← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

[البسيط] كيف ابتهاجك بالنّوروز يا سكني … وكلّ ما فيه يحكيني وأحكيه فناره كلهيب النّار في كبدي … وماؤه كتوالي دمعتي فيه وقال آخر: [الرمل] نورز النّاس ونورز … ت ولكن بدموعي وذكت نارهم والنّ … ار ما بين ضلوعي وقال غيره: [الطويل] ولمّا أتى النّوروز يا غاية المنى … وأنت على الإعراض والهجر والصّدّ بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحشى … فنورزت صبحا بالدّموع على الخدّ (١) الميلاد وهو اليوم الذي ولد فيه عبد اللّه ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﷺ . والنّصارى تتّخذ ليلة يوم الميلاد عيدا، وتعمله قبط مصر في التاسع والعشرين من كيهك، وما برح لأهل مصر به اعتناء. وكان من رسوم الدّولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية، والمتارد التي فيها السّمك، وقرابات الجلاّب وطيافير الزّلابية والبوري. فيشمل ذلك أرباب الدولة أصحاب السّيوف والأقلام، بتقرير معلوم على ما ذكره ابن المأمون في تاريخه (٢). الغطاس ومن مواسم النّصارى بمصر عمل الغطاس في اليوم الحادي عشر من طوبة. قال المسعودي في «مروج الذّهب»: ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام النّاس فيها، وهي ليلة إحدى عشرة من طوبة. ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاث مائة ليلة الغطاس بمصر

стр. 1542

والإخشيد محمد بن طغج في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة على النّيل، والنّيل مطيّف بها. وقد أمر فأسرج من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشّمع. وقد حضر النّيل في تلك الليلة مئو ألوف من النّاس من المسلمين والنّصارى، منهم في الزّواريق، ومنهم في الدّور الدانية من النّيل، ومنهم على الشّطوط. لا يتناكرون [الحضور ويظهرون] (¬a) كلّ ما يمكنهم إظهاره في المآكل والمشارب [والملابس] (¬a) وآلات الذّهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف والقصف. وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدّروب، ويغطس أكثرهم في النّيل، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشرة للداء (١). وقال المسبّحيّ في سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة: كان غطاس النّصارى، فضربت الخيام والمضارب والأشرعة في عدّة مواضع على شاطئ النّيل، فنصبت أسرّة للرئيس فهد بن إبراهيم النّصراني كاتب الأستاذ برجوان، وأوقدت له الشّموع والمشاعل، وحضر المغنّون والملهون، وجلس مع أهله يشرب إلى أن كان وقت الغطاس، فغطّس وانصرف (٢). وقال في سنة خمس عشرة وأربع مائة: وفي ليلة الأربعاء رابع ذي القعدة، كان غطاس النّصارى، فجرى الرّسم من النّاس في شراء الفواكه والضّأن وغيره، ونزل أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه بن الحاكم لقصر جدّه العزيز باللّه بمصر، لنظر الغطاس ومعه الحرم. ونودي ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم إلى البحر في الليل، وضرب بدر الدولة الخادم الأسود، متولّى الشّرطتين خيمة عند الجسر/ وجلس فيها. وأمر الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه بأن توقد المشاعل والنار في الليل، فكان وقيدا كثيرا، وحضر الرّهبان والقسوس بالصّلبان والنيران، فقسّسوا هناك طويلا إلى أن غطّسوا (٣).

стр. 1543

وقال ابن المأمون: إنّه كان من رسوم الدّولة أنّه يفرّق على سائر أهل الدّولة التّرنج والنّارنج واللّيمون المراكبي، وأطنان القصب والسّمك البوري، برسوم مقرّرة لكلّ واحد من أرباب السّيوف والأقلام (١). خميس العهد ويسمّيه أهل مصر من العامّة خميس العدس، ويعمله نصارى مصر قبل الفصح بثلاثة أيام، ويتهادون فيه. وكان من جملة رسوم الدّولة الفاطمية في خميس العدس ضرب خمس مائة دينار ذهبا عشرة آلاف خرّوبة، وتفرقتها على جميع أرباب الرّسوم كما تقدّم (٢). أيّام الرّكوبات وكان الخليفة يركب في كلّ يوم سبت وثلاثاء إلى متنزّهاته بالبساتين والتّاج وقبّة الهواء والخمس وجوه وبستان البعل ودار الملك ومنازل العزّ والرّوضة، فيعمّ النّاس في هذه الأيام من الصّدقات أنواع ما بين ذهب ومآكل وأشربة وحلاوات، وغير ذلك كما تقدّم بيانه في موضعه من هذا الكتاب (٣). صلاة الجمعة وكان الخليفة يركب في كلّ سنة ثلاث ركبات لصلاة الجمعة بالنّاس: في جامع القاهرة - الذي يعرف بالجامع الأزهر - مرّة، وفي جامع الخطبة - المعروف بالجامع الحاكمي - مرّة، وفي جامع عمرو بن العاص بمصر أخرى. فينال النّاس منه في هذه الجمع الثلاث رسوم وهبات وصدقات، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى عند ذكر الجامع الأزهر (٤). وللّه درّ الفقيه عمارة اليمنى، فقد ضمّن مرثيّته أهل القصر جملا ممّا ذكر؛ وهي

стр. 1544

القصيدة التي قال ابن سعيد فيها: «ولم يسمع في ما بكيت به (¬a) دولة بعد انقراضها أحسن منها» (١): [البسيط] رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل … وجيده بعد حسن الحلي بالعطل سعيت في منهج الرّأي العثور فإن … قدرت من عثرات الدّهر فاستقل جدعت مارنك الأقنى فأنفك لا … ينفكّ ما بين قرع الشّين والخجل هدمت قاعدة المعروف عن عجل … شقيت، مهلا أما تمشي على مهل لهفي ولهف بني الآمال قاطبة … على فجيعتها في أكرم الدّول قدمت مصر فأولتني خلائفها … من المكارم ما أربى على الأمل قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن … كمالها أنّها جاءت ولم أسل وكنت من وزراء الدّست حين سما … رأس الحصان بهاديه على الكفل ونلت من عظماء الجيش مكرمة … وخلّة حرست من عارض الخلل يا عاذلي في هوى أبناء فاطمة … لك الملامة إن قصّرت في عذلي باللّه! زر ساحة القصرين وابك معي … عليهما لا على صفّين والجمل وقل لأهليهما: واللّه ما التحمت … فيكم جراحي ولا قرحي بمندمل ماذا عسى كانت الإفرنج فاعلة … في نسل آل أمير المؤمنين علي هل كان في الأمر شيء غير قسمة ما … ملكتمو بين حكم السّبي والنّفل وقد حصلتم عليها، واسم جدّكم … محمّد وأبوكم غير منتعل مررت بالقصر والأركان خالية … من الوفود وكانت قبلة القبل فملت عنها بوجهي خوف منتقد … من الأعادي، ووجه الودّ لم يمل أسبلت من أسفي دمعي غداة خلت … رحابكم وغدت مهجورة السّبل أبكي على مأثرات من مكارمكم … حال الزّمان عليها وهي لم تحل (دار الضّيافة) كانت أنس وافدكم … واليوم أوحش من رسم ومن طلل و (فطرة الصّوم) إذا أضحت مكارمكم … تشكو من الدّهر حيفا غير محتمل

стр. 1545

و (كسوة النّاس) في الفصلين قد درست … ورثّ منها جديد عندهم وبلي وموسم كان في (يوم الخليج) لكم … يأتي تجمّلكم فيه على الجمل و (أوّل العام) و (العيدين) كم لكم … فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل / والأرض تهتزّ في (يوم الغدير) كما … يهتزّ ما بين قصريكم من الأسل والخيل تعرض في وشي وفي شية … مثل العرائس في حلي وفي حلل وما (¬a) حملتم قرى الأضياف من سعة الأط … باق إلاّ على الأكتاف والعجل وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم … حتّى عممتم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للذمتين وللض … يف المقيم والطّاري من الرّسل ثم (الطّراز) بتنّيس الذي عظمت … منه الصّلات لأهل الأرض والدّول وللجوامع من إحسانكم (¬b) نعم … لمن تصدّر في علم وفي عمل وربّما عادت الدّنيا فمعقلها … منكم وأضحت بكم محلولة العقل واللّه! لا فاز يوم الحشر مبغضكم … ولا نجا من عذاب اللّه غير ولي ولا سقي الماء من حرّ ومن ظمأ … من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل ولا رأى جنّة اللّه التي خلقت … من خان عهد الإمام العاضد بن علي أئمّتي وهداتي والذّخيرة لي … إذا ارتهنت بما قدّمت من عملي تاللّه لم أوفّهم في المدح حقّهم … لأنّ فضلهم كالوابل الهطل ولو تضاعفت الأقوال واتّسعت … ما كنت فيهم بحمد اللّه بالخجل باب النّجاة هم دنيا وآخرة … وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل نور الهدى ومصابيح الدّجى ومح … لّ الغيث إن ربت الأنواء في المحل أئمّة خلقوا نورا فنورهم … من محض خالص نور اللّه لم يغل واللّه ما زلت عن حبّي لهم أبدا … ما أخّر اللّه لي في مدّة الأجل (١) وبسبب هذه القصيدة قتل عمارة ﵀ وتمحّلت له الذّنوب.

стр. 1546

عمارة (١) ذكر ما كان من أمر القصرين والمناظر بعد زوال الدّولة الفاطميّة ولمّا مات العاضد لدين اللّه في يوم عاشوراء سنة سبع وستين وخمس مائة، احتاط الطّواشيّ قراقوش على أهل العاضد وأولاده - فكانت عدّة الأشراف في القصور مائة وثلاثين، والأطفال خمسة وسبعين - وجعلهم في مكان أفرد لهم خارج القصر، وجمع عمومته وعترته (¬a) في إيوان بالقصر واحترز عليهم، وفرّق بين الرّجال والنّساء لئلاّ يتناسلوا، وليكون ذلك أسرع لانقراضهم. وتسلّم السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب القصر بما فيه من الخزائن والدّواوين وغيرها من الأموال والنّفائس، وكانت عظيمة الوصف، واستعرض من فيه من الجواري والعبيد، فأطلق من كان حرّا، ووهب واستخدم باقيهم، وأطلق البيع في كلّ جديد وعتيق، فاستمرّ البيع فيما وجد بالقصر عشر سنين. وأخلى القصور من سكّانها، وأغلق أبوابها، ثم ملّكها أمراءه وضرب الألواح على ما كان للخلفاء وأتباعهم من الدّور والرّباع، وأقطع خواصّه منها وباع بعضها، ثم قسم القصور: فأعطى القصر الكبير للأمراء فسكنوا فيه، وأسكن أباه نجم الدّين أيّوب بن شاذي في قصر اللّؤلؤة على الخليج، وأخذ أصحابه دور من كان ينتسب (¬b) إلى الدّولة الفاطمية، فكان الرجل إذا استحسن دارا أخرج منها سكّانها ونزل بها (٢). قال القاضي الفاضل: وفي ثالث عشرينه - يعني ربيعا الآخر سنة سبع وستين - كشف حاصل الخزائن الخاصّة بالقصر، فقيل: إنّ الموجود فيه مائة صندوق كسوة فاخرة من موشّح ومرصّع وعقود ثمينة وذخائر فخمة وجواهر نفيسة، وغير ذلك من ذخائر جمّة الخطر، وكان الكاشف بهاء الدّين قراقوش وبيان (٣). وأخليت أمكنة من القصر الغربي سكن بها الأمير موسك، والأمير أبو الهيجاء السّمين (¬c) وغيره من الغزّ، وملئت المناظر المصونة عن النّواظر (¬d)، والمنتزهات التي لم يخطر ابتذالها في

стр. 1547

الخواطر (¬a)، فسبحان مظهر العجائب ومحدثها، ووارث الأرض ومورّثها! قال: ومقدار ما يحدس أنّه خرج من القصر، ما بين دينار أخذ (¬b) ودرهم ومصاغ وجوهر ونحاس وملبوس وأثاث وقماش وسلاح، ما لا يفي به ملك الأكاسرة ولا تتصوّره الخواطر الحاضرة، ولا يشتمل على مثله الممالك العامرة، ولا يقدر على حسابه إلاّ من يقدر على حساب الخلق في الآخرة. وقال الحافظ جمال الدين يوسف اليغموري (١): وجدت بخطّ المهذّب أبي طالب محمد بن عليّ بن الخيمي:/ حدّثني الأمير عضد الدّين مرهف بن مجد الدين مؤيّد (¬c) الدّولة بن منقذ، أنّ القصر أغلق على ثمانية عشر ألف نسمة: عشرة آلاف شريف وشريفة، وثمانية آلاف عبد وخادم وأمة ومولّدة وتربية. وقال ابن عبد الظّاهر عن القصر لمّا أخذه صلاح الدّين وأخرج من به: كان فيه اثنا عشر ألف نسمة ليس فيهم فحل إلاّ الخليفة وأهله وأولاده، ولمّا أخرجهم (¬d) منه أسكنوا في دار المظفّر (¬e) بحارة برجوان، وكانت تعرف بدار الضّيافة (¬e) (٢). وقبض أيضا صلاح الدّين على الأمير داود بن العاضد - وكان وليّ العهد، وينعت بالحامد للّه - واعتقل معه جميع إخوته: الأمير أبو الأمانة جبريل، وأبو الفتوح، وابنه أبو القاسم، وسليمان ابن داود، وعبد الظّاهر بن (¬b) حيدرة بن العاضد، وعبد الوهّاب بن إبراهيم بن العاضد، وإسماعيل بن العاضد، وجعفر بن أبي الظّاهر بن جبريل، وعبد الظّاهر بن أبي الفتوح بن جبريل ابن الحافظ، وجماعة من بني أعمامه. فلم يزالوا في الاعتقال بدار الأفضل من حارة برجوان، إلى أن انتقل الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل، فنقل معه ولد العاضد وإخوته وأولاد عمّه واعتقلهم بالقلعة، وبها مات (¬f) داود بن (¬f) العاضد؛ واستمرّ البقيّة حتى انقرضت الدّولة الأيّوبية (٣).

стр. 1548

وملك الأتراك إلى أن تسلطن الملك الظّاهر ركن الدّين ببيرس البندقداري، فلمّا كان في سنة ستين وستّ مائة أشهد على من بقي منهم - وهم: كمال الدّين إسماعيل بن العاضد، وعماد الدين أبو القاسم بن الأمير أبي الفتوح بن العاضد، وبدر الدين عبد الوهّاب بن إبراهيم العاضد - أنّ جميع المواضع التي قبليّ المدارس الصّالحيّة من القصر الكبير، والموضع المعروف بالتّربة ظاهرا وباطنا بخطّ الخوخ السّبع، وجميع الموضع المعروف بالقصر النّافعي بالخطّ المذكور، (¬a) وجميع الموضع المعروف بالجبّاسة بالخطّ المذكور (¬a)، وجميع الموضع المعروف بسكن أولاد شيخ الشّيوخ وغيرهم من القصر الشّارع بابه قبالة دار الحديث النّبوي - الكاملية، وجميع الموضع المعروف بالقصر الغربي، وجميع الموضع المعروف بدار الفطرة بخطّ المشهد الحسيني، وجميع الموضع المعروف بدار الضّيافة بحارة برجوان، (¬a) وجميع الموضع المعروف بدار الذّهب بظاهر القاهرة (¬a)، وجميع الموضع المعروف باللّؤلؤة، وجميع قصر الزّمرّد، وجميع البستان الكافوري ملك لبيت المال بالنّظر (¬a) المولوي السّلطاني الملكي الظّاهري من وجه صحيح شرعي لا رجعة لهم فيه، ولا لواحد منهم في ذلك ولا في شيء منه، ولا مثنويّة (¬b) بسبب يد ولا ملك ولا وجه من الوجوه كلّها، خلا ما في ذلك من مسجد للّه أو مدفن لآبائهم. وورّخ ذلك الإشهاد بثالث عشر جمادى الأولى (¬c) سنة ستين وستّ مائة، وأثبت على قاضي القضاة الصّاحب تاج الدّين عبد الوهّاب بن بنت الأعزّ الشّافعي. وتقرّر مع المذكورين أنّه مهما كان قبضوه من أثمان بعض الأماكن المذكورة التي عاقد عليها وكلاؤهم، واتّصلوا إليه، يحاسبوا به من جملة ما يحرز ثمنه عند وكيل بيت المال. وقبضت أيدي المذكورين عن التّصرّف في الأماكن المذكورة وغيرها ورسم ببيعها. فباعها وكيل بيت المال كمال الدّين ظافر أوّلا فأوّلا، ونقضت شيئا بعد شيء (¬d)، وبني في أماكنها ما يأتي ذكره إن شاء اللّه. واشترى قاعة السّدرة بجوار المدرسة والتّربة الصّالحيّة قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن عليّ بن مسرور المقدسي الحنبليّ، مدرّس الحنابلة بالمدرسة

стр. 1549

الصّالحيّة (١)، بألف وخمسة وتسعين (¬a) دينارا في رابع شهر ربيع الآخر (¬b) سنة ستين وستّ مائة، من كمال الدّين ظافر بن الفقيه نصر وكيل بيت المال، ثم باعها المذكور للملك الظّاهر (¬c) ركن الدّين (¬c) بيبرس في حادي عشرين ربيع الآخر (¬b) المذكور. وقاعة السّدرة هذه (¬c) هي قاعة الذّهب (¬c)، وقد صارت هي وقاعة الخيم المدرسة (¬d) الظّاهريّة الرّكنيّة البيبرسيّة البندقداريّة. قال القاضي الفاضل (¬e) في «تعليق المتجدّدات» لسنة أربع وثمانين وخمس مائة ومن خطّه نقلت ما نصّه (¬e): يوم (¬f) الاثنين سادس رجب (¬g)، يعني من سنة أربع وثمانين وخمس مائة: فيه ظهر تسحّب رجلين من المعتقلين في القصر: أحدهما من أقارب المستنصر، والآخر من أقارب الحافظ؛ وأكبرهما سنّا كان معتقلا بالإيوان، حدث به مرض وأثخن فيه، ففكّ حديده ونقل إلى القصر الغربي في أوائل سنة ثلاث وثمانين، واستمرّ لما به ولم يستقل من المرض، وطلب ففقد واسمه موسى بن عبد الرّحمن بن حيدرة بن أبي الحسن أخي الحافظ. واسم الآخر موسى بن عبد الرّحمن بن أبي محمد بن أبي البشر (¬i) بن محسن بن المستنصر، وكان طفلا في وقت الكائنة بأهله، وأقام بالقصر الغربي فعمّر به (¬j) إلى أن كبر وشبّ. قال: وذكر أنّ القصر الغربي قد استولى عليه الخراب، وعلا على جدرانه التّشعّث والهدم، وأنّه يجاور إسطبلات فيها جماعة من المفسدين، وربّما تسلّق إليه للتطرّق للنّساء المعتقلات. والمتسلّق منه إذا قويت نفسه على التّسحّب لم تكن عقلته في القصر المذكور مانعة من التّسحّب (¬k).

стр. 1550

قال: وعدد من بقي من هذه الذّرّيّة بدار المظفّر والقصر الغربي والإيوان، مائتان واثنان وخمسون شخصا. ذكور ثمانية وتسعون، وإناث مائة وأربعة وخمسون، تفصيل ذلك: المقيمون بدار المظفّر أحد وثلاثون:/ ذكور أحد عشر كلّهم أولاد العاضد لصلبه، إناث: عشرون بنات العاضد، خمس: إخوته، أربع: جهات العاضد، أربع. بنات الحافظ، ثلاثة: جهات يوسف ابنه، وجبريل عمّه أربع. المعتقلون بالإيوان خمسة وخمسون رجلا، منهم الأمير أبو الطّاهر بن جبريل بن الحافظ. المقيمون بالقصر الغربي مائة وستة وستون شخصا: ذكور اثنان وثلاثون أكبرهم عمره عشرون سنة، وأصغرهم عمره سبع عشرة سنة؛ إناث مائة وأربع وثلاثون؛ بنات أربع وستون؛ خالات وعمّات وزوجات سبعون. قال: وفي جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمس مائة، كانت عدّة من في دار المظفّر بحارة برجوان والقصر الغربي والإيوان، من أولاد العاضد وأقاربه ومن معهم مضافا إليهم: ثلاث مائة واثنان وسبعون نفسا؛ دار المظفّر أحرار ومماليك: مائة وستّة وستون نفسا. القصر الغربي أحرار مائة وأربعون نفسا؛ الإيوان تسعة وسبعون رجلا بالغون (١). وأمّا منازل العزّ فاشتراها الملك المظفّر تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن نجم الدّين أيّوب بن شاذي في نصف شعبان سنة ستّ وستين وخمس مائة، وجعلها مدرسة للفقهاء الشّافعيّة واشترى الرّوضة وجعلها وقفا على المدرسة المذكورة (٢). هذا آخر ما وجدته في هذا الجزء المبارك المنقول منه هذا الجزء والذي يليه وهو بخطّ مؤلّفه تغمّده اللّه برحمته آمين، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله. ووافق الفراغ من كتابته يوم الأحد المبارك الموافق للثامن والعشرين من شهر رجب الفرد سنة ثمان وسبعين وثمان مائة

стр. 1551

على يد الفقير إلى اللّه تعالى أبي الحسن عليّ ابن حسن بن عليّ بن أحمد بن نعيم الأزهري الشّافعيّ الخطيب البشبيشي الجدّ المعروف بالسّروي، غفر اللّه له ولوالديه ولكلّ المسلمين. آمين ولمن كان السّبب في ذلك ولمن نظر فيه ودعا لكاتبه بالمغفرة ولكلّ المسلمين أجمعين آمين (١). *** آخر الجزء الثّاني، تمّ بحمد اللّه وعونه وحسن توفيقه على يد فقير رحمة ربّه علي بن عيسى المرحومي لطف اللّه به وغفر له وللمسلمين أجمعين وكان الفراغ من كتابته في يوم الأحد المبارك الثّالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين و [ثمان] مائة (٢).

стр. 1552

*** تمّ الجزء الثّاني من خطّ مؤلّفه ﵀ وبتمامه تمّ النّصف الأوّل، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل وصلى اللّه على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين (١). *** تمّ الجزء الثّاني من خطّ مؤلّفه رحمه اللّه تعالى وبتمامه تمّ النّصف الأوّل على يد أقلّ عبيد ربّه وأحوجهم إلى غفر ذنبه الفقير سالم السّنهوري المالكي لطف اللّه تعالى به وغفر له ولوالديه ولجميع المسلمين آمين. وحسبنا اللّه ونعم الوكيل وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلّم. وكان الفراغ من ذلك بعيد عصر الجمعة المبارك سادس محرّم الحرام سنة سبع وسبعين وتسع مائة (٢).

стр. 1553

تصدير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تعدّ المخطوطات الإسلامية السّجلّ الحافل الذي يجمع خلاصة ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي على امتداد أربعة عشر قرنا. وكان إحياء هذه المخطوطات في عصر الطّباعة بنشرها نشرا علميّا وتوفيرها لجمهور أكبر من العلماء والباحثين والقرّاء، عملا بدأه المستشرقون ثم قام بعبئه العلماء العرب والمسلمون. ورأت مؤسّسّة الفرقان للتراث الإسلامي أن تساهم في هذا المجال الهام بنشر بعض المخطوطات القديمة في تحقيقات جديدة تواكب ما وصل إليه علم المخطوطات الحديث، وتدفع بالقديم من تراثنا إلى طريق حضارة إنسانية شاملة. والكتاب الذي تقدّمه المؤسّسة اليوم «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدين أبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، يعدّ أحد مفاخر التّراث العربي وأهمّ مصادر تاريخ مصر الإسلامية، فهو مصدر لا غنى عنه لدارسي تاريخ مصر الإسلامية وآثارها فقد حفظ لنا المقريزي في هذا الكتاب - إضافة إلى ملاحظاته الشّخصيّة - نقولا مهمّة للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم. وكان الدكتور أيمن فؤاد سيّد قد قام بتحقيق مسوّدة هذا الكتاب المحفوظة في متحف طوبقبوسراي باستانبول ونشرتها له مؤسّسة الفرقان سنة ١٩٩٥، وكان للاستقبال الطّيّب الذي قوبلت به هذه النّشرة من جانب المتخصّصين والمعنيين بتاريخ وجغرافية وآثار مصر، دافعا قويّا له للإقدام على تحقيق وإخراج نصّ الكتاب كاملا بعد أن تعرّف على نسخه الأصلية، سواء مسوّدات المقريزي أو النّسخ الكاملة المنسوخة عن أصوله المكتوبة بخطّه والمحفوظة على الأخصّ في مكتبات إستانبول. وقد عهدت المؤسّسة ممثّلة في مجلس الخبراء إلى الدكتور أيمن فؤاد القيام بعبء إخراج هذا الكتاب، فهو من المتخصّصين في دراسة تاريخ القاهرة حيث كتب أطروحة

стр. 1554

عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين»، ونشر العديد من مصادر التاريخ المصري في العصر الفاطمي، وكتب تقييما جديدا للدّولة الفاطمية في مصر، كما أنّه من خبراء علم المخطوطات وأصدر فيه كتابه «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات». وقام الدكتور أيمن فؤاد بتحقيق الكتاب اعتمادا على أقدم نسخ الكتاب وأهمّها المنقولة عن خطّ المؤلف، وأضاف إليه شروحا وتعليقات غنيّة اعتمادا على ما ظهر من نصوص جديدة ودراسات متخصّصة حديثة، كما قام بربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، وخرّج معلوماته من مصادرها الأصلية. ويستمرّ المحقّق في هذا المجلّد - الذي يصف فيه المقريزي ما أدرك عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال - في إضافة صور ومخطّطات لمعالم القاهرة المملوكية مع خرائط توضّح تطوّر نموّ المدينة خاصّة بعد أن أنشأ الأيّوبيون قلعة الجبل التي استقرّت منذ العصر المملوكي مقرّا للحكم في مصر وظلّت كذلك لعدّة قرون بعد ذلك. ومؤسّسة الفرقان إذ تسهم بنشر هذا الكتاب، تأمل أن تؤدّي جزءا من واجب كبير يلقى على عاتقها وعاتق المؤسّسات العلمية التي تشاركها أهدافها. واللّه من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السّبيل. لندن نوفمبر ٢٠٠٢ أحمد زكي يماني رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الاسلامي

стр. 1555

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة المحقّق هذا هو المجلّد الثّالث من كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» للمقريزي ويشتمل على الجزأين الخامس والسّادس من تجزئة المؤلّف (فيما تقدم ٨: ١)، وهما: «ذكر ما أدرك عليه المقريزيّ القاهرة وظواهرها من الأحوال» (فيما يلي ٣ - ٦٣٦)، و «ذكر قلعة الجبل وملوكها» (فيما يلي ٦٣٧ - ٧٨٨). وابتداء من هذا المجلّد يتناول المقريزيّ موضوعات تتعلّق مباشرة ب «الخطط» بمعنى الكلمة، حيث يذكر في الجزء الخامس: الحارات والأخطاط والدّروب والأزقّة والخوخ والرّحاب والدّور والقصور والإسطبلات والحمّامات والقياسر والخانات والفنادق والأسواق والسّويقات والأحكار الواقعة في ظواهر القاهرة الشّمالية والجنوبية وفي البرّ الغربي للخليج؛ وهو الموضوع الذي سيستكمله المقريزيّ في المجلّد الرّابع، حيث سيذكر المساجد الجامعة والمدارس والخوانق (الخوانك) والمساجد والرّبط والزّوايا والمشاهد والمارستانات وكنائس النّصارى وبيع اليهود، ثم مقابر مصر والقاهرة وما بها من مساجد وجواسق وقباب. وتناول المقريزيّ كذلك في الجزء الخامس ضواحي القاهرة البعيدة: المقس والخندق ومنية الأمراء وأرض الطّبّالة وبولاق، وخصّص جانبا كبيرا منه لذكر الخلجان الموجودة بظاهر القاهرة والقناطر القائمة عليها، وكذلك الجزائر المنتشرة في النّيل والجسور التي تربط بينها. وختم المقريزيّ هذا الجزء بذكر السّجون، ودور الصّناعة التي كانت موجودة في المقس وجزيرة مصر والفسطاط، وأخيرا الميادين التي اتّخذها السّلاطين الأيّوبيّون والمماليك للعب الكرة (البولو Polo) والتي أقيمت على الأخصّ في البرّ الغربي للخليج، كما أفرد المقريزيّ فصلا مستقلاّ للحديث عن الميدان الوحيد الذي خصّص لرمي القبق وهو الميدان المعروف ب «الميدان الأسود» شرق المدينة (فيما يلي ٣٦٩ - ٣٧٦).

стр. 1556

أمّا الجزء السادس فقد تناول فيه المقريزيّ بناء قلعة الجبل وأهمّ منشآتها وأبوابها وقاعاتها وقصورها ومساجدها، منذ بناها السّلطان النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بإشراف الطّواشي بهاء الدّين قراقوش بين سنتي ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م و ٥٧٩ هـ/ ١١٨٣ م وحتّى عصر النّاصر فرج بن برقوق في العقد الثّاني للقرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. وتناول المقريزيّ في هذا الجزء كذلك نظم ورسوم دولة المماليك، والمماليك البحريّة بوجه خاصّ، وذكر جيوش الدّولة وزيّها وعوائدها (فيما يلي ٦٩٩ - ٧١١)، كما أفرد فيه فصلا غير مسبوق عن «ياسة جنكز خان» وتأثّر الدّولة التركية بها اعتمادا على نسخة من «الياسة» رأها شخص يدعى أبا هاشم أحمد بن البرهان بخزانة المدرسة المستنصريّة ببغداد وأخبر المقريزي بمحتواها (فيما يلي ٧١٣ - ٧١٨). وختم المقريزيّ هذا الجزء بذكر ملوك مصر منذ بنيت قلعة الجبل وحتّى عصره، أي منذ استيلاء السّلطان النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على السّلطة في مصر وقضائه على الدّولة الفاطميّة سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧٢ م وتأسيسه الدّولة الأيّوبيّة، وحتّى تولّى السّلطان الأشرف برسباي - سابع سلاطين المماليك الشّراكسة - سنة ٨٢٥ هـ/ ١٤٢٢ م، وهو السّلطان الذي وضع المقريزيّ اللّمسات الأخيرة لكتابه في أثناء سلطنته التي انتهت بوفاته في ذي الحجّة سنة ٨٤١ هـ/ ١٤٣٨ م، أي قبل وفاة المقريزي بنحو أربع سنوات. وبمناسبة تولّى الخليفة العبّاسي في مصر المستعين باللّه أبي الفضل العبّاس بن محمد السّلطنة لفترة انتقالية قصيرة دامت سبعة أشهر - بين خلع السّلطان النّاصر فرج بن برقوق وتولّي السّلطان المؤيّد شيخ المحمودي - تناول المقريزيّ الحديث عن مؤسّسة دينية سياسية كانت مهمّتها إضفاء الشّرعيّة على حكم سلاطين المماليك، هي «مؤسّسة الخلافة» التي استضافها السّلطان الظّاهر بيبرس البندقداري في مصر سنة ٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م. وما ذكره عنها المقريزيّ هنا، إضافة إلى ما كتبه القلقشندي وابن شاهين الظّاهري والسّيوطي، يعدّ أهمّ ما جاء في المصادر القديمة عن مؤسّسة الخلافة العبّاسيّة بعد انتقالها إلى مصر (فيما يلي ٧٨٣ - ٧٨٧).

стр. 1557

حارات القاهرة وأخطاطها تميّز تأسيس المدن الإسلامية الأولى في العراق ومصر باختطاط «الخطط» (مفردها خطّة) وتوزيعها على الجند الفاتحين. وهي تعنى حصّة من الأراضي تمنح للفاتحين القادمين سواء بشكل شخصي أو جماعي (١). ولكن ما ميّز خطط الفسطاط هو وجود دور للأعيان تجمّع حولها موالي أصحاب هذه الدّور. يقول القلقشندي: «واعلم أنّه كان في خلال هذه الخطط دور جماعة كثيرة من الصّحابة - رضوان اللّه عليهم، ممّن حضر الفتح» (٢)، وتخلّل كلّ خطّة منها «دروب وأزقة وسقائف» (٣). وكانت خطط الفسطاط الأولى موضوع دراستين هامّتين اعتمدتا في الأساس على كتاب «الانتصار» لابن دقماق، هما: دراسة بول كازانوفا Casanova، P.Essai de reconstitution topographique de la ville de Fustat ou Misr، IFAO-Le Caire ١٩١٩، ومؤخّرا دراسة سيلقي دنوا Denoix، S.، Decrire le Caire.Fustat-Misr d'apres Ibn Duqmaq et Maqrlzl، IFAO-Le Caire ١٩٩٢. ومع تأسيس مدينة القطائع الطّولونيّة في منتصف القرن الثّالث الهجري/ التاسع الميلادي، قسم أحمد بن طولون مدينته الجديدة إلى عدّة قطع سكنها عبيده وعساكره وغلمانه، وجعل كلّ قطيعة لطائفة (فيما تقدم ٨١: ٢، ٨٥)، وهي تعكس النّظام الإداري الجديد الذي بدأ يسود في هذا العصر. ونظرا لأنّ القطائع قد زالت آثارها ولم يبق لها رسم يعرف قبل عصر المقريزي بزمن بعيد (فيما تقدم ٨٠: ٢)، فإنّنا لا نملك تصوّرا واضحا لما كانت عليه، وإن كان المقريزي قد شبّهها بحارات القاهرة (٤). ثم كان تأسيس مدينة القاهرة سنة ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م بداية مرحلة جديدة في هذا السّياق، فاعتبارا من هذا الحدث بدأ مصطلح جديد يظهر في كتابات المؤرّخين المصريين، هو مصطلح «حارة»، الذي لم نقابله في مصر من قبل. وبدأ المؤرّخون وكتّاب الخطط في استخدامه للتّدليل على المناطق السّكنيّة (الأحياء) التي شغلتها الفرق المختلفة للجيش داخل أسوار الحصن _________ (١) راجع بصفة خاصّة، ابن عبد الحكم: فتوح مصر ٩١ - ١٢٨، ابن دقماق: الانتصار ٣: ٤ - ٥؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٣٢٧: ٣ - ٣٣١؛ وفيما تقدم ٢٣: ٢ - ٣٩. (٢) القلقشندي: صبح الأعشى ٣٢٩: ٣. (٣) ابن دقماق: الانتصار ٣٨: ٤. (٤) راجع، Fu'ad Sayyid، A.، La Capitale de l'Egypte jusqu'a l'epoque fatimide، pp. ٣٨ - ٤١.

стр. 1558

الفاطمي، وأخذت كلّ حارة اسم الجماعة أو القبيلة التي سكنتها. ومع امتداد المدينة أطلق على التّجمّعات التي نشأت خارج أسوارها أيضا اسم «حارة». وسرعان ما اختارت فرق الجيش الفاطمي التي لم تجد لها أماكن تشغلها داخل سور المدينة، أن تختطّ حارات خارج باب زويلة شمال شرق بركة الفيل، وخارج باب الفتوح جنوب الخندق. وإلى إحدى هذه الحارات الواقعة خارج باب زويلة، والتي كان يقيم بها العبيد، تحيل أقدم إشارة مؤكّدة وصلت إلينا من العصر الفاطمي إلى الحارات الفاطمية، هي إشارة المسبّحي في حوادث سنة ٤١٥ هـ/ ١٠٢٤ م إلى حارات العبيد خارج باب زويلة (١). وسرعان ما أخذت هذه الحارات أهميّتها كضاحية جنوبية حتى خرّبها السّلطان صلاح الدّين (فيما يلي ٥٣). وبرغم وجود فقرات مطوّلة وصلت إلينا لمؤلّفين عاشوا في الخمسين عاما الأولى للحكم الفاطمي في مصر مثل: ابن زولاق والمسبّحي، فإنّ أقدم شهادة وصلت إلينا عن حارات القاهرة كتبت بعد نحو ثلاثة أرباع القرن من تأسيس المدينة، هي ذكر الرّحّالة الفارسي ناصر خسرو - الذي زار القاهرة سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٦ م - لحارات القاهرة العشر، ولكنّ ناصر خسرو يطلق عليها على الفور «المحلاّت» يقول: «ولمدينة القاهرة عشر محلاّت، وهم يسمّون المحلّة حارة» (٢). ويبدو الأمر كما لو أنّ المصطلح غريب عليه أو مستهجن أو مصريّ صرف. ولا يظهر مصطلح «حارة» كذلك في كتابات جغرافي القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (الإصطخري والمقدسي وابن حوقل) سوى مرّة واحدة عند ابن حوقل في إطار وصفه لمدينة بلرم قصبة صقلّيّة بأنّها «خمس حارات متجاورة غير متباينة ببعيد مسافة، وإن كانت حدودها ظاهرة بيّنة» (٣). إضافة إلى ذلك فإنّ لفظيّ: حارة وحومة كانا أكثر استخداما في المغرب والأندلس بمعنى «الرّبض» أي الأحياء الواقعة خارج المدينة، واستخدمت أيضا بمعنى الأحياء الموجودة داخل الأسوار. فهل اتّبع جوهر الصّقلبي مؤسّس القاهرة في ذلك تقاليد مغربية شاهدها أثناء فتوحاته في المغرب الأقصى؟ وهل كان المشرق الإسلامي في ذلك الوقت يجهل تماما مصطلح «الحارة»؟ (٤) لقد ذكر ابن القلانسي، المتوفى سنة ٥٥٥ هـ/ ١١٦٠ م، في إطار ذكره لأحد المواجهات التي دارت في دمشق سنة ٣٦٣ هـ/ ٩٧٣ م بين أهل المدينة والجنود الفاطميين، أنّ «الفساد انتشر في سائر الضّياع والجهات _________ (١) المسبحي: أخبار مصر ٨٧. (٢) ناصر خسرو: سفرنامة ٩٩ - ١٠٠. (٣) ابن حوقل: صورة الأرض ١١٨. (٤) Garcin J. -Cl.، «Toponymie et topographie urbaines medievales a Fustat et au Caire»، JESHO XXVII (١٩٨٤)، p. ١٢٤.

стр. 1559

وطرحت النّار في الأماكن والحارات» (١). وإذا سلّمنا أنّ هذه الرّواية تستعيد ألفاظا من القرن الرابع، فإنّنا نجد أنفسنا أمام شاهد جديد على وجود حارات أخرى. ولكن هذا النّصّ - المتأخّر نسبيّا - ليس دليلا مؤكّدا على معرفة الشّام للحارات قبل وصول الفاطميين. ولتحديد ما هي حارات القاهرة وما المقصود بها يجب علينا أن نراجع كتابات مؤرّخي الخطط المصرية المتأخّرين أمثال: ابن عبد الظّاهر وابن دقماق والمقريزي؛ فأقدم هؤلاء ابن عبد الظّاهر، المتوفى سنة ٦٩٢ هـ/ ١٢٩٢ م، يقول: «ولمّا نزل القائد جوهر بالقاهرة اختطّت كلّ قبيلة خطّة عرفت بها» (٢). وهذا النّصّ نقله عنه جميع المؤرّخين المتأخّرين (٣)، وأضاف ابن عبد الظّاهر إنّ هذه الخطّة أطلق عليها في القاهرة لفظ «حارة». ومع ذلك فإنّنا نجد المؤرّخ ابن دقماق، المتوفى سنة ٨٠٩ هـ/ ١٤٠٦ م، يستمرّ في استخدام المصطلح المستخدم في الفسطاط ويسمّي حارات القاهرة ب «الخطط» (٤)! أمّا المقريزي فهو الوحيد الذي قدّم لنا تعريفا للحارة يصعب أن نؤكّد إن كان ينطبق على الحارة الفاطميّة المبكّرة أو يصف الحارة القاهريّة في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، لأنّه تعريف لغوي استمدّه من لغوي أندلسي عاش في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي هو ابن سيده صاحب كتاب «المحكم والمحيط الأعظم»، الذي يحيل إليه المقريزي في كلّ تعريفاته (فيما تقدم ٩٤: ١)، يقول التّعريف: «الحارة كلّ محلّة دنت منازلهم، والمحلّة منزل القوم» (فيما يلي ٣)، وهو يستخدم مرّة أخرى لفظ محلّة لوصف هذه التّجمّعات السّكانيّة، ممّا يجعلنا نظنّ أنّ لفظ «حارة» له معنى يعادل لفظ «محلّه» الذي استخدمه جغرافيو القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي وناصر خسرو في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي! وعلينا أن نلاحظ أنّ المقريزي عندما يصف المدينة الفاطمية وحاراتها فإنّه يكتب عن حقائق عمرانية تفصله عنها ما بين ثلاثة وخمسة قرون، كما أنّ مصطلح الحارة في عصره كان في طريقه إلى تغيّر معناه، وكانت العديد من الحارات الفاطمية الأولى قد اختفت مثل: الحارة المرتاحية _________ (١) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ٩. (٢) ابن عبد الظاهر: الروضة البهية ١٦. (٣) ابن أبيك الدواداري: كنز الدرر ١٤٠: ٦؛ ابن دقماق: الانتصار ٣٦: ٥؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٧: ٤؛ وفيما يلي ١٠. (٤) ابن دقماق: الانتصار ٣٧: ٥؛ Denoix، S.، Decrire le Caire Fustat-Misr d'apres Ibn Duqmaq et Maqrizi، Le Caire IFAO ١٩٩٢، pp. ١٧ - ١٨.

стр. 1560

(فيما يلي ٣٩) والحارة الفرحيّة (فيما يلي ٣٩)، وأورثت حارات أخرى اسمها إلى درب من الدّروب مثل: حارة الأتراك (فيما يلي ٢٧) وحارة الفرحيّة (فيما يلي ٣٩)، أو تقلّص حجمها ودخلت في تجمّع أكبر مثل حارة كتامة (فيما يلي ٢٨) وحارة الطّوارق (فيما يلي ٤٣)، وإن احتفظت بعض المواضع التي وردت في حجج الوقف المملوكية بأسماء الحارات الفاطمية مثل: حارة زويلة وحارة الدّيلم وحارة الرّوم وحارة بهاء الدّين وحارة الهلاليّة وحارة الجوذريّة (١)، وكان يضاف إليها أحيانا كلمة «خطّ» كأن يقال: «خطّ حارة الدّيلم» أو يحلّ لفظ «خطّ» محلّ لفظ «حارة» مثل: خطّ الوزيرية وخطّ الجوذريّة وخطّ اليانسيّة وخطّ المحمودية (٢). كانت «حارات» القاهرة الفاطميّة، مثلها مثل «خطط» الفسطاط و «قطائع» ابن طولون، معزولة بعضها عن الآخر ويتخلّل كلاّ منها شبكة من السكك والدّروب ولكلّ منها أسواقها وحمّاماتها ومساجدها، ولم تختلف هذه الصّورة كثيرا طوال العصر الإسلامي، ولكنّها فقدت فقط صبغتها العسكرية التي ميّزتها في العصر الفاطمي. كما أنّ وجود القصر والبلاط الفاطمي في وسط المدينة الحصن تطلّب وجود مساحات مفتوحة لاستعراض الجيش ومسلك المواكب الاحتفالية. ولكن مع الأزمة الاقتصادية والإدارية التي اجتاحت مصر في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي والتي أدّت إلى استدعاء الإمام المستنصر باللّه للقائد العسكري بدر الجمالي من عكّا ليعيد الأمن والنّظام إلى البلاد، فقدت القاهرة بعض طابعها الرّسمي و «أباح بدر للنّاس من العسكريّة والملحيّة والأرمن وكلّ من وصلت قدرته إلى عمارة، أن يعمّر ما شاء في القاهرة ممّا خلا من دور الفسطاط بموت أهلها. فأخذ النّاس في هدم المساكن ونحوها بمصر وعمّروا بها في القاهرة، فكان هذا أوّل وقت اختطّ النّاس فيه بالقاهرة» (فيما تقدم ٩: ١ - ١٠، ٢٢٢: ٢). ومن خلال وصف ناصر خسرو لكلّ من القاهرة والفسطاط فإنّنا نلحظ فرقا واضحا في مظهر وتركيب كلّ من المدينتين اللتين كوّنتا العاصمة المصرية في العصر الفاطمي. ففي الواقع فإنّنا أمام تجمّعين مختلفين تماما، فبينما تمثّل الفسطاط مدينة يقطنها عامّة الشّعب وطوائف العلماء والتّجار والحرفيين وتختصّ بالنّشاط العلمي والاقتصادي والحرفي، نجد القاهرة تمثّل نمط المدن الملكية المقسمّه إلى حارات منعزلة ويسكنها الصّفوة التي تمارس أغلب السّلطة الإدارية. وتمثّل كلّ حارة _________ (١) Garcin، J. -Cl.، op.cit.، p. ١٢٦ n. ٣٩. (٢) Garcin، J. -Cl.، op.cit.، p. ١٣٢ n. ٧٤.

стр. 1561

من حارات القاهرة تكتّلا عرقيّا كما يدلّ عليه اسمها، وتعكس في الوقت نفسه الرّوابط الاجتماعية لطبقات المجتمع القاهري الذي يأتي على قمّته القصر الخلافي ثم قصور ودور الأمراء ثم حارات الجنود والفرق العسكرية الموزّعة بطريقة عرقيّة، إلى أن نصل إلى سور المدينة (١). وللأسف فإنّنا لا نعرف على وجه الدّقّة عدد حارات القاهرة التي اختطّت وقت تأسيس المدينة، ولكنّنا نعرف أنّ المدينة كانت مقسّمة وقت زيارة ناصر خسرو إلى عشر حارات هي: حارة برجوان، وحارة زويلة وحارة الجوذريّة، وحارة الأمراء، وحارة الدّيالمة (الدّيلم)، وحارة الرّوم، وحارة الباطليّة، وحارة قصر الشّوك، وحارة عبيد الشّراء وحارة المصامدة (٢). ويبدو لي أنّ عدد حارات القاهرة الأولى كان ستّ حارات تقع جميعها بالقرب من أبواب المدينة هي: حارة زويلة، وحارة البرقيّة، وحارة كتامة، وحارة الباطليّة وحارة الرّوم البرّانية وحارة الرّوم الجوّانيّة التي تمثّل العناصر الرّئيسة التي شاركت في الفتح الفاطمي لمصر والتي صاحبت سواء جوهر الصّقلبي أو المعزّ لدين اللّه. أمّا بقيّة الحارات فأخذت في الظّهور مع نموّ المدينة ووصول عناصر جديدة استعان بها الأئمّة الفاطميّون لدعم الجيش الفاطمي مثل: الأتراك والدّيلم والسّودان والأرمن. ومع ذلك فإنّ ما يذكره ناصر خسرو، نحو سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٦ م، عن حارات القاهرة العشر تنقصه الدّقّة، فقد ذكر المسبّحي، المتوفى سنة ٤٢٠ هـ/ ١٠٢٩ م، حارات أخرى مثل: المحموديّة والبرقيّة والعطوفيّة والجوّانيّة والميمونيّة والفرحيّة (٣) والعبيد (٤). والحارات المتّفقة بين الاثنين هي فقط: زويلة والجوذريّة وعبيد الشّراء. وبتتبّع معطيات المقريزي نجد أنّ هناك على الأقلّ أربع حارات اختطّت في عصر العزيز باللّه، ثلاثة داخل سور المدينة هي: الوزيريّة والأتراك والدّيلم (فيما يلي ١٣، ٢٣، ٢٧)، وواحدة خارج باب زويلة هي: اليانسيّة (فيما يلي ٤٦). كما أنّ هناك نحو ستّ حارات اختطّت زمن الحاكم بأمر اللّه بينها خمس داخل الأسوار هي: برجوان والجوذريّة والعطوفيّة وقائد القوّاد والمحموديّة (فيما يلي ٧، ١١، ١٢، ٣٦، ٣٩)، وواحدة خارج باب الفتوح هي حارة عبيد الشّراء «الحسينيّة» _________ (١) انظر تفصيل ذلك في كتابي Fu'ad Sayyid، A.، La Capitale de I'Egypte jusqu'a I'epoque fatimide، Beirut ١٩٩٨. (٢) ناصر خسرو: سفرنامة ٩٩ - ١٠٠. (٣) المسبحي: نصوص ضائعة ٢٠، ٢١، ٢٢. (٤) المسبحي: أخبار مصر ٨٧.

стр. 1562

(فيما يلي ٥٩). أمّا حارة العبيد التي ذكرها المسبّحي فقد نشأت في السّنوات الأولى لحكم الخليفة الظّاهر، خارج باب زويلة، لتضمّ العناصر السّودانية التي استعانت بها بعدد كبير زوجة الإمام الظّاهر بأمر اللّه. ولا يمدّنا المقريزيّ - الذي ذكر التحوّل الهامّ في شكل المدينة في أعقاب إباحة بدر الجمالي للنّاس بالبناء داخل أسوار المدينة - بأيّة تفاصيل تعيننا في هذا الموضوع. أمّا بقيّة الحارات التي نشأت في النّصف الأخير من عمر الدّولة الفاطميّة - فيما عدا حارتي الصّالحية (فيما يلي ٣٢) - فقد نشأت خارج باب زويلة وفي البرّ الغربي للخليج. ويبدو من أوصاف المقريزي أنّه لم يكن هناك فرق واضح يبين مفهوم وشكل التّجمّعات السّكنيّة التي نشأت في كلّ من الفسطاط والقطائع والقاهرة! يقول المقريزي: «اعلم أنّ الخطط التي كانت بمدينة فسطاط مصر، بمنزلة الحارات التي هي اليوم بالقاهرة، فقيل لتلك في مصر خطّة، وقيل لها في القاهرة حارة» (فيما تقدم ٣٢: ٢)، وعند ذكر قطائع ابن طولون كتب يقول: «فكانت كلّ قطيعة لسكنى جماعة بمنزلة الحارات التي بالقاهرة» (فيما تقدم ٨٠: ٢) (١). ولكن مفهوم وشكل الحارة القاهريّة تطوّر واختلف عبر الزّمن، حيث ظهر في العصرين الأيّوبي والمملوكي، بعد أن فتحت القاهرة أبوابها للأنشطة التّجارية والحرفيّة وانتقال مركز الحكم إلى قلعة الجبل، مصطلح جديد هو «الخطّ» (ج. أخطاط) والذي ضمّ أحيانا عددا من الحارات الفاطميّة (فيما يلي ٦٩). ولكن مصطلح الحارة لم يختف تماما بل تحوّل مدلوله، يقول جومار في نهاية القرن الثّامن عشر: إنّ أحياء المدينة الثلاثة والخمسين والتي تبدأ بكلمة «حارة» تتميّز بأسماء الأمم المختلفة وأنواع الصّناع والحرفيين والتّجار الذين يقيمون فيها، أو تنسب إلى المنشآت الرّئيسة الموجودة بها. وهي عبارة عن نطاقات من المنازل تتفاوت في الاتّساع وعادة ما تكون مغلقة بأبواب تقفل في أثناء اللّيل لضمان أمن المدينة، عدا شهر رمضان وبعض الأعياد الليلية. وتصبّ كلّ السّكك الموجودة بها في «عطفات» تتصّل بدورها بالشّارع الرّئيس للحي الذي تستمدّ عادة اسمها منه، ويطلق على العديد منها «خطّ»، كما أنّ بعض هذه الأحياء مثل: بين القصرين وتحت الرّبع لا تسبقها كلمتي حارة أو خطّ (٢). _________ (١) يقول أبو المحاسن: «والقطائع كانت بمعنى الأطباق التي للماليك السّلطانية الآن … وكانت كلّ قطيعة لسكن جماعة ممّن ذكرنا وهي بمنزلة الحارات اليوم» (النجوم الزاهرة ١٥: ٣). (٢) جومار: وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل ١٦١ - ١٦٢.

стр. 1563

وفي مطلع القرن التاسع عشر عرفت القاهرة تقسيما إداريا جديدا أدخله الفرنسيون زمن الحملة الفرنسية، حيث مهّدوا جملة كبيرة من شوارع المدينة، وفتحوا منافذ اتّصال كثيرة بين قلعة الجبل ومختلف أحياء المدينة، واختطّوا طرقا تربط القاهرة بنهر النّيل غربا، والأهمّ من ذلك أنّهم قسموا القاهرة إلى ثمانية أقسام إدارية يشرف على كلّ واحد منها قائد فرنسي. وقد قسمت خريطة القاهرة التي وضعها علماء الحملة وكذلك الشّرح المصاحب لها إلى ثمانية أقسام تبعا لهذا التّقسيم (١). ويضيف علي باشا مبارك، في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، أنّ كلّ ثمن منها انقسم إلى شياخات تكثر وتقلّ بالنّسبة لكبر الثمن وصغره، ولكلّ ثمن شيخ يعرف ب «شيخ الثّمن»، ولكلّ شياخة شيخ يعرف ب «شيخ الحارة». والأثمان الثمانية في زمن علي مبارك كانت: ثمن الموسكي، وثمن الأزبكيّة، وثمن باب الشّعرية، وثمن الجماليّة، وثمن الدّرب الأحمر، وثمن الخليفة، وثمن عابدين، وثمن السّيّدة زينب، وثمن مصر العتيقة، وثمن بولاق (٢). وفي القرن العشرين تضاءل حجم الحارة وتغيّر مفهومها وأصبح المقصود بهذا اللّفظ «الطّريق النّافذ الذي يمرّ فيه النّاس بين المساكن»، وقد يربط بين أكثر من حارة أو يفضي من مجموع الحارات إلى الشّارع الرّئيس (٣). دور وقصور القاهرة لم يقدّم لنا المقريزيّ في الفصل الذي عقده لذكر الدّور والقصور المنتشرة في القاهرة في وقته، أيّ وصف معماريّ لهذه الدّور والقصور، واكتفى فقط بذكر من أمر بإنشائها والسّنة التي أنشئت فيها وأحيانا تكلفة بنائها، ثم تحديد موضعها من القاهرة؛ وفعل الشّيء نفسه عند ذكره للدّور التي أنشأها الطّولونيّون في القطائع والقصور الزّاهرة التي أنشأها الفاطميّون في القاهرة والتي أتى على ذكرها في المجلّد الثّاني. ولاستكمال هذا النّقص سأتناول الحديث على نمط البناء الذي ساد في مصر في الفسطاط والقطائع، وكيف عرف هذا النّمط طريقه إلى القاهرة في زمن الفاطميين، ثم الأساليب الجديدة _________ (١) نفسه ٩٠. (٢) علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة ٨٦: ١ (٢١٦ - ٢١٧). (٣) راجع حول هذا الموضوع Raymond، A.، «La geographie des Hara (S) du Caire au XVIIIL ٢ siecle»، Livre du Centenaire، IFAO، ١٩٨٠، pp. ٤١٥ - ٣١; al-Messiri Nadim، N.، «The Concept of the Hara-A Historical and Sociological Study of al-Sukkariyya»، An.Isl.XV (١٩٧٩)، pp. ٣١٣ - ٤٨.

стр. 1564

في البناء التي بدأت مع الأيّوبيين متمثّلة في بناء قلعة الجبل والقاعة التي شيّدها السلطان الصّالح نجم الدّين أيّوب في قلعة جزيرة الرّوضة والتي كان لها التأثير الكبير على تخطط القاعات في العصر المملوكي. فقد أسفرت الحفائر التي قام بها علي بك بهجت وألبير جابريل Albert Gabriel في الفسطاط بين سنتي ١٩١٢ و ١٩٢٠، وكذلك الحفائر التالية التي قامت بها لجنة حفظ الآثار العربية سنة ١٩٣١ والهيئة العامّة للآثار سنتي ١٩٦٤ و ١٩٧٢، ثم الحفائر التي قادها جورج سكانلون George Scanlon وفلاديسلاف كوبياك Wladyslaw Kubiak بين سنتي ١٩٦٦ و ١٩٨٢، عن الكشف عن عدد من الدّور التي يرجع تاريخها إلى العصرين الطّولوني والفاطمي. وتتكوّن هذه الدّور في معظمها من نظام هندسي قائم على محورين متعامدين يلتقيان في وسط «صحن» مكشوف، مربّع أو مستطيل، في كلّ جنب من جوانبه «رواق» ذو ثلاثة فتحات تختلف في الضّيق والسّعة، فالفتحة الوسطى أوسع من الفتحتين الجانبيتين ويفصلهما عنهما كتفان مبنيان بالآجر، ويتراوح عرض هذا الرّواق بين متر وثمانين سم ومترين. وفي سمت الرّواق «القاعة»، وهي قاعة كبيرة يزيد طولها عن عرضها وتكتنفها من جانبها حجرتان صغيرتان منعزلتان عنها، أي أنّها مجموعة مكوّنة من رواق داخله قاعة؛ وفي الجوانب الثلاثة الأخرى من الصّحن وفي محور كلّ جانب «أواوين» تختلف في الامتداد إلى الداخل فتكون منها تارة قاعات وتارة أخرى - وهو الأغلب - أواوين صغيرة أو صفف (١). هكذا وصف علي بك بهجت شكل الدّور التي كشفت عنها حفائر الفسطاط والتي ترجع إلى العصرين الطّولوني والفاطمي، وقد أطلق عالم الآثار الإنجليزي كريزويل Creswell على العنصر الذي وصفه بهجت بأنّه إيوان مفصول عن الصّحن برواق ذي ثلاث فتحات، The T- -Plan أي المخطّط على شكل الحرف T اللاتيني - أو «البيت السّامرّائي» أي المبني على طراز سامرّا في العراق (٢). وقد استمدّت المنشآت الملكية الطّولونيّة والفاطميّة، مثلها مثل الدّور التي كشفت في الفسطاط، ولكن بنسب أكبر، طرازها من طراز سامرّا (سرّ من رأى) في البناء الذي أدخل على _________ (١) علي بهجت وألبير جبرييل: حفريات الفسطاط، القاهرة ١٩٢٨، ٨٥ - ٨٩؛ Gabriel، A.، Les fouilles d'al-Foustat et les origines de la maison arabe en Egypte، Paris ١٩٢١؛ وانظر كذلك عباس حلمي كامل: تطور المسكن المصري الإسلامي من الفتح العربي حتى الفتح العثماني، رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة. (٢) Creswell، K.A.C.MAEI، pp. ١٢١، ١٢٨.

стр. 1565

فنّ العمارة الإسلامية ذلك الأسلوب الذي ينسب المؤرّخ والجغرافيّ عليّ بن الحسين المسعودي، المتوفى سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م، إحداثه إلى الخليفة المتوكّل العبّاسي (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ/ ٨٤٦ هـ - ٨٦١ هـ)، فقد ذكر أنّ المتوكّل: «أحدث في أيّامه بناء لم يكن النّاس يعرفونه وهو المعروف ب «الحيري والكمّين والأروقة»، فكان الرّواق فيه مجلس الملك وهو «الصّدر»، و «الكمّان» ميمنة وميسرة، ويكون في البيتين اللذين هما الكمّان من يقرب إليه من خواصّه، وفي اليمين منهما خزانة الكسوة وفي الشّمال ما احتيج إليه من الشّراب؛ والرّواق قد عمّ فضاؤه الصّدر، والكمّان والأبواب الثلاثة على الرّواق فسمّي هذا البنيان إلى هذا الوقت ب «الحيري والكمّين» إضافة إلى الحيرة، واتّبع النّاس المتوكّل في ذلك ائتماما بفعله واشتهر إلى هذه الغاية» (١). وقد اعتاد الباحثون على القول بأنّ هذا الطّراز من البناء هو عبارة عن إيوان مصمّم على شكل حرف ال T اللاتيني ومدعّم بغرفتين ملاصقتين واقعتين على جانبي القسم الرّئيس للإيوان والممتدّ إلى الدّاخل والذي يطلق عليه «الصّدر» والذي يماثل ذيل حرف ال T، وهو الجزء الذي يرتّب فيه مكان الاجتماع والمعروف ب «المجلس». وإذا كان الرّواق حقّا هو الطّابع المميّز لطراز سامرّا فيمكننا القول بأنّ «بيت الذّهب» الذي عمله خمارويه في داره بالقطائع، كان على هذا المثال، بما أنّ المقريزي يصفه بأنّه مجلس عمله برواق داره (فيما تقدم ٨٩: ٢). ولا شكّ أنّ «قاعة الذّهب» الملحقة بالقصر الفاطمي الكبير، حيث كان الخلفاء الفاطميّون يجلسون الجلوس العامّ يوم الاثنين والخميس (فيما تقدم ٢٨٨: ٢، ٢٩٠)، كانت مصمّمة على هذا الطّراز الذي انتقل إلى عمائر القاهرة من الفسطاط. ويبدو أنّ هذا التّصميم كان الطّراز السّائد في هذا العصر، فقد كشفت الحفائر التي أجريت في مدينة صبرة المنصورية بتونس قرب القيروان، عن قاعة في قصر الخليفة المنصور باللّه الفاطمي تشبه القاعات الموجودة في دور الفسطاط والمبنية على طراز سامرّا (٢). _________ (١) المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر ٦: ٥. (٢) Zbiss، S.M.، «Mahdia et Sabra Mansouriyya.Nouveaux documents d'art fatimide d'Occident»، JA CCXLIV (١٩٥٦)، pp. ٨٥ - ٨٨.

стр. 1566

وكان لا يمكن مشاهدة الجزء الرّئيس للقاعة أو الصّدر في القصر الفاطمي - حيث كان يعقد المجلس - من الصّحن، إلاّ بعد فتح باب المجلس ورفع السّتر الموجود عليه بإشارة من صاحب المجلس، ولا يتمّ ذلك إلاّ إذا تهيّأ جلوس الخليفة على السّرير في صدر المجلس (فيما تقدم ٢٩١: ٢). ولم يكن طول قاعة الذّهب بعمق القصر عموديّا على باب الذّهب الذي يفضي إليها، وإنّما كان موازيا لواجهة القصر الرّئيسة الغربية فيما بين باب الذّهب والمحوّل الذي كان يدخل إليه من باب البحر، وهو الباب الذي يلي باب الذّهب من ناحية الشمال. وكان يسبق القاعة دهليز يعرف ب «دهليز العمود»، يبدو أنّه رواق بأعمدة ممّا يعطي انطباعا بأنّ القاعة كانت في غاية الاتّساع وأنّه كان من الضّروري وجود دعائم لرفعها مكوّنة من عدد من الأعمدة، وكانت تقود إليها «دهاليز طويلة وضيّقة ذات أقبية حالكة الظّلمة لا يستطيع الإنسان أن يتبيّن فيها شيئا» (١). وإذا كنّا قد فقدنا كلّ أثر للقصر الفاطمي الكبير، وبالتالي لقاعة الذّهب. فقد حفظ لنا الزّمن مخطّط «قاعة ستّ الملك» (فيما تقدم ٤٩٩: ٢) - إحدى قاعات القصر الفاطمي الغربي الصّغير - حفظها لنا اتّصالها بمجموعة قلاوون الشّهيرة بمنطقة بين القصرين التي بنيت على جزء من أرض القصر الصّغير الغربي؛ فقد تمكّن ماكس هرتس باشا Max Herz Pacha خلال حفرياته بمارستان قلاوون، في مطلع القرن العشرين، من اكتشاف التّخطيط الأصلي لهذه القاعة، وهو يثبت بما لا يدع مجالا للشّكّ أنّها بنيت على طراز سامرّا الذي بنيت عليه قاعة الذّهب (٢). ورغم أنّ التّرتيب العامّ للقصور الفاطميّة يجعلنا نجهل الأشكال المعمارية الأخرى التي يمكن أن تكون قد انتشرت في هذا العصر، فإنّه يمكننا تصوّر وجود أنماط أخرى للقاعات والأروقة ربّما تكشف عن استمرار التاثير المحلّي إلى جانب التأثير الخارجي (٣). ويمكننا أن نضيف إلى هذه الأنماط النّمط الذي خطّطّت على أساسه القاعة المعروفة ب «قاعة الدّردير» - الواقعة الآن في شارع الكعكيّين بالغوريّة والتي يدلّ موقعها على أنّها جزء من دار الوزير الفاطمي الصّالح طلائع بن رزّيك التي _________ (١) Schlumberger، G.، Campagnes du Roi Amaury I de Jerusalem en Egypte au XII siecle، p. ١١٨. (٢) Herz، M.، Die Baugruppe des Sultans Qalaum in Kairo، Friederichsen-Hamburg ١٩١٩، pp. ٢٥ - ٢٦; Gabriel، A.، op.cit.، pp. ٦٤ - ٦٨.L ٢ (٣) Revault، J.، «L'architecture domestiqus au Caire a I'epoque mamelouke XIII-XVI siecles»، dans Palais et Maisons du Caire I. Epoque mamelouke، Paris-CNRS ١٩٨٢، p. ٣٢.

стр. 1567

كانت تقع في حارة الدّيلم (فيما يلي ٢١٨) - وهي قاعة مستطيلة مغلقة تماما تستمدّ هواءها وإضاءتها من قبّة أو منور يعلو مركزها. ويميّز الشّكل الرّئيس لهذه القاعة: الإيوانان المتقابلان في طرفي القاعة، والفضاء الأوسط (أو الدّرقاعة) الذي يفصل بينهما (١). وظلّ مصطلح «الحيري والكمّين» مستخدما للتدليل على القاعة والمجلس حتى نهاية القرن السّابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. فقد ذكر المجلس في حجّتي وقف مؤرّختين في سنتي ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م و ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م باسم «المجلس الحيري بكمّين» (٢)، ولكن كان يكتفى في أغلب الأحيان بإطلاق لفظ «المجلس» فقد للتدليل على طراز «الحيري والكمّين» الذي أحدثه المتوكّل (٣)؛ يدلّ على ذلك ما ذكره الأمير أسامة بن منقذ في سيرته الذّاتية يقول إنّه أثناء إقامته بالقاهرة انهزم رجل سودانيّ إلى علوّ داره والرّجال بالسّيوف خلفه، فأشرف على «القاعة» من ارتفاع عظيم … ثم قفز من السّطح على شجرة نبق في الدّار «ثم نزل ودخل من «كمّ مجلس» قريب منه … » (٤)، كما أنّ أحد أوراق الجنيزة المؤرّخة في سنة ٥٨٦ هـ/ ١١٩٠ م تصف إحدى دور الفسطاط بأنّها تحوي قاعة عريضة مكوّنة من مجلسين متقابلين، وتشير كذلك إلى الكمّين والأبواب ولكنها لا تشير إلى الرّواق الذي يبدو أنّه استعيض عنه بلفظ «قاعة»، وهو اللّفظ الذي أصبح يدلّ فيما بعد على المجلس (٥). *** وبعد سقوط الفاطميين أدخل خلفاؤهم الأيّوبيّون - ذوي الأصول الشّاميّة - إلى القاهرة عمارة حربيّة ومدنيّة ودينيّة جديدة، تمثّلت في بناء قلعة الجبل والعديد من المدارس السّنّيّة والقاعة الملحقة بقلعة الرّوضة التي شيّدها آخر سلاطين الأيّوبيين الصّالح نجم الدّين أيّوب. كان بناء قلعة الجبل كمدينة محصّنة تشرف في آن واحد على القاهرة والفسطاط، تجديد حقيقي في أساليب وأنماط البناء التي كانت سائدة قبل الأيّوبيين. وكان صلاح الدّين في الأوقات القليلة التي كان يتواجد _________ (١) Revault، J.، op.cit.، ٣٢. (٢) Sayed، H.I.، «The Development of the Cairene Qa a: Some Considerations»، An.Isl.، XXIII (١٩٨٧)، p. ٣٦. (٣) Ibid.، p. ٣٨. (٤) أسامة بن منقذ: الاعتبار ٣٢. (٥) Garcin، J. -Cl.، «Habitat medieval et histoire urbaine»، dans Palais et Maisons du Caire I.Epoque mamelouke، Paris-CNRS ١٩٨٢، p. ١٧١.

стр. 1568

فيها في مصر يقيم في دار الوزارة الفاطميّة ويتردّد على قلعة الجبل لمتابعة تقدّم سير العمل فيها. وكان أوّل من انتقل نهايئّا للإقامة فيها من سلاطين الأيّوبيين هو السّلطان الملك الكامل محمد في سنة ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م. ولم يبق من المباني التي شيّدها الكامل محمد، مثل الإيوان وخزانة الكتب، أيّ شيء، فقد هدمت جميعها في العصر المملوكي البحري وحلّ محلّها منشآت جديدة شيّدها سلاطين المماليك الأوائل وعلى الأخصّ المنصور قلاوون والأشرف خليل والنّاصر محمد، وعلى ذلك فنحن لا نعرف أيّ شيء يقيني عن أيّة منشآت أيّوبيّة داخل قلعة الجبل. ولم يلبث السّلطان الصّالح نجم الدّين أيّوب - آخر سلاطين الأيّوبيين - أن ترك قلعة الجبل وفضّل الانتقال إلى مقرّ جديد أنشأه سنة ٦٣٨ هـ/ ١٢٤١ م في الجانب الغربي من المدينة في جزيرة الرّوضة المواجهة لفسطاط مصر. ومن أجل بناء قلعة الرّوضة قام الصّالح نجم الدّين أيّوب بهدم العديد من الدّور والقصور والمساجد التي كانت بالجزيرة، كما هدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس أدخلها في القلعة، وألجأ العديد من النّاس المقيمين بالجزيرة إلى ترك منازلهم (فيما يلي ٥٨٢). وفور الانتهاء من بناء قلعة الجزيرة تحوّل إليها الصّالح نجم الدّين أيّوب بأهله وحرمه واتّخذها دار ملك، وأسكن فيها معه «مماليكه البحريّة»، وهم الذين سيقومون بدور رئيس في هزيمة فرنج الحملة الصّليبيّة السّابعة في المنصورة، والذين سيرثون الأيّوبيين ويحلّون محلّهم في حكم مصر باسم «الدّولة التّركيّة»، أو «دولة المماليك البحريّة». وكان بمصر وقت بناء قلعة الرّوضة الرّحّالة عليّ بن سعيد المغربي الذي سجّل إعجابه الشّديد ببنائها وإتقانه، في الجزء الذي خصّصه لذكر «الجزيرة الصّالحيّة» في كتابه «المغرب في حلى المغرب»، وهو من الأجزاء المفقودة من كتابه الآن (فيما يلي ٥٨٤ - ٥٨٥). ولم تستمرّ «قلعة الرّوضة» طويلا فقد أمر بهدمها السّلطان الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني - أوّل سلاطين الدّولة التّركيّة - واستخدم أنقاضها في بناء مدرسته المعزّيّة التي أنشأها في رحبة الحنّاء في فسطاط مصر (فيما يلي ٥٨٦). ومع ذلك فقد ظلّت بقايا كثيرة منها موجودة حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي قدّم لنا من خلالها ج. مارسيل J.Marcel - أحد العلماء المصاحبين للحملة الفرنسية على مصر - وصفا لمدخل تذكاري بعقد منكسر، وتخطيطا لقاعة استقبال ملحقة بقصر القلعة. يقول مارسيل:

стр. 1569

«ونلحظ إلى الشّرق من المقياس بقايا قصر الصّالح نجم الدّين أيّوب … والشّيء الوحيد الملاحظ والمتبقّي من هذا الأثر قاعة كبيرة مستطيلة، عرضها من الشّرق إلى الغرب ١٢، ١٨ مترا، وطولها من الشّمال إلى الجنوب ١٤، ٦٠ مترا، وتكوّن القبّة التي تعلو وسطها مستطيلا عرضه من الشّرق إلى الغرب ٥، ٦٠ مترا وطوله من الشّمال إلى الجنوب نحو ٦، ٨٠ مترا. ويدعم كلّ زاوية من زواياها الأربع ثلاثة دعائم أو أعمدة متّصلة على شكل مثلّث. ويؤدّي إلى هذه القاعة عدد من الدّهاليز المتباينة الأبعاد». (١) (فيما يلي ٣٥٥). وقد زالت جميع المعالم التي ذكرها مارسيل Marcel في وصفه، وهي بالإضافة إلى المدخل التّذكاري وقاعة الصّالح أيّوب، جامع المقياس الذي أنشأه أمير الجيوش بدر الجمالي سنة ٤٨٥ هـ/ ١٠٩٢ م (فيما يلي ٢٩٠: ٢). ليحلّ محلّها في سنة ١٢٦٧ هـ/ ١٨٥١ م قصر حديث بناه حسن باشا فؤاد المانسترلي (متحف أمّ كلثوم الآن). وعلّق ألكسندر لزين Alexandre Lezine أهمية خاصّة على تخطيط هذه القاعة التي عدّها عنصرا انتقاليّا بين قاعات الفسطاط والقصر الفاطمي والقاعات المملوكية، والأنموذج prototype الذي احتزاه معماريّو العصر المملوكي في تصميم القاعات (٢). *** ولم يصل إلينا من بين دور وقصور القاهرة التي ذكرها المقريزي في «الخطط»، وعددها واحد وستون دارا شيّد القسم الأكبر منها في القرن الثّامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، إلاّ أربعة قصور، أي بنسبة ٦، ٥٦%، ثلاثة خارج باب زويلة جنوب القاهرة هي: قصر ألين آق بشارع باب الوزير (وهو قصر لم يذكره المقريزي)، وقصر قوصون - يشبك خلف جامع ومدرسة السّلطان حسن، وقصر طاز بشارع السّيوفيّة، والقصر الرّابع داخل حدود القاهرة الفاطميّة هو _________ (١) Marcel، J.J.، «Memoire sur le Meqyes de I'ile de Roudah»، Description de I'Egypte، Etat moderne XV، Paris ١٨٢٦، pp. ٤٦٥ - ٦٧; Creswell، K.A.C.، MAEII، pp. ٨٤ - ٨٧.L ٢ (٢) Lezine، A.، «Les salles nobles des palais mamelouks»، An.Isl.X (١٩٧٢)، pp. ٦٤ - ٦٦.

стр. 1570

قصر بشتاك في منطقة بين القصرين. وقد ظلّت هذه القصور قائمة بفضل الجهد الذي قامت به لجنة حفظ الآثار العربية في نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى للقرن العشرين، ثم أعمال التّرميم التي تمّت لواحد منها، هو قصر بشتاك، في ثمانينات القرن العشرين. ويجمع بين هذه القصور أسلوب معماريّ موحّد يسمح بتمييزها عن الدّور الغنيّة للفترة نفسها، وكذلك عن القصور الشّركسيّة في القرنين التاسع والعاشر للهجرة/ الخامس عشر والسّادس عشر للميلاد. وقد استمدّت قاعات استقبال هذه القصور تخطيطها من تخطيط قاعة قصر الرّوضة الأيّوبي، ولكن أكثر ما يميّزها هو حجمها الضّخم سواء في المساحة أو الارتفاع، والمداخل التّذكارية لأغلبها والتي تذكّرنا بمداخل الجوامع والمدارس المملوكية، وكان أصحابها يغرمون على تشييد هذه المداخل وتزيينها أموالا ضخمة، مثل ما غرمه الأمير سيف الدّين ألجاي اليوسفي على بوّابة داره، خارج باب زويلة، حيث تكلّفت مائة ألف درهم (فيما يلي ٢١٧). والدّور التي يذكرها المقريزي - والتي تبقّى منها قسم صغير - ليست من الدّور والبيوت التي يقابل الباحثون أوصافها بوفرة في حجج الأوقاف، ولكنّها تمثّل الدّور الكبرى التي شغلها كبار الأمراء المماليك، والتي يعكس بناؤها ثراء هذه الطّبقة النّاتج عن العوائد الضّخمة التي كانت تعود عليهم من الإقطاعات الممنوحة لهم. وفي هذا الإطار فإنّ هذه الدّور والقصور ليست فقط محلّ إقامة وإنّما تعبير عن قوّة ومكانة صاحبها (١)؛ كما أنّ ما صرف على بنائها - وعلى الأخصّ تلك التي أقيمت في عهد النّاصر محمد بن قلاوون والتي أشرف هو بنفسه على بنائها وتولّى الصّرف عليها - مثل: قصر طقتمر الدّمشقي بحدرة البقر، وقصر بكتمر السّاقي على بركة الفيل، وقصر يلبغا اليحياوي، وقصر ألطنبغا المارديني (الذي حلّ محلّهما بين سنتي ٧٥٧ - ٧٦١ هـ جامع ومدرسة النّاصر حسن بالرّميلة)، وقصر قوصون، كان شيئا كثيرا؛ فقد بلغت النّفقة على قصر يلبغا - على سبيل المثال - «أربع مائة ألف ألف وستين ألف درهم نقرة، منها ثمن لا زورد خاصّة مائة ألف درهم» (فيما يلي ٢٣٤). وعادة ما يشيّد الأمير المملوكي بالقرب من داره رباعا ومدرسة، مثل: دار ومدرسة آق سنقر الفارقاني داخل باب سعادة، ودار ومدرسة بكتمر الحسامي خارج باب النّصر، ودار ومدرسة علاء الدّين مغلطاي بالقرب من درب ملوخيا، ودار ومدرسة علاء الدّين آقبغا عبد الواحد _________ (١) Garcin، J. -Cl.، op.cit.، p. ١٧٦.

стр. 1571

بالقرب من الجامع الأزهر، ودار ومدرسة الأمير آل ملك الجو كندار بالقرب من باب المشهد الحسيني (١). ودائما ما يثبت الأمير رنكه على مداخل هذه الدّور والمدارس؛ كما كان من التّقليد أن تنصب على أبواب هذه الدّور الطّوارق (فيما يلي ١٧٨، ٣٩٤). وتقع أنقاض أقدم القصور المملوكية التي تبقّت، وهو «قصر ألين آق» في شارع باب الوزير بخطّ التّبّانة بجوار جامع آق سنقر (فيما يلي ٣٠٩: ٢ - ٣١٠). ويرجع تاريخ هذا القصر (المسجّل في الآثار برقم ٤٤٩) إلى سنة ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٣ م اعتمادا على نصّ في مدخل القصر يحمل اسم ألين آق الحسامي، رجّح عالم الوثائق الرّاحل عبد اللّطيف إبراهيم أنّه ربّما يكون هو نفسه الأمير سيف الدّين ألناق الذي أمر النّاصر محمد بن قلاوون بقطع يديه وتسميره مع ستّة آخرين سنة ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٣ م، لمشاركتهم في قتل أخيه السّلطان الأشرف خليل (٢). وكان قد أقام في هذا القصر، في نهاية القرن الثّامن الهجري/ الرّابع عشر الميلادي الأمير أيتمش الأسندمري البجاسي الظّاهري، المتوفى سنة ٨٠٢ هـ/ ١٣٩٩ م، الذي وصفه أبو المحاسن بأنّه «آخر عظماء الأمراء بالدّيار المصرية إلى يومنا هذا» (٣). فقد جاء في حجّة وقف الأشرف برسباي أنّ من بين الأوقاف الخاصّة بالجامع الأشرفي «جميع المكان الكائن بظاهر القاهرة المحروسة خارج بابيّ زويلة بخطّ التّبّانة بجوار جامع آقسنقر ويعرف بالقصر سكن المرحوم أيتمش» (٤). وهو ما يتّفق مع الواقع، فقصر ألين آق يفصله الآن عن جامع آقسنقر (الجامع الأزرق) مدرسة خاير بك التي أقيمت سنة ٩٠٨ هـ/ ١٥٠٢ م. وقد تبدّل هذا القصر خلال تاريخه ثم تخرّب قسم منه، وكان يمكن أن يزول نهائيا لولا أنّه ضمّ في مطلع القرن العاشر الهجري/ السّادس عشر الميلادي إلى مجموعة العمائر التي أنشأها في هذا المكان خاير بك وتشمل مدرسة وسبيلا وعددا من الأضرحة بينها ضريحه الخاصّ، وتحتفظ دار الوثائق القومية بالقاهرة بحجّة وقف هذه العمائر تحت رقم ٢٩٢/ ٤٤ (٥). وللقصر مدخل ضخم على شكل رواق مزيّنة قمّته بمقرنصات حجرية. وتستقر القاعة الكبرى للقصر (مثل قصر قوصون) على عقود الإسطبل الموجود بالدّور الأرضي، وهي قاعة _________ (١) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٢٧٨: ٩، ٢٩٢، ١٠٧: ١٠، ١٧٦؛ وفيما يلي ٢٥٤: ٢. (٢) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٢٢: ٨؛ عبد اللطيف إبراهيم: الوثائق في خدمة الآثار «العصر الملوكي»، ٢١٨ - ٢١٩. (٣) أبو المحاسن: المنهل الصافي ١٥٠: ٣. (٤) حجّة وقف الأشرف برسباي، نشرها وقدّم لها أحمد درّاج، القاهرة - المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية ١٩٦٣، ٦٧؛ أبو المحاسن: المنهل الصافي ١٤٨: ٣. (٥) Garcin، J. -Cl.، op.cit.، pp. ١٨٠ - ٨٢.

стр. 1572

يقسمها إلى درقاعة وإيوان قوسين مدبّبين كانا يحملان فيما سبق قبّة زالت الآن (١). (انظر الصورة). أمّا «قصر (إسطبل) قوصون» الواقع خلف جامع ومدرسة السّلطان حسن من جهته البحرية وخلف المدرسة السّعدية (التكية المولويّة الآن) من جهته الغربية (فيما يلي ٢٣٥ - ٢٣٨)، فهو أحد أضخم القصور المملوكية التي أمر ببنائها النّاصر محمد بن قلاوون لأحد أمرائه المقرّبين سنة ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٨ م، هو الأمير سيف الدّين قوصون الذي ترقّى في الخدم السّلطانيّة وبلغ أعلى المراتب عند السّلطان فزوّجه بابنته كما تزوّج السّلطان أخته، وعند وفاته جعله وصيّا على أولاده فصار أمر الدّولة كلّه بيده، فتخوّف منه الأمراء وحصروه بالقلعة سنة ٧٤٢ هـ/ ١٣٤٢ م وحملوه إلى الإسكندرية حيث قتل بها في نفس العام (فيما يلي ٣٠٧: ٢ - ٣٠٨). وشيّد قوصون قصره في موضع إسطبله بحيث حمل القصر لوقت طويل اسم «إسطبل قوصون». ويتميّز هذا القصر بحجمه الهائل ومساحته الكبيرة وبوّابته التّذكارية الضّخمة التي تشبه كثيرا مداخل الجوامع والمدارس المملوكية، حيث يصل ارتفاعها إلى سطح القصر وأعلاها مزيّن بعقد قبّة غنيّ بالمقرنصات (انظر اللوحة صفحة ٥٥). ولم يبق هذا القصر على حاله طويلا، ففي أعقاب فتنة سنة ٧٤٢ هـ/ ١٣٤٢ م نهب العامّة القصر بأمر من الأمير أيدغمش أمير آخور في أعقاب تولّي السّلطان الأشرف كجك (٢)، يقول المقريزي: «فتلاشى أمره وأقام عدّة أعوام خرابا لا يسكنه أحد» (فيما يلي ٢٣٧ - ٢٣٨)، وعدّه من الدّور المشئومة بسبب الأحداث التي دارت فيه في أعقاب وقعة قوصون. وتبدّل وضع القصر في النّصف الثّاني للقرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، فتمّ إصلاحه وصار من أجلّ مساكن الأمراء وأصبح هو البيت المعدّ لسكن كلّ من صار أتابك العساكر (٣). وفي سنة ٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م أخذه الأمير يشبك من مهدي وزاد عليه، ويوجد دائر المدخل الرّئيس للبوّابة التّذكارية للقصر شريط طويل بالقلم النّسخ المملوكي يفيد أعمال الزّيادة التي قام بها الأمير يشبك ولكن سقط منها التاريخ. ولمّا عيّن الأمير آقبردي من علي باي دوادارا عوضا عن يشبك من مهدي في زمن السّلطان الأشرف قايتباي سكن في هذه الدّار سنة ٨٨٦ هـ/ ١٤٨١ م (٤)، فعرف القصر لذلك ب «قصر قوصون - يشبك» و «قصر _________ (١) انظر عن مخطط هذا القصر وعمارته، Revault، J. & Maury، B.، Palais et Maisons du Caire du XIV au XVIII siecle، II، pp. ٦١ - ٧٦ .. (٢) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٤٠: ١٠ - ٤٣. (٣) نفسه ١٢١: ٩. (٤) ابن إياس: بدائع الزهور ١٧٨: ٣.

стр. 1573

آقبردي» الذي حرّفه العامّة إلى «قصر بردق» وأطلقوا على الفضاء الذي كان يجاوره «حوش بردق». وفي مطلع العصر العثماني استخدم هذا القصر كدار ضيافة حيث نزل به في سنة ٩٢٧ هـ/ ١٥٢١ م محمد بن إدريس المعروف بقلقسز الدّفتردار مبعوث السّلطان سليمان القانوني (١). وما تزال أطلال هذا القصر قائمة خلف المدرسة السّعديّة (التّكيّة المولويّة الآن) واقتطعت من مساحته قطعة أقيم عليها مدرسة للبنات تعرف بمدرسة عثمان … ، وما من شكّ في أنّ هذا القصر بمدخله الضّخم وقاعاته السّفلى والعليا التي تعدّ من أكبر قاعات العمارة المملوكية، ليس إلاّ ترديدا أمينا لما كانت عليه القصور السّلطانية بقلعة الجبل (٢). ومن الغريب أن يقام صفّ من الدّكاكين والورش تطلّ على جامع ومدرسة السّلطان حسن وتخفي خلفها هذا المدخل التّذكاري الرّائع المعدوم المثال لقصر قوصون يشبك بعد أن كان يوصف بأنّه يواجه مباشرة باب السّلسلة بالقلعة، وأن لا تقوم أيّة محاولة لإصلاح وترميم هذا القصر المملوكي الضّخم. وبالقرب من قصر قوصون - يشبك بشارع السّيوفيّة بجوار زاوية وخانقاه أيدكين البندقداري (المعروفة الآن بزاوية الأبار) يوجد «قصر طاز» الذي شيّد سنة ٧٥٥ هـ/ ١٣٥٤ م (فيما يلي ٢٤٠ - ٢٤٢). وبالرّغم من التّلف الشّديد الذي أصاب القصر، فإنّ ما تبقّى منه يدلّ على أنّ أسلوب وطراز بنائه مشابه لأسلوب وطراز قصر قوصون وبتأثّرهما بمصدر واحد (٣). وجاء على هامش نسخة باريس رقم ١٧٥٩ من الخطط إضافة هامّة لقطب الدّين القسطلاّني، ناسخ النّسخة، تفيد أنّ المقعد الموجود بالقصر تمّ في عصر سلاطين المماليك لا العصر العثماني كما يذهب إلى ذلك الدّارسون المحدثون، يقول: «ولم تزل داره هذه على ما هي عليه حتى ملكها تنبك قرا الأشرفي إينال (٤) في أوائل دولة الأشرف قايتباي، وكان تنبك هذا دوادارا ثانيا إذ ذاك، فجدّد بناءها وعمّر بها المقعد الحافل الموجود بها الآن، وأحضر إليها معلّما بنّاء من مدينة غزّة كان يعرفه وهو بطّال، فجدّدها في دولة الظّاهر خشقدم، وجاءت هذه الدّار في غاية الحسن ونهاية في [ … ]، وهي على ملكه الآن وهو حاجب الحجّاب». _________ (١) نفسه ٤٠١: ٥. (٢) Revault، J. & Maury، B.، op.cit.، II، pp. ٣١ - ٤٨ (٣) Revault، J.، L'architecture domestique au Caire، p. ٥٩. (٤) انظر ترجمته عند السخاوي: الضوء اللامع ٤٣: ٣؛ ابن إياس: بدائع الزهور ٤٢٩: ٣ - ٤٣٠.

стр. 1574

وفي نهاية العصر العثماني تحوّلت دار طاز إلى مدرسة جارية في وقف علي أغا دار السّعادة، ثم جعلها محمد علي باشا مخزنا للمهمّات الحربيّة. وفي سنة ١٢٩١ هـ/ ١٨٧٤ م رغب الخديو إسماعيل في إنشاء مدرسة لتربية البنات وتعليمهن وعهد بذلك إلى علي باشا مبارك، ناظر ديوان الأوقاف والمدارس، فاختار لها هذه الدّار وأعاد تعميرها بعد أن كانت قد تشعّثت ولم يغيّر بابها بل أبقاه على صورته الأصلية، وهو الباب الموجود الآن، (انظر فيما يلي ٢٤١) وأصلح خلل القاعة والمقعد الذي أضافه تنبك قرا الأشرفي - وبعض الجهات القابلة للإصلاح وأنشأ بها البناء القاسم للحوش، وفتح الدّكاكين القديمة التي كانت بواجهتها (١)، والتي ما تزال موجودة حتى الآن. وما تزال بقايا هذه الدّار مستخدمة كمخازن لوزارة التّربيّة والتّعليم، وتصدّع منها جزء كبير من الناحية البحرية الشرقية في أثناء عام ٢٠٠٢ م (٢)! أمّا القصر المملوكي البحري الوحيد الباقي داخل حدود القاهرة الفاطمية ف «قصر بشتاك» الواقع الآن بشارع المعزّ لدين اللّه بالقرب من سبيل عبد الرحمن كتخدا (فيما يلي ٢٢٧ - ٢٣٠). وتميّز عمارة هذا القصر ارتفاعه الكبير ليحاكي المنشآت الدّينية المحيطة به، واستخدام الحجارة في بنائه وكذلك العقود المدبّبة؛ ويتوسّط الدّور الأرضي للقصر قاعة ذات تخطيط متعامد على جوانبها مساطب حجريّة، ومن الجهة الأخرى سلالم جيرية تقود الداخل إلى القاعة الكبرى للقصر التي تتوسّطها درقاعة مربّعة يفتح عليها قوسين ضخمين مدبّبين يحفّان بإيوانيّ الطّرف. ويعلو مركز القاعة ملقف تقليدي للتهوية (٣). وفي وقت الحملة الفرنسية كانت ما تزال بقايا الدّور والقصور المملوكية قائمة في العديد من المواضع في القاهرة، ولكنّها كانت قد هجرتها تماما الطّبقة الأرستقراطية التي شيّدتها، ولم تعد تستخدم إلاّ كمأوى للأسرات الفقيرة وملجأ يشغله الحرفيّون. ومن المؤسف أنّ هذه القصور المملوكية الضّخمة، التي تعدّ هي والجوامع والخوانق المملوكية التي وصلت إلينا، خير شاهد على ما كانت عليه قاهرة المماليك من فخامة وأبّهة، في حالة سيّئة من الإهمال وعدم العناية تهدّد بزوالها. وبالتالي فهي لا تظهر على أيّة خريطة سياحية لزيارة _________ (١) علي مبارك: الخطط التوفيقية الجديدة ٤٦: ٢ (١٦١ - ١٦٢). (٢) راجع عن مخطط هذا القصر وعمارته Revault، J. & Maury، B.، op.cit.، II، pp. ٤٩ - ٦٠.L ٢ (٣) راجع عن مخطط هذا القصر وعمارته Ibid.، II، pp. ١ - ٢٠.

стр. 1575

القاهرة التاريخية، رغم أنّ هذه المنطقة الواقعة بين باب زويلة وقلعة الجبل، وباب زويلة وصليبة ابن طولون تشتمل على أهمّ آثار القاهرة المملوكية! القاهرة فى زمن النّاصر محمّد بن قلاون كان أكبر نموّ ملحوظ للقاهرة المملوكية أثناء السّلطنة الثّالثة للنّاصر محمد بن قلاوون (٧٠٩ - ٧٤١ هـ/ ١٣٠٩ - ١٣٤١ م)، التي تعدّ نقطة تحوّل هامّة في تاريخ المدينة. وتركّز هذا النّمو في الأساس خارج باب زويلة وفي المنطقة الواقعة أسفل قلعة الجبل حيث عمّر الأمراء المماليك العديد من المنشآت الجديدة في هذه المنطقة بناء على طلب السّلطان، وتضمّن ذلك - إضافة إلى الدّور والقصور - بناء عدد من المساجد الجامعة الضّخمة. فحتّى نحو سنة ٧١٨ هـ/ ١٣١٨ م كان الرأي الذي يرى إلقاء خطبة الجمعة في جامع واحد في المدينة (وهو ما يراه المذهب الشّافعي الذي أخذ به الأيّوبيّون) مأخوذا به بطريقة أو بأخرى. فكان بالقاهرة: الجامع الأزهر في قسمها الجنوبي، وجامع الحاكم في قسمها الشّمالي، وكان بالفسطاط جامع عمرو، وجدّد السّلطان المنصور لاجين جامع ابن طولون سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م لخدمة المنطقة الواقعة جنوب باب زويلة، وكان لقلعة الجبل جامعها الخاصّ بها الذي بناه النّاصر محمد بن قلاوون سنة ٧١٨ هـ/ ١٣١٨ م، كما كان بالحسينيّة خارج باب الفتوح الجامع الذي بناه الظّاهر بيبرس سنة ٦٦٧ هـ/ ١٢٦٩ م. ولكن بين سنتي ٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م و ٧٤٠ هـ/ ١٣٤٠ تم تشييد أربعة مساجد جامعة جديدة بين باب زويلة وقلعة الجبل: جامع ألماس الحاجب بشارع الحلميّة (٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م)، وجامع قوصون بشارع القلعة (محمد علي سابقا) (٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م)، وجامع بشتاك بشارع درب الجماميز (٧٣٦ هـ/ ١٣٣٦ م)، وجامع ألطنبغا المارديني بشارع التّبّانة (٧٣٩ هـ/ ١٣٤٠ م) أضخم هذه الجوامع وأفخمها، وذلك إضافة إلى العديد من الجوامع والمدارس التي شيّدت في مواضع أخرى من المدينة مثل: مدرسة مغلطاي الجمالي (٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م)، وجامع الخطيري (٧٣٧ هـ/ ١٣٣٧ م)، وجامع السّتّ حدق (مسكة) (٧٤٠ هـ/ ١٣٣٩ م) (١). _________ (١) راجع لتفاصيل أكثر، شاهندا فهمي كريم: جوامع ومساجد أمراء السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون، رسالة دكتوراه بكلية الآثار - جامعة القاهرة ١٩٨٧.

стр. 1576

وبعد وفاة النّاصر محمد بن قلاوون سنة ٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م استمرّ أمراؤه في التّشييد في هذه المنطقة التي أضحت منطقة الأرستقراطية المملوكية. فبنيت ثلاثة جوامع جديدة: جامع أصلم السّلحدار البهائي بدرب شغلان (٧٤٦ هـ/ ١٣٤٥ م)، وجامع آق سنقر النّاصري بشارع باب الوزير (٧٤٧ هـ/ ١٣٤٦ م) الذي رمّمه إبراهيم أغا مستحفظان سنة ١٠٦١ هـ/ ١٦٥١ م وأصبح يعرف بالجامع الأزرق، وجامع شيخو العمري بشارع شيخون بالصّلبية (٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م). وأثّر ازدهار المنطقة الجنوبية للقاهرة خارج باب زويلة تأثيرا سلبيّا على نموّ المنطقة الشمالية خارج باب الفتوح حيث «الحارة الحسينيّة»، وعلى الأخصّ في أعقاب «الوباء الأسود» أو «الفناء الكبير»، حيث هجرت هذه المنطقة ثم خربت نهائيّا ونقضت مبانيها في أعقاب محنة سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٣ م (فيما يلي ٦٦). ومع ذلك فلم يوقف «الوباء الأسود» حركة التّشييد والإعمار خارج باب زويلة، فتمّ بناء جامع شيخو في هذه الفترة، ودار صرغتمش بمنطقة بئر الوطاويط (٧٥٣ هـ/ ١٣٥٣ م)، وقصر الأمير طاز بشارع السّيوفيّة (٧٥٥ هـ/ ١٣٥٤ م)، وقبّة وخانقاه شيخو (٧٥٧ هـ/ ١٣٥٦ م) في مواجهة جامعه بشارع شيخون، ومدرسة صرغتمش بجوار جامع ابن طولون (٧٥٧ هـ/ ١٣٥٦ م)؛ غير أنّ أهمّ هذه المنشآت على الإطلاق هي جامع ومدرسة السّلطان حسن (٧٥٧ - ٧٦٤ هـ/ ١٣٥٦ - ١٣٦٣ م) أحد أعظم الجوامع والمدارس الإسلامية والذي تكلّف بناؤه أكثر من عشرين مليون درهما، الأمر الذي يجعل منه أكثر منشآت القاهرة تكلفة على الإطلاق (فيما يلي ٣١٦: ٢)، والذي هدم من أجل بنائه اثنان من أفخم قصور القاهرة «قصر يلبغا اليحياوي» و «قصر ألطنبغا المارديني» (فيما يلي ٢٣٣ - ٢٣٥). ولا يدلّ تشييد هذه الجوامع والمدارس على أنّها - كما قد يتبادر إلى الذّهن - قد بنيت تلبية لزيادة سكّانية، فعلى العكس من ذلك تماما فإنّ عدد سكّان مصر قد انخفض في هذه الفترة نتيجة للفناء الكبير، ولكن كثرة عدد الوفيات أدّت إلى زيادة حصيلة ضرائب المواريث والمواريث الحشريّة، ممّا سمح للحكّام وكبار الأمراء بتنفيذ سياسة إنشائية طموحة. ***

стр. 1577

وأدّى حفر «الخليج النّاصري» سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٤ م في غرب القاهرة، حيث كان يستمدّ ماءه من النّيل في مواجهة الحدّ الشّمالي لجزيرة الرّوضة ويسير موازيا للخليج المصري إلى أن يلتقي به شمال جامع الظّاهر بيبرس عند بركة الرّطلي (فيما يلي ٥٤٠ - ٥٤١)، أدّى إلى حكر العديد من الأراضي الواقعة بين الخليجين، وبين الخليج النّاصري والنّيل، ومنحها للأمراء الذين أقاموا عليها العديد من المباني التي صارت نواة لعمران هذه المنطقة الذي تمّ بصورة واضحة في العصر العثماني؛ يقول المقريزيّ: «فأنافت الأحكار التي استجدّت في أيّامه - أي النّاصر محمد بن قلاوون - على ستين حكرا، حتى لم يوجد موضع يحكر» (١). ونمّى النّاصر محمد كذلك ضفّة النّيل الواقعة بين فسطاط مصر جنوبا وبولاق شمالا، فأنشأ الجامع الجديد شمال الفسطاط (فيما يلي ٣٠٤: ٢)، وأنشأ دار وكالة وربعين كبيرين في المنطقة التي عرفت بزربيّة السّلطان (فيما يلي ٤٣٦)، وأضاف إليها الأمير بكتمر السّاقي حمّامين، وبنى الأمير علاء الدّين طيبرس الخازندار جامعا وخانقاه (فيما يلي ٣٠٣: ٢ - ٣٠٤، ٤٢٦)؛ ونشأ كذلك حيّ آخر مماثل على يسار الميدان الظّاهري (ميدان الفلكي الآن) هو المنطقة التي عرفت بزربيّة قوصون (فيما يلي ٤٣٥) اشتمل على جوامع ومدارس ومناظر مطلّة على النّيل وأسواق على طول شاطئ النّيل بالقرب من بولاق، هجر أغلبها أو تهدّم في أعقاب محنة سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٣ م. وكان إعمار منطقة بولاق قد بدأ منذ عام ٧١٣ هـ/ ١٣١٣ م، فعمّر النّاس بها دورا على النّيل، كما امتدّت المناظر على النّيل من هنالك وحتى جزيرة الفيل (شبرا الحالية)، وانتظمت العمارة على شاطئ النّيل من منية السّيرج شمالا إلى موردة الحلفاء جنوبا بجوار الجامع الجديد خارج فسطاط مصر، ومن حافّة الخليج المصري الغربية تجاه الخندق بحري القاهرة (منطقة الدّمرداس الآن) إلى منشأة المهراني جنوبا (جنوب شارع القصر العيني الآن) (فيما يلي ٣٦٢)، وظلّت «هذه المسافة العظيمة كلّها بساتين وأحكارا عامرة بالدّور والأسواق والحمّامات والمساجد والجوامع … وبلغت بساتين جزيرة الفيل خاصّة ما ينيف على مائة وخمسين بستانا بعدما كانت سنة إحدى عشرة وسبع مائة نحو العشرين بستانا» (فيما يلي ٤٣٢)، كما عمّر بها الأمير أيدمر الخطيري في سنة ٧٣٧ هـ/ ١٣٣٦ م جامعا ومدرسة شافعيّة لخدمة السّكّان المحيطين بها (فيما يلي ٣١٢: ٢). _________ (١) المقريزي: السلوك ٥٤٣: ٢.

стр. 1578

ولكن علينا أن نلاحظ أنّ تعمير الأحياء الواقعة في البرّ الغربي للخليج لم يكن قد اكتمل حتى في عصر النّاصر محمد بن قلاوون، كما أنّه تأثّر تأثّرا سلبيا بالأزمات الاقتصادية التي مرّت بها مصر والقاهرة بين منتصف القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي ومطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. ولم يعد إليه النّشاط إلاّ في نهاية هذا القرن بعد إنشاء الأمير أزبك من ططخ لحيّ الأزبكيّة، ثم نمت هذه الأحياء في العصر العثماني وفي زمن الحملة الفرنسية حتى استقرّت على وضعها الحالي مع المشروع الحضاري الذي تبنّاه في النّصف الثّاني للقرن التاسع عشر الخديو إسماعيل باشا. *** هكذا بلغت القاهرة في سلطنة النّاصر محمد بن قلاوون الثّالثة - التي تعدّ أكثر فترات تاريخ القاهرة ازدهارا وعلى الأخصّ في مجال العمارة - أبعادا غير مسبوقة، وهو أمر لن يتكرّر أيضا بعد ذلك - باستثناء فترة سلطنة الاشرف قايتباي في الرّبع الأخير من القرن التاسع الهجري - إلاّ بعد تولّي الخديو إسماعيل باشا عرش مصر سنة ١٨٦٣ م، الذي يعدّ أوّل حاكم منذ تسعة قرون يتبنّى مشروعا شاملا لتنمية المدينة، قام في الأساس على محاكاة الأنموذج الغربي لتنمية المدن (١). وترجع سياسة التّعمير التي سادت في النّصف الأوّل للقرن الثّامن الهجري/ الرّابع عشر الميلادي إلى شخصيّة النّاصر محمد بن قلاوون نفسه والظّروف التي أحاطت به، حيث تحقّق في فترة حكمه سلام مستمرّ، وأعاد روك الأراضي الزّراعية في مصر والشّام، ممّا ساعد على زيادة الإنتاج الزّراعي وعلى الرّخاء الاقتصادي، كما أنّ النّاصر محمد لم يكن مملوكا بل ابن سلطان، ولم يصل إلى الحكم من خلال الجيش، وتمتّع بشعبية كبيرة طوال فترة سلطنته الثّالثة والتي استمرّت واحدا وثلاثين عاما؛ يقول المقريزي: «متّعه اللّه من الدّنيا بالسّعادة العظيمة في المدّة الطّويلة مع كثرة الطّمأنينة والأمن وسعة الأموال، واقتنى كلّ حسن ومستحسن من الخيل والغلمان والجواري، وساعده الوقت في كلّ ما يحبّ ويختار إلى أن أتاه الموت» (فيما يلي ٣٠٦: ٢). واقتدى الأمراء والأعيان وأثرياء التّجّار بالأنموذج الذي قدمّه السّلطان نفسه ببناء العديد من الآثار الدّينيّة وذات الطّابع الاجتماعي. يقول المقريزيّ: «فلمّا كان سنة ثلاث عشرة وسبع مائة رغب النّاس _________ (١) راجع، Arnaud، J. -L.، Le Caire mise en Place d'une ville moderne ١٨٦٧ - ١٩٠٧.Des interets du prince aux societes privees، Paris-Actes SudL ٢ ١٩٩٨.

стр. 1579

في العمارة بديار مصر لشغف السّلطان الملك النّاصر بها ومواظبته عليها، فكأنّما نودي في القاهرة ومصر أن لا يتأخّر أحد من النّاس عن إنشاء عمارة، وجدّ الأمراء والجند والكتّاب والتّجّار والعامّة في البناء» (فيما يلي ٤٣٢). وأضاف في «السّلوك»: «وكان يحبّ العمارة، فلم يزل من حين قدم من الكرك إلى أن مات مستمرّ العمارة، فجاء تقدير مصروفه في كلّ يوم مدّة هذه السّنين ثمانية آلاف درهم» (فيما يلي ٢٣٤). «وكان ينفق على العمارة المائة ألف درهم، فإذا رأى فيها ما لا يعجبه هدمها كلّها وجدّدها على ما يختار، ولم يكن من قبله من الملوك في الإنفاق على العمارة كذلك … فكانوا لا يسمحون بالمال، وإنّما يدّخرونه صيانة وخوفا» (١)؛ فعندما شرع الأمير ركن الدّين بيسري الشّمسي الصّالحي في بناء الدّار البيسريّة سنة ٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م «تأنّق في عمارتها وبالغ في كثرة المصروف عليها فأنكر الملك الظّاهر ذلك من فعله» (فيما يلي ٢٢٤). وقال في موضع آخر: «وأكثر السّلطان من العمائر وولّى آقسنقر أمير آخور شاد العمائر، وأحضر العتّالين من سائر البلاد الشّاميّة، وأفرد للعمائر ديوانا بلغ مصروفه في كلّ يوم اثني عشر ألف درهم إلى ثمانية آلاف، وهي أقلّ ما كان يصرف في اليوم الواحد … فامتدّت أيدي النّاس إلى العمارة، وكأنّما نودي في النّاس ألاّ يبقى أحد حتى يعمّر وذلك أنّ النّاس على دين ملكهم» (٢). وفي الوقت نفسه كان النّاصر محمد يكره نظر أثر أحد من الملوك قبله ويبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يعرف به، لذلك أحبّ أن يزيل رنك السّلطان الظّاهر بيبرس من على قناطر السّباع «لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به، كما كان يفعل دائما في محو آثار من تقدّمه وتخليد ذكره ومعرفة الآثار به ونسبتها له» (فيما يلي ٤٩٠)؛ وفي الوقت نفسه كان حريصا على استكمال مظاهر الأبّهة، فإنّه، كما يصفه المقريزي، «ممّن لا يطيق شيئا ينقص ملكه» (فيما يلي ٧٢٩). وقد أورد كلّ من ابن أيبك الدّواداري والمقريزي وأبي المحاسن بن تغري بردي وابن إياس، قائمة مفصّلة بما أنشئ في عصر النّاصر محمد من منشآت سواء قام بها هو أو أمراؤه (٣). _________ (١) المقريزي: السلوك ٥٣٧: ٢. (٢) نفسه ١٣٠: ٢، ١٣١؛ وراجع حول هذا الموضوع Wiliams، J.A.، «Urbanization and Monument Coustruction in Mamluk Cairo»، Muqarnas II (١٩٨٤)، pp. ٣٣ - ٤٥; al-Harithy، H.، «The Patronage of al-Nasir Muhammad ibn Qalawun، ١٣١٠ - ١٣٤١»، Mamluk Studies Review IV (٢٠٠٠)، pp. ٢١٩ - ٢٢٤.L ٢ (٣) ابن أبيك الدواداري: كنز الدرر ٣٨٨: ٩ - ٣٩٠ (ذكر الجوامع المستجدّة في أيّام النّاصر محمد)؛ المقريزي: فيما يلي ٣٠٦: ٢ - ٣٠٧، السلوك ٥٣٧: ٢ - ٥٤٥ (محمد مصطفى زيادة: «حركة البناء والتّعمير في عصر النّاصر من كتاب «السّلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي»، المجلة التاريخية -

стр. 1580

*** ولم تكن مدينة القاهرة زمن المماليك مدينة محصّنة، فقد اختفى السّور الفاطمي وسط أحياء المدينة المملوكية، كما أنّ القصبة أو الشّارع الأعظم (فيما يلي ٣١٥ - ٣١٦) لم تكن الشّريان التّجاري للمدينة فحسب، وإنّما المكان الذي كانت تتمّ فيه كذلك الاحتفالات الموكبية والتي كان يظهر فيها السّلاطين للشّعب، وهي تعيد إلى الأذهان الميراث الفاطمي الذي كان يمكن إدراكه حتى هذا الوقت. وكما كان الشّارع الأعظم هو المركز السّياسي والرّوحي للقاهرة الفاطميّة، فقد أصبح في العصر المملوكي أشبه بمدينة جامعية؛ فعلى طول القصبة - وعلى الأخصّ في منطقة بين القصرين - كانت توجد سلسلة من المدارس: دار الحديث الكامليّة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م)، والمدارس الصّالحيّة (٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م)، والمدرسة الظّاهريّة بيبرس (٦٦٠ - ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٢ - ١٢٦٣ م)، وقبّة ومدرسة المنصور قلاوون (٦٨٣ - ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٤ - ١٢٨٥ م)، والمدرسة النّاصريّة محمد بن قلاوون (٦٩٥ - ٧٠٣ هـ/ ١٢٩٥ - ١٣٠٤ م)، والمدرسة الظّاهريّة برقوق (٧٨٦ - ٧٨٨ هـ - ١٣٨٤ - ١٣٨٦ م)، والمدرسة الأشرفيّة برسباي (٨٢٩ هـ/ ١٤٢٥ م)، وإلى الجنوب قليلا كان يوجد آخر جوامع دولة المماليك الشّراكسة: جامع الأشرف قانصوه الغوري وتجاهه مدرسة وقبّة وسبيل وكتّاب (٩٠٩ - ٩١٠ هـ/ ١٥٠٤ - ١٥٠٥ م)، ثم جامع ومدرسة المؤيّد شيخ المحمودي (٨١٨ - ٨٢٣ هـ/ ١٤١٥ - ١٤٢٠ م) بجوار باب زويلة جنوب المدينة الفاطميّة. وعلى جانبي القصبة في شوارع موازية لها كان يوجد أيضا عدد كبير من المنشآت الدّينيّة: خانقاه بيبرس الجاشنكير (٧٠٦ - ٧٠٩ هـ/ ١٣٠٦ - ١٣١٠ م) والمدرسة القراسنقريّة (٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م) ملاصقة له إلى الجنوب منه بشارع الجماليّة، وجامع سابق الدّين مثقال (٧٦٣ هـ/ _________ = المصرية ٩ - ١٠ (١٩٦٢)، ٢٤١ - ٢٥٠)؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٧٨: ٩ - ٢١٠ (عبد الرحمن زكي: «آثار مصر والقاهرة في النجوم الزاهرة» في كتاب المؤرّخ ابن تغري بردي، القاهرة ١٩٧٤، ١٦٥ - ١٨٠)؛ ابن إياس: بدائع الزهور ١/ ٤٨٥: ١ - ٤٨٦؛ وانظر كذلك، علي المليجي: عمائر النّاصر محمد الدّينيّة، رسالة ماجستير بجامعة القاهرة ١٩٧٥؛ Ayalon، D.، «The Expansion and Decline of Cairo under the Mamluks and its Background» in Itinerairesd'Orient-Hommages'a Claude Cahen، Res Orientales VI (١٩٩٤)، pp. ١٥ - ١٩ الذي يرى أنّ النّفقات الباهظة التي أنفقت على حركة البناء والتّعمير في زمن النّاصر محمد، كانت أحد الأسباب التي أسهمت في تدهور المدينة في العقود التالية!
следующие страницы →