (¬b) لصغر سنّ الخليفة وقلّة حواشيه - وأمر بسدّ باب مراد المذكور - الذي يتوصّل منه إلى الكافوري وإلى اللّؤلؤة - وأسكن في بعضها فرّاشون (¬c) لحفظها. فإذا كان في صبيحة كسر الخليج، استؤذن الأفضل بن أمير الجيوش في فتح باب مراد، الذي يتوصّل منه إلى اللّؤلؤة وغيرها، فيفتح ويروح الخليفة ليتفرّج هو وأهله من النّساء، ثم يعود ويسدّ الباب، هذا إلى آخر أيام الأفضل. فلمّا روجع (¬d) الوزير المأمون في ذلك سارع/ إليه، فأصلحت وأزيل ما كان أنشئ قبالتها على ما سيذكر في مكانه إن شاء اللّه (١)، انتهى. ومات بقصر اللّؤلؤة من خلفاء الفاطميين الآمر بأحكام اللّه، والحافظ لدين اللّه، والفائز؛ وحملوا إلى القصر الكبير الشّرقي من السّراديب (٢). ولمّا قدم نجم الدّين أيّوب بن شاذي من الشّام على ولده صلاح الدّين يوسف، وخرج الخليفة العاضد لدين اللّه إلى لقائه بصحراء الهليلج بآخر الحسينيّة عند مسجد تبر و (¬e)، أكرم غاية الإكرام (¬e)، أنزل بمنظرة اللّؤلؤة، فسكنها حتى مات في سنة سبع وستين وخمس مائة. واتّفق أن حضر يوما عنده الفقيه نجم الدّين عمارة اليمنى، والرّضى أبو سالم يحيى الأحدب بن أبي حصينة (٣) الشّاعر في قصر اللّؤلؤة بعد موت الخليفة العاضد، فأنشد ابن أبي حصينة نجم الدّين أيّوب فقال (٤): [البسيط] يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا … منها وما كان منها لم يكن طرفا قد عجّل اللّه هذي الدّار تسكنها … وقد أعدّ لك الجنّات والغرفا تشرّفت بك عمّن كان يسكنها … فالبس بها العزّ ولتلبس بك الشّرفا كانوا بها صدفا والدّار لؤلؤة … وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا

стр. 1471

فقال الفقيه عمارة يرّد عليه (١): [البسيط] أثمت يا من هجا السّادات والخلفا … وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا جعلتهم صدفا حلّوا بلؤلؤة … والعرف ما زال سكنى اللّؤلؤ الصّدفا وإنّما هي دار حلّ جوهرهم … فيها وشفّ فأسناها الذي وصفا فقال لؤلؤة عجبا ببهجتها … وكونها حوت الأشراف والشّرفا فهم بسكنائها (¬a) الآيات إذ سكنوا … فيها ومن قبلها قد أسكنوا الصّحفا والجوهر الفرد نور ليس يعرفه … من البريّة إلاّ كلّ من عرفا لولا تجسّمهم فيه لكان على … ضعف البصائر للأبصار مختطفا فالكلب يا كلب أسنى منك مكرمة … لأنّ فيه حفاظا دائما ووفا فللّه درّ عمارة، لقد قام بحقّ الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته! لا جرم أنّه قتل في حبّ (¬b) من يهوى كما هي سنّة المحبّين، فاللّه يرحمه ويتجاوز عنه (٢). منظرة الغزالة وكان بجوار منظرة اللّؤلؤة منظرة تعرف بالغزالة على شاطئ الخليج، تقابل حمّام ابن قرقة، وقد خربت هذه المنظرة أيضا، وموضعها الآن تجاه باب جامع ابن المغربي (٣) الذي من ناحية الخليج. وقد خربت أيضا حمّام ابن قرقة، وصار موضعها فندقا بجوار حمّام السّلطان (٤) التي هناك يعرف بفندق عماد. وموضع منظرة الغزالة اليوم ربع يعرف بربع غزالة، إلى جانب قنطرة الموسكي في الحدّ الشرقي (٥). وكان يسكن بهذه المنظرة الأمير أبو القاسم بن المستنصر والد الحافظ لدين اللّه، ثم سكنها أبو الحسن بن أبي أسامة كاتب الدّست، وكان بعد ذلك ينزلها من يتولّى

стр. 1472

الخدمة في الطّراز أيام الخلفاء (١). قال ابن المأمون، لمّا ذكر تحوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى اللّؤلؤة: وأسكن الشّيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة، كاتب الدّست، الغزالة التي على شاطئ الخليج، ولم يسكن أحد قبله فيها ممّن يجري مجراه، ولا كانت إلاّ سكن الأمير أبي القاسم ولد المستنصر والد الإمام الحافظ (٢). قال: وأمّا تذكرة الطّراز فالحكم فيها مثل الإستيمار (٣)، والشّائع فيها أنّها كانت تشتمل في الأيام الأفضليّة على أحد وثلاثين ألف دينار، فمن ذلك السّلف خاصّة خمسة عشر ألف دينار، قيمة الذّهب العراقي، والمصري ستة عشر ألف دينار. ثم اشتملت في الأيام المأمونية على ثلاثة وأربعين ألف دينار، وتضاعفت في الأيام الآمريّة (٤). وقال ابن الطّوير: الخدمة في الطّراز وينعت بالطّراز الشّريف (٥)، ولا يتولاّه إلاّ أعيان

стр. 1473

المستخدمين من أرباب العمائم أو السّيوف، وله اختصاص بالخليفة دون كافّة المستخدمين، ومقامه بدمياط وتنّيس وغيرهما، وجاريه أمير الجواري، وبين يديه من المندوبين مائة رجل لتنفيذ الاستعمالات بالقرى، وله عشارى ديماس مجرّد معه، وثلاثة مراكب من الدّكّاسات (١)، ولها رؤساء ونواتية لا يبرحون، ونفقاتهم جارية من مال الدّيوان. فإذا وصل بالاستعمالات الخاصّة التي منها: المظلّة وبدلتها والبدنة (٢) واللّباس الخاصّ الجمعي وغيره، لقي (¬a) بكرامة عظيمة، وندب له دابّة من مراكيب الخليفة لا تزال تحته حتى يعود إلى خدمته، وينزل في «الغزالة» على شاطئ الخليج - وكانت من المناظر السّلطانية، وجدّدها شجاع (¬b) بن شاور - ولو كان لصاحب الطّراز في القاهرة عشر دور لا يمكّن من نزوله إلاّ بالغزالة، وتجري عليه الضّيافة كالغرباء الواردين على الدّولة. فيمثل (¬c)/ بين يدي الخليفة بعد حمل الأسفاط المشدودة على تلك الكساوي العظيمة، ويعرض جميع ما معه، وهو ينبّه على شيء فشيء بيد فرّاشي الخاصّ في دار الخليفة مكان سكنه، ولهذا حرمة عظيمة، ولا سيّما إذا وافق استعماله غرضهم. فإذا انقضى عرض ذلك بالمدرج الذي يحضره، سلّم لمستخدمي خزائن (¬d) الكسوات، وخلع عليه بين يدي الخليفة باطنا، ولا يخلع على أحد كذلك سواه، ثم ينكفئ إلى مكانه.

стр. 1474

وله في بعض الأوقات التي لا يتّسع له فيها (¬a) الانفصال «نائب» يعمل عنه بذلك غير غريب منه، ولا يمكن أن يكون إلاّ ولدا أو أخا، فإنّ الرّتبة عظيمة، والمطلق له من الجامكيّة في الشهر سبعون دينارا، ولهذا «النّائب» عشرون دينارا؛ لأنّه يتولّى ذلك (¬a) عنه إذا وصل بنفسه، ويقوم إذا غاب في الاستعمال مقامه. ومن أدواته أنّه إذا عبّأ ذلك في الأسفاط، استدعى والي ذلك المكان ليشاهده عند ذلك، ويكون النّاس كلّهم قياما لحلول نفس المظلّة وما يليها من خاصّ الخليفة في مجلس دار الطّراز، وهو جالس في مرتبته، والوالي واقف على رأسه خدمة لذلك. وهذا من رسوم خدمته وميزتها (١). دار الذّهب وكان بجوار الغزالة دار الذّهب، وموضعها الآن على يسرة الخارج من باب الخوخة فيما بينه وبين باب سعادة، وكانت مطلّة على الخليج، وفي مكانها اليوم دار تعرف ببهادر الأعسر (٢). وبقي منها عقد بجوار دار الأعسر، يعرف الآن بقبو الذّهب، من خطّ (¬b) بين السّورين (٣). قال ابن المأمون لمّا ذكر تحوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى اللّؤلؤة: ثم أحضر الوزير المأمون وكيله أبا البركات محمد بن عثمان، وأمره أن يمضي إلى داري الفلك والذّهب اللتين على شاطئ الخليج - فالدّار الأولى التي من حيّز باب الخوخة، بناها فلك الملك - وذكر أنّه من الأستاذين الحاكميّة - ولم تكن تعرف إلاّ بدار الفلك. ولمّا بنى الأفضل بن أمير الجيوش الدّار الملاصقة لها التي من حيّز باب سعادة، وسمّاها بدار الذّهب، غلب الاسم على الدّارين - ويصلح ما فسد منهما ويضيف إليهما دار الشّابورة (٤). وذكر أنّ هذه الدّار لم تسمّ بهذا الاسم إلاّ لأنّ جزءا منها بيع في أيام الشّدّة في زمن المستنصر بشابورة حلواء (¬a).

стр. 1475

قال: وعند ما قارب النّيل الوفاء تحوّل الخليفة في الليل من قصوره بجميع جهاته وإخوته وأعمامه والسّيّدات كرائمه وعمّاته، إلى اللّؤلؤة، وتحوّل الأجلّ المأمون بالأجلاّء أولاده إلى دار الذّهب وما أضيف إليها (١). وقال ابن عبد الظّاهر: دار الذّهب بناها الأفضل بن أمير الجيوش، وكانت عادة الأفضل أن يستريح بها إذا كان الخليفة باللّؤلؤة يكون هو بدار الذّهب، وكذلك كان المأمون من بعده. وكان حرس دار الذّهب يسلّم للوزيرية: من باب سعادة يسلّم لهم، ومن باب الخوخة للمصامدة أرباب الشّعور وصبيان الخاصّ. وكان المقرّر لهم في كلّ يوم سماطين: أحدهما بقاعة الفلك للمماليك الخاصّ والحاشية وأرباب الرّسوم، والآخر على باب الدّار برسم المصامدة، حتى إنّه من اختار ورأى أنّه يجلس معهم على السّماط لا يمنع، والضّعفاء والصّعاليك يقعدون بعدهم، وفي أوّل الليل بمثل ذلك. ولكلّ منهم رسم لجميع من يبيت من أرباب الضّوء إلى الأعلى (٢). منظرة السّكّرة (¬a) وكان من جملة مناظر الخلفاء، منظرة تعرف بمنظرة السّكّرة في برّ الخليج الغربي، يجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج، وكان لها بستان عظيم، بناها العزيز باللّه بن المعزّ. وقد دثرت هذه المنظرة، ويشبه أن يكون موضعها في المكان الذي يقال له اليوم المريس (٣) قريبا من قنطرة السّدّ.
следующие страницы →