وأوّل الفصول، عند أهل زماننا، الرّبيع؛ ويكون فصل الرّبيع عندما تنتقل الشّمس من برج الحوت.
وقد اختلف القدماء في البداية من الفصول: فمنهم من اختار فصل الرّبيع وصيّره أوّل السّنة، ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الصّيفي، ومنهم من اختار تقديم الاعتدال الخريفي، ومنهم من اختار تقديم الانقلاب الشّتوي.
فإذا حلّت أوّل جزء من برج الحمل، استوى اللّيل والنّهار، واعتدل الزّمان، وانصرم (¬a) الشّتاء، وحلّ (¬b) الرّبيع، وطاب الهواء، وهبّ النّسيم، وذاب الثّلج، وسالت الأودية، ومدّت الأنهار - فيما عدا مصر - ونبت العشب، وطال الزّرع، ونما الحشيش، وتلألأ الزّهر، وأورق الشّجر، وتفتّح النّور، واخضرّ وجه الأرض، ونتجت البهائم، ودرّت الضّروع، وأخرجت الأرض زخرفها وازّيّنت، وصارت كصبيّة شابّة قد تزيّنت للنّاظرين (١).
وللّه درّ القائل، وهو الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري (¬c) (٢)، رحمه اللّه تعالى:
[الكامل]
واستنشقوا لهوا الرّبيع فإنّه … نعم الصّديق (¬d) وعنده ألطاف
يغذّي الجسوم نسيمه فكأنّه (¬e) … روح حواها جوهر شفّاف
وقال ابن قتيبة (٣): ومن ذلك الرّبيع يذهب النّاس إلى أنّه الفصل الذي يتبع الشّتاء، ويأتي فيه
стр. 142
النّور والورد (¬a)، ولا يعرفون الرّبيع غيره. والعرب تختلف في ذلك: فمنهم من يجعل الرّبيع الفصل الذي تدرك فيه الثّمار - وهو الخريف - وفصل الشّتاء بعده؛ ثم فصل الصّيف بعد الشّتاء - وهو الوقت الذي تدعوه العامّة الرّبيع - ثم فصل القيظ [بعده] (¬b)، وهو [الوقت] (¬b) الذي تدعوه العامّة الصّيف؛ ومن العرب من يسمّي الفصل الذي تدرك فيه الثّمار - وهو الخريف - الرّبيع الأوّل، ويسمّي الفصل الذي يتلوه الشّتاء، ويأتي فيه الكمأة (¬c) والنّور، الرّبيع الثّاني، وكلّهم مجمعون (¬d) على أنّ الخريف هو الربيع (¬e) (١).
فإذا حلّت الشّمس آخر برج الجوزاء وأوّل برج السّرطان، تناهى طول النّهار وقصر اللّيل، وابتدأ نقص النّهار وزيادة/ اللّيل، وانصرم فصل الرّبيع، ودخل فصل الصّيف، فاشتدّ الحرّ، وحمي الهواء، وهبّت السّمائم، ونقصت المياه إلاّ بمصر، ويبس العشب، واستحكم الحبّ، وأدرك حصاد الغلال، ونضجت الثّمار، وسمنت البهائم، واشتدّت قوّة الأبدان، ودرّت أخلاف النّعم، وصارت الأرض كأنّها عروس.
فإذا بلغت آخر برج السّنبلة وأوّل برج الميزان، تساوى اللّيل والنّهار مرّة ثانية، وأخذ اللّيل في الزيادة والنّهار في النّقصان، وانصرم فصل الصّيف ودخل فصل الخريف، فبرد الهواء، وهبّت الرّياح، وتغيّر الزمان، وجفّت الأنهار، وغارت العيون، واصفرّ ورق الشّجر، وصرمت الثّمار، ودرست البيادر، واختزن الحبّ، وفني (¬f) العشب، واغبرّ وجه الأرض إلاّ بمصر، وهزلت البهائم، وماتت الهوامّ، وانحجرت الحشرات، وانصرف الطّير والوحش يريد البلاد الدّافئة، وأخذ الناس يخزنون القوت للشّتاء، وصارت الدنيا كأنّها امرأة كهلة قد أدبرت وأخذ شبابها يولّي.
وللّه درّ القائل - وهو الإمام عزّ الدين أبو الحسن أحمد بن عليّ بن معقل الأزدي المهلّبي الحمصي (٢) - حيث يقول:
стр. 143
[البسيط]
للّه فصل الخريف المستلذّ به … برد الهواء لقد أبدى لنا عجبا
أهدى إلى الأرض من أوراقه ذهبا … والأرض من شأنها أن تهدي الذّهبا
وقال أيضا:
[المنسرح]
للّه فصل الخريف فصلا … رقّت حواشيه فهو رائق
فالماء يجري من قلب سال … والدّمع يبدو بوجه عاشق
فبرد هذا ولون هذا … يلذّه ذائق ورامق
وقال أيضا:
[الوافر]
أتى فصل الخريف بكلّ طيب … وحسن معجب قلبا وعينا
أرانا الدّوح مصفرّا نضارا … وصافي الماء مبيضّا لجينا
فأحسن كلّ إحسان إلينا … وأنعم كلّ إنعام علينا
وقال آخر يذمّ الخريف:
[الكامل]
خذ في التّدثّر في الخريف فإنّه … مستوبل ونسيمه خطّاف
يجري مع الأجسام جري حياتها … كصديقها، ومن الصّديق يخاف
وقال آخر:
[الكامل]
يا عائبا فصل الخريف وغائبا … عن فضله في ذمّه لزمانه
لا شيء ألطف منه عندي موقعا … أبدا يعرّي الغصن من قمصانه
وتراه يفرش تحته أثوابه … فاعجب لرأفته وفرط حنانه
وألذّ ساعات الوصال إذا دنا … وقت الرّحيل وحان حين أوانه
فإذا حلّت الشّمس آخر برج القوس وأوّل برج الجدي، تناهى طول اللّيل وقصر النّهار، وأخذ النّهار في الزيادة واللّيل في النّقصان، وانصرم فصل الخريف وحلّ فصل الشّتاء، واشتدّ البرد وخشن الهواء، وتساقط ورق الشّجر ومات أكثر النّبات، وغارت الحيوانات في جوف الأرض، وضعف قوى الأبدان، وعرّي وجه الأرض من الزّينة، ونشأت الغيوم وكثرت الأنداء، وأظلم الجوّ، وكلح وجه الأرض إلاّ بمصر، وامتنع الناس من التصرّف، وصارت الدنيا كأنّها عجوز هرمة قد دنا منها الموت.
стр. 144
فإذا بلغت آخر برج الحوت وأوّل برج الحمل، عاد الزمان كما كان عام أوّل وهذا دأبه؛ تقدير العزيز العليم، وتدبير الخبير الحكيم، لا إله إلاّ هو.
وقد شبّه بطلميوس فصل الرّبيع بزمان الطّفولية، وفصل الصّيف بالشّباب، والخريف بالكهولة، والشّتاء بالشّيخوخة.
وعن حركة الشّمس، وتنقّلها في البروج الاثني عشر المذكورة، تكون أزمان السنة وأوقات اليوم من اللّيل والنّهار وساعاتهما.
وعن حركة القمر في البروج الاثني عشر تكون الشّهور القمريّة والسّنة القمريّة.
فالقمر يدور البروج الاثني عشر، ويقطع الفلك كلّه، في مدّة ثمانية وعشرين يوما وبعض يوم، ويقيم في كلّ برج يومين وثلث يوم بالتقريب، ويقيم في كلّ منزلة من منازل القمر الثمانية والعشرين منزلة يوما وليلة، فيظهر عند إهلاله من ناحية المغرب بعد غروب جرم الشّمس، ويزيد نوره في كلّ ليلة قدر نصف سبع حتّى يكمل نوره، ويمتلئ في ليلة الرابع عشر من إهلاله، ثم يأخذ من الليلة الخامسة عشر/ في النّقصان، فينقص من نوره في كلّ ليلة نصف سبع كما بدا، إلى أن يمحق نوره في آخر ثمانية وعشرين يوما من إهلاله.
ويمرّ في هذه المدّة - منذ يفارق الشّمس، ويبدو في ناحية الغرب، وإلى (¬a) أن يجامعها - بثمان (¬b) وعشرين منزلة، وهي: السّرطان والبطين والثّريّا والدّبران والهقعة والهنعة والذّراع والنّثرة والطّرف والجبهة والزّبرة والصّرفة والعوّاء والسّماك والغفر والزّبانا والإكليل والقلب والشّولة والنّعائم والبلدة وسعد الذّابح وسعد بلع وسعد السّعود وسعد الأخبية والفرع المقدّم والفرع المؤخّر وبطن الحوت.
ولحساب ذلك كتب موضوعة، وفيما ذكر كفاية، ﴿وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الآية ١٩ سورة النور].
стр. 145
ذكر صورة الأرض وموضع الأقاليم منها
ولمّا تقدّم من القول في الأفلاك ما يتبيّن به، لمن ألهمه اللّه تعالى، كيف تكون الحركة التي بها اللّيل والنّهار وتركب الشّهور والأعوام منهما، جاز حينئذ الكلام على الأرض، فأقول: الجهات من حيث هي ستّ: الشّرق، وهو حيث تطلع الشّمس والقمر وسائر الكواكب في كلّ قطر من الأفق. والغرب، وهو حيث تغرب. والشّمال، وهو حيث مدار الجدي والفرقدين. والجنوب، وهو حيث مدار سهيل. والفوق، وهو ممّا يلي السّماء. والتّحت، وهو ممّا يلي مركز الأرض.
ذهب الجمهور إلى أنّ الأرض كالكرة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّ في البيضة، وأنّها في الوسط، وبعدها في الفلك من جميع الجوانب (¬a) على التّساوي.
وزعم هشام بن الحكم (١) أنّ تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع، وهو المانع للأرض من الانحدار، وهو ليس محتاجا إلى ما بعده، لأنّه ليس يطلب الانحدار بل الارتفاع. وقال آخر (¬b):
إنّ اللّه وقفها بلا عماد.
وقال ديمقراطيس: إنّها تقوم على الماء، وقد حصر الماء تحتها حتى لا يجد مخرجا فيضطرّ إلى الانتقال (٢).
وقال آخر: هي واقفة على الوسط على مقدار واحد من كلّ جانب، والفلك يجذبها من كلّ وجه، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون أخرى (¬c)، لأنّ قوّة الأجزاء متكافئة، وذلك كحجر المغناطيس في جذبه الحديد، فإنّ الفلك بالطّبع مغناطيس الأرض، فهو يجذبها فهي واقفة في الوسط، وسبب وقوفها في الوسط سرعة تدوير الفلك ودفعه إيّاها من كلّ جهة إلى
стр. 146
الوسط، كما إذا وضعت ترابا في قارورة وأدرتها بقوّة فإنّ التّراب يقوم في الوسط (١).
وقال محمد بن موسى الخوارزمي (٢): الأرض في وسط السّماء، والوسط هو السّفل بالحقيقة، وهي مدوّرة مضرّسة من جهة الجبال البارزة والوهاد الغائرة، وذلك لا يخرجها عن الكرّيّة إذا اعتبرت جملتها، لأنّ مقادير الجبال - وإن شمخت - يسيرة بالقياس إلى كرة (¬a) الأرض، فإنّ الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان مثلا إذا نتأ منها شيء أو غار فيها لا يخرجها عن الكرّيّة، ولا هذه التّضاريس لإحاطة الماء بها من جميع جوانبها (¬b) وغمرها بحيث لا يظهر منها شيء، فحينئذ تبطل الحكمة المودعة في المعادن والنّبات والحيوان (٣)، فسبحان من لا يعلم أسرار حكمه إلاّ هو.
والأرض جسم مستدير كالكرة، وقيل ليست بكرّيّة الشكل، وهي واقفة في الهواء بجميع جبالها وبحارها وعامرها وغامرها، والهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمحّ في جوف البيضة. وبعدها من السّماء متساو من جميع الجهات. وأسفل الأرض ما تحقيقه هو عمق باطنها مما يلي مركزها من أي جانب كان.
وأمّا سطحها الظّاهر، المماس للهواء من جميع الجهات، فإنّه فوق، والهواء فوق الأرض يحيط بها ويجذبها من سائر الجهات. وفوق الهواء الأفلاك المذكورة فيما تقدّم، واحدا فوق آخر، إلى الفلك التاسع الذي هو أعلى الأفلاك ونهاية المخلوقات بأسرها.
وقد اختلف فيما وراء ذلك: فقيل خلاء، وقيل ملاء، وقيل لا خلاء ولا ملاء.
стр. 147
وكلّ موضع يقف فيه الإنسان من سطح الأرض، فإنّ رأسه أبدا يكون ممّا يلي السّماء إلى فوق، ورجلاه أبدا تكون أسفل ممّا يلي مركز الأرض، وهو دائما يرى من السّماء نصفها، ويستر عنه النّصف الآخر حدبة الأرض. وكلّما انتقل من موضع إلى آخر، ظهر له من السّماء بقدر ما خفي عنه.
والأرض غامرة بالماء كعنبة طافية فوق الماء قد انحسر عنها نحو النصف وانغمر النصف الآخر في الأرض، وصار المنكشف من الأرض نصفين، كأنّما قسم بخطّ مسامت لخط معدّل النّهار يمرّ تحت دائرته.
وجميع البلاد التي على هذا الخطّ لا عرض لها ألبتّة، والقطبان غير مرتّبين فيها، ويكونان هناك على دائرة الأفق من الجانبين. وكلّما بعد موضع بلد عن هذا الخط إلى ناحية الشّمال قدر درجة (١)، ارتفع القطب الشّمالي الذي هو الجدي على أهل ذلك البلد درجة، وانخفض القطب الجنوبي الذي هو سهيل درجة، وهكذا ما زاد.
ويكون الأمر فيما بعد، من البلاد الواقعة في ناحية الجنوب كذلك، من ارتفاع القطب الجنوبي وانحطاط القطب الشّمالي. وبهذا عرف عرض (٢) / البلدان، وصار عرض البلد عبارة عن ميل دائرة معدّل النّهار عن سمت رؤوس أهله وارتفاع القطب عليهم، وهو أيضا بعد ما بين سمت رؤوس أهل ذلك البلد وسمت رؤوس أهل بلد لا عرض له.
فأمّا ما انكشف من الأرض، ممّا يلي الجنوب من خطّ الاستواء، فإنّه خراب. والنّصف الآخر، الذي يلي الشّمال من خطّ الاستواء، فهو الرّبع العامر، وهو المسكون من الأرض.
وخطّ الاستواء لا وجود له في الخارج، وإنّما هو فرض توهّمنا أنّه خط، ابتداؤه من المشرق إلى المغرب تحت مدار رأس الحمل، وسمّي بذلك من أجل أنّ النّهار واللّيل هناك أبدا سواء، لا يزيد أحدهما عن الآخر شيئا ألبتّة في سائر أوقات السّنة كلّها. ونقطتا هذا الخطّ ملازمتان للأفق:
إحداهما على مدار سهيل في ناحية الجنوب، والأخرى ممّا يلي الجدي في ناحية الشّمال (٣).
стр. 148
والعمارة من المشرق إلى المغرب مائة وثمانون درجة، من الجنوب إلى الشّمال من خطّ أرين (¬a) إلى بنات نعش ثمان وأربعون درجة، وهو مقدار ميل الشّمس مرّتين، وخلف خطّ أرين (¬a) وهو مقدار ستة عشر درجة. وجملة معمور الأرض نحو من سبعين درجة، لاعتدال مسير الشّمس في هذا الوسط، ومرورها على ما وراء الحمل والميزان مرّتين في السّنة. وأمّا الشّمال والجنوب فالشّمس لا تحاذيهما إلاّ مرّة واحدة، ولأنّ أوج الشّمس في جهة الشّمال، كانت العمارة فيه، لارتفاعها وانتفاء ضرر قربها عن ساكنيه، ولأنّ حضيضها في الجنوب عدمت العمارة هنالك.
وقد اختلف الناس في مسافة الأرض، فقيل مسافتها خمس مائة عام: ثلث عمران، وثلث خراب، وثلث بحار.
وقيل المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة: تسعون ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسّودان، وثمانية للرّوم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم.
وقيل الدّنيا سبعة أجزاء: ستة ليأجوج ومأجوج، وواحد لسائر الناس.
وقيل الأرض خمس مائة عام: البحار ثلاث مائة، ومائة خراب، ومائة عمران.
وقيل الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ (١): للسّودان اثنا عشر ألف، وللرّوم ثمانية آلاف، ولفارس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف (٢).
وعن وهب بن منبّه: ما العمارة من الدّنيا في الخراب إلاّ كفسطاط في الصّحراء.
وقال أزدشير بن بابك (¬b): الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للتّرك، وجزء للعرب، وجزء للفرس، وجزء للسّودان (٣).
وقيل الأقاليم سبعة، والأطراف أربعة، والنّواحي خمسة وأربعون، والمدائن عشرة آلاف، والرّساتيق (٤) مائتا ألف وستة وخمسون ألفا.
стр. 149
وقيل المدن والحصون أحد وعشرون ألفا وستّ مائة مدينة وحصن. ففي الإقليم الأوّل ثلاثة آلاف ومائة مدينة كبيرة، وفي الثاني ألفان وسبع مائة وثلاثة عشر مدينة وقرية كبيرة، وفي الثالث ثلاثة آلاف وتسع وسبعون مدينة وقرية كبيرة (¬a)، وفي الرابع - وهو بابل - ألفان وتسع مائة وأربع وسبعون مدينة، وفي الخامس ثلاثة آلاف مدينة وستّ مدن (¬b)، وفي السادس ثلاثة آلاف وأربع مائة وثمان مدن، وفي السابع ثلاثة آلاف وثلاث مائة مدينة في الجزائر.
وقال (¬c) الخوارزمي: قطر الأرض سبعة (¬d) آلاف فرسخ، وهو نصف سدس الأرض والجبال والمفاوز والبحار، والباقي خراب يباب لا نبات فيه ولا حيوان (١).
وقيل المعمور من الأرض مثل طائر: رأسه الصّين، والجناح الأيمن الهند والسّند، والجناح الأيسر الخزر، وصدره مكّة والعراق والشّام ومصر، وذنبه المغرب (¬e).
وقيل قطر الأرض سبعة آلاف وأربع مائة وأربعة عشر ميلا، ودورها عشرون ألف ميل وأربع مائة ميل، وذلك جميع ما أحاطت به من برّ وبحر.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخيّ (٢): طول الأرض، من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، نحو أربع مائة مرحلة؛ وعرضها من حيث العمران الذي من جهة الشّمال، وهو مساكن يأجوج ومأجوج، إلى حيث العمران الذي من جهة الجنوب، وهو مساكن السّودان، مائتان وعشرون مرحلة. وما بين (¬f) براري يأجوج ومأجوج إلى البحر المحيط في الشّمال، وما بين (¬f) براري السّودان
стр. 150
والبحر المحيط في الجنوب، خراب ليس فيه عمارة، ويقال إنّ مسافة ذلك خمسة آلاف فرسخ.
وهذه أقوال لا دليل على صدقها.
والطّريق في معرفة مساحة الأرض، أنّا لو سرنا على خطّ نصف النّهار من الجنوب إلى الشّمال بقدر ميل دائرة معدّل النّهار عن سمت رؤوسنا إلى الجنوب درجة من درج الفلك التي هي جزء من ثلاث مائة وستين جزءا، وارتفع القطب علينا درجة نظير تلك الدّرجة، فإنّا نعلم أنّا قد قطعنا من محيط جرم الأرض جزءا من ثلاث مائة وستين جزءا، وهو نظير ذلك الجزء من الفلك.
فلو قسنا من ابتداء مسيرنا إلى انتهاء مكاننا الذي وصلنا إليه، حيث ارتفع القطب علينا درجة، فإنّا نجد حقيقة الدّرجة الواحدة من الفلك قد قطعت من الأرض ستة وخمسين ميلا وثلثي ميل، عنها خمسة وعشرون فرسخا.
فإذا ضربنا حصّة الدّرجة الواحدة - وهو ما ذكر من الأميال - في ثلاث مائة وستين، خرج من الضّرب عشرون ألفا وأربع مائة ميل، وذلك مساحة دور الأرض.
فإذا قسّمنا هذه الأميال - التي هي مساحة دور الأرض/ - على ثلاثة وسبع، خرج من القسمة ستة آلاف وأربع مائة وأربعون ميلا، وهي مساحة قطر الأرض.
فلو ضربنا هذا القطر في مبلغ دور الأرض، لبلغت مساحة بسيط الأرض بالتكسير مائة ألف ألف واثنين وثلاثين ألف ألف وستّ مائة ألف ميل بالتقريب.
فعلى هذا مساحة ربع الأرض المسكون بالتكسير ثلاثة وثلاثون ألف ألف ميل ومائة (¬a)) ألف ميل (¬a) وخمسون ألف ميل. وعرض المسكون من هذا الرّبع بقدر بعد مدار السّرطان عن القطب، وهو ستة (¬b) وخمسون جزءا وسدس جزء، وهذا هو سدس الأرض، وانتهاؤه إلى جزيرة تولي في
стр. 151
برطانية، وهي آخر المعمور من الشّمال، وهو من الأميال ثلاثة آلاف وسبع مائة وأربعة وستون ميلا (١).
فإذا ضربنا هذا السّدس الذي هو مساحة العرض (¬a) في النصف وهو قدر (¬b) الطّول، كان المعمور من الشّمال قدر نصف سدس الأرض (٢). وأمّا الطّول فإنّه يقلّ لتضايق أقسام كرة الأرض، ومقداره مثل خمس الدور، وهو بالتقريب أربعة آلاف وثمانون ميلا.
وفي الرّبع المسكون من الأرض سبعة أبحر كبار، وفي كلّ بحر منها عدّة جزائر، وفيه خمسة عشر بحيرة منها ملح وعذب، وفيه مائتا جبل طوال، ومائتا نهر وأربعون نهرا طوالا، ويشتمل على سبعة أقاليم تحتوي على سبعة عشر ألف مدينة كبيرة.
وقال في كتاب هروشيوش (٣): لمّا استقامت طاعة يوليس الملقّب «قيصر» الملك، في عامّة الدّنيا، تخيّر أربعة من الفلاسفة سمّاهم، فأمرهم أن يأخذوا له وصف حدود الدّنيا وعدّة بحارها وكورها أرباعا. فولى أحدهم أخذ وصف جزء المشرق، وولي آخر أخذ وصف جزء المغرب، وولي آخر (¬c) أخذ (¬d) وصف جزء الشّمال، وولي الرابع أخذ (¬d) وصف جزء الجنوب، فتمّت كتابة الجميع على أيديهم في نحو من ثلاثين سنة. فكانت جملة البحار المسمّاة في الدّنيا تسعة وعشرين قد سمّوها (٤): منها لجزء (¬e) الشّرق ثمانية، ولجزء (¬e) الغرب ثمانية، ولجزء (¬e) الشّمال أحد عشر، ولجزء (¬e) الجنوب اثنان. وعدّة الجزائر المعروفة الأمّهات إحدى وسبعون جزيرة: منها في الشّرق ثمان، وفي الغرب ستّ عشرة، وفي جهة الشّمال إحدى وثلاثون، وفي جهة الجنوب ستّ عشرة.
стр. 152
وعدّة الجبال الكبار المعروفة في جميع الدّنيا ستة وثلاثون، وهي أمّهات الجبال، وقد سمّوها فيما فسّروه: منها في جهة الشّرق سبعة، وفي جهة الغرب خمسة عشر، وفي الشّمال اثنا عشر، وفي الجنوب اثنان.
والبلدان الكبار ثلاثة وستون: منها في المشرق سبعة، وفي المغرب خمسة وعشرون، وفي الشّمال تسعة عشر، وفي الجنوب اثنا عشر؛ وقد سمّوها.
والكور الكبار المعروفة تسع ومائتان: منها في المشرق خمس وسبعون، وفي المغرب ستّ وستون، وفي الشّمال ستّ، وفي الجنوب اثنان وستون.
والأنهار الكبار المعروفة في جميع الدّنيا ستة وخمسون: منها لجزء الشّرق سبعة عشر، ولجزء الغرب ثلاثة عشر، ولجزء الشّمال تسعة عشر، ولجزء الجنوب سبعة (١).
والأقاليم السّبعة، كلّ إقليم منها كأنّه بساط مفروش قد مدّ، طوله من الشّرق إلى الغرب، وعرضه من الشّمال إلى الجنوب.
وهذه الأقاليم مختلفة الطّول والعرض؛ فالإقليم الأوّل منها يمرّ وسطه بالمواضع التي طول نهارها الأطول ثلاثة عشر ساعة، والسابع منها يمر بالمواضع التي طول نهارها الأطول ستّ عشر ساعة، لأنّ ما حاذى حدّ الإقليم الأوّل إلى نحو الجنوب يشتمل عليه البحر ولا عمارة فيه، وما حاذى الإقليم السابع إلى الشّمال لا يعرف (¬a) فيه عمارة.
فجعل طول الأقاليم السّبعة من الشّرق إلى الغرب مسافة اثنتي عشرة ساعة من دور الفلك، وصارت عروضها تتفاضل نصف ساعة من ساعات النّهار الأطول. فأطولها وأعرضها الإقليم الأوّل، وطوله من المشرق إلى المغرب نحو ثلاثة آلاف فرسخ، وعرضه من الشّمال إلى الجنوب مائة وخمسون فرسخا. وأقصرها طولا وعرضا الإقليم السابع، وطوله من الشّرق إلى الغرب ألف وخمس مائة فرسخ، وعرضه من الشّمال إلى الجنوب نحو من سبعين فرسخا؛ وبقيّة الأقاليم الخمسة فيما بين ذلك.
стр. 153
وهذه الأقاليم خطوط متوهّمة لا وجود لها في الخارج، وضعها القدماء الذين جالوا في الأرض ليقفوا على حقيقة حدودها، ويتيقّنوا مواضع البلدان منها، ويعرفوا طرق مسالكها. هذا حال الرّبع المسكون.
وأمّا الثّلاثة الأرباع الباقية فإنّها خراب؛ فجهة الشّمال واقعة تحت مدار الجدي، قد أفرط هناك البرد، وصارت ستة أشهر ليلا مستمرة، وهي مدّة الشّتاء عندهم لا يعرف فيها نهار، ويظلم الهواء ظلمة شديدة، وتجمد المياه لقوّة البرد فلا يكون هناك نبات ولا حيوان.
ويقابل هذه الجهة الشّمالية ناحية الجنوب حيث مدار سهيل، فيكون النّهار ستة أشهر بغير ليل، وهي مدّة الصّيف عندهم، فيحمى الهواء ويصير سموما محرقا يهلك بشدّة حرّه (¬a) الحيوان والنّبات، فلا يمكن سلوكه ولا السّكنى فيه.
وأمّا ناحية الغرب فيمنع البحر المحيط من السّلوك فيه، لتلاطم أمواجه وشدّة ظلماته. وناحية الشّرق تمنع من سلوكها الجبال الشّامخة.
وصار الناس أجمعهم قد انحصروا في الرّبع المسكون من الأرض/، ولا علم لأحد منهم بالثلاثة الأرباع الباقية.
والأرض كلّها، بجميع ما عليها من الجبال والبحار، نسبتها إلى الفلك كنقطة في دائرة.
وقد اعتبرت حدود الأقاليم السّبعة بساعات النّهار؛ وذلك أنّ الشّمس إذا حلّت برأس الحمل، تساوى طول النّهار واللّيل في سائر الأقاليم كلّها. فإذا انتقلت في درجات برج الحمل والثّور والجوزاء، اختلفت ساعات نهار كلّ إقليم. فإذا بلغت آخر الجوزاء وأوّل برج السّرطان، بلغ طول النّهار في وسط الإقليم الأوّل ثلاث عشرة ساعة سواء، وصارت في وسط الإقليم الثاني ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة، وفي وسط الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة، وفي وسط الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وفي وسط الإقليم الخامس خمس عشرة ساعة، وفي وسط الإقليم السّادس خمس عشرة ساعة ونصف ساعة، وفي وسط الإقليم السّابع ست عشرة ساعة سواء، وما زاد على ذلك إلى عرض تسعين درجة يصير نهارا كلّه.
стр. 154
ومعنى طول البلد، هو بعدها من أقصى العمارة في الغرب، وعرضها هو بعدها عن خطّ الاستواء. وخطّ الاستواء - كما تقدّم - هو الموضع الذي يكون فيه اللّيل والنّهار طول الزمان سواء. فكلّ بلد على هذا الخط لا عرض له. وكلّ بلد في أقصى الغرب لا طول له. ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشّرق مائة وثمانون درجة. وكلّ بلد يكون طوله تسعين درجة، فإنّه في وسط ما بين الشّرق والغرب. وكلّ بلد كان طوله أقلّ من تسعين درجة، فإنّه أقرب إلى الغرب وأبعد من الشّرق. وما كان طوله من البلاد أكثر من تسعين درجة، فإنّه أبعد عن الغرب وأقرب إلى الشّرق.
وقد ذكر القدماء أنّ العالم السّفلي مقسوم سبعة أقسام، وكلّ قسم يقال له إقليم: فإقليم الهند لزحل، وإقليم بابل للمشتري، وإقليم التّرك للمرّيخ، وإقليم الرّوم للشّمس، وإقليم مصر لعطارد، وإقليم الصّين للقمر.
وقال قوم: الحمل والمشتري لبابل، والجدي وعطارد للهند، والأسد والمرّيخ للتّرك، والميزان والشّمس للرّوم؛ ثم صارت القسمة على اثني عشر برجا: فالحمل ومثلّثته (¬a) للمشرق، والثّور ومثلّثته (¬a) للجنوب، والجوزاء ومثلّثته (¬a) للمغرب، والسّرطان ومثلّثته (¬a) للشّمال. قالوا: وفي كلّ إقليم مدينتان عظيمتان بحسب بيتي كلّ كوكب، إلاّ إقليم الشّمس وإقليم القمر، فإنّه ليس في كلّ إقليم منهما سوى مدينة واحدة عظيمة. وجميع مدائن الأقاليم السّبعة وحصونها أحد وعشرون ألف مدينة وستّ مائة مدينة وحصن بقدر دقائق درج الفلك.
وقال هرمس (١): إذا جعلت هذه الدّقائق روابع كانت بعدد (¬b) أناس هذه الأقاليم، وإذا مات أحد ولد نظيره.
ويقال إنّ عدد مدن الإقليم الأوّل من مطلع الشّمس وقراها ثلاثة آلاف ومائة مدينة وقرية كبيرة، وإنّ في الثاني ألفان وسبع مائة وثلاث عشرة مدينة وقرية كبيرة، وفي الثالث ثلاثة آلاف وتسع وسبعون، وفي الرابع - وهو بابل - ألفان وتسع مائة وأربع وسبعون، وفي الخامس ثلاثة آلاف وست مدن، وفي السّادس ثلاثة آلاف وأربع مائة وثمان
стр. 155
مدن، وفي السّابع ثلاثة آلاف وثلاث مائة مدينة وقرية كبيرة في الجزائر.
ف «الإقليم الأوّل» يمرّ وسطه بالمواضع التي طول نهارها الأطول ثلاث عشرة ساعة، ويرتفع القطب الشّمالي فيها عن الأفق ست عشرة درجة وثلثا درجة وهو العرض. وانتهاء عرض هذا الإقليم من حيث يكون طول النّهار الأطول فيه ثلاث عشرة ساعة وربع ساعة، وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، عشرون درجة ونصف درجة؛ وهو مسافة أربع مائة وأربعين ميلا، وابتداؤه من أقصى بلاد الصّين، فيمرّ فيها إلى ما يلي الجنوب، ويمرّ بسواحل الهند ثم ببلاد السّند، ويمرّ في البحر على جزيرة العرب وأرض اليمن، ويقطع بحر القلزم فيمرّ ببلاد الحبشة، ويقطع نيل مصر إلى بلاد الحبشة ومدينة دمقلة (¬a) من أرض النّوبة، ويمرّ في أرض المغرب على جنوب بلاد البربر إلى بحر المغرب المحيط (¬b).
وفي هذا الإقليم عشرون جبلا، فيها ما طوله من عشرين فرسخا إلى ألف فرسخ. وفيه ثلاثون نهرا طويلا، منها ما طوله ألف فرسخ إلى عشرن فرسخا. وفيه خمسون مدينة كبيرة. وعامّة أهل هذا الإقليم سود الألوان.
ولهذا الإقليم من البروج الحمل والقوس، وله من الكواكب (¬c) المشتري؛ وهو - مع فرط حرارته - كثير المياه كثير المروج، وزرع أهله الذّرة والأرز، إلاّ أنّ الاعتدال عندهم معدوم، فلا يثمر عندهم كرم ولا حنطة، والبقر عندهم كثير لكثرة المروج، وفي مشرقه البحر الخارج وراء خطّ الاستواء بثلاث عشرة درجة، وفي مغربه النّيل وبحر الغرب. ومن هذا الإقليم يأتي نيل مصر، وشرقهم معمور بالبحر الشّرقي الذي هو بحر الهند واليمن.
و «الإقليم الثّاني» حيث يكون طول النّهار الأطول ثلاث عشرة ساعة ونصف، ويرتفع القطب الشّمالي، وهو العرض (¬d)، أربعة وعشرين جزءا وعشر جزء؛ وعرضه، من حدّ الإقليم الأوّل إلى حيث يكون النّهار الأطول ثلاث عشرة ساعة ونصف وربع ساعة. وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، سبعة وعشرون درجة ونصف درجة.
ومساحة هذا الإقليم أربع مائة ميل/، ويبتدئ من الشّرق مارّا ببلاد الصّين إلى بلاد الهند والسّند، ثم يلتقي البحر الأخضر وبحر البصرة، ويقطع جزيرة العرب في أرض نجد وتهامة،
стр. 156
فيدخل في هذا الإقليم اليمامة والبحرين وهجر ومكّة والمدينة والطّائف وأرض الحجاز، ويقطع بحر القلزم فيمرّ بصعيد مصر الأعلى، ويقطع النّيل فيصير فيه مدينة قوص وإخميم وإسنا وأنصنا وأسوان، ويمرّ في أرض المغرب على وسط بلاد إفريقية فيمرّ على بلاد البربر إلى البحر في المغرب.
وفي هذا الإقليم سبعة عشر جبلا، وسبعة عشر نهرا طوالا، وأربع مائة وخمسون مدينة كبيرة. وألوان أهل هذا الإقليم ما بين السّمرة والسّواد، وله من البروج الجدي، والسّيّارة زحل.
ويسكن هذا الإقليم الرّحّالة: ففي المغرب منهم جدّالة وصنهاجة ولمتونة ومسوفة، ويتّصل بهم رحّالة مصر من ألواح. وفي هذا الإقليم يكون النّخل (¬a)، وفيه مكّة والمدينة، ومنه السّماوة من أهل العراق إلى رحّالة التّرك.
و «الإقليم الثّالث» وسطه حيث يكون طول النّهار الأطول أربع عشرة ساعة. وارتفاع القطب، وهو العرض، ثلاثون درجة ونصف وخمس درجة. وعرض هذا الإقليم من حدّ الإقليم الثاني إلى حيث يكون النّهار الأطول أربع عشرة ساعة وربع ساعة. وارتفاع القطب وهو العرض ثلاث وثلاثون درجة. ومسافته ثلاث مائة وخمسون ميلا، ويبتدئ من الشّرق فيمرّ بشمال الصّين وبلاد الهند وفيه مدينة القندهار (¬b)، ثم بشمال السّند وبلاد كابل وكرمان وسجستان إلى سواحل بحر البصرة، وفيه إصطخر وسابور وشيراز وسيراف، ويمرّ بالأهواز والعراق والبصرة وواسط وبغداد والكوفة والأنبار وهيت، ويمرّ ببلاد الشّام إلى سلميّة وصور وعكّا ودمشق وطبريّة وقيساريّة وبيت المقدس وعسقلان وغزّة ومدين والقلزم، ويقطع أسفل أرض مصر من شمال أنصنا إلى فسطاط مصر وسواحل البحر وفيه الفيّوم والإسكندرية والفرما وتنّيس ودمياط، ويمرّ ببلاد برقة إلى إفريقيّة فيدخل فيه القيروان، وينتهي إلى البحر في الغرب.
وبهذا الإقليم ثلاث وثلاثون جبلا كبارا، واثنان وعشرون نهرا طوالا، ومائة وثمانية وعشرون مدينة. وأهله سمر الألوان. وله من البروج العقرب، ومن السّيّارة الزّهرة. وفي هذا الإقليم العمائر الفاضلة (¬c) من أوّله إلى آخره. ا هـ.
و «الإقليم الرّابع» وسطه حيث يكون النّهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف ساعة، وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، ست وثلاثون درجة وخمس درجة. وحدّ هذا الإقليم، من حدّ
стр. 157
الإقليم الثالث إلى حيث يكون النّهار الأطول أربع عشرة ساعة ونصف وربع ساعة، والعرض تسعا وعشرين درجة وثلث درجة.
ومسافة هذا الإقليم ثلاث مائة ميل، ويبتدئ من الشّرق فيمرّ ببلاد التّبت وخراسان وخجندة وفرغانة وسمرقند وبخارى وهراة ومرو الرّوذ وسرخس وطوس ونيسابور وجرجان وقومس وطبرستان وقزوين والدّيلم والرّيّ وأصفهان وهمذان ونهاوند ودينور والموصل ونصيبين وآمد ورأس العين وسميساط والرّقّة، ويمرّ ببلاد الشّام فيدخل فيه بالس ومنبج وملطيّة وحلب وأنطاكية وطرابلس والمصّيصة وحماة وصيدا وطرسوس وعمّوريّة واللاّذقيّة، ويقطع بحر الشّام على جزيرة قبرس ورودس، ويمرّ ببلاد طنجة فينتهي إلى بحر المغرب.
وفي هذا الإقليم خمسة وعشرون جبلا كبارا، وخمسة وعشرون نهرا طوالا، ومائتا مدينة واثنتا عشرة مدينة. وألوان أهله بين السّمرة والبياض. وله من البروج الجوزاء، ومن السّيّارة عطارد، وفيه البحر الرّومي من مغربه إلى القسطنطنيّة.
ومن هذا الإقليم ظهرت الأنبياء والرّسل - صلوات اللّه عليهم أجمعين - ومنه انتشر الحكماء والعلماء، فإنّه وسط الأقاليم ثلاثة جنوبية وثلاثة شمالية، وهو في قسم الشّمس، وبعده في الفضيلة الإقليم الثالث والخامس، فإنّهما على جنبيه، وبقيّة الأقاليم أهلوها ناقصون ومنحطّون عن الفضيلة لسماجة صورهم وتوحّش أخلاقهم، كالزّنج والحبشة، وأكثر أمم الإقليم الأوّل والثّاني والسادس والسابع يأجوج ومأجوج والتّغزغزّ (١) والصّقالبة ونحوهم.
و «الإقليم الخامس» وسطه حيث يكون النّهار الأطول خمس عشر ساعة. وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، إحدى وأربعون درجة وثلث درجة. وابتداؤه من نهاية عرض الإقليم الرابع إلى حيث يكون النّهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف ساعة، والعرض ثلاثا وأربعين درجة.
ومسافته خمسون ومائتا ميل، ويبتدئ من المشرق إلى بلاد يأجوج ومأجوج، ويمرّ بشمال خراسان وفيه خوارزم وإسبيجاب وأذربيجان وبرذعة وسجستان وأرذن وخلاط، ويمرّ على بلاد الرّوم إلى روميّة الكبرى والأندلس حتى ينتهي إلى البحر في الغرب.
стр. 158
وفي هذا الإقليم من الجبال الطّوال ثلاثون جبلا، ومن الأنهار الكبار خمسة عشر نهرا، ومن المدائن الكبار مائتا مدينة. وأكثر أهله بيض الألوان، وله من البروج الدّلو، ومن السّيّارة القمر.
و «الإقليم السّادس» وسطه حيث يكون النّهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف ساعة.
وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، خمسا/ وأربعين درجة وخمسي درجة. وابتداؤه من حدّ نهاية عرض الإقليم الخامس إلى حيث يكون النّهار الأطول خمس عشرة ساعة ونصف وربع ساعة. والعرض سبعا وأربعين درجة وربع درجة.
ومسافة هذا الإقليم مائتا ميل وعشرة أميال، ويبتدئ من المشرق، فيمرّ بمساكن التّرك من الخرخيز (¬a) والتّغزغز، إلى بلاد الخزر من شمال تخومهم (¬b) على اللاّن والسّرير وأرض برجان والقسطنطينية وشمال الأندلس إلى البحر المحيط الغربي (١).
وفي هذا الإقليم من الجبال الطّوال اثنان وعشرون جبلا، ومن الأنهار الطّوال اثنان وثلاثون نهرا، ومن المدن الكبار تسعون مدينة. وأكثر أهل هذا الإقليم ألوانهم ما بين الشّقرة والبياض.
وله من البروج السّرطان، ومن السّيّارة المرّيخ.
و «الإقليم السّابع» وسطه حيث يكون النّهار الأطول ستّ عشرة ساعة سواء. وارتفاع القطب الشّمالي، وهو العرض، ثمانيا وأربعين درجة وثلثي درجة.
وابتداء هذا الإقليم من حدّ نهاية الإقليم السّادس إلى حيث يكون النّهار الأطول ستّ عشرة ساعة وربع ساعة، والعرض خمسين درجة ونصف درجة. ومسافته مائة وخمسة وثمانون ميلا.
فتبيّن أنّ ما بين أوّل حدّ الإقليم الأوّل وآخر حدّ الإقليم السّابع، ثلاث ساعات ونصف، وأنّ ارتفاع القطب الشّمالي ثمانية وثلاثون درجة، تكون من الأميال ألفين ومائة وأربعين ميلا.
ويبتدئ الإقليم السّابع من المشرق على بلاد يأجوج ومأجوج، ويمرّ ببلاد التّرك على سواحل بحر جرجان ممّا يلي الشّمال، ويقطع بحر الرّوم على بلاد جرجان والصّقالبة إلى أن ينتهي إلى البحر المحيط في الغرب.
стр. 159
وبهذا الإقليم عشرة جبال طوال، وأربعون نهرا طوالا، واثنتان وعشرون مدينة كبيرة. وأهله شقر الألوان؛ وله من البروج الميزان، ومن السّيّارة الشّمس.
وفي كلّ إقليم من هذه الأقاليم السّبعة أمم مختلفة الألسن والألوان، وغير ذلك من الطّبائع والأخلاق والآراء والدّيانات والمذاهب والعقائد والأعمال والصّنائع والعادات والعبادات، لا يشبه بعضهم بعضا، وكذلك الحيوانات والمعادن والنّبات مختلفة في الشكل والطّعم واللّون.
والرّيح بحسب اختلاف أهوية البلدان، وتربة البقاع وعذوبة المياه وملوحتها على ما اقتضته طوالع كلّ بلد من البروج على أفقه، وممرّ الكواكب على مسامته البقاع من الأرض، ومطارح شعاعاتها على المواضع، كما هو معروف (¬a) في مواضعه من كتب الحكمة، ليتدبّر أولو النّهى، ويعتبر ذوو الحجا بتدبير اللّه في خلقه، وتقديره لما يشاء وفعله لما يريد، لا إله إلاّ هو.
ومع ذلك فإنّ الرّبع المسكون من الأرض - على تفاوت أقطاره - مقسوم بين سبع أمم كبار، وهم الصّين والهند والسّودان والبربر والرّوم والتّرك والفرس. فجنوب مشرق الأرض في يد الصّين، وشماله في يد التّرك، ووسط جنوب الأرض في يد الهند، وفي وسط شمال الأرض الرّوم، وفي جنوب مغرب الأرض السّودان، وفي شمال مغرب الأرض البربر، وكانت الفرس في وسط هذه الممالك قد أحاطت بهم الأمم السّتّ.
ذكر محلّ مصر من الأرض وموضعها من الأقاليم السّبعة
وإذ يسّر اللّه سبحانه بذكر جمل أحوال الأرض ومعرفة ما في كلّ إقليم من أقاليم الأرض، فلنذكر محلّ مصر من ذلك فنقول:
ديار مصر بعضها واقع في الإقليم الثاني، وبعضها واقع في الإقليم الثالث: فما كان منها في الصّعيد الأعلى، كقوص وإخميم وإسنا وأنصنا وأسوان، فإنّ ذلك واقع في أقسام الإقليم الثاني.
وما كان من ديار مصر في جهة الشّمال من أنصنا، وهو الصّعيد الأدنى من سيوط إلى فسطاط مصر والفيّوم والقاهرة والإسكندرية والفرما وتنّيس ودمياط، فإنّ ذلك من أقسام الإقليم الثالث.
стр. 160
وطول مدينة مصر الفسطاط والقاهرة - وهو بعدهما من أوّل العمارة في جهة الغرب - خمس وخمسون درجة، والعرض - وهو البعد من خطّ الاستواء - ثلاثون درجة، وطول النّهار الأطول أربع عشرة ساعة، وغاية ارتفاع الشّمس في الفلك بها ثلاث وثمانون درجة وثلث وربع درجة.
وفسطاط مصر مع القاهرة من مكّة - شرّفها اللّه تعالى - واقعان في الرّبع الجنوبي الشرقي، والصّعيد الأعلى أشدّ تشريقا لبعده عن مدينة الفسطاط بأيّام عديدة في جهة الجنوب، فيكون على ذلك مقابلا لمكّة من غربيها.
ومصر لا يتوصّل إليها إلاّ من مفازة: ففي شرقيها بحر القلزم من وراء الجبل الشّرقي، وفي غربيها صحراء المغرب، وفي جنوبها مفازة النّوبة والحبشة، وفي شمالها البحر الشّامي، والرّمال التي فيما بين بحر الرّوم وبحر القلزم. وبين مصر وبغداد - على ما ذكره ابن خرداذبه (١) في كتاب «المسالك والممالك» - ألف وسبع مائة وعشرة أميال، يكون خمس مائة وسبعين فرسخا ومائة وبضعا وأربعين بريدا (٢).
وبين مصر والشّام - أعني دمشق - ثلاث مائة وخمسة وستون ميلا، تكون من الفراسخ مائة وإحدى وعشرين فرسخا وثلثي فرسخ، عنها ثلاثون بريدا (٣) وكسر.
وقال ابن خرداذبه: أرض الحبشة/ والسّودان مسيرة سبع سنين، وأرض مصر جزء واحد من ستين جزءا من أرض السّودان، وأرض السّودان جزء واحد من الأرض كلها (٤).
стр. 161
وفي كتاب هروشيوش: بلد مصر الأدنى شرقه فلسطين (¬a)، وغربه أرض ليبية، وأرض مصر الأعلى تمتدّ إلى ناحية الشّرق، وحدّه في الشّمال (¬b) خليج الغرب، وفي الجنوب (¬c) البحر المحيط، وفي الغرب مصر (¬d) الأدنى، وفي الشّرق بحر القلزم، وفيه من الأجناس ثمانية وعشرون جنسا (١).
ذكر حدود مصر وجهاتها
اعلم أنّ التّحديد هو صفة المحدود على ما هو عليه، والحدّ هو نهاية الشّيء، والحدود تكثر وتقلّ بحسب المحدود. والجهات التي تحدّ بها المساكن والبقاع أربع جهات، وهي:
جهة الشّمال التي هي إشارة إلى موضع قطب الفلك الشّمالي، المعروف من كواكبه الجدي والفرقدان.
ويقابل جهة الشّمال الجهة الجنوبية؛ والجنوب عبارة عن موضع قطب الفلك الجنوبي، الذي يقرب منه سهيل وما يتبعه من كواكب السّفينة.
والجهة الثالثة جهة المشرق، وهو مشرق الشّمس في الاعتدالين اللذين هما رأس الحمل أوّل فصل الرّبيع، ورأس الميزان أوّل فصل الخريف.
والجهة الرابعة جهة المغرب، وهو مغرب الشّمس في الاعتدالين المذكورين.
فهذه الجهات الأربع ثابتة بثبوت الفلك، غير متغيّرة بتغيّر الأوقات، وبها تحدّ الأراضي ونحوها من المساكن، وبها يهتدي الناس في أسفارهم، وبها يستخرجون سمت محاريبهم.
فالمشرق والمغرب معروفان. والشّمال والجنوب جهتان مقاطعتان بجهتي (¬e) المشرق والمغرب على تربيع الفلك.
فالخطّ المارّ بنقطتي الشّمال والجنوب يسمّى خط نصف النّهار، وهو مقاطع للخط المار بنقطتي المشرق والمغرب المسمّى بخط الاستواء، على زوايا قائمة وأبعاد ما بين هذين الخطّين
стр. 162
متساوية. فالمستقبل للجنوب يكون أبدا مستدبرا للشّمال، ويصير المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره.
وهذه الجهات الأربع هي التي ينسب إليها ما يحدّ من البلاد والأراضي والدور؛ إلاّ أنّ أهل مصر يستعملون في تحديدهم بدلا من الجهة الجنوبية لفظة القبليّة، فيقولون الحدّ القبلي ينتهي إلى كذا ولا يقولون الحدّ الجنوبي، وكذلك يقولون الحدّ البحريّ ينتهي إلى كذا، ويريدون بالبحري الحدّ الشّمالي (١).
وقد يقع في هاتين الجهتين الغلط في بعض البلاد؛ وذلك أنّ البلاد التي توافق عروضها عرض مكّة، إذا كانت أطوالها أقلّ من طول مكّة، فإنّ القبلة فيها تكون (¬a) نفس المشرق، بخلاف البلاد (¬b) التي توافق عروضها عرض مكّة إلاّ أنّ أطوالها أكثر (¬c) من طول مكّة، فإنّ القبلة في هذه البلاد تكون نفس المغرب. فمن حدّد في شيء من هذه البلاد أرضا أو مسكنا بحدود أربعة، فإنّه يصير منها حدّان (¬d) حدّا واحدا. وكذلك جهة البحر لمّا جعلوها قبالة جهة القبلة، وحدّدوا ما بينهما من الأراضي والدّور بما يسامتها منه، فإنّهم أيضا ربّما غلطوا، وذلك أنّ القبلة والبحر يكونان في بعض البلاد في جهة واحدة.
فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ أرض مصر لها حدّ يأخذ من بحر الرّوم من الإسكندرية - ويزعم قوم من برقة في البرّ - حتى ينتهي إلى ظهر الواحات، ويمتدّ إلى بلد النّوبة، ثم يعطف على حدود النّوبة في حدّ أسوان - على حدّ أرض البجّة (¬e) في قبلي أسوان - حتى ينتهي إلى بحر القلزم، ثم يمتدّ على بحر القلزم، ويجاوز القلزم إلى طور سيناء، ويعطف على تيه بني إسرائيل مارّا إلى بحر الرّوم في الجفار خلف العريش ورفح (¬f)، ويرجع إلى السّاحل مارّا على بحر الرّوم إلى الإسكندرية، ويتّصل بالحدّ الذي قدّمت ذكره من نواحي برقة.
وقال أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي (¬g) (٢)، في «رسالته المصرية»: أرض مصر بأسرها واقعة في المعمورة في قسم (¬h) الإقليم الثاني والإقليم الثالث، ومعظمها في الثالث.
стр. 163
وحكى المعنيّون (¬a) بأخبارها وتواريخها: أنّ حدّها في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الرّومي، إلى أيلة من ساحل الخليج الخارج من بحر الحبشة والزّنج والهند والصّين، ومسافة ذلك قريب من أربعين يوما. وحدّها في العرض من مدينة أسوان وما سامتها من الصّعيد الأعلى المتاخم لأرض النّوبة إلى رشيد وما حاذاها من مساقط النّيل في البحر الرّومي، ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يوما (١).
ويكتنفها في العرض إلى منتهاها جبلان: أحدهما في الضّفّة الشّرقيّة من النّيل وهو المقطّم، والآخر في الضّفّة الغربيّة منه، والنّيل متسرّب فيما بينهما. وهما جبلان أجردان غير شامخين، يتقاربان جدّا في وضعهما من لدن أسوان إلى أن ينتهيا إلى الفسطاط، ثم يتّسع ما بينهما وينفرج قليلا، ويأخذ المقطّم منهما مشرقا والآخر مغربا، على وراب في مأخذيهما وتعريج في مسلكيهما، فتتّسع أرض مصر من الفسطاط إلى ساحل البحر الرّومي الذي عليه الفرما وتنّيس ودمياط ورشيد والإسكندرية، فهناك تنقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أوغلها في الجنوب وأوغلها في [الغرب و] (¬b) الشّمال.
وإذا نظرنا بالطّريق البرهانية في مقدار/ هذه المسافة من الأميال، لم تبلغ ثلاثين ميلا بل تنقص
стр. 164
عنها نقصانا ما له قدر، وذلك لأنّ فضل ما بين عرض مدينة أسوان - التي هي أوغلها في الجنوب - وعرض مدينة تنّيس - التي هي أوغلها في الشمال - تسعة أجزاء ونحو سدس جزء، وليس بين طوليها فضل له قدر يعتدّ به، وينوب (¬a) ذلك نحو خمس مائة وعشرين ميلا بالتقريب، وذلك مسافة عشرين يوما أو قريب منها.
وفي هذه المدّة من الزّمان تقطع السّفّار [أبدا] (¬b) ما بين البلدين بالسّير المعتدل أو أكثر من ذلك [قليلا] (¬b)، لما في الطّريق من التّعريج وعدم الاستقامة (١).
وقال القضاعيّ (٢): الذي يقع عليه اسم مصر من العريش إلى آخر لوبية ومراقية، وفي آخر أرض مراقية تلقى أرض أنطابلس وهي برقة. ومن العريش فصاعدا يكون ذلك مسيرة أربعين ليلة، وهو ساحل كلّه على البحر الرّومي، وهو بحري أرض مصر، كذلك مهبّ الشّمال منها إلى القبلة شيئا ما.
فإذا بلغت آخر أرض مراقية، عدت ذات الشّمال واستقبلت الجنوب، وتسير في الرّمل - وأنت متوّجه إلى القبلة - يكون الرّمل من مصبّه عن يمينك إلى إفريقية، وعن يسارك من أرض مصر إلى أرض الفيّوم منها، وأرض الواحات الأربع، فذلك غربيّ مصر وهو ما استقبلته منه. ثم تعرج من آخر أرض الواحات، وتستقبل الشّرق سائرا إلى النّيل تسير ثماني مراحل إلى النّيل، ثم على النّيل فصاعدا، وهي آخر أرض الإسلام هناك، ويليها بلاد النّوبة. ثم تقطع (¬c) النّيل، فتأخذ من أسوان في الشّرق منكبّا عن بلد أسوان إلى عيذاب ساحل البحر الحجازي، فمن أسوان إلى عيذاب خمس عشرة مرحلة، وذلك كلّه قبليّ أرض مصر، ومهبّ الجنوب منها. ثم تقطع (¬c) البحر الملح من عيذاب إلى أرض الحجاز، فتنزل الحوراء أوّل أرض مصر، وهي متّصلة بأعراض مدينة الرّسول ﷺ .
стр. 165
وهذا البحر المحدود هو بحر القلزم، وهو داخل في أرض مصر بشرقيه وغربيه وبحريه:
فالشّرقيّ منه أرض الحوراء وطنسه والنّبك وأرض مدين وأرض أيلة فصاعدا إلى المقطّم بمصر، والغربي منه ساحل عيذاب إلى بحر النّعام إلى المقطّم، والبحريّ منه مدينة القلزم وجبل الطّور.
ومن القلزم إلى الفرما مسيرة يوم وليلة، وهو الحاجز فيما بين البحرين، بحر الحجاز وبحر الرّوم، وهذا كلّه شرقي أرض مصر من الحوراء إلى العريش وهو مهبّ الصّبا منها (١). فهذا المحدود من أرض مصر. وما كان بعد هذا من الحدّ الغربي، فمن فتوح أهل مصر وثغورهم من برقة إلى الأندلس.
ذكر بحر القلزم (¬a)) القلازم: الدّواهي والمضايقة، ومنه بحر القلزم (٢)، لأنّه مضيق بين جبال (¬a)، ولمّا كانت أرض مصر منحصرة بين بحرين، هما بحر القلزم من شرقيها وبحر الرّوم من شماليها، وكان بحر القلزم داخلا في أرض مصر كما تقدّم، صار من شرط هذا الكتاب التّعريف به، فنقول:
هذا البحر إنّما عرف في ناحية ديار مصر بالقلزم، لأنّه كان بساحله الغربي في شرقي أرض مصر مدينة تسمّى القلزم، وقد خربت - كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى في موضعه من هذا الكتاب (٣) عند ذكري قرى مصر ومدنها - فسمّي هذا البحر باسم تلك المدينة وقيل له «بحر القلزم» على الإضافة، ويقال له بالعبرانية: يمّ سوف (¬b).
وهذا البحر إنّما هو خليج يخرج من البحر الكبير المحيط بالأرض الذي يقال له بحر أقيانس، ويعرف أيضا ببحر الظّلمات، لتكاثف البخار المتصاعد منه وضعف الشّمس عن حلّه، فيغلظ وتشتدّ الظّلمة، ويعظم موج هذا البحر وتكثر أهواله، ولم يوقف من خبره إلاّ على ما عرف من بعض سواحله وما قرب من جزائره.
стр. 166
وفي جانب هذا البحر الغربي - الذي يخرج منه البحر الرّومي الآتي ذكره إن شاء اللّه - الجزائر الخالدات (١)، وهي فيما يقال ستّ جزائر يسكنها قوم متوحّشون. وفي جانب هذا البحر الشّرقي، ممّا يلي الصّين، ستّ جزائر أيضا تعرف بجزائر السبلي، نزلها بعض العلويين في أوّل الإسلام خوفا على أنفسهم من القتل.
ويخرج من هذا المحيط ستة أبحر: أعظمها اثنان، وهما اللّذان عناهما اللّه تعالى بقوله:
﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الآية ١٩ سورة الرحمن]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ [الآية ٦١ سورة النمل]. فأحدهما من جهة الشّرق، والآخر من جهة الغرب.
فالخارج من جهة الشّرق يقال له «البحر الصّينى»، و «البحر الهندي»، و «البحر الفارسي»، و «البحر اليمني»، و «البحر الحبشي»، بحسب ما يمرّ عليه من البلدان. وأمّا الخارج من الغرب، فيقال له «البحر الرّومي».
فأمّا البحر الهندي الخارج من جهة الشّرق، فإنّ مبدأ خروجه من مشرق الصّين، وراء خطّ الاستواء بثلاثة عشر درجة، ويجري إلى ناحية الغرب، فيمرّ على بلاد الصّين وبلاد الهند إلى مدينة كنباية وإلى التبير من بلاد مكران. فإذا صار إلى بلاد مكران ينقسم هناك قسمين: أحدهما يسمّى بحر فارس، والآخر يسمّى بحر اليمن، فيخرج بحر اليمن من ركن جبل خارج في البحر يسمّى هذا الركن رأس الجمجمة، فيمتدّ من هناك إلى مدينة ظفار، ويسير إلى الشّحر وساحل بلاد حضرموت إلى عدن وإلى باب المندب. وطول هذا البحر الهندي ثمانية/ آلاف ميل، في عرض ألف وسبع مائة ميل عند بعض المواضع، وربّما ضاق عن هذا القدر من العرض.
فإذا انتهى إلى باب المندب يخرج إلى بحر القلزم؛ والمندب جبل طوله اثنا عشر ميلا، وسعة فوهته قدر ما يرى الرجل الآخر من البرّ تجاهه.
فإذا فارق باب المندب، مرّ في جهة الشّمال بساحلي زبيد والحردة إلى عثّر - وكانت عثّر مقرّ الملك في القديم - ويمرّ من هناك على حلي إلى عسفان والجار، وهي فرضة المدينة النّبوية - على الحال بها أفضل الصّلاة والسّلام والتّحيّة والإكرام - ومنها على ما يقابل الجحفة - حيث يسمّى اليوم رابغ - إلى الحوراء ومدين وأيلة والطّور وفاران ومدينة القلزم. فإذا وصل إلى القلزم انعطف
стр. 167
من جهة الجنوب، ومرّ إلى القصير وهي فرضة قوص، ومن القصير إلى عيذاب وهي فرضة البجة، ويمتدّ من عيذاب إلى بلد الزّيلع - وهو ساحل بلاد الحبشة - ويتّصل ببربرا.
وطول هذا البحر ألف وخمس مائة ميل، وعرضه من أربع مائة ميل إلى ما دونها. وهو بحر كريه المنظر والرّائحة.
وفي هذا البحر مصبّ دجلة والفرات، وعلى أطرافه بلاد السّند وبلاد اليمن كأنّها جزائر أحاط بها الماء من جهاتها الثلاث، وهو يردع نهر مهران كردع البحر الرّومي لنيل مصر.
وفيه - فيما بين مدينة القلزم ومدينة أيلة - مكان يعرف بمدينة فاران، وعندها جبل لا يكاد ينجو منه مركب لشدّة اختلاف الرّيح وقوّة ممرّها من بين شعبتي جبلين (١)، وهي بركة سعتها ستة أميال تعرف ببركة الغرندل، يقال إنّ فرعون غرق فيها. فإذا هبّت ريح الجنوب لا يمكن سلوك هذه البركة.
ويقال إنّ الغرندل اسم صنم كان في القديم هناك، قد وضع ليحبس من خرج من أرض مصر مغاضبا للملك أو فارّا منه، وإنّ موسى ﵇ لمّا خرج ببني إسرائيل من مصر وصار بهم مشرّقا، أمره اللّه سبحانه أن ينزل تجاه هذا الصّنم، فلمّا بلغ ذلك فرعون ظنّ أنّ الصّنم قد حبس موسى ومن معه ومنعهم من المسير، كما يعهدونه منه، فخرج بجنوده في طلب موسى وقومه ليأخذهم بزعمه، فكان من غرقه ما قصّه اللّه سبحانه.
وسيرد خبر موسى ﵇ عند ذكر كنيسة دموه من هذا الكتاب في ذكر كنائس اليهود (٢).
وفي بحر القلزم هذا خمس عشرة جزيرة. منها أربع عامرات، وهي: جزيرة دهلك، وجزيرة سواكن، وجزيرة النّعمان، وجزيرة السّامري.
ويخرج من هذا البحر خليجان: خليج لطيف ببلاد الهند المتّصلة بالبحر الأعظم، وخليج يحول بين بلاد السّودان وبلاد اليمن عرض زقاقه نحو من فرسخين.
ويقرب هذا البحر من البحر الرّومي في أعالي بلاد الشّام وديار مصر حتى يكون بينهما نحو يوم.
стр. 168
ذكر البحر الرّومي
ولمّا كانت عدّة بلاد من أرض مصر مطلّة على البحر الرّومي (١) كمدينة الإسكندرية ودمياط وتنّيس والفرما والعريش وغير ذلك، وكان حدّ أرض مصر ينتهي في الجهة الشّمالية إلى هذا البحر وهو نهاية مصبّ النّيل، حسن التّعريف بشيء من أخباره:
وقد تقدّم أنّ مخرج البحر الرّومي هذا من جهة الغرب، وهو يخرج في الإقليم الرابع بين الأندلس والغرب سائرا إلى القسطنطينيّة.
ويقال إنّ هركلش (¬a) الجبّار حفره وأجراه من البحر المحيط الغربي، وأنّ جزيرة الأندلس وبلاد البربر كانت أرضا واحدة يسكنها الأشبان والبربر (¬b)، فكان بعضهم يغير على بعض، إلى أن ملك هركلش (¬a) الجبّار بن ملكا بن (¬c) بيديعوس (¬d) بن إغريقش بن يونان، فرغّب إليه الأشبان في أن يجعل بينهم وبين البربر خليجا من البحر يمكن به احتراز كلّ طائفة عن الأخرى، فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر ميلا في عرض اثني عشر ميلا، وبنى بجانبيه سكرين وعقد بينهما قنطرة يجاز عليها، وجعل عندها حرسا يمنعون البربر من الجواز عليها إلاّ بإذن. وكان قاموس البحر أعلا من أرض هذا الزّقاق، فطمى الماء حتى غطّى السّكرين مع القنطرة وساق بين يديه بلادا كثيرة، وطغى على عدّة بلاد.
ويقال إنّ المسافرين في هذا الزّقاق بالبحر يخبرون أنّ المراكب في بعض الأوقات يتوقّف سيرها مع وجود الرّيح فيجدون المانع لها كونها قد سلكت بين شرافات السّور وبين حائطين. ثم عظم هذا الزّقاق في الطّول والعرض حتى صار بحرا عرضه ثمانية عشر ميلا، ويذكرون أنّ البحر إذا جزر ترى القنطرة حينئذ.
وهذا الخبر أظنّه غير صحيح، فإنّ أخبار هذا البحر وكونه بسواحل مصر، لم يزل ذكره في الدّهر الأوّل قبل هركلش (¬a) بزمان طويل، فإمّا أن يكون ذلك قد كان في أوّل الدّهر ممّا عمله
стр. 169
بعض الأوائل، وإمّا أن يكون خبرا واهيا، وإلاّ فزمان هركلش (¬a) حادث بعد كون هذا البحر، واللّه أعلم.
وهذا الزّقاق صعب السّلوك، شديد الهول، متلاطم الأمواج. وإذا خرج البحر من هذا الزّقاق، مرّ مشرّقا في بلاد البربر وشمال الغرب الأقصى إلى وسط بلاد المغرب على إفريقيّة وبرقة والإسكندرية وشمال التّيه وأرض فلسطين والسّواحل من بلاد الشّام، ثم يعطف/ من هناك إلى العلايا وأنطاكية إلى ظهر بلاد القسطنطينيّة، حتى ينتهي إلى البحر المحيط الذي خرج منه.
وطول هذا البحر خمسة آلاف ميل، وقيل ستة آلاف ميل، وعرضه من سبع مائة ميل إلى ثلاث مائة ميل، وفيه مائة وسبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة معروفة، إلاّ أنه ليس من شرط هذا الكتاب، منها صقلّيّة وميورقة وإقريطش.
وقبالة البحر الهندي من جهة المغرب بحر خارج من المحيط في مغرب بلاد الزّنج، ينتهي إلى قريب من جبل القمر، وفيه مصبّ النّيل المار على بلاد الحبشة، وفي أسفله جزائر الخالدات التي هي منتهى الطّول في المغرب.
ويقابل البحر الشّامي من ناحية المشرق بحر جرجان، وقيل إنّه يتّصل بالبحر المحيط من بين جبال شامخة.
وبحر الصّقلب بحر يخرج من جهة المغرب بين الإقليم السّادس والإقليم السّابع، وهو متّسع، وفيه جزائر كثيرة، ومنها جزيرة الأندلس إلاّ أنها تتّصل بالبرّ الكبير، وهو جبل كالذّراع يتّصل بهذا البرّ عند برشلونة، ولهم بحر - يعرف ب: يأجوج ومأجوج - غزير وفيه عجائب، إلاّ أنّه ليس من شرط هذا الكتاب ذكرها. ويقال إنّ مسافة هذا البحر الرّومي نحو أربعة أشهر.
وقال أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيرونيّ (١) في كتاب «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن»: وقد كان حرص (¬b) بعض ملوك الفرس في بعض استيلائهم على مصر، على
стр. 170
أن يحفروا ما بين البحرين: القلزم، والرّومي، ويرفعوا البرزخ (¬a) من بينهما، وكان أوّلهم ساسيس طراطس (¬b) الملك، ثم من بعده داريوش الملك، فلم يتمكّن لهم ذلك لارتفاع ماء القلزم على أرض مصر. فلمّا كانت دولة اليونانيين جاء بطلميوس الثالث، ففعل ذلك على يد أرشميدس، بحيث يحصل الغرض بلا ضرر. فلمّا كانت دولة الرّوم القياصرة طمّوه منعا لمن يصل إليهم من أعدائهم (١).
وذكر بعض أصحاب السّير من الفلاسفة أنّ ما بين الإسكندرية وبلادها وبين القسطنطينيّة كان في قديم الزّمان أرضا تنبت الجمّيز، وكانت مسكونة وخمة، وكان أهلها من اليونانية، وأنّ الإسكندرية خرق إليها البحر فغلبت أمواهه (¬c) على تلك الأرض.
وكان بها - فيما يزعمون - الطّائر الذي يقال له قفنس، وهو طائر حسن الصّوت، وإذا حان موته زاد حسن صوته قبل ذلك بسبعة أيام حتى لا يمكن أحد يسمع صوته لأنّه يغلب على قلبه من حسن صوته ما يميت السّامع، وأنّه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم وسرور فلا يهدأ من الصّياح.
وزعموا أنّ عامل الموسيقى من الفلاسفة أراد أن يسمع صوت ققنس في تلك الحال، فخشي إن هجم عليه أن يقتله حسن صوته، فسدّ أذنيه سدّا محكما، ثم قرب إليه فجعل يفتح من أذنيه شيئا بعد شيء حتى استكمل فتح الأذنين في ثلاثة أيام، يريد أن يتوصّل إلى سماعه رتبة بعد رتبة، فلا يبغته حسنه في أوّل مرّة فيأتي عليه.
وزعموا أنّ ذلك الطّائر هلك، ولم يبق منه ولا من فراخه شيء بسبب هجوم ماء البحر عليه وعلى رهطه باللّيل في الأوكار، فلم يبق له بقيّة.
стр. 171
ويقال إنّ بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله، فأعطاه قدحا فيه سمّ ليشربه فأعلمه بذلك، فظهر منه مسرّة وفرح، فقال له ما هذا أيها الحكيم؟ فقال: هل أعجز أن أكون مثل ققنس؟
ذكر اشتقاق مصر ومعناها وتعداد (¬a) أسمائها
يقال كان اسمها في الدّهر الأوّل قبل الطّوفان «جزلة» (١)، ثم سمّيت «مصر».
وقد اختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله سمّيت هذه الأرض بمصر، فقال قوم:
سمّيت بمصريم بن مركائيل بن دوائيل بن عرياب بن آدم، وهو مصر الأوّل (٢). وقيل: بل سمّيت بمصر الثاني، وهو مصرام بن نقراوس الجبّار ابن مصريم الأوّل، وبه سمّي مصر بن بيصر بن حام بعد الطّوفان (٣). وقيل: بل سمّيت بمصر الثالث، وهو مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وهو اسم أعجمي لا ينصرف؛ وقال آخرون: هي اسم عربيّ مشتقّ.
فأمّا من ذهب إلى أنّ مصر اسم أعجميّ، فإنّه استدلّ بما رواه أهل العلم بالأخبار من نزول مصر بن بيصر بهذه الأرض، وقسمتها بين أولاده فعرفت به (٤).
وذكر الحسن بن أحمد الهمداني (٥) أنّ مصر بن حام هو (¬b) مصرايم. وقيل: إنّما سمّي بمصر (¬c)
стр. 172
ابن هرمس بن هردس جدّ الإسكندر (١). قال ونكح فوط (¬a) بن حام بخت (¬b) بنت تباويل بن ترس (¬b) ابن يافث بن نوح، فولدت له بوقير وقبط - أبا القبط قبط مصر - ومن ههنا [وهم الذين قالوا] (¬c) إنّ مصر بن حام، وإنّما هو مصر بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي (¬d) بن ليطي بن يونان، وبه سمّيت مصر فهي مقدونية (٢).
وذكر أبو الحسن المسعودي (٣) في كتاب «أخبار الزّمان» أنّ بني آدم لمّا تحاسدوا وبغى (¬e) عليهم بنو قابيل بن آدم، ركب نقراوس الجبّار ابن مصريم بن مركائيل بن دوابيل بن غرياب (¬f) بن آدم ﵇، في نيّف وسبعين راكبا من بني غرياب (¬f) جبابرة، كلّهم يطلبون موضعا من الأرض يقطنون فيه فرارا من بني أبيهم. فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلى النّيل فأطالوا المشي عليه، فلمّا رأوا سعة البلد فيه وحسنه، أعجبهم وقالوا: هذه بلد زرع وعمارة، فاقطنوا فيه واستوطنوا؛ وبنوا فيه الأبنية/ المحكمة والصّنائع العجيبة، وبنى نقراوس مصر وسمّاها باسم أبيه مصريم (٤).
وكان نقراوس جبّارا له قوّة، وكان مع ذلك عالما، وله ائتمر الجنّ في هلاك بني أبيه، ولم يزل مطاعا. وقد كان وقع إليه من العلوم، التي كان دوابيل علّمها لآدم ﵇، ما قهر به الجبابرة الذين كانوا قبله وملوكهم.
ثم أمر، حين ملك، ببناء مدينة في موضع خيمته، فقطعوا له الصّخور من الجبال، وأثاروا معادن الرّصاص، وبنوا مدينة سمّاها أمسوس (٥)، وأقاموا فيها أعلاما [طوالا] (¬g) طول كل علم منها
стр. 173
مائة ذراع، وزرعوا وعمروا الأرض. ثم أمرهم ببناء المدائن والقرى، وأسكن كلّ ناحية من الأرض من رأى؛ ثم حفروا النّيل حتى أجروا ماءه إليهم، ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، إنّما كان ينبطح ويتفرّق في الأرض حتى وجّه إلى النّوبة [جماعة حتى] (¬a) هندسوه وساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وساقوا منه نهرا إلى مدينتهم أمسوس يجري في وسطها (١).
ثم سمّيت مصر، بعد الطّوفان، بمصر (¬b) بن بيصر بن حام بن نوح. وذلك أنّ فليمون الكاهن خرج من مصر ولحق بنوح ﵇ وآمن به هو وأهله وولده وتلامذته، وركب معه في السّفينة، وزوّج ابنته من بيصر بن حام بن نوح. فلمّا خرج نوح من السّفينة وقسم الأرض بين أولاده - وكانت ابنة فليمون قد ولدت لبيصر ولدا سمّاه مصرايم - فقال فليمون لنوح: ابعث معي يا نبيّ اللّه ابني حتى أمضي به إلى (¬c) بلدي، وأظهره على كنوزي، وأوقفه على علومه ورموزه؛ فأنفذه معه في جماعة من أهل بيته - وكان غلاما مرفّها - فلمّا قرب من مصر بنى له عريشا من أغصان الشّجر، وستره بحشيش الأرض، ثم بنى له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة وسمّاها درسان أي باب الجنّة. فزرعوا وغرسوا الأشجار والأجنة من درسان إلى البحر، فصارت هناك زروع وأجنّة وعمارة. وكان الذي مع مصرايم جبابرة، فقطعوا الصّخور، وبنوا المعالم والمصانع، وأقاموا في أرغد عيش (٢).
ويقال إنّ أهل مصر أقاموا عليهم مصريم بن بيصر ملكا في أيّام تالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فملك مصر وبنى مدينة منف (¬d) على النّيل وسمّاها باسمه.
ويقال إنّ مصريم غرس الأشجار بيده، وكانت ثمارها عظيمة بحيث تشقّ الأترجّة نصفين فيحمل على البعير نصفها! وكان القثّاء في طول أربعة عشر شبرا. ويقال إنّه أوّل من صنع السّفن بالنّيل، وإنّ أوّل سفينة كانت ثلاث مائة ذراع طولا في عرض مائة ذراع (٣).
стр. 174
ويقال إنّ مصريم نكح امرأة من بني الكهنة فولدت له ولدا فسمّاه قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة ولدت له أربعة نفر: قبطيم وأشمون وأتريب وصا، فكثروا وعمّروا الأرض وبورك لهم فيها.
وقيل إنّه كان عدد من وصل معهم ثلاثون رجلا، فبنوا مدينة سمّوها نافة، ومعنى نافة ثلاثون بلغتهم، وهي منف. وكشف أصحاب فليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومهم، وأثاروا المعادن، وعلّموهم علم الطّلّسمات، ووصفوا لهم عمل (¬a) الصّنعة، وبنوا على غير البحر مدنا منها رقودة مكان الإسكندرية. ولمّا حضر مصريم الوفاة عهد إلى ابنه قبطيم، وكان قد قسم أرض مصر بين بنيه، فجعل لقبطيم من قفط إلى أسوان، ولأشمون من أشمون إلى منف، ولأتريب الحوف كلّه، ولصا من ناحية صا البحرية إلى قرب برقة، وقال لأخيه فارق: لك من برقة إلى الغرب، فهو صاحب إفريقية ووالد الأفارق، وأمر كلّ واحد من بنيه أن يبني لنفسه مدينة في موضعه (١).
وأمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا، وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض ويجعلوا فيه جسده، ويدفنوا معه جميع ما في خزائنه من الذّهب والجوهر ويزبروا عليه أسماء اللّه تعالى المانعة من أخذه؛ فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصفّحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كلّ باب منها تمثال من ذهب، عليه تاج مرصّع بالجوهر، وهو جالس على كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، وزبروا في صدر كلّ تمثال آيات مانعة، وجعلوا جسده في جرن (¬b) مرمر مصفّح بالذهب؛ وزبروا على مجلسه:
«مات مصريم بن بيصر بن حام بن نوح بعد سبع مائة عام مضت من أيّام الطّوفان، ولم يعبد الأصنام، إذ لا هرم ولا سقام ولا حزن ولا اهتمام، وحصّنه بأسماء اللّه العظام، لا يصل إليه إلاّ ملك ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الدّيّان، ويؤمن بالمبعوث بالفرقان الداعي إلى الإيمان آخر الزّمان».
стр. 175
وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزّبرجد المخروط، وألف تمثال من الجوهر النّفيس، وألف برنية مملوءة من الدّرّ الفاخر والصّنعة الإلهية، والعقاقير والطّلّسمات العجيبة، وسبائك الذّهب، وسقّفوا ذلك بالصّخور، وهالوا فوقها الرّمال بين جبلين، وولي ابنه قبطيم الملك (١).
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام (٢) في كتاب «التّيجان» (¬a): أنّ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود أخي عاد بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇.
واسم عبد شمس هذا عامر، وعرف بعبد شمس لأنّه أوّل من عبد الشّمس (٣)، وقيل له أيضا سبأ لأنّه أوّل من سبى، وهو سبأ الأكبر أبو حمير وكهلان، ملك بعد أبيه يشجب بأرض اليمن (٤)، جمع بني قحطان وبني هود ﵇ وحثّهم على الغزو، ثم سار بهم إلى أرض بابل ففتحها، وقتل من كان بها من الثّوّار حتى بلغ أرض أرمينية، وملك أرض بني يافث بن نوح، وأراد أن يعبر من هناك إلى الشّام وأرض الجزيرة، فقيل له ليس لك مجاز غير الرّجوع في طريقك، فبنى قنطرة على البحر بناحية (¬b) … وجاز عليها إلى الشّام، فأخذ تلك الأراضي إلى الدّرب، ولم يكن خلف الدّرب إذ ذاك أحد.
ثم نهض يريد بلاد المغرب (¬c)، فنزل على النّيل، وجمع أهل مشورته وقال لهم: إنّي رأيت أن أبني مصرا - أي حدّا (¬d) - بين هذين البحرين - يعني بحر الرّوم وبحر القلزم - فيكون فاصلا بين المشرق (¬e) والمغرب (¬c)، فقالوا: نعم الرّأي أيّها الملك.
стр. 176
فبنى مدينة سمّاها مصر وولّى عليها ابنه بابليون، ومضى إلى بني حام بن نوح - وهم نزول في البراري إلى قمونية وبقمونية (١١) xax القبط - فأوقع بجميع تلك الطّوائف، وسبى ذراريهم كما فعل ببلاد الشّرق، فقيل له من أجل ذلك «سبأ». ثم عاد إلى مصر ومضى فيها إلى الشّام يريد الحجاز، وأوصى ابنه بابليون عند رحيله فقال:
[الطويل]
ألا قل لبابليون والقول حكمة … ملكت زمام الشّرق والغرب فاجمل
وخذ لبني حام من الأمر وسطه … فإن صدفوا يوما عن الحقّ فاقبل
وإن جنحوا بالقول للرّفق طاعة … يريدون وجه الحقّ والعدل فاعدل
ولا تظهرنّ الرّأي في الناس يجتروا … عليك به واجعله ضربة فيصل
ولا تأخذنّ المال من غير وجهه … فإنّك إن تأخذه بالرّفق يسهل
ولا تنفقنّ المال في غير حقّه … وإن جاء ما لابدّ منه فابذل
وداو ذوي الأحقاد بالسّيف إنّه … متى يلق منك العزم ذو الحقد يجمل
وخذ لذوي الأحساب لينا وشدّة … ولا تك جبّارا عليهم وأجمل
وكن لسؤال النّاس غوثا ورحمة … ومن يك ذا عرف من النّاس يسأل
وإيّاك والسّفر القريب فإنّه … سيغني بما يوليه في كلّ منهل
ثم عاد إلى اليمن وبنى سدّ مأرب، وهو سدّ فيه سبعون نهرا، ويصل إليه السّيل من مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها، ثم مات عن خمس مائة سنة (١).
وقام من بعده ابنه حمير بن سبأ، فعتا بنو حام على بابليون وأرادوا تخريب مصر، فاستدعى أخاه حمير لينجده عليهم، فقدم عليه مصر، ومضى إلى بلاد المغرب، فأقام بها مائة عام يبني المدائن ويتّخذ المصانع، فمات [بعده أخوه] (١٢) xbx بابليون بن سبأ بمصر، وولي بعده ابنه امرؤ القيس ابن بابليون (٢).
ثم مات حمير بن سبأ عن أربع مائة سنة وخمس وأربعين سنة، منها في الملك أربع مائة سنة؛ وأقام من بعده وائل بن حمير ثم مات (٣).
стр. 177
فقام من بعده ابنه السّكسك بن وائل الذي يقال له مقعقع الملك (١١) xax - وقد افترق ملك حمير - فحارب الثّوّار، وسار إلى الشّام، فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ بالرّملة - وقد ملك بعد أبيه - وقدّم له هدية، فأقرّه على مصر حتى قدم عليه إبراهيم الخليل ﵇ ووهبه هاجر (١).
وقال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم (٢) في كتاب «فتوح مصر وأخبارها»، عن عبد اللّه بن عبّاس ﵄ قال: كان لنوح ﵇ أربعة من الولد: سام وحام ويافث ويحطون، وأنّ نوحا رغب إلى اللّه ، وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذرّيته حين تكاملوا بالنّماء والبركة، فوعده ذلك. فنادى نوح ولده وهم نيام عند السّحر، فنادى ساما فأجابه يسعى، وصاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم، إلاّ ابنه أرفخشذ، فانطلق به معه حتى أتياه، فوضع نوح يمينه على سام وشماله على أرفخشذ بن سام، وسأل اللّه أن يبارك في سام أفضل البركة، وأن يجعل الملك والنّبوّة في ولد أرفخشذ.
ثم نادى حاما وتلفّت يمينا وشمالا، فلم يجبه ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده، فدعا اللّه نوح أن يجعل ولده أذلاّء، وأن يجعلهم عبيدا لولد سام.
وكان مصر بن بيصر بن حام نائما إلى جنب جدّه، فلمّا سمع دعاء نوح على جدّه وولده، قام يسعى إلى نوح وقال: يا جدّي قد أجبتك إذ لم يجبك أبي (١٢) xbx ولا أحد من ولده، فاجعل لي دعوة من دعائك؛ ففرح نوح، ووضع يده على رأسه وقال: «اللّهم إنّه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذرّيته، وأسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض وذلّلها لهم وقوّهم عليها». ثم دعا ابنه يافث، فلم يجبه [هو] (١٣) xcx ولا أحد من ولده، فدعا اللّه عليهم أن يجعلهم شرار الخلق (٣).
стр. 178
وعاش سام مباركا إلى أن مات؛ وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتى مات. وكان الملك الذي يهبه (¬a) اللّه والنّبوّة والبركة في ولد أرفخشذ بن سام.
وكان أكبر ولد حام/ كنعان بن حام - وهو الذي حبل به في الرجز في الفلك - فدعا عليه نوح فخرج أسود، وكان في ولده الجفاء والملك والجبروت، وهو أبو السّودان والحبش كلّهم.
وابنه الثاني كوش بن حام، وهو أبو السّند والهند. وابنه الثالث فوط بن حام، وهو أبو البربر، وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام، وهو أبو القبط كلهم (١).
فولد بيصر بن حام أربعة: مصر بن بيصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح بما دعا له، وفارق ابن بيصر، وماح بن بيصر [وياح بن بيصر] (¬b). وقيل ولد مصر أربعة: فقط بن مصر، وأشمن بن مصر، وأتريب بن مصر، وصا بن مصر (٢).
وعن ابن لهيعة وعبد اللّه بن خالد: أوّل من سكن مصر بيصر بن حام بن نوح ﵇ بعد أن أغرق اللّه تعالى قومه، وأوّل مدينة عمّرت بمصر منف: فسكنها بيصر بولده وهم ثلاثون نفسا، منهم أربعة أولاد له قد بلغوا وتزوّجوا، وهم مصر وفارق وياح وماح - وكان مصرا أكبرهم - فبنوا مصر، وكان إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطّم، ونقروا هناك منازل كثيرة (٣).
وكان نوح ﵇ قد دعا لمصر أن يسكنه اللّه الأرض الطّيّبة المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات، ويسخّر له الأرض ولولده ويذلّلها لهم ويقوّيهم عليها، فسأله عنها فوصفها له وأخبره بها.
قالوا: وكان مصر بن بيصر مع نوح في السّفينة لمّا دعا له، وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، فساق ولده مصر وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها، وبذلك سمّيت مصر (٤).
فلمّا قرّ قرار بيصر وبنيه بمصر، قال لمصر إخوته فارق وماح وياح بنو بيصر: قد علمنا أنك أكبرنا وأفضلنا، وأن هذه الأرض التي أسكنك إيّاها جدّك نوح، ونحن نضيّق عليك أرضك -
стр. 179
وذلك حين كثر ولده وأولادهم - ونحن نطلب إليك البركة التي جعلها فيك جدّنا نوح أن تبارك لنا في أرض نلحق بها ونسكنها وتكون لنا ولأولادنا.
فقال: نعم، عليكم بأقرب البلاد إليّ ولا تباعدوا منّي، فإنّ لي في بلادي مسيرة شهر من أربعة وجوه أحوزها لنفسي، فتكون لي ولولدي ولأولادهم.
فحاز مصر بن بيصر لنفسه ما بين الشّجرتين التي بالعريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا. وحاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقية، وكان ولده الأفارقة، ولذلك سمّيت إفريقية، وذلك مسيرة شهر. وحاز ماح ما بين الشّجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة مسيرة شهر، وهو أبو قبط الشّام. وحاز ياح ماوراء الجزيرة كلّها ما بين البحر إلى الشّرق مسيرة شهر، وهو أبو قبط العراق. ثم توفّي بيصر بن حام، ودفن في موضع دير أبي هرميس غربيّ الأهرام، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر (١).
وكثر أولاد مصر، وكان الأكابر منهم قفط وأتريب وأشمن وصا، والقبط من ولد مصر هذا ويقال إنّ قبطا أخو قفط، وهو بلسانهم قفطيم وقبطيم ومصرايم (٢).
قال: ثم إنّ بيصر بن حام توفي، واستخلف ابنه مصر، وحاز كلّ واحد من إخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حازها لنفسه ولولده. فلمّا كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكلّ واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده، وقسّم لهم هذا النّيل.
فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها، وبه سمّيت قفط قفطا، وما فوقها إلى أسوان وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب. وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق والغرب، فسكن أشمن أشمون فسمّيت به. وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا، فسكن أتريب فسمّيت به. وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا فسمّيت به. فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء: جزأين بالصّعيد، وجزأين بأسفل الأرض (٣).
قال البكريّ (٤): ومصر مؤنّثة. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾، وقال: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾.
وقال عامر بن واثلة الكناني لمعاوية: أمّا عمرو بن العاص فأنطقته مصر. وأمّا قوله سبحانه:
стр. 180
﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ فإنّه أراد مصرا من الأمصار. وقرأ سليمان الأعمش: (اهبطوا مصر). وقال:
هي مصر التي عليها سليمان بن عليّ، فلم يجرها (١).
وقال القضاعيّ: وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، فساقه ولده مصر وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها، وبذلك سمّيت مصر. وهو اسم لا ينصرف في المعرفة لأنّه اسم مذكّر، سمّيت به هذه المدينة، فاجتمع فيها التأنيث والتّعريف فمنعاها الصّرف، ثم قيل لكلّ مدينة عظيمة يطرقها السّفّار مصر، فإذا أريد مصر من الأمصار صرف لزوال إحدى العلّتين وهي التّعريف.
وأمّا قوله تعالى إخبارا عن موسى ﵇: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [الآية ٦١ سورة البقرة]. فإنّه مصروف في قراءة سائر القرّاء، وفي قراءة الحسن والأعمش غير مصروف.
فمن صرفها فله وجهان: أحدهما أنّه أراد اهبطوا مصرا من الأمصار لأنّهم كانوا يومئذ في التّيه، والآخر أنّه أراد مصر هذه بعينها، وصرفها لأنّه جعل مصرا اسما للبلد، وهو اسم مذكّر سمّي به مذكّر فلم يمنعه الصّرف. وأمّا من لم يصرفه فإنّه أراد بمصر هذه المدينة.
وكذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ﴾ [الآية ١٠٠ سورة يوسف]، وقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف] إنّما يراد به مصر هذه (٢).
فأمّا المصر في كلام العرب فهو الحدّ بين الأرضين. ويقال إنّ أهل هجر يقولون: اشتريت الدّار بمصورها، أي بحدودها (٣). وقال الجاحظ/ في كتاب «مدح مصر» (٤): إنّما سمّيت مصر بمصر لمصير (¬a)