وكان أحد الأبطال الموصوفين بقوّة النّفس، وشدّة العزم، ومحبّة الفقراء، وإيثار الصّالحين، وله مماليك قد عرفوا بالشّجاعة والنّجدة، وكان ممّن يقتدى برأيه، وتتّبع آثاره لمعرفته بالأيّام والوقائع. وما برحت ذرّيته بهذه الدّار إلى الآن، وأظنّها موقوفة عليهم.
دار قراسنقر
هذه الدّار برأس حارة بهاء الدّين، أنشأها الأمير شمس الدّين قراسنقر (١) وبها كان سكنه، وهي إحدى الدّور الجليلة، ووجد بها في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة لمّا أحيط بها اثنان وثلاثون ألف ألف دينار، ومائة ألف وخمسون ألف درهم فضّة، وسروج مذهّبة وغير ذلك. فحمل الجميع إلى بيت المال.
ولم تزل جارية في أوقاف المدرسة القراسنقرية إلى أن اغتصبها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار فيما اغتصب من الأوقاف، وجعلها وقفا على مدرسته التي أنشأها برحبة باب العيد.
فلمّا قتله الملك النّاصر فرج بن برقوق، ارتجع جميع ما خلّفه وصار في جملة الأموال السّلطانية.
ثم أفرد من الأوقاف التي جعلها جمال الدّين على مدرسته شيئا، وجعل باقيها لأولاده وعلى تربته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظّاهر برقوق بالصّحراء تحت الجبل خارج باب النّصر (٢). فلمّا قتل الملك النّاصر فرج، صارت هذه الدّار بيد الأمير طوغان الدّاودار (٣)؛ وكانوا كسارق من سارق (٤).
وما من قتيل يقتل إلاّ وعلى ابن آدم الأوّل كفل منه؛ لأنّه أوّل من سنّ القتل.
стр. 1787
دار البلقيني
هذه الدّار تجاه مدرسة شيخ الإسلام سراج الدّين البلقيني من حارة بهاء الدّين (١)، أنشأها قاضي قضاة العسكر (¬a) بدر الدّين محمد بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني الشّافعي، ومات في يوم الخميس لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وسبع مائة ولم تكمل. فاشتراها أخوه قاضي القضاة جلال الدّين عبد الرّحمن بن شيخ السلام وكمّلها، وبها الآن سكنه، وهي من أجلّ دور القاهرة صورة ومعنى.
وقد ذكرت الأخوين وأباهما في كتابي المنعوت ب «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» فانظر هناك أخبارهم (٢).
دار منكوتمر
هذه الدّار بحارة بهاء الدّين بجوار المدرسة المنكوتمرية. أنشأها الأمير منكوتمر نائب السّلطنة بجوار مدرسته الآتي ذكرها عند ذكر المدارس إن شاء اللّه تعالى (٣)، وهى من الدّور الجليلة، وبها إلى اليوم بعض ذرّيته، وهي وقف.
стр. 1788
دار المظفّر
هذه الدّار كانت بحارة برجوان، أنشأها أمير الجيوش بدر الجمالي وسكنها (¬a) إلى أن مات.
فلمّا ولي الوزارة من بعده ابنه الأفضل بن أمير الجيوش وسكن دار القباب التي عرفت بدار الوزارة - وقد تقدّم ذكرها - صار أخوه المظفّر أبو محمد جعفر بن أمير الجيوش بهذه الدّار فعرفت به، وقيل لها دار المظفّر، وصارت من بعده دار الضّيافة كما مرّ في هذا الكتاب (١).
وآخر ما أعرفه أنّها كانت ربعا وحمّاما وخرائب، فسقط الرّبع بعد سنة سبعين وسبع مائة، وكانت الحمّام قد خربت قبل ذلك، فلم تزل خرابا إلى سنة ثمان وثمانين وسبع مائة. فشرع قاضي القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن أبي بكر الطّرابلسي الحنفي (٢) في عمارتها، فلمّا حفر أساس جداره القبلي، ظهر تحت الرّدم عتبة عظيمة من حجر صوّان مائع يشبه أن يكون عتبة دار المظفّر. وكان الأمير جهاركس الخليلي إذ ذاك يتولّى عمارة المدرسة التي أنشأها الملك الظّاهر برقوق بخطّ بين القصرين، فبعث بالرّجال لهذه العتبة وتكاثروا على جرّها إلى العمارة، فجعلها في المزمّلة التي تشرب منها النّاس الماء بدهليز المدرسة الظّاهرية (٣).
وكمّل قاضي القضاة شمس الدّين بناء داره حيث كانت دار المظفّر، فجاءت من أحسن دور القاهرة، وتحوّل إليها بأهله، وما زال فيها حتى مات بها - وهو متقلّد وظيفة قضاء/ القضاة الحنفيّة بالدّيار المصرية - في ليلة السبت الثّامن عشر من ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وسبع مائة، وله من العمر سبعون سنة وأشهر.
ومولده بطرابلس الشّام، وأخذ الفقه على مذهب أبي حنيفة ﵀ عن جماعة من أهل طرابلس، ثم خرج منها إلى دمشق، فقرأ على صدر الدّين محمد بن منصور الحنفي، ووصل إلى القاهرة وقاضي الحنفيّة بها قاضي القضاة جمال الدّين عبد اللّه التّركماني، فلازمه
стр. 1789
وولاّه العقود، وأجلسه ببعض حوانيت الشّهود، فتكسّب من (¬a) تحمّل الشّهادة مدّة، وقرأ على قاضي القضاة سراج الهندي (¬b) ولازمه، فولاّه نيابة القضاء بالشّارع، فباشرها مباشرة مشكورة، وأجازه العلاّمة شمس الدّين محمد بن الصّائغ الحنفي بالإفتاء والتّدريس.
فلمّا مات صدر الدّين بن منصور، قلّده الملك الظّاهر برقوق قضاء القضاة مكانه في يوم الاثنين ثاني عشرين شهر ربيع الآخر سنة ستّ وثمانين وسبع مائة. فباشر القضاء بعفّة وصيانة وقوّة في الأحكام لها النّهاية، ومهابة وحرمة وصولة تذعن لها الخاصّة والعامّة، إلى أن صرف في سابع عشر رمضان سنة إحدى وتسعين وسبع مائة بشيخنا قاضي القضاة مجد الدّين إسماعيل ابن إبراهيم التّركماني. فلم يزل إلى أن عزل مجد الدّين، وولي من بعده قاضي القضاة وناظر الجيوش جمال الدّين محمود القيصري، وهو ملازم داره وما بيده من التّدريس، وهو على حال حشمة وتجلّة (¬c) من الكافّة، إلى أن استدعاه السّلطان في يوم الثلاثاء تاسع شهر ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين وسبع مائة، فقلّده وظيفة القضاء عوضا عن محمود القيصري، فلم يزل حتى مات من عامه، رحمه اللّه تعالى.
وهذه الدّار على يسرة من سلك من باب حارة برجوان طالبا المسجد المسمّى بجعفر؛ وأمّا الحمّام فإنّها في مكانها اليوم ساحة بجوار دار قاضي القضاة شمس الدّين. ومن جملة حقوق دار المظفّر رحبة الأفيال وحدرة الزّاهداي إلى الدّار المعروفة بسكنى (١) قريبا من حمّام الرّومي (٢).
стр. 1790
دار ابن عبد العزيز
هذه الدّار بحارة برجوان، على يمنة من سلك من باب الحارة طالبا حمّام الرّومي، وهي أيضا من جملة دار المظفّر. كانت طاحونا ثم خربت، فابتدأ عمارتها فخر الدّين أبو جعفر محمد ابن عبد اللّطيف بن الكويك ناظر الأحباس (١)، ومات ولم تكمل. فصارت لامرأته وابنة عمّه خديجة، فماتت في رجب سنة اثنتين وستين وسبع مائة، وقد تزوّجت من بعده بالقاضي الرّئيس بدر الدّين حسن بن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبي طالب بن عليّ بن عبد اللّه بن سيّدهم اللّخمي النّشتراوي (¬a)، فانتقلت إليه، ومات في سنة أربع وسبعين وسبع مائة في العشرين من جمادى الأولى (٢). وورثه من بعد موته كريم الدّين ابن أخيه - وهو عبد الكريم بن أحمد ابن عبد العزيز بن عبد الكريم بن أبي طالب بن عليّ بن عبد اللّه بن سيّدهم، ومات آخر ربيع الأوّل سنة سبع وثمان مائة عن سبعين سنة (٣)، وولي نظر الجيوش بديار مصر للظّاهر برقوق - فباعها لقريبه شمس الدّين محمد بن عبد اللّه بن عبد العزيز فكمّلها (¬b) وسكنها مدّة طويلة إلى أن باعها في سنة خمس وتسعين وسبع مائة بألفي دينار ذهبا لخوند فاطمة ابنة الأمير منجك، فوقفتها على عتقائها. وهي إلى اليوم بيدهم، وتعرف ببيت ابن عبد العزيز المذكور لطول سكنه بها. وكان خيّرا عارفا يلي كتابة ديوان الجيش وعدّة مباشرات، ومات ليلة الثّاني عشر من صفر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة (٤).
стр. 1791
دار الجمقدار
هذه الدّار على يسرة من سلك من باب حارة برجوان تحت القبو طالبا حمّام الرّومي، عرفت بالأمير علم الدّين سنجر الجمقدار من الأمراء البرجيّة، وقدّمه الملك النّاصر محمد تقدمة ألف بعد مجيئه من الكرك إلى مصر، ثم أخرجه إلى الشّام، فأقام بها إلى أن حضر قطلوبغا الفخري في نوبة أحمد بالكرك، فحضر معهم واستقرّ عن (¬a) الأمراء بالدّيار المصرية إلى أن مات يوم الجمعة تاسع رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مائة، وقد كبر وارتعش، وكان روميّا ألثغ (١).
ثم صارت لخالد بن الزّرّاد المقدّم، فلمّا قبض عليه ومات في ثاني عشرين جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبع مائة تحت المقارع، ارتجعت عنه لديوان السّلطان حسن، فصارت في يد ورثته إلى أن باع بعض أولاده أسهما منها، فاشتراها الأمير سودون الشّيخوني نائب السّلطنة (٢). ثم تنقّلت - وبعضها وقف بيد أولاد السّلطان حسن بن محمد ابن قلاوون - إلى أن ملك ما تملّك منها بالشّراء قاضي القضاة عماد الدّين أحمد بن عيسى الكركي (٣) وسكنها إلى أن سافر، فصارت من بعده لورثته، فباعوها للشّيخ زين الدّين أبي بكر القمني، وهي بيده الآن.
стр. 1792
دار آقّوش الرّومي بحارة برجوان
هذه الدّار من أجلّ دور القاهرة، وبابها من نحاس بديع الصّنعة يشبه باب المارستان المنصوري، وكان تجاهها إسطبل كبير يعلوه ربع فيه عدّة مساكن، عرفت بالأمير جمال الدّين آقّوش الرّومي السّلاح دار النّاصري (١)، وتوفى سنة خمس (¬a) وسبع مائة، وهي ممّا وقفه على تربته بالقرافة، وقد خرب إسطبلها وعلوّه وبيع نقض ذلك، وتداعت الدّار أيضا للسّقوط فأبيعت أنقاضا، وصارت من جملة الأملاك (٢).
دار بنت السّعيدي
هذه/ الدّار بحارة برجوان، عرفت بقاعة حنيفة بنت السّعيدي إلى أن اشتراها شهاب الدّين أحمد بن طوغان دوادار الأمير سودون الشّيخوني نائب السّلطان في سنة تسع وتسعين وسبع
стр. 1793
مائة (١)، فأخذ عدّة مساكن ممّا حولها وهدمها وصيّرها ساحة بها. فصارت من أعظم الدّور اتّساعا وزخرفة، وفيها سبعة آبار معيّنة، وفسقية ينقل إليها الماء بساقية على فوّهة بئر. وما زال صاحبها شهاب الدّين فيها إلى أن سافر إلى الإسكندرية في محرّم سنة ثمان وثمان مائة، فمات ﵀ وانتقلت من بعده لغير واحد بالبيع.
دار الحاجب
هذه الدّار فيما بين الخرنشف وحارة برجوان، كان مكانها من جملة الميدان - وكان يسلك من حارة برجوان في طريق شارعة إلى باب الكافوري، فلمّا عمّر الأمير بكتمر هذه الدّار، جعل إسطبلها حيث كانت الطّريق، وركّب بابا بخوخة ممّا يلي حارة برجوان، واشترط عليه النّاس ألاّ يمنع المارّة من سلوك هذا المكان، فوفّى بما اشترط.
وما برح النّاس يمرّون من هذا الطّريق في وسط الإسطبل على باب داره، سالكين من حارة برجوان إلى الكافوري والخرنشف ومنه إلى حارة برجوان؛ وسلكت (¬a) من هذه الطّريق غير مرّة، وكان يقال لها خوخة الحاجب. ثم لمّا طال الأمد وذهبت المشيخة نسيت هذه الطّريق، وقفل الباب وانقطع سلوك النّاس منه، وصارت تلك الطّريق من جملة حقوق الدّار.
وما برحت هذه الدّار ينصب على بابها الطّوارق دائما كما كانت عادة دور الأمراء في الزّمن القديم. فلمّا تغيّرت الرّسوم وبطل ذلك، قلعت الطّوارق من جانبي الباب وأعلى أسكفّته.
وباب هذه الدّار تجاه باب الكافوري، وعرفت بالأمير سيف الدّين بكتمر الحاجب صاحب الدّار خارج باب النّصر والمدرسة بجواره، ثم حلّ وقفها في (¬b) سنة ثمان وعشرين وثمان مائة وبيعت كما بيع غيرها من الأوقاف. وهناك ترى ترجمته (٢).
стр. 1794
دار تنكز
هذه الدّار بخطّ الكافوري كانت للأمير أيبك البغدادي، وهي من أجلّ دور القاهرة وأعظمها، أنشأها الأمير تنكز نائب الشّام، وأظنّه أوقفها في جملة ما أوقف، وكان بها ولده.
وسكنها قاضي القضاة برهان الدّين إبراهيم بن جماعة، فأنفق في زخرفتها على ما أشيع سبعة عشر ألف درهم، عنها يومئذ ما ينيف عن سبع مائة دينار مصرية. ولم تزل هذه الدّار وقفا إلى أن بيعت على أنّها ملك في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة بدون الألف دينار، لزين الدّين عبد الباسط بن خليل، فجدّد بناءها وبنى تجاهها جامعه.
تنكز الأشرفي - سيف الدّين أبو سعيد (١) جلبه إلى مصر وهو صغير الخواجا علاء الدّين السّوسي، فنشأ بها عند الملك الأشرف خليل بن قلاوون. فلمّا ملك السّلطان النّاصر محمد ابن قلاوون، أمّره إمرة عشرة قبل توجّهه إلى الكرك، وسافر معه إلى الكرك، وترسّل عنه منها إلى الأفرم، فاتّهمه أنّ معه كتبا إلى الأمراء بالشّام [ففتّشه] (¬a) وعرض عليه العقوبة، فأرجف منه وعاد إلى النّاصر، فقال له: إن عدت إلى الملك فأنت نائب دمشق. فلمّا عاد إلى الملك جهّزه إلى دمشق فوصلها في العشرين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، فباشر النّيابة وتمكّن فيها، وسار بالعساكر إلى ملطيّة وافتتحها في محرّم سنة خمس عشرة وعظم شأنه، وأمّن الرّعايا حتى لم يكن أحد من الأمراء يظلم ذمّيّا فضلا عن مسلم، خوفا من بطشه وشدّة عقوبته.
وكان السّلطان لا يفعل شيئا بمصر إلاّ ويشاوره فيه وهو بالشّام، وقدم غير مرّة على السّلطان، فأكرمه وأجلّه بحيث أنّه أنعم عليه في قدومه إلى مصر سنة ثلاث وثلاثين بما مبلغه ألف ألف
стр. 1795
درهم وخمسون ألف درهم، عها خمسون ألف دينار ونيّف، سوى الخيل. وزادت أملاكه وسعادته، وأنشأ جامعا بدمشق (١) بديع الوصف بهج الزّيّ وعدّة مواضع.
وكان النّاس في أيّامه قد أمنوا كلّ سوء، إلاّ أنّه كان يتخيّل خيالا، فيحتدّ خلقه ويشتدّ غضبه، فهلك بذلك كثير من النّاس، ولا يقدر أحد أن يوضّح له الصّواب لشدّة هيبته. وكان إذا غضب لا يرضى ألبتّة بوجه، وإذا بطش كان بطشه بطش الجبّارين، ويكون الذّنب صغيرا فلا يزال يكبّره حتى يخرج في عقوبة فاعله عن الحدّ. ولم يزل إلى أن أشيع بدمشق أنّه يريد العبور إلى بلاد الطّطر. فبلغ ذلك السّلطان، فتنكّر له، وجهّز إليه من قبض عليه في ثالث عشرين ذي الحجّة سنة أربعين، وأحيط بماله.
وقدم الأمير بشتاك إلى دمشق لقبضه، وخرج إلى القصر ومعه من مال تنكز، وهو من الذّهب العين ثلاث مائة ألف وستة وثلاثون ألف دينار، ومن الدّراهم الفضّة ألف ألف وخمس مائة ألف درهم، ومن الجوهر واللّؤلؤ والزّركش والقماش ثمان مائة حمل. ثم استخرج بعد ذلك من بقايا أمواله أربعون ألف دينارا وألف ألف ومائة ألف درهم. فلمّا وصل تنكز إلى قلعة الجبل جهّز إلى الإسكندرية، واعتقل فيها نحو الشهر، وقتل في محبسه، ودفن بها في يوم الثلاثاء حادي عشرين المحرّم سنة إحدى وأربعين وسبع مائة.
ومن الغريب أنّه أمسك يوم الثّلاثاء، ودخل مصر يوم الثّلاثاء، ودخل الإسكندرية يوم الثّلاثاء، وقتل يوم الثّلاثاء. ثم نقل إلى دمشق فدفن بتربته جوار/ جامعه ليلة الخامس من رجب سنة أربع وأربعين وسبع مائة، بعد ثلاث سنين ونصف، بشفاعة ابنته.
دار أمير مسعود
هذه الدّار بآخر خطّ الكافوري، عرفت بالأمير بدر الدّين مسعود بن خطير الرّومي أحد الأمراء بمصر (٢). أخرجه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في ذي الحجّة سنة أربعين وسبع مائة إلى
стр. 1796
نيابة غزّة، ثم نقل منها إلى إمرة دمشق، وولي نيابة طرابلس، ثم أعيد إلى دمشق. وأصله من أتباع الأمير تنكز، فشكره عند الملك النّاصر وقدّمه حتى صار أميرا حاجبا. فلمّا قتل تنكز أخرجه لنيابة غزّة، وتنقّل في نيابة طرابلس ثلاث مرّات إلى أن استعفي من النّيابة، فأنعم عليه بإمرة في دمشق، وعلى ولديه بإمرة طبلخاناة.
وما زال مقيما بها حتى مات في سابع شوّال سنة أربع وخمسين وسبع مائة بدمشق. ومولده بها ليلة السبت سابع جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وست مائة.
دار نائب الكرك
هذه الدّار فيما بين خطّ الخرنشف وخطّ باب سرّ المارستان المنصوري، وهي من جملة أرض الميدان. عرفت بالأمير آقوش الأشرفي، المعروف بنائب الكرك، صاحب الجامع.
آقوش الأشرفي جمال الدّين (١) - ولاّه الملك النّاصر محمد بن قلاوون نيابة دمشق بعد مجيئه من الكرك، وعزله تنكز بعد قليل، واعتقله إلى شهر رجب سنة خمس عشرة وسبع مائة، ثم أفرج عنه وجعله رأس الميمنة، وصار يقوم له إذا قدم مميّزا له عن غيره من الأمراء.
وكان لا يلبس [مفرّكا ولا] (¬a) مصقولا، ويمشي من داره هذه إلى الحمّام وهو حامل المئزر والطّاسة وحده، فيدخل الحمّام ويخرج عريانا. فاتّفق مرّة أنّ رجلا رآه فعرفه، وأخذ الحجر وحكّ رجله وغسله، وهو لا يكلّمه كلمة واحدة. فلمّا خرج وصار إلى داره، طلب الرّجل وضربه، وقال له: أنا ما لي مملوك، ما عندي غلام، ما لي بابيه (¬b) (٢) حتى تتجرّأ عليّ أنت.
стр. 1797
وكان يتوجّه إلى معبد له في الجبل الأحمر، وينفرد فيه وحده اليومين والثلاثة، ويدخل منه إلى القاهرة وهو ماش وذيله على كتفه حتى يصل إلى داره. وباشر نظر المارستان المنصوري مباشرة شديدة (¬a).
ثم أخرجه السّلطان إلى نيابة طرابلس في أوّل سنة أربع وثلاثين وسبع مائة فأقام بها، ثم طلب الإقالة، فأعفي وقبض عليه واعتقل بقلعة دمشق، ثم نقل منها إلى صفد فحبس بها في برج، ثم أخرج منها إلى الإسكندرية فمات بها معتقلا في سنة ستّ وثلاثين وسبع مائة.
وكان عسوفا جبّارا في بطشه، مات عدّة من النّاس تحت الضّرب قدّامه، وكان كريما سمحا إلى الغاية. وعرف بنائب الكرك لأنّه أقام في نيابتها من سنة تسعين وستّ مائة إلى سنة تسع وسبع مائة.
دار ابن صغير
هذه الدّار من جملة الميدان، وهي اليوم من خطّة (¬b) باب سرّ المارستان المنصوري. أنشأها علاء الدّين عليّ بن نجم الدّين عبد الواحد بن شرف الدّين محمد بن صغير رئيس الأطبّاء، ومات بحلب عندما توجّه إليها في خدمة الملك الظّاهر برقوق في يوم الجمعة تاسع عشر ذي الحجّة سنة ستّ وتسعين وسبع مائة ودفن بها، ثم نقلته ابنته إلى القاهرة ودفنته بظاهرها.
دار بيبرس الحاجب (١)
هذه الدّار بخطّ حارة العدويّة (٢)، وهي الآن في خطّ باب سرّ المارستان، عرفت بالأمير بيبرس الحاجب صاحب غيط الحاجب فيما بين جسر بركة الرّطلي والجرف.
بيبرس الحاجب الأمير ركن الدّين - ترقّى في الخدم إلى أن صار أمير آخور، فلمّا حضر الملك النّاصر من الكرك عزله بالأمير أيدغمش وعمله حاجبا، وناب في الغيبة عن الأمير تنكز بدمشق لما حجّ.
стр. 1798
ثم تجرّد إلى اليمن وعاد، فتنكّر عليه السّلطان، وحبسه في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وسبع مائة، وأفرج عنه في رجب سنة خمس وثلاثين، وجهّزه من الإسكندرية إلى حلب، فصار بها أميرا من أمرائها.
ثم تنقّل منها إلى إمرة بدمشق بعد عزل تنكز، فلم يزل بها إلى أن توجّه الفخري وطشتمر إلى مصر، فأقرّه على نيابة الغيبة بدمشق، وكان قد أسنّ، ومات في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة.
وأدركنا له حفيدا يعرف بعلاء الدّين أمير عليّ بن شهاب الدّين أحمد بن بيبرس الحاجب. قرأ القراءات السّبع على والده، وكان حسن الأداء للقراءة، مشهورا بالعلاج يعالج بمائة وعشرة أرطال. مات وهو شاخ في سابع ربيع الآخر سنة إحدى وثمان مائة.
دار عبّاس
هذه الدّار كانت في درب شمس الدّولة، عرفت بالوزير عبّاس بن يحيى بن تميم بن المعزّ ابن باديس. أصله من المغرب، وترقّى في الخدم حتى ولي الغربيّة، ولقّب بالأمير ركن الإسلام (١).
وكانت أمّه تحت الأمير المظفّر عليّ بن السّلار والي البحيرة (¬a) والإسكندرية. فلمّا رحل عليّ ابن السّلار إلى القاهرة وأزال الوزير نجم الدّين سليمان بن مصال من الوزارة واستقرّ مكانه في وزارة الخليفة الظّافر بأمر اللّه وتلقّب بالعادل، قدّمه لمحاربة ابن مصال فلم ينل غرضا، فخرج إليه عبّاس حتى ظفر به.
وولي ناصر الدّين نصر بن عبّاس ولاية مصر بشفاعة جدّته أم عبّاس؛ فاختصّ به الخليفة الظّافر واشتغل به عمّن سواه - وكان جريئا مقداما - فخرج أبوه (¬b) عبّاس بالعسكر لحفظ عسقلان من الفرنج، ومعه من/ الأمراء ملهم والضّرغام وأسامة بن منقذ، وكان أسامة خصيصا بعبّاس.
стр. 1799
فلمّا نزلوا بلبيس تذاكر عبّاس وأسامة مصر وطيبها، وما هم خارجون إليه من مقاساة السّفر ولقاء العدوّ، فتأوّه عبّاس أسفا على مفارقة لذّاته بمصر، وأخذ يثرّب على العادل بن السّلار، فقال له أسامة: لو أردت كنت أنت سلطان مصر؛ فقال: كيف لي بذلك؟
قال: هذا ولدك ناصر الدّين بينه وبين الخليفة مودّة عظيمة، فخاطبه على لسانه أن تكون سلطان مصر موضع زوج أمّك، فإنّه يحبّك ويكرهه، فإذا أجابك فاقتله وصر في منزلته.
فأعجب عبّاس ذلك، وجهّز ابنه لتقرير ما أشار به أسامة، فسار إلى القاهرة ودخلها على حين غفلة من العادل، واجتمع بالخليفة وفاوضه فيما تقرّر، فأجابه إليه، ونزل إلى دار جدّته وكان من قتله للعادل عليّ بن سلار ما كان.
فماج النّاس، وسرح الطّائر من القصر إلى عباس وهو على بلبيس في الانتظار، فقام من فوره ودخل القاهرة سحر يوم الأحد ثاني عشر المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمس مائة، فوجد عدّة من الأتراك قد نفروا وخرجوا يدا واحدة إلى الشّام، فصار إلى القصر، وخلع عليه خلع الوزارة، فباشر الأمور، وضبط الأحوال، وأكرم الأمراء، وأحسن إلى الأجناد.
وازدادت مخالطة ولده للخليفة، فخاف أن يقتله ما قتل ابن السّلار، فما زال به حتى قتل الخليفة الظّافر كما تقدّم ذكره (١)، وصار إلى القصر على العادة. فلمّا جلس في «مقطع الوزارة» (٢) سأل الاجتماع بالخليفة (¬a)، فدخل الزّمام إلى دور الحرم فلم يجد الخليفة، فلمّا عاد إليه أحضر أخوي الظّافر واتّهمهما بقتله وقتلهما قدّامه، واستدعى بولد الظّافر عيسى ولقّبه بالفائز بنصر اللّه؛ فكثرت (¬b) النّياحة على الظّافر، وبحث أهل القصر على كيفية قتله، فكتبوا إلى طلائع ابن رزّيك - وهو والي الأشمونين - يستدعونه فحشد وسار. فاضطرب عبّاس، وكثرت مناكدة أهل القاهرة له، حتى إنّه مرّ يوما فرمي من طاق (¬c) يشرف على شارع بقدر مملوءة طعاما حارّا، فعوّل على الفرار، وخرج ومعه ابنه وأسامة بن منقذ وجميع ما لهم من أتباع ومال وسلاح.
ودخل طلائع إلى القاهرة، واستقرّ في وزارة الخليفة الفائز، فسيّر أهل القصر إلى الفرنج البريد بطلب عبّاس، فخرجوا إليه. وكانت بينهم وبينه وقعة فرّ فيها عنه (¬d) أسامة بجماعة إلى الشّام،
стр. 1800
فظفر به الفرنج وقتلوه، وأخذوا ابنه في قفص من حديد، وجهّزوه إلى القاهرة، وذلك في شهر ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين وخمس مائة، فلمّا وصل ابنه إلى القصر قتل وصلب على باب زويلة، وأحرق بعد ذلك (١).
ثم عرفت هذه الدّار بعد ذلك بدار تقيّ الدّين صاحب حماة، ثم خربت وحكر مكانها، فصار يعرف بحكر صاحب حماة، وبني فيه عدّة دور (٢). وموضعها الآن بداخل درب شمس الدّولة بالقرب من حمّام عبّاس، التي تعرف اليوم بحمّام الكويك (٣).
دار ابن فضل اللّه
هذه الدّار فيما بين حارة زويلة والبندقانيين، كان موضعها من جملة إسطبل الجمّيزة، عرفت بابن فضل اللّه.
وبنو فضل اللّه جماعة: أوّلهم بمصر شرف الدّين عبد الوهّاب بن الصّاحب جمال الدّين أبي المآثر فضل اللّه بن الأمير عزّ الدّين الحلّي بن دعجان العمري، ولي كتابة السّرّ للملك النّاصر محمد بن قلاوون، ثم صرفه عنها وولاّه كتابة السّرّ بدمشق، فلم يزل بها حتى مات في ثالث شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مائة (٤). وقد عمّر وبلغ أربعا وتسعين سنة، وخلّف أموالا جمّة، ورثاه الشّهاب محمود وقد ولي بعده، ورثاه علاء الدّين عليّ بن غانم والجمال بن نباتة. وكان فاضلا بارعا أديبا، عاقلا وقورا ناهضا، ثقة أمينا مشكورا، مليح الخطّ
стр. 1801
جيّد الإنشاء، حدّث عن الشّيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام وغيره.
ومنهم محيي الدّين يحيى بن الصّاحب جمال الدّين أبي المآثر فضل اللّه بن مجلّي بن دعجان ابن خلف بن نصر بن منصور بن عبيد اللّه بن عليّ بن محمد بن أبي بكر عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عمر بن الخطّاب القرشي العدوي العمري (١)، ولي كتابة السّرّ بالدّيار المصرية عن الملك النّاصر محمد (¬a)، نقل إليها من كتابة سرّ دمشق لمّا مرض علاء الدّين (¬b) ابن الأثير كاتب السّرّ (¬b) باستدعائه إلى مصر، وأقيم بدله في كتابة سرّ دمشق شرف الدّين أبو بكر بن الشّهاب محمود.
وكان استقراره في محرّم سنة ثلاثين وسبع مائة، فباشرها إلى ثاني عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين، ونقل منها إلى كتابة السّرّ بدمشق، وطلب شرف الدّين بن الشّهاب محمود، فاستقرّ في كتابة السّرّ بمصر إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين، فطلب محيي الدّين من دمشق هو وابنه شهاب الدّين أحمد، فوصلا إلى القاهرة غرّة جمادى الأولى، وخلع عليهما ورسم لهما بكتابة السّرّ، نقل (¬c) ابن الشّهاب محمود إلى كتابة السّرّ بدمشق. فلم يزل محيي الدّين يباشر كتابة السّرّ هو وابنه إلى أن كان من تنكّز السّلطان لولده شهاب الدّين ما كان. وذلك أنّه كان استعفي من الوظيفة لثقل سمعه وكبر سنّه، فأذن له أن يقيم ابنه القاضي شهاب الدّين يباشر عنه، فصار الاسم لمحيي الدّين والمباشر ابنه شهاب الدّين، إلى أن حضر الأمير تنكز نائب الشّام إلى القلعة، وسأل السّلطان في علم الدّين محمد بن قطب الدّين أحمد بن مفضّل - المعروف بابن القطب - أن يولّيه/ كتابة السّرّ بدمشق.
وكان السّلطان لا يمنع تنكز شيئا يسأله، فخلع عليه، وأقرّه في ذلك عوضا عن جمال الدّين عبد اللّه بن الأثير. فأخذ شهاب الدّين ينقّصه عند السّلطان بأنّه نصراني الأصل، وليس من أهل صناعة الإنشاء ونحو ذلك، والسّلطان مغض عنه غير ملتفت إلى ما يرمى به رعاية لتنكز. فلمّا كتب توقيع ابن القطب، أراد تكثير الألقاب والزّيادة له في المعلوم. فامتنع شهاب الدّين من كتابة ذلك، وكان حادّ المزاج، قويّ النّفس، شرس الأخلاق، ففاجأ السّلطان بغلظة ومخاشنة في
стр. 1802
القول. وكان من كلامه: كيف تعمل قبطيّا أسلميّا كاتب السّرّ وتزيد معلومه؟ وبالغ في الجراءة حتى قال: ما يفلح من يخدمك، وخدمتك عليّ حرام. ونهض قائما لشدّة حنقه. وكان هذا منه بحضرة الأمراء، فغضبوا لذلك وهمّوا بضرب عنقه، فأغضى السّلطان عنه.
وبلغ محيي الدّين ما كان من ابنه، فبادر إلى السّلطان، وقبّل الأرض، واعترف بخطأ ابنه، واعتذر عن تأخّره بثقل سمعه. فرسم له أن يكون ابنه علاء الدّين عليّ يدخل ويقرأ البريد، فاعتذر بأنّه صغير لا يقوم بالوظيفة، فقال السّلطان: أنا أربّيه مثل ما أعرف، فصار يخلف أباه كما كان شهاب الدّين.
وانقطع شهاب الدّين في منزله مدّة سنين إلى أن مات أبوه محيي الدّين في يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة بالقاهرة، عن ثلاث وتسعين سنة، وهو متمتّع بحواسّه، فدفن ظاهر القاهرة، ثم نقل إلى تربتهم من سفح قاسيون بدمشق. وكان صدرا معظّما، رزينا كامل السّؤدد، ممولا (¬a) كاتبا بارعا، دبّر الأقاليم بكفايته وحسن سياسته ووفور عقله وأمانته وشدّة تحرّزه، وله النّظم والنّثر البديع الرّائق، فمن شعره:
[الطويل]
تضاحكني ليلى فأحسب ثغرها … سنا البرق لكن أين منه سنا البرق
وأخفت نجوم الصّبح حين تبسّمت … فقمت بفرعيها أشد على الشّرق
وقلت سواء جنح ليل وشعرها … ولم أدر أنّ الصّبح من جهة الفرق
علاء الدّين عليّ بن يحيى بن فضل اللّه العمري (١).
استقلّ بوظيفة كتابة السّرّ قبل موت أبيه محيي الدّين، وخلع عليه يوم الاثنين رابع شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وله من العمر أربع وعشرون سنة. فخرج وفي خدمته الصّاحب والدّوادار، وتقدّم أمر السّلطان للموقّعين بامتثال ما يأمرهم به عن السّلطان، فشقّ ذلك على أخيه شهاب الدّين وحسده، وربّما قيل إنه سمّه، فكان يعتريه دم منه إلى أن مات.
стр. 1803
ثم إنّه كتب قصّة يسأل فيها السّفر إلى الشّام، وشكا كثرة التّكلفة - وكان قبل ذلك جرى ذكره في مجلس السّلطان، فذمّه وتهدّده - فعند ما قرئت عليه قصّته تحرّك ما كان ساكنا من غضبه، ورسم بإيقاع الحوطة عليه. فحمل من داره إلى قاعة الصّاحب من قلعة الجبل في رابع عشرين شعبان سنة تسع وثلاثين، وخرج إليه الأمير طاجار الدّوادار، وأمر به فعرّي من ثيابه ليضرب بالمقارع، فرفق به ولم يضربه، واستكتبه خطّه بحمل عشرة آلاف. فأحيط بداره، وأخرج سائر ما وجد له وبيع عليه، وأرسل مملوكه إلى بلاد الشّام، فباع كلّ ما له فيها، واقترض خمسين ألف درهم حتى حمل من ذلك كلّه مائة وأربعين ألف درهم، عنها سبعة آلاف دينار.
فسكن أمره وخفّ الطّلب عنه، وأقام إلى ثالث عشر ربيع الآخر سنة أربعين مدّة سبعة أشهر وثمانية عشر يوما ففرّج اللّه عنه بأمر عجيب. وهو أنّه لمّا كان يباشر عن أبيه، وقّع شخص من الكتّاب بشيء زوّره (¬a)، فرسم السّلطان بقطع يده، (¬b)) فلم يزل شهاب الدّين يتلطّف في أمره حتى عفا السّلطان عنه من قطع يده (¬b) وأمر به فسجن طول هذه السّنين إلى أن قدّر اللّه سبحانه أنّه رفع قصّة يسأل فيها العفو عنه. فلمّا قرئت على السّلطان لم يعرفه، فسأل عن خبره وشأنه، فقيل له لا يعرف خبر هذا إلاّ شهاب الدّين بن فضل اللّه، فبعث إليه بقاعة الصّاحب يستخبره عنه، فطالعه بقصّته وما كان منه، فألان اللّه له قلب السّلطان، ورسم بالإفراج عن الرّجل وعن شهاب الدّين وعن مملوكه، ففرّج اللّه عن الثلاثة.
ونزل شهاب الدّين إلى داره، وأقام إلى أن قبض السّلطان على الأمير تنكز نائب الشّام، فاستدعى شهاب الدّين إلى حضرته وحلّفه، وولاّه كتابة السّرّ بدمشق عوضا عن شرف الدّين خالد بن عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه بن محمد بن خالد ابن نصر المخزومي المعروف بابن القيسراني، فباشرها حتى مات بدمشق. وانفرد أخوه علاء الدّين بكتابة السّرّ إلى أن مات ليلة الجمعة التاسع والعشرين من شهر رمضان، سنة تسع وستين وسبع مائة، بمنزله من القاهرة عن سبع وخمسين سنة، وترك ستّة بنين وأربع بنات.
стр. 1804
بدر الدّين محمّد بن عليّ بن يحيى بن فضل اللّه (١)،
ولاّه الملك الأشرف شعبان بن حسين كتابة السّرّ، وأبوه في مرض موته، يوم الخميس ثامن عشرين شهر رمضان سنة تسع وستين وسبع مائة، وله من العمر تسع عشرة سنة، وجعل أخاه عزّ الدّين حمزة نائبا عنه (¬a) فباشر إلى شوّال سنة أربع وثمانين وسبع مائة. فصرف بأوحد الدّين عبد الواحد/ بن إسماعيل بن ياسين (٢)، ولزم داره فلم يره أحد ألبتّة إلى أن مات أوحد الدّين، فنزل إليه الأمير يونس الدّوادار واستدعاه، فركب بثياب جلوسه من غير خفّ ولا فرجيّة ولا شاش، وصعد إلى القلعة، فخلع عليه في اليوم الرّابع من ذي الحجّة سنة ستّ وثمانين.
فلمّا ثار الأمير يلبغا النّاصريّ على الملك الظّاهر وخلعه من الملك، وأقام الملك الصّالح حاجي ابن الأشرف شعبان بن حسين ولقّبه بالملك المنصور، ثم خرج الملك الظّاهر برقوق من محبسه بالكرك، وسار إلى محاربته (¬b) الأمير تمربغا منطاش (٣) ومعه المنصور حاجي، خرج (¬c) ابن فضل اللّه.
فلمّا انهزم منطاش على شقحب، واستولى برقوق على المنصور والخليفة والقضاة والخزائن، كان (¬d) ابن فضل اللّه وأخوه عزّ الدّين في من فرّ مع منطاش إلى دمشق، فأقام بها، واستولى برقوق على تخت الملك بقلعة الجبل، فولّى علاء الدّين عليّ بن عيسى الكركي كتابة السّرّ.
وأخذ ابن فضل اللّه يتحيّل في الخروج من دمشق، وسيّر إلى السّلطان مطالعة فيها من شعره:
[البسيط]
يقبّل الأرض عبد بعد خدمتكم … قد مسّه ضرر ما مثله ضرر
حصر وحبس وترسيم أقام به … وفرقة الأهل والأولاد والفكر
стр. 1805
لكنّه والورى مستبشرون بكم … يرجو بم فرجا يأتي وينتظر
والشّغل يقضى لأنّ النّاس قد ندموا … إذ عاينوا الجور من منطاش ينتشر
جوّزوا كما فرّطوا في حقّكم ورأوا … ظلما عظيما به الأكباد تنفطر
واللّه إن جاءهم من بابكم أحد … قاموا له معكم بالرّوح وانتصروا
اللّه ينصركم طول المدى أبدا … يا من زمانهم من دهرنا غرر
قدم إلى القاهرة ومعه أخوه عزّ الدّين حمزة، وجمال الدّين محمود القيصري ناظر الجيش، وتاج الدّين عبد الرّحيم بن أبي شاكر، وشمس الدّين محمد بن الصّاحب. فما زال في داره إلى أن سافر الملك الظّاهر إلى بلاد الشّام في سنة ثلاث وتسعين. فتقدّم أمره إليه بالمسير مع العسكر فسار بطّالا، وقدّر اللّه تعالى ضعف علاء الدّين الكركي، فولاّه كتابة السّرّ، وصرف الكركي في شوّال.
وكانت هذه ولاية ثالثة، فباشر وتمكّن هذه المرّة من سلطانه تمكّنا زائدا، إلى أن سافر السّلطان إلى البلاد الشّامية في سنة ستّ وتسعين، فمات بدمشق يوم الثلاثاء لعشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وسبع مائة، ودفن بتربتهم بسفح قاسيون، ومات أخوه حمزة أيضا بدمشق في أوائل المحرّم سنة سبع وتسعين وسبع مائة، ودفن بها.
وانقطع بموتهما هذا البيت، فلم يبق من بعدهما إلاّ كما قال اللّه سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا اَلصَّلاةَ وَاِتَّبَعُوا اَلشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [الآية ٥٩ سورة مريم].
ومن شعر البدر محمد بن فضل اللّه ما كتبه عنوانا لكتاب الملك الظّاهر برقوق، جوابا عن كتاب تيمورلنك الوارد إلى مصر فى سنة ستّ وتسعين وسبع مائة، وعنوانه:
[الطويل]
سلام وإهداء السّلام من البعد … دليل على حفظ المودّة والعهد
فافتتح البدر العنوان بقوله:
[الطويل]
طويل حياة المرء كاليوم في العدّ … فخيّرته ألاّ يزيد على العدّ
فلا بدّ من نقص لكلّ زيادة … لأنّ شديد البطش يقتصّ للعبد
وكتب فيه من شعره أيضا جوابا عن كثرة تهديد تيمور لنك وافتخاره:
[البسيط]
السّيف والرّمح والنّشّاب قد علمت … منّا الحروب فسلها فهى تنبيكا
إذا التقينا تجد هذا مشاهدة … في الحرب فاثبت فأمر اللّه آتيكا
стр. 1806
بخدمة الحرمين اللّه شرّفنا … فضلا وملّكنا الأمصار تمليكا
وبالجميل وحلو النّصر عوّدنا … خذ التّواريخ واقرأها فتنبيكا
والأنبياء لنا الرّكن الشّديد وكم … بجاههم من عدوّ راح مفلوكا
ومن يكن ربّه الفتّاح ناصره … ممّن يخاف وهذا القول يكفيكا
وقال:
[الطويل]
إذا المرء لم يعرف قبيح خطيئته (¬a) … ولا الذّنب منه مع عظيم بلّيته
فذلك عين الجهل منه مع الخطأ … وسوف يرى عقباه عند منيّته
وليس يجازى المرء إلاّ بفعله … وما يرجع الصّيّاد إلاّ بنيّته
/ وهذه الدّار كانت موجودة قبل بني فضل اللّه، وتعرف بدار بيبرس، فعمّر فيها محيي الدّين وابنه علاء الدّين، وكانت من أبهج دور القاهرة وأعظمها. وما زالت بيد أولاد بدر الدّين وأخيه عزّ الدّين حمزة، إلى أن تغلّب الأمير جمال الدّين على أموال الخلق. فأخذ ابن أخيه الأمير شهاب الدّين أحمد الحاجب - المعروف بسيدي أحمد - ابن أخت جمال الدّين دار بني فضل اللّه منهم، كما أخذ خاله دور النّاس وأوقافهم، وعوّض أولاد ابن فضل اللّه عنها، وغيّر كثيرا من معالمها.
وشرط (¬b) في الازدياد من العمارة اقتداء بخاله، فأخذ دورا كانت بجوار مستوقد حمّام ابن عبّود المقابلة لدار ابن فضل اللّه، واغتصب لها الرّخام والأحجار والأخشاب، وهدم عدّة دور وكثيرا من التّرب بالقرافة - منها تربة الشّيخ عزّ الدين بن عبد السّلام، وكانت عجيبة البناء - وأدخل ذلك في عمارته المذكورة، ووسّع فيها من جهة البندقانيين ما كان خرابا منذ الحريق الذي تقدّم ذكره (١)، وأنشأ من هناك حوض ماء تشرب منه الدّواب.
فلمّا قارب إكمالها، قبض الملك النّاصر فرج على خاله جمال الدّين يوسف الأستادّار (¬c) وقتله، وكان أحمد هذا ممّن قبض عليه معه. فوضع الأمير تغري بردي - وهو يومئذ أجلّ أمراء النّاصر - يده على هذه الدّار، وما رضي بأخذها حتى طلب كتابها، فإذا به قد تضمّن أنّ أحمد
стр. 1807
وقف (¬a) هذه الدّار، فما زال (¬b) بقضاة العصر حتى حكموا له بهذه الدّار، وجعلوها له بطريق من طرقهم، فأقام فيها حتى أخرجه النّاصر لنيابة دمشق في سنة ثلاث عشرة وثمان مائة (¬c)، فنزل بها الأمير دمرداش (١). فلمّا قتل النّاصر وقام من بعده الملك المؤيّد شيخ وقبض على الأمير دمرداش، ثارت ابنة جمال الدّين - وهي امرأة أحمد المذكور ولها منه أولاد - وأرادت استرجاع الدّار كما فعلت في مدرسة أبيها، وكان لها ولورثة تغري بردي شئون (¬d)، واستقرّت لبني تغري بردي (٢).
دار بيبرس
هذه الدّار فيما بين دار ابن فضل اللّه والسّبع قاعات، في ظهر حارة زويلة وقريبة من سويقة المسعودي، تشبه أن تكون من جملة إسطبل الجمّيزة. كانت دار الشّريف بن ثعلب صاحب المدرسة الشّريفية برأس حارة الجوذريّة. ثم عرفت (¬e)) بالأمير ركن الدّين أباجي (٣)، ثم عرفت (¬e) بالأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير، فإنّه كان يسكنها وهو أمير قبل أن يلي السّلطنة، وجدّد رخامها من الرّخام الذي دلّه عليه الأمير ناصر الدّين محمد بن الأمير بدر الدّين بكتاش الفخري أمير سلاح، بالقصر الذي عرف بقصر أمير سلاح من جملة قصر الخلفاء كما سيأتي خبر ذلك عند ذكر الخانقاه الرّكنية بيبرس، فإنّ بيبرس هذا هو الذي أنشأها (٤).
стр. 1808
ولم تزل إلى أن هدمها ناصر الدّين محمد بن البارزي الحموي كاتب السّرّ بعد ما اشتراها نقضا، كما اشترى غيرها من الأوقاف وذلك في سنة إحدى وعشرين وثمان مائة.
السّبع قاعات
هذه الدّار عرفت بالسّبع قاعات، وهي يتوصّل إليها من جوار دار بيبرس المذكورة ومن سويقة الصّاحب، وقد صارت عدّة مساكن جليلة، ومكانها من جملة إسطبل الجمّيزة. أنشأها الوزير الصّاحب علم الدّين بن زنبور، ووقفها من جملة ما وقف. فلمّا قبض عليه قام (¬a) الأمير صرغتمش في (¬a) حلّ أوقافه، ووعد بالسّبع قاعات خوند قطلوملك (¬b) ابنة الأمير تنكز الحسامي نائب الشّام، أمّ السّلطان الملك الصّالح صالح بن النّاصر محمد بن قلاوون.
ولقّنه الشّريفان شرف الدّين عليّ بن حسين بن محمد نقيب الأشراف وأبو العبّاس الصّفراوي: أنّ النّاصر لمّا قبض على كريم الدّين الكبير، بعث إلى كريم الدّين من شهد عليه أنّ جميع ما صار بيده من الأملاك - وقفها وطلقها - إنّما هو من مال السّلطان دون ماله، وشهد بذلك عند قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة، فأثبت بهذه الشّهادة أنّ أملاك كريم الدّين جارية في أملاك السّلطان فأقرّ السّلطان ما وقفه كريم الدّين منها على حاله، وسمّاه «الوقف النّاصريّ».
فلمّا جلس السّلطان الملك الصّالح بدار العدل، وحضر قاضي القضاة والأمراء وغيرهم من أهل الدّولة على العادة، تكلّم الأمير صرغتمش مع قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز بن بدر الدّين محمد بن جماعة في حلّ أوقاف ابن زنبور، فإنها ملك السّلطان ومن ماله اشتراها، وذكر قضيّة كريم الدّين. فأجابه بأنّ تلك القضيّة كانت صحّتها مشهورة، وذلك أنّ خزائن السّلطان وحواصله وأمواله كلّها كانت بيد كريم الدّين وفي داره يتصرّف فيها على ما يختار كما (¬c) جعل له السّلطان بتوكيله والإذن له في التّصرّف. بخلاف ابن زنبور فإنّه كان يتصرّف في ماله الذي اكتسبه من المتجر وغيره، فما وقفه وثبت وقفه وحكم قضاة الإسلام بصحّته، لا سبيل إلى حلّه، وساعده في ذلك قاضي القضاة (¬d) موفّق الدّين عبد اللّه الحنبلي. وتردّد الكلام بينهما في ذلك، فاحتجّ عليهما الأمير صرغتمش بما لقّنه الشّريفان من مشاطرة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي اللّه تعالى عنه - عمّاله، وأخذه من كلّ عامل نصف ماله، وأنّ مال الوزير جميعه من مال
стр. 1809
السّلطان. فقال له ابن جماعة: يا أمير إن كنت تبحث معنا في هذه المسألة بحثنا معك، وإن كان أحد قد ذكرها لك فليحضر حتى نباحثه (¬a) فيها، فإنّ الذي ذكر لك هذه المسألة إنّما قصد أن تصادر النّاس وتأخذ أموالهم، فوافقه رفقته الثّلاث قضاة على قوله. وأراد ابن جماعة بقوله هذا التّعريض بالشّريفين -/ وكان اختصاصهما بالأمير صرغتمش وقيامهما على ابن زنبور مشهورا - فشقّ هذا على الأمير صرغتمش، وانفضّ المجلس وقد اشتدّ حنقه لما ردّ عليه من كلامه، وعورض فيه من مراده.
فبعثت خوند أمّ السّلطان إلى ابن جماعة تعرّفه ما وعدت به من مصير السّبع قاعات إليها، وأكّدت عليه في ألاّ يعارضها في حلّ أوقاف ابن زنبور. فأجابها بتقبيح هذا، وخوّفها سوء عاقبته، فكفّت عنه.
ولقوّة غيظ الأمير صرغتمش مرض مرضا شديدا من انفتاح صدره، ونفثه الدّم حتى خيف عليه الموت، ثم عوفي بعد ذلك بأيام، وذلك كلّه في سنة أربع وخمسين وسبع مائة.
واستمرّت السّبع قاعات وقفا بيد ذرّية ابن زنبور إلى يومنا (¬b)، إلاّ أنّ الأمير صرغتمش المذكور أخذ رخامها، ووجد فيها شيئا كثيرا من صيني ونحاس وقماش وغير ذلك قد أخفي في زواياها.
علم الدّين عبد اللّه بن تاج الدّين أحمد بن إبراهيم المعروف بابن زنبور (١)، أوّل ما باشر استيفاء الوجه القبلي شريكا لوهبة بن شجرة (¬c)، وطلع صحبته الأمير علم الدّين عبد الرّزّاق كاشف الوجه القبلي (٢) ونهض فيه. فلمّا كانت مصادرة ابن الجيعان كاتب الإسطبل، طلب السّلطان سائر الكتّاب - وكان منهم ابن زنبور - فعرضهم ليختار منهم، فشكر الفخر ناظر الجيش فيه (¬d)، وقال:
هو ولد تاج الدّين رفيقه، وشكره الأكوز.
стр. 1810
فلمّا انفضّ المجلس طلبه السّلطان (¬a) وخلع عليه، فباشر نظر الإسطبل في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، ونال فيه سعادة طائلة، واستمرّ إلى أن مات السّلطان الملك النّاصر محمد، وحكم الأمير أيدغمش، فباشر استيفاء الصّحبة (١).
فلمّا قبض على جمال الكفاة ناظر الخاصّ وناظر الجيش (٢)، وعلى الموفّق ناظر الدّولة، وعلى الصّفيّ ناظر البيوت - المعروف بكاتب قوصون - في سنة خمس وأربعين وسبع مائة، ومات جمال الكفاة في العقوبة يوم الأحد سادس شهر ربيع الأوّل، عيّن ابن زنبور لوظيفة ناظر الخاصّ، ثم قرّر فيها القاضي موفّق الدّين هبة اللّه إبراهيم ناظر الدّولة.
وكان ابن زنبور وهو مستوفى الصّحبة، قد سيّره جمال الكفاة قبل القبض عليه لكشف القلاع الشّاميّة، ومعه جر كتمر (¬b) الصّاحب (٣) إبعادا له، وكان الأمير أرغون العلائي يعنى به. فلمّا قبض على جمال الكفاة، تحدّث له العلائي مع السّلطان الملك الصّالح إسماعيل بن محمد ابن قلاوون في نظر الخاصّ، فبعث في طلبه، ثم لم يحضر إلاّ بعد شهر، فتحدّث الوزير نجم الدّين محمود بن عليّ - المعروف بوزير بغداد (٤) - مع السّلطان في ولاية الموفّق نظر الخاصّ، فخلع عليه.
وحضر ابن زنبور من الشّام، فباشر نظر الدّولة علم الدّين بن سهلوك، وابن زنبور على ما هي عادته في استيفاء الصّحبة، ونهض في المباشرة، وحصّل الأموال، ودخل هو والوزير نجم الدّين، وشكيا توقّف الدّولة من كثرة الإنعامات والإطلاقات للخدّام (¬c) والجواري ومن يلوذ بهم. فتقرّر
стр. 1811
الحال مع الأمراء على كتابة أوراق بكلف (¬a) الدّولة، فلمّا قرئت بمحضر الأمراء، بلغت الكلف ثلاثين ألف ألف درهم، والمتحصّل خمسة عشر ألف (¬b) ألف درهم. فأبطل ما استجدّ بعد موت الملك النّاصر بأسره، فلم يستمرّ غير شهر واحد حتى عاد الأمر على ما كان عليه، بحيث بلغ مصروف الحوائج خاناه في كلّ يوم اثنين وعشرين ألف درهم، بعد ما كانت في أيّام النّاصر محمد ثلاثة عشر ألف درهم.
فلمّا مات الملك الصّالح إسماعيل، وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك الكامل سيف الدّين شعبان بن محمد، صرف الموفّق عن نظر الخاصّ، ونقل ابن زنبور إليها (¬c) من استيفاء الصّحبة، واستقرّ فخر الدّين السّعيد في استيفاء الصّحبة، وذلك في ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبع مائة. فباشر ذلك إلى أخريات رجب نيّفا وثمانين يوما. فولّى الملك الكامل نظر الخاصّ لفخر الدّين ابن السّعيد مستوفى الدّولة، وأعاد ابن زنبور من نظر الخاصّ إلى استيفاء الدّولة.
فلمّا كان في المحرّم سنة سبع وأربعين، أعيد نجم الدّين وزير بغداد إلى الوزارة، وقرّر ابن زنبور في نظر الدّولة، فاستمرّ إلى أن قتل الكامل شعبان، وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك المظفّر حاجي في مستهلّ جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين، فطلب ابن زنبور، وأعيد إلى نظر الخاصّ، وقبض على فخر الدّين بن السّعيد وطولب بالحمل، وأضيف إليه نظر الجيش، فباشر ذلك إلى سنة إحدى وخمسين، فأضيف إليه الوزارة في يوم الخميس سابع عشرين ذي القعدة، وخلع عليه، وكان له يوم عظيم جدّا.
فلمّا كان يوم السبت، جلس بشبّاك قاعة الصّاحب من القلعة في دست الوزارة، واستدعى جميع المباشرين، وطلب المقدّم ابن يوسف، وشدّ وسطه على ما كان عليه، وطلب المعاملين وسلفهم على اللّحم وغيره، واستكتب المباشرين أنّه لم يكن في بيت المال ولا الأهراء من الدّراهم والغلال شيء ألبتّة، ودخل بها وقرأها على السّلطان والأمراء. وشرع في عرض لأرباب (¬a) الوظائف كلّهم، وطلب حساب الأقاليم بأسرها، وولّى صهره فخر الدّين ماجد قروينة (¬d) (١) نظر
стр. 1812
البيوت، وأنفق جامكيّة شهر، وحمل الرّواتب إلى الدّور السّلطانية، والأسمطة من السكر والزّيت والقلوبات وغير ذلك، وأقام بكتمر المؤمني في وظيفة شدّ الدّواوين، وألزم نفسه في المجلس السّلطاني بحضرة الأمراء أنّه يباشر الوزارة بغير معلوم، وقرّر/ ابنه في ديوان المماليك والتزم أنّه لا يتناول معلوما بل يوفّر المعلومين للسّلطان.
وأبطل رمي الشّعير والبرسيم من بلاد مصر - وكان يحصل برميهما ضرر كبير، فإنّ ذلك كان يجبى (¬a) من سائر البلاد، فيغرم على كل أردبّ أكثر من ثمنه - والتزم بتكفية بيت السّلطان (¬b) من الشّعير والبرسيم بغير ذلك، فبطل على يديه، وكتب به مرسوم، وكتب نقشا على حجر في جانب باب القلّة من قلعة الجبل (١)، وأمر بقياس أراضي الجيزة، فجاء زيادتها عن الارتفاع الذي مضى ثلاث مائة ألف درهم، وعنها خمسة عشر ألف دينار.
فلم يزل إلى سابع عشرين شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة، فأحيط به وقبض عليه حسدا له على ما صار إليه ممّا لم (¬c) يجتمع لغيره في الدّولة التركية. وتولّى القيام عليه الأمير صرغتمش لأنّه علم أنّه من جهة الأمير شيخو، ويقوم له بجميع ما يختاره، وأعانه عليه الأمير طاز. وما زال يدأب في ذلك إلى أن عاد السّلطان الملك الصّالح من دمشق في يوم الاثنين خامس عشرين شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة إلى قلعة الجبل، وعمل يوم الخميس سماطا مهمّا في القلعة، ولمّا انفضّ السّماط، خلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء، وعلى الوزير وسائر المباشرين. فاتّفق - لما قدّره اللّه تعالى - أنّه حضر إلى الأمير صرغتمش - وهو يومئذ رأس نوبة عشرة - تشريف غير تشريفه ودون رتبته، فأخذه ودخل إلى الأمير شيخو، وألقى البقجة قدّامه، وقال: انظر فعل الوزير معي، وكشف الخلعة. فقال شيخو:
هذا غلط.
فقام وقد أخذه من الغضب شبه الجنون، وقال: هذا شغل الوزير، وأنا ما أصبر على أن أهان لهذا الحدّ، ولا بدّ لي من القبض عليه، ومهما شئت أنت افعل بي. وخرج فإذا الوزير داخل لشيخو وعليه خلعة، فصاح في مماليكه: خذوه. فكشفوا الخلعة عنه وسحبوه إلى بيت
стр. 1813
صرغتمش، وسرّح مماليكه في القبض على جميع حاشية الوزير، فقبض على سائر من يلوذ به لأنّهم كانوا قد اجتمعوا بالقلعة.
وخالطت العامّة المماليك في القبض على الكتّاب، وأخذوا منهم في ذلك اليوم شيئا كثيرا.
حتى إنّ بعض الغلمان صار إليه في ذلك اليوم ستّ عشرة دواة من دوى الكتّاب، فلم يمكّن منها أربابها إلاّ بمال يأخذه على كلّ دواة ما بين عشرين إلى خمسين درهما. وأمّا ما سلبوه من العمائم والثّياب والمهاميز الفضّة فشيء كثير.
وخرج الأمير قشتمر الحاجب وغيره في جماعة إلى دوره التي بالمصّوصة (¬a) من مصر، فأوقعوا الحوطة على حريمه وأولاده، وختموا سائر بيوته وبيوت حواشيه - وكانوا قد اجتمعوا وتزيّنوا لقدوم رجالهم من السّفر - وأنزل الوزير في مكان مظلم من بيت صرغتمش. فلمّا أصبح طلب ولد الوزير، وصار به صرغتمش إلى بيت أبيه، وأحضر أمّه ليعاقبه وهي تنظره حتى يدلّوه على المال. ففتحوا له خزانة وجد فيها خمسة عشر ألف دينار وخمسين ألف درهم فضّة، وأخرج من بئر صندوق فيه ستة آلاف دينار وشيء من المصاغ (¬b)، وحضرت أحماله من السّفر، فوجد فيها ستة آلاف دينار ومائة وخمسون ألف درهم فضّة، وغير ذلك من تحف وثياب وأصناف.
وألزم والي مصر بإحضار بناته، فنودي عليهن في مصر والقاهرة، وهجمت عدّة دور بسببهن. ونال النّاس من نكاية أعدائهم في هذه الكائنة كلّ غرض، فإنّه كان الرجل يتوجّه إلى أحد من جهة صرغتمش، ويرمي عدوّه بأنّ عنده بعض حواشي ابن زنبور، فيؤخذ بمجرّد التّهمة. ولقي النّاس من ذلك بلاء عطيما.
ثم حمل إلى داره وعرّي ليضرب؛ فدلّ على مكان استخرج منه نحو من خمسة وستين ألف دينار، فضرب بعد ذلك، وعصرت (¬c) زوجته، وضرب ولده فوجد له شيء كثير إلى الغاية.
قال الصّفديّ خليل بن أبيك، الملقّب صلاح الدّين، في كتاب «أعيان العصر»: وأمّا ما أخذ منه في المصادرة في حال حياته، فنقلت من خطّ الشّيخ بدر الدّين الحمصي من (¬d) ورقة بخطّه، على ما أملاه القاضي شمس الدّين محمد البهنسي:
стр. 1814
«أواني ذهب وفضّة ستون قنطارا، جوهر ستون رطلا، لؤلؤ أردبّان، ذهب مصكوك مائتا ألف وأربعة آلاف دينار ضمن صندوق، ستة آلاف حياصة ضمن صناديق زركش ستة آلاف كلّوتة، ذخائر عدّة، قماش بدنة ألفان وستّ مائة فرجيّة، بسط ستّة (¬a) آلاف، صنجة، دراهم خمسون ألف درهم، شاشات ثلاث مائة شاش، دواب عاملة سبعة آلاف، حلاّبة ستة آلاف، خيل وبغال ألف، دراهم ثلاثة أرادبّ، معاصر سكّر خمس وعشرون معصرة، إقطاعات سبع مائة كلّ إقطاع خمسة وعشرون ألف درهم، عبيد مائة، خدّام ستون، جواري سبع مائة، أملاك القيمة عنها ثلاث مائة دينار، مراكب سبع مائة، رخام القيمة عنه مائتا ألف درهم، نحاس قيمته أربعة آلاف دينار، سروج وبدلات خمس مائة، مخازن ومتاجر أربع مائة ألف دينار، نطوع سبعة آلاف، دواب خمس مائة، بساتين مائتان، سواقي ألف وأربع مائة» (١).
وكان - في وقت القبض عليه - أشدّ النّاس قياما في إفساد صورته الشّريف شرف الدّين عليّ ابن الحسين نقيب الأشراف، والشّريف أبو العبّاس الصّفراوي، وبدر الدّين ناظر/ الخاصّ، وأمين الدّين الصّوّاف أستادّار الأمير صرغتمش.
فأوّل ما فتحوه من أبواب المكائد أن حسّنوا لصرغتمش أن يأمره بالإشهاد عليه، أنّ جميع ما له من الأملاك والبساتين والأراضي الوقف والطّلق، جميعها من مال السّلطان دون ماله، فصيّر إليه ابن الصّدر عمر وشهود الخزانة، فأشهد عليه بذلك.
ثم كتبوا فتيا في رجل يدّعى الإسلام ويوجد في بيته كنيسة وصلبان وشخوص من تصاوير النّصارى ولحم الخنزير، وزوجته نصرانية، وقد رضي لها بالكفر وكذلك بناته وجواريه، وأنّه لا يصلّي ولا يصوم ونحو ذلك. وبالغوا في تحسين قتله حتى قالوا لصرغتمش: واللّه لو فتحت
стр. 1815
جزيرة قبرص، ما كتب لك أجر من اللّه بقدر ما يؤجرك اللّه على ما فعلته مع هذا.
فأخرج في بائنة (¬a) وزنجير، وضرب في رحبة قاعة الصّاحب من القلعة بالمقارع، وتوالت عقوبته، وأسلم لشادّ الدّواوين ليعاقبه حتى يموت. فقام الأمير شيخو في أمره، فردّه صرغتمش إلى داره وأكرمه، وأقام عنده إلى سابع عشرين المحرّم سنة أربع وخمسين، فأخرجه من داره، وتسلّمه شادّ الدّواوين، وعاقبه عقوبة الموت في قاعة الصّاحب. فاتّفق ركوب الأمير شيخو من داره إلى القلعة وابن زنبور يعاقب، فغضب من ذلك ووقف ومنع من ضربه، وبلغ الخبر صرغتمش فصعد إلى القلعة، وجرى له مع شيخو عدّة مفاوضات كادت تفضى إلى فتنة، وآل الأمر فيها إلى تسفير ابن زنبور إلى قوص، فأخرج من ليلته؛ وكانت مدّة شدّته ثلاثة أشهر. وأقام بمدينة قوص إلى أن عرض له مرض أقام به أحد عشر يوما، ومات يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبع مائة. وله بالقاهرة السّبيل الذي على يسرة من دخل من باب زويلة بجوار خزانة شمائل (١)، وقد دخل في الجامع المؤيّدي.
دار الدّواداري
هذه الدّار فيما بين حارة زويلة وإسطبل الجمّيزة، وهي اليوم من جملة خطّ السّبع قاعات عرفت (¬b).
دار فتح اللّه
هذه الدّار اليوم بخطّ سويقة المسعودي، كان موضعها زقاقا يعرف بزقاق البنّادة، وفيه باب قاعة أنشأها سعد الدّين إبراهيم بن عبد الوهّاب بن النّجيب أبي الفضائل الميموني، أحد مباشري ديوان الجيش (٢). وهي قاعة في غاية الملاحة من جودة رخام وكثرة دهان وحسن ترتيب.
стр. 1816
ومات الميموني في ثاني ذي الحجّة سنة خمس وتسعين وسبع مائة، فسكنها فتح اللّه ابن معتصم وهو يومئذ رئيس الأطبّاء. فلمّا ولي كتابة السّرّ شره إلى العمارة، فأخذ ما في الزّقاق المذكور من الدّور شيئا بعد شيء، وأخرج منها سكّانها وهدمها، وابتنى قاعة تجاه قاعة الميموني، وجعل فيها بئرا وفسقيّة ماء، وبنى بها حمّاما، ثم أنشأ إسطبلا كبيرا لخيوله. ولم يقنع بذلك حتى حمل القضاة على الحكم له باستبدال دار الميموني - وكانت وقفا على أولاد الميموني، ومن بعدهم على الحرمين - فعمل له طرق في جواز الاستبدال (١) بها، على ما صار القضاة يعتمدونه منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة. فلمّا تمّ حكم القضاة له بتملّكها غيّر بابها وزاد في سعتها، وأضاف إليها عدّة مواضع ممّا كان بجوارها، وغرس في جانبها عدّة أشجار، وزرع كثيرا من الأزهار التي حملت إليه من بلاد الشّام، وبالغ في تحسين رخام هذه الدّار.
وأنشأ دهّيشة (٢) كيّسة إلى الغاية بوسطها فسقيّة ماء ينخرط إليها من شاذروان (٣) عجيب الصّنعة بهج الزّيّ، وتشرف هذه الدّهيشة على الجنينة التي أبدع فيها كلّ الإبداع. وركّب علوّ هذه القاعات (¬a) الأروقة العظيمة، وبنى بجوارها عدّة مساكن لمماليكه، ومسجدا معلّقا كان يصلّي فيه
стр. 1817
وراء إمام راتب قرّره له بمعلوم جار. فجاءت هذه الدّار من أجلّ دور القاهرة وأبهجها.
ووقف ذلك كلّه مع أشياء غيرها على تربته التي أنشأها خارج باب البرقيّة، وعلى عدّة جهات من البرّ. فلمّا نكب أكره حتى رجع عن وقف هذه الدّار على ما عيّنه في كتاب وقفه، وجعلها وقفا على أولاد السّلطان الملك المؤيّد شيخ، فلمّا مات المؤيّد عادت (¬a) إلى وقف فتح اللّه (١).
فتح اللّه بن مستعصم (¬b)
بن نفيس الإسرائيلي الدّاودي العتابي التّبريزي رئيس الأطبّاء وكاتب السّرّ (٢) - ولد بتبريز في سنة تسع وخمسين وسبع مائة. وكان قد قدم جدّه نفيس إلى القاهرة في سنة أربع وخمسين، فأسلم وعظم بين النّاس. ثم قدم فتح اللّه مع أبيه، فنشأ بالقاهرة في كفالة عمّه، ونظر في الطّبّ، وعاشر الفقهاء، واتّصل بصحبة بعض الأمراء، فعرف منه أحد مماليكه وكان يسمّى بشيخ، فلمّا تأمّر شيخ قرّبه وأنكحه أمة، وفوّض إليه أمر ديوانه.
стр. 1818
ثم مات عمّه بديع بن نفيس، فأقرّه الملك الظّاهر برقوق مكانه في رئاسة الأطبّاء، فباشرها مباشرة مشكورة، واختصّ بالملك الظّاهر برقوق اختصاصا كبيرا، فلمّا مات بدر الدّين محمود الكلستاني (¬a) (١) قلّده وظيفة كتابة السّرّ، وخلع عليه في يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة إحدى وثمان مائة، ومات الظّاهر، وقد جعله أحد أوصيائه. فما زال إلى أوائل ربيع الأوّل سنة ثمان وثمان مائة، فقبض عليه، واستقرّ بدله في كتابة السّرّ سعد الدّين إبراهيم [بن عبد الرزّاق] (¬b) ابن غراب (٢)، وضرب حتى حمل مالا، ثم أفرج عنه، فلزم داره/ إلى شهر رمضان، فحمل إلى دار الوزير فخر الدّين ماجد [بن عبد الرزّاق] (¬b) بن غراب (٣)، وألزم بمال آخر فحمله وأطلق.
فقام الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار في أمره، وما زال بالملك النّاصر فرج إلى أن أعاده إلى كتابة السّرّ في أوائل ذي الحجّة؛ فاستقرّ فيها وتمكّن من أعدائه، وأراه اللّه مصارعهم، واتّسعت أحواله، وانفرد بسلطانه وأنيط به جلّ الأمور. فأصبح عظيم المصر، نافذ الأمر، قائما بتدبير الدّولة، لا يجد أحد من عظماء الدّولة بدّا من حسن سفارته، وأبدى للنّاس دينا وخيرا وتواضعا وحسن وساطة بين النّاس وبين السّلطان.
فلمّا كان من أمر النّاصر وهزيمته على اللّجّون (٤) ما كان، وقع فتح اللّه مع الخليفة المستعين باللّه العبّاسي بن محمد المتوكّل على اللّه وعدّة من كتّاب الدّولة، في قبضة الأمير ابن شيخ ونوروز، وما زال عندها حتى قتل النّاصر، وأقيم من بعده أمير المؤمنين المستعين باللّه، وهو على حاله من نفوذ الكلمة وتدبير الأمور.
стр. 1819
فلمّا استبدّ الأمير شيخ بمملكة الدّيار المصرية، واعتقل الخليفة وتلقّب بالملك المؤيّد شيخ في شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة، أقرّ فتح اللّه على رتبته. ثم قبض عليه يوم الخميس تاسع شوّال وعوقب غير مرّة، وأحيط بجميع أمواله وأسبابه وحواشيه، وبيع عليه بعض ما وجد له، وحمل ما تحصّل منه فبلغ ما ينيف عن أربعين ألف دينار سوى ما أخذ ممّا لم يبع وهو ما يتجاوز (¬a) ذلك.
وما زال في العقوبة إلى أن خنق في ليلة الأحد خامس عشر شهر ربيع سنة ستّ عشرة وثمان مائة، وحمل من الغد إلى تربته [خارج باب المحروق] (¬b) فدفن بها.
وكان ﵀ من خير أهل زمانه رياضة وديانة، وطيب مقال وتألّه وتنسّك، ومحبّة لسنّة رسول اللّه ﷺ ، وحسن قيام مع السّلطان في أمر النّاس، وبه كفى اللّه عن النّاس من شرّ النّاصر فرج شيئا كثيرا. وقد ذكرته بأبسط من هذا في كتابي «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة» وفي كتابي «خلاصة التّبر في أخبار كتّاب السّرّ» (١).
دار ابن قرقة
هذه الدّار من الدّور القديمة، وهي بخطّ سويقة المسعودي إلى خطّ بين السّورين، وقد تغيّرت معالمها.
قال ابن عبد الظّاهر: دار ابن قرقة هي الآن سكن الأمير صارم الدّين المسعودي والي القاهرة، بأوّل حارة زويلة من جهة باب الخوخة على يسرة السّالك إلى داخل الحارة، وهي معروفة الآن (¬c)، وإلى جانبها الحمّام المعروفة بابن قرقة أيضا. وهذه الدّار والحمّام أنشأهما أبو سعيد بن قرقة الحكيم، وأباعهما في حال مصادرته ممّا خرج عليه منه، فابتاعتها جهة (¬d) علم السّعداء، ثم سكنها الكامل بن شاور، وهما من جهة الخليج (¬e) (٢). انتهى.
стр. 1820
وهذه الدّار والحمّام قد هدمتا، وصار موضع الدّار الجامع المعروف بجامع ابن المغربي برأس سويقة الصّاحب وما يجاوره من دور ابن أبى شاكر (١)، وآخر ما بقي منها شيء هدمه الوزير الصّاحب تاج الدّين عبد الرّحيم بن الوزير الصّاحب فخر الدّين عبد اللّه بن تاج الدّين موسى بن أبي شاكر في رمضان سنة أربع وتسعين وسبع مائة (٢).
وابن قرقة هذا كان يتولّى الاستعمالات بدار الدّيباج وخزائن السّلاح، وكان ماهرا في علم الطّبّ والهندسة ونحو ذلك من علوم الأوائل. وقتله الخليفة الحافظ لدين اللّه من أجل أنّه دبّر السّمّ لابنه حسن بن الحافظ، عندما ثار الجند وطلبوا من الخليفة قتل ابنه حسن كما تقدّم ذكره (٣)، فلمّا سكنت الدّهماء قبض عليه الخليفة، واعتقله بخزانة البنود، وقتله في سنة تسع وعشرين وخمس مائة.
دار خوند (٤)
هذه الدّار من حقوق حارة زويلة، عرفت بالسّتّ الجليلة خوند أردوتكين ابنة نوغية السّلاح دار التّتري (٤). تزوّج بها الملك الأشرف خليل بن قلاوون ومات عنها، فتزوّجها من بعده أخوه الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وولدت منه ولدين وماتا، ثم طلّقها ونزلت من القلعة، فسكنت هذه الدّار، وأنشأت لها تربة بالقرافة تعرف الآن بتربة السّتّ (٥)، وجعلت لها عدّة أوقاف.
وكانت من الخير على جانب عظيم، لها معروف وصدقات وإحسان عميم، وماتت ولها ما ينيف على الألف ما بين جارية وخادم أعتقتهم كلّهم، وخلّفت أموالا تخرج عن الحدّ في الكثرة، وكانت وفاتها في ليلة السبت ثالث عشرين المحرّم سنة أربع وعشرين وسبع مائة، ودفنت بتربتها.
فتقدّم أمر السّلطان للأمراء والقضاة لشهود جنازتها، وحمل ما تركته من الجواهر والأموال.
стр. 1821
وطلب أخوها جمال الدّين خضر بن نوغية، وصولح على إرثه منها بمائة وعشرين ألف درهم، عنها يومئذ سبعة آلاف دينار.
ولم تزل هذه الدّار إلى أن تهدّمت (¬a)، فأخذها الأمير صلاح الدّين محمد، أستادّار السّلطان ابن الصّاحب بدر الدّين حسن بن نصر اللّه، في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمان مائة، وأدخلها في داره التي أنشأها، فجاءت من أجلّ دور القاهرة (١).
دار ابن شاكر
هذه الدّار (¬b).
دار الذّهب
هذه الدّار خارجة القاهرة فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، بناها الأفضل أبو القاسم شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي. وكان فيما بين باب القنطرة وباب الخوخة منظرة اللّؤلؤة - التي تقدّم ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء (٢) - ويجاورها من حيّز باب الخوخة دار الفلك، وبناها فلك الملك/ أحد الأستاذين الحاكمية، ويلاصقها دار الذّهب هذه، ويجاور دار الذّهب دار الشّابورة، (¬c) وسمّيت هذه الدّار بهذا الاسم (٣) لأنّها أبيعت في أيّام الشّدّة بشابورة حلواء (¬c).
стр. 1822
ودار الذّهب عرفت أخيرا بدار الأمير بهادر الأعسر شادّ الدّواوين (١)، ثم الآن عرفت بدار الأمير الوزير المشير الأستادّار فخر الدّين عبد الغني بن الأمير الوزير الأستادّار تاج الدّين عبد الرّزّاق ابن أبي الفرج الأرمنيّ الأصل، وعني بها، وهدم كثيرا من الدّور التي كانت تجاهها على برّ الخليج الشرقي، وأنشأ هناك دارا يتطرّق إليها من هذه الدّار بساباط، وأنشأ بجوارها جامعه الآتي ذكره وحمّامه (٢).
ثم هدم كثيرا من الدّور التي كانت على الخليج، وما وراءها بتلك الأحكار التي في الجانب الغربي من الخليج، وغرس في أراضي تلك الدّور الأشجار، وجعلها بستانا تجاه داره، فمات قبل أن تكمل، وصار أكثر مواضع الدّور التي خرّبها هناك كيمانا (¬a).
دار الحاجب
خارج باب النّصر تجاه مصلّى الأموات. هذه الدّار أنشأها الأمير سيف الدّين كهرداش المنصوري (٣)، أحد المماليك الزّرّاقين، وهو الذي فتح جزيرة أرواد (٤) في المراكب المتوجّهة إلى بلاد الفرنج، وتولّى عمارة مئذنة المدرسة المنصورية لمّا تهدّمت في الزّلزلة، وتقدّم وكثرت أمواله، ومات بدمشق في سنة أربع عشرة وسبع مائة.
فاشترى هذه الدّار الأمير سيف الدّين بكتمر الحاجب، ولم تزل بها ذرّيته من بعد الأمير جمال الدّين عبد اللّه بن بكتمر والأمير ناصر الدّين محمد بن عبد اللّه، وبها الآن ولدا الأمير ناصر الدّين، وهما الأمير عليّ وعبد الرّحمن؛ وما برح هذا البيت فيه الإمرة والسّعادة (٥).
стр. 1823
بكتمر الحاجب الأمير سيف الدّين (١) - كان أمير آخور، ثم ولي شدّ الدّواوين بدمشق في نيابة الأفرم، ولم يكن لأحد معه كلام في عزل ولا ولاية، ثم ولي الحجوبيّة: وتوجّه إلى صفد كاشفا على الأمير ناهض الدّين عمر بن أبي الخير، والي الولاة وشادّ الدّواوين بها، ومعه معين الدّين بن حشيش، فحرّر الكشف، ودقّقه (¬a) حتى قال فيه زين الدّين عمر بن حلاوات موقّع صفد:
[الكامل]
يا قاصدا صفدا فعد عن بلدة … من جور بكتمر الأمير خراب
لا شافع تغني شفاعته ولا … جان له ممّا جناه متاب
حشر وميزان ونشر صحائف … وجرائد معروضة وحساب
وبها زبانية تحثّ على الورى … وسلاسل ومقامع وعقاب
ما فاتهم من كلّ ما وعدوا به … في الحشر إلاّ راحم وهّاب (٢)
ولمّا قدم الملك النّاصر محمد بن قلاوون من الكرك إلى دمشق ولاّه الحجوبيّة، ودخل في خدمته إلى مصر وهو حاجب، ثم أخرجه ثانيا نائبا إلى غزّة في سنة عشر وسبع مائة فأقام بها قليلا، وطلبه وولاّه الوزارة بالدّيار المصرية، عوضا عن الصّاحب فخر الدّين بن الخليلي، في رمضان سنة عشر، فباشر الوزارة إلى أن قبض عليه مستهلّ ربيع الأوّل سنة خمس عشرة، واعتقل مدّة سنة ونصف، وأخذ له (¬b) كثير من ماله. ثم أفرج عنه وأخرج إلى صفد نائبا في سنة ستّ عشرة، وأنعم عليه بمائة ألف درهم، عنها يومئذ خمسة آلاف دينار، فأقام بها عشرة أشهر، وطلب إلى مصر فصار من أمراء المشورة (¬c)، وإذا تكلّم السّلطان في المشورة لا يردّ عليه غيره لما
стр. 1824
عنده من المعرفة والخبرة، وتزوّج بابنة الأمير جمال الدّين آقوش المعروف بنائب الكرك وأولاده الذين ذكرنا منها.
وسرق له مال كثير من خزانته بهذه الدّار ادّعى أنّه مبلغ مائتي ألف درهم، وكان في الباطن - على ما قيل - سبع مائة ألف درهم، فما جسر يتفوّه خوفا من السّلطان. وكان إذ ذاك والي القاهرة الأمير سيف الدّين قدادار، المنسوب إليه القنطرة (١) على الخليج، فتقدّم أمر السّلطان إليه بتتبّع من سرق المال. فدسّ إليه الأمير بكتمر السّاقي والوزير مغلطاي الجمالي والقاضي فخر الدّين ناظر الجيش في السّرّ، أن يتهاون في أمر السّرقة نكاية لبكتمر، وأخذوا يحتجّون لكلّ من اتّهم، ويقولون للسّلطان: لعن اللّه ساعة هذه العملة، كلّ يوم يموت من النّاس تحت المقارع عدّة، وإلى متى يقتل المتّهم الذي لا ذنب له؟
فلمّا طال الأمر شكا بكتمر إلى السّلطان في دار العدل، فأحضر الوالي وسبّه السّلطان، فقال: «يا خوند، اللّصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم أقرّوا أنّ سيف الدّين بخشي خازنداره اتّفق معهم على أخذ المال وجماعة من ألزامه الذين في بابه». فقال السّلطان للجمالي الوزير:
«أحضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم».
فأخذ بخشي وعصره - وكان عزيزا عند بكتمر، قد زوّجه بابنته، وهو يثق بعقله ودينه وأمانته - فشقّ ذلك عليه، واغتمّ غمّا شديدا مات منه فجأة فيما بين الظّهر إلى العصر من يوم (¬a) سنة ثمان وثلاثين (¬b) وسبع مائة؛ وكان خبيرا بالأمور، بصيرا بالحوادث، طويل الرّوح في الكلام، لا يملّ من تطويله ولو قعد في الحكم الواحد بين اليهودي والأمير ثلاثة أيام، ولا يلحقه من ذلك سآمة ألبتّة، مع معرفة تامة وخبرة بالسّياسة لم ير مثله في حقّ أصحابه لكثرة تذكّرهم في غيبتهم، والفكر في مصالحهم/، وتفقّد أحوالهم، ومن جفاه منهم عتب عليه.
وكان سمحا بجاهه، بخيلا بماله إلى الغاية، ساقط الهمّة في ذلك، وله متاجر وأملاك وسعادة لا تكاد تنحصر. ومع ذلك فله قدور يكريها لصلاّقي الفول والحمّص، وغير ذلك من العدد والآلات، ويماحك على أجرها مماحكة يستحى من ذكرها، وأنشأ عدّة دور، واقتنى كثيرا من البساتين.
стр. 1825
وولي من بعده ابنه الأمير جمال الدّين عبد اللّه الإمرة، وكان حاجبا، ولأبيه في سيرة البخل والحرص الشّديد تابعا ومقلّدا، وتولّى إمرة الحاجّ غير مرّة. وخرج في سنة ستّ وثمانين وسبع مائة من القاهرة لولاية كشف الجسور بالغربية، فورد عليه كتاب السّلطان الملك الظّاهر برقوق بالإنكار وفيه تهديد مهول، فداخله الخوف ومرض، فحمل في محفّة إلى القاهرة، فدخلها يوم الأربعاء النصف من جمادى الأولى من تلك السنة، فمات من يومه، وأخذ إقطاعه الأمير بوري (¬a).
وصار ابنه ناصر الدّين أحد الأمراء العشراوات، سالكا طريق أبيه وجدّه في الإمساك، إلى أن مات في (¬b) خامس عشرين ربيع الآخر سنة اثنتين وثمان مائة، ودفن بتربتهم خارج باب النّصر.
دار الجاولي
هذه الدّار من جملة الحجر التي تقدّم ذكرها (١)، وهي تجاه الخان المجاور لوكالة قوصون، أنشأها الأمير علم الدّين سنجر الجاولي، وجعلها وقفا على المدرسة المعروفة بالجاوليّة بخط الكبش جوار الجامع الطّولوني (٢). وعرفت في زماننا بقاعة البغاددة (¬c)، لسكنى عبد الصّمد الجوهري البغدادي بها هو وأولاده من (¬d) سنة سبع وأربعين وسبع مائة إلى بعد سنة ستّ عشرة وثمان مائة.
وهي من الدّور الجليلة، إلاّ أنّها قد تشعّثت لطول الزّمن.
دار أمير أحمد
هذه الدّار بجوار دار الجاولي من غربيّها، عرفت بأمير أحمد قريب الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وعرفت في زماننا بسكن أبو دقن ناظر المواريث (٣).