ثم إنّ السّلطان الملك المؤيّد شيخ المحمودي الظّاهري، جدّد عمارة منظرة فوق الخمس الوجوه (¬a)، ابتدأ بناءها في يوم الاثنين أوّل شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة (١).
منظرة باب الفتوح
وكان للخلفاء الفاطميين منظرة خارج باب الفتوح، وكان يومئذ ما خرج عن باب الفتوح براحا فيما بين الباب وبين البساتين الجيوشية. وكانت هذه المنظرة معدّة لجلوس الخليفة فيها عند عرض العساكر ووداعها إذا سارت في البرّ إلى البلاد الشّامية (٢).
قال ابن المأمون: وفي هذا الشهر - يعني المحرّم سنة سبع عشرة وخمس مائة - وصلت رسل ظهير الدّين طغتكين صاحب دمشق، وآق سنقر صاحب حلب، بكتب/ إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه وإلى الوزير المأمون إلى القصر، فاستدعوا لتقبيل الأرض كما جرت العادة من إظهار التّجمّل.
وكان مضمون الكتب - بعد التّصدير والتّعظيم والسّؤال والضّراعة - أنّ الأخبار تظافرت بقلّة الفرنج بالأعمال الفلسطينية والثّغور الساحلية، وأنّ الفرصة قد أمكنت فيهم واللّه قد أذن بهلاكهم، وأنّهم ينتظرون إنعام الدّولة العلويّة وعوائد أفضالها، ويستنصرون بقوّتها، ويحثّون على نصرة الإسلام، وقطع شأفة (¬b) الكفر، وتجهيز العساكر المنصورة والأساطيل المظفّرة، والمساعدة على التّوجّه نحوهم لئلاّ يتواصل مددهم، وتعود إلى القوّة شوكتهم.
فقوي العزم على النّفقة في العساكر فارسها وراجلها وتجريدها، وتقدّم إلى الأزمّة بإحضار الرّجال الأقوياء، وابتدئ بالنّفقة في الفرسان بين يدي الخليفة في قاعة الذّهب، وأحضر
стр. 1507
الوزّانون وصناديق المال، وأفرغت الأكياس على البساط. واستمرّ الحال بعد ذلك في الدار المأمونية، وتردّد الرأي فيمن يتقدّم، فوقع الاتّفاق على حسام الملك البرنيّ، وأحضر مقدّم الأساطيل الثانية لأنّ الأساطيل توجّهت في الغزو، وخلع عليه، وأمر بأن ينزل إلى الصّناعتين بمصر والجزيرة، وينفق في أربعين شينيّا، ويكمل نفقاتها وعددها، ويكون التّوجّه بها صحبة العسكر.
وأنفق في عشرين من الأمراء للتّوجّه صحبته فكملت النّفقة في الفارس والراجل، وفي الأمراء السّائرين، وفي الأطبّاء والمؤذّنين والقرّاء، وندب من الحجّاب عدّة، وجعل لكلّ منهم خدمة:
فمنهم من يتولّى خزانة الخيام، وسيّر معه من حاصل الخزائن - برسم ضعفاء العسكر ومن لا يقدر على خيمة - خيم، ومنهم حاجب على خزائن السّلاح. وأنفق في عدّة من كتّاب ديوان الجيش لعرض العساكر، وفي كتّاب العربان. وأحضر مقدّمو الجذاميين بالجفار (¬a)، وتقدّم إليها بأنّه من تأخّر عن العرض بعسقلان وقبض النّفقة، فلا واجب له ولا إقطاع.
وكتبت الكتب إلى المستخدمين بالثّغور الثلاثة: الإسكندرية ودمياط وعسقلان، بإطلاق وابتياع ما يستدعى برسم الأسمطة على ثغر عسقلان للعساكر والعربان من الأصناف والغلال، ووقع الاهتمام بنجاز أمر الرّسل الواصلين.
وكتبت الأجوبة عن كتبهم، وجهّز المال والخلع المذهّبات، والأطواق والسّيوف والمناطق الذّهب، والخيل بالمراكب الحليّ الثّقال وغير ذلك من التجمّلات. وخلع على الرّسل، وأطلق لهم التّسفير (¬b)، وسلّمت إليهم الكتب والتّذاكير، وتوجّهوا صحبة العسكر.
وركب الخليفة الآمر بأحكام اللّه إلى باب الفتوح ونزل بالمنظرة، واستدعى حسام الملك وخلع عليه بدلة جليلة مذهّبة وطوّقه بطوق ذهب، وقلّده ومنطقه بمثل ذلك. ثم قال الوزير المأمون للأمراء، بحيث يسمع الخليفة: هذا الأمير مقدّمكم ومقدّم العساكر كلّها، وما وعد به أنجزته، وما قرّره أمضيته فقبّلوا الأرض، وخرجوا من بين يديه.
وسلّم متولّى بيت المال وخزائن الكسوة لحسام الملك الكتب بما ضمّنته الصّناديق من المال وأعدال الكسوات، وحملت قدّامه.
стр. 1508
وفتحت طاق (¬a) المنظرة، فلمّا شاهد العساكر الخليفة قبّلوا الأرض، فأشار إليهم بالتوجّه، فساروا بأجمعهم. وركب الخليفة وتوجّه إلى الجامع بالمقس وجلس بالمنظرة، واستدعى مقدّم الأسطول وخلع عليه، وانحدرت الأساطيل مشحونة بالرجال والعدّة (١).
منظرة الصّناعة
وكان من جملة مناظر الخلفاء منظرة بالصّناعة في السّاحل القديم من مصر، يجلس بها الخليفة تارة حتى تقدّم له العشاريّات، فيركبها ويسير للمقياس حتى يخلّق بين يديه عند الوفاء.
وكان بهذه الصّناعة ديوان العمائر (٢).
وأنشأ هذه المنظرة - والصّناعة التي هي فيها - الوزير المأمون، ولم تزل إلى آخر الدولة، ودهليزها مادّ بمساطب مفروشة بالحصر العبداني بسطا وتأزيرا. وقد خربت هذه الصّناعة والمنظرة، وصار موضعها الآن بستانا كان يعرف ببستان ابن كيسان، ويعرف في زمننا هذا الذي نحن فيه الآن ببستان الطّواشي، وهو بأوّل مراغة مصر تجاه غيط الجرف، على يسرة من يسلك من المراغة يريد الكبارة وباب مصر (٣).
قال ابن المأمون: وكانت جميع مراكب الأساطيل ما تنشأ إلاّ بالصّناعة التي بالجزيرة، فأنكر الوزير المأمون ذلك وأمر بأن يكون إنشاء الشّواني (٤) وغيرها من المراكب النّيلية الدّيوانية بالصّناعة بمصر، وأضاف إليها دار الزّبيب، وأنشأ المنظرة بها، واسمه باق إلى الآن عليها. وقصد بذلك أن يكون حلول الخليفة يوم تقدمة الأساطيل ورميها بالمنظرة المذكورة، وأن يكون ما ينشأ من الحرابي (¬b) (٥) والشّلنديات (٦) في الصّناعة بالجزيرة.
стр. 1509
قال: ولمّا وفّى النّيل ستة عشر ذراعا، ركب الخليفة والوزير إلى الصّناعة بمصر، ورميت العشاريّات بين أيديهما، ثم عدّيا في إحداها إلى المقياس (١).
وقال ابن الطّوير: الخدمة في «ديوان الجهاد» (٢) - ويقال له «ديوان العمائر» - وكان محلّه بصناعة الإنشاء بمصر للأسطول والمراكب الحاملة للغلاّت السّلطانية والأحطاب وغيرها، وكانت تزيد على خمسين عشاريّا، ويليها عشرون ديماسا/، منها عشرة برسم خاصّ الخليفة أيام الخليج وغيرها. ولكلّ منها رئيس ونواتي لا يبرحون ينفق فيهم من مال هذا الدّيوان.
وبقية العشاريّات الدّواميس برسم ولاة الأعمال المميّزة، فهي تجرّد لهم، وينفق في رؤسائها ورجالها أينما كانوا من مال هذا الدّيوان، وتقيم مع أحدهم مدّة مقامه، فإذا صرف عاد فيه، وخرج المتولّي الجديد في العشاري المرسي بالصّناعة، ولا يخرج إلاّ بتوقيع بإطلاقه والإنفاق فيه، وللمشارفين بالأعمال عشاريّات دون هذه.
وفي هذا الدّيوان، برسم خدمة ما يجري في الأساطيل، نائبان من قبل مقدّم الأسطول، وفيه من الحواصل لعمارة المراكب شيء كثير، وإذا لم يف ارتفاعه بما يحتاج إليه استدعى له من بيت المال ما يسدّ خلله (٣).
قال: وكان من أهمّ أمورهم احتفالهم بالأساطيل والأجناد، ومواصلة إنشاء المراكب بمصر والإسكندرية ودمياط، من الشّواني الحربية (٤) والشّلنديّات (٥) والمسطّحات (٦)،
стр. 1510
[وإنفاذها] (¬a) إلى بلاد السّاحل حين كانت بأيديهم، مثل صور وعكّا وعسقلان (١).
وكانت جريدة قوّاده أكثر من خمسة آلاف مدوّنة: منهم عشرة أعيان (¬b) يقال لهم: «القوّاد» واحدهم «قائد» (¬b) تصل جامكيّة كلّ منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين وهي أقلّها. ولهم إقطاعات تعرف ب «أبواب الغزاة» بما فيه من النّطرون، فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار وحواليه. ويعيّن من هؤلاء القوّاد العشرة من يقع الإجماع عليه لرئاسة الأسطول المتوجّه للغزو (¬c)، فيكون معه المقدّم (¬d) والفانوس، وكلّهم يهتدون به، ويقلعون بإقلاعه، ويرسون بإرسائه.
ويقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان الأمراء وأقواهم نفسا و (¬d) جنانا، ويتولّى النّفقة فيهم للغزو الخليفة بنفسه بحضور الوزير؛ فإذا أراد النّفقة فيما تعيّن من عدّة المراكب السائرة - وكانت آخر وقت تزيد على خمسة وسبعين شينيّا، وعشر مسطّحات، وعشر حمّالات (¬e) (٢) - فيتقدّم إلى النّقباء بإحضار الرجال، ويسمع بذلك من هو خارج مصر والقاهرة، فيدخل إليها. ولهم المشاهرة والجرايات المستقرّة (¬f) مدّة أيام السّفر، وهم معروفون عند عشرين نقيبا، ولا يعترض أحد أحدا إلاّ من رغب في ذلك من نفسه.
فإذا اجتمعت العدّة المغلقة للمراكب المطلوبة، أعلم المقدّم بذلك الوزير، فطالع الخليفة بالحال، وقرّر يوم للنّفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء على العادة. فيجلس الخليفة على هيئته في مجلس، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش وهما المستوفي، وهو أميزهما (¬g)، ويجلس داخل عتبة المجلس - وهذه رتبة له مميّزة - وكاتب الجيش الأصل ويجلس
стр. 1511
بجانبه تحت العتبة على حصر مفروشة بالقاعة. ولا يخلو المستوفي أن يكون عدلا، أو من أعيان الكتّاب المسلمين. وأمّا كاتب الجيش فيهوديّ في الأغلب!
ويفرش أمام المجلس أنطاع تصبّ عليها الدّراهم، ويحضر الوزّانون ببيت المال بذلك. فإذا تهيّأ الإنفاق أدخل القابضون مائة مائة، ويقفون في آخر الوقوف بين يدي الخليفة من جانب واحد نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتّبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة ويستدعي مستوفي الجيش من تلك الأوراق (¬a) المتّفق عليها (¬a) واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الخالي، فإذا تكمّل عشرة رجال وزن الوزّانون لهم النّفقة - وكانت لكلّ واحد خمسة دنانير، صرف كلّ دينار ستة وثلاثون درهما - فيتسلّمها (¬b) النّقيب، وتكتب بيده وباسمه وتمضي النّفقة كذلك إلى آخرها.
فإذا تمّ ذلك اليوم، ركب الوزير من بين يدي الخليفة، وانفضّ ذلك الجمع، فيحمل من عند الخليفة مائدة يقال لها «غداء الوزير»، وهي سبع مخفيّات (¬c) أوساط، إحداها بلحم دجاج وفستق والبقيّة من شواء، وهي مكمورة بالأزهار، فتكون هذه عدّة أيام تارة متوالية وتارة متفرقة.
فإذا تكمّلت النّفقة، وتجهّزت المراكب وتهيّأت للسّفر، ركب الخليفة والوزير إلى ساحل المقس (١).
وذكر ابن أبي طيّ أنّ المعزّ لدين اللّه أنشأ ست مائة مركب لم ير مثلها في البحر على مدينة، وعمل دار صناعة بالمقس (٢).
دار الملك
وكان من جملة مناظرهم دار الملك بمصر، وهي من إنشاء الأفضل بن أمير الجيوش. ابتدأ في بنائها وإنشائها في سنة إحدى وخمس مائة، فلمّا كملت تحوّل إليها من دار القباب بالقاهرة وسكنها، وحوّل إليها الدّواوين من القصر فصارت بها، وجعل فيها الأسمطة، واتّخذ بها مجلسا سمّاه «مجلس العطايا» كان يجلس فيه.
стр. 1512
فلمّا قتل الأفضل صارت دار الملك هذه من جملة متنزّهات الخلفاء، وكان بها بستان عظيم، وما زالت عظيمة إلى أن انقرضت الدّولة، فجعلها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب دار متجر، ثم عملت في أيام الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري دار وكالة.
وموضع دار الملك ما وراء رحبة الخرّوب بجوار المدرسة المعزّيّة، وبقي منها جدار يجلس تحته بيّاعو الحنّاء (١).
قال ابن المأمون: ومن جملة ما قرّره القائد أبو عبد اللّه من تعظيم المملكة، وتفخيم أمر السّلطنة، أنّ/ المجلس الذي يجلس فيه الأفضل بدار الملك يسمّى «مجلس العطايا» (٢)، فقال القائد: مجلس يدعى بهذا الاسم ما يشاهد فيه دينار يدفع لمن يسأل! وأمر بتفصيل ثمانية ظروف ديباج أطلس من كلّ لون اثنين، وجعل في سبعة منها خمسة وثلاثين ألف دينار، في كلّ ظرف خمسة آلاف دينار سكب، وبطاقة بوزنه وعدده وشرّابة حرير كبيرة: من ذلك ستة ظروف دنانير بالسّويّة عن اليمين والشمال في مجلس العطايا الذي برسم الجلوس، وعند مرتبة الأفضل بقاعة اللّؤلؤة ظرفان: أحدهما دنانير، والآخر دراهم جدد. فالذي في اللّؤلؤة برسم ما يستدعيه الأفضل إذا كان عند الحرم. وأمّا الذي في مجلس العطايا فإنّ جميع الشّعراء لم يكن لهم في الأيام الأفضليّة ولا فيما قبلها على الشّعر جار؛ وإنّما كان لهم، إذا اتّفق طرب السّلطان واستحسانه لشعر من أنشد منهم، ما يسهّله اللّه على حكم الجائزة. فرأى القائد أن يكون ذلك من بين يديه من الظّروف. وكذلك من يتضرّع ويسأل في طلب صدقة أو ينعم عليه ابتداء بغير سؤال يخرج ذلك من الظّروف. وإذا انصرف الحاضرون نزّل القائد المبلغ بخطّه في البطاقة، ويكتب عليه الأفضل بخطّة «صحّ»، ويعاد إلى الظّرف ويختم عليه.
فلمّا استهلّ رجب من سنة اثنتي عشرة وخمس مائة، وجلس الأفضل في «مجلس العطايا» على عادته، وحضر الأجلّ المظفّر أخوه للهناء وجلس بين يديه، وشاهد الظّروف، والقائد وولده وأخوه قيام على رأسه، وتقدّمت الشّعراء على طبقاتهم - أمر لكلّ منهم بجائزة. وشاع خبر
стр. 1513
الظّروف، وكثر القول فيها، واستعظم أمرها، وضوعف مبلغها. واتّسع هذا الإنعام بالصّدقات الجاري بها العادة في مثل هذا الشّهر لفقهاء مصر والرّباطات بالقرافة وفقرائها (١).
وقال ابن الطّوير، وقد ذكر ركوب الخليفة في أوّل العام وحضور الغرّة: ولا ينقطع (¬a) الرّكوب بعد هذا اليوم الذي هو أوّل العام، فيركبون في آحاد الأيام إلى أن يكمل شهر، ولا يتعدّى ذلك يومي السّبت والثّلاثاء. فإذا عزم الخليفة على الركوب في أحد هذه الأيام أعلم بذلك - وعلامته إنفاق الأسلحة في صبيان الرّكاب من خزانة السّلاح خاصّة دون ما سواها، وأكثر ذلك إلى مصر - ويركب الوزير صحبته من ورائه على أخصر من النّظام المتقدّم - يعني في ركوب أوّل العام - وأقل جمع، فيخرج شاقّا القاهرة وشوارعها على الجامع الطّولوني على المشاهد (٢)، إلى درب الصّفا - ويقال له: «الشّارع الأعظم» - إلى دار الأنماط إلى الجامع العتيق (٣).
فإذا وصل إلى بابه، وجد الشّريف الخطيب قد وقف على مسطبة بجانبه فيها محراب، مفروشة بحصر معلّق عليها سجّادة، وفي يده المصحف المنسوب خطّه إلى عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو من حاصله؛ فإذا وازاه وقف في موضعه وناوله المصحف من يده، فيتسلّمه منه ويقبّله ويتبرّك به مرارا، ويعطيه صاحب الخريطة المرسومة للصّلات ثلاثين دينارا، وهي رسمه متى اجتاز به، فيوصّلها الشّريف إلى مشارف الجامع، فيكون نصيبهما منها خمسة عشر دينارا، والباقي للقومة والمؤذّنين دون غيرهم. ويسير إلى أن يصل دار الملك فينزلها والوزير معه. ومنذ يخرج من باب القصر إلى أن يصل إلى دار الملك، لا يمرّ بمسجد إلاّ أعطى قيّمه من الخريطة دينارا.
فلا يزال بدار الملك نهاره، فتأتيه المائدة من القصر، وعدّتها خمسون شدّة على رءوس القرّاشين مع صاحب المائدة (٤) - وهو أستاذ جليل غير محنّك - وكلّ شدّة فيها طيفور فيها الأواني الخاصّ، وفيها من الأطعمة الخاصّ من كلّ نوع شهيّ وكلّ صنف من المطاعم العالية، ولها رواء ورائحة المسك فائحة منها، وعلى كلّ شدّة طرحة حرير تعلو القوّارة التي هي الشّدّة. فيحمل إلى
стр. 1514
الوزير منها جزء وافر، ولمن صحبه وللأمراء ولكافّة الحاضرين في الخدمة، ويصل منها إلى النّاس بمصر من بعضهم بعضا شيء عظيم (¬a).
ولا يزال إلى أن يؤذّن عليه بالعصر فيصلّي، ويتحرّك إلى العود إلى القاهرة، والنّاس في طريقه لنظره، فيركب وزيّه في هذه الأيام أنّه يلبس الثّياب المذهّبة البياض والملوّنة، والمنديل من النسبة، وهو مشدود شدّة مفردة عن شدّات النّاس، وذؤابته مرخاة من جانبه الأيسر، ويتقلّد بالسّيف العربي المجوهر بغير حنك ولا مظلّة ولا يتيمه، فإنّ ذلك في أوقات مخصوصة.
ولا يمرّ أيضا بمسجد في سلوكه في هذه الطّريق بالسّاحل إلاّ ويعطي قيّمه دينارا أيضا كما جرى في الرّواح، وينعطف من الخرق (¬b) ويدخل من باب زويلة، شاقّا القاهرة حتى يدخل القصر، فيكون ذلك من المحرّم إلى شهر رمضان إمّا أربع مرّات أو خمس مرّات (١).
ومن شعر الأسعد أسعد بن مهذّب بن زكريّا بن أبي مليح ممّا في دار الملك هذه (٢):
[الطويل]
حللت بدار الملك والنّيل آخذ … بأطرافها والموج يوسعها ضربا
فخيّلته قد غار لمّا وطئتها … عليها فأضحى عند ذاك لها حربا
منازل العزّ
/ بنتها السّيّدة تغريد أمّ العزيز باللّه بن المعزّ (٣)، ولم يكن بمصر أحسن منها، وكانت مطلّة على النّيل لا يحجبها شيء عن نظره. وما زال الخلفاء من بعد المعزّ يتداولونها، وكانت معدّة لنزهتهم، وكان بجوارها حمّام، ولها منها باب، وموضعها الآن مدرسة تعرف بالمدرسة التّقويّة؛ منسوبة للملك المظفّر تقيّ الدّين عمر (¬c) ابن شاهنشاه بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي (٤).
стр. 1515
الهودج
وكان من متنزّهاتهم العظيمة البناء الغريبة البديعة الزّيّ، بناء في جزيرة الفسطاط - التي تعرف اليوم بالرّوضة - يقال له: «الهودج». بناه الخليفة الآمر بأحكام اللّه لمحبوبته البدويّة التي غلب عليه حبّها بجوار البستان المختار، وكان يتردّد إليه كثيرا، وقتل وهو متوجّه إليه (١)، وما زال متنزّها للخلفاء من بعده.
قال ابن سعيد في كتاب «المحلّى بالأشعار»: قال القرطي في تاريخه: تذاكر النّاس في حديث البدويّة وابن ميّاح من بني عمّها، وما يتعلّق بذلك من ذكر الآمر، حتى صارت رواياتهم في هذا الشّأن كأحاديث البطّال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك. والاختصار منه أن يقال: إنّ الآمر كان قد بلي بعشق الجواري العربيّات، وصارت له عيون بالبوادي. فبلغه أنّ جارية بالصّعيد من أكمل العرب وأظرفهم شاعرة جميلة، فيقال إنّه تزيّا بزيّ بداة الأعراب، وكان يجول في الأحياء، إلى أن انتهى إلى حيّها، وبات هناك في ضائفة، وتحيّل حتى عاينها هنالك، فما ملك صبره، ورجع إلى مقرّ ملكه، وأرسل إلى أهلها يخطبها وتزوّجها.
فلمّا وصلت صعب عليها مفارقة ما اعتادته، وأحبّت أن تسرح طرفها في الفضاء ولا تنقبض نفسها تحت حيطان المدينة. فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف بالهودج، وكان غريب الشّكل، على شطّ النّيل (٢).
وبقيت متعلّقة الخاطر بابن عمّ لها ربّيت معه يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه من قصر الآمر:
[الرمل]
يا ابن ميّاح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملكا
стр. 1516
كنت في حيّي مطلقا آمرا (¬a) … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر مرصد … لا أرى إلاّ حبيسا (¬b) ممسكا
كم قد (¬c) تثنّينا كأغصان اللّوا … حيث لا نخشى علينا دركا
فأجابها:
[الرمل]
بنت عمّي والتي غذّيتها … بالهوى حتى علا واحتنكا (¬d)
بحت بالشّكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منّا المشتكى
مالك الأمر إليه أشتكي … مالكا (¬e) وهو الذي قد ملكا
قال: وللنّاس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول. وكان من عرب طيّئ في عصر (¬f) الآمر طرّاد بن مهلهل السّنبسي، فبلغته هذه القضيّة فقال:
[المتقارب]
ألا بلّغوا الآمر المصطفى … مقال طرّاد ونعم المقال
قطعت الأليفين عند ألفة … بها سمر الحيّ بين الرجال
كذا كان آباؤك الأكرمون (¬g) … سألت فقل لي جواب السّؤال
فقال الخليفة الآمر لمّا بلغته الأبيات: جواب سؤاله قطع لسانه على فضوله. وطلب في أحياء العرب فلم يوجد، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طرّاد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات (١)!
وكان بالإسكندرية مكين الدّولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن بن حديد، له مروءة عظيمة، ويحتذي أفعال البرامكة، وللشّعراء فيه أمداح كثيرة، مدحه ظافر الحدّاد، وأميّة بن أبي الصّلت وغيرهما (٢).
وكان له بستان يتفرّج (¬h) فيه به جرن كبير من رخام، وهو قطعة واحدة، وينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من كبره. وكان يجد في نفسه برؤيته زيادة على أهل التّنعّم والمباهاة في عصره. فوشي
стр. 1517
به للبدويّة محبوبة الآمر، فسألت الخليفة الآمر في حمل الجرن إليها، فأرسل إلى ابن حديد بإحضار الجرن، فلم يجد بدّا من حمله من البستان. فلمّا صار إلى الآمر، أمر بعمله في الهودج.
فقلق ابن حديد، وصارت في قلبه حرارة من أخذ الجرن، فأخذ يخدم البدويّة ومن يلوذ بها بأنواع الخدم العظيمة الخارجة عن الحدّ في الكثرة، حتى قالت البدويّة: هذا الرّجل أخجلنا بكثرة تحفه، ولم يكلّفنا قطّ أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا.
فلمّا قيل له هذا القول عنها قال: ما لي حاجة، بعد الدّعاء للّه بحفظ مكانها وطول حياتها في عزّ، غير ردّ الفسقيّة التي قلعت من داري التي بنيتها/ في أيّامهم من نعمتهم، تردّ إلى مكانها.
فتعجّبت من ذلك، وردّتها عليه، فقيل له: حصلت في حدّ أن خيّرتك البدويّة في جميع المطالب، فنزلت همّتك إلى قطعة حجر! فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى ألاّ تغلب في أخذ ذلك الحجر من مكانه، وقد بلّغها اللّه أملها (١).
وكان هذا المكين يتولّى (¬a) قضاء الإسكندرية ونظرها في أيام الآمر، وبلغ من علوّ همّته وعظم مروءته أنّ سلطان الملوك حيدرة، أخا الوزير المأمون بن البطائحي، لمّا قلّده الآمر ولاية ثغر الإسكندرية في سنة سبع عشرة وخمس مائة، وأضاف إليه الأعمال البحرية، ووصل إلى الثّغر، ووصف له الطّبيب دهن شمع بحضور القاضي المذكور، فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضيّ إلى داره لإحضار دهن شمع. فما كان أكثر من مسافة الطّريق إلى (¬b) أن أحضر حقّا مختوما فكّ عنه، فوجد فيه منديل لطيف مذهّب على مذاف بلّور فيه ثلاثة بيوت، كلّ بيت عليه قبّة ذهب مشبّكة مرصّعة بياقوت وجوهر: بيت دهن بمسك، وبيت دهن بكافور، وبيت دهن بعنبر طيّب. ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته.
فعند ما أحضره الرّسول، تعجّب المؤتمن والحاضرون من علوّ همّته. فعند ما شاهد القاضي ذلك بالغ في شكر إنعامه، وحلف بالحرام إن عاد إلى ملكه. فكان جواب المؤتمن: قد قبلته منك لا لحاجة إليه، ولا لنظر في قيمته، بل لإظهار هذه الهمّة واذاعتها. وذكر أنّ قيمة هذا المذاف وما عليه خمس مائة دينار.
стр. 1518
فانظر - رحمك اللّه - إلى من يكون دهن الشّمع عنده في إناء قيمته خمس مائة دينار، ودهن الشّمع لا يكاد أكثر النّاس يحتاج إليه ألبتّة، فماذا تكون ثيابه وحليّ نسائه وفرش داره وغير ذلك من التّجمّلات. وهذا إنّما هو حال قاضي الإسكندرية، ومن قاضي الإسكندرية بالنسبة إلى أعيان الدّولة بالحضرة، وما نسبة أعيان الدّولة - وإن عظمت أحوالهم - إلى أمر الخلافة وأبّهتها إلاّ يسير حقير.
وما زال الخليفة الآمر يتردّد إلى الهودج المذكور، إلى أن ركب يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة يريد الهودج، وقد كمن له عدّة من النّزاريّة في فرن عند رأس الجسر من ناحية الرّوضة، فوثبوا عليه وأثخنوه بالجراحة حتّى هلك، وحمل في العشاري إلى اللّؤلؤة فمات بها، وقيل قبل أن يصل إليها (١).
وقد خرب هذا الهودج وجهل مكانه من الرّوضة، وللّه عاقبة الأمور.
قصر الأندلس بالقرافة (¬a)
وكان لهم بالقرافة قصر بنته السّيّدة تغريد أمّ العزيز باللّه بن المعزّ في سنة ستّ وستين وثلاث مائة على يد الحسين بن عبد العزيز الفارسي المحتسب، هو والحمّام الذي في غريبه، وبنت البئر والبستان وجامع القرافة (٢).
وكان هذا القصر نزهة من النّزه من أحسن الآثار في إتقان بنيانه وصحّة أركانه، وله منظرة مليحة كبيرة محمولة على قبو مادّ تجوز المارّة من تحته، ويقيل المسافرون في أيام القيظ هناك، ويركب الراكب إليه على زلاّقة. وكان كأحسن ما يكون من البناء، وتحته حوض لسقي الدّواب يوم الحلول فيه، وكان مكانه بالقرب من مسجد الفتح (٣).
ولمّا كان في سنة عشرين وخمس مائة (¬b) جدّده الخليفة الآمر، وعمل تحته مسطبة للصّوفية، وكان يجلس في الطّاق بأعلى القصر، ويرقص أهل الطّريقة من الصّوفية، والمجامر بالألوية
стр. 1519
موضوعة بين أيديهم، والشّموع الكثيرة تزهر، وقد بسط تحتهم حصر من فوقها بسط، ومدّت لهم الأسمطة التي عليها كلّ نوع لذيذ وشهيّ من الأطعمة والحلوى أصنافا مصنّفة.
فاتّفق أن تواجد الشيخ أبو عبد اللّه (¬a) بن الجوهري الواعظ (١)، ومزّق مرقّعته، وفرّقت على العادة خرقا، وسأل الشيخ أبو إسحاق إبراهيم - المعروف بالقارح المقرئ - خرقة منها ووضعها في رأسه. فلمّا فرغ التمزيق قال الخليفة الآمر بأحكام اللّه من طاق بالمنظرة: يا شيخ أبا إسحاق؛ قال: لبّيك يا مولانا؛ قال: أين خرقتي؟ فقال مجيبا في الحال: ها هي على رأسي يا أمير المؤمنين. فاستحسن الآمر ذلك وأعجبه موقعه، فأمر في السّاعة والوقت من أحضر من خزائن الكسوات ألف نصفيّة، ففرّقت على الحاضرين وعلى فقراء القرافة، ونثر عليهم متولّى بيت المال من الطّاق ألف دينار، فتخاطفها الحاضرون، وتعاهد المغربلون الأرض التي هناك أياما لأخذ ما يواريه التّراب (٢).
وما برح قصر الأندلس بالقرافة حتى زالت الدّولة، فهدم في شهر ربيع الآخر سنة سبع وستين وخمس مائة.
المنظرة ببركة الحبش
وكانت لهم منظرة تشرف على بركة الحبش. قال الشّريف أبو عبد اللّه محمد [بن أسعد] (¬a) الجوّانيّ في كتاب «النّقط على الخطط»: إنّ الخليفة الآمر بأحكام اللّه بنى على المنظرة التي يقال لها بئر دكّة الخركاة، منظرة من خشب مدهونة فيها طاقات تشرف على خضرة بركة الحبش، وصوّر فيها الشّعراء كلّ شاعر وبلده، واستدعى من كلّ واحد منهم قطعة من الشّعر في المدح وذكر الخركاة، وكتب ذلك عند رأس كلّ شاعر، وبجانب صورة/ كلّ منهم رفّ لطيف مذهّب.
стр. 1520
فلمّا دخل الآمر وقرأ الأشعار، أمر أن يحطّ على كلّ رفّ صرّة مختومة فيها خمسون دينارا، وأن يدخل كلّ شاعر ويأخذ صرّته بيده. ففعلوا ذلك وأخذوا صررهم، وكانوا عدّة شعراء.
البساتين
وكان للخلفاء عدّة بساتين (١) يتنزّهون بها، منها البساتين الجيوشيّة، وهما بستانان كبيران:
أحدهما من عند زقاق الكحل خارج باب الفتوح إلى المطريّة، والآخر يمتدّ من خارج باب القنطرة إلى الخندق وكان لهما شأن عظيم (٢).
ومن شدّة غرام الأفضل بالبستان الذي كان يجاور بستان البعل، عمل له سورا مثل سور القاهرة، وعمل فيه بحرا كبيرا وقبّة عشاري تحمل ثمانية أرادبّ، وبنى في وسط البحر منظرة محمولة على أربع عواميد من أحسن الرّخام، وحفّها بشجر النارنج، فكان نارنجها لا يقطع حتّى يتساقط، وسلّط على هذا البحر أربع سواق، وجعل له معبرا من نحاس مخروط زنته قنطار، وكان يملأ في عدّة أيام. وجلب إليه من الطّيور المسموعة شيئا كثيرا، واستخدم للحمام الذي كان به عدّة مطيّرين، وعمّر به أبراجا عدّة للحمام والطّيور المسموعة، وسرّح فيه كثيرا من الطّاووس.
وكان البستانان اللّذان على يسار الخارج من باب الفتوح بينهما بستان الخندق، لكلّ منهما أربعة أبواب من الأربع جهات، على كلّ منها عدّة من الأرمن. وجميع الدّهاليز مؤزّرة بالحصر العبداني، وعلى أبوابها سلاسل كثيرة من حديد، ولا يدخل منها إلاّ السّلطان وأولاده وأقاربه (٣).
قال ابن عبد الظّاهر: واتّفقت جماعة على أنّ الذي يشتمل عليه بيوعهما (¬a) في السّنة، من زهر وثمر، نيّف وثلاثون ألف دينار، وأنّها لا تقوّم بمؤنهما على حكم اليقين لا الشك. وكان
стр. 1521
الحاصل بالبستان الكبير والمحصّل إلى آخر الأيام الآمرية - وهي سنة أربع وعشرين وخمس مائة - ثمان مائة وأحد عشر رأسا من البقر، ومن الجمال مائة وثلاثة رءوس، ومن العمّال وغيرهم ألف رجل.
وذكر أنّ الذي دار سور البساتين (¬a)، ومن سنط وجمّيز وأثل، من أوّل حدّهما الشرقي - وهو ركن بركة الأرمن - مع حدّهما البحريّ والغربيّ جميعا، إلى آخر زقاق الكحل في هذه المسافة الطّويلة سبعة عشر ألف ألف (¬b) ومائتي شجرة، وبقي قبلهما جميعا لم يحصّن. وأنّ السّنط تعطّن (¬c) حتى لحق بالجمّيز في العظم، وأنّ معظم قرظه يسقط إلى الطّريق فيأخذه النّاس، وبعد ذلك يباع بأربع مائة دينار. وكان به كلّ ثمرة لها دويرة مفردة، وعليها سياج، وفيها نخل منقوش في ألواح عليها برسم الخاصّ، لا تجنى إلاّ بحضور المشارف، وكان فيهما ليمون تفّاحي يؤكل بقشره بغير سكّر.
وأقام هذان البستانان بيد الورثة الجيوشية مع البلاد التي لهم مدّة أيام الوزير المأمون، لم تخرج عنهم، وكشف ذلك في أيام الخليفة الحافظ، فكان فيها ستّ مائة رأس من البقر، وثمانون جملا. وقوّم ما عليهما من الأثل والجمّيز، فكانت قيمته مائتي ألف دينار.
وطلب الأمير شرف الخلافة بنا (¬d) - وكانت له حرمة عظيمة - من الخليفة الحافظ قطع شجرة واحدة من سنط، فأبى عليه، فتشفّع إليه وقوّمت بسبعين دينارا، فرسم الخليفة إن كانت وسط البستان تقطع وإلاّ فلا.
ولمّا جرى في آخر أيام الحافظ ما جرى من الخلف، ذبحت أبقاره وجماله، ونهبت ما فيه من الآلات والأنقاض، ولم يبق إلاّ الجمّيز والسّنط والأثل لعدم من يشتريه (١). انتهى.
وكان هذان البستانان من جملة «الحبس الجيوشي»؛ وهو أنّ أمير الجيوش بدرا الجمالي حبس عدّة بلاد وغيرها - منها في البرّ الشّرقي ناحية بهتيت والأميريّة والمنية، وفي البرّ الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم - مع هذين البستانين المذكورين على عقبه. فاستأجر هذا الحبس الوزراء
стр. 1522
مدّة سنين بأجرة يسيرة، وصار يزرع في الشّرقي منه الكتّان، ومنه ما تبلغ قطيعته ثلاثة دنانير ونصفا وربعا عن كلّ فدّان، فيتناولون فيه ربحا جزيلا لأنفسهم. فلمّا بعد العهد انقرضت أعقابه، ولم يبق من ذرّيته سوى امرأة كبيرة، فأفتى الفقهاء بأنّ هذا الحبس باطل، فصار للدّيوان السّلطاني يتصرّف فيه، ويحمل متحصّله مع أموال بيت المال. وتلاشت البساتين، وبني في أماكنها ما يأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى (١).
وبنى العزيز باللّه بستانا بناحية سردوس.
قبّة الهواء
وكان من أحسن متنزّهات الخلفاء الفاطميين قبّة الهواء، وهي مستشرف بهج بديع فيما بين التّاج والخمس وجوه، يحيط به عدّة بساتين لكلّ بستان منها اسم، ولهذه القبّة فرش معدّة في الشّتاء والصّيف، ويركب إليها الخليفة في أيّام الرّكوبات التي هي يومي السّبت والثّلاثاء.
بحر أبي المنجّا
وكان من متنزّهات الخلفاء يوم فتح بحر أبي المنجّا. قال ابن المأمون: وكان الماء لا يصل إلى الشّرقيّة إلاّ من السّردوسي ومن الصّماصم ومن المواضع البعيدة، فكان أكثرها يشرق في أكثر السّنين. وكان أبو المنجّا اليهودي مشارف الأعمال المذكورة (٢)، فتضوّر المزارعون إليه، وسألوا في فتح ترعة يصل الماء منها في ابتدائه إليهم، فابتدأ بحفر خليج أبي المنجّا في يوم الثلاثاء السّادس من شعبان سنة ستّ وخمس ومائة (٣).
وركب الأفضل بن أمير/ الجيوش ضحى وصحبته القائد أبو عبد اللّه محمد بن فاتك البطائحي وجميع إخوته، والعساكر تحاذيه في البرّ، وجمعت شيوخ البلاد وأولادها، وركبوا في المراكب ومعهم حزم البوص في البحر، وصار العشاريّ والمراكب تتبعها إلى أن رماها الموج إلى
стр. 1523
الموضع الذي حفروا فيه البحر، وأقام الحفر فيه سنتين، وفي كلّ سنة تتبيّن الفائدة فيه، ويتضاعف من ارتفاع البلاد ما يهوّن الغرامة عليه.
ولمّا عرض على الأفضل جملة ما أنفق فيه استعظمه، وقال: غرمنا هذا المال جميعه والاسم لأبي المنجّا. فغيّر اسمه ودعي ب «البحر الأفضلي» فلم يتمّ ذلك، ولم يعرف إلاّ بأبي المنجّا (١).
ثم جرى بين أبي المنجّا وبين ابن أبي اللّيث صاحب الدّيوان، بسبب الذي أنفق، خطوب أدّت إلى اعتقال أبي المنجّا عدّة سنين، ثم نفي إلى الإسكندرية بعد أن كادت (¬a) نفسه تتلف، ولم يزل القائد أبو عبد اللّه بن فاتك يتلطّف حاله إلى أن (¬b) تضاعف من عبرة البلاد ما سهّل أمر النّفقة فيه (٢).
ورأيت بخطّ ابن عبد الظّاهر: وهذا أبو المنجّا هو جدّ بني صفير الحكماء اليهود، والذين أسلموا منهم (٣).
ولمّا طال اعتقال أبي المنجّا في الإسكندرية في مكان بمفرده مضيّقا عليه، تحيّل في تحصيل مصحف وكتب ختمة، وكتب في آخرها: «كتبها أبو المنجّا اليهودي»، وبعثها إلى السّوق ليبيعها. فقامت قيامة أهل الثّغر، وطولع بأمره إلى الخليفة، فأخرج وقيل له: ما حملك على هذا؟ فقال: طلب الخلاص بالقتل. فأدّب، وأطلق سبيله.
وقيل: إنّه كان في محبسه حيّة عظيمة، فأحضر إليه في بعض الأيام لبن، فرأى الحيّة وقد شربت منه ودخلت جحرها، فصار في كلّ يوم يحضر لها لبنا فتخرج وتشرب منه وتدخل مكانها ولم تؤذه.
ولمّا ولي المأمون البطائحيّ وزارة الآمر بأحكام اللّه، بعد الأفضل بن أمير الجيوش، تحدّث الآمر معه في رؤية فتح هذا الخليج، وأن يكون له يوم كخليج القاهرة. فندب المأمون (¬c) معه عديّ الملك أبا البركات بن عثمان وكيله، وأمره بأن يبني على مكان السّدّ منظرة متّسعة تكون من بحري السّدّ، وشرع في عمارتها بعد كمال النّيل.
стр. 1524
وما زال يوم فتح سدّ هذا البحر يوما مشهودا إلى أن زالت الدولة الفاطمية؛ فلمّا استولى بنو أيّوب من بعدهم على مملكة مصر أجروا الحال فيه على ما كان (١).
قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» سنة سبع وسبعين وخمس مائة: وركب السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب لفتح بحر أبي المنجّا وعاد (٢).
وقال: وفي سنة تسعين وخمس مائة، كسر بحر أبي المنجّا بعد أن تأخّر كسره عن عيد الصّليب بسبعة أيام (٣)، وكان ذلك لقصور النّيل في هذه السّنة، ولم يباشر السّلطان الملك العزيز عثمان بن السّلطان صلاح الدّين بنفسه، وركب أخوه شرف الدّين يعقوب الطّواشي لكسره.
وبدت في هذا اليوم من مخايل القنوط (¬a) ما يوجبه سوء الأفعال، من المجاهرة بالمنكرات، والإعلان بالفواحش. وقد أفرط هذا الأمر، واشترك فيه الآمر والمأمور، ولم ينسلخ شهر رمضان إلاّ وقد شهد ما لم يشهده رمضان قبله في الإسلام.
وبدا عقاب اللّه في الماء الذي كانت المعاصي على ظهره، فإنّ المراكب كان يركب فيها في رمضان الرّجال والنّساء مختلطين مكشّفات الوجوه، وأيدي الرّجال تنال منها ما تنال في الخلوات، والطّبول والعيدان مرتفعات الأصوات والصّنجات، واستنابوا في الليل عن الخمر بالماء والجلاّب ظاهرا، وقيل: إنهم شربوا الخمر مستورا، وقربت المراكب بعضها من بعض، وعجز المنكر عن الإنكار إلاّ بقلبه. ورفع الأمر إلى السّلطان، فندب حاجبه في بعض اللّيالي، ففرّق منهم من وجده في الحالة الحاضرة، ثم عادوا بعد عوده. وذكر أنّه وجد في بعض المعادي خمرا فأراقه.
ولمّا استهلّ شوّال، وهو مطموع فيه، تضاعف هذا المنكر، وفشت هذه الفاحشة. ونسأل اللّه العفو والعافية عن الكبائر، والتّجاوز عمّا تسقط فيه المعاذر.
وقال في سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: كسر بحر أبي المنجّا، وباشر العزيز كسره، وزاد النّيل فيه أصبعا وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثماني عشر ذراعا؛ وهذا الحدّ
стр. 1525
يسمّى عند أهل مصر «اللّجّة الكبرى» (١).
وقد تلاشى في زمننا أمر الاجتماع في يوم فتح سدّ بحر أبي المنجّا، وقلّ لاحتفال به لشّغل النّاس بهمّ المعيشة.
قصر الورد بالخاقانيّة
وكان من أيّام متنزّهات الخلفاء يوم قصر الورد بناحية الخاقانيّة (٢)، وهي قرية من قرى قليوب كانت من خاصّ الخليفة، وبها جنان كثيرة للخليفة، وكانت من أحسن المتنزّهات المصرية، وكان بها عدّة دويرات يزرع فيها الورد. فيسير إليها الخليفة يوما، ويصنع له فيها قصر عظيم من الورد، ويخدم بضيافة عظيمة.
قال ابن الطّوير عن الخليفة الآمر بأحكام اللّه: وعمل له بالخاقانية - وكانت من خاصّ الخليفة - قصر من ورد، فسار إليها يوما، وخدم بضيافة عظيمة. فلمّا استقرّ هناك خرج إليه أمير - يقال له: حسام الملك - من الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن أخي المأمون البطائحي وتخاذلوا عنه، فوصل إلى الخاقانية وهو لابس لأمة حربه (٣) /، والتمس المثول بين يديه - يعني الخليفة.
فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت، ممّا ينافي ما فيه الخليفة من الرّاحة والنّزهة، وحيل بينه وبين مقصوده، فقال لجماعة من حواشي الخليفة: أنتم منافقون على الخليفة، إن لم أصل إليه فإنّه يعاقبكم بذلك. فأطلعوا الخليفة على أمره وحليته بالسّلاح وقوله، فأمر بإحضاره. فلمّا وقعت
стр. 1526
عينه عليه قال: يا مولانا لمن تركت أعداءك - يعني الوزير المأمون بن البطائحي وأخاه، وكان الآمر قد قبض عليهما واعتقلهما - وهذا والعهد قريب غير بعيد، أأمنت الغدر؟ فما أجابه إلاّ وهو على الرّهاويج من الخيل. فلم تمض ساعة إلاّ وهو بالقصر، فمضى إلى مكان اعتقال المأمون وأخيه، فزادهما وثاقا وحراسة.
وفي أثناء ذلك وصل ابن نجيب الدّولة (١) الذي كان سيّره المأمون في وزارته إلى اليمن، ليحقّق (¬a) نسبه أنّه ولد من جارية نزار بن المستنصر لمّا خرجت من القصر وهي به حامل، ويدعو إليه بقيّة النّاس. وأحضر إلى القاهرة على جمل مشّوه به (¬b)، فأدخل خزانة البنود، وقتل هو والمأمون وجماعة في تلك الليلة وصلبوا ظاهر القاهرة (٢).
بركة الجبّ
بظاهر القاهرة من بحريها، وتسمّيها العامّة في زمننا هذا الذي نحن فيه «بركة الحاج»، لنزول الحجّاج بها عند مسيرهم من القاهرة إلى الحجّ في كلّ سنة، ونزولهم عند العود بها، ومنها يدخلون إلى القاهرة (٣).
ومن النّاس من يقول: جبّ يوسف، وهو خطأ، وإنّما هي أرض جبّ عميرة. وعميرة هذا هو ابن تميم بن جزء التّجيبي من بني القرناء، نسبت هذه الأرض إليه، فقيل لها: «أرض جبّ عميرة»، ذكره ابن يونس.
стр. 1527
وكان من عادة الخليفة المستنصر باللّه أبى تميم معدّ بن الظّاهر بن الحاكم، في كلّ سنة أن يركب على النّجب مع النّساء والحشم إلى جبّ عميرة هذا - وهو موضع نزهة - بهيئة أنّه خارج إلى الحجّ على سبيل اللّعب والمجانة، وربّما حمل معه الخمر في الرّوايا عوضا عن الماء، ويسقيه من معه (١).
وأنشده مرّة الشّريف أبو الحسن عليّ بن الحسين بن حيدرة العقيلي (٢) في يوم عرفة (٣):
[البسيط]
قم فانجز الرّاح يوم النّحر بالماء … ولا تضحّ ضحى إلاّ بصهباء
وادرك حجيج النّدامى قبل نفرهم … إلى منى قصفهم مع كلّ هيفاء
وعج على مكّة الرّوحاء مبتكرا … فطف بها حول ركن العود والنّاء
قال ابن دحية: فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجى بنغمات حداة الملاهي وتساق، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفسّاق، فأقام بها سوق الفسوق على ساق. وفي ذلك العام أخذه اللّه تعالى وأهل مصر بالسّنين، حتّى بيع في أيّامه الرّغيف بالثّمن الثّمين، وعاد ماء النّيل بعد عذوبته كالغسلين، ولم يبق بشاطئيه أحد بعد أن كانا محفوفين بحور عين (٤).
وقال ابن ميسّر: فلمّا كان في جمادى الآخرة - من سنة أربع وخمسين وأربع مائة - خرج المستنصر على عادته إلى بركة الجبّ، فاتّفق أنّ بعض الأتراك جرّد سيفا في سكر منه على بعض عبيد الشّراء، فاجتمع عليه طائفة من العبيد وقتلوه. فاجتمع الأتراك بالمستنصر، وقالوا: إن كان هذا عن رضاك فالسّمع والطّاعة، وإن كان عن غير رضاك فلا نرضى بذلك؛ فأنكر المستنصر ما وقع وتبرّأ ممّا فعله العبيد، فتجمّع الأتراك لحرب العبيد، وبرز بعضهم إلى بعض. وكان بين الفريقين قتال شديد على كوم شريك (٥) انهزم فيه العبيد، وقتل منهم عدد كبير.
стр. 1528
وكانت أمّ المستنصر تعين العبيد وتمدّهم بالأموال والأسلحة، فاتّفق في بعض الأيام أنّ بعض الأتراك ظفر بشيء ممّا تبعث به أمّ المستنصر إلى العبيد، فأعلم بذلك أصحابه - وقد قويت شوكتهم بانهزام العبيد - فاجتمعوا بأسرهم، ودخلوا على المستنصر، وخاطبوه في ذلك وأغلظوا في القول وجهروا بما لا ينبغي. وصار السّيف قائما، والحروب متتابعة، إلى أن كان من خراب مصر بالغلاء والفتن ما كان. وكان من قبل المستنصر يتردّدون إلى بركة الجبّ (١).
قال المسبّحيّ: ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلاث مائة، عرض العزيز باللّه عساكره بظاهر القاهرة عند سطح الجبّ، فنصب له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب بصفّرية فضّة، ونصبت له فازة مثقل وقبّة مثقل بالجوهر، وضرب لابنه الأمير أبي عليّ منصور مضرب آخر. وعرضت العساكر، وكان عدّتها مائة عسكري، وأقبلت أسارى الرّوم وعدّتهم مائتان وخمسون، فطيف بهم. وكان يوما عظيما حسنا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النّهار إلى صلاة المغرب (٢).
وما زالت بركة الجبّ متنزّها للخلفاء والملوك من بني أيّوب، وكان السّلطان صلاح الدّين يبرز إليها للصّيد ويقيم فيها الأيام، وفعل ذلك الملوك من بعده. واعتنى بها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وبنى بها أحواشا وميدانا كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه (٣).
(¬a) وبركة الجبّ وما يليها في أدراك بني صبرة. وهم ينسبون إلى صبرة/ بن بطيح بن مغالة بن دعجان بن غميت بن الكليب بن أبيّ بن عمرو بن دميمة بن حدس بن أريش بن أراش بن جزيلة ابن لخم. فهم أحد بطون لخم، وفيهم بنو جذام بن صبرة بن نضرة بن غنم بن غطفان بن سعد بن مالك بن حرام بن جذام أخي لخم (¬a).
المشتهى
وكان من مواضعهم التي أعدّت للنّزهة المشتهى (٤).
стр. 1529
ذكر الأيّام التي كان الخلفاء الفاطميّون يتّخذونها أعيادا ومواسم تتّسع بها أحوال الرّعيّة وتكثر نعمهم
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السّنة أعياد ومواسم (١)، وهي: موسم رأس السّنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النّبيّ ﷺ ، ومولد عليّ بن أبي طالب ﵁، ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزّهراء ﵍، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النّحر، وعيد الغدير، وكسوة الشّتاء، وكسوة الصّيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النّوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيّام الرّكوبات.
موسم رأس السّنة
وكان للخلفاء الفاطميين اعتناء بليلة أوّل المحرّم في كلّ عام لأنّها أوّل ليالي السّنة وابتداء أوقاتها. وكان من رسومهم في ليلة رأس السّنة أن يعمل بمطبخ القصر عدّة كثيرة من الخراف المقموم، والكثير من الرّءوس المقموم، وتفرّق على جميع أرباب الرّتب وأصحاب الدّواوين من العوالي والأدوان أرباب السّيوف والأقلام، مع جفان اللّبن والخبز وأنواع الحلواء. فيعم ذلك سائر النّاس من خاصّ الخليفة وجهاته والأستاذين المحنّكين إلى أرباب الضّوء وهم المشاعليّة، ويتنقّل ذلك في أيدي أهل القاهرة ومصر.
стр. 1530
موسم أوّل العام
وكان لهم بأوّل العام عناية كبيرة، فيه يركب الخليفة بزيّه المفخّم وهيئته العظيمة كما تقدّم، ويفرّق فيه دنانير الغرّة التي مرّ ذكرها عند ذكر دار الضّرب، ويفرّق من السّماط الذي يعمل بالقصر لأعيان أرباب الخدم من أرباب السّيوف والأقلام، بتقرير مرتّب: خرفان شواء، وزبادي طعام، وجامات حلواء وخبز، وقطع منفوخة من سكّر، وأرز بلبن وسكّر. فيتناول النّاس من ذلك ما يجلّ وصفه، ويتبسّطون بما يصل إليهم من دنانير الغرّة من رسوم الرّكوب كما شرح فيما تقدّم (١).
يوم عاشوراء
كانوا يتّخذونه يوم حزن تتعطّل فيه الأسواق، ويعمل فيه السّماط العظيم المسمّى «سماط الحزن». وقد ذكر عند ذكر المشهد الحسيني فانظره. وكان يصل إلى النّاس منه شيء كثير (٢).
فلمّا زالت الدّولة، اتّخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم، ويتبسّطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتّخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون ويدخلون الحمّام، جريا على عادة أهل الشّام التي سنّها لهم الحجّاج في أيام عبد الملك بن مروان، ليرغموا بذلك آناف شيعة عليّ بن أبي طالب - كرّم اللّه وجهه - الذين يتّخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن فيه على الحسين بن عليّ؛ لأنّه قتل فيه. وقد أدركنا بقايا ممّا عمله بنو أيّوب من اتّخاذ يوم عاشوراء يوم سرور وتبسّط. وكلا الفعلين غير جيّد، والصّواب ترك ذلك والاقتداء بفعل السّلف فقط (٣).
وما أحسن قول أبي الحسين الجزّار الشّاعر (٤) يخاطب الشّريف شهاب الدّين ناظر الأهراء، وكتب بها إليه ليلة عاشوراء عند ما أخّر عنه ما كان من جاريه في الأهراء:
[الرجز]
قل لشهاب الدّين ذي الفضل النّدي … والسّيّد بن السّيّد بن السّيّد
стр. 1531
أقسم بالفرد العليّ الصّمد … إن لم يبادر لنجاز موعدي
لأحضرنّ للهناء في غد … مكحّل العينين مخضوب اليّد
يعرّض للشّريف بما يرمى به الأشراف من التّشيّع، وأنّه إذا جاءه بهيئة السّرور في يوم عاشوراء غاظه ذلك، لأنّه من أفعال أهل النّصب (¬a). وهو من أحسن ما سمعته في التّعريض فللّه درّه!
عيد النّصر
وهو السّادس عشر من المحرّم، عمله الخليفة الحافظ لدين اللّه؛ لأنّه اليوم الذي ظهر فيه من محبسه، ويفعل فيه ما يفعل في الأعياد من الخطبة والصّلاة والزّينة والتّوسعة في النّفقة (١).
وكتب فيه أبو القاسم عليّ بن الصّيرفي إلى بعض الخطباء:
«عيد النّصر، وهو أفضل الأعياد وأسناها وأعلاها، وأدلّها على تقصير الواصف/ إذا بلغ وتناهى. ونحن نأمرك أن تبرز في يوم الأحد السّادس عشر من المحرّم سنة اثنتين وثلاثين وخمسائة على الهيئة التي جرت العادة بمثلها في الأعياد، وتوعد بأن تقرأ على النّاس الخطبة التي سيّرناها إليك قرين هذا الأمر بشرح هذا اليوم وتفصيله وذكر ما خصّه اللّه به من تشريفه وتفضيله، وتعتمد في ذلك ما جرى الرّسم فيه في كلّ عيد، وتنتهي فيه إلى الغاية التي ليس عليها مزيد. فاعلم هذا واعمل به إن شاء اللّه».
المواليد السّتّة
كانت مواسم جليلة يعمّ (¬b) النّاس فيها مبرّات (¬c) من ذهب وفضّة وخشكنانج وحلواء كما مرّ ذكره (¬d) (٢).
стр. 1532
ليالي الوقود الأربع
كانت من أبهج اللّيالي وأحسنها، يحشر النّاس لمشاهدتها من كلّ أوب، ويصل إلى النّاس فيها أنواع من البرّ، وتعظم فيها ميزة أهل الجوامع والمشاهد، فانظره في موضعه تجده (١).
موسم شهر رمضان
وكان لهم في شهر رمضان عدّة أنواع من البرّ، منها كشف المساجد. قال الشّريف الجوّاني في كتاب «النّقط»: كان القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام، طافوا يوما على المشاهد والمساجد بالقاهرة ومصر، فيبدأون بجامع المقس، ثم بجوامع القاهرة، ثم بالمشاهد، ثم بالقرافة، ثم بجامع مصر، ثم بمشهد الرأس لنظر حصير (¬a) ذلك وقناديله وعمارته وإزالة شعثه وكان أكثر النّاس، ممّن يلوذ بباب الحكم والشّهود والطّفيليون، يتعيّنون لذلك اليوم والتّطواف (¬b) مع القاضي لحضور السّماط.
إبطال المنكرات (¬c)
قال ابن المأمون: وكانت العادة جارية من الأيام الأفضليّة، في آخر جمادى الآخرة من كلّ سنة، أن تغلق جميع قاعات الخمّارين بالقاهرة ومصر وتختم، ويحذر من بيع الخمر. فرأى الوزير المأمون لمّا ولي الوزارة بعد الأفضل بن أمير الجيوش أن يكون ذلك في سائر أعمال الدّولة. فكتب به إلى جميع ولاة الأعمال، وأن ينادى بأنّه من تعرّض لبيع شيء من المسكرات أو لشرائها سرّا أو جهرا، فقد عرّض نفسه لتلافها، وبرئت الذّمّة من هلاكها (٢).
ومنها غرّة رمضان
وكان في أوّل يوم من شهر رمضان يرسل لجميع الأمراء وغيرهم من أرباب الرّتب والخدم، لكلّ واحد طبق، ولكلّ واحد من أولاده ونسائه طبق، فيه حلواء وبوسطه صرّة
стр. 1533
من ذهب. فيعمّ ذلك سائر أهل الدولة، ويقال لذلك: «غرّة رمضان».
ومنها ركوب الخليفة في أوّل شهر رمضان
قال ابن الطّوير: فإذا انقضى شعبان، اهتم بركوب أوّل شهر رمضان - وهو يقوم مقام الرّؤية عند المتشيّعين - فيجري أمره في اللّباس والآلات والأسلحة والعرض والرّكوب والتّرتيب والموكب والطّريق المسلوكة، كما وصفناه في أوّل العام، لا يختلّ بوجه ويكتب إلى الولاة والنّوّاب والأعمال بمساطير مخلّقة يذكر فيها ركوب الخليفة (١).
ومنها سماط شهر رمضان
وقد تقدّم ذكر السّماط في قاعة الذّهب من القصر (٢).
سحور الخليفة
قال ابن المأمون - وقد ذكر أسمطة رمضان وجلوس الخليفة بعد ذلك في الرّوشن إلى وقت السّحور، والمقرئون تحته يتلون عشرا ويطرّبون بحيث يشاهدهم الخليفة -: ثم حضر بعدهم المؤذّنون وأخذوا في التّكبير وذكر فضائل السّحور، وختموا بالدّعاء، وقدّمت المخاد للوعّاظ، فذكروا فضائل الشّهر ومدح الخليفة والصّوفيّات، وقام كلّ من الجماعة للرّقص؛ ولم يزالوا إلى أن انقضى من اللّيل أكثر من نصفه، فحضر من (¬a) بين يدي الخليفة أستاذ بما أنعم به عليهم وعلى الفرّاشين، وأحضرت جفان القطائف وجرار الجلاّب برسمهم، فأكلوا وملأوا أكمامهم، وفضل عنهم ما تخطّفه الفرّاشون.
ثم جلس الخليفة في السّدلاّ (٣) التي كان بها عند الفطور، وبين يديه المائدة معبّأة جميعها من جميع الحيوان وغيره، والقعبة الكبيرة الخاصّ مملوءة أوساط بالهمّة المعروفة، وحضر الجلساء
стр. 1534
واستعمل كلّ منهم ما اقتدر عليه، وأومأ الخليفة بأن يستعمل من القعبة فيفرّق الفرّاشون عليهم أجمعين. وكلّ من تناول شيئا قام وقبّل الأرض وأخذ منه على سبيل البركة لأولاده وأهله - لأنّ ذلك كان مستفاضا عندهم غير معيب على فاعله - ثم قدّمت الصّحون الصّيني مملوءة قطائف، فأخذ منها الجماعة الكفاية.
وقام الخليفة وجلس بالباذهنج، وبين يديه السّحورات المطيّبات من لبابين (¬a) رطب ومحمّص (¬b)، وعدّة أنواع عصارات واقطلوات، وسويق ناعم وجريش جميع ذلك بقلوبات وموز، ثم يكون بين يديه صينية ذهب مملوءة سفوفا. وحضر الجلساء، وأخذ كلّ منهم في تقبيل الأرض والسّؤال بما ينعم عليه منه. فتناوله المستخدمون والأستاذون/ وفرّقوه، فأخذه القوم في أكمامهم، ثم سلّم الجميع وانصرفوا (١).
ومنها الختم في آخر رمضان
وكان يعمل في التّاسع والعشرين منه، (¬c) الأصل في عمل الختم في شهر رمضان ما رواه ابن وهب: حدّثني يحيى بن أزهر عن الحجّاج بن شدّاد، أنّ أبا صالح سعيد بن عبد الرّحمن الغفاري أخبره أنّ أبا هريرة كان إذا كانت ليلة ثلاث وعشرين من رمضان ذبح جزرة فعرقها ثم أحضر أهله الصّغير منهم والكبير ليلة ثلاث وعشرين (¬c). قال ابن المأمون: ولمّا كان التّاسع والعشرين من شهر رمضان، خرج الأمر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين والمؤذّنين في كلّ ليلة برسم السّحور، بحكم أنّها ليلة ختم الشّهر. وحضر الأجلّ الوزير المأمون في آخر النّهار إلى القصر للفطور مع الخليفة والحضور على الأسمطة على العادة، وحضر إخوته وعمومته وجميع الجلساء، وحضر المقرئون والمؤذّنون وسلّموا على عادتهم، وجلسوا تحت الرّوشن.
وحمل من عند معظم الجهات والسّيّدات والمميّزات من أهل القصور ثلاجي وموكبيات مملوءة ماء ملفوفة في عراضي دبيقي، وجعلت (¬d) أمام المذكورين لتشملها بركة ختم القرآن
стр. 1535
الكريم، واستفتح المقرئون من الحمد إلى خاتمة القرآن تلاوة وتطريبا.
ثم وقف بعد ذلك من خطب فأسمع، ودعا فأبلغ، ورفع الفرّاشون ما أعدّوه برسم الجهات، ثم كبّر المؤذّنون وهلّلوا، وأخذوا في الصّوفيّات إلى أن نثر عليهم من الرّوشن دنانير ودراهم ورباعيات، وقدّمت جفان القطائف على الرّسم مع البسندود والحلواء، فجروا على عادتهم وملأوا أكمامهم. ثم خرج أستاذ من باب الدّار الجديدة بخلع خلعها على الخطيب وغيره، ودراهم تفرّق على الطائفتين من المقرئين والمؤذّنين (١).
ذكر مذاهبهم في أوائل (¬a) الشّهور
اعلم أنّ القوم كانوا شيعة، ثم غلوا حتى عدّوا من غلاة أهل الرّفض. وللشّيعة في أثناء الشّهور عمل أحسن ما رأيت فيه ما حكاه أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب «الآثار الباقيّة عن القرون الخالية» قال: (¬b) ثم منذ سنين نبتت نابتة ونجمت ناجمة ونبغت فرقة جاهلية فنظروا إلى (¬b) أخذهم بالتأويل، (¬c) وولوعهم بسبب الآخذين بالظّاهر بزعمهم (¬c) إلى اليهود والنّصارى، فإذا لهم جداول وحسبانات يستخرجون بها شهورهم، ويعرفون منها صيامهم - والمسلمون مضطرّون إلى رؤية الهلال، وتفقّد ما اكتساه القمر من النّور (¬c) واشترك بين نصفه المرئي ونصفه المستور (¬c) - ووجدوهم شاكّين في ذلك، مختلفين فيه، مقلّدين بعضهم بعضا في عمل رؤية الهلال بطريق الزّيجات.
فرجعوا (¬d) إلى أصحاب علم الهيئة، فألفوا زيجاتهم وكتبهم مفتتحة بمعرفة أوائل ما يراد من شهور العرب بصنوف الحسبانات (¬c) وأنواع الجداول (¬c)، فظنّوا أنّها معمولة لرؤية الأهلّة، فأخذوا بعضها ونسبوه إلى جعفر بن محمد الصّادق ﵉، وزعموا أنّه سرّ من أسرار النّبوّة.
وتلك الحسبانات مبنيّة على حركات النّيّرين (¬e) الوسطى دون (¬c) المعدّلة - أو معمولة على أنّ (¬c) سنة القمر التي هي ثلاث مائة وأربعة وخمسون يوما وخمس يوم وسدس يوم، وأنّ ستّة
стр. 1536
أشهر من السنة تامّة، وستّة أشهر ناقصة، وأنّ كلّ ناقص منها فهو تال لتام.
فلمّا قصدوا استخراج (¬a) أوّل الصّوم وأوّل (¬a) الفطر بها، خرجت قبل الواجب بيوم في أغلب الأحوال، فأوّلوا قوله ﵇: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». وقالوا: معنى صوموا لرؤيته، أي صوموا اليوم الذي يرى الهلال (¬b) في عشيته، كما يقال تهيّأوا لاستقباله، فيقدّم التهيّؤ على الاستقبال. قالوا (¬c): و (¬a) إنّ شهر (¬a) رمضان لا ينقص عن ثلاثين يوما أبدا (١).
قافلة الحاج
قال في كتاب «الذّخائر والتّحف»: إنّ المنفق على الموسم كان في كلّ سنة تسافر فيها القافلة مائة ألف وعشرين ألف دينار: منها ثمن الطّيب والخلوق (¬d) والشّمع راتبا في كلّ سنة عشرة آلاف دينار، ومنها نفقة الوفد الواصلين إلى الحضرة أربعون ألف دينار، ومنها في ثمن الحمايات والصّدقات وأجرة الجمال ومعونة من يسير من العسكرية وأمير (¬e) الموسم وخدم القافلة وحفر الآبار وغير ذلك ستون ألف دينار. وأنّ النّفقة كانت في أيّام الوزير اليازوري قد زادت في كلّ سنة، وبلغت إلى مائتي ألف دينار، ولم تبلغ النّفقة على الموسم مثل ذلك في دولة من الدّول (٢).
موسم عيد الفطر
وكان لهم في موسم عيد الفطر عدّة وجوه من الخيرات: منها تفرقة الفطرة، وتفرقة الكسوة، وعمل السّماط، وركوب الخليفة لصلاة العيد. وقد تقدّم ذكر ذلك كلّه فيما سبق (٣).
стр. 1537
عيد النّحر
فيه تفرقة الرّسوم من الذّهب والفضّة، وتفرقة الكسوة لأرباب الخدم من أهل السّيف والقلم، وفيه ركوب الخليفة لصلاة العيد، وفيه تفرقة الأضاحي (¬a) وعمل الأسمطة (¬a)، كما مرّ ذلك مبيّنا في موضعه من هذا الكتاب (١).
عيد الغدير
فيه تزويج الأيامى، وفيه الكسوة وتفرقة الهبات لكبراء الدّولة ورؤسائها وشيوخها وأمرائها وضيوفها والأستاذين المحنّكين والمميّزين، وفيه النّحر أيضا وتفرقة النّحائر على أرباب الرّسوم، وعتق/ الرّقاب وغير ذلك كما سبق بيانه فيما تقدّم (٢).
كسوة الشّتاء والصّيف
وكان لهم في كلّ من فصلي الشّتاء والصّيف كسوة تفرّق على أهل الدّولة وعلى أولادهم ونسائهم. وقد مرّ ذكر ذلك (٣).
موسم فتح الخليج
وكانت لهم في موسم فتح الخليج وجوه من البرّ: منها الرّكوب لتخليق المقياس، ومبيت القرّاء بجامع المقياس، وتشريف ابن أبي الرّدّاد بالخلع وغيرها، وركوب الخليفة إلى فتح الخليج، وتفرقة الرّسوم على أرباب الدولة من الكسوة والعين والمآكل والتّحف. وقد تقدّم تفصيل ذلك (٤).
стр. 1538
ذكر النّوروز
وكان النّوروز القبطيّ في أيامهم من جملة المواسم، فتتعطّل فيه الأسواق ويقلّ فيه سعي النّاس في الطّرقات، وتفرّق فيه الكسوة لرجال أهل الدّولة وأولادهم ونسائهم والرّسوم من المال وحوائج النّوروز.
قال ابن زولاق: وفي هذه السّنة - يعني سنة ثلاث وستين وثلاث مائة - منع المعزّ لدين اللّه من وقود النّيران ليلة النّوروز في السّكك، ومن صبّ الماء يوم النّوروز (١).
وقال في سنة أربع وستين وثلاث مائة: وفي يوم النّوروز زاد اللّعب بالماء ووقود النّيران، وطاف أهل الأسواق، وعملوا فيلة وخرجوا إلى القاهرة بلعبهم، ولعبوا ثلاثة أيام، وأظهروا السّماجات (٢) والحليّ في الأسواق. ثم أمر المعزّ بالنّداء بالكفّ، وألاّ توقد نار، ولا يصبّ ماء، وأخذ قوم فحبسوا وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال (٣).
وقال ابن ميسّر في حوادث سنة ستّ عشرة وخمس مائة: وفيها أراد الآمر بأحكام اللّه أن يحضر إلى دار الملك في النّوروز الكائن في جمادى الآخرة في المراكب، على ما كان عليه الأفضل بن أمير الجيوش، فأعاد المأمون عليه أنّه لا يمكن، فإنّ الأفضل لا يجري مجراه مجرى الخليفة، وحمل إليه من الثّياب الفاخرة برسم النّوروز للجهات ما له قيمة جليلة (٤).
وقال ابن المأمون: وحلّ موسم النّوروز في التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمس مائة، ووصلت الكسوة المختصّة به من الطّراز وثغر الإسكندرية، مع ما يبتاع من اللاذات (¬a) (٥) المذهّبة والحريري والسّوادج، وأطلق جميع ما هو مستقرّ من الكسوات الرّجالية والنّسائية والعين والورق، وجميع الأصناف المختصّة بالموسم على اختلافها بتفصيلها وأسماء أربابها.
стр. 1539
وأصناف النّوروز: البطّيخ، والرّمّان، وعراجين الموز، وأفراد البسر، وأقفاص التّمر القوصي، وأقفاص السّفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدّجاج ولحم الضّأن ولحم البقر، من كلّ لون بكلة مع خبز برّ مازق (١).
قال: وأحضر كاتب الدّفتر الإثباتات بما جرت العادة به من إطلاق العين والورق والكسوات على اختلافها في يوم النّوروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار وخمسة عشر ألف درهم فضّة، والكسوات عدّة كثيرة من شقق دبيقي مذهّبات وحريرات ومعاجر وعصائب نساويّات (¬a) ملوّنات وشقق لاذ مذهّب وحريري ومشفّع، وفوط دبيقي حريري.
فأمّا العين والورق والكسوات، فذلك لا يخرج عمن تحوزه القصور ودار الوزارة والشّيوخ والأصحاب والحواشي والمستخدمون ورؤساء العشاريّات وبحارتها، ولم يكن لأحد من الأمراء على اختلاف درجاتهم في ذلك نصيب.
وأمّا الأصناف من البطّيخ والرّمّان والبسر والتّمر والسّفرجل والعنّاب والهرائس على اختلافها، فيشمل ذلك جميع من تقدّم ذكرهم، ويشركهم في ذلك جميع الأمراء أرباب الأطواق والأقصاب وسائر الأماثل، وقد تقدّم شرح ذلك، فوقّع الوزير المأمون على جميع ذلك بالإنفاق (٢).
وقال القاضي الفاضل في «تعليق المتجدّدات» لسنة أربع وثمانين وخمس مائة: يوم الثلاثاء رابع عشر رجب يوم النّوروز القبطي، وهو مستهلّ توت - وتوت أوّل سنتهم - وقد كان بمصر في الأيّام الماضية والدّولة الخالية - يعني دولة الخلفاء الفاطميين - من مواسم بطالاتهم، ومواقيت ضلالاتهم. فكانت المنكرات ظاهرة فيه، والفواحش صريحة في يومه. ويركب فيه أمير موسوم بأمير النّوروز ومعه جمع كبير (¬b)، ويتسلّط على النّاس في طلب رسم رتبه على دور الأكابر بالجمل الكبار، ويكتب مناشير، ويندب مترسّمين، كلّ ذلك يخرج مخرج الظّنز (٣) (¬c)، ويقنع بالميسور من الهبات.
стр. 1540
ويتجمّع المؤنّثون والفاسقات تحت قصر اللّؤلؤة بحيث يشاهدهم الخليفة، وبأيديهم الملاهي، وترتفع الأصوات، وتشرب الخمر والمزر شربا ظاهرا بينهم وفي الطّرقات، ويتراش النّاس بالماء، وبالماء والخمر، وبالماء ممزوجا بالأقذار. فإن غلط مستور وخرج من داره، لقيه من يرشّه ويفسد ثيابه، ويستخفّ بحرمته، فإمّا فدى نفسه وإما فضح. ولم يجر/ الحال في هذا النّوروز على هذا، ولكن قد رشّ الماء في الحارات، وأحيا المنكر في الدّور أرباب الخسارات (١).
وقال في [متجدّدات] (¬a) سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة: وجرى الأمر في النّوروز على العادة من رشّ الماء، واستجدّ فيه هذا العام التراجم بالبيض والتّصافح بالأنطاع، وانقطع النّاس عن التّصرّف، ومن ظفر به في الطّريق رشّ بمياه نجسة وخرق به (٢).
وقال كاتبه (¬b): إنّ أوّل من اتّخذ النّوروز جمشيد - ويقال في اسمه أيضا: جمشاد - أحد ملوك الفرس الأول، ومعناه: «اليوم الجديد». وللفرس فيه آراء وأعمال على مصطلحهم، غير أنّه في غير هذا اليوم.
وقد صنّف عليّ بن حمزة الأصفهاني كتابا مفيدا في أعياد الفرس (٣).
وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر، من طريق حمّاد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: كان اليوم الذي ردّ اللّه فيه إلى سليمان بن داود خاتمه يوم النّوروز، فجاءت إليه الشّياطين بالتّحف، وكانت تحفة الخطاطيف أن جاءت بالماء في مناقيرها فرشّته بين يدي سليمان. فاتّخذ النّاس رشّ الماء من ذلك اليوم (٤).
وعن مقاتل بن سليمان قال: سمّي ذلك اليوم نيروزا، وذلك أنّه وافق هذا اليوم الذي يسمّونه النّيروز، فكانت الملوك تتيمّن بذلك اليوم، واتّخذوه عيدا، وكانوا يرشّون الماء في ذلك اليوم ويهدون كفعل الخطّاف، ويتيمّنون بذلك.
وللّه درّ القائل:
стр. 1541
[البسيط]
كيف ابتهاجك بالنّوروز يا سكني … وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه
فناره كلهيب النّار في كبدي … وماؤه كتوالي دمعتي فيه
وقال آخر:
[الرمل]
نورز النّاس ونورز … ت ولكن بدموعي
وذكت نارهم والنّ … ار ما بين ضلوعي
وقال غيره:
[الطويل]
ولمّا أتى النّوروز يا غاية المنى … وأنت على الإعراض والهجر والصّدّ
بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشى … فنورزت صبحا بالدّموع على الخدّ (١)
الميلاد
وهو اليوم الذي ولد فيه عبد اللّه ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﷺ .
والنّصارى تتّخذ ليلة يوم الميلاد عيدا، وتعمله قبط مصر في التاسع والعشرين من كيهك، وما برح لأهل مصر به اعتناء.
وكان من رسوم الدّولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية، والمتارد التي فيها السّمك، وقرابات الجلاّب وطيافير الزّلابية والبوري. فيشمل ذلك أرباب الدولة أصحاب السّيوف والأقلام، بتقرير معلوم على ما ذكره ابن المأمون في تاريخه (٢).
الغطاس
ومن مواسم النّصارى بمصر عمل الغطاس في اليوم الحادي عشر من طوبة.
قال المسعودي في «مروج الذّهب»: ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام النّاس فيها، وهي ليلة إحدى عشرة من طوبة. ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاث مائة ليلة الغطاس بمصر
стр. 1542
والإخشيد محمد بن طغج في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة على النّيل، والنّيل مطيّف بها. وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشّمع.
وقد حضر النّيل في تلك الليلة مئو ألوف من النّاس من المسلمين والنّصارى، منهم في الزّواريق، ومنهم في الدّور الدانية من النّيل، ومنهم على الشّطوط. لا يتناكرون [الحضور ويظهرون] (¬a) كلّ ما يمكنهم إظهاره في المآكل والمشارب [والملابس] (¬a) وآلات الذّهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف والقصف. وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدّروب، ويغطس أكثرهم في النّيل، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشرة للداء (١).
وقال المسبّحيّ في سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة: كان غطاس النّصارى، فضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدّة مواضع على شاطئ النّيل، فنصبت أسرّة للرئيس فهد بن إبراهيم النّصراني كاتب الأستاذ برجوان، وأوقدت له الشّموع والمشاعل، وحضر المغنّون والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس، فغطّس وانصرف (٢).
وقال في سنة خمس عشرة وأربع مائة: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة، كان غطاس النّصارى، فجرى الرّسم من النّاس في شراء الفواكه والضّأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه بن الحاكم لقصر جدّه العزيز باللّه بمصر، لنظر الغطاس ومعه الحرم.
ونودي ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم إلى البحر في الليل، وضرب بدر الدولة الخادم الأسود، متولّى الشّرطتين خيمة عند الجسر/ وجلس فيها.
وأمر الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه بأن توقد المشاعل والنار في الليل، فكان وقيدا كثيرا، وحضر الرّهبان والقسوس بالصّلبان والنيران، فقسّسوا هناك طويلا إلى أن غطّسوا (٣).
стр. 1543
وقال ابن المأمون: إنّه كان من رسوم الدّولة أنّه يفرّق على سائر أهل الدّولة التّرنج والنّارنج واللّيمون المراكبي، وأطنان القصب والسّمك البوري، برسوم مقرّرة لكلّ واحد من أرباب السّيوف والأقلام (١).
خميس العهد
ويسمّيه أهل مصر من العامّة خميس العدس، ويعمله نصارى مصر قبل الفصح بثلاثة أيام، ويتهادون فيه. وكان من جملة رسوم الدّولة الفاطمية في خميس العدس ضرب خمس مائة دينار ذهبا عشرة آلاف خرّوبة، وتفرقتها على جميع أرباب الرّسوم كما تقدّم (٢).
أيّام الرّكوبات
وكان الخليفة يركب في كلّ يوم سبت وثلاثاء إلى متنزّهاته بالبساتين والتّاج وقبّة الهواء والخمس وجوه وبستان البعل ودار الملك ومنازل العزّ والرّوضة، فيعمّ النّاس في هذه الأيام من الصّدقات أنواع ما بين ذهب ومآكل وأشربة وحلاوات، وغير ذلك كما تقدّم بيانه في موضعه من هذا الكتاب (٣).
صلاة الجمعة
وكان الخليفة يركب في كلّ سنة ثلاث ركبات لصلاة الجمعة بالنّاس: في جامع القاهرة - الذي يعرف بالجامع الأزهر - مرّة، وفي جامع الخطبة - المعروف بالجامع الحاكمي - مرّة، وفي جامع عمرو بن العاص بمصر أخرى. فينال النّاس منه في هذه الجمع الثلاث رسوم وهبات وصدقات، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجامع الأزهر (٤).
وللّه درّ الفقيه عمارة اليمنى، فقد ضمّن مرثيّته أهل القصر جملا ممّا ذكر؛ وهي
стр. 1544
القصيدة التي قال ابن سعيد فيها: «ولم يسمع في ما بكيت به (¬a) دولة بعد انقراضها أحسن منها» (١):
[البسيط]
رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل … وجيده بعد حسن الحلي بالعطل
سعيت في منهج الرّأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدّهر فاستقل
جدعت مارنك الأقنى فأنفك لا … ينفكّ ما بين قرع الشّين والخجل
هدمت قاعدة المعروف عن عجل … شقيت، مهلا أما تمشي على مهل
لهفي ولهف بني الآمال قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدّول
قدمت مصر فأولتني خلائفها … من المكارم ما أربى على الأمل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن … كمالها أنّها جاءت ولم أسل
وكنت من وزراء الدّست حين سما … رأس الحصان بهاديه على الكفل
ونلت من عظماء الجيش مكرمة … وخلّة حرست من عارض الخلل
يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصّرت في عذلي
باللّه! زر ساحة القصرين وابك معي … عليهما لا على صفّين والجمل
وقل لأهليهما: واللّه ما التحمت … فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل
ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة … في نسل آل أمير المؤمنين علي
هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما … ملكتمو بين حكم السّبي والنّفل
وقد حصلتم عليها، واسم جدّكم … محمّد وأبوكم غير منتعل
مررت بالقصر والأركان خالية … من الوفود وكانت قبلة القبل
فملت عنها بوجهي خوف منتقد … من الأعادي، ووجه الودّ لم يمل
أسبلت من أسفي دمعي غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السّبل
أبكي على مأثرات من مكارمكم … حال الزّمان عليها وهي لم تحل
(دار الضّيافة) كانت أنس وافدكم … واليوم أوحش من رسم ومن طلل
و (فطرة الصّوم) إذا أضحت مكارمكم … تشكو من الدّهر حيفا غير محتمل
стр. 1545
و (كسوة النّاس) في الفصلين قد درست … ورثّ منها جديد عندهم وبلي
وموسم كان في (يوم الخليج) لكم … يأتي تجمّلكم فيه على الجمل
و (أوّل العام) و (العيدين) كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل
/ والأرض تهتزّ في (يوم الغدير) كما … يهتزّ ما بين قصريكم من الأسل
والخيل تعرض في وشي وفي شية … مثل العرائس في حلي وفي حلل
وما (¬a) حملتم قرى الأضياف من سعة الأط … باق إلاّ على الأكتاف والعجل
وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم … حتّى عممتم به الأقصى من الملل
كانت رواتبكم للذمتين وللض … يف المقيم والطّاري من الرّسل
ثم (الطّراز) بتنّيس الذي عظمت … منه الصّلات لأهل الأرض والدّول
وللجوامع من إحسانكم (¬b) نعم … لمن تصدّر في علم وفي عمل
وربّما عادت الدّنيا فمعقلها … منكم وأضحت بكم محلولة العقل
واللّه! لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب اللّه غير ولي
ولا سقي الماء من حرّ ومن ظمأ … من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل
ولا رأى جنّة اللّه التي خلقت … من خان عهد الإمام العاضد بن علي
أئمّتي وهداتي والذّخيرة لي … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي
تاللّه لم أوفّهم في المدح حقّهم … لأنّ فضلهم كالوابل الهطل
ولو تضاعفت الأقوال واتّسعت … ما كنت فيهم بحمد اللّه بالخجل
باب النّجاة هم دنيا وآخرة … وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل
نور الهدى ومصابيح الدّجى ومح … لّ الغيث إن ربت الأنواء في المحل
أئمّة خلقوا نورا فنورهم … من محض خالص نور اللّه لم يغل
واللّه ما زلت عن حبّي لهم أبدا … ما أخّر اللّه لي في مدّة الأجل (١)
وبسبب هذه القصيدة قتل عمارة ﵀ وتمحّلت له الذّنوب.