← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وطلب أخوها جمال الدّين خضر بن نوغية، وصولح على إرثه منها بمائة وعشرين ألف درهم، عنها يومئذ سبعة آلاف دينار. ولم تزل هذه الدّار إلى أن تهدّمت (¬a)، فأخذها الأمير صلاح الدّين محمد، أستادّار السّلطان ابن الصّاحب بدر الدّين حسن بن نصر اللّه، في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمان مائة، وأدخلها في داره التي أنشأها، فجاءت من أجلّ دور القاهرة (١). دار ابن شاكر هذه الدّار (¬b). دار الذّهب هذه الدّار خارجة القاهرة فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، بناها الأفضل أبو القاسم شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي. وكان فيما بين باب القنطرة وباب الخوخة منظرة اللّؤلؤة - التي تقدّم ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء (٢) - ويجاورها من حيّز باب الخوخة دار الفلك، وبناها فلك الملك/ أحد الأستاذين الحاكمية، ويلاصقها دار الذّهب هذه، ويجاور دار الذّهب دار الشّابورة، (¬c) وسمّيت هذه الدّار بهذا الاسم (٣) لأنّها أبيعت في أيّام الشّدّة بشابورة حلواء (¬c).

стр. 1822

ودار الذّهب عرفت أخيرا بدار الأمير بهادر الأعسر شادّ الدّواوين (١)، ثم الآن عرفت بدار الأمير الوزير المشير الأستادّار فخر الدّين عبد الغني بن الأمير الوزير الأستادّار تاج الدّين عبد الرّزّاق ابن أبي الفرج الأرمنيّ الأصل، وعني بها، وهدم كثيرا من الدّور التي كانت تجاهها على برّ الخليج الشرقي، وأنشأ هناك دارا يتطرّق إليها من هذه الدّار بساباط، وأنشأ بجوارها جامعه الآتي ذكره وحمّامه (٢). ثم هدم كثيرا من الدّور التي كانت على الخليج، وما وراءها بتلك الأحكار التي في الجانب الغربي من الخليج، وغرس في أراضي تلك الدّور الأشجار، وجعلها بستانا تجاه داره، فمات قبل أن تكمل، وصار أكثر مواضع الدّور التي خرّبها هناك كيمانا (¬a). دار الحاجب خارج باب النّصر تجاه مصلّى الأموات. هذه الدّار أنشأها الأمير سيف الدّين كهرداش المنصوري (٣)، أحد المماليك الزّرّاقين، وهو الذي فتح جزيرة أرواد (٤) في المراكب المتوجّهة إلى بلاد الفرنج، وتولّى عمارة مئذنة المدرسة المنصورية لمّا تهدّمت في الزّلزلة، وتقدّم وكثرت أمواله، ومات بدمشق في سنة أربع عشرة وسبع مائة. فاشترى هذه الدّار الأمير سيف الدّين بكتمر الحاجب، ولم تزل بها ذرّيته من بعد الأمير جمال الدّين عبد اللّه بن بكتمر والأمير ناصر الدّين محمد بن عبد اللّه، وبها الآن ولدا الأمير ناصر الدّين، وهما الأمير عليّ وعبد الرّحمن؛ وما برح هذا البيت فيه الإمرة والسّعادة (٥).

стр. 1823

بكتمر الحاجب الأمير سيف الدّين (١) - كان أمير آخور، ثم ولي شدّ الدّواوين بدمشق في نيابة الأفرم، ولم يكن لأحد معه كلام في عزل ولا ولاية، ثم ولي الحجوبيّة: وتوجّه إلى صفد كاشفا على الأمير ناهض الدّين عمر بن أبي الخير، والي الولاة وشادّ الدّواوين بها، ومعه معين الدّين بن حشيش، فحرّر الكشف، ودقّقه (¬a) حتى قال فيه زين الدّين عمر بن حلاوات موقّع صفد: [الكامل] يا قاصدا صفدا فعد عن بلدة … من جور بكتمر الأمير خراب لا شافع تغني شفاعته ولا … جان له ممّا جناه متاب حشر وميزان ونشر صحائف … وجرائد معروضة وحساب وبها زبانية تحثّ على الورى … وسلاسل ومقامع وعقاب ما فاتهم من كلّ ما وعدوا به … في الحشر إلاّ راحم وهّاب (٢) ولمّا قدم الملك النّاصر محمد بن قلاوون من الكرك إلى دمشق ولاّه الحجوبيّة، ودخل في خدمته إلى مصر وهو حاجب، ثم أخرجه ثانيا نائبا إلى غزّة في سنة عشر وسبع مائة فأقام بها قليلا، وطلبه وولاّه الوزارة بالدّيار المصرية، عوضا عن الصّاحب فخر الدّين بن الخليلي، في رمضان سنة عشر، فباشر الوزارة إلى أن قبض عليه مستهلّ ربيع الأوّل سنة خمس عشرة، واعتقل مدّة سنة ونصف، وأخذ له (¬b) كثير من ماله. ثم أفرج عنه وأخرج إلى صفد نائبا في سنة ستّ عشرة، وأنعم عليه بمائة ألف درهم، عنها يومئذ خمسة آلاف دينار، فأقام بها عشرة أشهر، وطلب إلى مصر فصار من أمراء المشورة (¬c)، وإذا تكلّم السّلطان في المشورة لا يردّ عليه غيره لما

стр. 1824

عنده من المعرفة والخبرة، وتزوّج بابنة الأمير جمال الدّين آقوش المعروف بنائب الكرك وأولاده الذين ذكرنا منها. وسرق له مال كثير من خزانته بهذه الدّار ادّعى أنّه مبلغ مائتي ألف درهم، وكان في الباطن - على ما قيل - سبع مائة ألف درهم، فما جسر يتفوّه خوفا من السّلطان. وكان إذ ذاك والي القاهرة الأمير سيف الدّين قدادار، المنسوب إليه القنطرة (١) على الخليج، فتقدّم أمر السّلطان إليه بتتبّع من سرق المال. فدسّ إليه الأمير بكتمر السّاقي والوزير مغلطاي الجمالي والقاضي فخر الدّين ناظر الجيش في السّرّ، أن يتهاون في أمر السّرقة نكاية لبكتمر، وأخذوا يحتجّون لكلّ من اتّهم، ويقولون للسّلطان: لعن اللّه ساعة هذه العملة، كلّ يوم يموت من النّاس تحت المقارع عدّة، وإلى متى يقتل المتّهم الذي لا ذنب له؟ فلمّا طال الأمر شكا بكتمر إلى السّلطان في دار العدل، فأحضر الوالي وسبّه السّلطان، فقال: «يا خوند، اللّصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم أقرّوا أنّ سيف الدّين بخشي خازنداره اتّفق معهم على أخذ المال وجماعة من ألزامه الذين في بابه». فقال السّلطان للجمالي الوزير: «أحضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم». فأخذ بخشي وعصره - وكان عزيزا عند بكتمر، قد زوّجه بابنته، وهو يثق بعقله ودينه وأمانته - فشقّ ذلك عليه، واغتمّ غمّا شديدا مات منه فجأة فيما بين الظّهر إلى العصر من يوم (¬a) سنة ثمان وثلاثين (¬b) وسبع مائة؛ وكان خبيرا بالأمور، بصيرا بالحوادث، طويل الرّوح في الكلام، لا يملّ من تطويله ولو قعد في الحكم الواحد بين اليهودي والأمير ثلاثة أيام، ولا يلحقه من ذلك سآمة ألبتّة، مع معرفة تامة وخبرة بالسّياسة لم ير مثله في حقّ أصحابه لكثرة تذكّرهم في غيبتهم، والفكر في مصالحهم/، وتفقّد أحوالهم، ومن جفاه منهم عتب عليه. وكان سمحا بجاهه، بخيلا بماله إلى الغاية، ساقط الهمّة في ذلك، وله متاجر وأملاك وسعادة لا تكاد تنحصر. ومع ذلك فله قدور يكريها لصلاّقي الفول والحمّص، وغير ذلك من العدد والآلات، ويماحك على أجرها مماحكة يستحى من ذكرها، وأنشأ عدّة دور، واقتنى كثيرا من البساتين.

стр. 1825

وولي من بعده ابنه الأمير جمال الدّين عبد اللّه الإمرة، وكان حاجبا، ولأبيه في سيرة البخل والحرص الشّديد تابعا ومقلّدا، وتولّى إمرة الحاجّ غير مرّة. وخرج في سنة ستّ وثمانين وسبع مائة من القاهرة لولاية كشف الجسور بالغربية، فورد عليه كتاب السّلطان الملك الظّاهر برقوق بالإنكار وفيه تهديد مهول، فداخله الخوف ومرض، فحمل في محفّة إلى القاهرة، فدخلها يوم الأربعاء النصف من جمادى الأولى من تلك السنة، فمات من يومه، وأخذ إقطاعه الأمير بوري (¬a). وصار ابنه ناصر الدّين أحد الأمراء العشراوات، سالكا طريق أبيه وجدّه في الإمساك، إلى أن مات في (¬b) خامس عشرين ربيع الآخر سنة اثنتين وثمان مائة، ودفن بتربتهم خارج باب النّصر. دار الجاولي هذه الدّار من جملة الحجر التي تقدّم ذكرها (١)، وهي تجاه الخان المجاور لوكالة قوصون، أنشأها الأمير علم الدّين سنجر الجاولي، وجعلها وقفا على المدرسة المعروفة بالجاوليّة بخط الكبش جوار الجامع الطّولوني (٢). وعرفت في زماننا بقاعة البغاددة (¬c)، لسكنى عبد الصّمد الجوهري البغدادي بها هو وأولاده من (¬d) سنة سبع وأربعين وسبع مائة إلى بعد سنة ستّ عشرة وثمان مائة. وهي من الدّور الجليلة، إلاّ أنّها قد تشعّثت لطول الزّمن. دار أمير أحمد هذه الدّار بجوار دار الجاولي من غربيّها، عرفت بأمير أحمد قريب الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وعرفت في زماننا بسكن أبو دقن ناظر المواريث (٣).

стр. 1826

وهي من جملة ما اغتصبه جمال الدّين يوسف الأستادّار من الدّور الوقف، وجعلها لأخيه شمس الدّين محمد البيري قاضي حلب وشيخ الخانقاه البيبرسية، فغيّر بابها وشرع في عمارتها، فقبض عليه عند القبض على أخيه وهو بها (١). دار اليّوسفي هذه الدّار بجوار باب الجوّانيّة فيما بينها وبين الحوض المعدّ لشرب الدّواب، أنشأها هي والحوض الأمير سيف الدّين بهادر اليوسفي السّلاح دار النّاصريّ (٢). دار ابن البقري هذه الدّار أنشأها الوزير الصّاحب سعد الدّين سعد اللّه بن البقري (٣)، ابن أخت القاضي شمس الدّين شاكر بن غزيل البقري صاحب المدرسة البقريّة (٤). أظهر الإسلام، وباشر في الخدم الدّيوانية إلى أن ولاّه الملك الظّاهر برقوق وظيفة نظر الدّيوان المفرد ونظر الخاصّ، عوضا عن الصّاحب كريم الدّين عبد الكريم بن مكانس (٥)، في ثالث شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة. فباشر ذلك إلى تاسع شهر رمضان سنة خمس وثمانين، فقبض عليه. (¬a)) (¬a) ونزل الأمير يونس الدّوادار والأمير قرقماس الخازندار إلى داره هذه، وأحاطا بها وأخذ (¬b) جميع ما فيها من المال والثّياب

стр. 1827

والأواني والحليّ والجواري وغير ذلك، وحمل إلى القلعة، فبلغ قيمة ما وجد بداره في هذه النّوبة مائتي ألف دينار. وسلّم ابن البقري لشادّ الدّواوين بقاعة الصّاحب من القلعة، فضرب بالمقارع نيّفا وثلاثين شيبا، وولي موفّق الدّين أبو الفرج نظر الخاصّ. ثم إنّ الملك الظّاهر لمّا عاد إلى المملكة - بعد ثورة الأمير يلبغا النّاصريّ والأمير تمربغا منطاش عليه، وخلعه من الملك وسجنه بالكرك، ثم قيامه بأهل الكرك ودخوله إلى القاهرة، وعوده إلى المملكة - ولّى ابن البقري الوزارة في يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة، عوضا عن موفّق الدّين أبي الفرج (١)، ثم صرف في يوم الخميس العشرين من شهر رمضان، وأعيد الوزير أبو الفرج، وأحيط بدور ابن البقري، وأسلم هو وابنه تاج الدّين عبد اللّه إلى الأمير ناصر الدّين محمد بن آقبغا آص (٢). فلمّا استقرّ الأمير ناصر الدّين محمد بن الحسام الصّقري (¬a) في الوزارة يوم الثلاثاء سابع عشرين ذي الحجّة منها (٣)، عوضا عن الوزير أبي الفرج، اشترط على السّلطان أمورا مها استخدام الوزراء المعزولين؛ فجلس بشبّاك قاعة الصّاحب من القلعة، وبعث إلى من بالقاهرة من الوزراء المعزولين، وهم: شمس الدّين عبد اللّه المقسي، وعلم الدّين عبد الوهّاب بن الطّنساوي المعروف بسنّ إبرة، وسعد الدّين سعد اللّه بن البقري، وموفّق الدّين أبو الفرج، وفخر الدّين عبد الرّحمن بن عبد الرّزّاق بن إبراهيم بن مكانس (٤). فأقرّ المقسي وسنّ إبرة معا في نظر الدّولة، وأقرّ ابن البقري ناظر البيوت ومستوفي الدّولة، وقرّر أبا الفرج في استيفاء الصّحبة، وابن مكانس في استيفاء

стр. 1828

الدّولة شريكا لابن البقري. فكانوا يركبون في خدمته دائما، ويجلسون بين يديه، وربّما وقف ابن البقري على قدميه بحضرته، بعد أن كان ابن الحسام دواداره، لا يزال قائما بين يديه. فعدّ النّاس هذا من أعظم المحن التي لم يشاهد في الدّولة التركية مثلها، وهو أن يصير الرّجل خادما لمن كان في خدمته، نعوذ باللّه من المحن. ثم إنّ الوزير ابن الحسام قبض على ابن البقري، وألزمه بحمل سبعين ألف/ درهم، ثم أعيد إلى الوزارة بعد القبض على الصّاحب تاج الدّين بعد الرّحيم بن عبد اللّه بن موسى بن أبي بكر ابن أبي شاكر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وقبض عليه وعلى ولده في حادي عشرين شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وتسعين، وسلّما مع عدّة من الكتّاب لشادّ الدّواوين، ثم أفرج عنهما على حمل مال. فلمّا ولي الأمير ناصر الدّين محمد بن رجب بن كلفت الوزارة، بعد الوزير أبي الفرج (١)، قرّر ابن البقري في نظر الدّولة عوضا عن بدر الدّين الأقفهسي، واستخدم بقيّة الوزراء كما فعل الوزير ابن الحسام. فلمّا خلع السّلطان على الأمير ناصر الدّين محمد بن تنكز، وجعله أستادّار الأملاك في رجب سنة سبع وتسعين، قرّر ابن البقري ناظر الأملاك وخلع عليه، فصار يتحدّث في نظر الدّولة ونظر الأملاك. فلمّا كان يوم الخميس رابع رجب سنة ثمان وتسعين أعيد إلى الوزارة، وصرف عنها الأمير مبارك شاه الظّاهري، واستقرّ بدر الدّين (¬a)) محمد بن (¬a) محمد بن محمد الطّوخي في نظر الدّولة. ثم قبض عليه في يوم الخميس رابع ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، وأحيط بسائر ما قدر عليه من موجوده، وولي الوزارة بعده ابن الطّوخي، وعوقب عقابا شديدا في دار الأمير علاء الدّين عليّ ابن الطّبلاوي. ثم أخرج نهارا - وهو عار مكشوف الرأس، وبيده حبل يجرّ به، وثيابه مضمومة (¬a)) إلى صدره (¬a) بيده الأخرى، والنّاس تراه - من درب قراصيا برحبة باب العيد في السّوق إلى دار ابن الطّبلاوي، وقد انهتك بدنه من شدّة الضّرب، فسجن بدار هناك، ثم خنق في ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبع مائة (٢).

стр. 1829

وكان أحد كتّاب الدّنيا الذين انتهت إليهم السّيادة في كتابة الدّيونة (¬a)، مع عفّة الفرج، وجودة الرأي، وحسن التّدبير، إلاّ أنّه لم يؤت سعدا في وزارته، وما برح ينكب كلّ قليل، وكان يظهر الإسلام، ويكتب بخطّه كتب الحديث وغيرها، ويتّهم في باطن أمره (¬b) بالتشدّد في النّصرانية. وولي ابنه تاج الدّين عبد اللّه الوزارة، ونظر الخاصّ، ومات قتيلا تحت العقوبة عند الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار في سنة ثمان وثمان مائة (١). ودار ابن البقري هذه من أعظم دور القاهرة، وهي من جملة خطّ حارة الجوّانيّة في أوّلها. دار طولنباي هذه الدّار بجوار حمّام الأعسر برأس باب (¬c) حارة الجوّانيّة تجاه درب الرّشيدي. أنشأها الأمير شمس الدّين سنقر الأعسر الوزير، ثم عرفت بخوند طولنباي النّاصريّة جهة الملك النّاصر (٢). طلنباي - ويقال دلبّيّة، ويقال طلوبيّة ابنة طغاج بن هندو بن بكو بن دوشي خان ابن جنكزخان، ذات السّتر الرّفيع الخاتوني (٣). كان السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون قد جهّز الأمير أيدغدي الخوارزمي (٤) في سنة ستّ عشرة وسبع مائة، يخطب إلى أزبك ملك التّتار بنتا من الذّرّيّة الجنكزيّة. فجمع أزبك أمراء التّومانات - وهم سبعون أميرا - وكلّمهم الرّسول في ذلك، فنفروا منه. ثم اجتمعوا ثانيا بعد ما وصلت اليهم هداياهم وأجابوا ثم قالوا: إلاّ أنّ هذا لا يكون إلاّ بعد أربع سنين: سنة سلام، وسنة خطبة، وسنة مهاداة، وسنة زواج، واشتطّوا في طلب المهر، فرجع السّلطان عن الخطبة.

стр. 1830

ثم توجّه سيف الدّين طوجي (¬a) بهديّة وخلعة لأزبك، فلبسها وقال لطوجي (¬a): قد جهّزت لأخي الملك النّاصر ما كان طلب، وعيّنت له بنتا من بيت جنكزخان من نسل الملك ماطوخان (¬b). فقال طوجي (¬a): لم يرسلني السّلطان في هذا. فقال أزبك: أنا أرسلها إليه من جهتي. وأمر طوجي (¬a) بحمل مهرها، فاعتذر بعدم المال، فقال: نحن نقترض من التّجّار؛ فاقترض عشرين ألف دينار وحملها. ثم قال: لابد من عمل فرح تجتمع فيه الخواتين (١). فاقترض مالا آخر نحو سبعة آلاف دينار، وعمل الفرح. وجهّزت الخاتون «طلنباي» ومعها جماعة من الرّسل، وهم: بابنجار من كبار المغل، وإيتغلي (¬c) وطقبغا، ومنعوش، وطرجي، وعثمان، وبكتمر، وقرطبا، والشيخ برهان الدّين إمام الملك أزبك، وقاضي هراي. فساروا في زمن الخريف، وأقلعوا فلم يجدوا ريحا تسير بهم، فأقاموا في برّ الرّوم على ميناء ابن منششا خمسة أشهر، وقام بخدمتهم هو والأشكري ملك قسطنطينية، وأنفق عليهم الأشكري ستين ألف دينار، فوصلوا إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وسبع مائة. فلمّا طلعت الخاتون من المراكب، حملت في خركاة من ذهب على العجل، وجرّها المماليك إلى دار السّلطان (¬d) بالإسكندرية. وبعث السّلطان إلى خدمتها عدّة من الحجّاب وثماني عشرة من الحرم ونزلت في الحرّاقة، فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين خامس عشرين ربيع الأوّل المذكور، وفرش لها بالمناظر في الميدان دهليز أطلس معدني، ومدّ لهم سماط. وفي يوم الخميس ثاني عشرين، أحضر السّلطان رسل أزبك، ووصل رسل ملك الكرج ورسل الأشكري بتقادمهم. ثم بعث إلى الميدان الأمير سيف الدّين أرغون النّائب والأمير بكتمر السّاقي والقاضي كريم الدّين ناظر الخاصّ، فمشوا في خدمة الخاتون إلى القلعة وهي في عربة (¬e) (٢).

стр. 1831

ثم عقد عليها يوم الاثنين سادس ربيع الآخر (١) على ثلاثين ألف دينار حالّة، المعجّل منها عشرون ألفا، وعقد العقد قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة، وقبل عن السّلطان/ النّائب أرغون وبنى عليها. وأعاد الرّسل بعد أن شملهم من الإنعام ما أربى على أملهم، ومعهم هديّة جليلة، فساروا في شعبان، وتأخّر قاضي هراى حتى حجّ، وعاد في سنة إحدى وعشرين. وماتت في رابع عشرين ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبع مائة، ودفنت بتربتها خارج باب البرقيّة بجوار تربة خوند طغاي أم أنوك (٢). دار حارس الطّير هذه الدّار بداخل درب قراصيا بخطّ رحبة باب العيد، عرفت بالأمير سيف الدّين أسنبغا حارس الطّير، ترقّى في الخدم إلى أن صار نائب السّلطنة بديار مصر في أيّام السّلطان حسن بن محمد بن قلاوون بعد بيبغاروس (¬a). ثم عزل بالأمير قبلاي، وجهّز إلى نيابة غزّة فأقام بها شهرا، وقبض عليه وحضر مقيّدا إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنتين وخمسين وسبع مائة، فسجن بها مدّة. ثم أخرج إلى القدس، فأقام بطّالا مدّة، ثم نقل إلى نيابة غزّة في شعبان سنة ستّ وخمسين وسبع مائة (٣).

стр. 1832

الدّار القردميّة هذه الدّار خارج باب زويلة بخطّ الموازنيين (¬a) من الشّارع المسلوك فيه إلى رأس المنتجبيّة (¬b)، بناها الأمير ألجاي النّاصريّ (¬c)) سيف الدّين (¬c) مملوك السّلطان الملك النّاصر محمد ابن قلاوون (١). وكان من أمره أنّه ترقّى في الخدم السّلطانية حتى صار داودار (٢) السّلطان بغير إمرة، رفيقا للأمير بهاء الدّين أرسلان الدّوادار (٣). فلمّا مات بهاء الدّين، استقرّ مكانه (¬c)) داودارا كبيرا (¬c) بإمرة عشرة مدّة ثلاث سنين، ثم أعطى إمرة طبلخاناة. وكان فقيها حنفيّا، يكتب الخطّ المليح، ونسخ بخطّه القرآن الكريم في ربعة، وكان عفيفا عن الفواحش، حليما لا يكاد يغضب، مكبّا على الاشتغال بالعلم، محبّا لاقتناء الكتب، مواظبا على مجالسة أهل العلم. وبالغ في إتقان عمارة هذه الدّار، بحيث أنّه أنفق على بوّابتها خاصّة مائة ألف درهم فضّة، عنها يومئذ نحو الخمسة آلاف مثقال من الذّهب. فلمّا تمّ بناؤها لم يمتّع بها غير قليل، ومرض فمات في أوائل شهر رجب - وقيل في رمضان - سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة وهو كهل، فدفن بقرافة مصر. فسكنتها (¬d) من بعده خوند عائشة خاتون - المعروفة بالقردميّة - ابنة الملك النّاصر محمد ابن قلاوون زمانا فعرفت بها. وكانت هذه المرأة ممّن يضرب بغناها وسعادتها المثل، إلاّ أنّها عمّرت طويلا، وتصرّفت في مالها تصرّفا غير مرضي، فتلف في اللّهو حتى صارت تعدّ من جملة

стр. 1833

المساكين. وماتت في الخامس من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، ومخدّتها حشوها (¬a) من ليف (١). ثم سكن هذه الدّار الأمير جمال الدّين محمود بن عليّ الأستادّار مدّة، وأنشأ تجاهها مدرسة (٢). دار الصّالح هذه الدّار بحارة الدّيلم قريبا من السّجن، وكانت دار الصّالح طلائع بن زرّيك يسكنها وهو أمير قبل أن يلي الوزارة، بناها في سنة سبع وأربعين وخمس مائة. وما زالت باقية إلى أن خرّبها الأمير الوزير ركن الدّين عمر بن محمد بن قايماز (٣) في سنة أربع وتسعين وسبع مائة (٤)، وبناها على ما هى عليه الآن (¬b) (٥). دار بهادر هذه الدّار بالقاهرة جوار المشهد الحسيني، في درب جرجي المقابل للأبّارين المسلوك منه إلى دار الضّرب وغيره. أنشأها الأمير بهادر رأس نوبة (٦)، أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، واتّفق أنّه كان ممّن مالأ الأمير بدر الدّين بيدرا على قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون؛ فلمّا قدّر اللّه

стр. 1834

بانتقاض أمر بيدرا وقتله وإقامة الملك النّاصر محمد بن قلاوون بعد أخيه الأشرف خليل، قبض على جماعة ممّن وافق على قتل الملك الأشرف خليل. وقد تجمّعت المماليك الأشرفيّة مع الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي - وهو يومئذ وزير الدّيار المصرية (¬a) - في دار النّيابة من قلعة الجبل (١) عند الأمير زين الدّين كتبغا نائب السّلطنة، وإذا بالأمير بهادر المذكور قد حضر هو والأمير جمال الدّين آقوش الموصلي الحاجب المعروف بنميلة - وكانا قد اختفيا فرقا من سطوة الأشرفيّة حتى دبّر أمرهما النّائب، وأذن لهما في طلوع القلعة - فما هو إلاّ أن أبصرهما الأشرفيّة حتى سلّوا سيوفهم، وضربوا رقبتيهما في أسرع وقت. فدهش الحاضرون، وما استطاعوا أن يتكلّموا خوفا من الأشرفيّة (٢). واتّفق في بناء هذه الدّار ما فيه عبرة لمن اعتبر، وذلك أنّ بهادر هذا لمّا حفر أساسها وجد هناك قبورا كثيرة، فأخرج تلك العظام ورماها. فبلغ ذلك قاضي القضاة تقيّ الدّين محمّد (¬b) بن دقيق العيد، فبعث إليه ينهاه عن نبش القبور ورمي العظام، ويخوّفه عاقبة ذلك؛ فقال: إذا متّ يجرّوا رجلي ويرموني؛ فقال القاضي لمّا أعيد عليه هذا الجواب: وقد يكون ذلك. فقدّر اللّه أنّه لما ضربت رقبته ورقبة آقوش، ربط في رجليهما حبل، وجرّا من دار النّيابة بالقلعة إلى المجاير والكيمان، نعوذ باللّه من سوء عاقبة القضاء (٣). (¬c)) قال كاتبه: أنا حضرت مثل ذلك، لمّا عمّر الأمير جهاركس الخليلي الفندق المعروف به الآن بخطّ الزّراكشة العتيق أخرج منه عظام المقبورين هناك - وقد تقدّم أنّ مكانه كان تربة القصر المعروفة بتربة الزّعفران (٤) - فكانت تحمل تلك العظام إلى كيمان البرقيّة خارج باب البرقيّة وترمى هناك، فعاقبه اللّه بمثل ذلك في الدّنيا، وهو أنّه كان ممّن خرج من القاهرة في العسكر الذي جهّزه الملك الظّاهر برقوق لحرب النّاصريّ في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، فلمّا انهزم هذا العسكر بظاهر دمشق قتل الخليلي وسلب وأقام رمّة مسلوبا بالعراء لم يدفن. أخبرنا غير واحد ممّن شاهده، وقد انتفخ وهو مسلوب لا يواريه شيء. ذلك ليعلموا أنّ اللّه على كلّ شيء قدير (¬c).

стр. 1835

ثم عرفت هذه الدّار ببيت الأمير جركتمر بن بهادر المذكور، وكان خصيصا بالأمير قوصون، فبعثه لقتل السّلطان الملك المنصور أبي بكر بن الملك النّاصر محمد بن قلاوون، لمّا نفاه إلى مدينة قوص بعد خلعه، فتولّى قتله. فلمّا قبض على قوصون، قبض على جركتمر في ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، وقتل بالإسكندرية هو وقوصون في ليلة الثلاثاء ثامن عشر شوّال (١) تولّى قتلهما الأمير ابن طشتمر طللية وأحمد بن صبح. وكان جركتمر هذا فيه أدب/ وحشمة، وأوّل أمره كان من أصحاب الأمير بيبرس الجاشنكير فقدّمه وأعطاه إمرة عشرة، ثم اتّصل بالأمير أرغون النّائب فأعطاه إمرة طبلخاناة، وكان يلعب الأكرة ويجيد في لعبها إلى الغاية (٢). ثم عرفت هذه الدّار بالأمير سيف الدّين بهادر المنجكي أستادّار الملك الظّاهر برقوق، لسكنه بها وتجديد عمارتها، وأنشأ بجوارها حمّاما، وكانت وفاته يوم الاثنين الثاني من جمادى الآخرة سنة تسعين وسبع مائة (٣). وهذه الدّار باقية إلى اليوم يسكنها الأمراء. دار البقر هذه الدّار خارج القاهرة فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل، بالخطّ الذي يقال له اليوم حدرة البقر، كانت دارا للأبقار التي برسم السّواقي السّلطانية، ومنشرا للزّبل وفيه ساقية (٤). ثم إنّ الملك

стр. 1836

النّاصر محمد بن قلاوون أنشأها دارا وإسطبلا، وغرس بها عدّة أشجار. وتولّى عمارتها القاضي كريم الدّين عبد الكريم الكبير (١) (¬a)) ناظر الخاصّ (¬a) (٢)، فبلغ المصروف على عمارتها ألف ألف درهم. وعرفت بالأمير طقتمر (٣) الدّمشقي، ثم عرفت بدار الأمير طشتمر حمّص أخضر (٤). وهذه الدّار باقية إلى وقتنا هذا ينزلها أمراء الدّولة (٥). قصر بكتمر السّاقي هذا القصر من أعظم مساكن مصر، وأجلّها قدرا وأحسنها بنيانا، وموضعه تجاه الكبش على بركة الفيل. أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون لسكن أجلّ أمراء دولته الأمير بكتمر السّاقي (٦)، وأدخل فيه أرض الميدان الذي أنشأه الملك العادل كتبغا (٧).

стр. 1837

وقصد أن يأخذ قطعة من بركة الفيل ليتّسع بها الإسطبل الذي للأمير بكتمر بجوار هذا القصر، فبعث إلى قاضي القضاة شمس الدّين الحريري الحنفي ليحكم باستبدالها على قاعدة مذهبه (١). فامتنع من ذلك تنزّها وتورّعا، واجتمع بالسّلطان وحدّثه في ذلك. فلمّا رأى كثرة ميل السّلطان إلى أخذ الأرض، نهض من المجلس مغضبا، وصار إلى منزله. فأرسل القاضي كريم الدّين الكبير، ناظر الخاصّ، إلى سراج الدّين (¬a) الحنفي عن أمر السّلطان وقلّده قضاء مصر منفردا عن القاهرة، فحكم باستبدال الأرض في غرّة رجب سنة سبع عشرة وسبع مائة، فلم يلبث سوى مدّة شهرين ومات في أوّل شهر رمضان. فاستدعى السّلطان قاضي القضاة شمس الدّين الحريري، وأعاده إلى ولايته. وكمل القصر والإسطبل على هيئة قلّ ما رأت الأعين مثلها، بلغت النّفقة على العمارة في كلّ يوم مبلغ ألف وخمس مائة درهم فضّة، مع جاه العمل لأنّ العجل التي تحمل الحجارة من عند السّلطان، والحجارة أيضا من عند السّلطان، والفعلة في العمارة أهل السّجون المقيّدون من المحابيس. وقدّر لو لم يكن في هذه العمارة جاه ولا سخرة، لكان مصروفها في كلّ يوم مبلغ ثلاثة آلاف درهم فضّة. وأقاموا في عمارته مدّة عشرة أشهر، فتجاوزت النّفقة على عمارته مبلغ ألف ألف درهم فضّة، عنها زيادة على خمسين ألف دينار، سوى ما حمل، وسوى من سخّر في العمل وهو بنحو ذلك. فلمّا تمّت عمارته سكنه الأمير بكتمر السّاقي، وكان له في إسطبله هذا مائة سطل نحاس لمائة سائس، كلّ سائس على ستة أرؤس خيل، سوى ما كان له في الجشارات والنّواحي من الخيل، وكان من المغرب يغلق باب إسطبله فلا يصير لأحد به حسّ. ولمّا تزوّج أنوك بن السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون بابنة الأمير بكتمر السّاقي، في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، خرج شوارها من هذا القصر (٢)؛ فكانت (¬b) عدّة الحمّالين ثمان مائة

стр. 1838

حمّال: المساند الزّركش على أربعين حمّالا عدّتها عشرة مساند، والمدوّرات ستة عشر حمّالا، والكراسي اثنا عشر حمّالا، وكراسي لطاف أربعة حمّالين، وفضّيّات تسعة وعشرون حمّالا، وسلّم الدّكك أربعة حمّالين، والدّكك والتّخوت الأبنوس المفضّضة والموشّقة مائة واثنين وستين حمّالا، والنّحاس الكفت ثمانية وأربعين حمّالا، والصّيني ثلاثة وثلاثين حمّالا، والزّجاج المذهّب اثني عشر حمّالا، والنّحاس الشّامي اثنين وعشرين حمّالا، والبعلبكّي المدهون اثني عشر حمّالا، والخونجات والمخافي والزّبادي، والنّحاس تسعة وعشرين حمّالا، وصناديق الحوائج خاناه ستّة حمّالين، وغير ذلك تتمّة العدّة، والبغال المحمّلة الفرش واللّحف والبسط والصّناديق التي فيها المصاغ تسعة وتسعين بغلا. قال العلاّمة صلاح الدّين خليل بن أيبك الصّفدي: قال لي المهذّب الكاتب: الزّركش والمصاغ ثمانون قنطارا بالمصري ذهب (¬a) (١). ولمّا مات بكتمر هذا صار هذا الوقف من بعده من جملة أوقافه، فتولّى أمره وأمر سائر أوقافه أولاده حتى انقرض أولاده وأولاد أولاده، فصار أمر الأوقاف إلى ابن ابنته، وهو أحمد بن محمّد ابن قرطاي المعروف بأحمد بن بنت بكتمر. وهذا القصر على (¬b) غاية من الحسن، ولا ينزله إلاّ أعيان الأمراء إلى أن كانت سنة سبع عشرة وثمان مائة وكان العسكر غائبا عن مصر مع الملك المؤيّد شيخ في محاربة الأمير نوروز الحافظي بدمشق عمد هذا المذكور إلى القصر، فأخذ رخامه وشبابيكه وكثيرا من سقوفه وأبوابه وغير ذلك، وباع الجميع، وعمل بدل ذلك الرّخام البلاط، وبدّل الشّبابيك الحديد بالخشب. وفطن به أعيان النّاس فقصدوه، وأخذوا منه أصنافا عظيمة بثمن وبغير ثمن، وهو الآن/ قائم البناء يسكنه الأمراء (٢).

стр. 1839

الدّار البيسريّة هذه الدّار بخط بين القصرين من القاهرة، كانت في آخر الدّولة الفاطمية، لمّا قويت شوكة الفرنج، قد أعدّت لمن يجلس فيها من قصّاد الفرنج عندما تقرّر الأمر معهم على أن يكون نصف ما يتحصّل من مال البلد للفرنج، فصار يجلس في هذه الدّار قاصد معتبر عند الفرنج لقبض (¬a) المال. فلمّا زالت الدّولة بالغزّ، ثم زالت دولة بني أيّوب، وولي سلطنة مصر الملوك من الترك إلى أن كانت أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، شرع الأمير بدر (¬b) الدّين بيسري الشّمسي الصّالحي النّجمي في عمارتها في سنة تسع وخمسين وستّ مائة، وتأنّق في عمارتها، وبالغ في كثرة المصروف عليها. فأنكر الملك الظّاهر ذلك من فعله، وقال له: يا أمير بدر الدّين أيّ شيء خلّيت للغزاة واليزك (¬c) (١)؟ فقال: صدقات السّلطان، واللّه يا خوند ما بنيت هذه الدّار إلاّ حتى يصل خبرها إلى بلاد العدو، ويقال بعض مماليك السّلطان عمّر دارا غرم عليها مالا عظيما. فأعجب ذلك من قوله السّلطان، وأنعم له (¬d) بألف دينار عينا. وعدّ هذا من أعظم إنعام السّلطان (¬e). فجاء سعة هذه الدّار بإسطبلها وبستانها والحمّام بجانبها نحو فدّانين، ورخامها من أبهج رخام عمل في القاهرة وأحسنه صنعة، وكثر تعجّب النّاس إذ ذاك من عظمها لما كان فيه أمراء الدّولة ورجالها حينئذ من الاقتصاد، حتى إنّ الواحد منهم إذا صار أميرا لا يتغيّر عن داره التي كان يسكنها وهو من الأجناد. وعند ما كملت عمارة هذه الدّار وقفها، وأشهد عليه بوقفها اثنين وتسعين عدلا: من جملتهم قاضي القضاة تقيّ الدّين بن دقيق العيد، وقاضي القضاة تقيّ الدّين ابن بنت الأعزّ، وقاضي القضاة تقيّ الدّين بن رزين، قبل ولايتهم القضاء في حال تحمّلهم الشّهادة.

стр. 1840

وما زالت بيد ورثة بيسري إلى سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة. فشرهت نفس الأمير قوصون إلى أخذها، وسأل السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون في ذلك، فأذن له في التّحدّث مع ورثة بيسري، فأرسل إليهم ووعدهم ومنّاهم وأرضاهم حتى أذعنوا له. فبعث السّلطان إلى قاضي القضاة شرف الدّين الحرّاني (¬a) الحنبلي يلتمس منه الحكم باستبدالها، كما حكم له (¬b) باستبدال بيت قتّال السّبع وحمّامه (١) الذي أنشأ جامعه بخطّ خارج الباب الجديد (٢) من الشّارع (¬c)، فأجاب إلى ذلك. ونزل إليها علاء الدّين (¬a) بن هلال الدّولة شادّ الدّواوين (٣) ومعه شهود القيمة، فقوّمت بمائة ألف درهم وتسعين ألف درهم نقرة، وتكون الغبطة للأيتام عشرة آلاف درهم نقرة لتتمّ الجملة مائتي ألف درهم نقرة. وحكم قاضي القضاة شرف الدّين الحرّاني ببيعها، وكان هذا الحكم ممّا شنّع عليه ذكره (¬d). ثم اختلفت الأيدي في الاستيلاء على هذه الدّار، واقتدى القضاة بعضهم ببعض في الحكم باستبدالها. وآخر ما حكم به من استبدالها في أعوام بضع وثمانين وسبع مائة، فصارت من جملة الأوقاف الظّاهريّة برقوق، وهي الآن بيد ابنته (¬e) بيرم (٤). وكان لها باب بوّابته من أعظم ما عمل من البوّابات بالقاهرة، ويتوصّل إلى هذه الدّار من هذا الباب، وهو بجوار حمّام بيسري من شارع بين القصرين، وقد بني تجاه هذا الباب حوانيت حتى خفي، وصار يدخل إلى هذه الدّار من باب آخر بخطّ الخرنشف.

стр. 1841

بيسري - الأمير شمس الدّين الشّمسي الصّالحي النّجمي (١)، أحد مماليك الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب البحريّة، تنقّل في الخدم حتى صار من أجلّ الأمراء في أيام الملك الظّاهر بيبرس البندقداري، واشتهر بالشّجاعة والكرم وعلوّ الهمّة. وكانت له عدّة مماليك راتب كلّ واحد منهم مائة رطل لحم، وفيهم من له عليه في اليوم مبلغ ستين عليقة لخيله، وبلغ عليق خيله وخيل مماليكه في كلّ يوم ثلاثة آلاف عليقة سوى علف الجمال، وكان ينعم بالألف دينار وبالخمس مائة غير مرّة. ولمّا فرّق الملك العادل كتبغا المماليك على الأمراء، بعث إليه بستين مملوكا، فأخرج إليهم في يومهم لكلّ واحد فرسين وبغلا. وشكا إليه أستادّاره كثرة خرجه، وحسّن له الاقتصاد في النّفقة، فحنق عليه وعزله وأقام غيره، وقال: لا يرني وجهه أبدا. ولم يعرف عنه أنّه شرب الماء في كوز واحد مرّتين، وإنّما يشرب كلّ مرّة في كوز جديد، ثم لا يعاود الشّرب منه. وتنكّر عليه الملك المنصور قلاوون فسجنه في سنة ثمانين وستّ مائة، وما زال في سجنه إلى أن مات الملك المنصور وقام من بعده ابنه الملك الأشرف خليل، فأفرج عنه في سنة اثنتين وتسعين وستّ مائة، بعد عوده من دمشق بشفاعة الأمير بيدرا والأمير سنجر الشّجاعي، وأمر أن يحمل إليه تشريف كامل، ويكتب له منشور بإمرة مائة فارس، وأن يلبس التّشريف من السّجن. فجهّز التّشريف، وحمل إليه المنشور في كيس حرير أطلس، وعظّم فيه تعظيما زائدا، وأثنى عليه ثناء جمّا، وسار إليه بيدرا والشّجاعي والدّوادار والأفرم إلى السّجن ليمشوا في خدمته إلى أن يقف بين يدي السّلطان، فامتنع من لبس التّشريف، والتزم بأيمان مغلّظة أنّه لا يدخل على السّلطان إلاّ بقيده ولباسه الذي كان عليه في السّجن. وتسامعت الأمراء وأهل القلعة بخروجه، فهرعوا إليه. وكان لخروجه نهار عظيم.

стр. 1842

ودخل على السّلطان/ بقيده، فأمر به ففكّ بين يديه، وأفيض عليه التّشريف فقبّل الأرض وأكرمه السّلطان وأمّره. فنزل إلى داره، وخرج النّاس إلى رؤيته وسرّوا بخلاصه. فبعث إليه السّلطان عشرين فرسا وعشرين إكديشا (١) وعشرين بغلا، وأمر جميع الأمراء أن يبعثوا إليه، فلم يبق أحد حتى سيّر إليه ما يقدر عليه من التّحف والخيل (¬a) والسّلاح، وبعث إليه أمير سلاح ألفي دينار عينا. وكانت مدّة سجنه إحدى عشرة سنة وأشهرا، فصار يكتب بعد خروجه من السّجن «بيسرى الأشرفي» بعد ما كان يكتب «بيسري الشّمسي». وما زال إلى أن تسلطن الملك المنصور لاجين فأخذ الأمير منكوتمر (¬b) يغريه بالأمير بيسري ويخوّفه منه، وأنّه قد تعيّن للسّلطنة. فعمله كاشف الجيزة، وأمره أن يحضر الخدمة يومي الاثنين والخميس بالقلعة، ويجلس رأس الميمنة تحت الطّواشي حسام الدّين بلال المغيثي لأجل كبره وتقدّمه. ثم زاد منكوتمر (¬b) في الإغراء به والسّلطان يستمهله (¬c)، إلى أن قبض عليه وسجنه في سنة سبع وتسعين وستّ مائة، وأحاط بسائر موجوده، وحبس عدّة من مماليكه.، فسرّ منكوتمر (¬b) بمسكه سرورا عظيما. واستمرّ في السّجن إلى أن مات في تاسع عشر شوّال سنة ثمان وتسعين وستّ مائة وعليه ديون كثيرة، ودفن بتربته خارج باب النّصر رحمه اللّه تعالى. قصر بشتاك [أثر رقم ٣٤] هذا القصر هو الآن تجاه الدّار البيسريّة، وهو من جملة القصر الكبير الشّرقي الذي كان مسكنا للخلفاء الفاطميين، ويسلك إليه من الباب الذي كان يعرف في أيّام عمارة القصر الكبير في زمن الخلفاء بباب البحر، وهو يعرف اليوم بباب قصر بشتاك تجاه المدرسة الكاملية (٢). وما زال إلى أن اشتراه الأمير بدر الدّين بكتاش الفخري (٣) - المعروف بأمير سلاح - وأنشأ دورا وإسطبلات ومساكن له ولحواشيه وصار ينزل إليه هو والأمير بدر الدّين بيسري عند انصرافهما

стр. 1843

من الخدمة السّلطانية بقلعة الجبل في موكب عظيم زائد الحشمة، ويدخل كلّ منهما إلى داره. وكان موضع هذا القصر عدّة مساجد، فلم يتعرّض لهدمها، وأبقاها على ما هي عليه. فلمّا مات أمير سلاح، وأخذ الأمير قوصون الدّار البيسريّة كما تقدّم ذكره أحبّ الأمير بشتاك أن يكون له أيضا دار بالقاهرة. وذلك أنّ قوصون وبشتاك كانا يتناظران في الأمور، ويتضادّان في سائر الأحوال، ويقصد كلّ منهما أن يسامي الآخر ويزيد عليه في التّجمّل. فأخذ بشتاك (١) يعمل في الاستيلاء على قصر أمير سلاح حتى اشتراه من ورثته، فأخذ من السّلطان الملك النّاصر محمد ابن قلاوون قطعة أرض كانت داخل هذا القصر من حقوق بيت المال، وهدم دارا كانت قد أنشئت هناك عرفت بدار أقطوان (¬a) السّاقي، وهدم أحد عشر مسجدا وأربعة معابد كانت من آثار الخلفاء يسكنها جماعة الفقراء، وأدخل ذلك في البناء إلاّ مسجدا منها فإنّه عمّره، ويعرف اليوم بمسجد الفجل (¬b) (٢). فجاء هذا القصر من أعظم مباني القاهرة، فإنّ ارتفاعه في الهواء أربعون ذراعا، ونزول أساسه في الأرض مثل ذلك، والماء يجري بأعلاه، وله شبابيك من حديد تشرف على شارع القاهرة، وينظر من أعلاه عامّة القاهرة والقلعة والنّيل والبساتين. وهو مشترف (¬c) جليل، مع حسن بنائه، وتأنّق زخرفته، والمبالغة في تزويقه وترخيمه. وأنشأ أيضا في أسفله حوانيت كان يباع فيها الحلوى وغيرها، فصار الأمر أخيرا كما كان أوّلا بتسمية الشّارع «بين القصرين». فإنّه كان أوّلا - كما تقدّم - بالقاهرة القصر الكبير الشّرقيّ الذي قصر بشتاك من جملته، وتجاهه القصر الغربيّ الذي الخرنشف من جملته، فصار قصر بشتاك وقصر بيسري وما بينهما من الشّارع يقال له «بين القصرين». ومن لا علم له يظنّ إنّما قيل لهذا الشّارع «بين القصرين» لأجل قصر بيسري وقصر بشتاك، وليس هذا بصحيح وإنّما قيل له بين القصرين قبل ذلك من حين بنيت القاهرة، فإنّه كان بين القصرين: القصر الكبير الشّرقي، والقصر الصّغير الغربيّ، وقد تقدّم ذلك مشروحا مبيّنا (٣).

стр. 1844

ولمّا أكمل بشتاك بناء هذا القصر والحوانيت التي في أسفله والخان المجاور له في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، لم يبارك له فيه ولا تمتّع به، وكان إذا نزل إليه ينقبض صدره، ولا تنبسط نفسه ما دام فيه حتى يخرج منه فترك المجيء إليه، فصار يتعاهده أحيانا فيعتريه ما تقدّم ذكره، فكرهه وباعه لزوجة بكتمر السّاقي. وتداوله ورثتها إلى أن أخذه السّلطان الملك النّاصر حسن ابن محمد بن قلاوون، فاستقرّ بيد أولاده إلى أن تحكّم الأمير الوزير المشير جمال الدّين الأستادّار في مصر، أقام من شهد عند قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم الحنفي بأنّ هذا القصر يضرّ بالجار والمارّ، وأنّه مستحقّ للإزالة والهدم كما عمل ذلك في غير موضع بالقاهرة؛ فحكم له باستبداله، وصار من جملة أملاكه. فلمّا قتله الملك النّاصر فرج بن برقوق، استولى على سائر ما تركه، وجعل هذا القصر فيما عيّنه للتّربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظّاهر برقوق خارج باب النّصر (١). فاستمرّ في جملة أوقاف التّربة المذكورة إلى أن قتل الملك النّاصر بدمشق في حرب الأمير شيخ والأمير/ نوروز، وقدم الأمير شيخ إلى مصر هو والخليفة المستعين باللّه العبّاس بن محمد، وقف له من بقي من أولاد جمال الدّين وأقاربه - وكان لأهل الدّولة يومئذ بهم عناية - فحكم قاضي القضاة صدر الدّين عليّ بن الأدمي الحنفي بارتجاع أملاك جمال الدّين التي وقفها على ما كانت عليه، فتسلّمها أخوه، وصار هذا القصر إليهم، وهو الآن بيدهم (٢).

стр. 1845

قصر الحجازيّة هذا القصر (١) بخطّ رحبة باب العيد بجوار المدرسة الحجازيّة، كان أوّلا يعرف بقصر الزّمرّد، في أيّام الخلفاء الفاطميين، من أجل أنّ باب القصر الذي كان يعرف بباب الزّمرّد كان هناك، كما تقدّم ذكره في هذا الكتاب عند ذكر القصور (٢). فلمّا زالت الدولة الفاطمية صار من جملة ما صار بيد ملوك بني أيّوب، واختلفت عليه الأيدي إلى أن اشتراه الأمير بدر الدّين أمير مسعود بن خطير الحاجب (٣) من أولاد الملوك بني أيّوب، واستمرّ بيده إلى أن رسم بتسفيره من مصر إلى مدينة غزّة، واستقرّ نائب السّلطنة بها في سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، وكاتب الأمير سيف الدّين قوصون عليه وملّكه إيّاه. فشرع في عمارته سبع قاعات، لكلّ قاعة إسطبل ومنافع ومرافق، وكانت مساحة ذلك عشرة أفدنة، فمات قوصون قبل أن يتم بناء ما أراد من ذلك. فصار يعرف بقصر قوصون إلى أن اشترته خوند تتر الحجازيّة ابنة الملك النّاصر محمد بن قلاوون وزوج الأمير ملكتمر الحجازي (٤)، فعمّرته عمارة ملوكية، وتأنّقت فيه تأنّقا زائدا، وأجرت الماء إلى أعلاه، وعملت تحته (¬a) إسطبلا كبيرا لخيول خدّامها وساحة كبيرة تشرف عليها من شبابيك حديد، فجاء شيئا عجبا حسنه. وأنشأت بجواره مدرستها التي تعرف إلى اليوم بالمدرسة الحجازيّة (٥)، وجعلت هذا القصر من جملة ما هو

стр. 1846

موقوف عليها. فلمّا ماتت سكنه الأمراء بالأجرة إلى أن عمّر الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار داره المجاورة للمدرسة السّابقيّة، وتولّى أستادّاريّة الملك النّاصر فرج، صار يجلس برحبة هذا القصر والمقعد الذي كان بها، وعمل القصر سجنا يحبس فيه من يعاقبه من الوزراء والأعيان، فصار موحشا يروّع النّفوس ذكره لما قتل فيه من النّاس خنقا وتحت العقوبة، من بعد ما أقام دهرا وهو مغنى صبابات، وملعب أتراب، وموطن أفراح، ودار عزّ، ومنزل لهو، ومحلّ أماني النّفوس ولذّاتها. ثم لمّا فحش كلب جمال الدّين وشنع شرهه في اغتصاب الأوقاف، أخذ هذا القصر يتشّعث شيء من زخارفه، وحكم له قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم الحنفيّ باستبداله (١) - كما تقدّم الحكم في نظائره - فقلع رخامه، فلمّا قتل صار معطّلا مدّة، وهمّ الملك النّاصر فرج ببنائه رباطا، ثم انثنى عزمه عن ذلك. فلمّا عزم على المسير إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز في سنة أربع عشرة وثمان مائة، نزل إليه الوزير الصّاحب سعد الدّين إبراهيم بن البشيري، وقلع شبابيكه الحديد لتعمل آلات حرب. وهو الآن بغير رخام ولا شبابيك، قائم على أصوله لا يكاد ينتفع به، إلاّ أنّ الأمير المشير بدر الدّين حسن بن محبّ الدّين (¬a) الأستادّار (٢)، لمّا سكن في بيت الأمير جمال الدّين، جعل ساحة هذا القصر إسطبلا لخيوله، وصار يحبس في القصر من يصادره أحيانا (٣). وفي شهر (¬b) رمضان سنة عشرين وثمان مائة ذكر الأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج الأستادّار، ما يجده المسجونون في السّجن المستجدّ عند باب الفتوح بعد هدم خزانة شمائل، من شدّة الضّيق وكرب (¬c) الغمّ، فعيّن هذا القصر ليكون سجنا لأرباب الجرائم، وأنعم على جهة وقف مدرسة (¬b) جمال الدّين بعشرة آلاف درهم فلوسا عن أجرة سنتين، فشرعوا في عمله سجنا، وأزالوا كثيرا من معالمه، ثم ترك على ما بقي فيه ولم يتّخذ سجنا (٤).

стр. 1847

قصر يلبغا اليحياوي (١) هذا القصر موضعه الآن مدرسة السّلطان حسن المطلّة على الرّميلة تحت قلعة الجبل (٢). وكان قصرا عظيما أمر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون، في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة، ببنائه لسكنى الأمير يلبغا اليحياوي (٣)، وأن يبنى أيضا قصر يقابله برسم سكنى الأمير ألطنبغا المارديني (٤)، لتزايد رغبته فيهما وعظيم محبّته لهما، حتى يكونا تجاهه، وينظر إليهما من قلعة الجبل. فركب بنفسه إلى حيث سوق الخيل من الرّميلة تحت القلعة، وسار إلى حمّام الملك السّعيد (٥)، وعيّن إسطبل الأمير أيدغمش أمير آخور - وكان تجاهها - ليعمر (¬a) هو ما يقابله قصرين متقابلين، ويضاف إلى ذلك (¬b) إسطبل الأمير طشتمر السّاقي وإسطبل الجوق (٦)، وأمر الأمير

стр. 1848

قوصون أن يشتري ما يجاور إسطبله من الأملاك، ويوسّع في إسطبله، وجعل أمر هذه العمارة إلى الأمير آقبغا عبد الواحد (١). فوقع الهدم فيما كان بجوار بيت (¬a) الأمير قوصون، وزيد في الإسطبل، وجعل باب هذا الإسطبل من تجاه باب القلعة المعروف بباب السّلسلة (٢)، وأمر السّلطان بالنّفقة على العمارة من مال السّلطان على يد النّشو (٣). وكان للملك النّاصر رغبة كبيرة في العمارة بحيث أنّه أفرد لها ديوانا، وبلغ مصروفها في كلّ يوم اثني عشر ألف درهم نقرة. وأقلّ ما كان يصرف من ديوان العمارة في اليوم، برسم العمارة، مبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة (٤). فكثر (¬b) الاهتمام في بناء القصرين المذكورين،/ وعظم الاجتهاد في عمارتهما، و (¬c) صار السّلطان ينزل من القلعة لكشف العمل، ويستحثّ على فراغهما. وأوّل ما بدئ به قصر يلبغا اليحياوي، فعمل أساسه حصيرة واحدة انصرف عليها وحدها مبلغ أربع مائة ألف درهم نقرة، ولم يبق في القاهرة ومصر صانع له تعلّق في العمارة إلاّ وعمل فيها حتى كمل القصر. فجاء في غاية الحسن، وبلغت النفقة عليه مبلغ أربع مائة ألف ألف وستين ألف درهم نقرة: منها ثمن لازورد خاصّة مائة ألف درهم. فلمّا كملت العمارة نزل السّلطان لرؤيتها وحضر يومئذ من عند الأمير سيف الدّين طرغاي نائب حلب (٥) تقدمة، من جملتها عشرة أزواج بسط أحدها حرير، وعدّة أواني من بلّور ونحوه وخيل وبخاتي، فأنعم بالجميع على الأمير يلبغا اليحياوي. وأمر الأمير آقبغا عبد الواحد أن ينزل إلى هذا القصر، ومعه إخوان سلار برفقته وسائر أرباب الوظائف، لعمل مهمّ، فبات النّشو ناظر الخاصّ هناك لتعبئة ما يحتاج إليه من اللّحوم والتّوابل ونحوها. فلمّا تهيّأ ذلك حضر سائر أمراء الدّولة من أوّل النّهار، وأقاموا بقصر يلبغا اليحياوي في أكل وشرب ولهو، وفي آخر النّهار حضرت إليهم التّشاريف السّلطانية - وعدّتها أحد عشر تشريفا - برسم أرباب الوظائف، وهم

стр. 1849

الأمير آقبغا عبد الواحد الأستادّار، والأمير قوصون السّاقي، والأمير بشتاك، والأمير طقوزدمر أمير مجلس في آخرين. وأحضر (¬a) لبقيّة الأمراء خلع وأقبية على قدر مراتبهم، (¬b) وعدّة التّشاريف أحد عشر تشريفا (¬b) فلبس الجميع التّشاريف والخلع والأقبية، وأركبوا الخيول المحضرة إليهم من الإسطبل السّلطاني بسروج وكنابيش ما بين ذهب وفضّة بحسب مراتبهم، وساروا إلى منازلهم. وذبح في هذا المهمّ ستّ مائة رأس غنم وأربعون بقرة وعشرون فرسا، وعمل فيه ثلاث مائة قنطار سكّر برسم المشروب (١) فإنّ القوم يومئذ لم يكونوا يتظاهرون بشرب الخمر ولا شيء من المسكرات ألبتّة، ولا يجسر أحد على عمله في مهمّ ألبتّة. وما زالت هذه الدّار باقية إلى أن هدمها السّلطان الملك النّاصر حسن وأنشأ موضعها مدرسته الموجودة الآن. إسطبل قوصون (¬b)) تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة (¬b) [أثر رقم ٢٦٦] هذا الإسطبل (٢) بجوار مدرسة السّلطان حسن، وله بابان: باب من الشّارع بجوار حدرة البقر، وبابه الآخر تجاه باب السّلسلة (٣) الذي يتوصّل منه إلى الإسطبل السّلطاني (٤) وقلعة الجبل. أنشأه الأمير علم الدّين سنجر الجمقدار (٥)، فأخذه منه الأمير سيف الدّين قوصون (٦)، وصرف له

стр. 1850

ثمنه من بيت المال، فزاد فيه قوصون إسطبل الأمير سنقر الطّويل (١). وأمره الملك النّاصر محمد ابن قلاوون بعمارة هذا الإسطبل، فبنى فيه كثيرا، وأدخل فيه عدّة عمائر ما بين دور وإسطبلات، فجاء قصرا عظيما إلى الغاية، وسكنه الأمير قوصون مدّة حياة الملك النّاصر. فلمّا مات السّلطان وقام من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، عمل عليه قوصون وخلعه، وأقام بعده بدله الملك الأشرف كجك ابن الملك النّاصر محمد. فلمّا كان في سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة، حدث في شهر رجب منها فتنة بين الأمير قوصون وبين الأمراء وكبيرهم أيدغمش أمير آخور، فنادى أيدغمش في العامّة: يا كسّابة، عليكم بإسطبل قوصون انهبوه؛ هذا وقوصون محصور بقلعة الجبل. فأقبلت العامّة من السّؤّال والغلمان والجند إلى إسطبل قوصون، فمنعهم المماليك الذين كانوا فيه، ورموهم بالنّشّاب، وأتلفوا منهم عدّة. فثارت مماليك الأمير يلبغا اليحياوي من أعلى قصر يلبغا - وكان بجوار قصر قوصون حيث مدرسة السّلطان حسن - ورموا مماليك قوصون بالنّشّاب حتى انكفّوا عن رمي النّهّابة، فاقتحم غوغاء النّاس إسطبل قوصون، وانتهبوا ما كان بركاب خاناته وحواصله، وكسروا باب القصر بالفؤوس، وصعدوا إليه بعد ما تسلّقوا إلى القصر من خارجه. فخرجت مماليك قوصون من الإسطبل يدا واحدة بالسّلاح، وشقّوا القاهرة، وخرجوا إلى ظاهر باب النّصر يريدون الأمراء الواصلين من الشّام. فأتت النّهّابة على جميع ما في إسطبل قوصون من الخيل والسّروج وحواصل المال التي كانت بالقصر، وكانت تشتمل من أنواع المال والقماش والأواني الذهب والفضّة على ما لا يحدّ ولا يعدّ كثرة. وعندما خرجت العامّة بما نهبته، وجدت مماليك الأمراء والأجناد قد وقفوا على باب الإسطبل في الرّميلة لانتظار من يخرج، وكان إذا خرج أحد بشيء من النّهب أخذه منه أقوى منه، فإن امتنع من إعطائه قتل. واحتمل النّهّابة أكياس الذّهب، ونثروها في الدّهاليز والطّرق، وظفروا بجواهر نفيسة وذخائر ملوكية وأمتعة جليلة القدر وأسلحة عظيمة وأقمشة مثمّنة، وجرّوا البسط الرّومية والآمديّة وما هو

стр. 1851

من عمل الشّريف، وتقاتلوا عليها، وقطعوها قطعا بالسكاكين وتقاسموها، وكسروا أواني البلّور والصّيني، وقطعوا سلاسل الخيل الفضّة والسّروج الذّهب والفضّة وفكّوا اللّجم، وقطعوا الخيم وكسروا الخركاوات، وأتلفوا سترها وأغشيتها الأطلس والزّركفت. وذكر عن كاتب قوصون أنّه قال: أمّا الذّهب المكيّس والفضّة فكان ينيف على أربع مائة ألف دينار، وأمّا الزّركش والحوائص والمعصّبات، ما بين خوانجات وأطباق فضّة وذهب، فإنّه فوق/ المائة ألف دينار، والبلّور والمصاغ المعمول برسم النّساء فإنّه لا يحضر. وكان هناك ثلاثة أكياس أطلس فيها جوهر قد جمعه في طول أيّامه لكثرة شغفه بالجوهر لم يجمع مثله ملك، كان ثمنه نحو المائة ألف دينار. وكان في حاصله عدّة مائة وثمانين زوج بسط، منها ما طوله من أربعين ذراعا إلى ثلاثين ذراعا عمل البلاد، وستة عشر زوجا من عمل الشّريف بمصر، ثمن كلّ زوج اثنا عشر ألف درهم نقرة، منها أربعة أزواج بسط من حرير. وكان من جملة الخام نوبة خام جميعها أطلس معدني قصب جميع ذلك نهب وكسر وقطع. وانحطّ سعر الذّهب بديار مصر عقيب هذه النّهبة من دار قوصون، حتى أبيع المثقال بأحد عشر درهما لكثرته في أيدي النّاس، بعد ما كان سعر المثقال عشرين درهما. ومن حينئذ تلاشى أمر هذا القصر لزوال رخامه في النّهب، وما برح مسكنا لأكابر الأمراء، وقد اشتهر أنّه من الدّور المشئومة، وقد أدركت في عمري غير واحد من الأمراء سكنه، وآل أمره إلى ما لا خير فيه (١). وممّن سكنه الأمير بركة الزّيني، ونهب نهبة فاحشة، وأقام عدّة أعوام خرابا لا يسكنه أحد ثم أصلح، وهو الآن من أجلّ مساكن الأمراء (¬a) (٢).

стр. 1852

دار أرغون الكاملي (¬a) هذه الدّار بالجسر الأعظم على بركة الفيل، أنشأها الأمير أرغون الكاملي في سنة سبع وأربعين وسبع مائة، وأدخل فيها من أرض بركة الفيل عشرين ذراعا (١). أرغون الكاملي - الأمير سيف الدّين نائب حلب ودمشق (٢)، أنشأه (¬b) الملك الصّالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون، وزوّجه أخته من أمّه، بنت الأمير أرغون العلائي، في سنة خمس وأربعين وسبع مائة، وكان يعرف أوّلا بأرغون الصّغير؛ فلمّا مات الملك الصّالح وقام من بعده في مملكة مصر أخوه الملك الكامل شعبان بن محمد بن قلاوون، أعطاه إمرة مائة وتقدمة ألف، ونهى أن يدعى أرغون الصّغير، ويسمّى أرغون الكاملي. فلمّا مات الأمير قطليجا الحموي في نيابة حلب، رسم له الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون بنيابة حلب، فوصل إليها يوم الثلاثاء حادي عشر شهر رجب سنة خمسين وسبع مائة، وعمل النّيابة بها على أحسن ما يكون من الحرمة والمهابة، وهابه التّركمان والعرب، ومشت الأحوال به.

стр. 1853

ثم جرت له فتنة مع أمراء حلب، فخرج في نفر يسير إلى دمشق، فوصلها لثلاث بقين من ذي الحجّة سنة إحدى وخمسين، فأكرمه الأمير أيتمش النّاصريّ نائب دمشق، وجهّزه إلى مصر، فأنعم عليه السّلطان وأعاده إلى نيابة حلب؛ فأقام بها إلى أن عزل أيتمش من نيابة دمشق فى أوّل سلطنة الملك الصّالح صالح بن محمد بن قلاوون، فنقل من نيابة حلب إلى نيابة دمشق، فدخلها في حادي عشرين شعبان سنة اثنتين وخمسين وأقام بها، فلم يصف له بها عيش، فاستعفى فلم يجب، وما زال بها إلى أن خرج بيبغاروس (¬a) وحضر إلى دمشق، فخرج وسار (¬b) إلى لدّ، واستولى بيبغاروس (¬a) على دمشق. فلمّا خرج الملك الصّالح من مصر وسار إلى بلاد الشّام بسبب حركة بيبغاروس (¬a)، تلقّاه أرغون وسار بالعساكر إلى دمشق، ودخل السّلطان بعده وقد فرّ بيبغاروس (¬a)، فقلّده نيابة حلب في خامس عشرين شهر رمضان، وعاد السّلطان إلى مصر. فلم يزل الأمير أرغون بحلب، وخرج مها إلى الأبلستين في طلب بلد (¬b) ابن يلغادر، وحرقها وحرق قراها، ودخل إلى قيصريّة، وعاد إلى حلب في رجب سنة أربع وخمسين. فلمّا خلع الملك الصّالح بأخيه الملك النّاصر حسن في شوّال سنة خمس وخمسين، طلب الأمير أرغون من حلب في آخر شوّال. فحضر إلى مصر، وعمل أمير مائة مقدّم ألف إلى تاسع صفر سنة ستّ وخمسين، فأمسك وحمل إلى الإسكندرية، واعتقل فيها وعنده زوجته. ثم نقل من الإسكندرية إلى القدس، فأقام بها بطّالا، وبنى هناك تربة، ومات بها يوم الخميس لخمس بقين من شوّال سنة ثمان وخمسين وسبع مائة. دار طاز (¬c) [أثر رقم ٢٦٧] هذه الدّار بجوار مدفن (¬d) المدرسة البندقدارية تجاه حمّام الفارقاني (١) على يمنة من سلك من الصّليبة يريد حدرة البقر وباب زويلة. أنشأها الأمير سيف الدّين طاز (¬e)) قصرا وإسطبلا (¬e) في سنة

стр. 1854

ثلاث وخمسين وسبع مائة، وكان موضعها عدّة مساكن هدمها برضى أربابها (¬a) وبغير رضاهم، وتولّى الأمير منجك (١) عمارتها، وصار يقف عليها بنفسه حتى كملت (٢)، فجاءت قصرا مشيّدا وإسطبلا كبيرا، وهي باقية إلى يومنا هذا يسكنها أكابر (¬b) الأمراء. وفي يوم السّبت سابع عشرين جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين، عمل الأمير طاز في هذه الدّار وليمة عظيمة حضرها السّلطان الملك الصّالح صالح وجميع الأمراء. فلمّا كان وقت انصرافهم قدّم الأمير طاز للسّلطان أربعة أفراس بسروج ذهب وكنابيش ذهب، وقدّم للأمير شيخو (¬c) فرسين كذلك، وللأمير صرغتمش فرسين كذلك (¬b)، ولكلّ واحد من أمراء الألوف فرسا كذلك. ولم يعهد قبل هذا أنّ أحدا من الملوك الأتراك نزل إلى بيت أمير قبل الصّالح هذا؛ فكان يوما مذكورا (٣). طاز - الأمير سيف الدّين أمير مجلس (٤)، اشتهر ذكره في أيّام الملك الصّالح إسماعيل، ولم يزل أميرا إلى أن خلع الملك الكامل شعبان وأقيم المظفّر حاجي، وهو أحد الأمراء السّتّة أرباب

стр. 1855

الحلّ والعقد. فلمّا خلع/ المظفّر وأقيم الملك النّاصر حسن، زادت وجاهته وحرمته. وهو الذي أمسك الأمير بيبغاروس (¬a) في طريق الحجاز، وأمسك أيضا الملك المجاهد سيف الإسلام عليّ بن المؤيّد صاحب بلاد اليمن بمكّة وأحضره إلى مصر. وهو الذي قام في نوبة السّلطان حسن لمّا خلع وأجلس الملك الصّالح صالح على كرسي الملك. وكان يلبس في درب الحجاز عباءة وسرفولا (١) ويخفي نفسه ليتجسّس على أخبار بيبغاروس (¬a). ولم يزل على حاله إلى ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسبع مائة، فخلع الصّالح وأعيد النّاصر حسن، فأخرج طاز إلى نيابة حلب وأقام بها. دار صرغتمش هذه الدّار بخطّ بئر الوطاويط (٢)، بالقرب من المدرسة الصّرغتمشيّة المجاورة لجامع أحمد بن طولون من شارع الصّليبة. كان موضعها مساكن، فاشتراها الأمير صرغتمش وبناها قصرا وإسطبلا في سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة، وحمل إليه الوزراء والكتّاب والأعيان من الرّخام وغيره شيئا كثيرا. وقد ذكر التّعريف به عند ذكر المدرسة الصّرغتمشيّة من هذا الكتاب في ذكر المدارس (٣).

стр. 1856

وهذه الدّار عامرة إلى يومنا هذا، يسكنها الأمراء، ووقع الهدم في القصر خاصّة في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمان مائة (١). دار ألماس هذه الدّار بخطّ حوض ابن هنس (٢)، فيما بينه وبين حدرة البقر، بجوار جامع ألماس (٣). أنشأها الأمير ألماس الحاجب، واعتنى برخامها عناية كبيرة، واستدعى به من البلاد. فلمّا قتل في صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، أمر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون بقلع ما في هذه الدّار من الرّخام، فقلع جميعه ونقل إلى القلعة. وهذه الدّار باقية إلى يومنا هذا ينزلها الأمراء. دار بهادر المقدّم هذه الدّار بخطّ الباطليّة من القاهرة، أنشأها الأمير الطّواشي سيف الدّين بهادر، مقدّم المماليك السّلطانية في أيّام الملك الظّاهر برقوق. وبهادر هذا من مماليك الأمير يلبغا، وأقام في تقدمة المماليك جميع الأيام الظّاهريّة، وكثر ماله، وطال عمره حتى هرم، ومات في أيّام الملك النّاصر فرج، وهو على إمرته وفي وظيفة (¬a) تقدمة المماليك السّلطانية، يوم الأحد سابع عشر رجب سنة اثنتين وثمان مائة (٤).

стр. 1857

وموضع هذه الدّار من جملة ما كان احترق من الباطليّة في أيام الملك الظّاهر بيبرس، كما تقدّم في ذكر حارة الباطليّة عند ذكر الحارات من هذا الكتاب (١). ولمّا مات المقدّم بهادر استقرّت من بعده منزلا لأمراء الدّولة، وهي باقية على ذلك إلى يومنا هذا. دار السّت شقرا هذه الدّار من جملة حارة كتامة (¬a)، وهي اليوم بالقرب من مدرسة الوزير الصّاحب كريم الدّين ابن غنّام بجوار حمّام كراى، وهي من الدّور الجليلة. عرفت بخوند السّتّ شقرا ابنة السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون، وتزوّجها الأمير أروس، ثم انحطّ قدرها واتّضعت في نفسها إلى أن ماتت في يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبع مائة (٢). دار ابن عنان هذه الدّار بخطّ الجامع الأزهر، أنشأها نور الدّين عليّ بن عنان التّاجر بقيسارية جهاركس من القاهرة، وتاجر الخاصّ الشّريف السّلطاني في أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون (٣). كان ذا ثراء (¬b) ونعمة كثيرة ومال متّسع، فلمّا زالت دولة الأشرف انجمع (¬c) وداخله وهم، فأظهر فاقة، وتذكّر أنّه دفن مبلغا كبيرا من الألف مثقال ذهب في هذه الدّار، ولم يعلم به أحدا سوى زوجته أم أولاده. فاتّفق أنّه مرض وخرس، ومرضت زوجته أيضا، فمات يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة تسع وثمانين وسبع مائة، وماتت زوجته أيضا. فأسف أولاده على فقد ماله، وحفروا مواضع من هذه الدّار فلم يظفروا بشيء ألبتّة، وأقامت مدّة بأيديهم وهي من وقف أبيهم، ومات ولده شمس الدّين محمد بن عليّ بن عنان يوم السبت تاسع صفر سنة ثلاث وثمان مائة، ثم باعوها سنة سبع عشرة وثمان مائة كما بيع غيرها من الأوقاف.

стр. 1858

دار بهادر الأعسر هذه الدّار بخطّ بين السّورين، فيما بين سويقة المسعودي من القاهرة وبين الخليج الكبير الذي يعرف اليوم بخليج اللّؤلؤة. كان مكانها من جملة دار الذّهب التي تقدّم ذكرها في ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب (١)، وإلى يومنا هذا بجوار هذه الدّار قبو، فيما بينها وبين الخليج، يعرف بقبو الذّهب من جملة أقباء دار الذّهب، وتمرّ النّاس من تحت هذا العقد (¬a). وبهادر هذا - هو الأمير سيف الدّين بهادر الأعسر القجاوي (¬b)، كان مشرفا بمطبخ الأمير سيف الدّين قجا أمير شكار، ثم صار زردكاش الأمير الكبير يلبغا الخاصّكي، وولي بعد ذلك مهمندار السّلطان بدار الضّيافة، وولي وظيفة شدّ الدّواوين (٢). إلى أن قدم الأمير يلبغا النّاصريّ نائب حلب بعساكر الشّام إلى مصر، وأزال دولة الملك الظّاهر برقوق في جمادى سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، قبض عليه ونفاه من القاهرة إلى غزّة، ثم عاد بعد ذلك إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن مات بهذه الدّار في يوم عيد الفطر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة، وحصرت تركته وكان فيها عدّة كتب في أنواع من العلوم (٣). وهذه الدّار باقية إلى يومنا هذا، وعلى بابها بئر بجانبها حوض/ ماء يملأ تشرب (¬c) الدّواب منه (٤). دار ابن رجب هذه الدّار من جملة أراضي البستان الذي يقال له اليوم الكافوري، كان إسطبلا للأمير علاء الدّين عليّ بن كلفت التّركماني شادّ الدّواوين (٥) فيما بين داره ودار الأمير تنكز نائب الشّام. فلمّا

стр. 1859

استقرّ ناصر الدّين محمد بن رجب في الوزارة، أنشأ بهذا الإسطبل قصرا كبيرا ومقعدا صار يجلس فيه واستولى من بعده على ذلك كلّه أولاده. فلمّا عمّر الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار مدرسته بخطّ رحبة باب العيد، أخذ هذا القصر والإسطبل في جملة ما أخذ من أملاك النّاس وأوقافهم. فلمّا قتله الملك النّاصر فرج واستولى على جميع ما خلّفه، أفرد هذا القصر والإسطبل فيما أفرده للمدرسة المذكورة، فلم يزل من جملة أوقافها إلى أن قتل الملك النّاصر فرج، وقدم الأمير شيخ نائب الشّام إلى مصر. فلمّا جلس على تخت الملك وتلقّب بالملك المؤيّد في غرّة شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة، وقف إليه من بقي من أولاد علاء الدّين عليّ بن كلفت، وهما امرأتان كانت إحداهما تحت الملك المؤيّد قبل أن يلي نيابة طرابلس، وهو من جملة أمراء مصر في أيّام الملك الظّاهر برقوق، وذكرتا أنّ الأمير جمال الدّين الأستادّار أخذ وقف أبيهما بغير حقّ، وأخرجتا كتاب وقف أبيهما. ففوّض أمر ذلك لقاضي القضاة جلال الدّين عبد الرّحمن بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان ابن نصير البلقيني الشّافعيّ، فلم يجد بيد أولاد جمال الدّين مستندا، فقضى بهذا المكان لورثة ابن كلفت، وبقائه على ما وقفه حسبما تضمّنه كتاب وقفه فتسلّم مستحقّ وقف ابن كلفت القصر والإسطبل، وهو الآن بأيديهم، وبينهم وبين أولاد ابن رجب نزاع في القصر فقط (١). محمّد بن رجب بن محمد بن كلفت (٢) - الأمير الوزير ناصر الدّين. نشأ بالقاهرة على طريقة مشكورة، فلمّا استقرّ ناصر الدّين محمد بن الحسام الصّقري (¬a) شادّ الدّواوين، بعد انتقال الأمير

стр. 1860

جمال الدّين محمود بن عليّ من شدّ الدّواوين إلى أستادّارية السّلطان في يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة تسعين وسبع مائة، أقام ابن رجب هذا أستادّارا عند الأمير سودون باق، وكانت أوّل مباشراته. ثم ولي شدّ الدّواوين بعد الأمير ناصر الدّين محمد بن آقبغاآص (¬a)) في ثامن شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين، فباشر ذلك إلى أن صرف بابن آقبغاآص (¬a) في سابع عشرين ذي الحجّة، وعوّض في شدّ الدواوين بشدّ دواليب الخاصّ عوضا عن خاله الأمير ناصر الدّين محمد ابن الحسام عند انتقاله إلى الوزارة. فلم يزل إلى أن توجّه الملك الظّاهر برقوق إلى الشّام، وأقام الأمير محمود الأستادّار. فقدم عليه ابن رجب بكتاب السّلطان وهو مختوم، فإذا فيه أن يقبض على ابن رجب، ويلزمه بحمل مبلغ مائة وستين ألف درهم نقرة. فقبض عليه في رابع شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وأخذ منه مبلغ سبعين ألف درهم نقرة. فلمّا كان في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين، صرف السّلطان عن الوزارة الصّاحب موفّق الدّين أبا الفرج، واستقرّ بابن رجب في منصب الوزارة وخلع عليه؛ فلم يغيّر زيّ الأمراء، وباشر الوزارة على قالب ضخم وناموس مهاب، وصار أميرا وزيرا مدبّرا لممالك. وسلك سيرة خاله الوزير ناصر الدّين محمد بن الحسام في استخدام كلّ من باشر الوزارة، فأقام الصّاحب سعد الدّين بن نصر اللّه بن البقري ناظر الدّولة، والصّاحب كريم الدّين عبد الكريم بن الغنّام ناظر البيوت، والصّاحب علم الدّين عبد الوهّاب سن إبرة مستوفى الدّولة، والصّاحب تاج الدّين عبد الرّحيم بن أبي شاكر رفيقا له في استيفاء الدّولة. وأنعم عليه بإمرة عشرين فارسا في سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين. فلم يزل على ذلك، إلى أن مات من مرض طويل في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة وهو وزير من غير نكبة، فكانت جنازته من الجنائز المذكورة. وقد ذكرته في كتاب «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة». دار القليجي هذه الدّار من جملة خطّ قصر بشتاك، كانت أوّلا من بعض دور القصر الكبير الشّرقي، الذي تقدّم ذكره عند ذكر قصور الخلفاء، ثم عرفت بدار جمال الكفاة.
следующие страницы →