فقال الفقيه عمارة يرّد عليه (١):
[البسيط]
أثمت يا من هجا السّادات والخلفا … وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا
جعلتهم صدفا حلّوا بلؤلؤة … والعرف ما زال سكنى اللّؤلؤ الصّدفا
وإنّما هي دار حلّ جوهرهم … فيها وشفّ فأسناها الذي وصفا
فقال لؤلؤة عجبا ببهجتها … وكونها حوت الأشراف والشّرفا
فهم بسكنائها (¬a) الآيات إذ سكنوا … فيها ومن قبلها قد أسكنوا الصّحفا
والجوهر الفرد نور ليس يعرفه … من البريّة إلاّ كلّ من عرفا
لولا تجسّمهم فيه لكان على … ضعف البصائر للأبصار مختطفا
فالكلب يا كلب أسنى منك مكرمة … لأنّ فيه حفاظا دائما ووفا
فللّه درّ عمارة، لقد قام بحقّ الوفاء، ووفّى بحسن الحفاظ كما هي عادته! لا جرم أنّه قتل في حبّ (¬b) من يهوى كما هي سنّة المحبّين، فاللّه يرحمه ويتجاوز عنه (٢).
منظرة الغزالة
وكان بجوار منظرة اللّؤلؤة منظرة تعرف بالغزالة على شاطئ الخليج، تقابل حمّام ابن قرقة، وقد خربت هذه المنظرة أيضا، وموضعها الآن تجاه باب جامع ابن المغربي (٣) الذي من ناحية الخليج. وقد خربت أيضا حمّام ابن قرقة، وصار موضعها فندقا بجوار حمّام السّلطان (٤) التي هناك يعرف بفندق عماد. وموضع منظرة الغزالة اليوم ربع يعرف بربع غزالة، إلى جانب قنطرة الموسكي في الحدّ الشرقي (٥).
وكان يسكن بهذه المنظرة الأمير أبو القاسم بن المستنصر والد الحافظ لدين اللّه، ثم سكنها أبو الحسن بن أبي أسامة كاتب الدّست، وكان بعد ذلك ينزلها من يتولّى
стр. 1472
الخدمة في الطّراز أيام الخلفاء (١).
قال ابن المأمون، لمّا ذكر تحوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى اللّؤلؤة: وأسكن الشّيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة، كاتب الدّست، الغزالة التي على شاطئ الخليج، ولم يسكن أحد قبله فيها ممّن يجري مجراه، ولا كانت إلاّ سكن الأمير أبي القاسم ولد المستنصر والد الإمام الحافظ (٢).
قال: وأمّا تذكرة الطّراز فالحكم فيها مثل الإستيمار (٣)، والشّائع فيها أنّها كانت تشتمل في الأيام الأفضليّة على أحد وثلاثين ألف دينار، فمن ذلك السّلف خاصّة خمسة عشر ألف دينار، قيمة الذّهب العراقي، والمصري ستة عشر ألف دينار. ثم اشتملت في الأيام المأمونية على ثلاثة وأربعين ألف دينار، وتضاعفت في الأيام الآمريّة (٤).
وقال ابن الطّوير: الخدمة في الطّراز وينعت بالطّراز الشّريف (٥)، ولا يتولاّه إلاّ أعيان
стр. 1473
المستخدمين من أرباب العمائم أو السّيوف، وله اختصاص بالخليفة دون كافّة المستخدمين، ومقامه بدمياط وتنّيس وغيرهما، وجاريه أمير الجواري، وبين يديه من المندوبين مائة رجل لتنفيذ الاستعمالات بالقرى، وله عشارى ديماس مجرّد معه، وثلاثة مراكب من الدّكّاسات (١)، ولها رؤساء ونواتية لا يبرحون، ونفقاتهم جارية من مال الدّيوان.
فإذا وصل بالاستعمالات الخاصّة التي منها: المظلّة وبدلتها والبدنة (٢) واللّباس الخاصّ الجمعي وغيره، لقي (¬a) بكرامة عظيمة، وندب له دابّة من مراكيب الخليفة لا تزال تحته حتى يعود إلى خدمته، وينزل في «الغزالة» على شاطئ الخليج - وكانت من المناظر السّلطانية، وجدّدها شجاع (¬b) بن شاور - ولو كان لصاحب الطّراز في القاهرة عشر دور لا يمكّن من نزوله إلاّ بالغزالة، وتجري عليه الضّيافة كالغرباء الواردين على الدّولة. فيمثل (¬c)/ بين يدي الخليفة بعد حمل الأسفاط المشدودة على تلك الكساوي العظيمة، ويعرض جميع ما معه، وهو ينبّه على شيء فشيء بيد فرّاشي الخاصّ في دار الخليفة مكان سكنه، ولهذا حرمة عظيمة، ولا سيّما إذا وافق استعماله غرضهم. فإذا انقضى عرض ذلك بالمدرج الذي يحضره، سلّم لمستخدمي خزائن (¬d) الكسوات، وخلع عليه بين يدي الخليفة باطنا، ولا يخلع على أحد كذلك سواه، ثم ينكفئ إلى مكانه.
стр. 1474
وله في بعض الأوقات التي لا يتّسع له فيها (¬a) الانفصال «نائب» يعمل عنه بذلك غير غريب منه، ولا يمكن أن يكون إلاّ ولدا أو أخا، فإنّ الرّتبة عظيمة، والمطلق له من الجامكيّة في الشهر سبعون دينارا، ولهذا «النّائب» عشرون دينارا؛ لأنّه يتولّى ذلك (¬a) عنه إذا وصل بنفسه، ويقوم إذا غاب في الاستعمال مقامه.
ومن أدواته أنّه إذا عبّأ ذلك في الأسفاط، استدعى والي ذلك المكان ليشاهده عند ذلك، ويكون النّاس كلّهم قياما لحلول نفس المظلّة وما يليها من خاصّ الخليفة في مجلس دار الطّراز، وهو جالس في مرتبته، والوالي واقف على رأسه خدمة لذلك. وهذا من رسوم خدمته وميزتها (١).
دار الذّهب
وكان بجوار الغزالة دار الذّهب، وموضعها الآن على يسرة الخارج من باب الخوخة فيما بينه وبين باب سعادة، وكانت مطلّة على الخليج، وفي مكانها اليوم دار تعرف ببهادر الأعسر (٢).
وبقي منها عقد بجوار دار الأعسر، يعرف الآن بقبو الذّهب، من خطّ (¬b) بين السّورين (٣).
قال ابن المأمون لمّا ذكر تحوّل الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى اللّؤلؤة: ثم أحضر الوزير المأمون وكيله أبا البركات محمد بن عثمان، وأمره أن يمضي إلى داري الفلك والذّهب اللتين على شاطئ الخليج - فالدّار الأولى التي من حيّز باب الخوخة، بناها فلك الملك - وذكر أنّه من الأستاذين الحاكميّة - ولم تكن تعرف إلاّ بدار الفلك. ولمّا بنى الأفضل بن أمير الجيوش الدّار الملاصقة لها التي من حيّز باب سعادة، وسمّاها بدار الذّهب، غلب الاسم على الدّارين - ويصلح ما فسد منهما ويضيف إليهما دار الشّابورة (٤). وذكر أنّ هذه الدّار لم تسمّ بهذا الاسم إلاّ لأنّ جزءا منها بيع في أيام الشّدّة في زمن المستنصر بشابورة حلواء (¬a).
стр. 1475
قال: وعند ما قارب النّيل الوفاء تحوّل الخليفة في الليل من قصوره بجميع جهاته وإخوته وأعمامه والسّيّدات كرائمه وعمّاته، إلى اللّؤلؤة، وتحوّل الأجلّ المأمون بالأجلاّء أولاده إلى دار الذّهب وما أضيف إليها (١).
وقال ابن عبد الظّاهر: دار الذّهب بناها الأفضل بن أمير الجيوش، وكانت عادة الأفضل أن يستريح بها إذا كان الخليفة باللّؤلؤة يكون هو بدار الذّهب، وكذلك كان المأمون من بعده.
وكان حرس دار الذّهب يسلّم للوزيرية: من باب سعادة يسلّم لهم، ومن باب الخوخة للمصامدة أرباب الشّعور وصبيان الخاصّ. وكان المقرّر لهم في كلّ يوم سماطين: أحدهما بقاعة الفلك للمماليك الخاصّ والحاشية وأرباب الرّسوم، والآخر على باب الدّار برسم المصامدة، حتى إنّه من اختار ورأى أنّه يجلس معهم على السّماط لا يمنع، والضّعفاء والصّعاليك يقعدون بعدهم، وفي أوّل الليل بمثل ذلك. ولكلّ منهم رسم لجميع من يبيت من أرباب الضّوء إلى الأعلى (٢).
منظرة السّكّرة (¬a)
وكان من جملة مناظر الخلفاء، منظرة تعرف بمنظرة السّكّرة في برّ الخليج الغربي، يجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج، وكان لها بستان عظيم، بناها العزيز باللّه بن المعزّ.
وقد دثرت هذه المنظرة، ويشبه أن يكون موضعها في المكان الذي يقال له اليوم المريس (٣) قريبا من قنطرة السّدّ.
стр. 1476
وكانت السّكّرة من جنّات الدّنيا المزخرفة، وفيها عدّة أماكن معدّة لنزول الوزير وغيره من الأستاذين.
ذكر ما كان يعمل يوم فتح الخليج -
قال ابن زولاق في كتاب «سيرة المعزّ لدين اللّه»: وفي ذي القعدة - يعني من سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وهي السنة التي قدم فيها الخليفة المعزّ لدين اللّه إلى القاهرة من بلاد المغرب - ركب المعزّ لدين اللّه ﵇ لكسر خليج القنطرة، فكسر بين يديه. ثم سار على شاطئ النّيل حتى بلغ إلى بني وائل، ومرّ على سطح الجرف في موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل الدّولة، ومعه أبو جعفر أحمد بن نصر يسير معه، ويعرّفه بالمواضع التي يجتاز عليها، وتجمّعت (¬a) له الرّعيّة بالدّعاء؛ ثم عطف على بركة الحبش، ثم على الصّحراء على الخندق الذي حفره القائد جوهر، ومرّ على قبر كافور (١) وعلى قبر عبد اللّه بن أحمد بن طباطبا الحسني (٢) وعرّف (¬b) به، ثم عاد إلى قصره.
стр. 1477
وذكر الأمير المسبّحيّ في «تاريخه الكبير» ركوب العزيز باللّه بن المعزّ، وركوب الحاكم بأمر اللّه بن العزيز، وركوب الظّاهر لإعزاز دين اللّه بن الحاكم، في كلّ سنة لفتح الخليج (١).
وقال ابن المأمون في سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وعند ما بلغ النّيل ستة عشر ذراعا، أمر بإخراج الخيم، وأن يضرب الثّوب الكبير الأفضلي المعروف ب «القاتول» - وهو أعظم ما في الحاصل (٢) - بأربعة دهاليز/ وأربع قاعات خارجا عن القاعة الكبيرة، ومساحته على ما ذكر ألف ألف ذراع وأربع مائة ذراع (٣) بالذّراع الكبير خارجا عن سرادقه، وعمود القاعة الكبيرة منه ارتفاعه خمسون ذراعا.
ولمّا كمل استعماله في أيام الأفضل ونصب، تأذّى منه جماعة ومات رجلان، فسمّي ب «القاتول» لأجل ذلك. وما صار (¬a) يضرب إلاّ بحضور المهندسين، وتنصب له أساقيل عدّة بأخشاب كثيرة، والمستخدمون يكرهون ضربه ويرغبون في ضرب أحد الثّوبين الجيوشيين، وإن كانا عظيمين إلاّ أنّهما لا يصلان بجملتهما إلى مقايسته ولا مئونته ولا صنعته، وأقام هذا الثّوب في الاستعمال عدّة سنين مع جمع الصّنّاع عليه، وما يضرب منه سوى القاعدة الكبرى (¬b) لا غير والأربعة الدّهاليز وبعض السّرادق الذي هو سوّر عليه، لضيق المكان الذي يضرب فيه، وكونه لا يسعه بجملته (٤).
قال: ولمّا (¬c) وصلت كسوة موسم فتح الخليج، وهي ما يختصّ بالخليفة وأخيه وبعض جهاته
стр. 1478
والوزير. فأمّا ما يختصّ بالخليفة خاصّة فبدلة، شرحها: بدنة طميم، منديل سلفه مائة وعشرون دينارا، أحد طرفيه ثلاثة عشر ذراعا ذهبا عراقيّا دمجا لوحا واحدا، والثاني ثلاثة أذرع سلفه أربعة وعشرون دينارا. ثوب طميم سلفه خمسون دينارا، والذّهب الذي في الثّوب والمنديل والحنك ألف دينار وخمسة دنانير. فتكون جملتها بالسّلف ألف دينار ومائة وخمسة وسبعون دينارا.
شاشيّة طميم للسّلف ديناران وسبعون قصبة ذهبا عراقيّا، فتكون جملة سلفها وقيمة ذهبها ثمانية دنانير. منديل سلام سلفه ديناران وسبعون قصبة، قيمته كذلك. وسط برسم المنديل بخوص ذهب سلفه اثنا عشر دينارا وسبعون قصبة، قيمة ذلك عشرون دينارا. شقّة دبيقي وسطاني حريري، السّلف اثنا عشر دينارا. غلالة دبيقي حريري السّلف عشرة دنانير.
منديل كمّ مذهّب السّلف خمسة دنانير ومائتا قصبة وأربع قصبات ذهبا عراقيّا، قيمة ذلك خمسة وعشرون دينارا، منديل كمّ ثان حريرى خمسة دنانير، حجزه (¬a) أربعة دنانير، عرضي لفافة خاصّ خمسة دنانير وستة عشر مثقالا ذهبا مصرية، فيكون سلفه وذهبه خمسة وعشرين دينارا، عرضي ثان برسم تغطية التّخت دينار واحد ونصف.
تخت ثان ضمنه بدلة خاص حريري برسم العود من السّكّرة، شرحها: منديل حريري سلفه ستون دينارا، وسط شرب رسمه اثنا عشر دينارا، شقّة دبيقي وكمّ عشرون دينارا، شقّة وسطاني اثنا عشر دينارا، غلالة خمسة عشر دينارا، غلالة عشرة دنانير، منديل سلام ديناران، منديل كمّ خمسة دنانير، منديل كمّ ثان أيضا خمسة دنانير، شاشيّة حريري ديناران، حجزه (¬a) أربعة دنانير، عرضي لفافة خمسة دنانير، عرضي ثان برسم لفافة التّخت دينار واحد ونصف.
قال: ورأيت شاهدا أنّ قيمة كلّ حلّة من هذه الحلل وسلفها إذا كانت حريري ثلاث مائة وستة دنانير، وإذا كانت مذهّبة ألف دينار. واختصر ما باسم أبي الفضل جعفر أخي الخليفة وأربع جهات.
وأمّا ما يختصّ بالوزير فبدلة مذهّبة شرحها: منديل سلفه سبعون دينارا وخمس مائة وسبعون قصبة عراقي، جملة سلفه وذهبه مائشة وأربعة عشر دينارا، شقّة دبيقي وكمّ السّلف ستة عشر دينارا وثمانية وعشرون مثقالا ذهبا عاليا، يكون جملة ذلك خمسين دينارا، نصف شقّة دبيقى
стр. 1479
(¬a) للعجز ثلاثة دنانير، شقّة دبيقي (¬a) وسطاني اثنا عشر دينارا، ونصف شقّة وسطاني برسم العود ثلاثة دنانير، غلالة دبيقي سبعة دنانير، ونصف شقّة برسم الغلالة ديناران، ونصف منديل كمّ سبعة دنانير واثنا عشر مثقالا ذهبا، تكون قيمته تسعة عشر دينارا، حجزه (¬b) ثلاثة دنانير، عرضي أربعة دنانير وأحد عشر مثقالا، تكون سلفه وذهبه سبعة عشر دينارا.
ثم ذكر بعد ذلك ما يكون لجهة الوزير، وما يكون برسم صبيان الحمّام، وما يفصّل برسم المماليك الخاصّ صبيان الرّايات والرّماح: خمس مائة شقّة سقلاطون داري تكون قيمتها سبع مائة وخمسين قباء، يحمل منها برسم غلمان الوزير مائة قباء، ويفرّق جميع ذلك.
قال: ولم يكن لأحد من الأصحاب والحواشي وغيرهم في هذا الموسم شيء فيذكر، بل لهم من الهبات العين والرّسوم الخارجة عن ذلك ما يأتي ذكره في موضعه.
وفي صبيحة هذا الموسم خلع على ابن أبي الرّدّاد (١) وعلى رؤساء المراكب وغيرهم، وحمل إلى المقياس - برسم المبيت، وركوب الخليفة بتجمّله ومواكبه إلى السّكّرة (¬c) - ما فصّله وبيّنه ممّا يطول ذكره.
وقال في سنة سبع عشرة وخمس مائة: ولمّا جرى النّيل وبلغ خمسة عشر ذراعا، أمر بإخراج الخيام والمضارب الدّبيقي والدّيباج، وتحوّل الخليفة إلى اللّؤلؤة بحاشيته، وتحوّل المأمون إلى دار الذّهب.
ووصلت كسوة الموسم المذكور من الطّراز، وإن كانت يسيرة العدّة فهي كثيرة القيمة، ولم تكن للعموم من الحاشية والمستخدمين، بل للخليفة خاصّة وإخوانة وأربع من خواصّ جهاته والوزير وأولاده وابن أبي الرّدّاد.
стр. 1480
فلمّا وفّى النّيل ستة عشر ذراعا، ركب الخليفة والوزير إلى الصّناعة بمصر، ورميت العشاريات بين أيديهما، ثم عدّيا في إحداها إلى المقياس وصلّيا، ونزل الفقيه (¬a) صدقة ابن أبي/ الرّدّاد منزلته وخلّق العمود (١).
وعاد الخليفة على فوره، وركب البحر في العشاري الفضّي والوزير صحبته، والرّهجيّة تخدم برّا وبحرا، والعساكر طول البرّ قبالته إلى أن وصل إلى المقس.
ورتّب الموكب، وقدم العشاري للخليفة (¬b) الآمر بأحكام اللّه والوزير المأمون، وسار الموكب والرّهجيّة تخدم والصّدقات والرّسوم تفرّق، ودخل من باب القنطرة وقصد باب العيد، واعتمد ما جرت به العادة من تقديم الوزير وترجّله في ركابه إلى أن دخل من باب العيد إلى قصره.
وتقدّم بالخلع على ابن أبي الرّدّاد: بدلة مذهّبة، وثوب دبيقي حريري، وطيلسان مقوّر بياض مذهب، وشقّة سقلاطون، وشقّة عتّابي (¬c)، وشقّة خزّ، وشقّة دبيقي، وأربعة أكياس دراهم.
ونشرت قدّامه الأعلام الخاصّ الدّبيقي المجاومة بالألوان المختلفة التي لا ترى إلاّ قدّامه لأنّها من جملة تجمّل الخليفة، وأطلق له برسم المبيت من البخور والشّموع والأغنام والحلاوات كثير.
و (¬d) ذكر من التّجمّلات وترتيب العساكر في الرّكوب ونزول الخليفة بالسّكّرة إلى أن كسر الخليج ما قد اختصرنا ذكره (¬d)
قال: وهيّئت المقصورة في منظرة السّكّرة برسم راحة الخليفة وتغيير ثيابه (٢)، وقد وقعت المبالغة في تعليقها وفرشها وتعبئتها، وقدّم بين يديه الصّواني الذّهب التي وقع التناهي فيها من همم الجهات، من أشكال الصّور الآدميّة والوحشيّة من الفيلة والزّرافات ونحوها، المعمولة من الذّهب والفضّة والعنبر والمرسين المشدود والمظفور عليها، المكلّل باللّؤلؤ والياقوت والزّبرجد، ومن (¬e) الصّور الوحشيّة ما يشبه الفيلة جميعها عنبر معجون كخلقة الفيل، وناباه فضّة وعيناه جوهرتان كبيرتان في كلّ منهما مسمار ذهب مجرى بسواد (¬f)، وعليه سرير منجور من عود بمتكآت فضّة وذهب، وفيه (¬g) عدّة من الرجال ركبان، وعليهم اللّبوس تشبه الزّرديات، وعلى
стр. 1481
رءوسهم الخوذ، وبأيديهم السّيوف المجرّدة والدّرق، وجميع ذلك فضّة. ثم شبه (¬a) صور السّباع منجورة من عود، وعيناه ياقوتتان حمراوان وهو على فريسته، وبقية الوحش (¬b) وأصناف تشدّ من المرسين المكلّل باللّؤلؤ شبه الفاكهة.
قال: ومن جملة ما وقع الاهتمام به في هذا الموسم ما صار يستعمل في الطّراز، وإن لم يتقدّم نظيره للولائم التي تتّخذ برسم تغطية الصّواني، عدّة من عراضي دبيقي، ثم قوّارات شرب تكون من تحت العراضي على الصّواني، مفتح كلّ قوّارة منهن دور (¬c) أربعة أشبار، سلف كلّ واحدة منهن خمسة عشر دينارا، ورقم في كلّ منهن سجف ذهب عراقي ثمنه من أربعين إلى ثلاثين دينارا، تكون الواحدة بخمسين دينارا.
ويستعمل أيضا برسم الطّرح، من فوق القوّارات الإسكندراني التي تشدّ على الموائد التي تحمل من عند كلّ جهة، قوّارات دبيقي مقصور من كل كلّ لون مجاومة بالرّقوم الحريري، مفتح كلّ قوّارة أربعة أذرع، يكون الثّمن عن كلّ واحدة أربعين دينارا.
ولقد بيعت عدّة من القوّارات الشّرب، فسارع التّجّار العراقيون إلى شرائها، ونهاية ما بلغ ثمن كلّ واحدة منهن ستة عشر دينارا، وسافروا بها إلى البلاد، فلم يبع لهم منها سوى اثنتين، وعادوا بالبقيّة إلى الديار المصرية في سنة ستّ وثمانين وخمس مائة (١) وحملوا (¬d) منهن شيئا عن السّوق فلم يحفظ لهم رأس مالهنّ.
قال: وكان ما تقدّم من الزّبادي في الطّيافير من الصّيني إلى آخر أيام الأفضل بن أمير الجيوش وأيام المأمون، وإنما استجدّت الأواني الذّهب في أواخر الأيام الآمرية. والذي يعبّأ بين يدي الخليفة قوائميّة ضمنها عدّة من الطّيافير المحمولة بالمرافع الفضّة برسم الأطباق الحارّة.
وليس في المواسم مائدة بغير سماط للأمراء ويجلس عليها الخليفة، غير هذا الموسم. وإن كان يجري مجرى الأعياد، وله البخور مطلق مثلها، وينفرد بالجلوس معه الجلساء المميّزون والمستخدمون. وعند كمال تعبئتها وبخورها جلس الخليفة عليها، عن يمينه وزيره، وعن يساره
стр. 1482
أخوه ومن شرف بحضوره؛ وفي آخرها فرّق منها ما جرت به العادة على سبيل البركة (١).
وقال في سنة ثمان عشرة وخمس مائة: ووصلت الكسوة المختصّة بفتح الخليج، وهي برسم الخليفة تختان ضمنهما بدلتان: إحداهما منديلها وثوبها طميم برسم المضيّ، والأخرى جميعها حريري برسم العود. وكذلك ما يخصّ إخوته وجهاته بدلتان مذهّبتان، وأربع حلل مذهّبة. وبرسم الوزير بدلة موكبية مذهّبة. وبرسم جهته حلّة مذهّبة في تخت. وهؤلاء المميّزون لكلّ منهم تخت، وبقيّة ما يخصّ المستخدمين وابن أبي الرّدّاد في تخوت، كلّ تخت فيه عدّة بدلات.
وحضر متولّى الدّفتر، واستأذن على ما يحمل برسم الخليفة، وما يفرّق وما يفصّل برسم الخلع، وما يخرج من حاصل الخزائن غير الواصل، وهو ما يفصّل برسم الغلمان الخاصّ عن سبع مائة قباء خمس مائة وشقّتان سقلاطون داري، وبرسم رؤساء العشاري من الشّقق الدّمياطي والمناديل السّوسي والفوط الحرير الحمر (¬a)، وبرسم النّواتية التي برسم الخاصّ من العشاريّة من الشّقق الإسكندراني والكلّوتات.
فوقّع بإنفاق جميع ذلك وتفصيل ما يجب منه، ثم ابتيع ذلك بمطالعة ثانية، برسم ما هو مستمرّ العموم من الهبة (¬b) العين والورق للموسم المذكور، وهو من العين أربعة آلاف وخمس مائة/ دينار، ومن الورق خمسة عشر ألف درهم. فوقعّ بإطلاق ذلك. وذكر تفصيل الكسوات والهبات بأسماء أربابها.
وحضر متولّي المائدة الآمرية بمطالعة يستدعي ما جرت به العادة في هذا الموسم من الحيوان والضّأن والبقر، وغير ذلك من الأصناف، برسم التفرقة والأسمطة. وحضر متولّي دار التّعبئة يستدعي ما يبتاع به الثّمرة والزّهرة وهبة (¬c) المتعيّنين لتعبئة السّكّرة، لأجل حلول الرّكاب بها ومقامه فيها، وتعبئة جميع مقاصيرها التي برسم الأستاذين والأصحاب والحواشي، وهو مائة دينار، فوقّع بإطلاقها.
وفي العاشر من الشهر المذكور - يعني شهر رجب - وفّى النّيل ستة عشر ذراعا، فتوجّه المأمون إلى صناعة العمائر بمصر، ورميت العشاريّات بين يديه، وقد جدّدت وزيّنت جميعها بالسّتور
стр. 1483
الدّبيقي الملوّنة والكوابج (¬a) والأهلّة الذّهب والفضّة، وشمل بالإنعام (¬b) أرباب الرّسوم على عادتهم.
وعدّى في إحدى العشاريات إلى المقياس، وخلّق العمود بما جرت به عادته (¬c) من الطّيب (١)، وفرّقت رسوم الإطلاق، وانكفأ إلى دار الذّهب، وأمر بإطلاق ما يخصّ المبيت في المقياس بجميع الشّهود والمتصدّرين وهي العشرات: من الخبز عشرة قناطير، وعشرة خراف شوي، وعشر جامات حلوى، وعشر شمعات.
وأوّل من يحضر المبيت الشّريف الخطيب سيّد المقرّبين وإمام المتصدّرين، وله وللجماعة من الدّراهم التي تفرّق أوفى نصيب.
قال: وخرج الخليفة بزيّ الخلافة ووقارها وناموسها: بالثّياب الطّميم التي تذهل الأبصار، والمنديل بالشّدّة الغريبة (¬d) التي ينفرد بلباسها في الأعياد والمواسم خاصّة لا على الدّوام - وكانت تسمّى عندهم «شدّة الوقار» (٢) - مرصّعة بغالي الياقوت والزّمرّد والجوهر؛ وعند لباسها (¬e) يتحقّق لها الاسم (¬e) ويتجنّب الكلام ويهاب، ولا يكون سلام قريب منه وجليل غير الوزير إلاّ تقبيل الأرض من بعيد من غير دنو، ثم بين يديه من مقدّمي خزائنه من يحمل سيفه ورمحه المرصّعين بأفخر ما يكون، ثم المذابّ التي كلّ منها عمودها ذهب وينفرد بحملها الصّقالبة.
ويمشي بين الصّفّين المرتّبين راجلا على بسط حرير فرشت له، وكلّ من الصّفّين يتناهى في مواصلة تقبيل الأرض، إلى أن وصل إلى مجلس خلافته، وصعد على الكرسي المغشّى بالدّيباج المنصوب برسم ركوبه. وقد صفّت الرّوّاض وأزمّة الإسطبلات خيل المظلّة بعد أن أزالت الأغشية الحرير والشّقق الدّبيقي المذهّبة عن السّروج، وبقيت كما وصفها اللّه تعالى في كتابه (٣)، فقدّم إليه ما وقع اختياره عليه، وأمر بأن تجنّب البقيّة في الموكب بين يديه.
ولمّا علا ما قدّم إليه استفتح مقرئو الحضرة، وتسلّم جميع مقدّم الرّكاب ركابه والرّوّاض الشّكيمة، وزال حكم الأستاذين المستخدمين في الرّكاب وعادت الموالي والأقارب إلى محالّهم،
стр. 1484
واستدعي بالوزير بجميع نعوته، فواصل تقبيل الأرض إلى أن قبّل ركابه، وشرّفه بتقبيل يده بحكم خلوّها من قضيب الملك في هذا الموسم (¬a).
ولمّا أدّى ما يجب من فرض السّلام، أخذ السّيف من الأمير افتخار الدّولة - أحد الأمراء الأستاذين المميّزين المحنّكين - متولّي خزانة الكسوة الخاصّ، وسلّمه بعد أن قبّله لأخيه الذي يتولّى حمله في الموكب بعد أن أرخيت عذبته تشريفا له مدّة حمله خاصّة وترفع بعد ذلك، وشدّ وسطه بالمنطقة الذّهب تأدّبا وتعظيما لما معه، وسلّم الرّمح والدّرقة لمن يتولّى حملها بلواء الموكب. ولم يكن للخدمة المذكورة عذبة مرخاة ولا منطقة. واستدعى ركوب الوزير وأولاده من عند باب قاعة الذّهب.
وخرج الخليفة من القاعة المذكورة إلى أوّل دهليز، فتلقّته جماعة صبيان ركابه العشرة المقدّمين أرباب الميمنة والميسرة، وصبيان وراء صبيان الرّسائل، وصبيان السّلام، كلّ منهم في الخدمة المعيّنة لا يخرج عنها لسواها، وجميعهم بالمناديل الشّروب المعلّمة، وبأوساطهم العراضي الدّبيقي المقصورة، وليس الجميع عبيدا بشراء ولا سودان، بل مولّدة وأولاد أعيان وأهل فهم ولسان.
ثم احتاط بركابه بعدهم من هو على غير زيّهم، بل بالقنادير (¬b) المفرّجة والمناديل السّوسي، وهم المتولّون لحمل السّلاح الخاصّ - الذي لا يكون إلاّ في موكبه خاصّة على الاستمرار - من الصّواري والفريجيّات والدّبابيس واللّتوت والصّماصم بالدّرق الصّيني واليمنى بالكوابج (¬c) الفضّة والذّهب.
ويحصل الاستدعاء من صبيان السّلام في مسافة الدّهاليز، لكلّ من هو مستخدم في الموكب ركوبه من محلّ حجبته إلى أن خرج الخليفة من باب الذّهب، وقد ضربت الغريبة (١) وأبواق السّلام، واجتمع الرّهج من كلّ مكان، ونشرت المظلّة، فاجتمع إليها الزّويليّة بالعدد الغريبة، وظلّل بها عليه وسارت بسيره، والقرآن الكريم عن يمينه ويساره، والحجريّة الصّبيان المنشدون.
واجتمع الموكب بجملته على ما ذكر أوّلا، والترتيب أمامه لمتولّى الباب وحجّابه وتلوه لمتولّى السّتر، وكلّ منهم على حكم المدارج التي وصلت إليه، لا سبيل إلى الخروج عمّا رسم فيها.
стр. 1485
وسار بجملة موكبه على ترتيب أوضاعه بين حصنين مانعين من طوارق عساكره فارسها وراجلها/ كلّ طائفة يقدمها زمامها، وقد ازدحموا في المصفّات بالعدد المذهّبة الحربية والآلات المانعة المضيئة، وليس بينهم طريق لسالك؛ وقد زيّن لهم جميع ما يكون تلوهم (¬a) من الطّرق جميعها، حوانيتها وآدرّها وجميع مساكنها وأبواب حاراتها، بأنواع من السّتور والدّيباج والدّبيقي على اختلاف أجناسها، ثم بأصناف السّلاح.
وملأت النّظّارة الفجاج والبطاح والوهاد والرّبى، والصّدقات والرّسوم تعمّ أهل الجانبين من أرباب الجوامع والمساجد، وبوّابي الأبواب والسّقّائين والفقراء والمساكين في طول الطريق، إلى أن أطلّ على الخيام المنصورة (¬b) فوقف بموكبه، واستدعى الوزير بعدّة (¬c) من مقدّمي ركابه، فاجتاز راكبا بمفرده، وجميع (¬d) حاشيته بسلاحهم رجّالة في ركابه، بعد أن بالغ في الإيماء بتقبيل الأرض أمامه، فردّ عليه بكمّه (¬e) السّلام.
وعاد الخليفة في سيره بالموكب بعد أن حصل الوزير أمامه، وترجّل جميع من شرف بحجبته في ركابه وآخرهم متولّى حمل سيفه ورمحه، وصبيان السّلام يستدعون كلاّ (¬f) منهم إلى تقبيل الأرض بجميع نعوته؛ إكبارا له وتمييزا واحتاطوا بركابه، ووصل إلى المضارب في الحرس الشديد على أبوابها وسرادقاتها من كلّ جانب، وقد تبيّن وجاهة من حصل بها ومكّن من الدّخول إليها.
وترجّل الوزير في الدّهليز الثّالث من دهاليزها، وتقدّم إلى الخليفة وأخذ شكيمة الفرس من يد الرّوّاض، وشقّ به الخيام التي جمعت جميع الصّور الآدمية والوحشية، وقد فرشت جميعها بالبسط الجهرمي والأندلسي (¬g)، إلى أن وصل إلى القاعة الكبرى فيها. وترجّل على سرير خلافته، وجلس في محلّ عظمته، وأجلس وزيره على الكرسي الذي أعدّ له، واحتاط المستخدمون حملة السّلاح المنتصب جميعه، وحجبوا العيون عن النّظر إليه، وصفّ بين يديه الأمراء والضّيوف والمشرّفون بحجبته، وختم المقرئون القرآن العظيم، وقدّم عديّ الملك النّائب شعراء المجلس على طبقاتهم.
وعند انقضاء خدمة آخرهم، عادت المستخدمون والرّوّاض مقدّمة ما أمروا به من الدّواب، فعلاه الخليفة والوزير يمسك الشّكيمة بيده، وانتظم موكبا عظيما، والقرّاء عوض الرّهجيّة،
стр. 1486
والجماعة في ركابه رجّالة على حكم ما كانوا عليه أوّلا، وصعد من القاعة التي (¬a) دهاليز الباب القبلي فيها (¬b)، فخرج منه، وانفصلت خدمة جميع الأمراء والضّيوف من ركابه بأحسن وداع من تقبيل الأرض.
وصعد الخليفة ووزيره وأولاده وإخوته والأصحاب والحواشي إلى السّكّرة - وهي من جنّات الدنيا المزخرفة - وتلقّاه أخوه بعظمة سلامه وتقبيل الأرض بين يديه، وجلس لوقته، وفتحت الطاقات التي في المنظرة، وعن يمينه وزيره وعن يساره أخوه جالسان، واعتمد النّاس جميعهم عند مشاهدته تقبيل الأرض له وإدامة النّظر نحوه. والمستخدمون جميعهم على السّدّ مشدود والأوساط واقفون عليه، فلمّا أمرهم الوزير أن يكسروه، قبّلوا الأرض جميعا وانصرفوا عنه، وتولّته الفعلة في البساتين السّلطانية بالفتح من الجانبين، والقرآن والتّكبير من الجانب الغربي حيث الخليفة، والرّهج واللّعب من الجانب الشرقي (١).
ولمّا كمل فتحه انحدرت العشاريّات منه عن آخرهم (¬c)، اللّطيف منها يقدم الكبير، والجميع مزيّنة بالذّهب والفضّة والسّتور المرقومة، ورؤساؤهم وخدّامهم بالكسوات الجميلة.
وبعد ذلك غلّقت الطاقات، وحلّ الخليفة بالمقصورة التي لراحته، وكذلك الوزير وأولاده وإخوته، وجميع الأمراء الأستاذين والأصحاب والحواشي. واستدعي للوقت والي مصر من البرّ الشّرقي، وخلع عليه بدلة منديلها وثوبها مذهّبان، وثوبان عتّابي وسقلاطون، وقبّل الأرض من تحت المنظرة، وعدّى في البحر إلى حفظ مكانه. ثم استدعي بعده حامي البساتين ومشارفها، فخلع عليهما بدلتين حريري وثوبين سقلاطون وعتّابي. ثم متولّى ديوان العمائر كذلك (٢)، ثم مقدّمي الرّؤساء كذلك.
واعتمد كلّ من سلّم إليه الإثباتات المشتملة على أصناف الإنعام من العين والورق وصواني الفطرة (¬d)، والموائد التي يهتمّ بها جميع الجهات، والخراف الشّواء (¬e)، والجامات الحلوى، تفرقة ذلك على ما رسم، وهو شامل غير مخصّص: من أخي الخليفة والوزير، إلى الأصحاب
стр. 1487
والحواشي من أرباب السّيوف والأقلام، ثم الأمراء الغير مستخدمين (¬a) والضّيوف المميّزين من الأجناد، وغيرهم من الأدوان ممّن يتعلّق به خدمة تختصّ بالموسم من البحّارة، وأرباب اللّعب وغيرهم.
وعبّئت الأسمطة في المسطّحات المنصوبة لها بالجانب من الباب الغربي من الخيام، وأمر الوزير أخاه بالمضيّ إليها والجلوس عليها، فتوجّه وبين يديه متولّى حجبة الباب ونوّابه والمعروفية والحجّاب، واستدعيت الأمراء والضّيوف بالسّعاة (¬b) من خيامهم، وأجلس كلّ منهم على السّماط في موضعه على عادتهم، وتلاهم العساكر على طبقاتهم، ولم يمنع حضورهم ما يسير لكلّ منهم من جميع ما ذكر على حكم ميزته.
ولمّا انقضى حكم الأسمطة المختصّة بالأمراء الكبار، عاد أخو الوزير إلى حيث مقرّ الخلافة، وبقي متولّى الباب/ جالسا لأسمطة العبيد وجميع المستخدمين من الرّاجل والسّودان، وعبّئت المائدة الخاصّ بالسّكّرة التي ما يحضرها إلا العوالي الخاصّ المستخدمون في الخدم الكبار، ويجمع له حالتان: حضوره في أشرف مقام، وجلوسه في محلّ تحصل له به حرمة وذمام.
وجلس الخليفة عليها، وأخوه على شماله ووزيره على يمينه، بعد أن أدّى كلّ منهما ما يجب من سلامه وتعظيمه، وحضر أولاد الوزير وإخوته، والشّيخ أبو الحسن كاتب الدّست وابنه سالم، ومن الأستاذين المحنّكين أرباب الخدم. وجرى الحال في المائدة الشّريفة على ما هو مألوف، وفرّق من جملتها لكلّ من أرباب الخدم الذين لم يحضروا عليها ما هو لكلّ منهم على سبيل الشّرف.
وتميّز في ذلك اليوم خاصّة ما يختصّ بالقاضي وشهوده والدّاعي ورجاله (¬c)، الذين يخصّصون عن سواهم بمقامهم دون غيرهم في قاعة الخيمة الكبرى أمام سرير الخلافة المنصوب مدّة النهار، مع ما يحمل إليهم من الموائد وغيرها ممّا هو بأسمائهم في الإثباتات مذكور. ولمّا تكامل وضع المائدة وانقضى حكمها قبّل كلّ من الحاضرين الأرض، وانصرف بعد أن استصحب منها ما تقتضيه نفسه على حكم الشّرف والبركة. ويقضي بعد ذلك الفرائض الواجبة في وقتها، ولا بدّ من راحة بعدها.
وحضر مقدّما الرّكاب وحاسبا كاتب الدّفتر على ما معهما برسم تفرقة الرّسوم والصّدقات في مسافة الطّريق، فكمّل لهما على ما بقي معهما مثل ما كان أوّلا. ولمّا استحق العود، عاد كلّ من
стр. 1488
المستخدمين إلى شغله من ترتيب الموكب ومصفّات العساكر، وترتيب من يشرّف بالحجبة (¬a) من الأمراء والضّيوف.
وفرّقت الصّواني الخاصّ التي تكون بين يدي الخليفة مدّة النّهار، الجامعة للثروة من كلّ جهة، والزّينة من كلّ معنى، والغربة من كلّ صنعة (¬b)؛ وقد جمعت ملاذّ جميع الحواسّ، والعدّة منها يسيرة، وليس ذلك لتقصير من همم الجهات التي تتنوّع فيها بالغرائب، بل للتّعب الشّديد عليها، ثم لضيق الزّمان، لأنّ كلاّ منها لا مندوحة أن يكون فيها زهرة وثمرة، وطول المكث كذلك يتلف ما فيها. وإذا شملت - مع قلّتها - من له الوجاهة العالية من أخي الخليفة والوزير، لم يكن له غير صينيّة واحدة.
وأخذ كلّ من الحاشية أهبة تجمّله لموضع ميزته، وغيّر الخليفة ثيابه بما يقتضيه الموكب وهو بدلة حريري بشدّة الوقار وعلم الجوهر.
وسيّر إلى الوزير، صحبه مقدّم خزانة الكسوة الخاصّ على يد المستخدمين عنده من الأستاذين، من جملة بدلات الجمع التي يتوجّه فيهن إلى ربّه (¬c) ويوم يمرّ (¬d) يسعى إليه، بدلة مكمّلة حريري ومنديلها بياض بالشّدّة الدّائمية غير الغريبة (¬e). ولمّا لبس ما سيّر إليه، وحضر بين يديه لشكر نعمته، أمره بركوب أخيه في إحدى العشاريّات، فامتثل أمره، وتوجّه صحبته من السّكّرة بجميع خواصّه وحواشيه، وفتح لهم الباب الذي هو منها بشاطئ الخليج، وقدّم له إحدى العشاريات الموكبية، وفيها مقدّم رئاسة البحرية فركب فيها بجمعه، والوزير واقف راجل على شاطئ الخليج خدمة له، إلى أن انحدرت العشاريّات جميعها قدّامه، ومراكب اللّعب بغير أحد من أرباب الرّهج، والمستخدمون في البرّين يمنعون من يقاربه، والمتفرّجون لا يصدّهم ويردّهم ما يحلّ بهم، بل يرمون أنفسهم من على الدّواب، ويسيرون بسيره.
وعاد الوزير إلى السّكّرة، فلمّا شاهد الخليفة الدّواب الخاصّ التي برسم ركوبه، أمره بما وقع عليه اختياره منها وعلاه، فاحتاط بركابه مقدّمو الرّكاب، واستفتح القرّاء، وخرج من باب السّكّرة، ودخل من باب الخيمة (¬f) القبلى وشقّ قاعتها على سرير مملكته، وخصّ بالسّلام فيها شيوخ الكتّاب العوالي والقاضي والدّاعي ومن معهما، ولهم بذلك ميزة عظيمة يختصّون بها دون
стр. 1489
غيرهم. وخرج منها إلى البستان المعروف بنزار، وسار في ميدانه وجميعه من الجانبين سور معقود من شجر نارنج أصولها مفرّقة (¬a) وفروعها مجتمعة قد (¬b) ظلّلت الطّريق، وعليها من الثّمرة التي آخر جمعها في وقته (¬c) إلى هذا اليوم، وقد خرجت بهجتها عن المعتاد، وحصل عليها ثمرة سنتين:
إحداهما انتهت، والأخرى في الابتداء. وهو بهيئته وزيّه وترتيب عساكره وأمرائه، وخرج من الباب بعد أن عمّ من له رسم بإنعامه، وعاد الرّهج والموكب على ما كان عليه، فلمّا وصل إلى السّدّ الذي على بركة المقسي (¬d) كسر بين يديه (١).
وقال في كتاب «الذّخائر»: إنّ ممّا أخرج من القصر في سنة إحدى وستين وأربع مائة في خلافة المستنصر، قبّة العشاري وفازته (¬e) وكسوة رحله. وهو ممّا استعمله الوزير أحمد بن عليّ الجرجرائي في سنة ستّ وثلاثين وأربع مائة، وكان فيه مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبع مائة درهم فضّة نقرة.
وأنّ المطلق للصّنّاع الصّاغة من أجرة ذلك وفي ثمن ذهب لطلائه خاصّة، ألفان وسبع مائة دينار.
وعمل (¬f) أبو سعد إبراهيم بن (¬f) سهل التّستري لوالدة المستنصر عشاريّا يعرف بالفضّى، وحلّى رواقه بفضّة تقديرها مائة ألف وثلاثون ألف درهم، ولزم ذلك أجرة للصّباغة (¬g) ولطلاء بعضه ألفان وأربع مائة دينار، واستعمل كسوة برسمه/ بمال جليل.
وأنفق على العشاريّات التي برسم النّزه البحرية - التي عدّتها ستة وثلاثون عشاريّا بالتقدير، بجميع آلاتها وكساها وحلاها من مناطق ورءوس منجوقات وأهلّة وصفّريات وغير ذلك - أربع مائة ألف دينار (٢).
وقال ابن الطّوير: إذ أذن اللّه بزيادة النّيل المبارك، طالع ابن أبي الرّدّاد بما استقرّ عليه أذرع القاع في اليوم الخامس والعشرين من بؤونة، وأرّخه بما يوافقه من أيام الشّهر (¬h) العربي.
فعلم ذلك من مطالعته، وأخرجت إلى ديوان المكاتبات، فنزلت في المسير المرتّب بأصل القاع، والزيادة بعد ذلك كلّ يوم مؤرّخا بيومه (¬i) من الشهر العربي، وما وافقه من أيام الشهر القبطي، لا
стр. 1490
يزال كذلك وهو محافظ على كتمان ذلك لا يعلم به أحد قبل الخليفة وبعده الوزير. فإذا انتهى في ذراع الوفاء، وهو السّادس عشر، إلى أن يبقى منه إصبع أو إصبعان، وعلم ذلك من مطالعته، أمر أن يحمل إلى المقياس في تلك الليلة من المطابخ عشرة قناطير من الخبز السّميذ، وعشرة من الخراف المشوية، وعشرة من الجامات الحلوى، وعشر شمعات.
ويؤمر بالمبيت في تلك الليلة بالمقياس، فيحضر إليه قرّاء الحضرة والمتصدّرون بالجوامع بالقاهرة ومصر، ومن يجري مجراهم. فيستعملون ذلك، ويقدون الشّمع عليهم من العشاء الآخرة، وهم يتلون القرآن برفق ويطرّبون مكان التّطريب، فيختمون الختمة الشّريفة. ويكون هذا الاجتماع في جامع المقياس (١)، فيوفّي الماء ستة عشر ذراعا في تلك اليلة.
ولوفاء النّيل عندهم قدر عظيم، ويبتهجون به ابتهاجا زائدا. وذلك لأنّه عمارة الديار، وبه التئام الخلق على فضل اللّه، فيحسن عند الخليفة موقعه، ويهتم بأموره (¬a) اهتماما عظيما أكثر من كلّ المواسم. فإذا أصبح الصّبح من هذا اليوم، وحضرت مطالعة ابن أبي الرّدّاد إليه بالوفاء، ركب إلى المقياس لتخليقه، فيستدعي الوزير على العادة فيحضر إلى القصر، فيركب الخليفة بزيّ أيام الرّكوب، من غير مظلّة ولا ما يجري مجراها بل في هيئة عظيمة من الثّياب، والوزير تابعه في الجمع الهائل على ترتيب الموكب. ويخرج شاقّا القاهرة (¬b) من باب زويلة، وسالكا الشّارع إلى آخر الرّكن من بستان عبّاس المعروف اليوم بسيف الإسلام (٢)، فيعطف سالكا على جامع ابن طولون - والجسر الأعظم بين البركتين (¬c) - إلى السّاحل بمصر، إلى الطّريق المسلوكة على طرف الخشّابين الشّرقي على دار الفاضل إلى باب الصّناعة (¬d) بجوارها - وله دهليز مادّ بمساطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا - فيشقّها والوزير تابعه، ويخرج منها منعطفا على الصّناعة (٣) الأخرى - وكانت برسم المكس - إلى السّيوفيين، ثم على منازل العزّ التي هي اليوم مدرسة (٤)،
стр. 1491
ثم إلى دار الملك (١)، فيدخل من الباب المقابل لسلوكه، فيترجّل الوزير عنده للدّخول بين يديه ماشيا إلى المكان المعدّ له. ويكون قد حمل أمس ذلك اليوم من القصر البيت المتّخذ للعشاري الخاصّ (٢). وهو بيت مثمّن من عاج وأبنوس، عرض كلّ جزء ثلاثة أذرع، وطوله قامة رجل تامّ، فيجمع بين الأجزاء الثمانية فيصير بيتا دوره أربعة وعشرون ذراعا، وعليه قبّة من خشب محكم الصّناعة، وهو وقبّته ملبّس صفائح الفضّة المذهّبة (¬a) فيتسلّمه رئيس العشاريات الخاصّ، ويركّبه على العشاري المختصّ بالخليفة، ويجعل باكر ذلك اليوم الذي يركب الخليفة فيه على الباب الذي يخرج منه للرّكوب إلى المقياس.
فإذا استقرّ الخليفة بالمنظرة بدار الملك التي يخرج من بابها إلى العشاري وأسند إليه، استدعى الوزير من مكانه، فيخضر إليه ويخرج بين يديه إلى أن يركب في العشاري، فيدخل البيت المذهّب وحده، ومعه من الأستاذين المحنّكين من يأمره من ثلاثة إلى أربعة، ثم يطلع في العشاري خواصّ الخليفة خاصّة، ورسم الوزير اثنان أو ثلاثة من خواصّه؛ وليس في العشاري من هو جالس سوى الخليفة باطنا والوزير ظاهرا في رواق من باب البيت الذّهبي (¬b) بعرانيس من الجانبين قائمة مخروطة من أخفّ الخشب، وهي مدهونة مذهّبة، وعليها من جانبيها ستور معمولة برسمها على قدرها.
فإذا اجتمع في العشاري من جرت عادته بالاجتماع، اندفع من باب القنطرة طالبا باب المقياس العالي على الدّرج التي يعلوها النّيل (¬c)، فيدخل الوزير ومعه الأستاذون بين يدي الخليفة إلى الفسقيّة، فيصلّي هو والوزير ركعات كلّ واحد بمفرده. فإذا فرغ من صلاته، أحضرت الآلة التي فيها الزّعفران والمسك، فيديفها في إناء بيده بآلة معه (¬d)، ثم (¬e) يتناولها صاحب بيت المال، فيناولها لابن أبي الرّدّاد، فيلقي نفسه في الفسقيّة وعليه غلالته وعمامته، والعمود قريب من درج الفسقيّة، فيتعلّق فيه برجليه ويده اليسرى، ويخلّقه بيده اليمنى، وقرّاء الحضرة من الجانب الآخر يقرأون القرآن نوبة بنوبة؛ ثم يخرج على فوره راكبا في العشاري المذكور، وهو بالخيار: إمّا أن
стр. 1492
يعود إلى دار الملك ويركب منها عائدا إلى القاهرة، أو ينحدر في العشاري إلى المقس فتتبعه المراكب (¬a) إلى القاهرة؛ ويكون في البحر في ذلك اليوم ألف قرقورة (١) مشحونة بالعالم فرحا/ بوفاء النّيل وبنظر الخليفة. فإذا استقرّ بالقصر اهتمّ بركوب فتح الخليج، وفيه همّة عظيمة ظاهرة للابتهاج بذلك.
ثم يصير ابن أبي الرّدّاد باكر ثاني ذلك اليوم، إلى القصر بالإيوان الكبير الذي فيه (¬b) الشّبّاك إلى باب الملك بجواره، فيجد خلعة معبّأة هناك، يؤمر بلبسها، ويخرج من باب العيد شاقّا بها بين القصرين من أوّله قصدا لإشاعة ذلك - فإنّ ذلك من علامة وفاء النّيل، ولأهل البلاد إلى ذلك تطلّع - وتكون خلعة مذهّبة.
وإذا كان من العدول المحنّكين، فيشرّف في الخلعة بالطّيلسان المقوّر، ويندب له من التّغييرات (٢) ولمن يريده خمس تغييرات مركّبات بالحليّ، ويحمل أمامه على أربع بغال مع أربعة من مستخدمي بيت المال أربعة أكياس في كلّ كيس خمس مائة درهم ظاهرة في أكفّهم، وتحجبه (¬c) أقاربه وبنو عمّه وأصدقاؤه، ويندب له الطبل والبوق، ويلتف إليه (¬d) عدة كبيرة من المتصرّفين الرجّالة. فيخرج من باب العيد، ويركب إحدى التّغييرات - وهي أميزها - وشرّف أمامه بجملين من النّقّارات التي قدّمنا ذكرها - يعني في ركوب أوّل العام - من زيّ الموكب (٣) فيسير شاقّا القاهرة، والأبواق تضرب أمامه كبارا وصغارا والطّبل وراءه مثل الأمراء، وينزل على كلّ باب يدخل منه الخليفة، ويخرج من باب القصر فيقبّله ويركب، وهكذا يعمل كلّ من يخلع عليه من كبير وصغير من الأمراء المطوّقين إلى من دونهم سيفا وقلما.
стр. 1493
ويخرج من باب زويلة طالبا مصر من الشّارع الأعظم إلى مسجد عبد اللّه (١) إلى دار الأنماط (٢)، جائزا على الجامع إلى شاطئ البحر، فيعدّى إلى المقياس بخلعه وأكياسه. وهذه الأكياس معدّة لأرباب الرّسوم عليه في خلعه ولنفسه ولبني عمّه بتقرير من أوّل الزّمان (٣).
فإذا انقضى هذا الشأن شرع في الرّكوب إلى «فتح الخليج» ثاني يوم - وقد كان وقع الاهتمام به منذ دخلت زيادة النّيل ذراع الوفاء اهتماما عظيما - فيعمل في بيت المال موائد (¬a) من التّماثيل شكل الوحوش من الغزلان والسّباع والفيلة والزّرافات عدّة وافرة: منها ما هو ملبسّ بالعنبر، ومنها ما هو ملبّس بالصّندل، ثم شكل التّفّاح والأترج اللّطاف، والوحوش مفسّرة الأعين والأعضاء بالذّهب إلى غير ذلك.
ثم تخرج الخيمة التي يقال لها: «القاتول» (٤) - لأنّ فرّاشا سقط من أعلى عمودها فمات فسمّيت بذلك - وطوله سبعون ذراعا، وأعلاه صفّرية فضّة تسع راوية ماء، وعليه الفلكة التي كانت في الإيوان إلى قريب. ثم يعمل في أوّل العمود شقّة دائرة، ثم أوسع منها، ويتوالى ذلك إلى إحدى عشرة شقّة، فتصير سعة الخيمة ما يزيد على فدّانين مستديرة، وتنصب في برّ الخليج الغربي على حافته مكان بستان المحلّى (¬b) اليوم (٥).
وكانت ثمّ منظرة يقال لها السّكّرة، برسم جلوس الخليفة لفتح الخليج في مثل هذا اليوم (٦).
وينصب أرباب الرّتب من الأمراء من بحريّ تلك الخيمة الكبرى خياما كثيرة، ويتمايزون فيها على قدر رتبهم (¬c)، وضربهم إيّاها في الأماكن الأقرب فالأقرب على قدر رتبهم.
فإذا تمّ ذلك، وعزم الخليفة على الرّكوب ثالث يوم التّخليق أو رابعه، أخرج كلّ من المستخدمين في المواضع المقدّم ذكرها - (¬d) يعني خزائن السّلاح وخزائن السّروج وغير ذلك من الخزائن - من السّلاح والمركبات الحليّ للتّغييرات وجنائب الخليفة المقدّم ذكرها (¬d) في ركوب أوّل
стр. 1494
العام و (¬a) آلات المواكب على تمامه (¬b)، ويزاد فيه إخراج أربعين بوقا، عشرة من الذّهب وثلاثون من الفضّة، ويكون بوّاقوها ركبانا، وأرباب الأبواق النّحاس مشاة، ومن الطّبول الكبار التي مكان خشبها فضّة عشرة.
فإذا حضر الوزير إلى باب القصر خرج الخليفة في هيئة عظيمة وهمّة عالية، وقد تضاعفت عدد (¬c) الأجناد في ذلك اليوم فارسها وراجلها، ويخرج زيّ الخليفة من المظلّة والسّيف والرّمح والألوية والدّواة، وغير ذلك من الأستاذين المحنّكين.
ويركب في ذلك اليوم من الأقارب المقيمين بالقصر عشرون أو ثلاثون، وهم بالنّوبة في كلّ سنة فيتقدّمون إلى المنظرة في مكان لهم صحبة أستاذين لخدمتهم وحفظهم، ويكون قد لفّ عمود الخيمة الكبرى المشار إليها إمّا بديباج أبيض أو أحمر أو أصفر من أعلاه إلى أسفله، وينصب مسندا إليه سرير الملك، ويغشّى بقرقوبى، وعرانيسه ذهب ظاهرة.
فيخرج الخليفة للرّكوب ويركب، فيخرج من باب القصر وعليه ثوب يقال له: «البدنة» (١) - وهو كلّه ذهب وحرير مرقوم، والمظلّة من شكله، ولا يلبس هذا الثّوب في غير هذا اليوم - ويسير الموكب الهائل، شاقّا القاهرة من الطّريق التي ركب منها لتخليق المقياس، إلاّ أنّه لا يدخل طرق مصر من الخشّابين، بل خارجها من طريق السّاحل. فإذا جاز على جامع ابن طولون، وجد قد ربط من رأس المنارة - من مكان العشاري النّحاس - حبلا طويلا قويّا موضوعا آخره في الطّريق، وفيه قوم يقال لهم البختيارية (٢)، واحد في زيّ فارس على شكل فرس وفي يده رمح وبكتفه درقة، فينحدر على بكرة وفي رجليه آخر ممسكها، وهو يتقلّب في الهواء بطنا وظهرا حتى يصل إلى الأرض.
ويكون قاضي القضاة وأعيان الشّهود جلوسا في باب الجامع من هذه الجهة، فإذا وازاهم الخليفة - وكانوا قد ركبوا - وقف لهم وقفة، فيسلّم على القاضي، ثم يدخل فيقبّل الرّجل التي من جانبه لا غير، ويدخل بالشّهود/ في الفرجة أمام وجه الدّابة بمقدار قصبة المساحة، فيسلّم عليهم، ويرجعون إلى دوابّهم فيركبون.
стр. 1495
ويكون قد نصب لهم بالقرب من الخيمة الكبرى خيمتان: إحداهما ديباج أحمر، والأخرى دبيقي أبيض بصفاري فضّة لكلّ واحدة، فيتم الخليفة بهيئته إلى أن يدخل من باب الخيمة، ويكون الوزير قد تقدّمه على العادة ليخدمه، فيجده راجلا على باب الخيمة، فيمشي بين يديه إلى سرير الملك؛ فينزل ويجلس على المرتبة المنصوبة فيه، ويحيط به الأستاذون المحنّكون والأمراء المطوّقون بعدهم. ويوضع للوزير الكرسي الجاري به عادته، فيجلس عليه ورجلاه تحكّ الأرض، ويقف أرباب الرّتب صافين من ناحية سرير الملك إلى ناحية الخيمة، والقرّاء يقرأون القرآن ساعة زمانية؛ فإذا ختموا قراءتهم، استأذن صاحب الباب على حضور الشّعراء للخدمة بما يطابق (¬a) هذا اليوم، فيؤمر بتقديمهم واحدا بعد واحد، ولهم منازل على مقدار أقدارهم، فالواحد يتقدّم الواحد بخطوة في الإنشاد، وهو أمر معروف عند مستخدم يقال له «النّائب» (١). وتقدّم شاعر يقال له ابن جبر (٢)، وأنشد قصيدة منها:
[الكامل]
فتح الخليج فسال منه الماء … وعلت عليه الرّاية البيضاء
فصفت موارده لنا فكأنّه … كفّ الإمام فعرفها الإعطاء
فانتقد النّاس عليه في قوله: «فسال منه الماء»، وقالوا: أيّ شيء يخرج من البحر غير الماء؟ فضيّع ما قاله بعد هذا المطلع.
وتقدّم شاعر، يقال له مسعود الدّولة بن حريز (¬b) (٣)، وأنشد:
[الكامل]
ما زال هذا السّدّ ينظر فتحه … إذن الخليفة بالنّوال المرسل
حتى إذا برز الإمام بوجهه … وسطا عليه كلّ حامل معول
فجرى كأن أديف (¬c) فيه عنبر … يعلوه كافور لطيب المندل
فانتقد (¬d) عليه أيضا قوله في البيت الثاني، وقالوا: أهلك وجه الإمام بسطوات المعاول عليه،
стр. 1496
وإن كان قصد فتح السّدّ بالمعاول، لكنّه ما نظمه إلاّ قلقا.
ثم تقدّم له شاعر شاهد يقال له كافي الدّولة أبو العبّاس أحمد، وأنشد قصيدة شهد له جماعة منهم القاضي الأثير بن سنان، أنّه (¬a) عملها بحضوره بديها:
[الكامل]
لمن اجتماع الخلق في ذا المشهد … للنّيل أم لك يابن بنت محمّد
أم لاجتماعكما معا في موطن … وافيتما فيه لأصدق موعد
ليس اجتماع الخلق إلاّ للذي … حاز الفضيلة منكما في المولد
شكروا لكلّ منكما لوفائه … بالسّعي لكن ميلهم للأجود
ولمن إذا اعتمد الوفاء ففعله … بالقصد ليس كمن لم يقصد
هذا يفي ويعود ينقص تارة … وتسدّ أنت النّقص إن لم يزدد
وقواه إن بلغ النّهاية قصّرت … وإذا بلغت إلى النّهاية تبتدي
فالآن قد ضاقت مسالك سعيه … بالسّدّ فهو به بحال مقيّد
فإذا أردت صلاحه فافتح له … لترى جنانا مخصبا وترى ندي
وأمر بفصد العرق منه فما ابتلي (¬b) … جسم فصحّ الجسم إن لم يفصد
واسلم إلى أمثال يومك هكذا … في عيش مغبوط وعزّ مخلد
فأمر له على الفور بخمسين دينارا، وخلع عليه وزيد في جارية.
ثم يقوم الخليفة عن السّرير راكبا، والوزير بين يديه، حتى يطلع على المنظرة المعروفة بالسّكّرة، وقد فرشت بالفرش المعدّة لها، فيجلس فيها، ويتهيأ أيضا للوزير مكان يجلس فيه، ويحيط بالسّد حامي البساتين ومشارفها لأنّه من حقوق خدمتها، فتفتح إحدى طاقات المنظرة، ويطلّ منها الخليفة على الخليج، وطاقة تقاربها يتطلّع منها أستاذ من الخواصّ، ويشير بالفتح فيفتح بأيدي عمّال البساتين بالمعاول، ويخدم بالطّبل والبوق من البرّين.
فإذا اعتدل الماء في الخليج، دخلت العشاريّات اللّطاف - ويقال لها السّماريّات (¬c) (١) - وكأنّها
стр. 1497
خدم بين يدي العشاريّ الذّهبيّ المقدّم ذكره، ثم العشاريّات الخاصّ الكبار (١) وهي ستّة: الذّهبيّ المذكور، والفضّي، والأحمر، والأصفر، واللاّزوردي، والصّقلّي - وكان أنشأه نجّار من رؤساء الصّناعة صقلّي، وزاد فيه على الإنشاء المعتاد فنسب إليه - وهذه العشاريّات لا تخرج عن خدمة (¬a) خاصّ الخليفة في أيام النّيل وتحوّله إلى اللّؤلؤة للفرجة، وسارت في الخليج، وعلى بيت كلّ منها السّتور الدّبيقي الملوّنة، وبرءوسها وفي أعناقها الأهلّة وقلائد من/ الخرز، فتسند إلى البرّ الذي فيه المنظرة الجالس فيها (¬b) الخليفة.
فإذا استقرّ جلوس الخليفة والوزير بالمنظرة ودخل قاضي القضاة والشّهود الخيمة الدّبيقي البيضاء، وصلت المائدة من القصر في الجانب الغربي من الخليج، على رءوس الفرّاشين صحبة صاحب المائدة، وعدّتها مائة شدّة في الطّيافير (٢) الواسعة، وعليها القوّارات الحرير، وفوقها الطّرّاحات (٣)، ولها رواء عظيم ومسك فائح، فتوضع في خيمة واسعة منصوبة لذلك. ويحمل للوزير ما هو مستقرّ له بعادة جاريه ومن صواني التّماثيل المذكورة ثلاث صوان، ويخصّص منها أيضا لأولاده وإخوته خارجا عن ذلك إكراما وافتقادا، ويحمل إلى قاضي القضاة والشّهود شدّة من الطّعام الخاصّ من غير تماثيل توقيرا للشّرع، ويحمل إلى كلّ أمير في خيمته شدّة طعام وصينية تماثيل، ويصل من ذلك إلى النّاس شيء كثير.
ولا يزالون كذلك إلى أن يؤذّن بالظّهر، فيصلّون ويقيمون إلى العصر، فإذا أذّن به صلّى، وركب الموكب كلّه لانتظار ركوب الخليفة، فيركب لابسا غير البدنة بل بهيئته، والمظلّة مناسبة لثيابه التي عليه، واليتيمة والترتيب بأجمعه على حاله. ويسير في البرّ الغربي من الخليج، شاقّا
стр. 1498
للبساتين هناك، حتى يدخل من باب القنطرة [فيعطف على يمينه ويسير] (¬a) إلى القصر، والوزير تابعه على الرّسم المعتاد، ويمرّ فيه للقوم أحسن الأيام ويمضي الوزير إلى داره مخدوما على العادة (١).
وقال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: إنّ المستعمل من الفضّة في (¬b) قبّة العشاري المعروف بالمقدّم وفازته (¬c) وكسوة رحله، في سنة ستّ وثلاثين وأربع مائة في وزارة عليّ بن أحمد الجرجرائي، مائة ألف وسبعة وستون ألفا وسبع مائة درهم نقرة. وإن المطلق للصّنّاع عن أجرة الصّياغة (¬d)، وفي ثمن ذهب لطلائه خاصّة، ألفان وتسع مائة دينار، وسعر الفضّة في ذلك الوقت كلّ مائة درهم ستة دنانير وربع، سعر ستة عشر درهما بدينار.
ولمّا تولّى أبو سعد [إبراهيم بن] سهل التّستري الوساطة سنة ستّ وثلاثين وأربع مائة، استعمل لأمّ المستنصر عشاريّا يعرف بالفضّي، وحلّي رواقه بفضّة تقديرها مائة أِّف وثلاثون ألف درهم، ولزم ذلك أجرة الصّياغة (¬d) ولطلاء بعضه ألفان وأربع مائة دينار، سوى كسوة له بمال جليل.
والمنفق على ستة وثلاثين عشاريّا برسم النّزه البحرية لآلاتها وحلاها، من مناطق ورءوس منجوقات وأهلّه وصفّريات وغير ذلك، أربع مائة ألف دينار (٢).
وكانت العادة عندهم إذا حصل وفاء النّيل أن يكتب إلى العمّال. فممّا كتب من إنشاء تاج الرّئاسة أبي القاسم عليّ بن منجب بن سليمان الصّيرفي:
«أمّا بعد، فإنّ أحقّ ما وجبت به التّهنئة والبشرى، وغدت المسار منتشرة تتوالى وتترى، وكان من اللّطائف التي غمرت بالمنّة العظمى والنّعمة الجسيمة الكبرى، ما استدعى الشّكر لموجد العالم وخالقه، وظلّت النّعمة به عامّة لصامت الحيوان وناطقه. وتلك الموهبة بوفاء النّيل المبارك الذي يسّره اللّه تعالى - وله الحمد - يوم كذا؛ فإنّ هذه العطيّة تؤدّي إلى خصب البلاد وعمارتها، وشمول المصالح وغزارتها، وتفضي بتضاعف المنافع
стр. 1499
والخيرات، وتكاثر الأرزاق والأقوات، ويتساهم الفائدة فيها جميع العباد.
وتنتهي البركة بها إلى كلّ دان وناء وكلّ حاضر وباد. فأذع هذه النّعمة قبلك، وانشرها في كلّ من يتدبّر عملك، وحثّهم على مواصلة الشّكر لهذه الألطاف الشّاملة لهم ولك. فاعلم هذا، واعمل به إن شاء اللّه.
وكتب أيضا:
«أولى ما تضاعف به الابتهاج والجذل، وانفتح فيه الرّجاء واتّسع الأمل، ما عمّ نفعه صامت الحيوان وناطقه، وأحدث لكلّ أحد اغتباطا لزمه وأبى أن (¬a) يفارقه. وذلك ما منّ اللّه به من وفاء النّيل المبارك الذي تحيا به كلّ أرض موات، وتكتسي بعد اقشعرارها حلّة النّبات، ويكون سببا لتوافر الأقوات. فإنّه وفّى المقدار الذي يحتاج إليه. فلتذع هذه المنّة في القاصي والدّاني، لتستعمل الكافّة بينهم ضروب البشائر والتّهاني، إن شاء اللّه».
وكتب أيضا:
«من لطف اللّه الواجب حمده، اللاّزم شكره وفضله، الذي لا يملّ بشره، ولا يسأم ذكره ومنّه، الذي استبشر به الأنام، وتضاعف فيه الإنعام، ومثّل اللّه الحياة به في قوله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ اَلسَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ اَلْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ اَلنّاسُ وَاَلْأَنْعامُ﴾ [الآية ٢٤ سورة يونس]، أمر النّيل المبارك الذي يعم النّجود والتّهائم، وتنتفع به الخلائق، وترتع فيما يظهره البهائم.
وقد توجّه إليك بهذا الكتاب بهذه البشرى فلان، فأجره على رسمه في إظهاره مجملا وإيصاله إلى رسمه مكمّلا، وإذاعة هذه النّفقة على الكافّة ليتساهموا الاغتباط بها، ويبالغوا في الشّكر للّه بمقتضاها وعلى حسبها. فاعلم ذلك، واعمل به إن شاء اللّه».
стр. 1500
منظرة الدّكّة
وكان من جملة مناظر الخلفاء الفاطميين منظرة تعرف بالدّكّة (١)، لها بستان عظيم بجوار المقس، فيما بينه وبين أراضي اللّوق، وما زالت باقية حتى زالت الدّولة، وحكر مكان البستان وصار خطّة تعرف إلى اليوم/ بخطّ الدّكّة، فخربت المنظرة وزال أثرها.
قال ابن عبد الظّاهر: الدّكّة بالمقس كانت [أولا] (¬a) بستانا، وكان الخليفة إذا ركب من كسر الخليج من السّكّرة بمظلّته يسير في البرّ الغربي، ومضارب النّاس والأمراء وخيمهم عن يمينه وشماله، إلى أن يصل إلى هذا البستان المعروف بالدّكّة، وقد علّقت أبوابه ودهاليزه، فيدخل إليه بمفرده، ويسقي منه الفرس الذي تحته - وهي قضيّة ذكر المؤرّخ للسّيرة المأمونية (٢) أنّهم كانوا يعتمدونها إلى آخر وقت، ولم يعلم سببها - ثم يخرج ويسير إلى أن يقف على التّرعة الآتي ذكرها (٣)، ويدخل من باب القنطرة، وينزل إلى القصر.
والدّكّة الآن آدرّ وحارات شهرتها تغني عن وصفها، فسبحان من لا يتغيّر (٤)!
وقال ابن الطّوير عن الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه: كان بمنظرة يقال لها الدّكّة بساحل المقس - يعني أنّه مات بها.
ذكر منظرة المقس
وكان من جملة مناظرهم أيضا منظرة بجوار جامع المقس الذي تسمّيه العامّة اليوم جامع المقسي (٥)، وكانت هذه المنظرة بحري الجامع المذكور، وهي مطلّة على النّيل
стр. 1501
الأعظم، وكان حينئذ ساحل النّيل بالمقس.
وكانت هذه المنظرة معدّة لنزول الخليفة بها عند تجهيز الأسطول إلى غزو الفرنج، فتحضر رؤساء المراكب بالشّواني (١) وهي مزيّنة بأنواع العدد والسّلاح ويلعبون بها في النّيل، حيث الآن الخليج النّاصريّ تجاه الجامع، وما وراء الخليج من غربيه (٢).
قال ابن المأمون، وذكر تجهيز العساكر في البرّ عند ورود كتب صاحبي دمشق وحلب، في سنة سبع عشرة وخمس مائة، ما يحث على غزو الفرنج ومسيرها مع حسام الملك: وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه وتوجّه إلى الجامع بالمقس، وجلس بالمنظرة في أعلاه، واستدعى مقدّم الأسطول الثاني، وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرّجال والعدد والآلات والأسلحة، واعتمد ما جرت العادة به من الإنعام عليهم. وعاد الخليفة إلى البستان المعروف بالبعل إلى آخر النّهار، وتوجّه إلى قصره بعد تفرقة جميع الرّسوم والصّدقات والهبات الجاري بها العادة في الرّكوبات (٣).
وقال ابن الطّوير: فإذا تكمّلت النّفقة، وتجهّزت المراكب وتهيّأت للسّفر، ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النّيل بالمقس (¬a). وكان هناك على شاطئ البحر بالجامع منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداعه - يعني الأسطول - ولقائه إذا عاد. فإذا جلس هو والوزير للوداع، جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه، وهي مزيّنة بأسلحتها ولبوسها، وفيها المنجنيقات تلعب، فتنحدر وتقلع بالمجاديف كما يفعل في لقاء العدوّ بالبحر الملح.
стр. 1502
ثم (¬a) يحضر بين يدي الخليفة «المقدّم» و «الرّئيس» فيوصيهما ويدعو للجماعة بالسّلامة والنّصرة (¬b)، ويعطي المقدّم مائة دينار، والرّئيس عشرين دينارا. وينحدر إلى دمياط ويخرج إلى البحر الملح، فيكون لها ببلاد العدوّ صيت وهيبة. فإذا وقع لهم مركب لا يسألون عمّا فيه سوى الصّغار والرّجال والنّساء والسّلاح، وما عدا ذلك فللأسطول.
واتّفق مرّة أن قدّم على الأسطول سيف الملك الجمل فكبست (¬c) بطسة (١) عظيمة فيها ألف وخمس مائة شخص بعد أن شنعت عليهم بالقتال، وقتل منهم نحو من مائتين (¬d) وعشرين رجلا، وحضر إلى القاهرة. ففرح الخليفة وركب إلى المقس وجلس بالمنظرة للقائهم، وأطلقوا الأسرى بين يديه تحت المنظرة من جانب البرّ. فاستدعيت الجمال لركوبهم، وشقّ بهم القاهرة ومصر، (¬e) فما وجدت في الحال جمال كعدتهم فركّبوا الرجال (¬e) منهم كلّ اثنين على جمل ظهرا لظهر. وعاد الخليفة إلى القصر (¬e) وما كفاه نظره لهم في المنظرة فرحا بهم (¬e)، فجلس في إحدى مناظره لنظرهم في جوازهم.
فلمّا عادوا من مصر، صاروا بهم إلى المناخات، فصحّ منهم ألف رجل. فانضافوا إلى من في المناخ. وأمّا النّساء والصّبيان فإنّهم دخلوا بهم إلى القصر، بعد أن حمل منهم للوزير نصيب وافر، وأخذت الجهات والأقارب بقيتهن، فيستخدمونهن ويعلمونهن الصّنائع، ويتولّى الأستاذون تربية الصّبيان وتعليمهم الخطّ والرّماية (¬e) ويموت أكثرهم لتغيّر العادات (¬e)، ويقال لهم: «التّرابي». (¬e) فمن هؤلاء التّرابي من كبر وانتشا وتميّز في الرّماية والمعارف فصار أميرا من صبيان خاص الخليفة منهم: غلام اللّه وباتكين وشومان وميمون وترّوس القصريان (¬e) (٢).
стр. 1503
ومن استريب به من الأسرى، ونبّه عليه بقوّة، أوقع به؛ والشّيخ الذي لا ينتفع به يمضى فيه حكم السّيف بمكان يقال له: «بئر المنامة» في الخراب قريب مصر (١). ولم يسمع على الدّولة قطّ أنّها فادت أسيرا بمال ولا بأسير مثله (٢). وهذه الحال في كلّ سنة آخذة في الزيادة لا النّقص.
وقدّم على الأسطول مرّة أمير يقال له حرب بن فوز، صاحب الحاجب لؤلؤ، فكبس بطسة حصّل فيها خمس مائة رجل (٣) (¬a) فاعتمد فيها كذلك (¬a). انتهى.
وقد خربت هذه المنظرة، وكان موضعها برج كبير صار يعرف في الدّولة الأيّوبية بقلعة المقس، مشرف على النّيل. فلمّا جدّد الصّاحب الوزير شمس الدّين عبد اللّه المقسي جامع المقس، على ما هو عليه الآن في سنة سبعين وسبع مائة، هدم هذا البرج وجعل مكانه جنينة شرقيّ الجامع، وتحدّث النّاس أنّه وجد فيه مالا، واللّه أعلم (٤).
منظرة البعل
وكان من مناظرهم بظاهر القاهرة منظرة في بستان أنيق يعرف بالبعل، أنشأه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي. وموضع هذا البستان إلى اليوم يعرف بالبعل، وصارت أرضه مزرعة/ في جانب الخليج الغربي بحري أرض الطّبّالة في كوم الرّيش مقابل قناطر الإوزّ (٥).
وقد خربت المنظرة وبقي منها آثار أدركتها يعطن بها الكتّان، تدلّ على عظمها وجلالتها في حال
стр. 1504
عمارتها. وكانت منظرة البعل من أجلّ متنزّهاتهم، وكان لهم بها أوقات عميمة المبرّات جليلة الخيرات.
قال ابن المأمون: فأمّا يوم السّبت والثّلاثاء فيكون ركوب الوزير من داره بالرّهجيّة، ويتوجّه إلى القصر. فيركب الخليفة إلى ضواحي القاهرة للنّزهة في مثل الرّوضة والمشتهى ودار الملك والتّاج والبعل وقبّة الهواء والخمسة والأوجه (¬a) والبستان الكبير. وكان لكلّ منظرة منهن فرش معلوم مستقرّ فيها من الأيام الأفضليّة للصّيف والشّتاء.
وتفرّق الرّسوم، وتسلّم لمقدّمي الرّكاب اليمين والشمال لكلّ واحد عشرون دينارا وخمسون رباعيّا، ولتالي مقدّم الرّكاب اليمين مائة كاغدة في كلّ كاغدة ثلاثة دراهم، ومائة كاغدة في كلّ كاغدة درهمان، ولتالي مقدّم الشمال مثل ذلك. أمّا الدّنانير فلكلّ باب يخرج منه من البلد دينار، ولكلّ باب يدخل منه دينار، ولكلّ جامع يجتاز عليه دينار، ما خلا جامع مصر فإنّ رسمه خمسة دنانير، ولكلّ مسجد يجتاز عليه رباعي، ولكلّ من يقف ويتلو القرآن كاغدة، والفقراء والمساكين من الرّجال والنّساء لكلّ من يقف كاغدة، ولكلّ فرس يركبه (¬b) الخليفة ديناران.
ويكون مع هذا متولّى صناديق الإنفاق يحجب الخليفة، وبيده خريطة ديباج فيها خمس مائة دينار لما عساه يؤمر به.
فإذا حصل في إحدى المناظر المذكورة، فرّق من العين ما مبلغه سبعة وخمسون دينارا، ومن الرّباعية مائة وستة وثمانون دينارا للحواشي والأستاذين وأصحاب الدّواوين والشّعراء والمؤذّنين والمقرئين والمنجمّين وغيرهم، ومن الخراف الشّواء خمسون رأسا: منها طبقان حارّة مكمّلة مشورة برسم المائدة الخاصّ - مضافا لما يحضر من القصور من الموائد الخاصّ والحلاوات - وطبق واحد برسم مائدة الوزير، وبقيّة ذلك بأسماء أربابه، ورأسا بقر برسم الهرائس.
فإذا جلس الخليفة على المائدة، استدعى الوزير وخواصّه ومن جرت العادة بجلوسه معه. ومن تأخّر عن المائدة ممّن جرت عادته بحضورها، حمل إليه من بين يدي الخليفة على سبيل التّشريف، وعند عود الخليفة إلى القصر، يحاسب متولّى الدّفتر مقدّمي الرّكاب على ما أنفق عليه في مسافة الطّريق من جامع ومسجد وباب ودابّة. وأمّا تفرقة الصّدقات فهم فيها على حكم الأمانة.
стр. 1505
قال: وإذا وقع الرّكوب إلى الميادين، جرى الحال فيها على الرّسم المستقرّ من الإنعام، ويؤمر متولّى خزائن الخاصّ وصناديق الإنفاق أن يكون معه خريطة في السّرج ديباج، تسمّى «خريطة الموكب»، فيها ألف دينار معدّة لمن يؤمر بالإنعام عليه في حال الرّكوب (١).
منظرة التّاج
هي من جملة المناظر التي كانت الخلفاء تنزلها للنّزهة، بناها الأفضل بن أمير الجيوش، وكان لها فرش معدّ بها (¬a) للشّتاء والصّيف. وقد خربت ولم يبق لها سوى أثر كوم، توجد تحته الحجارة الكبار، وما حولها هذا الكوم صار مزارع من جملة أراضي منية السّيرج.
قال ابن عبد الظّاهر: وأمّا التّاج فكان حوله من (¬b) البساتين عدّة، وأعظم ما كان حوله قبّة الهواء، وبعدها الخمس وجوه التي هي باقية الآن (¬b) (٢).
منظرة الخمس الوجوه (¬c)
كانت أيضا من مناظرهم التي يتنزّهون فيها، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش، وكان لها فرش معدّ لها، وبقي منها آثار بناء جليل على بئر متّسعة كان بها خمسة أوجه من المحال الخشب التي تنقل الماء لسقي البستان العظيم الوصف البديع الزّيّ البهيج الهيئة. والعامّة تقول:
التّاج، والسّبع وجوه. إلى الآن.
وموضعها إلى وقتنا هذا من أعظم مفترجات القاهرة، وينبت هناك في أيام النّيل عند ما يعمّ تلك الأراضي البشنين (٣)، فتفتن رؤيته وتبهج النّفوس نضارته وزينته، فإذا نضب ماء النّيل زرعت تلك البسطة قرطا وكتّانا يقصر الوصف عن تعداد حسنه. وأدركت حول الخمس الوجوه (¬c) غروسا من نخل وغيره تشبه أن تكون من بقايا البستان القديم، وقد تلاشت الآن (٤).
стр. 1506
ثم إنّ السّلطان الملك المؤيّد شيخ المحمودي الظّاهري، جدّد عمارة منظرة فوق الخمس الوجوه (¬a)، ابتدأ بناءها في يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة (١).
منظرة باب الفتوح
وكان للخلفاء الفاطميين منظرة خارج باب الفتوح، وكان يومئذ ما خرج عن باب الفتوح براحا فيما بين الباب وبين البساتين الجيوشية. وكانت هذه المنظرة معدّة لجلوس الخليفة فيها عند عرض العساكر ووداعها إذا سارت في البرّ إلى البلاد الشّامية (٢).
قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر - يعني المحرّم سنة سبع عشرة وخمس مائة - وصلت رسل ظهير الدّين طغتكين صاحب دمشق، وآق سنقر صاحب حلب، بكتب/ إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه وإلى الوزير المأمون إلى القصر، فاستدعوا لتقبيل الأرض كما جرت العادة من إظهار التّجمّل.
وكان مضمون الكتب - بعد التّصدير والتّعظيم والسّؤال والضّراعة - أنّ الأخبار تظافرت بقلّة الفرنج بالأعمال الفلسطينية والثّغور الساحلية، وأنّ الفرصة قد أمكنت فيهم واللّه قد أذن بهلاكهم، وأنّهم ينتظرون إنعام الدّولة العلويّة وعوائد أفضالها، ويستنصرون بقوّتها، ويحثّون على نصرة الإسلام، وقطع شأفة (¬b) الكفر، وتجهيز العساكر المنصورة والأساطيل المظفّرة، والمساعدة على التّوجّه نحوهم لئلاّ يتواصل مددهم، وتعود إلى القوّة شوكتهم.
فقوي العزم على النّفقة في العساكر فارسها وراجلها وتجريدها، وتقدّم إلى الأزمّة بإحضار الرّجال الأقوياء، وابتدئ بالنّفقة في الفرسان بين يدي الخليفة في قاعة الذّهب، وأحضر
стр. 1507
الوزّانون وصناديق المال، وأفرغت الأكياس على البساط. واستمرّ الحال بعد ذلك في الدار المأمونية، وتردّد الرأي فيمن يتقدّم، فوقع الاتّفاق على حسام الملك البرنيّ، وأحضر مقدّم الأساطيل الثانية لأنّ الأساطيل توجّهت في الغزو، وخلع عليه، وأمر بأن ينزل إلى الصّناعتين بمصر والجزيرة، وينفق في أربعين شينيّا، ويكمل نفقاتها وعددها، ويكون التّوجّه بها صحبة العسكر.
وأنفق في عشرين من الأمراء للتّوجّه صحبته فكملت النّفقة في الفارس والراجل، وفي الأمراء السّائرين، وفي الأطبّاء والمؤذّنين والقرّاء، وندب من الحجّاب عدّة، وجعل لكلّ منهم خدمة:
فمنهم من يتولّى خزانة الخيام، وسيّر معه من حاصل الخزائن - برسم ضعفاء العسكر ومن لا يقدر على خيمة - خيم، ومنهم حاجب على خزائن السّلاح. وأنفق في عدّة من كتّاب ديوان الجيش لعرض العساكر، وفي كتّاب العربان. وأحضر مقدّمو الجذاميين بالجفار (¬a)، وتقدّم إليها بأنّه من تأخّر عن العرض بعسقلان وقبض النّفقة، فلا واجب له ولا إقطاع.
وكتبت الكتب إلى المستخدمين بالثّغور الثلاثة: الإسكندرية ودمياط وعسقلان، بإطلاق وابتياع ما يستدعى برسم الأسمطة على ثغر عسقلان للعساكر والعربان من الأصناف والغلال، ووقع الاهتمام بنجاز أمر الرّسل الواصلين.
وكتبت الأجوبة عن كتبهم، وجهّز المال والخلع المذهّبات، والأطواق والسّيوف والمناطق الذّهب، والخيل بالمراكب الحليّ الثّقال وغير ذلك من التجمّلات. وخلع على الرّسل، وأطلق لهم التّسفير (¬b)، وسلّمت إليهم الكتب والتّذاكير، وتوجّهوا صحبة العسكر.
وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى باب الفتوح ونزل بالمنظرة، واستدعى حسام الملك وخلع عليه بدلة جليلة مذهّبة وطوّقه بطوق ذهب، وقلّده ومنطقه بمثل ذلك. ثم قال الوزير المأمون للأمراء، بحيث يسمع الخليفة: هذا الأمير مقدّمكم ومقدّم العساكر كلّها، وما وعد به أنجزته، وما قرّره أمضيته فقبّلوا الأرض، وخرجوا من بين يديه.
وسلّم متولّى بيت المال وخزائن الكسوة لحسام الملك الكتب بما ضمّنته الصّناديق من المال وأعدال الكسوات، وحملت قدّامه.
стр. 1508
وفتحت طاق (¬a) المنظرة، فلمّا شاهد العساكر الخليفة قبّلوا الأرض، فأشار إليهم بالتوجّه، فساروا بأجمعهم. وركب الخليفة وتوجّه إلى الجامع بالمقس وجلس بالمنظرة، واستدعى مقدّم الأسطول وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدّة (١).
منظرة الصّناعة
وكان من جملة مناظر الخلفاء منظرة بالصّناعة في السّاحل القديم من مصر، يجلس بها الخليفة تارة حتى تقدّم له العشاريّات، فيركبها ويسير للمقياس حتى يخلّق بين يديه عند الوفاء.
وكان بهذه الصّناعة ديوان العمائر (٢).
وأنشأ هذه المنظرة - والصّناعة التي هي فيها - الوزير المأمون، ولم تزل إلى آخر الدولة، ودهليزها مادّ بمساطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا. وقد خربت هذه الصّناعة والمنظرة، وصار موضعها الآن بستانا كان يعرف ببستان ابن كيسان، ويعرف في زمننا هذا الذي نحن فيه الآن ببستان الطّواشي، وهو بأوّل مراغة مصر تجاه غيط الجرف، على يسرة من يسلك من المراغة يريد الكبارة وباب مصر (٣).
قال ابن المأمون: وكانت جميع مراكب الأساطيل ما تنشأ إلاّ بالصّناعة التي بالجزيرة، فأنكر الوزير المأمون ذلك وأمر بأن يكون إنشاء الشّواني (٤) وغيرها من المراكب النّيلية الدّيوانية بالصّناعة بمصر، وأضاف إليها دار الزّبيب، وأنشأ المنظرة بها، واسمه باق إلى الآن عليها. وقصد بذلك أن يكون حلول الخليفة يوم تقدمة الأساطيل ورميها بالمنظرة المذكورة، وأن يكون ما ينشأ من الحرابي (¬b) (٥) والشّلنديات (٦) في الصّناعة بالجزيرة.
стр. 1509
قال: ولمّا وفّى النّيل ستة عشر ذراعا، ركب الخليفة والوزير إلى الصّناعة بمصر، ورميت العشاريّات بين أيديهما، ثم عدّيا في إحداها إلى المقياس (١).
وقال ابن الطّوير: الخدمة في «ديوان الجهاد» (٢) - ويقال له «ديوان العمائر» - وكان محلّه بصناعة الإنشاء بمصر للأسطول والمراكب الحاملة للغلاّت السّلطانية والأحطاب وغيرها، وكانت تزيد على خمسين عشاريّا، ويليها عشرون ديماسا/، منها عشرة برسم خاصّ الخليفة أيام الخليج وغيرها. ولكلّ منها رئيس ونواتي لا يبرحون ينفق فيهم من مال هذا الدّيوان.
وبقية العشاريّات الدّواميس برسم ولاة الأعمال المميّزة، فهي تجرّد لهم، وينفق في رؤسائها ورجالها أينما كانوا من مال هذا الدّيوان، وتقيم مع أحدهم مدّة مقامه، فإذا صرف عاد فيه، وخرج المتولّي الجديد في العشاري المرسي بالصّناعة، ولا يخرج إلاّ بتوقيع بإطلاقه والإنفاق فيه، وللمشارفين بالأعمال عشاريّات دون هذه.
وفي هذا الدّيوان، برسم خدمة ما يجري في الأساطيل، نائبان من قبل مقدّم الأسطول، وفيه من الحواصل لعمارة المراكب شيء كثير، وإذا لم يف ارتفاعه بما يحتاج إليه استدعى له من بيت المال ما يسدّ خلله (٣).
قال: وكان من أهمّ أمورهم احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط، من الشّواني الحربية (٤) والشّلنديّات (٥) والمسطّحات (٦)،
стр. 1510
[وإنفاذها] (¬a) إلى بلاد السّاحل حين كانت بأيديهم، مثل صور وعكّا وعسقلان (١).
وكانت جريدة قوّاده أكثر من خمسة آلاف مدوّنة: منهم عشرة أعيان (¬b) يقال لهم: «القوّاد» واحدهم «قائد» (¬b) تصل جامكيّة كلّ منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين وهي أقلّها. ولهم إقطاعات تعرف ب «أبواب الغزاة» بما فيه من النّطرون، فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار وحواليه. ويعيّن من هؤلاء القوّاد العشرة من يقع الإجماع عليه لرئاسة الأسطول المتوجّه للغزو (¬c)، فيكون معه المقدّم (¬d) والفانوس، وكلّهم يهتدون به، ويقلعون بإقلاعه، ويرسون بإرسائه.
ويقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان الأمراء وأقواهم نفسا و (¬d) جنانا، ويتولّى النّفقة فيهم للغزو الخليفة بنفسه بحضور الوزير؛ فإذا أراد النّفقة فيما تعيّن من عدّة المراكب السائرة - وكانت آخر وقت تزيد على خمسة وسبعين شينيّا، وعشر مسطّحات، وعشر حمّالات (¬e) (٢) - فيتقدّم إلى النّقباء بإحضار الرجال، ويسمع بذلك من هو خارج مصر والقاهرة، فيدخل إليها. ولهم المشاهرة والجرايات المستقرّة (¬f) مدّة أيام السّفر، وهم معروفون عند عشرين نقيبا، ولا يعترض أحد أحدا إلاّ من رغب في ذلك من نفسه.
فإذا اجتمعت العدّة المغلقة للمراكب المطلوبة، أعلم المقدّم بذلك الوزير، فطالع الخليفة بالحال، وقرّر يوم للنّفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء على العادة. فيجلس الخليفة على هيئته في مجلس، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش وهما المستوفي، وهو أميزهما (¬g)، ويجلس داخل عتبة المجلس - وهذه رتبة له مميّزة - وكاتب الجيش الأصل ويجلس