فبنى مدينة سمّاها مصر وولّى عليها ابنه بابليون، ومضى إلى بني حام بن نوح - وهم نزول في البراري إلى قمونية وبقمونية (١١) xax القبط - فأوقع بجميع تلك الطّوائف، وسبى ذراريهم كما فعل ببلاد الشّرق، فقيل له من أجل ذلك «سبأ». ثم عاد إلى مصر ومضى فيها إلى الشّام يريد الحجاز، وأوصى ابنه بابليون عند رحيله فقال:
[الطويل]
ألا قل لبابليون والقول حكمة … ملكت زمام الشّرق والغرب فاجمل
وخذ لبني حام من الأمر وسطه … فإن صدفوا يوما عن الحقّ فاقبل
وإن جنحوا بالقول للرّفق طاعة … يريدون وجه الحقّ والعدل فاعدل
ولا تظهرنّ الرّأي في الناس يجتروا … عليك به واجعله ضربة فيصل
ولا تأخذنّ المال من غير وجهه … فإنّك إن تأخذه بالرّفق يسهل
ولا تنفقنّ المال في غير حقّه … وإن جاء ما لابدّ منه فابذل
وداو ذوي الأحقاد بالسّيف إنّه … متى يلق منك العزم ذو الحقد يجمل
وخذ لذوي الأحساب لينا وشدّة … ولا تك جبّارا عليهم وأجمل
وكن لسؤال النّاس غوثا ورحمة … ومن يك ذا عرف من النّاس يسأل
وإيّاك والسّفر القريب فإنّه … سيغني بما يوليه في كلّ منهل
ثم عاد إلى اليمن وبنى سدّ مأرب، وهو سدّ فيه سبعون نهرا، ويصل إليه السّيل من مسيرة ثلاثة أشهر في مثلها، ثم مات عن خمس مائة سنة (١).
وقام من بعده ابنه حمير بن سبأ، فعتا بنو حام على بابليون وأرادوا تخريب مصر، فاستدعى أخاه حمير لينجده عليهم، فقدم عليه مصر، ومضى إلى بلاد المغرب، فأقام بها مائة عام يبني المدائن ويتّخذ المصانع، فمات [بعده أخوه] (١٢) xbx بابليون بن سبأ بمصر، وولي بعده ابنه امرؤ القيس ابن بابليون (٢).
ثم مات حمير بن سبأ عن أربع مائة سنة وخمس وأربعين سنة، منها في الملك أربع مائة سنة؛ وأقام من بعده وائل بن حمير ثم مات (٣).
стр. 177
فقام من بعده ابنه السّكسك بن وائل الذي يقال له مقعقع الملك (١١) xax - وقد افترق ملك حمير - فحارب الثّوّار، وسار إلى الشّام، فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ بالرّملة - وقد ملك بعد أبيه - وقدّم له هدية، فأقرّه على مصر حتى قدم عليه إبراهيم الخليل ﵇ ووهبه هاجر (١).
وقال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم (٢) في كتاب «فتوح مصر وأخبارها»، عن عبد اللّه بن عبّاس ﵄ قال: كان لنوح ﵇ أربعة من الولد: سام وحام ويافث ويحطون، وأنّ نوحا رغب إلى اللّه ، وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذرّيته حين تكاملوا بالنّماء والبركة، فوعده ذلك. فنادى نوح ولده وهم نيام عند السّحر، فنادى ساما فأجابه يسعى، وصاح سام في ولده فلم يجبه أحد منهم، إلاّ ابنه أرفخشذ، فانطلق به معه حتى أتياه، فوضع نوح يمينه على سام وشماله على أرفخشذ بن سام، وسأل اللّه أن يبارك في سام أفضل البركة، وأن يجعل الملك والنّبوّة في ولد أرفخشذ.
ثم نادى حاما وتلفّت يمينا وشمالا، فلم يجبه ولم يقم إليه هو ولا أحد من ولده، فدعا اللّه نوح أن يجعل ولده أذلاّء، وأن يجعلهم عبيدا لولد سام.
وكان مصر بن بيصر بن حام نائما إلى جنب جدّه، فلمّا سمع دعاء نوح على جدّه وولده، قام يسعى إلى نوح وقال: يا جدّي قد أجبتك إذ لم يجبك أبي (١٢) xbx ولا أحد من ولده، فاجعل لي دعوة من دعائك؛ ففرح نوح، ووضع يده على رأسه وقال: «اللّهم إنّه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذرّيته، وأسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض وذلّلها لهم وقوّهم عليها». ثم دعا ابنه يافث، فلم يجبه [هو] (١٣) xcx ولا أحد من ولده، فدعا اللّه عليهم أن يجعلهم شرار الخلق (٣).
стр. 178
وعاش سام مباركا إلى أن مات؛ وعاش ابنه أرفخشذ بن سام مباركا حتى مات. وكان الملك الذي يهبه (¬a) اللّه والنّبوّة والبركة في ولد أرفخشذ بن سام.
وكان أكبر ولد حام/ كنعان بن حام - وهو الذي حبل به في الرجز في الفلك - فدعا عليه نوح فخرج أسود، وكان في ولده الجفاء والملك والجبروت، وهو أبو السّودان والحبش كلّهم.
وابنه الثاني كوش بن حام، وهو أبو السّند والهند. وابنه الثالث فوط بن حام، وهو أبو البربر، وابنه الأصغر الرابع بيصر بن حام، وهو أبو القبط كلهم (١).
فولد بيصر بن حام أربعة: مصر بن بيصر وهو أكبرهم والذي دعا له نوح بما دعا له، وفارق ابن بيصر، وماح بن بيصر [وياح بن بيصر] (¬b). وقيل ولد مصر أربعة: فقط بن مصر، وأشمن بن مصر، وأتريب بن مصر، وصا بن مصر (٢).
وعن ابن لهيعة وعبد اللّه بن خالد: أوّل من سكن مصر بيصر بن حام بن نوح ﵇ بعد أن أغرق اللّه تعالى قومه، وأوّل مدينة عمّرت بمصر منف: فسكنها بيصر بولده وهم ثلاثون نفسا، منهم أربعة أولاد له قد بلغوا وتزوّجوا، وهم مصر وفارق وياح وماح - وكان مصرا أكبرهم - فبنوا مصر، وكان إقامتهم قبل ذلك بسفح المقطّم، ونقروا هناك منازل كثيرة (٣).
وكان نوح ﵇ قد دعا لمصر أن يسكنه اللّه الأرض الطّيّبة المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات، ويسخّر له الأرض ولولده ويذلّلها لهم ويقوّيهم عليها، فسأله عنها فوصفها له وأخبره بها.
قالوا: وكان مصر بن بيصر مع نوح في السّفينة لمّا دعا له، وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، فساق ولده مصر وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها، وبذلك سمّيت مصر (٤).
فلمّا قرّ قرار بيصر وبنيه بمصر، قال لمصر إخوته فارق وماح وياح بنو بيصر: قد علمنا أنك أكبرنا وأفضلنا، وأن هذه الأرض التي أسكنك إيّاها جدّك نوح، ونحن نضيّق عليك أرضك -
стр. 179
وذلك حين كثر ولده وأولادهم - ونحن نطلب إليك البركة التي جعلها فيك جدّنا نوح أن تبارك لنا في أرض نلحق بها ونسكنها وتكون لنا ولأولادنا.
فقال: نعم، عليكم بأقرب البلاد إليّ ولا تباعدوا منّي، فإنّ لي في بلادي مسيرة شهر من أربعة وجوه أحوزها لنفسي، فتكون لي ولولدي ولأولادهم.
فحاز مصر بن بيصر لنفسه ما بين الشّجرتين التي بالعريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا. وحاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقية، وكان ولده الأفارقة، ولذلك سمّيت إفريقية، وذلك مسيرة شهر. وحاز ماح ما بين الشّجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة مسيرة شهر، وهو أبو قبط الشّام. وحاز ياح ماوراء الجزيرة كلّها ما بين البحر إلى الشّرق مسيرة شهر، وهو أبو قبط العراق. ثم توفّي بيصر بن حام، ودفن في موضع دير أبي هرميس غربيّ الأهرام، فهي أوّل مقبرة قبر فيها بأرض مصر (١).
وكثر أولاد مصر، وكان الأكابر منهم قفط وأتريب وأشمن وصا، والقبط من ولد مصر هذا ويقال إنّ قبطا أخو قفط، وهو بلسانهم قفطيم وقبطيم ومصرايم (٢).
قال: ثم إنّ بيصر بن حام توفي، واستخلف ابنه مصر، وحاز كلّ واحد من إخوة مصر قطعة من الأرض لنفسه سوى أرض مصر التي حازها لنفسه ولولده. فلمّا كثر ولد مصر وأولاد أولادهم، قطع مصر لكلّ واحد من ولده قطيعة يحوزها لنفسه ولولده، وقسّم لهم هذا النّيل.
فقطع لابنه قفط موضع قفط فسكنها، وبه سمّيت قفط قفطا، وما فوقها إلى أسوان وما دونها إلى أشمون في الشرق والغرب. وقطع لأشمن من أشمون فما دونها إلى منف في الشرق والغرب، فسكن أشمن أشمون فسمّيت به. وقطع لأتريب ما بين منف إلى صا، فسكن أتريب فسمّيت به. وقطع لصا ما بين صا إلى البحر، فسكن صا فسمّيت به. فكانت مصر كلّها على أربعة أجزاء: جزأين بالصّعيد، وجزأين بأسفل الأرض (٣).
قال البكريّ (٤): ومصر مؤنّثة. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾، وقال: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾.
وقال عامر بن واثلة الكناني لمعاوية: أمّا عمرو بن العاص فأنطقته مصر. وأمّا قوله سبحانه:
стр. 180
﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾ فإنّه أراد مصرا من الأمصار. وقرأ سليمان الأعمش: (اهبطوا مصر). وقال:
هي مصر التي عليها سليمان بن عليّ، فلم يجرها (١).
وقال القضاعيّ: وكان بيصر بن حام قد كبر وضعف، فساقه ولده مصر وجميع إخوته إلى مصر فنزلوها، وبذلك سمّيت مصر. وهو اسم لا ينصرف في المعرفة لأنّه اسم مذكّر، سمّيت به هذه المدينة، فاجتمع فيها التأنيث والتّعريف فمنعاها الصّرف، ثم قيل لكلّ مدينة عظيمة يطرقها السّفّار مصر، فإذا أريد مصر من الأمصار صرف لزوال إحدى العلّتين وهي التّعريف.
وأمّا قوله تعالى إخبارا عن موسى ﵇: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [الآية ٦١ سورة البقرة]. فإنّه مصروف في قراءة سائر القرّاء، وفي قراءة الحسن والأعمش غير مصروف.
فمن صرفها فله وجهان: أحدهما أنّه أراد اهبطوا مصرا من الأمصار لأنّهم كانوا يومئذ في التّيه، والآخر أنّه أراد مصر هذه بعينها، وصرفها لأنّه جعل مصرا اسما للبلد، وهو اسم مذكّر سمّي به مذكّر فلم يمنعه الصّرف. وأمّا من لم يصرفه فإنّه أراد بمصر هذه المدينة.
وكذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ﴾ [الآية ١٠٠ سورة يوسف]، وقول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف] إنّما يراد به مصر هذه (٢).
فأمّا المصر في كلام العرب فهو الحدّ بين الأرضين. ويقال إنّ أهل هجر يقولون: اشتريت الدّار بمصورها، أي بحدودها (٣). وقال الجاحظ/ في كتاب «مدح مصر» (٤): إنّما سمّيت مصر بمصر لمصير (¬a)
стр. 181
الناس إليها واجتماعهم بها، كما سمّي مصير الخوف مصيرا ومصرانا لمصير الطّعام إليه (١).
قال: وجمع المصر من البلدان أمصار، وجمع مصير الطّعام مصران، وليس لمصر هذه جمع لأنّها واحدة.
قال: وقال الأخطل: هممت بالإسلام ثم توقّفت عنه؛ قيل: ولم ذلك؟ قال: أتيت امرأة لي وأنا جائع فقلت: أطعميني شيئا، فقالت: يا جارية، ضعي لأبي مالك مصيرا في النار، ففعلت؛ فاستعجلتها بالطّعام فقالت: يا جارية، أين مصير أبي مالك؟ قالت: في النار. قال:
فتطيّرت، وهممت بأن أسلم فتوقّفت.
وقال الجوهريّ في كتاب «الصّحاح»: مصر هي المدينة المعروفة تذكّر وتؤنّث؛ عن ابن السّرّاج: والمصران: الكوفة والبصرة (٢).
وقال ابن خالويه في كتاب «ليس» (٣): ليس أحد فسّر لنا لم سمّيت مصر مقدونية قديما إلاّ في اللّسان العبراني، قال: مقدونية مغيث، وإنّما سمّيت مصر لمّا سكنها بيصر ابن حام.
وتزعم الرّوم أنّ بلاد مقدونية جميعا وقف على الكنيسة العظمى التي بالقسطنطينيّة، ويسمّون بلاد مقدونية الأوصفيّة، وهي عندهم الإسكندرية وما يضاف إليها، وهي مصر كلّها بأسرها إلاّ الصّعيد الأعلى.
ويقال لمصر: أم خنّور، وتفسيره النّعمة. والمصر: الفرق بين الشّيئين. قال الشّاعر يصف اللّه تعالى:
[البسيط]
وجعل (¬a) الشّمس مصرا لا خفاء به … بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
стр. 182
هذا البيت قائله عديّ بن زيد العبادي (١)، ويروى لأميّة بن أبي الصّلت الثّقفي (٢)، وهو من أبيات أوّلها:
[البسيط]
اسمع حديثا كما يوما تحدثه … عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا
كيف بدا ثم ربّى اللّه نعمته … فيها وعلّمنا آياته الأولا
كانت رياح وسيل ذو كرانية … وظلمة لم تدع فتقا ولا خللا
فأمر الظّلمة السّوداء فانكشفت … وعزل الماء عمّا كان قد شغلا
وبسط الأرض بسطا ثم قدّرها … تحت السّماء سواميل وما نقلا
وجاعل الشّمس مصرا لا خفاء به … بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
وفي السّماء مصابيح تضيء لنا … ما أن تكلّفنا زيتا ولا فتلا
قضى، لستّة أيّام، خليقته … وكان آخر شيء صوّر الرّجلا
فأخذ اللّه من طين فصوّره … لمّا رأى أنّه قد تمّ واعتدلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب له … فنفخ الرّوح في الجسم الذي جبلا
ثمّة أورثه الفردوس يسكنها … وزوّجه ضلعه من جنبه سلا
لم ينهه ربّه عن غير واحدة … من شجر طيب إن شمّ أو أكلا
وكانت الحيّة الرّقشاء إذ خلقت … كما ترى ناقة في الخلق أو جملا
فلامها اللّه إذ أطغت خليقته … طول اللّيالي ولم يجعل لها أكلا
تمشي على بطنها في الأرض ما عمرت … والتّرب تأكله حزنا وإن سهلا
وقال الحافظ أبو الخطّاب مجد الدين عمر بن دحية (٣): ومصر أخصب بلاد اللّه، وسمّاها اللّه بمصر، وهي هذه دون غيرها بإجماع القرّاء على ترك صرفها. وهي اسم لا ينصرف في معرفة
стр. 183
لأنّه اسم مذكّر سمّيت به هذه المدينة، واجتمع فيه التأنيث والتعريف فمنعاه الصّرف. وهي عندنا مشتقّة من: مصرت الشّاة إذا أخذت من ضرعها اللّبن، فسمّيت مصر لكثرة ما فيها من الخير ممّا ليس في غيرها، فلا يخلو ساكنها من خير يدرّ عليه منها كالشّاة التي ينتفع بلبنها وصوفها وولادتها (١).
وقال ابن الأعرابي (٢): المصر الوعاء، ويقال للمعا: المصير، وجمعه مصران ومصارين.
وكذلك هي خزائن الأرض، قال أبو بصرة الغفاريّ من أصحاب رسول اللّه ﷺ : مصر خزائن الأرض كلّها، ألا ترى إلى قول يوسف، ﵇: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٥٥ سورة يوسف]. فأغاث اللّه بمصر يومئذ وخزائنها كلّ حاضر وباد؛ ذكره عن (¬a) الحوفي في تفسيره.
وقال البكريّ: أمّ خنّور - بفتح أوّله وتشديد ثانيه وبالراء المهملة - اسم لمصر؛ وقال أرطاة بن سهيّة:
[البسيط]
يا آل ذبيان ذودوا عن دمائكم … ولا تكونوا لقوم أمّ خنّور
يقول: لا تكونوا أذلاّء، ينالكم من أراد، ويأخذ منكم من أحبّ، كما تمتار مصر وهي أمّ خنّور.
стр. 184
وقال كراع: أمّ خنّور النّعمة، ولذلك سمّيت مصر أمّ خنّور لكثرة خيرها.
وقال عليّ بن حمزة (١): سمّيت أمّ خنّور، لأنّها يساق إليها/ القصار الأعمار. ويقال للضّبع:
خنّور وخنّوز، بالراء وبالزاي (٢).
وقال ابن قتيبة في «غريب الحديث»: ومصر الحدّ، وأهل هجر يكتبون في شروطهم: اشترى فلان الدار بمصورها كلّها، أي بحدودها؛ وقال عديّ بن زيد (٣):
[البسيط]
وجعل (¬a) الشّمس مصرا لا خفاء به … بين النّهار وبين اللّيل قد فصلا
أي: حدّا (٤).
ذكر طرف من فضائل مصر
ولمصر فضائل كثيرة، منها أنّ اللّه ذكرها في كتابه العزيز بضعا وعشرين مرّة، تارة بصريح الذّكر وتارة إيماء؛ قال تعالى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ [الآية ٦١ سورة البقرة]. (٥) قال أبو محمد عبد الحقّ بن عطيّة في «تفسيره للقرآن» (¬b): وجمهور النّاس يقرأون مصرا بالتنوين، وهو خطّ المصاحف، إلاّ ما حكي عن بعض مصاحف عثمان بن عفّان (¬b) ﵁.
وقال مجاهد وغيره: من صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معيّن، واستدلّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرّواية أنّهم سكنوا الشّام بعد التّيه.
وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلّوا بما في القرآن أنّ اللّه تعالى أورث بني إسرائيل ديار فرعون وآثاره، وأجازوا صرفها. قال الأخفش: لخفّتها وشبهها بهند ودعد.
وسيبويه لا يجيز هذا. وقال غير الأخفش: أراد المكان فصرف.
стр. 185
وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً﴾، بترك الصّرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن كعب، وقال: هي مصر فرعون؛ قال الأعمش: هي مصر التي عليها صالح بن عليّ (١).
وقال أشهب: قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون؛ قال تعالى: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اَللّهُ آمِنِينَ﴾ [الآية ٩٩ سورة يوسف].
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطّبريّ في «تفسيره»، عن فرقد السّبخي (¬a)، قال: خرج يوسف ﵇ يتلقّى يعقوب ﵇ وركب أهل مصر مع يوسف وكانوا يعظّمونه؛ فلمّا دنا أحدهما من صاحبه، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكّأ على رجل من ولده يقال له يهوذا؛ فنظر يعقوب إلى الخيل وإلى الناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك! فلمّا دنا كلّ واحد منهما من صاحبه قال يعقوب ﵇: السّلام عليك يا ذاهب الأحزان عنّي؛ هكذا قال: يا ذاهب الأحزان عنّي (٢).
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا اَلصَّلاةَ﴾ [الآية ٨٧ سورة يونس]. قال الطّبريّ عن ابن عبّاس وغيره: كانت بنو إسرائيل تخاف فرعون، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد يصلّون فيها. قال قتادة: وذلك حين منعهم فرعون الصّلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجّهوا نحو القبلة.
وعن مجاهد: (بيوتكم قبلة)، قال: نحو الكعبة حين خاف موسى ومن معه من فرعون أن يصلّوا في الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلّون فيها سرّا (٣).
وعن مجاهد في قوله: ﴿أَنْ تَبَوَّءا ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ قال: مصر الإسكندرية.
وقال تعالى مخبرا عن فرعون إنّه قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف] (٤).
стр. 186
قال ابن عبد الحكم، وأبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس (١) وغيرهما، عن أبي رهم السّماعي، أنّه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ قال:
ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكان جميع أهل الأرضين يحتاجون إلى مصر. وأمّا الأنهار فكانت قناطر وجسورا بتقدير وتدبير، حتى إن الماء يجري من تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه كيف شاءوا (٢).
فهذا ما ذكره اللّه سبحانه في مصر من آي الكتاب العزيز بصريح الذّكر.
وأمّا ما وقعت إليها الإشارة فيه من الآيات فعدّة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [الآية ٩٣ سورة يونس]؛ وقال تعالى:
﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ [الآية ٥٠ سورة المؤمنون]، قال ابن عبّاس وسعيد بن المسيّب ووهب بن منبّه: هي مصر، وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: هي الإسكندرية.
وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الآيتان ٥٧، ٥٨ سورة الشعراء]؛ وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ [الآيات ٢٥ - ٢٧ سورة الدخان]. قال ابن يونس: وفي قول اللّه سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قال أبو رهم: كانت الجنّات بحافتي النّيل من أوّله إلى آخره من الجانبين، ما بين أسوان إلى رشيد، وسبعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيّوم وخليج المنهى [جنّات] (¬a) متّصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كلّه من أوّل مصر إلى آخرها مما
стр. 187
يبلغه الماء. وكان جميع أرض مصر كلّها تروى يومئذ من ستة عشر ذراعا، لما قد دبّروا من قناطرها وجسورها (١). قال: والمقام الكريم: المنابر. كان بها ألف منبر.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: المقام الكريم: المنابر. وقال قتادة: (ومقام كريم)، أي حسن.
(ونعمة كانوا فيها فاكهين) /، ناعمين؛ قال: أي واللّه أخرجه اللّه من جنّاته وعيونه وزروعه حتى ورّطه في البحر.
وقال سعيد بن كثير بن عفير: كنّا بقبّة الهواء عند المأمون لمّا قدم مصر، فقال لنا: ما أدري ما أعجب فرعون من مصر حيث يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف]؟ فقلت:
أقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: قل يا سعيد، فقلت: إنّ الذي ترى بقيّة مدمّر، لأنّ اللّه يقول: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الآية ١٣٧ سورة الأعراف]؛ قال:
صدقت، ثم أمسك (٢).
وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ * * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [الآيتان ٥، ٦ سورة القصص].
وقال تعالى مخبرا عن فرعون أنّه قال: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ٢٩ سورة غافر].
وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اَلْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا، وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الآية ١٣٧ سورة الأعراف].
وقال تعالى مخبرا عن قوم فرعون: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ١٢٧ سورة الأعراف]، يعني أرض مصر.
وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [الآية ٥٥ سورة يوسف]؛ روى ابن يونس عن أبي بصرة الغفاري ﵁ قال: مصر خزائن الأرض كلّها، وسلطانها سلطان الأرض كلّها، ألا ترى إلى قول يوسف ﵇ لملك مصر: ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ٥٥ سورة يوسف]،
стр. 188
ففعل، فأغيث بمصر وخزائنها يومئذ كلّ حاضر وباد من جميع الأرض (١).
وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي اَلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [الآية ٥٦ سورة يوسف]، فكان ليوسف بسلطانه بمصر جميع سلطان الأرض كلها، لحاجتهم إليه وإلى ما تحت يديه.
وقال تعالى مخبرا عن موسى ﵇ أنّه قال: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ﴾ [الآية ٨٨ سورة يونس].
وقال تعالى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ، فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الآية ١٢٩ سورة الأعراف].
وقال تعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي اَلْأَرْضِ اَلْفَسادَ﴾ [الآية ٢٦، سورة غافر]، يعني أرض مصر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ٤ سورة القصص] يعني أرض مصر.
وقال تعالى حكاية عن بعض إخوة يوسف ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ اَلْأَرْضَ﴾ [الآية ٨٠ سورة يوسف]، يعني أرض مصر.
وقال تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلّا أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآية ١٩ سورة القصص]، يعنى أرض مصر.
قال ابن عبّاس ﵄: سمّيت مصر بالأرض كلّها في عشرة مواضع من القرآن.
فهذا ما يحضرني ممّا ذكرت فيه مصر من آي كتاب اللّه العزيز.
وقد جاء في فضل مصر أحاديث:
روى عبد اللّه بن لهيعة من حديث عمرو بن العاص أنّه قال: حدّثني عمر أمير المؤمنين ﵁ أنّه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إذا فتح اللّه عليكم بعدي مصر فاتّخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»؛ قال أبو بكر ﵁: ولم ذلك يا رسول اللّه؟ قال: «لأنّهم في رباط إلى يوم القيامة» (٢).
стр. 189
وعن عمرو بن الحمق أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «تكون فتنة أسلم النّاس فيها (أو خير النّاس فيها) الجند الغربي»؛ قال: «فلذلك قدّمت عليكم مصر».
وعن تبيع بن عامر الكلاعي قال: أقبلت من الصّائفة فلقيت أبا موسى الأشعري ﵁ فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل مصر؛ قال: من الجند الغربي؛ فقلت: نعم؛ قال: الجند الضّعيف؛ قلت: أهو الضّعيف؟ قال: نعم؛ قال: أمّا أنّه ما كادهم أحد إلاّ كفاهم اللّه مؤونته، اذهب إلى معاذ بن جبل حتى يحدّثك.
قال: فذهبت إلى معاذ بن جبل فقال لي: ما قال لك الشّيخ؟ فأخبرته، فقال لي: وأيّ شيء تذهب به إلى بلادك أحسن من هذا الحديث في (¬a) أسفل ألواحك: فلمّا رجعت إلى معاذ أخبرني أنّ بذلك أخبره رسول اللّه ﷺ (١).
وروى ابن وهب من حديث صفوان بن عسّال قال: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «فتح اللّه بابا للتوبة في الغرب عرضه سبعون عاما، لا يغلق حتى تطلع الشّمس من نحوه».
وروى ابن لهيعة من حديث عمرو بن العاص: حدّثني عمر أمير المؤمنين ﵁ أنّه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإنّ لهم منكم صهرا وذمّة» (٢).
وروى ابن وهب قال: أخبرني حرملة بن عمران التّجيبي، عن عبد الرّحمن بن شمّاسة المهري، قال: سمعت أبا ذرّ ﵁ يقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا فإنّ لهم ذمّة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان في موضع لبنة فاخرج (¬b) منها»؛ قال: فمرّ بربيعة وعبد الرّحمن ابني شرحبيل يتنازعان في موضع لبنة، فخرج منها. وفي رواية: «ستفتحون مصر، وهي أرض يسمّى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإنّ لهم ذمّة ورحما (أو قال: ذمّة وصهرا) … » الحديث. ورواه مالك واللّيث وزاد «فاستوصوا بالقبط خيرا».
стр. 190
أخرجه مسلم في الصّحيح عن أبي الطاهر عن ابن وهب (١).
قال ابن شهاب (٢)، وكان يقال إنّ أمّ إسماعيل منهم. قال اللّيث بن سعد:/ قلت لابن شهاب: ما رحمهم؟
قال: إنّ أمّ إسماعيل بن إبراهيم، صلوات اللّه عليهم، منهم. وقال محمد بن إسحاق: قلت للزّهريّ: ما الرّحم التي ذكر رسول اللّه ﷺ ؟ قال: كانت هاجر أمّ إسماعيل منهم (٣).
وروى ابن لهيعة، من حديث أبي سالم الجيشاني، أنّ بعض أصحاب رسول اللّه ﷺ أخبره أنّه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّكم ستكونون أجنادا، وإن خير أجنادكم أهل الغرب منكم، فاتّقوا اللّه في القبط: لا تأكلوهم أكل الخضر» (٤). وعن مسلم بن يسار أنّ رسول اللّه ﷺ قال:
«استوصوا بالقبط خيرا، فإنّكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال العدوّ» (٥).
وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ أبا سلمة بن عبد الرّحمن حدّثه أنّ رسول اللّه ﷺ أوصى عند وفاته أن تخرج اليهود من جزيرة العرب، وقال: «اللّه اللّه في قبط مصر؛ فإنّكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدّة وأعوانا في سبيل الله» (٦).
وروى ابن وهب، عن موسى بن أيّوب الغافقي، عن رجل من الزّبد (¬a)، أن رسول اللّه ﷺ مرض فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: «استوصوا بالأدم الجعد» ثم أغمي عليه الثانية، ثم أفاق فقال مثل ذلك، ثم أغمي عليه الثالثة فقال مثل ذلك؛ فقال القوم: لو سألنا رسول اللّه ﷺ من الأدم الجعد؟ فأفاق فسألوه، فقال: «قبط مصر، فإنّهم أخوال وأصهار، وهم أعوانكم على عدوّكم،
стр. 191
وأعوانكم على دينكم»: قالوا: كيف يكونون أعواننا على ديننا يا رسول اللّه؟ قال: «يكفونكم أعمال الدنيا، وتتفرّغون للعبادة: فالرّاضي بما يؤتى إليهم كالفاعل بهم، والكاره لما يؤتى إليهم من الظّلم كالمتنزّه عنهم» (١).
وعن عمرو بن حريث وأبي عبد الرّحمن الحبليّ (¬a)، أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «إنّكم ستقدمون على قوم جعد رؤوسهم، فاستوصوا بهم خيرا، فإنّهم قوّة لكم، وبلاغ إلى عدوّكم بإذن الله»، يعني قبط مصر (٢).
وعن ابن لهيعة، حدّثني مولى غفرة (¬b) أنّ رسول اللّه ﷺ قال: «اللّه اللّه في أهل المدرة السّوداء، السّحم الجعاد، فإنّ لهم نسبا وصهرا»؛ قال عمرو مولى غفرة (¬b): صهرهم أنّ رسول اللّه ﷺ تسرّى فيهم، ونسبهم أنّ أمّ إسماعيل ﵇ منهم؛ قال ابن وهب: فأخبرني ابن لهيعة أنّ أمّ إسماعيل هاجر أم العرب من قرية (¬c) كانت أمام الفرما من مصر (٣).
قال مروان القصّاص: صاهر إلى القبط من الأنبياء ثلاثة: إبراهيم خليل الرّحمن ﵇ تسرّر (¬d) هاجر، ويوسف تزوّج بنت صاحب عين شمس، ورسول اللّه ﷺ تسرّر (¬d) مارية؛ وقال يزيد بن أبي حبيب: قرية هاجر ياق التي عند (¬e) أمّ دنين (٤).
وقال هشام: العرب تقول: هاجر وآجر، فيبدلون من الهاء الألف، كما قالوا: هراق الماء وأراق الماء ونحوه (٥).
وعن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: الأمصار سبعة: فالمدينة مصر، والشّأم مصر، ومصر، والجزيرة، والبحرين، والبصرة، والكوفة.
وقال مكحول: أوّل الأرض خرابا أرمينية، ثم مصر (٦).
стр. 192
وقال عبد اللّه بن عمرو: قبط مصر أكرم الأعاجم كلّها، وأسمحهم يدا، وأفضلهم عنصرا، وأقربهم رحما بالعرب عامّة وبقريش خاصّة، ومن أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثلها في الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين تخضرّ زروعها (¬a)، وتنوّر ثمارها.
وقال كعب الأحبار: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت، (وفي رواية إذا أزهرت) (١).
ومن فضائل مصر
أنّه كان من أهلها السّحرة وقد آمنوا جميعا في ساعة واحدة، ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط؛ وكانوا - في قول يزيد بن أبي حبيب وغيره - اثني عشر ساحرا رؤساء، تحت يد كلّ ساحر منهم عشرون عريفا، تحت يد كلّ عريف منهم ألف من السّحرة، فكان جميع السّحرة مائتي ألف وأربعين ألفا ومائتين واثنين وخمسين إنسانا بالرّؤساء والعرفاء. فلمّا عاينوا ما عاينوا أيقنوا أنّ ذلك من السّماء، وأنّ السّحر لا يقوم لأمر اللّه، فخرّ الرّؤساء الاثنا عشر عند ذلك سجّدا، فاتّبعهم العرفاء، واتّبع العرفاء من بقي، و ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ اَلْعالَمِينَ * * رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ [الآيتان ١٢١، ١٢٢ سورة الأعراف]؛ قال تبيع: كانوا من أصحاب موسى ﵇ ولم يفتتن منهم أحد مع من افتتن من بني إسرائيل في عبادة العجل. قال تبيع: ما آمن جماعة قطّ في ساعة واحدة مثل جماعة القبط (٢).
وقال كعب الأحبار: مثل قبط مصر كالغيضة كلما قطعت نبتت، حتى يخرب اللّه بهم وبصناعتهم جزائر الرّوم (٣).
وقال عبد اللّه بن عمرو: خلقت الدّنيا على خمس صور، على صورة الطّير برأسه وصدره وجناحيه وذنبه؛ فالرأس مكّة والمدينة واليمن، والصّدر الشّام ومصر، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمّة يقال لها واق، وخلف واق أمّة يقال لها واق واق، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلاّ اللّه ؛ والجناح الأيسر السّند، وخلف السّند الهند، وخلف أمّة الهند أمّة يقال
стр. 193
لها ناسك، وخلف ناسك أمّة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلاّ اللّه ؛ والذّنب من ذات الحمام إلى مغرب الشّمس، وشرّ ما في الطّير الذّنب (١).
وقال الجاحظ: الأمصار عشرة: الصّناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة/، والتخنيث ببغداد، والعيّ بالرّيّ، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والطّرمذة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتّجارة بمصر، والبخل بمرو. (الطّرمذة الدّولة، كلام (¬a) ليس له فعل) (٢).
وعن بجير (¬b) بن داخر العافري أنّه سمع عمرو بن العاص يقول في خطبته: واعلموا أنّكم في رباط إلى يوم القيامة، لمكث الأعداء حولكم، ولإشراف قلوبهم إليكم وإلى داركم معدن الزّرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وعن عبد الرّحمن بن غنم الأشعري أنّه قدم من الشّأم إلى عبد اللّه بن عمرو بن العاص، فقال: ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: كنت تحدّثني أنّ مصر أسرع الأرض خرابا، ثم أراك قد اتّخذت منها وبنيت فيها القصور واطمأننت فيها؛ قال: إنّ مصر قد أوفت خرابها، حطّمها البخت نصّر فلم يدع فيها إلاّ السّباع والضّباع، فهي اليوم أطيب الأرضين ترابا، وأبعدها خرابا، ولا يزال فيها بركة ما دام في شيء من الأرض بركة (٣).
ويقال: مصر متوسّطة الدّنيا، قد سلمت من حرّ الإقليم الأوّل والثاني، ومن برد الإقليم السّادس والسّابع، ووقعت في الإقليم الثّالث فطاب هواؤها، وضعف حرّها، وخفّ بردها.
وسلم أهلها من مشاتي الأهواز، ومصايف عمان، وصواعق تهامة، ودماميل الجزيرة، وجرب اليمن، وطواعين الشّأم، وبرسام العراق، وعقارب عسكر مكرم، وطحال البحرين، وحمّى خيبر وأمنوا من غارات التّرك، وجيوش الرّوم، وهجوم العرب، ومكايد الدّيلم، وسرايا القرامطة، ونزف الأنهار، وقحط الأمطار.
стр. 194
وبها ثمانون كورة، ما فيها كورة إلاّ وبها طرائف وعجائب من أنواع البر والأبنية والطّعام والشّراب والفاكهة، وسائر ما تنتفع به النّاس وتدّخره الملوك، يعرف بكل كورة وجهاتها، وينسب كلّ لون إلى كورة:
فصعيدها أرض حجازية، حرّه حرّ العراق، وينبت النّخل والأراك والقرظ والدّوم والعشر.
وأسفل أرضها شامي يمطر مطر الشّأم، وينبت ثمار الشّأم من الكروم والزّيتون واللّوز والتّين والجوز وسائر الفواكه والبقول والرّياحين، ويقع به الثّلج والبرد.
وكورة الإسكندرية ولوبية ومراقية براري وجبال وغياض تنبت الزّيتون والأعناب، وهي بلاد إبل وماشية وعسل ولبن.
وفي كلّ كورة من كور مصر مدينة، في كلّ مدينة منها آثار، كريمة من الأبنية والصّخور والرّخام والعجائب.
وفي نيلها السّفن التي تحمل السّفينة الواحدة منها ما يحمله خمس مائة بعير.
وكلّ قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة، يؤيّد ذلك قول اللّه :
﴿وَاِبْعَثْ فِي اَلْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الآية ٣٦ سورة الشعراء] (١).
ويعمل بمصر معامل كالتّنانير، يعمل بها البيض بصنعة، يوقد عليه فيحاكي نار الطّبيعة في حضانة الدّجاجة لبيضها، ويخرج من تلك المعامل الفراريج، وهي معظم دجاج مصر، ولا يتمّ عمل هذا بغير مصر (٢).
وقال عمرو (¬a) بن ميمون: خرج موسى ﵇ ببني إسرائيل، فلمّا أصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها، فأمر بها أن تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمس مائة ألف من القبط؛ فاجتمعوا إليه فقال لهم فرعون: إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون. وكان أصحاب موسى ﵇ ستّ مائة ألف وسبعين ألفا.
стр. 195
ووصف بعضهم مصر فقال: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمرّدة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء. فأمّا اللّؤلؤة البيضاء، فإنّ مصر في أشهر أبيب ومسرى ونوت يركبها الماء فترى الدنيا بيضاء، وضياعها على رواب وتلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، فلا سبيل إلى قرية من قراها إلاّ في الزّوارق؛ وأمّا المسكة السّوداء، فإنّ في أشهر بابه وهاتور وكيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، وفي هذه الأشهر تقع الزّراعات. وأمّا الزّمرّدة الخضراء، فإنّ في أشهر طوبة وأمشير وبرمهات يكثر نبات الأرض وربيعها فتصير خضراء كأنها زمرّدة. وأما السّبيكة الحمراء فإنّ في أشهر برمودة وبشنش وبؤونة يتورّد العشب ويبلغ الزّرع الحصاد، فيكون كالسّبيكة التي من الذّهب منظرا ومنفعة (١).
وسأل بعض الخلفاء اللّيث بن سعد عن الوقت الذي تطيب فيه مصر، فقال: إذا غاض ماؤها، وارتفع وباها، وجفّ ثراها، وأمكن مرعاها.
وقال آخر: نيلها عجب، وأرضها ذهب، وخيرها جلب، وملكها سلب، ومالها رغب، وفي أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وسلامهم شعب، وحربهم حرب، وهي لمن غلب.
وقال آخر: مصر من سادات القرى ورؤساء المدن. وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [الآية ٢٦٥ سورة البقرة]: هي مصر، إن لم يصبها مطر أزكت، وإن أصابها مطر ضعفت، قاله المسعودي في «تاريخه» (٢).
ويقال لمّا خلق اللّه آدم ﵇ مثّل له الدّنيا شرقها وغربها، وسهلها وجبلها، وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها، ومن يسكنها من الأمم، ومن يملكها من الملوك؛ فلمّا رأى مصر أرضا سهلة، ذات نهر جار مادته من الجنّة تنحدر فيه البركة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا، لا يخلو من نظر الرّبّ إليه بالرّحمة، في سفحه أشجار مثمرة، وفروعها في الجنّة تسقى بماء الرّحمة؛ فدعا آدم ﵇ في النّيل/ بالبركة، ودعا في أرض مصر بالرّحمة والبرّ والتّقوى، وبارك في نيلها وجبلها سبع مرّات، قال: «يا أيها الجبل المرحوم، سفحك جنّة،
стр. 196
وتربتك مسكة، يدفن فيها غراس الجنّة، أرض حافظة مطبقة (¬a) رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال منك حفظ (¬b)، ولا زال منك ملك وعزّ. يا أرض مصر، فيك الخبايا والكنوز، ولك البرّ والثّروة، وسال نهرك عسلا. كثّر اللّه زرعك، ودرّ ضرعك، وزكّى نباتك، وعظمت بركتك، وخصبت، ولا زال فيك خير ما لم تتجبّري وتتكبّري أو تخوني، فإذا فعلت ذلك عداك شرّ، ثم يغور خيرك». فكان آدم أوّل من دعا لها بالرّحمة والخصب والرّأفة والبركة (١).
وعن ابن عبّاس أنّ نوحا ﵇ دعا لمصر بن بيصر بن حام فقال: «اللّهم إنّه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذرّيته، وأسكنه الأرض المباركة التي هي أمّ البلاد وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدّنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخّر له ولولده الأرض، وذلّلها لهم، وقوّهم عليها».
وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس، لما سكنت إلاّ مصر؛ فقيل له: لم؟ فقال:
لأنّها بلد معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبّه الله (¬c) على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه (٢).
وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيّوب، عن خالد بن يزيد، عن ابن أبي هلال، أنّ كعب الأحبار كان يقول: إنّي لأحبّ مصر وأهلها، لأنّ مصر بلد معافاة، وأهلها أصحاب عافية، وهم بذلك مصانون (¬d).
ويقال إنّ في بعض الكتب الإلهيّة: «مصر خزائن الأرض كلّها، فمن أرادها بسوء قصمه اللّه تعالى» (٣).
وقال عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة، يعني إذا جمع الخراج مع الإمارة (٤).
стр. 197
وقال أحمد بن مدبّر: تحتاج مصر إلى ثمانية وعشرين ألف ألف فدّان، وإنّما يعمر منها ألف ألف فدّان. وقد كشفت أرض مصر فوجدت غامرها أضعاف عامرها، ولو اشتغل السّلطان بعمارتها لوفّت له بخراج الدّنيا (١).
وقال بعضهم: إنّ خراج العراق لم يكن قطّ أوفر منه في أيام عمر بن عبد العزيز، فإنّه بلغ ألف ألف درهم وسبعة عشر ألف ألف درهم. ولم تكن مصر قط أقلّ من خراجها في أيّام عمرو بن العاص، وأنّه بلغ اثني عشر ألف ألف دينار. وكانت الشّامات بأربعة عشر ألف ألف سوى الثّغور.
ومن فضائل مصر أنّه ولد بها من الأنبياء موسى وهارون ويوشع ﵈.
ويقال إنّ عيسى بن مريم - صلوات اللّه عليه - أخذ على سفح الجبل المقطّم وهو سائر إلى الشّام، فالتفت إلى أمّه وقال: يا أمّاه، هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ (٢).
ويذكر أنّه ولد في قرية أهناس من نواحي صعيد مصر، وأنّه كانت به نخلة يقال إنّها النّخلة المذكورة في القرآن بقوله : ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ﴾ [الآية ٢٥ سورة مريم]. وهذا القول وهم، فإنّه لا خلاف بين علماء الأخبار من أهل الكتاب ومن يعتمد عليه من علماء المسلمين أنّ عيسى - صلوات اللّه عليه - ولد بقرية بيت لحم من بيت المقدس (٣).
ودخل مصر من الأنبياء إبراهيم خليل الرّحمن، وقد ذكر خبر ذلك عند ذكر خليج القاهرة من هذا الكتاب (٤). ودخلها أيضا يعقوب ويوسف والأسباط، وقد ذكر ذلك في خبر الفيّوم.
ودخلها أرميا، وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذي أثنى عليه اللّه ﷻ في القرآن، ويقال إنّه ابن فرعون لصلبه، وأظنّه أنه غير صحيح (٥).
وكان منها جلساء فرعون الذين أبان اللّه فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسى وهارون ﵈ لمّا استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالى: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ * * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ * * قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ، وَاِبْعَثْ فِي اَلْمَدائِنِ حاشِرِينَ * * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الآيات ٣٤ - ٣٧ سورة الشعراء].
стр. 198
وأين هذا من قول أصحاب النّمرود في إبراهيم - صلوات اللّه عليه - حيث أشاروا بقتله، قال تعالى حكاية عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الآية ٦٨ سورة الأنبياء].
ومن أهل مصر امرأة فرعون التي مدحها اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَضَرَبَ اَللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي اَلْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ اَلْقَوْمِ اَلظّالِمِينَ﴾ [الآية ١١ سورة التحريم].
ومن أهلها ماشطة بنت فرعون، وآمنت بموسى ﵇ فمشّطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشّط الكتّان، وهي ثابتة على إيمانها بالله (١).
وقال صاعد اللّغوي (٢) في كتاب «طبقات الأمم»: إنّ جميع العلوم التي ظهرت قبل الطّوفان إنّما صدرت عن هرمس الأوّل الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أوّل من تكلّم في الجواهر العلوية، والحركات النّجوميّة، وهو أوّل من ابتنى الهياكل ومجّد اللّه فيها، وأوّل من نظر في علم الطّبّ، وألّف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضيّة والسّماوية. وقالوا: إنّه أوّل من أنذر بالطّوفان، ورأى أنّ آفة سماوية تصيب الأرض من الماء أو النّار، فخاف ذهاب العلم ودروس (¬a) الصّنائع، فبنى الأهرام والبرابي التي في صعيد مصر الأعلى، وصوّر فيها جميع الصّنائع والآلات، ورسم فيها صفات العلوم، حرصا على تخليدها لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم (٣)؛ وهرمس هذا هو إدريس ﵇.
وقال أبو محمد الحسن بن إسماعيل/ بن الضّرّاب (¬b) (٤) في «أخبار مصر»: إنّ الخضر جاز البحر مع موسى ﵇ وكان مقدّما عنده، وكان بمصر من الحكماء جماعة ممن عمرت الدنيا
стр. 199
بكلامهم وحكمهم وتدبيرهم، وكان من علومهم علم الطّبّ، وعلم النّجوم، وعلم المساحة، وعلم الهندسة، وعلم الكيمياء، وعلم الطّلّسمات. ويقال: كانت مصر في الزّمن الأوّل يسير إليها طلاّب العلوم لتزكو عقولهم وتجود أذهانهم، ويتميّز عندهم الذّكاء، وتدقّ الفطنة.
ومن فضائل مصر أنّها تمير أهل الحرمين، وتوسّع عليهم.
ومصر فرضة الدّنيا، يحمل خيرها إلى ما سواها: فساحلها بمدينة القلزم يحمل منه إلى الحرمين واليمن والهند والصّين وعمان والسّند والشّحر، وساحلها من جهة تنّيس ودمياط والفرما فرضة بلاد الرّوم والإفرنج وسواحل الشّام والثّغور إلى حدود العراق، وثغر إسكندرية فرضة أقريطش وصقلّيّة وبلاد المغرب، ومن جهة الصّعيد يحمل إلى بلاد العرب والنّوبة والبجة والحبشة والحجاز واليمن.
وبمصر عدّة من الثّغور المعدّة للرّباط في سبيل اللّه تعالى، وهي البرلّس ورشيد والإسكندرية وذات الحمام والبحيرة وإخنا ودمياط وشطا وتنّيس والأشتوم والفرما والورّادة والعريش وأسوان وقوص والواحات؛ فيغزى من هذه الثّغور الرّوم والفرنج والبربر والنّوبة والحبشة والسّودان.
وبمصر عدّة مشاهد وكثير من المساجد، وبها النّيل والأهرام والبرابي والأديار والكنائس.
وأهلها يستغنون بها عن كلّ بلد، حتى إنّه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور لاستغنى أهلها بما فيها عن جميع البلاد (١).
وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر وتعتني به، وملوك النّصرانية تترامى على طلبه، والنّصارى كافّة تعتقد تعظيمه، وترى أنّه لا يتمّ تنصير نصراني إلاّ بوضع شيء من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها (٢).
وبها السّقنقور ومنافعه لا تنكر، وبها النّمس والعرس ولهما في أكل الثّعابين فضيلة لا تنكر، فقد قيل: لولا العرس والنّمس لما سكنت مصر من كثرة الثّعابين، وبها السّمكة الرّعّادة ونفعها في البرء من الحمّى إذا علّقت على المحموم عجيب (٣).
стр. 200
وبمصر حطب السّنط، ولا نظير له في معناه، فلو وقد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقي منه رماد. وهو مع ذلك صلب الكسر، سريع الاشتعال، بطيء الخمود. ويقال إنّه أبنوس غيّرته بقعة مصر فصار أحمر (١).
وبها الأفيون عصارة الخشخاش، ولا يجهل منافعه إلاّ جاهل. وبها اللّبخ، وهو ثمر قدر اللّوز الأخضر، كان من محاسن مصر إلاّ أنّه انقطع قبل سنة سبع مائة من الهجرة (٢).
وبها الأترجّ، قال أبو داود صاحب «السّنن» (¬a) في كتاب الزّكاة: شبّرت قثّاءة بمصر ثلاثة عشر شبرا، ورأيت أترجّة على بعير بقطعتين [قطعت] (¬b) وصيّرت مثل عدلين (٣).
قال المسعوديّ في «التاريخ»: والأترجّ المدوّر حمل من أرض الهند بعد الثلاث مائة من سني الهجرة، وزرع بعمان، ثم نقل منها إلى البصرة والعراق والشّام، حتى كثر في دور الناس بطرسوس وغيرها من الثّغور الشّامية وفي أنطاكية وسواحل الشّام وفلسطين ومصر، وما كان يعهد ولا يعرف، فعدمت منه الأراهج الحمراء الطّيبة، واللّون الحسن الذي كان فيه بأرض الهند لعدم ذلك الهواء والتّربة وخاصّيّة البلد (٤).
وفي مصر معدن الزّمرّد، ومعدن النّفط، والشّبّ، والبرام، ومقاطع الرّخام. ويقال كان بمصر من المعادن ثلاثون معدنا (٥).
وأهل مصر يأكلون صيد بحر الرّوم وصيد بحر اليمن طريّا؛ لأنّ بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم والفرما، وذلك يوم وليلة، وهو الحاجز المذكور في القرآن، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ [الآية ٦١ سورة النمل]، وقيل هما بحر الرّوم وبحر القلزم، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الآيتان ١٩ و ٢٠ سورة الرحمن]، قال بعض المفسّرين: البرزخ ما بين القلزم والفرما (٦).
стр. 201
ومن محاسن مصر أنّه يوجد بها في كلّ شهر من شهور السنة القبطيّة صنف من المأكول [والمشروب] (¬a) والمشموم دون ما عداه من بقيّة الشّهور، فيقال: رطب توت، ورمّان بابه، وموز هاتور، وسمك كيهك، وماء طوبة، وخروف أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى.
ومنها أنّ صيفها خريف لكثرة فواكهه، وشتاءها ربيع لما يكون بمصر حينئذ من القرظ والكتّان.
ومن محاسنها أنّ الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيّام الشّتاء، يوجد حينئذ بمصر.
ومنها أنّ أهل مصر لا يحتاجون في حرّ الصّيف إلى استعمال الخيش، والدّخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد، ولا يحتاجون في برد الشّتاء إلى لبس الفرو والاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشّام. كما أنّهم أيضا في الصّيف غير محتاجين إلى استعمال الثّلج (١).
ويقال: زبرجد مصر، وقباطي مصر، وحمير مصر، وثعابين مصر، ومنافعها في الدّرياق جليلة.
ومن فضائل مصر أنّ الرّخامة التي فى الحجر من الكعبة من مصر، بعث بها محمد بن طريف مولى العبّاس بن محمد فى سنة إحدى وأربعين ومائتين مع رخامة أخرى خضراء هدية للحجر.
فجعلت إحدى الرّخامتين على سطح جدر الكعبة، وهما من أحسن الرّخام في المسجد خضرة، وكان المتولّي/ عليها عبد اللّه بن محمد بن داود، ذرعها ذراع وثلاث أصابع؛ قاله الفاكهيّ (٢) في «أخبار مكّة» (٣).
ومن فضائل مصر أنّ رسول اللّه ﷺ تسرّى من أهلها، وولد له ﷺ من نساء مصر، ولم يولد له ولد من غير نساء العرب إلاّ من نساء مصر.
стр. 202
قال ابن عبد الحكم: لمّا كانت سنة ستّ من مهاجر رسول اللّه ﷺ ، ورجع رسول اللّه ﷺ من الحديبية، بعث إلى الملوك. فمضى حاطب بن أبي بلتعة بكتاب رسول اللّه ﷺ ، فلمّا انتهى إلى الإسكندرية وجد المقوقس في مجلس مشرف على البحر، فركب البحر، فلمّا حاذى مجلسه أشار بكتاب رسول اللّه ﷺ بين أصبعيه، فلمّا رآه أمر بالكتاب فقبض، وأمر به فأوصل إليه.
فلمّا قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيّا أن يدعو عليّ فيسلّط عليّ؟ فقال له حاطب: ما منع عيسى بن مريم أن يدعو على من أبى عليه أن يفعل به ويفعل. فوجم ساعة ثم استعادها، فأعادها عليه حاطب، فسكت. فقال له حاطب: إنّه قد كان قبلك رجل زعم أنّه الرّبّ الأعلى، فانتقم اللّه به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك، وإنّ لك دينا لن تدعه إلاّ لما هو خير منه وهو الإسلام الكافي اللّه به فقد ما سواه، وما بشارة موسى بعيسى إلاّ كبشارة عيسى بمحمّد، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلاّ كدعائك أهل التّوراة إلى الإنجيل، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنّا نأمرك به.
ثم قرأ الكتاب فإذا فيه:
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من محمّد رسول اللّه إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتّبع الهدى.
أمّا بعد، فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم، يؤتك اللّه أجرك مرّتين. ﴿يا أَهْلَ اَلْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلاَّ اَللّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اَللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [الآية ٦٤ سورة آل عمران]».
فلمّا قرأه أخذه فجعله في حقّ من عاج وختم عليه.
عن أبان بن صالح قال: أرسل المقوقس إلى حاطب ليلة وليس عنده أحد إلاّ التّرجمان فقال له: ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فإنّي أعلم أن صاحبك قد تخيّرك حين بعثك؟ قلت: لا تسألني عن شيء إلاّ صدقتك. قال: إلام يدعو محمد؟ قال: إلى أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئا، وتخلع ما سواه، ويأمر بالصّلاة؛ قال: فكم تصلّون؟ قال: خمس صلوات في اليوم واللّيلة، وصيام شهر رمضان، وحجّ البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدّم؛ قال:
من أتباعه؟ قال: الفتيان من قومه وغيرهم، قال: وهل يقبل قوله؟ قال: نعم؛ قال: صفه لي؛
стр. 203
قال: فوصفته بصفة من صفته ولم آت عليها. قال: قد بقيت أشياء لم أرك ذكرتها: في عينيه حمرة قلّ ما تفارقه، وبين كتفيه خاتم النّبوّة، يركب الحمار، ويلبس الشّملة، ويجتزي بالتّمرات والكسر، لا يبالي من لاقى من غمّ ولا ابن عم؛ قلت: هذه صفته؛ قال: قد كنت أعلم أنّ نبيّا بقي، وقد كنت أظنّ أنّ مخرجه الشّام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب، في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في اتّباعه، ولا أحبّ أن تعلم بمحاورتي إيّاك، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا، فارجع إلى صاحبك.
قال: ثم دعا كاتبا يكتب بالعربية فكتب:
«لمحمّد بن عبد اللّه من المقوقس عظيم القبط، سلام.
أمّا بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت وما تدعو إليه، وقد علمت أنّ نبيّا قد بقي، وقد كنت أظنّ أنّ نبيّا يخرج بالشّام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسّلام».
وعن عبد الرّحمن بن عبد القاري قال: لمّا مضى حاطب بكتاب رسول اللّه ﷺ ، قبل المقوقس الكتاب، وأكرم حاطبا، وأحسن نزله، ثم سرّحه إلى رسول اللّه ﷺ ، وأهدى له كسوة وبغلة بسرجها، وجاريتين: إحداهما أمّ إبراهيم، ووهب الأخرى لجهم بن قيس العبدري، فهي أمّ زكرياء ابن جهم الذي كان خليفة عمرو بن العاص على مصر، ويقال: بل وهبها رسول اللّه ﷺ لمحمّد بن مسلمة الأنصاري، ويقال: بل لدحية بن خليفة الكلبي، وقيل: بل لحسّان بن ثابت (١).
وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ المقوقس لمّا أتاه كتاب رسول اللّه ﷺ ضمّه إلى صدره وقال: هذا زمان يخرج فيه النّبيّ الذي نجد نعته وصفته في كتاب اللّه تعالى، وإنّا لنجد صفته أنّه لا يجمع بين أختين في ملك يمين ولا نكاح، وأنّه يقبل الهديّة ولا يقبل الصّدقة، وأنّ جلساءه المساكين، وأنّ خاتم النّبوّة بين كتفيه.
ثم دعا رجلا عاقلا، ثم لم يدع بمصر أحسن ولا أجمل من مارية وأختها، وهما من أهل جفن بفتح أوّله وسكون ثانية ثم نون بعده من كورة أنصنا، فبعث بهما إلى رسول اللّه ﷺ ،
стр. 204
وأهدى له بغلة شهباء، وحمارا أشهب، وثيابا من قباطي مصر، وعسلا من عسل بنها، وبعث إليه بمال صدقه (١).
ويقال: إنّ المقوقس أهدى إلى رسول اللّه ﷺ أربع جواري، وقيل: جاريتين، وبغلة اسمها الدّلدل، وحمارا اسمه يعفور، وقباء، وألف مثقال/ ذهبا، وعشرين ثوبا من قباطي (٢) مصر، وخصيّا يسمّى مأبور، ويقال: إنّه ابن عمّ مارية، وفرسا يقال لها: الكرّار، وقدحا من زجاج، وعسلا من عسل بنها، فأعجب النّبيّ ﷺ ، ودعا فيه بالبركة، وقال: «ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه». فإنّ المقوقس قال خيرا، وأكرم حاطب بن أبي بلتعة، وقارب الأمر ولم يسلم.
قال ابن سعد (٣): أخبرنا محمد بن عمر الواقدي، أنبأنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة، عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن بن أبي صعصعة قال: أهدى (¬a) المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النّبيّ ﷺ في سنة سبع من الهجرة مارية وأختها سيرين، وألف مثقال ذهبا، وعشرين ثوبا، وبغلته الدّلدل، وحماره عفيرا، وخصيّا يقال له مأبور. فعرض حاطب على مارية الإسلام فأسلمت هي وأختها، ثم أسلم الخصيّ بعد (٤). وكان الذي بعثه المقوقس مع مارية اسمه جبر (¬b) بن عبد اللّه القبطى، مولى بني غفار.
قال ابن عبد الحكم: وأمر رسوله أن ينظر من جلساؤه، وينظر إلى ظهره هل يرى شامة كبيرة ذات شعر، ففعل ذلك الرّسول، فلمّا قدم على رسول اللّه ﷺ ، قدّم إليه الأختين والدّابّتين والعسل والثّياب، وأعلمه أنّ ذلك كلّه هديّة. فقبل رسول اللّه ﷺ الهديّة، وكان لا يردّها من أحد من الناس.
стр. 205
قال: فلمّا نظر إلى مارية وأختها أعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت إحداهما تشبه الأخرى، فقال: «اللّهم اختر لنبيّك». فاختار اللّه له مارية. وذلك أنّه لمّا قال لهما: «اشهدا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا عبده ورسوله». فبادرت مارية فشهدت وآمنت قبل أختها، ومكثت أختها ساعة ثم تشهّدت وآمنت، فوهب رسول اللّه ﷺ أختها لمحمد بن مسلمة الأنصاري، وقال بعضهم: بل وهبها لدحية بن خليفة الكلبي (١).
وعن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرّحمن بن شماسة المهري، عن عبد اللّه بن عمر قال:
دخل رسول اللّه ﷺ على أمّ إبراهيم أمّ ولده القبطيّة، فوجد عندها نسيبا لها كان قدم معها من مصر، وكان كثيرا ما يدخل عليها، فوقع في نفسه شيء فرجع، فلقيه عمر بن الخطّاب ﵁ فعرف ذلك في وجهه، فسأله فأخبره، فأخذ عمر السّيف ثم دخل على مارية وقريبها عندها، فأهوى إليه بالسّيف، فلمّا رأى ذلك كشف عن نفسه وكان مجبوبا ليس بين رجليه شيء، فلمّا رآه عمر رجع إلى رسول اللّه ﷺ فأخبره، فقال رسول اللّه ﷺ : «إنّ جبريل أتاني فأخبرني أنّ اللّه قد برّأها وقريبها، وأنّ في بطنها غلاما منّي، وأنّه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسمّيه إبراهيم، وكنّاني بأبي إبراهيم».
وقال الزّهريّ عن أنس: لمّا ولدت أمّ إبراهيم إبراهيم كأنّه وقع في نفس النّبيّ ﷺ منه شيء، حتى جاءه جبريل فقال: «السّلام عليك يا أبا إبراهيم»؛ ويقال: إنّ المقوقس بعث معها بخصيّ كان يأوي إليها (٢). وقيل: إنّ المقوقس أهدى لرسول اللّه ﷺ جوار (¬a) منهن أمّ إبراهيم، وواحدة وهبها رسول اللّه ﷺ لأبي جهم بن حذيفة العبدري (¬b)، وواحدة وهبها لحسّان بن ثابت.
فولدت مارية لرسول اللّه ﷺ إبراهيم، وكان أحبّ الناس إليه حتى مات فوجد به، وكان سنّه يوم مات ستة عشر شهرا (٣).
وكانت البغلة والحمار أحبّ دوابّه إليه، وسمّى البغلة الدّلدل، وسمّى الحمار يعفورا، وأعجبه العسل، فدعا في عسل بنها بالبركة، وبقيت تلك الثّياب حتى كفّن في بعضها ﷺ (٤).
стр. 206
وكان اسم أخت مارية قيصر، وقيل: بل كان اسمها شيرين، وقيل: حنّة (¬a).
وكلّم الحسن بن عليّ معاوية بن أبي سفيان في أن يضع الجزية عن جميع قرية أمّ إبراهيم لحرمتها، ففعل ووضع الخراج عنهم. فلم يكن على أحد منهم خراج، وكان جميع أهل القرية من أهلها وأقربائها فانقطعوا.
ويروى عن رسول اللّه ﷺ أنّه قال: «لو بقي إبراهيم ما تركت قبطيّا إلاّ وضعت عنه الجزية».
وماتت مارية في محرّم سنة خمس عشرة بالمدينة (١).
وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيّوب وابن لهيعة، عن عقيل، عن الزّهريّ، عن يعقوب ابن عبد اللّه بن المغيرة بن الأخفش، عن ابن عمر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «دخل إبليس العراق فقضى حاجته منها، ثم دخل الشّام فطردوه حتى دخل جبل شاف، ثم دخل مصر فباض فيها وفرّخ وبسط عبقريه»؛ حديث صحيح غريب.
وقد عاب بعضهم مصر فقال: محاسنها مجلوبة إليها، حتى العناصر الأربعة: الماء، وهو في النّيل مجلوب من الجنوب، والتّراب مجلوب في حمل الماء، وإلاّ فهي رمل محض لا تنبت الزّرع، والنّار لا يوجد بها شجرها، والهواء لا يهبّ بها إلاّ من أحد البحرين؛ إما من الرّوميّ وإمّا من القلزم؛ وقد زاد هذا في تحامله.
وقال كعب الأحبار: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة، والكوفة آمنة من الخراب حتى تكون الملحمة (٢).
ذكر العجائب التي كانت بمصر من الطلّسمات والبرابي ونحو ذلك
ذكر في كتاب «عجائب الحركات (¬b) وغرائب الماجريات» أنّه كان بمصر حجر من جمع كفّيه عليه تقيّأ جميع ما في جوفه.
/ قال القضاعيّ: ذكر الجاحظ (٣) وغيره أنّ عجائب الدّنيا ثلاثون أعجوبة: منها بسائر الدّنيا عشر أعجوبات، وهي: مسجد دمشق، وكنسية الرّها، وقنطرة سنجر (¬c)، وقصر غمدان،
стр. 207
وكنيسة روميّة، وصنم الزّيتون، وإيوان كسرى بالمدائن، وبيت الرّيح بتدمر، والخورنق والسّدير بالحيرة، والثلاثة الأحجار ببعلبك، وذكر أنّها بيت المشتري والزّهرة، وأنّه كان لكلّ كوكب من السبعة بيت فيها فتهدّمت (١).
ومنها بمصر عشرون أعجوبة: فمن ذلك «الهرمان»، وهما أطول بناء وأعجبه، ليس على وجه الدّنيا بناء باليد حجر على حجر أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، ولذلك قال بعض من رآهما: ليس من شيء إلاّ وأنا أرحمه من الدّهر إلاّ الهرمين، فإنّي لأرحم الدّهر منهما (٢).
ومن ذلك «صنم الهرمين»، وهو «بلهوبه»، ويقال: «بلهيب»، ويقال: إنّه طلّسم للرّمل لئلاّ يغلب على إبليز الجيزة (٣).
ومن ذلك «بربا سمنّود»، وهو من أعاجيبها. وذكر عن أبي عمر الكندي أنّه قال: رأيته وقد خزّن فيه بعض عمّالها قرظا، فرأيت الجمل إذا دنا من بابه بحمله وأراد أن يدخله سقط كلّ دبيب في القرظ لم يدخل منه شيء إلى البربا، ثم خرب عند الخمسين والثلاث مائة.
ومن ذلك «بربا إخميم» عجب من العجب بما فيه من الصّور والعجائب وصور الملوك الذين يملكون مصر، وكان ذو النّون الإخميمي يقرأ البرابي، فرأى فيها حكما عظيمة فأفسد أكثرها.
ومن ذلك «بربا دندرة» وهو بربا عجيب فيه ثمانون ومائة كوّة تدخل الشّمس كلّ يوم من كوّة منها، ثم الثانية حتى تنتهي إلى آخرها، ثم تكرّ راجعة إلى موضع بدائها.
ومن ذلك «حائط العجوز» من العريش إلى أسوان، يحيط بأرض مصر شرقا وغربا (٤).
ومن ذلك «الإسكندرية» وما فيها من العجائب، فمن عجائبها المنارة والسّواري والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السّنة ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر أحد إلاّ ملك مصر.
وحضر عيدا من أعيادهم عمرو بن العاص، فوقعت الكرة في حجره، فملك البلد بعد ذلك في الإسلام. ثم يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلاّ وهو ينظر في وجه
стр. 208
صاحبه. ثم إن قرئ كتاب سمعوه جميعا أو لعب نوع من أنواع اللّعب رأوه عن آخرهم، لا يتطاولون فيه بأكثر من المراتب العلية والسفلية (١).
ومن عجائبها «المسلّتان»، وهما جبلان قائمان على سرطانات نحاس في أركانها، كلّ ركن على سرطان. فلو أراد مريد أن يدخل تحتها شيئا حتى يعبّره من جانبه الآخر لفعل (٢).
ومن عجائبها «عمودا الإعياء»، وهما عمودان ملقيان، وراء كل عمود منهما جبل حصبا كصبر الجمار بمنّى، يقبل المعنّى التّعب النّصب بسبع حصيات حتى يلتقي على أحدهما، ثم يرمي وراءه السّبع، ويقوم ولا يلتفت، ويمضي لطيّته، فكأنّما يحمل حملا لا يحس بشيء من تعبه.
ومن عجائبها «القبّة الخضراء»، وهي أعجب قبّة ملبّسة نحاسا كأنّه الذّهب الإبريز، لا يبليه القدم، ولا يخلقه الدّهر.
ومن عجائبها «منية عقبة»، و «قصر فارس»، و «كنيسة أسفل الأرض»، ثم هي مدينة على مدينة، ليس على وجه الأرض مدينة بهذه الصّفة سواها. ويقال: إنّها إرم ذات العماد، سمّيت بذلك؛ لأنّ عمدها ورخامها من البذنجنا والأصطفينذس المخطّط طولا وعرضا.
ومن عجائب مصر أيضا «الجبال التي هي بصعيدها على نيلها»، وهي ثلاثة أجبل: فمنها جبل الكهف، ويقال: الكفّ، ومنها الطّيلمون، ومنها جبل زماخير (¬a) السّاحرة، يقال: إنّ فيه حلقة من الجبل ظاهرة مشرفة على النّيل، لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خطّ مخلوق باسمك اللّهم.
ومن عجائبها «شعب البوقيرات» بناحية أشمون من أرض الصّعيد، وهو شعب (٣) في جبل فيه صدع، تأتيه البوقيرات في يوم من السّنة كان معروفا، فتعرض أنفسها على الصّدع، فكلّما أدخل بوقير منها منقاره في الصّدع مضى لسبيله، فلا يزال يفعل ذلك حتى يلتقي الصّدع على بوقير منها فيحبسه، وتمضي كلّها ولا يزال ذلك الذي يحبسه متعلّقا حتى يتساقط ويتلاشى (٤).
стр. 209
ومن عجائبها «عين شمس»، وهي هيكل الشّمس، وبها العمودان اللّذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما، طولهما في السّماء نحو من خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض، وفيهما صورة إنسان على دابّة، وعلى رأسهما شبه الصّومعتين من نحاس، فإذا جاء النّيل قطر من رأسهما ماء، وتستبينه وتراه منهما واضحا ينبع حتى يجري في أسفلهما فينبت في أصلهما العوسج وغيره. وإذا حلّت الشّمس دقيقة من الجدي، وهو أقصر يوم في السنة، انتهت إلى الجنوبي منهما فطلعت عليه قمّة رأسه، وهي منتهى الميلين، وخطّ الاستواء في الواسطة منهما، ثم خطرت بينهما ذاهبة وجائية سائر السّنة؛ كذا يقول أهل العلم بذلك (١).
ومن عجائبها «منف» وعجائبها وأصنامها وأبنيتها ودفائنها وكنوزها، وما يذكر فيها أكثر من أن يحصى من آثار الملوك والحكماء والأنبياء، لا يدفع ذلك (٢).
ومن عجائبها «الفرما»، وهي أكثر عجائب وأكثر آثارا (٣).
ومن عجائبها «الفيّوم» (٤). ومن عجائبها «نيلها». ومن عجائبها الحجر المعروف بحجر الخلّ، يطفو على الخلّ ويسبح فيه كأنّه سمكة.
/ وكان يوجد بها حجر إذا أمسكه الإنسان بكلتا يديه تقايأ كلّ شيء في بطنه (٥). وكان بها خرزة تجعلها المرأة على حقوها فلا تحبل. وكان بها حجر يوضع على حرف التّنّور فيتساقط خبزه. وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تكسر فتتّقد كالمصابيح.
ومن عجائبها حوض كان بدولاب مدوّر (¬a) من حجارة، يركب فيها الواحد والأربعة ويحرّكون الماء بشيء، فيعبرون من جانب إلى جانب، لا يعلم من عمله، فأخذه كافور الإخشيدي إلى مصر، فنظر إليه ثم أخرج من الماء فألقي في البر، وكان في أسفله كتابة لا يدرى ما هي، ثم بطل.
ومن عجائبها أنّ بصعيدها ضيعة تعرف بدشنا، فيها سنطة إذا تهدّدت بالقطع تذبل وتجتمع وتضمر، فيقال لها: قد عفونا عنك وتركناك فتتراجع، والمشهور وهو الموجود الآن سنطة في
стр. 210
الصّعيد، إذا نزلت اليد عليها ذبلت، وإذا رفعت عنها تراجعت، وقد حملت إلى مصر وشوهدت. وبها نوع من الخشب يرسب في الماء كالأبنوس، وبها الخشب السّنط الذي يوقد منه القدر الكثير في الزّمن الطويل فلا يوجد له رماد.
وذكر ابن نصر المصري أنّه كان على باب القصر الكبير، الذي يقال له: باب الرّيحان عند الكنيسة المعلّقة، صنم من نحاس على خلقة الجمل، وعليه رجل راكب عليه عمامة، منتكب قوسا عربية، وفي رجليه نعلان، كانت الرّوم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم، واعتدى بعضهم على بعض، تجاروا إليه حتى يقفوا بين يدي ذلك الجمل، فيقول المظلوم للظّالم: «أنصفني قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل فيأخذ الحقّ لي منك شئت أم أبيت» - يعنون بالرّاكب النّبيّ محمدا ﷺ فلمّا قدم عمرو بن العاص، غيّبت الرّوم ذلك الجمل لئلاّ يكون شاهدا عليهم.
قال ابن لهيعة: بلغني أنّ تلك الصّورة في ذلك الموضع قد أتى الآن عليها سنين لا يدرى من عملها.
قال القضاعيّ: فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمّن عدّة عجائب، فلو بسطت لجاء منها عدد كثير (١).
ويقال: ليس من بلد فيه شيء غريب إلاّ وفي مصر مثله أو شبيه به. ثم تفضل مصر على البلدان بعجائبها التي ليست في بلد سواها.
وفي كتاب «تحفة الألباب» أنّه كان بمصر بيت تحت الأرض فيه رهبان من النّصارى، وفي البيت سرير صغير من خشب، تحته صبيّ ميّت ملفوف في نطع قديم (¬a) مشدود بحبل، وعلى السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل، إذا اشتغل الفتيل بالنّار وصار سراجا خرج من ذلك الأنبوب الزّيت الصّافي الحسن الفائق (¬b)، حتى تمتلئ تلك الباطية وينطفئ السّراج بكثرة الزّيت، فإذا انطفأ لم يخرج من الدّهن شيء، فإذا خرج الصّبيّ الميّت من تحت السّرير لم يخرج من الزّيت شيء، والباطية يرفعها (¬c) الإنسان فلا يرى تحتها شيئا ولا موضعا فيه ثقب؛ وأولئك الرّهبان يتعيّشون من ذلك الزّيت يشتريه الناس منهم فينتفعون به (٢).
стр. 211
وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه (١): عديم الملك ابن قفطريم كان جبّارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصّخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون، وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السّماء، وكانا في بئر يقال له: أفتاوه، وكانا يعلّمان أهل مصر السّحر. ويقال: إنّ الملك عديم بن البودسير استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل.
وأهل مصر من القبط يقولون: إنّهما شيطانان يقال لهما «مهلة» و «مهالة»، وليس هما الملكين، والملكان ببابل في بئر هناك يغشاها السّحرة إلى أن تقوم السّاعة، ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام (٢).
وقال قوم: كان الشّيطان يظهر وينصبها لهم.
وقال قوم: أوّل من نصبها تدورة، وأوّل صنم أقامه صنم الشّمس.
وقال آخرون: بل النّمرود الأوّل أمر الملوك بنصبها وعبادتها.
وعديم أوّل من صلب، وذلك أنّ امرأة زنت برجل من أهل الصّناعات، وكان لها زوج من أصحاب الملك، فأمر بصلبهما على منارين، وجعل ظهر كلّ واحد منهما إلى ظهر الآخر، وزبر على المنارين اسمهما، وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزّنا (٣).
وبنى (¬a) أربع مدائن، وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات، وكنز فيها كنوزا كثيرة، وعمل في الشرق (¬b) منارا، وأقام على رأسه صنما موجّها إلى الشّرق، مادّا يديه، يمنع دوابّ البحر والرّمال أن تتجاوز حدّه، وزبر في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه؛ ويقال:
إنّ هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا، ولولا هذا لغلب الماء الملح من البحر الشّرقي على أرض مصر.
стр. 212
وعمل على النّيل قنطرة في أوّل بلد النّوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة إلى أربع جهات الدّنيا، في يدي كلّ واحد من الأصنام حربتان يضرب بهما إذا أتاهم آت من تلك الجهة، فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى ﵇.
وعمل البربا على باب النّوبة، وهو هناك إلى وقتنا هذا.
وعمل في إحدى المداين الأربع التي ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء، لا ينقص طول الدّهر ولا يتغيّر ماؤه، لأنّه اجتلبه إليه من رطوبة الهواء. وكان أهل تلك الناحية وأهل تلك المدينة يشربون منه ولا ينقص ماؤه وعمل ذلك [لهم] (¬a) لبعدهم عن النّيل.
وذكر بعض كهنة القبط أنّ ذلك إنّما تمّ (¬b) لقربه من البحر الملح، فإنّ الشّمس ترفع بحرّها بخار البحر فينحصر/ من ذلك البخار جزء بالهندسة أو بالسّحر (١)، وتجعله ينحطّ في ذلك الموضع بالجوهر مثل الظّلّ، وتمدّه بالهواء فلا ينقص بذلك ماؤه على الدّهر، ولو شرب منه العالم.
وعمل قدحا لطيفا على مثل هذا العمل، وأهداه حومل (¬c) الملك إلى الإسكندر اليوناني.
وملكهم عديم مائة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبع مائة وثلاثين سنة، ودفن في إحدى المدائن ذات العجائب (٢)، وقيل: في صحراء قفط (٣).
وذكر بعض القبط أنّ ناووس عديم عمل في صحراء قفط على وجه الأرض، تحت قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقود على رأسها كرة من ذهب، عليها طائر من ذهب موشّح بجوهر منشور الجناحين يمنع من الدّخول إلى القبّة، وكان قطرها مائة ذراع في مثلها، وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبّك، وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بالذهب المغروز بالجوهر المنظوم، وطول القبّة أربعون ذراعا.
وجعل [معه] (¬a) في القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد بأوانيها، منها مائدة من درّ رمّاني أحمر، وأوانيها منها، ومائدة من ذهب فلموني أوانيها منها، ومائدة من
стр. 213
حجر الشّمس المضيء بآنيتها، وهو الزّبرجد الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سالت أعينها، ومائدة من كبريت أحمر مدبّر بآنيتها، ومائدة من ملح أبيض مدبّر براق بآنيتها، ومائدة من زئبق معقود.
وجعل في القبّة جواهر كثيرة وبرابي صنعة مدبّرة، وحوله سبعة أسياف وأطراس من حديد أبيض مدبر وتماثيل أفراس من ذهب، عليها سروج من ذهب، وسبعة توابيت من دنانير عليها صورته. وجعل معه من أصناف العقاقير والسّمومات والأدوية في برابي من حجارة.
وقد ذكر من رأى هذه القبّة أنّهم أقاموا أياما فما قدروا على الوصول إليها، وأنّهم إذا قصدوها وكانوا منها على ثمانية أذرع دارت القبّة عن أيمانهم أو عن شمائلهم [من أزج] (¬a). ومن أعجب ما ذكروه أنّهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا، فلا يرون [من أزج] (¬a) غير الصّورة التي يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنّهم رأوا وجه الملك قدر ذراع ونصف بالكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة (١).
وذكر هؤلاء الذين رأؤها أنّهم خرجوا لحاجة فوجدوها اتّفاقا، وأنّهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا أحدا يعرفها سوى شيخ منهم (٢).
وأوصى عديم الملك ابنه شدّات بن عديم أن ينصب في كلّ حيّز من أحياز ولايته منارا ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين وعمل مناراتها، وزبر عليها اسمه، وعمل بها ملاعب، وعمل في صحرائها منارا أقام عليه صنما برأسين، على اسم كوكبين كانا مقترنين في الوقت الذي خرج فيه إلى أتريب، وبنى فيها قبّة عظيمة مرتفعة على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وعلى رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب. ومضى إلى حيّز صا، فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط توري الأقاليم، ورجع (٣).
وعمل شدّات بن عديم هيكل أرمنت، وأقام فيه أصناما بأسماء الكواكب من جميع المعادن، وزيّنه بأحسن الزّينة، ونقشه بالجواهر والزّجاج الملوّن، وكساه الوشي والدّيباج، وعمل في المدائن
стр. 214
الداخلة من أنصنا هيكلا، وأقام فيه بأتريب، وهيكلا شرقي الإسكندرية.
وأقام صنما من صوّان أسود باسم زحل على عبرة النّيل من الجانب الغربي، وبنى في الجانب الشرقي مدائن في إحداها صورة صنم قائم وله إحليل، إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر ذكره فمسحه (¬a) بكلتا يديه، انتشر ذكره وقوي على الباه. وفي إحداها بقرة لها ضرعان كبيران، إذا انعقد لبن امرأة أتتها ومسحتها بيديها، فإنّه يدرّ لبنها (١).
وجمع التّماسيح بطلّسم عمله بناحية أسيوط، فكانت تنصبّ من النّيل إلى إخميم انصبابا، فيقتلها ويستعملها جلودا في السّفن وغيرها (٢).
وعمل منقاوس الملك بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كلّ تمثال يصلح [له] (¬b) من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك.
وعمل صورة امرأة متبسّمة، لا يراها مهموم إلاّ زال همّه ونسيه، فكان الناس يتناوبونها ويطوفون حولها، ثم عبدوها من جملة ما عبدوه بعد ذلك.
وعمل تمثالا من صفر مذهّب بجناحين، لا يمرّ به زان ولا زانية إلاّ كشف عورته بيده. وكان الناس يمتحنون به الزّناة، فامتنعوا من الزّنا فرقا منه. فلمّا ملك كلكن عشقت حظيّة عنده رجلا من خدمه، وخافت أن تمتحن بذلك الصّنم، فأخذت في ذكر الزّواني مع الملك وأكثرت من سبّهن وذمّهن، فذكر كلكن ذلك الصّنم وما فيه من المنافع؛ فقالت: صدق الملك، غير أنّ منقاوش لم يصب في أمره؛ لأنّه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لإصلاح العامّة دون نفسه، وكان حكم هذا أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهن شيء من الشّهوة. فقال كلكن: صدقت، وظنّ أنّ هذا منها نصح، فأمر بنزع الصّنم من موضعه ونقله إلى داره فبطل عمله، وعملت المرأة ما كانت همّت به.
وبنى هيكلا على جبل القصير للسّحرة، فكانوا لا يطلقون الرّياح للمراكب المقلعة إلاّ/ بضريبة يأخذونها منهم للملك (٣).
стр. 215
وبنى مناوش بن منقاوش في صحراء الغرب مدينة بالقرب من مدينة السّحرة تعرف بقمنطر (¬a) ذات عجائب، وجعل بوسطها قبّة عليها كالسّحابة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى (¬b) به من كلّ داء فيبرئه، وعمل في شرقيها بربا لطيفا له أربعة أبواب، لكلّ باب عضادتان، في كلّ عضادة صورة وجه يخاطب كلّ واحد منهما صاحبه بما يحدث في يومه. فمن دخل البربا على غير طهارة نفخا في وجهه فأصابه رعدة فظيعة لا تفارقه حتى يموت.
وكانوا يقولون: إنّ في وسطه مهبط النّور في صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره عن شيء من الرّوحانية، وسمع كلامهم، ورأى ما يعملون.
وعلى كلّ باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علم من العلوم، فمن أحبّ معرفة ذلك العلم، أتى تلك الصّورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره، فيثبت ذلك العلم في صدره. ويقال: إنّ هاتين المدينتين بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنّهما بحالهما.
وحكي عن رجل أنّه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو أمير مصر، فعرّفه أنّه تاه في صحراء الشّرق (¬c)، فوقع على مدينة خراب فيها شجرة تحمل كلّ صنف من الفاكهة، وأنّه أكل منها وتزوّد؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز كثيرة؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة معهم ماء وزاد، فأقاموا يطوفون تلك الصّحاري شهرا فلم يقفوا لها على أثر (١).
وعملت أمّ بلاطس (¬d) الملك بركة عظيمة في صحراء الغرب، وجعلت في وسطها عمودا طوله ثلاثون ذراعا، وفي أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فلا ينقص أبدا. وجعلت حول البركة أصناما من حجارة ملوّنة على صور الحيوانات من الوحش والطّير والبهائم، فكان كل جنس يأتي إلى صورته ويألفها، فيؤخذ باليد وينتفع به.
وعملت لابنها متنزّها لأنّه كان يجب الصّيد، فجعلت فيه مجالس مركّبة على أساطين من مرمر مصفّح بالذّهب مرصّع بالجوهر والزّجاج الملوّن، وزخرفته بالتّصاوير العجيبة والنّقوش،