← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه (١): عديم الملك ابن قفطريم كان جبّارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصّخور ليعمل هرما كما عمل الأوّلون، وكان في وقته الملكان اللذان أهبطا من السّماء، وكانا في بئر يقال له: أفتاوه، وكانا يعلّمان أهل مصر السّحر. ويقال: إنّ الملك عديم بن البودسير استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى بابل. وأهل مصر من القبط يقولون: إنّهما شيطانان يقال لهما «مهلة» و «مهالة»، وليس هما الملكين، والملكان ببابل في بئر هناك يغشاها السّحرة إلى أن تقوم السّاعة، ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام (٢). وقال قوم: كان الشّيطان يظهر وينصبها لهم. وقال قوم: أوّل من نصبها تدورة، وأوّل صنم أقامه صنم الشّمس. وقال آخرون: بل النّمرود الأوّل أمر الملوك بنصبها وعبادتها. وعديم أوّل من صلب، وذلك أنّ امرأة زنت برجل من أهل الصّناعات، وكان لها زوج من أصحاب الملك، فأمر بصلبهما على منارين، وجعل ظهر كلّ واحد منهما إلى ظهر الآخر، وزبر على المنارين اسمهما، وما فعلاه، وتاريخ الوقت الذي عمل ذلك بهما فيه، فانتهى الناس عن الزّنا (٣). وبنى (¬a) أربع مدائن، وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطّلّسمات، وكنز فيها كنوزا كثيرة، وعمل في الشرق (¬b) منارا، وأقام على رأسه صنما موجّها إلى الشّرق، مادّا يديه، يمنع دوابّ البحر والرّمال أن تتجاوز حدّه، وزبر في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه؛ ويقال: إنّ هذا المنار قائم إلى وقتنا هذا، ولولا هذا لغلب الماء الملح من البحر الشّرقي على أرض مصر.

стр. 212

وعمل على النّيل قنطرة في أوّل بلد النّوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجّهة إلى أربع جهات الدّنيا، في يدي كلّ واحد من الأصنام حربتان يضرب بهما إذا أتاهم آت من تلك الجهة، فلم تزل بحالها إلى أن هدمها فرعون موسى ﵇. وعمل البربا على باب النّوبة، وهو هناك إلى وقتنا هذا. وعمل في إحدى المداين الأربع التي ذكرناها حوضا من صوّان أسود مملوءا ماء، لا ينقص طول الدّهر ولا يتغيّر ماؤه، لأنّه اجتلبه إليه من رطوبة الهواء. وكان أهل تلك الناحية وأهل تلك المدينة يشربون منه ولا ينقص ماؤه وعمل ذلك [لهم] (¬a) لبعدهم عن النّيل. وذكر بعض كهنة القبط أنّ ذلك إنّما تمّ (¬b) لقربه من البحر الملح، فإنّ الشّمس ترفع بحرّها بخار البحر فينحصر/ من ذلك البخار جزء بالهندسة أو بالسّحر (١)، وتجعله ينحطّ في ذلك الموضع بالجوهر مثل الظّلّ، وتمدّه بالهواء فلا ينقص بذلك ماؤه على الدّهر، ولو شرب منه العالم. وعمل قدحا لطيفا على مثل هذا العمل، وأهداه حومل (¬c) الملك إلى الإسكندر اليوناني. وملكهم عديم مائة وأربعين سنة، ومات وهو ابن سبع مائة وثلاثين سنة، ودفن في إحدى المدائن ذات العجائب (٢)، وقيل: في صحراء قفط (٣). وذكر بعض القبط أنّ ناووس عديم عمل في صحراء قفط على وجه الأرض، تحت قبّة عظيمة من زجاج أخضر برّاق، معقود على رأسها كرة من ذهب، عليها طائر من ذهب موشّح بجوهر منشور الجناحين يمنع من الدّخول إلى القبّة، وكان قطرها مائة ذراع في مثلها، وجعل جسده في وسطها على سرير من ذهب مشبّك، وهو مكشوف الوجه، وعليه ثياب منسوجة بالذهب المغروز بالجوهر المنظوم، وطول القبّة أربعون ذراعا. وجعل [معه] (¬a) في القبّة مائة وسبعون مصحفا من مصاحف الحكمة، وسبع موائد بأوانيها، منها مائدة من درّ رمّاني أحمر، وأوانيها منها، ومائدة من ذهب فلموني أوانيها منها، ومائدة من

стр. 213

حجر الشّمس المضيء بآنيتها، وهو الزّبرجد الذي إذا نظرت إليه الأفاعي سالت أعينها، ومائدة من كبريت أحمر مدبّر بآنيتها، ومائدة من ملح أبيض مدبّر براق بآنيتها، ومائدة من زئبق معقود. وجعل في القبّة جواهر كثيرة وبرابي صنعة مدبّرة، وحوله سبعة أسياف وأطراس من حديد أبيض مدبر وتماثيل أفراس من ذهب، عليها سروج من ذهب، وسبعة توابيت من دنانير عليها صورته. وجعل معه من أصناف العقاقير والسّمومات والأدوية في برابي من حجارة. وقد ذكر من رأى هذه القبّة أنّهم أقاموا أياما فما قدروا على الوصول إليها، وأنّهم إذا قصدوها وكانوا منها على ثمانية أذرع دارت القبّة عن أيمانهم أو عن شمائلهم [من أزج] (¬a). ومن أعجب ما ذكروه أنّهم كانوا يحاذون آزاجها أزجا أزجا، فلا يرون [من أزج] (¬a) غير الصّورة التي يرونها من الأزج الآخر على معنى واحد. وذكروا أنّهم رأوا وجه الملك قدر ذراع ونصف بالكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة، وقدروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة (١). وذكر هؤلاء الذين رأؤها أنّهم خرجوا لحاجة فوجدوها اتّفاقا، وأنّهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا أحدا يعرفها سوى شيخ منهم (٢). وأوصى عديم الملك ابنه شدّات بن عديم أن ينصب في كلّ حيّز من أحياز ولايته منارا ويزبر عليه اسمه، فانحدر إلى الأشمونين وعمل مناراتها، وزبر عليها اسمه، وعمل بها ملاعب، وعمل في صحرائها منارا أقام عليه صنما برأسين، على اسم كوكبين كانا مقترنين في الوقت الذي خرج فيه إلى أتريب، وبنى فيها قبّة عظيمة مرتفعة على عمد وأساطين بعضها فوق بعض، وعلى رأسها صنما صغيرا من ذهب، وعمل هيكلا للكواكب. ومضى إلى حيّز صا، فعمل فيه منارا على رأسه مرآة من أخلاط توري الأقاليم، ورجع (٣). وعمل شدّات بن عديم هيكل أرمنت، وأقام فيه أصناما بأسماء الكواكب من جميع المعادن، وزيّنه بأحسن الزّينة، ونقشه بالجواهر والزّجاج الملوّن، وكساه الوشي والدّيباج، وعمل في المدائن

стр. 214

الداخلة من أنصنا هيكلا، وأقام فيه بأتريب، وهيكلا شرقي الإسكندرية. وأقام صنما من صوّان أسود باسم زحل على عبرة النّيل من الجانب الغربي، وبنى في الجانب الشرقي مدائن في إحداها صورة صنم قائم وله إحليل، إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر ذكره فمسحه (¬a) بكلتا يديه، انتشر ذكره وقوي على الباه. وفي إحداها بقرة لها ضرعان كبيران، إذا انعقد لبن امرأة أتتها ومسحتها بيديها، فإنّه يدرّ لبنها (١). وجمع التّماسيح بطلّسم عمله بناحية أسيوط، فكانت تنصبّ من النّيل إلى إخميم انصبابا، فيقتلها ويستعملها جلودا في السّفن وغيرها (٢). وعمل منقاوس الملك بيتا تدور به تماثيل لجميع العلل، وكتب على رأس كلّ تمثال يصلح [له] (¬b) من العلاج، فانتفع الناس بها زمانا إلى أن أفسدها بعض الملوك. وعمل صورة امرأة متبسّمة، لا يراها مهموم إلاّ زال همّه ونسيه، فكان الناس يتناوبونها ويطوفون حولها، ثم عبدوها من جملة ما عبدوه بعد ذلك. وعمل تمثالا من صفر مذهّب بجناحين، لا يمرّ به زان ولا زانية إلاّ كشف عورته بيده. وكان الناس يمتحنون به الزّناة، فامتنعوا من الزّنا فرقا منه. فلمّا ملك كلكن عشقت حظيّة عنده رجلا من خدمه، وخافت أن تمتحن بذلك الصّنم، فأخذت في ذكر الزّواني مع الملك وأكثرت من سبّهن وذمّهن، فذكر كلكن ذلك الصّنم وما فيه من المنافع؛ فقالت: صدق الملك، غير أنّ منقاوش لم يصب في أمره؛ لأنّه أتعب نفسه وحكماءه فيما جعله لإصلاح العامّة دون نفسه، وكان حكم هذا أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت إحداهنّ ذنبا علم بها فيكون رادعا لهنّ متى عرض بقلوبهن شيء من الشّهوة. فقال كلكن: صدقت، وظنّ أنّ هذا منها نصح، فأمر بنزع الصّنم من موضعه ونقله إلى داره فبطل عمله، وعملت المرأة ما كانت همّت به. وبنى هيكلا على جبل القصير للسّحرة، فكانوا لا يطلقون الرّياح للمراكب المقلعة إلاّ/ بضريبة يأخذونها منهم للملك (٣).

стр. 215

وبنى مناوش بن منقاوش في صحراء الغرب مدينة بالقرب من مدينة السّحرة تعرف بقمنطر (¬a) ذات عجائب، وجعل بوسطها قبّة عليها كالسّحابة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى (¬b) به من كلّ داء فيبرئه، وعمل في شرقيها بربا لطيفا له أربعة أبواب، لكلّ باب عضادتان، في كلّ عضادة صورة وجه يخاطب كلّ واحد منهما صاحبه بما يحدث في يومه. فمن دخل البربا على غير طهارة نفخا في وجهه فأصابه رعدة فظيعة لا تفارقه حتى يموت. وكانوا يقولون: إنّ في وسطه مهبط النّور في صورة العمود، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره عن شيء من الرّوحانية، وسمع كلامهم، ورأى ما يعملون. وعلى كلّ باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علم من العلوم، فمن أحبّ معرفة ذلك العلم، أتى تلك الصّورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره، فيثبت ذلك العلم في صدره. ويقال: إنّ هاتين المدينتين بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد، وأنّهما بحالهما. وحكي عن رجل أنّه أتى عبد العزيز بن مروان، وهو أمير مصر، فعرّفه أنّه تاه في صحراء الشّرق (¬c)، فوقع على مدينة خراب فيها شجرة تحمل كلّ صنف من الفاكهة، وأنّه أكل منها وتزوّد؛ فقال له رجل من القبط: هذه إحدى مدينتي هرمس، وفيها كنوز كثيرة؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة معهم ماء وزاد، فأقاموا يطوفون تلك الصّحاري شهرا فلم يقفوا لها على أثر (١). وعملت أمّ بلاطس (¬d) الملك بركة عظيمة في صحراء الغرب، وجعلت في وسطها عمودا طوله ثلاثون ذراعا، وفي أعلاه قصعة من حجارة يفور منها الماء فلا ينقص أبدا. وجعلت حول البركة أصناما من حجارة ملوّنة على صور الحيوانات من الوحش والطّير والبهائم، فكان كل جنس يأتي إلى صورته ويألفها، فيؤخذ باليد وينتفع به. وعملت لابنها متنزّها لأنّه كان يجب الصّيد، فجعلت فيه مجالس مركّبة على أساطين من مرمر مصفّح بالذّهب مرصّع بالجوهر والزّجاج الملوّن، وزخرفته بالتّصاوير العجيبة والنّقوش،

стр. 216

فكان الماء يطلع من فوّارات، وينصب إلى أنهار قد صفّحت بالفضّة، تجري إلى حدائق فيها بديع الفروشات، وقد أقيم حولها تماثيل تصفّر بأنواع اللّغات. وأرخت على المجلس ستورا من ديباج، واختارت لابنها من حسان بنات عمّه وبنات الملوك وأزوجته، وحوّلته إلى هذه الجنّة، وبنت حول الجنّة مجالس للوزراء والكهنة وأشراف أهل الصّناعات، فكانوا يرفعون إليه جميع ما يعملونه، فإذا فرغوا من أعمالهم، حمل إليهم الطّعام والشّراب (١). وكان بلاطس (¬a) تقلّد الملك بعد أبيه مرقورة وهو صبيّ، وكانت أمّه مدبّرة الملك وهي حازمة مجرّبة فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه، وأحسنت وعدلت في الرّعيّة، ووضعت عنهم بعض الخراج (٢). وكانت أيامه سعيدة كلّها في الخصب الكثير والسّعة للناس والعدل. وكان له يوم يخرج فيه إلى الصّيد، ويرجع إلى جنّته فيأمر لكلّ من معه بالجوائز والأطعمة، ويجلس للنّظر يوما في مصالح الناس وقضاء حوائجهم، ويخلو يوما بنسائه (٣). وكان ملكه ثلاث عشرة سنة وجدر فمات. وعمل قرسون بن فليمون بن أتريب منارا على بحر القلزم، وعلى رأسه مرآة [من أخلاط] (¬b) تجتذب بها المراكب إلى شاطئ البحر، فلا يمكنها أن تبرح إلاّ أن تعشّر، فإذا عشّرت سترت المرآة حتى تجوز المراكب. وأقام قرسون مائتي سنة وستين سنة، وعمل لنفسه ناووسا خلف الجبل الأسود الشّرقي، في وسطه قبّة حولها اثنا عشر بيتا، في كلّ بيت أعجوبة لا تشبه الأخرى، وزبر عليها اسمه ومدّه ملكه (٤). وكان مرقونس الملك حكيما محبّا للنّجوم والعلوم والحكمة، فعمل في أيّامه درهما إذا ابتاع به صاحبه شيئا اشترط أن يوزن (¬c) له ما يبتاعه منه بوزن الدّرهم ولا يطلب عليه زيادة، فيغترّ البائع بذلك، ويقبل الشّرط، فإذا تمّ ذلك بينهما وقع في وزن الدّرهم أرطال كثيرة تساوي عشرة

стр. 217

أضعافه. وكان إذا أحبّ أن يدخل في وزنه أضعاف تلك الأرطال دخل. وقد وجد هذا الدّرهم في كنوزهم ثم في خزائن بني أميّة، وكان الناس يتعجّبون منه. ووجدوا دراهم أخر قيل: إنّها عملت في وقته أيضا، فيكون الدّرهم منها في ميزان الرّجل، فإذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدّرهم وقبّله وقال: اذكر العهد، وابتاع به ما أراد. فإذا أخذ السّلعة ومضى إلى بيته، وجد الدّرهم قد سبقه إلى منزله، ويجد البائع موضع ذلك الدرهم ورقة آس أو قرطاسا أو مثل ذلك بدور الدّرهم. وفي وقته عملت الآنية الزّجاج التي توزن، فإذا ملئت ماء أو غيره ثم وزنت لم تزد وزنها الأوّل شيئا. وعمل في وقته الآنية التي إذا جعل الماء فيها صار خمرا في لونه ورائحته وفعله. وقد وجد من هذه الآنية بإطفيح في إمارة هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون، شربة جزع بعروة زرقاء ببياض. وكان الذي وجدها أبو الحسن الصّائغ الخراساني هو ونفر معه، فأكلوا على شاطئ النّيل وشربوا بها الماء فوجدوه خمرا سكروا منه، وقاموا ليرقصوا فوقعت الشّربة فانكسرت عدّة قطع، فاغتمّ الرجل وجاء بها إلى هارون فأسف عليها وقال: لو كانت صحيحة لاشتريتها/ ببعض ملكي (١). وأمّا الآنية النّحاسية التي تجعل الماء خمرا، فإنّها منسوبة إلى قلوبطرة بنت بطلميوس ملكة الإسكندرية، فكثيرة. وفي وقته عملت الصّور الحيثميّة من الضّفادع والخنافس والذّباب والعقارب وسائر الحشرات، وكانت إذا جعلت في موضع اجتمع إليها ذلك الجنس، ولا يقدر على مفارقة تلك الصّورة حتى يقتل (٢)؛ وكأنّه يعمل أعماله كلّها بصور درج الفلك وأسمائها وطوالعها، فيتم له من ذلك ما يريده. وعمل في صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملوّن في وسطه قبّة من زجاج أخضر صافي اللّون، فإذا طلعت عليها الشّمس ألقت شعاعها على مواضع بعيدة، وعمل في جوانبه الأربعة أربعة مجالس عالية من زجاج، كلّ مجلس لون، ونقش عليها بغير لونها طلّسمات عجيبة، ونقوشات غريبة وصورا بديعة، كلّ ذلك من زجاج مطلق يشفّ. وكان يقيم في هذا الملعب الأيام، وعمل

стр. 218

له ثلاثة أعياد في كلّ سنة، فكان الناس يحجّون إليه في كلّ عيد، ويذبحون له ويقيمون فيه سبعة أيام. ولم يزل هذا الملعب تقصده الأمم، فإنّه لم يكن له نظير، ولا عمل في العالم مثله، إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله (١). وكانت أمّ مرقونس ابنة ملك النّوبة، وكان أبوها يعبد الكوكب الذي يقال له السّها، ويسمّيه إلها، سألت ابنها أن يعمل لها هيكلا يفردها به، فعمله وصفّحه بالذّهب والفضّة، وأقام فيه صنما، وأرخى عليه السّتور الحرير، فكانت تدخل إليه بجواريها وحشمها، وتسجد له في كلّ يوم ثلاث مرّات، وعملت لكلّ شهر عيدا تقرّب له قرابين وتبخّره ليله ونهاره، ونصبت له كاهنا من النّوبة يقوم به ويقرّب له ويبخّره، ولم تزل بابنها حتى سجد له ودعا الناس (¬a) إلى عبادته. فلمّا رأى الكاهن الأمر في عبادة الكواكب قد تمّ وأحكم من جهة الملك، أحبّ أن يكون لكوكب السّها مثال في الأرض على صورة حيوان يتعبّد له، فأقام يعمل الحيلة في ذلك، إلى أن اتّفق أنّ العقبان كثرت بمصر وأضرّت بالناس، فأحضر الملك هذا الكاهن وسأله عن سبب كثرتها، فقال: إنّ إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا ليسجد له. فقال مرقونس: إن كان يرضيه ذلك فأنا فاعله. فقال: إنّ ذلك رضاه. فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك، وعمل عينيه من ياقوتتين، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب جوهر أخضر، وفي منقاره درّة معلّقة، وسروله بالدّر الأحمر، وأقامه على قاعدة من فضّة منقوشة، قد ركّبت على قائمة زجاج أزرق، وجعله في أزج عن يمين الهيكل، وألقى عليه ستور الحرير، وجعل له دخنة من جميع الأفاويه والصّموغ، وقرّب له عجلا أسود وبكارة الفراريج وباكورة الفواكه والرّياحين. فلمّا تمّت له سبعة أيام دعاهم إلى السّجود إليه فأجابه الناس؛ ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب وعمل له عيدا. فلمّا تمّ لذلك أربعون يوما نطق الشّيطان من جوفه، وكان أوّل ما دعاهم إليه أن يبحر له في أنصاف الشهور بالمندل، ويرشّ الهيكل بالخمر العتيقة التي تؤخذ من رءوس الخوابي، وعرّفهم أنّه قد أزال عنهم العقبان وضررها، وكذلك يفعل في غيرها ممّا

стр. 219

يخافون. فسرّ الكاهن بذلك وتوجّه إلى أمّ الملك يعرّفها ذلك، فسارت إلى الهيكل وسمعت كلام العقاب، فسرّها ذلك وأعظمته. وبلغ الملك فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه. فسجد له، وأقام له سدنة، وأمر أن يزيّن بأصناف الزّينة. وكان مرقونس يقوم بهذا الهيكل، ويسجد لتلك الصّورة، ويسألها عمّا يريد فتخبره. وعمل من الكيمياء ما لم يعمله أحد من الملوك، فيقال: إنّه دفن في صحراء الغرب خمس مائة دفين. ويقال: إنّه عمل على باب مدينة صا عمودا عليه صنم في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة تنظر إليها، وكان العليل يأتي إلى هذه المرآة وينظر فيها أو ينظر له أحد فيها فإن كان يموت من علّته تلك رئي ميّتا، وإن كان يعيش رآه حيّا، وينظر فيها أيضا للمسافر فإن رأوه مقبلا بوجهه علموا أنّه راجع، وإن رأوه مولّيا علموا أنّه يتمادى في سفره، وإن كان مريضا أو ميّتا رأوه كذلك في المرآة. وعمل بالإسكندرية صورة راهب جالس على قاعدة، وعلى رأسه كالبرنس وفي يده كالعكّاز، فإذا مرّ به تاجر جعل بين يديه شيئا من المال على قدر بضاعته، فإن تجاوزه ولو عن بعد من غير أن يضع بين يديه المال لم يقدر على الجواز وثبت قائما مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرّق في الزّمنى والضّعفاء والفقراء. وعمل في زمنه كلّ أعجوبة ظريفة، وأمر أن يزبر اسمه عليها وعلى كلّ علم وكل طلّسم وكلّ صنم. وعمل لنفسه ناووسا في داخل الأرض، عند جبل يقال له: سدام، وعمل تحته أزجا يقال: إنّ طوله مائة ذراع، وارتفاعه ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وصفّحة بالمرمر والزّجاج الملوّن، وسقّفه بالحجارة، وعمل فيها دائرة مساطب مبلّطة بزجاج على كلّ مسطبة أعجوبة، وفي وسط الأزج دكّة من زجاج، على كلّ ركن من أركانها صورة تمنع الدّنوّ إليها، وبين كلّ صورتين منارة عليها حجر مضيء، وفي وسط الدّكّة حوض من ذهب فيه جسده بعد ما ضمّد بالأدوية الماسكة، ونقل إليه ذخائره من الذّهب والجوهر وغيره، وسدّ باب الأزج/ بالصّخور والرّصاص، وهيل عليها الرمال. وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة، وعمره مائتين وأربعين سنة، وكان جميلا، ذا وفرة حسنة، فتنسّكت نساؤه ولزمن الهيكل من بعده (١).

стр. 220

وملك بعده ابنه أنساد (¬a)، ثم صا بن أنساد (¬a)، وقيل: صا بن مرقونس أخو أنساد، فعمل مرآة في مدينة منف ترى الأوقات التي تخصب فيها مصر وتجدب، وبنى بداخل الواحات مدينة، ونصب قرب البحر أعلاما كثيرة. وعمل خلف المقطّم صنما يقال له: صنم الحيلة، فكان كلّ من تعذّر عليه أمر يأتيه ويبخّره فيتيسّر ذلك الأمر له. وجعل بحافة البحر الملح منارا يعلم منه أمر البحر وما يحدث فيه من أقصى ما يصل إليه البصر على مسيرة أيام، وهو أوّل من اتّخذها. ويقال: إنه بنى أكثر مدينة منف، وكلّ بنيان عظيم بالإسكندرية (١). ولمّا ملك تدارس بن صا الأحياز كلّها بعد أبيه، وصفا له ملك مصر، بنى في غربيّ مدينة منف بيتا عظيما لكوكب الزّهرة، وأقام فيه صنما عظيما من لا زورد مذهّب، وتوّجه بذهب يلوح بزرقه، سوّره بسوارين من زبرجد أخضر. وكان الصّنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبّر، وفي رجليها خلخالان من حجر أحمر شفّاف، ونعلان من ذهب، وبيدها قضيب مرجان، وهي تشير بسبّابتها كأنّها مسلّمة على من في الهيكل؛ وجعل بحذائها تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مموّه بذهب، موشحة بحجر اللازورد، ووجه البقرة تجاه وجه الزّهرة، وبينهما مطهرة من أخلاط الأجساد، على عمود رخام مجزّع، وفي المطهرة ماء مدبّر يستشفى به من كلّ داء، وفرش الهيكل بحشيشة الزّهرة يبدّلونها في كلّ سبعة أيام؛ وجعل في الهيكل كراسي للكهنة قد صفّحت بالذهب والفضّة، وقرّب لهذا الصّنم ألف رأس من الضّأن والمعز والوحش والطّير، وكان يحضر يوم الزّهرة ويطوف به. وفرش الهيكل وستره، وجعل فيه تحت قبّته صورة رجل راكب على فرس، له جناحان، ومعه حربة في سنانها رأس إنسان معلّق. ولم يزل هذا الهيكل إلى أن هدمه بخت نصّر في أيام ماليق بن تدارس (٢). وكان موحّدا على دين قبطيم ومصرايم، خرج في جيش عظيم في البرّ والبحر فغزا البربر وأرض إفريقية وبلاد الأندلس وأرض الإفرنج إلى البحر، وعمل في البحر أعلاما زبر عليها اسمه

стр. 221

ومسيره، ورجع فهابه ملوك الأرض (١). وكان في غربي مصر مدينة يقال لها: قرميدة بها قوم قد ملّكوا عليهم امرأة ساحرة (٢) فغزاهم فلم ينل منهم قصدا ورجع، فأرادت ملكتهم إفساد مصر، فعملت من سحرها وأمرت فألقي في النّيل، ففاض الماء على المزارع حتى أفسدها، وكثرت التّماسيح والضّفادع، وفشت الأمراض في الناس، وانبثّت فيهم الثّعابين والعقارب. فأحضر ماليق الكهنة والحكماء في دار حكمتهم، وألزمهم بالنّظر لذلك؛ فنظروا في نجومهم فرأوا أن هذه الآفة أتتهم من ناحية الغرب، وأنّ امرأة عملته وألقته في النّيل، فعلموا حينئذ أنّه من فعل تلك السّاحرة، واجتهدوا في دفع ذلك بما عندهم من العلم حتى انكشف عنهم الماء الفاسد وهلكت الدّوابّ المضرّة. وجهّزوا قائدا في جيش إلى المدينة، فلم يجدوا بها غير رجل واحد، فأخذوا من الأموال والجواهر والأصنام ما لا يحصى؛ فمن ذلك صورة كاهن من زبرجد أخضر، على قائمة من حجر الأسباذشم (¬a)، وصورة روحانيّ من ذهب رأسه من جوهر أحمر، وله جناحان من درّ، وفي يده مصحف فيه كثير من علومهم في دفّتين مرصّعتين بجوهر، ومطهرة من ياقوت أزرق على قاعدة زجاج أخضر، فيها ماء لدفع الأسقام، وفرس من فضّة، إذا عزّم عليه بعزائمه ودخّن بدخنته وركبه أحد طار به. فأخضر ذلك وغيره من عجائب السّحرة وأصنامهم، والأموال والجواهر إلى مصر، ومعهم الرجل، فسأله الملك عن أعجب أعمالهم، قال: قصدهم بعض ملوك البربر بجمع كثيف وتخاييل هائلة، فأغلق أهل مدينتنا حصنهم ولجأوا إلى الأصنام، فأتى الكاهن إلى بركة عظيمة بعيدة القعر كانوا يشربون منها فجلس على حافتها، وأحاط رؤساء الكهنة بها، وأخذ يزمزم على الماء حتى فار، وخرج من وسطه نار، في وسطها وجه كدارة الشّمس لها ضوء، فخرّ الجماعة لها سجودا، وتلك الصّورة تعظم حتى صعدت وخرقت القبّة وسمع منها: «قد كفيتم شرّ عدوّكم». فقاموا وإذا بعدوّهم قد هلك وسائر من معه، وذلك أنّ صورة الشّمس التي ظهرت من الماء مرّت فصاحت عليهم صيحة هلكوا بها (٣).

стр. 222

ولمّا ملك كلكن مصر بعد أبيه خربتّا (¬a)، كان النّمرود في وقته، فاتّصل بنمرود خبر حكمته وسحره فاستزاره، ووجّه إليه أن يلقاه، وكان النّمرود يسكن سواد العراق، وغلب على كثير من الأمم. فأقبل كلكن على أربعة أفراس تحمله، لها أجنحة، قد أحاطت به كالنار، وحوله صور هائلة، فدخل بها، وهو متوشّح بثعبان، ومحزّم ببعضه، وذلك التّنّين فاغر فاه، ومعه قضيب آس أخضر، كلّما حرّك التّنّين رأسه ضربه بالقضيب. فلمّا رأى النّمرود ذلك هاله، واعترف له بجليل الحكم. وتقول القبط: إنّ كلكن كان يرتفع فيجلس على الهرم الغربي في قبّة تلوح على رأسه، وكان أهل البلد إذا دهمهم أمر اجتمعوا حول الهرم./ ويقولون: إنّه ربّما قام على رأس الهرم أياما لا يأكل ولا يشرب. ثم إنّه استتر مدّة حتى توهّموا أنّه هلك، فطمع الملوك في مصر، وقصدها ملك من المغرب يقال له: «سادوم» في جيش عظيم، إلى أن بلغ وادي هبيب. فأقبل كلكن وجلّلهم من سحرة بشيء كالغمام شديد الحرارة، وهم تحته أيّاما لا يدرون أين يتوجّهون، ثم ارتفع وصار بمصر يعرّفهم ما عمل، وأمرهم فخرجوا، فإذا بالقوم ودوابّهم قد ماتوا، فهابه جميع الكهنة، وصوّروه في سائر الهياكل. وبنى هيكلا لزحل من صوّان أسود في ناحية الغرب، وجعل له عيدا (١). وفي أيّام دارم بن الرّيّان، وهو الفرعون الرابع الذي يقال له عند القبط دريموس، ظهر معدن فضّة على ثلاثة أيام من النّيل، أثاروا (¬b) منه شيئا عظيما. وعمل صنما على اسم القمر، لأنّ طالعه كان برج السّرطان، ونصبه على القصر الرّخام الذي بناه أبوه في شرقي النّيل، ونصب حوله أصناما كلّها من الفضّة، وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصّنم عيدا، كلما دخل برج السّرطان (٢). ولمّا ولي أكسامس الملك بعد أبيه معدان - أي (¬c) معاديوس - بن دارم - أي (¬c) دريموس - وهو الفرعون السّادس أقام أعلاما كثيرة حول منف، وجعل عليها أساطين يمشى من بعضها إلى بعض، وعمل برقودة وصا ومدائن الصّعيد وأسفل الأرض [مدنا كثيرة و] (¬d) أعلاما ومنائر للوقود

стр. 223

وطلّسمات كثيرة، وعمل كرة (¬a) من فضّة، ونقش عليها صورة الكواكب، ودهنها بالدّهن الصّيني، وأقامها على منار في وسط منف، وعمل في هيكل أبيه روحانيّ زحل من ذهب أسود مدبّر. وعمل في وقته ميزانا يعتبر به الناس، كفّتاه من ذهب، وعلاّقته من فضّة، وسلاسله من ذهب، فكان معلّقا في هيكل الشّمس، وكتب على إحدى كفّتيه «حقّ»، والأخرى «باطل»، وتحته فصوص قد نقش عليها أسماء الكواكب، فيدخل الظّالم والمظلوم يأخذ كلّ منهما فصّا من تلك الفصوص، ويسمّي عليه ما يريده، ويجعل أحد الفصّين في كفّة، والآخر في كفّة، فتثقل كفّة الظّالم، وترتفع كفّة المظلوم؛ ومن أراد سفرا أخذ فصّين، وذكر على أحدهما اسم السّفر، وعلى الآخر الإقامة، وجعل كلّ واحد في كفّة، فإن ثقلا جميعا ولم يرتفع أحدهما على الآخر لم يسافر، وإن ارتفعا سافر، وإن ارتفع أحدهما أخّر السّفر ثم سافر. وكذا من عليه دين، ومن له غائب، أو ينظر في صلاح أمره وفساده. ويقال: إنّ بخت نصّر لمّا دخل إلى مصر حمل هذا الميزان معه فيما حمل إلى بابل، وجعله في بيت من بيوت النار. وعمل في أيامه أيضا تنّور، يشوى فيه من غير نار، وقدر (¬b) يطبخ فيه بغير نار، وسكّين تنصب فإذا رآها شيء من البهائم أقبل حتى يذبح نفسه بها، وعمل ماء يستحيل نارا، وزجاجا يستحيل هواء، وأشياء من النّيرنجيات والنّواميس (١). وأمّا «البرابي» (٢) فذكر ابن وصيف شاه أنّ سوريد الذي بنى الأهرام هو الذي بنى البرابي كلّها، وعمل فيها الكنوز، وزبر عليها علوما، ووكّل بها روحانيّة تحفظها ممّن يقصدها. وقال في كتاب «الفهرست»: وبمصر أبنية يقال لها: البرابي من الحجارة العظيمة الكبر (¬c)، وهي على أشكال مختلفة، وفيها مواضع للصّحن والسّحق والحلّ والعقد والتّقطير تدلّ على أنّها عملت لصناعة الكيمياء، وفي هذه الأبنية نقوش (¬d) وكتابات لا يدرى ما هي، وقد أصيبت [خزائن] (¬e) تحت الأرض فيها هذه العلوم مكتوبة في التوز، وهي صفائح الذّهب والنّحاس، وفي الحجارة (٣).

стр. 224

وذكر الحسن بن أحمد الهمدانيّ أنّ برابي مصر تنسب إلى براب بن الدّرمشيل (¬a) بن محويل (¬b) ابن خنوخ بن قاين (¬c) بن آدم ﵇ (١). وذكر أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» أنّ كنيسة في بعض قرى مصر قد شاهدها الموثوق بقولهم المأخوذ برأيهم، المأمون من جهتهم التمونة عليهم (¬d)، فيها سرداب ينزل إليه بنيّف وعشرين مرقاة، وفيه سرير تحته رجل وصبيّ مشدودين في نطع، وفوقه ثور رخام في جوفه باطية زجاج (¬e)، بداخلها قنّينة من نحاس، في جوفها فتيلة كتّان، توقد فيصبّ فيها زيت، فلا يلبث إلاّ أن تمتلئ الباطية الزّجاج زيتا، وتفيض إلى الثّور الرّخام، فينفق على تلك الكنيسة وقناديلها. وذكر الجيهاني (¬f) أنّه صار إليه من وثق به، ورفع الباطية عن الثّور، وأفرغ الزّيت من الباطية والثور جميعا، وأطفأ النار، وأعادها جميعا إلاّ الزّيت، فإنّه صبّ زيتا من عنده، وأبدله فتيلة أخرى وأشعلها، فما لبث الزّيت أن فاض إلى الباطية الزّجاج، ثم فاض إلى الثّور الرّخام من غير مدد ولا عنصر. وذكر الجيهاني (¬f) أنّه إذا أخرج الميّت من تحت السّرير، انطفأت النار ولم يفض الزّيت (٢). وذكر عن أهل القرية أنّ المرأة المتوهّمة في نفسها حملا، تحمل ذلك الصّبي وتضعه في حجرها، فيتحرّك ولدها في البطن إن كان الحمل حقيقة، أو تيأس إن لم تحسّ بحركة. قال مؤلّفه وجامعه (¬g) - أخبرني داود بن رزق اللّه بن عبد اللّه - وكانت له سياحات كثيرة بأراضي مصر ومعرفة أحوالها (٣) - أنّه عبر في مغارة كبيرة يقال لها: مغارة شقلقيل بالوجه القبلي، فإذا فيها كوم عظيم من سندروس، وأنّه تخطّاه ومضى، فإذا شيء كثير إلى الغاية من السّمك

стр. 225

وجميعها ملفوفة بثياب كأنّها قد كفّنت بعد الموت. وأنّه أخذ منها سمكة وفتّشها/ فإذا في فمها دينار عليه كتابة لا يحسن قراءتها، وأنّه صار يأخذها سمكة سمكة ويخرج من فمّ كلّ واحدة دينارا، حتى اجتمع له من ذلك عدّة دنانير، وأنّه أخذ تلك الدّنانير ورجع ليخرج حتى جاء إلى الكوم السّندروس وإذا به ارتفع حتى سدّ عليه الموضع. فعاد إلى السّمك وأعاد الدنانير إلى مواضعها وخرج، فإذا السّندروس كما كان أوّلا بحيث يتجاوزه ويخرج. فعاد وأخذ الدّنانير ومشى يخرج بها، فإذا السّندروس قد ارتفع حتى سدّ عليه الموضع. فعاد إلى السّمك وأعاد الدّنانير إلى موضعها وخرج، فإذا السّندروس على حاله كما كان أوّلا بحيث يتجاوزه ويخرج. وأنّه كرّر أخذ الدّنانير وإعادتها مرارا، والحال على ما ذكر، حتى خشي الهلاك فتركها وخرج. فلمّا كان مدّة سكن موضعها فرأى حجرا في جدار وقد قوّر، ووضع حجر آخر، فحاول الحجر الآخر حتى رفعه، فإذا تحته ستة دنانير من تلك الدّنانير التي وجدها في أفواه السّمك، فأخذ منها واحدا وترك البقيّة في موضعها، وأعاد الحجر على الحجر. وقدّر اللّه بعد ذلك أنّه ركب النّيل ليعدّي من البرّ الشرقي إلى البرّ الغربي؛ قال: فلمّا توسّط البحر، وإذا بالأسماك تثب من الماء وتلقي أنفسها في المركب حتى كدنا نغرق من كثرتها، فصاح الرّكّاب خوفا من الهلاك. قال: فتذكّرت الدّينار الذي معي، وأنّ هذا ربّما كان بسببه، فأخرجته من جيبي وألقيته في الماء، فتواثبت الأسماك من المركب وألقت نفسها في الماء حتى لم يبق منها شيء. قلت: وأخبرني قديما بعض من لا أتّهمه أنّه ظفر بطلّسم من هذا المعنى، وأنّه عنده، وأراد أن يريني السّمك يثب من الماء فلم يقدّر لي أن أرى ذلك. قال ابن عبد الحكم: لمّا أغرق اللّه آل فرعون، بقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها إلاّ العبيد والأجراء والنّساء. فاتّفق من بمصر من النّساء أن يولّين منهم أحدا، وأجمع رأيهن أن يولّين امرأة منهنّ يقال لها: دلوكة بنت زبّاء، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت في شرف منهن وموضع، وهي يومئذ بنت مائة وستين سنة، فملّكوها؛ فخافت أن يتناولها الملوك، فجمعت نساء الأشراف وقالت لهنّ: إنّ بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمدّ عينه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السّحرة الذين كنّا نقوى بهم. وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كلّ ناحية، فإنّا لا نأمن أن يطمع فينا الناس.

стр. 226

فبنت جدارا أحاطت به على جميع أرض مصر كلّها: المزارع، والمدائن، والقرى. وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء، وأقامت القناطر والتّرع. وجعلت فيه محارس ومسالح على كلّ ثلاثة أميال محرس ومسلحة، وفيما بين ذلك محارس صغار على كلّ ميل، وجعلت في كل محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق، وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس، فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض الأجراس فأتاهم الخبر من أيّ وجه كان في ساعة واحدة فنظروا في ذلك فمنعت بذلك مصر ممن أرادها. وفرغت من بنائه في ستة أشهر. وهو الجدار الذي يقال له «جدار العجوز» بمصر، وقد بقيت بالصّعيد منه بقايا كثيرة (١). قال المسعودي: وقيل: إنّما بنته خوفا على ولدها، وكان كثير القنص، فخافت عليه سباع البرّ والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي، فحوّطت الحائط من التماسيح وغيرها. وقد قيل [في ذلك من الوجوه] (¬a) غير ما وصفنا؛ فملكتهم ثلاثين سنة في قول (٢). قال كاتبه (¬b): قد بقي من حائط العجوز هذا في بلاد الصّعيد بقايا، أخبرني الشّيخ المعمّر محمد بن السّعوديّ أنّه سار في بلاد الصّعيد على حائط العجوز ومعه رفقة، فاقتلع أحدهم منها لبنة، فإذا هي كبيرة جدّا تخالف المعهود الآن من اللّبن في المقدار. فتناولها القوم واحدا بعد واحد يتأمّلونها، وبينما هم في رؤتيها إذ سقطت إلى الأرض، فانقلقت عن حبّة فول في غاية الكبر الذي يتعجّب منه لعدم مثله في زماننا، فقشّروا ما عليها فوجدوها سالمة من السّوس والعيب، كأنّها قريبة عهد بحصادها، لم يتغيّر فيها شيء ألبتّة؛ فأكلها الجماعة قطعة قطعة، وكأنّها إنما خبّئت لهم من الزّمن القديم والأعصر الخالية؛ إنّه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها. قال ابن عبد الحكم: وكان ثمّ عجوز ساحرة يقال لها: تدورة (¬c)، وكانت السّحرة تعظّمها وتقدّمها في علمهم وسحرهم، فبعثت إليها دلوكة ابنة زبّاء: إنّا قد احتجنا إلى سحرك، وفزعنا إليك، ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك، فاعملي لنا شيئا نغلب به من حولنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، فكيف وقد ذهب أكابرنا - يعني في الغرق مع فرعون موسى - وبقي أقلّنا.

стр. 227

فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب، كلّ باب منها إلى جهّة القبلة والبحر والغرب والشّرق، وصوّرت فيه صور الخيل والبغال والحمير والسّفن والرّجال، وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كلّ من أرادكم من كلّ جهة تؤتون منها برّا أو بحرا، وهذا ما يغنيكم عن الحصن، ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كلّ جهة، فإنهم إن كانوا في البرّ على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجّالة تحرّكت هذه الصّور من جهتهم التي يأتون/ منها، فما فعلتم بالصّور من شيء أصابهم ذلك في أنفسهم على ما تفعلون بهم. فلمّا بلغ الملوك حولهم أنّ أمرهم قد صاروا إلى ولاية النّساء، طمعوا فيهم، وتوجّهوا إليهم، فلمّا دنوا من عمل مصر، تحرّكت تلك الصّور التي في البربا، فطفقوا لا يهيّجون تلك الصّور بشيء ولا يفعلون بها شيئا، إلاّ أصاب ذلك الجيش الذي كان أقبل إليهم مثله: إن كان خيلا، فما فعلوا بتلك الخيل المصوّرة في البربا من قطع رءوسها أو سوقها أو فقء عيونها أو بقر بطونها، أثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم، وإن كانت سفنا أو رجّالة فمثل ذلك. وكانوا أعلم الناس بالسّحر وأقواهم عليه، وانتشر ذلك فتناذرهم (¬a) الناس. وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه، ولم يبق إلاّ العبيد والأجراء، لم يصبرن عن الرّجال، فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه، وتتزوّج الأخرى أجيرها. وشرطن على الرجال ألاّ يفعلوا شيئا إلاّ بإذنهن، فأجابوهنّ في ذلك، فكان أمر النّساء على الرّجال. قال يزيد بن أبي حبيب: إنّ القبط (¬b) على ذلك إلى اليوم اتّباعا لمن مضى منهم، لا يبيع أحد منهم ولا يشتري إلاّ قال: أستأمر امرأتي (١)! فملكتهم دلوكة بنت زبّاء عشرين سنة تدبّر أمرهم بمصر، حتى بلغ صبيّ من أبناء أكابرهم وأشرافهم، يقال له دركون بن بلوطس، فملّكوه عليهم. فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربع مائة سنة، وكلّما انهدم من ذلك البربا الذي صوّر فيه الصّور، لم يقدر أحد على إصلاحه إلاّ تلك العجوز وولدها وولد ولدها، وكانوا أهل بيت لا يعرف ذلك غيرهم. فانقطع أهل ذلك البيت، وانهدم من البربا موضع في زمان

стр. 228

لقاس بن مرنيوس، فلم يقدر أحد على إصلاحه ومعرفة علمه، وبقى على حاله، وانقطع ما كان يقهرون به الناس، وبقوا كغيرهم. إلاّ أنّ الجمع كثير، والمال عندهم (١). فلمّا قدم بخت نصّر بيت المقدس، وظهر على بني إسرائيل وسباهم، وخرج بهم إلى أرض بابل، قصد مصر، وخرّب مدائنها وقراها، وسبى جميع أهلها، ولم يترك بها شيئا، حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها ساكن، يجري نيلها ويذهب لا ينتفع به. ثم ردّ أهل مصر إليها بعد أربعين سنة، فعمّروها، ولم تزل مقهورة من يومئذ (٢). وقال بعض الحكماء: رأيت البرابي وأخذت أتأمّلها، فوجدتها مشتملة (¬a) على جميع أشكال الفلك. والذي ظهر لي أنّه لم يعملها حكيم واحد، (¬b)) ولا ملك واحد (¬b)، بل تولّى عملها قوم بعد قوم، حتى تكاملت في دور كامل، وهو ستة وثلاثون ألف سنة شمسية؛ لأنّ مثل هذه الأعمال لا تعمل إلاّ بالأرصاد، ولا يتكامل رصد المجموع في أقلّ من هذه المدّة المذكورة. وكانوا يجعلون الكتاب حفرا ونقرا في الصّخور، ونقشا في الحجارة، وحلقة مركّبة في البنيان. وربّما كان الكتاب هو الحفر إذا كان متضمّنا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره. وقد كتب غير المصريين كذلك كما كتبوا على قبّة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المستقرّ، وعلى الأبلق المفرد، وعلى باب الرّها. وكانوا يعمدون إلى الأماكن الشّريفة والمواضع المذكورة، فيضعون الخطّ في أبعد المواضع من الدّثور، وأمنعها من الدّروس، وأجدر أن يراها من مرّ بها، ولا ينسى على طول الدّهر. وقال المسعوديّ: واتّخذت دلوكة بمصر البرابي والصّور، وأحكمت آلات السّحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كلّ ناحية ودوابهم إبلا كانت أو خيلا، وصوّرت فيها من يرد من البحر في المراكب من بحر الغرب والشّام، وجمعت في هذه البرابي العظيمة المشيّدة البنيان أسرار الطبيعة، وخواصّ الأحجار والنّباتات والحيوانات، وجعلت ذلك في أوقات فلكيّة، واتّصالها بالمؤثّرات العلويّة؛ فكانوا إذا ورد إليهم جيش من نحو الحجاز واليمن، غوّرت تلك الصّور التي

стр. 229

في البربا من الإبل وغيرها، فيتغوّر ما في ذلك الجيش، وينقطع عنهم ناسه وحيوانه. وإذا كان الجيش من نحو الشّام، فعل في تلك الصّور التي من تلك الجهة التي أقبل منها جيش الشّام ما فعل بما وصفنا، فيحدث في ذلك الجيش من الآفات في ناسه وحيوانه ما صنع في تلك الصّور التي من تلك الجهة؛ وكذلك من ورد من جيوش الغرب، ومن ورد في البحر من روميّة والشّام، وغير ذلك من الممالك؛ فهابتهم الملوك والأمم، ومنعوا ناحيتهم من عدوّهم، واتّصل ملكهم بتدبير هذه العجوز وإتقانها لزمّ أقطار المملكة وإحكامها السّياسة. وقد تكلّم من سلف وخلف في هذه الخواصّ، وأسرار الطّبيعة التي كانت ببلاد مصر. وهذا الخبر من فعل العجوز مستفيض [عند المصريين] (¬a) لا يشكّون فيه. والبرابي بمصر، من صعيدها وغيره، باقية إلى هذا الوقت، وفيها أنواع الصّور ممّا إذا صوّرت في بعض الأشياء أحدثت أفعالا على حسب ما رسمت له وصنعت من أجله، على حسب قولهم في الطّبائع، واللّه أعلم بكيفية ذلك (١). قال: «وأخبرني غير واحد من بلاد إخميم من صعيد مصر، عن أبي الفيض ذي النّون بن إبراهيم المصريّ الإخميمي الزّاهد وكان حكيما، وكانت له طريقة يأتيها ونحلة يقصدها، وكان ممّن يفسّر (¬b) أخبار هذه البرابي، [وزارها] (¬a) وامتحن كثيرا ممّا صوّر فيها/ ورسم عليها من الكتابة والصّور - قال: رأيت في بعض البرابي كتابا تدبّرته، فإذا هو: «احذر العبيد المعتقين، والأحداث [المغترين] (¬a) والجند المتعبّدين، والقبط (¬c) المستعربين». ورأيت في بعضها كتابا تدبّرته، فإذا فيه: «يقدّر المقدّر والقضاء يضحك»، وفي آخره كتابة تبيّنها (¬d) في ذلك القلم فوجدها (¬e): [الوافر] تدبّر بالنّجوم ولست تدري … وربّ النّجم يفعل ما يريد قال: وكانت هذه الأمّة، التي اتّخذت هذه البرابي، لهجة بالنّظر في أحكام النّجوم، من المواظبين على معرفة أسرار الطّبيعة. وكان عندها ممّا دلّت عليه أحكام النّجوم أنّ طوفانا سيكون

стр. 230

في الأرض، ولم تقطع على ذلك الطّوفان ما هو: أنار تأتي على الأرض فتحرق ما عليها، أو ماء يغرقها، أو سيف يبيد أهلها. فخافت [على] (¬a) دثور العلوم وفنائها بفناء أهلها، فاتّخذت هذه البرابي، ورسمت فيها علومها من الصّور والتّماثيل والكتابة، وجعلت بنيانها نوعين: طينا، وحجارة، وفرزت ما بني بالطّين ممّا بني بالحجارة، وقالت: إن كان هذا الطّوفان نارا استحجر ما بني بالطّين، وإن كان الطّوفان الوارد ماء أذهب ما بنينا بالطّين ويبقى ما بني بالحجارة، وإن كان الطّوفان سيفا بقي كلّ من النّوعين، ممّا هو من الطّين، وما هو من الحجر. وهذا ما قيل واللّه أعلم إنّه كان قبل الطّوفان، وإنّ الطّوفان الذي كانوا يرقبونه، ولم يعيّنوه أنار هو أم ماء أم سيف، كان سيفا أتى على جميع أهل مصر من أمّة غشيتها، وملك نزل عليها فأباد أهلها. ومنهم من رأى أنّ ذلك الطّوفان كان وباء عمّ أهلها. ومصداق ذلك ما يوجد ببلاد تنّيس من التّلال المنضّدة (¬b) من الناس، من صغير وكبير وذكر وأنثى، كالجبال العظام، وهي المعروفة ببلاد تنّيس من أرض مصر بذات الكوم، وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المدرّسين (¬c) بعضهم على بعض في الكهوف والغيران والنّواويس، ومواضع كثيرة من الأرض، لا يدرى من أيّ الأمم هم، فلا النّصارى تخبر عنهم أنّهم من أسلافهم، ولا اليهود تقول إنّهم من أوائلهم، ولا المسلمون يدرون من هؤلاء، ولا تاريخ يبنئ عن حالهم، وعليهم أثوابهم، وكثيرا ما يوجد في تلك الرّوابي (¬d) والجبال من حليتهم. والبرابي ببلاد مصر بنيان قائم عجيب كالبربا التي [ببلاد أنصنا من صعيد مصر، والبربا التي] (¬e) بإخميم، والتي بسمنّود وغير ذلك (١).

стр. 231

ذكر الدّفائن والكنوز التي تسمّيها أهل مصر المطالب الأصل في جواز تتبّع الدّفائن ما رواه أبو عمر بن عبد البرّ (¬a)) والبيهقي في «الدّلائل» (¬a) من حديث ابن عبّاس، أنّ رسول اللّه ﷺ لمّا انصرف من الطّائف، مرّ بقبر أبي رغال فقال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، كان إذا هلك قوم صاح في الحرم فمنعه اللّه، فلمّا خرج من الحرم رماه بقارعة، وآية ذلك أنّه دفن معه عمود من ذهب»، فابتدر المسلمون قبره فنبشوه واستخرجوا العمود منه. ومن حديث عبد اللّه بن عمر: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول، حين خرجنا معه إلى الطّائف فمررنا بقبر، فقال: «هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلمّا خرج أصابته النّقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وآية ذلك دفن معه عصا من ذهب، إن نبشتم عليه أصبتموه معه»، فابتدره الناس فأخرجوا العصا الذي كان معه (١). وبمصر كنوز يوسف ﵇ وكنوز الملوك من قبله والملوك من بعده؛ لأنّه كان يكنز ما يفضل عن النّفقات والمؤن لنوائب الدّهر، وهو قول اللّه : ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَكُنُوزٍ﴾ [الآية ٥٧ سورة الشعراء]. ويقال: إنّ علم الكنوز في كنيسة القسطنطينيّة نقلت إليها من طليطلة. ويقال: إنّ الرّوم لمّا خرجت من الشّام ومصر، اكتنزت كثيرا من أموالها في مواضع أعدّتها لذلك، وكتبت كتبا بإعلام مواضعها، وطرق الوصول إليها، وأودعت هذه الكتب قسطنطينيّة، ومنها يستفاد معرفة ذلك. وقيل: إنّ الرّوم لم تكتب، وإنّما ظفرت بكتب معالم كنوز من ملك قبلها من اليونانيين والكلدانيين والقبط. فلمّا خرجوا من مصر والشّام، حملوا تلك الكتب معهم وجعلوها في الكنيسة. وقيل: إنّه لا يعطي من ذلك أحد حتى يخدم الكنيسة مدّة فيدفع إليه ورقة تكون حظّه.

стр. 232

قال المسعوديّ (١): ولمصر أخبار عجيبة من الدّفائن والبنيان، وما يوجد في الدّفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض، وغيرهم من الأمم ممّن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية. وقد أتينا على جميع ذلك فيما سلف من كتبنا. فمن أخبارها ما ذكره يحيى بن بكير قال: كان عبد العزيز بن مروان عاملا على مصر لأخيه عبد الملك بن مروان، فأتاه رجل متنصّح فسأله عن نصحه، فقال: بالقبّة الفلانية كنز عظيم. قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك؟ قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر والرّخام عند يسير من الحفر، ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من الصّفر، تحته عمود من الذّهب، على أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان ملك الدّنيا، وجناحاه مضرّجان بالياقوت والزّمرّد، ورأسه (¬a) على صفائح من الذّهب على أعلى ذلك العمود. فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجرة من يحفر من الرّجال/ في ذلك ويعمل فيه. وكان هناك تلّ عظيم، فاحتفروا حفيرة عظيمة في الأرض، والدّلائل المقدّم ذكرها من الرّخام والمرمر تظهر. فازداد عبد العزيز حرصا على ذلك، وأوسع في النّفقة، وأكثر من الرجّالة. ثم انتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الدّيك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم لما في عينيه من الياقوت، ثم بان جناحه ثم بانت قوائمه، وظهر حول العمود عمود من البنيان. بأنواع الحجارة والرّخام، وقناطر مقنطرة وطاقات على أبواب معقودة، ولاحت منها تماثيل وصور أشخاص من أنواع الصّور الذّهب، وأجرنه من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها وشبّكت، فركب عبد العزيز ابن مروان حتى أشرف على الموضع، فنظر إلى ما ظهر من ذلك، فأسرع بعضهم ووضع قدمه على درجة من نحاس ينتهي إلى ما هناك. فلمّا استقرّت قدماه على المرقاة، ظهر سيفان عاديان عن يمين الدرجة وشمالها، فالتقيا على الرّجل فلم يدرك حتى جزّآه قطعا وهوى جسمه سفلا. فلمّا استقرّ جسمه على بعض الدّرج، اهتزّ العمود، وصفّر الدّيك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك، وحرّك جناحيه وظهرت من تحته أصوات عجيبة قد عملت بالكواكب والحركات، إذا مال وقع على بعض تلك الدّرج شيء أو ماسّها شيء انقلبت، فتهاوى من هناك

стр. 233

من الرّجال إلى أسفل تلك الحفرة، وكان فيها ممّن يحفر ويعمل وينقل التراب وينظر ويحوّل ويأمر وينهى نحو ألف رجل، فهلكوا جميعا. فخرج عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النّيل، نعوذ باللّه منه. وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما أخرج من هناك من التّراب على من هلك من الناس، فكان الموضع قبرا لهم (١). قال المسعوديّ (٢): وقد كان جماعة من أهل الدّفائن والمطالب، ومن قد اعتنى وأغري بحفر الحفائر وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السّالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، قد وقع إليهم كتاب ببعض الأقلام السّالفة، فيه وصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام، بأنّ فيه مطلبا عجيبا. فأخبروا الإخشيد محمد بن طغج بذلك، فأمرهم بحفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه؛ فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوّفة في صخرة، منقور فيها تماثيل قائمة على أرجلها من الخشب، قد طلي بالأطلية المانعة من سرعة البلاء وتفرّق الأجزاء، والصّور مختلفة فيها صور شيوخ وشبّان ونساء وأطفال، أعينهم من أنواع الجواهر كالياقوت والزّمرّد والزّبرجد والفيروزج، ومنها ما وجوهها ذهب وفضّة؛ فكسر بعض تلك التّماثيل فوجدوا في أجوافها رممّا بالية وأجساما فانية، وإلى جانب كلّ تمثال منها نوع من الآنية (¬a) كالبراني (¬b) وغيرها [من الآلات] (¬c) من المرمر والرّخام، وفيه نوع من الطّلاء الذي قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في التّمثال (¬d) الخشب (¬e)، والطّلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها، فجعل منه على النار شيء، ففاح منه ريح طيبة مختلفة لا تعرف في نوع من أنواع الطيب. وقد جعل كلّ تمثال من الخشب على صورة ما فيه من الناس على اختلاف أسنانهم ومقادير أعمارهم وتباين صورهم، وبإزاء كلّ تمثال تمثال من الحجر المرمر أو من الرّخام الأخضر، على هيئة الصّنم على حسب عبادتهم للتماثيل والصّور عليها أنواع من الكتابات لم يقف على استخراجها أحد من أهل الملل. وزعم قوم من أهل الدّراية أن لذلك القلم، منذ فقد من أرض مصر، أربعة آلاف سنة. وفيما ذكرناه دلالة على أنّ هؤلاء ليسوا بيهود ولا نصارى، ولم يؤدّهم

стр. 234

الحفر إلاّ لما ذكرناه من هذه التّماثيل، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة. وقد كان من سلف وخلف من ولاة مصر، من أحمد بن طولون وغيره، إلى هذا الوقت وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مائة (١) - لهم أخبار عجيبة فيما استخرج في أيّامهم من الدّفائن والأموال والجواهر، وما أصيب في هذه القبور من المطالب والخزائن (¬a)، وقد أتيتنا على ذكرها فيما تقدّم من تصنيفنا (٢). وركب أحمد بن طولون يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجّاب بقوم عليهم ثياب صوف، ومعهم المساحي والمعاول، فسألهم عمّا يعانونه (¬b)، فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا بعدها إلاّ بمنشور (¬c) أو رجل من قبلي. وأخبروه أنّ في سمت الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه، فضمّ إليهم الرّافقي، وتقدّم إلى عامل [قعونة] (¬d) الجيزة في إعانتهم بالرّجال والنّفقات، وانصرف. فأقاموا مدّة يعملون حتى ظهر لهم. فركب أحمد بن طولون إليهم وهم يحفرون، فكشفوا عن حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبربطيّة، فأحضر من قرأه فإذا فيه: «أنا فلان بن فلان، الملك الذي ميّز الذّهب من غشّه ودنسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه، فلينظر إلى فضل عيار ديناري على عيار ديناره، فإنّ مخلّص الذّهب من الغش مخلص في حياته وبعد وفاته». فقال أحمد بن طولون: الحمد للّه، إنّ ما نبّهتني عليه هذه الكتابة أحبّ إليّ من المال. ثم أمر لكلّ من القوم المطالبية بمائتي دينار منه، ولكلّ من الصّنّاع بخمسة دنانير بعد توفية أجرة عمله، وللرّافقي بثلاث مائة دينار، ولنسيم الخادم بألف/ دينار، وحمل باقي الدنانير فوجدها أجود من كلّ عيار. وشدّد من حينئذ في العيار بمصر حتى صار عيار ديناره، الذي عرف بالأحمدي، أجود عيار وكان لا يطلي إلاّ به (٣).

стр. 235

ذكر هلاك أموال أهل مصر قال اللّه : ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا اَلْعَذابَ اَلْأَلِيمَ * * قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ [الآيتان ٨٨، ٨٩ سورة يونس]. هذا دعاء من موسى ﵇ على فرعون وقومه من أهل مصر لكفرهم، أن يهلك اللّه أموالهم. قال الزّجّاج: طمس الشّيء إذهابه عن صورته. عن عبد اللّه بن عبّاس ﵄ وعن محمد بن كعب القرظي، أنّهما قالا: صارت أموال أهل مصر ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها، صحاحا وأثلاثا وأنصافا، فلم يبق معدن إلاّ طمس اللّه عليه، فلم ينتفع به أحد بعدهم. وقال قتادة: بلغنا أنّ أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد وعطيّة: أهلكها اللّه تعالى حتى لا ترى، يقال: عين مطموسة أي ذاهبة، وطمس الموضع إذا عفا ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكلّ شيء لهم حجارة. وقال محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله وفراشه وقد صارا حجرين. قال: وقد سألني عمر بن عبد العزيز، فذكرت ذلك، فدعا بخريطة أصيبت بمصر، فأخرج منها الفواكه والدّراهم والدنانير وإنّها لحجارة. وقال محمّد بن شهاب الزّهريّ: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا غلام، ائتني بالخريطة؛ فجاء بخريطة نثر ما فيها، فإذا فيهم دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول، فقال: كل يا ابن شهاب؛ فأهويت إليه (¬a)، فإذا هو حجارة، فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا ممّا أصاب عبد العزيز بن مروان في مصر إذ كان عليها واليا، وهو ممّا طمس اللّه عليه من أموالهم. وقال المضارب بن عبد اللّه الشّامي: أخبرني من رأى النّخلة بمصر مصروعة وإنّها لحجر ولقد رأيت ناسا كثيرا قياما وقعودا في أعمالهم، لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم أنّهم أناس، وإنّهم لحجارة. ولقد رأيت الرجل من رقيقهم وإنّه لحارث على ثورين وإنّه وثوريه لحجارة.

стр. 236

ونقل وثيمة (¬a) بن موسى في «قصص الأنبياء» (١) أنّ فرعون لمّا هلك وقومه، وأمنت بنو إسرائيل غائلته، ندب موسى ﵇ من نقبائه الاثنى عشر نقيبين: أحدهما كالب بن يوقنا (¬b)، والآخر يوشع بن نون، مع كلّ واحد من سبطه اثنا عشر ألفا، وأرسلهما إلى مصر وقد خلت من حامية (¬c) لغرق أهلها مع فرعون فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى موسى. فذلك توريثهم أرض مصر، يعني قول اللّه (¬d) - عن قوم فرعون: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء الآيتان ٥٦، ٥٧]، ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٢) [الدخان الآية ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ اَلَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ اَلْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا اَلَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [آل عمران الآية ١٣٧]، يعني أرض مصر، أورثها (¬e) بني إسرائيل، لأنّهم هم المستضعفون الذين كانوا فيها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ * * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ﴾ [الآيتان ٤، ٥ سورة القصص]. قال جامعه ومؤلّفه: أخبرني داود بن رزق اللّه (¬f) بن عبد اللّه - وكانت له سياحات كثيرة بأرض مصر (٣) - أنّه عبر إلى واد بالقرب من القلمون بالوجه القبلي، فرأى فيه مقات كثيرة، ما بين بطّيخ وقثّاء وتفّاح، وكلّها حجارة. وكان قد أخبرني قديما بعض أعيان الناس (¬g) أنّه شاهد، في سفره إلى بعض (¬h) البلاد من أرض مصر، بطّيخا كثيرا كلّه حجارة، وذلك البطّيخ من الصّنف الذي يقال له «عبدلي».

стр. 237

ذكر أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم قال أبو الحسن عليّ بن رضوان الطّبيب (١): مصر اسم فيما نقلت الرّواة يدلّ على أحد بني (¬a) أولاد نوح النّبيّ ﵇ فإنّهم ذكروا أنّ مصر هذا نزل بهذه الأرض فأنسل فيها وعمرها فسمّيت باسمه (٢). والذي يدلّ عليه هذا الاسم اليوم هو الأرض التي يفيض عليها النّيل ويحيط بها حدود أربعة، وهي أنّ الشّمس تشرق على أقصى العمارة بالمشرق قبل (¬b)) شروقها على هذه الأرض بثماني ساعات وثلاث وتغيب عنها قبل (¬b) أن تغيب عن آخر العمارة بالمغرب بثلاث ساعات وثلثي ساعة، فيجب من ذلك أن تكون هذه الأرض في النصف الغربي من الرّبع العامر. والنّصف الغربي من الرّبع العامر على ما قال أبقراط وبطلميوس أقلّ حرارة وأكثر رطوبة من النّصف الشرقي، لأنّه [في] (¬c) قسم كوكب القمر، والنّصف الشّرقي في قسم كوكب الشّمس. وذلك أنّ الشّمس تشرق على النصف الشرقي قبل شروقها على النّصف الغربي، والقمر يهلّ على النّصف الغربي قبل النّصف الشّرقي. وقد زعم قوم من القدماء أنّ أرض مصر في وسط الرّبع المعمور من الأرض بالطّبع، فأمّا بالقياس فعلى ما ذكرنا من أنّها في النصف الغربي.

стр. 238

والحدّ الثالث هو أنّ أوّل بعد هذه الأرض عن خطّ الاستواء/ في جهة الجنوب أسوان، وبعدها عن خطّ الاستواء اثنان وعشرون درجة ونصف. فالشّمس تسامت رؤوس أهلها مرّتين في السنة: عند كونها في آخر الجوزاء، وفي أوّل السّرطان، وفي هذين الوقتين لا يكون للقائم بأسوان نصف النهار ظلّ أصلا، فالحرارة واليبس والاحتراق غالب على مزاجها لأنّ الشّمس تنشّف رطوباتها، ولذلك صارت ألوانهم سوداء وشعورهم جعدة لاحتراق أرضهم. والحدّ الرابع هو أنّ آخر بعد أرض مصر عن خط الاستواء في جهة الشّمال طرف بحر الرّوم، وعليه من أرض مصر بلدان كثيرة كالإسكندرية ورشيد ودمياط وتنّيس والفرما. وبعد دمياط عن خطّ الاستواء في الشّمال أحد وثلاثون جزءا (¬a) وثلث، وهذا البعد هو آخر الإقليم الثالث وأوّل الإقليم الرّابع، فالشّمس لا تبعد عنهم كلّ البعد ولا تقرب منهم كلّ القرب، فالغالب عليهم الاعتدال مع ميل يسير إلى الحرارة، فإنّ الموضع المعتدل على الصّحّة من البلدان العامرة، هو وسط (¬b) الإقليم الرّابع. وأيضا فمجاورة دمياط للبحر وإحاطته بها، تجعلها معتدلة بين الحرّ والبرد، خارجة عن الاعتدال إلى الرّطوبة، فيكون الغالب عليها المزاج الرّطب الذي ليس بحار ولا بارد، ولذلك صارت ألوانهم سمرا وأخلاقهم سهلة (¬c)، وشعورهم سبطة. وإذا كان أوّل مصر من جهة الجنوب الغالب عليه الاحتراق، وآخرها من جهة الشّمال الغالب عليها الاعتدال مع ميل يسير نحو الحرارة، فما بين هذين الموضعين من أرض مصر الغالب عليه الحرارة، وتكون قوّة حرارته بقدر بعده عن أسوان وقربه من بحر الرّوم. ومن أجل هذا قال أبقراط وجالينوس: «إن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة» (١). قال: وجبل لوقا (¬d) في مشرق هذه الأرض (٢) يعوّق عنها ريح الصّبا، فإنّه لم ير أحد (¬e) يفسطاط مصر صبا خالصة، لكن متى هبّت الصّبا عندهم، هبّت نكبا بين الشّرق والشّمال أو المشرق والجنوب. وهذه الرّياح يابسة مانعة من العفن، فقد عدمت أرض (¬f) مصر هذه الفضيلة، ومن أجل ذلك صارت المواضع التي تهبّ فيها ريح الصّبا من أرض مصر أحسن حالا من غيرها، كالإسكندرية وتنّيس [ودمياط] (¬g).

стр. 239

ويعوّق أيضا هذا الجبل إشراق الشّمس على أرض مصر، إذا كانت على الأفق فيكون زمان لبث الشّعاع على هذه الأرض أقلّ من الطّبيعي، ومثل هذه الحال سبب لركود الهواء وغلظه. وأرض مصر أرض كثيرة الحيوان والنّبات جدّا، لا تكاد تجد فيها موضعا خلوا من الحيوان والنّبات وهي أرض متخلخلة، فإنّك تراها عند انصراف النّيل بمنزلة الحمأة، فإذا حلّلت الحرارة ما فيها من الرّطوبة تشقّقت شقوقا عظاما، والمواضع الكثيرة من الحيوان والنّبات أرض كثيرة العفونة. وقد اجتمع على أرض مصر حرارة مزاجها وسخافتها (¬a)، وكثرة ما فيها من الحيوان والنّبات، فأوجب ذلك احتراقها وسواد طينها، وصارت أرضا سوداء، وما قرب منها من الجبل سبخ إمّا بورقيّ أو مالح، ويظهر من أرض مصر بالعشيّات بخار أسود أو أغبر، وخاصّة في أيام الصّيف. وأرض مصر ذات أجزاء كثيرة، ويختصّ كلّ جزء منها بشيء دون غيره. وعلّة ذلك ضيق عرضها، واشتمال طولها على عرض الإقليم الثاني والثالث، فإنّ الصّعيد فيه من النّخل والسّنط وآجام القصب والبردي، ومواضع إحراق الفحم وغير ذلك شيء كثير، والفيّوم فيه من النّقايع وآجام القصب ومواضع تعطين الكتّان شيء كثير، وأسفل أرض مصر فيه من النّبات أنواع كثيرة كالقلقاس والموز وغير ذلك. وبالجملة فكلّ بقعة من أرض مصر لها أشياء تختصّ بها وتتفضّل عن غيرها (١). قال: والنّيل يرطّب يبس الصّيف والخريف، فقد استبان أنّ المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرّطوبة الفضيلة، وأنّها ذات أجزاء كثيرة، وأن هواءها وماءها رديئان، وقد بيّن الأوائل أنّ المواضع الكثيرة العفن يتحلّل منها في الهواء فضول كثيرة لا تدعه يستقرّ على حال لاختلاف تصعّدها. وقد كان استبان أنّ هواء أرض مصر يسرع إليه التّغيّر، لأنّ الشّمس لا يثبت على أرض مصر شعاعها المدّة الطبيعية، فمن أجل هذين كثر اختلاف هواء أرض مصر، فصار يوجد في اليوم الواحد على حالات مختلفة: مرّة حرّ، ومرّة برد، ومرّة يابس، وأخرى رطب، ومرّة متحرّك،

стр. 240

وأخرى ساكن، ومرّة الشّمس صاحية، ومرّة قد سترها الغيم. وبالجملة هواء مصر كثير الاختلاف، غير لازم لطريقة واحدة، فيصير من أجل ذلك ما في الأوعية والعروق من أخلاط البدن، لا يلزم حدّا واحدا. وأيضا فإنّ ما يتحلّل كلّ يوم من البخار الرّطب بأرض مصر، يعوّقه اختلاف الهواء وقلّة سمك الجبال وكثرة حرارة الأرض عن الاجتماع في الجوّ، فإذا برد الهواء ببرد الليل انحدر هذا البخار على وجه الأرض، فيتولّد عنه الضّباب الذي يحدث عنه الطّلّ والنّدى، وربما تحلّل هذا البخار بالتحلّل الخفيّ، فإذا يتحلّل كلّ يوم ما كان اجتمع من البخار في اليوم الذي قبله، فمن أجل هذا لا يجتمع الغيم المطر بأرض مصر/ إلاّ في النّدرة، وظاهر أيضا أن أرض مصر يترطّب هواؤها في كلّ يوم بما يترقّى إليه من البخار الرّطب وما يتحلّل. وقد قال بعض النّاس: إنّ الضّباب يتكوّن من استحالة الهواء إلى طبيعة الماء، فإذا انضاف هذا إلى ما قلناه، كان أزيد في بيان سرعة تغيّر الهواء بأرض مصر وكثرة العفونة فيها، وقد استبان أنّ أرض مصر كثيرة الاختلاف، كثيرة الرّطوبة الفضيلة التي يسرع إليها العفن. والعلّة القصوى في جميع ذلك، هو أنّ أخصّ الأوقات بالجفاف في الأرض كلّها تكثر فيه بمصر الرّطوبة، لأنّها تترطّب في الصّيف والخريف بمدّ النيل وفيضه، وهذا خلاف ما عليه البلدان الأخر. وقد أعلمنا (¬a) أبقراط أنّ رطوبة الصّيف والخريف فضليّة أعني خارجة عن المجري الطّبيعي كرطوبة المطر الحادث في الصّيف. ومن أجل هذا قلنا إنّ رطوبة [أرض] (¬b) مصر فضليّة، وذلك أنّ الحرارة واليبس هو بالحقيقة مزاج مصر الطّبيعي، وإنّما عرض له ما أخرجه عن اليبس إلى الرّطوبة الفضليّة مدّ النّيل في الصّيف والخريف، ولذلك كثرت العفونات بهذه الأرض. فهذا هو السّبب الأوّل (¬c) الأعظم في أن صارت أرض مصر على ما هي عليه من سخافة الأرض وكثرة العفن ورداءة الماء والهواء؛ إلاّ أنّ هذه الأشياء لا تحدث في أبدان المصريين استحالة محسوسة إذا جرت على عادتها، من أجل إلف المصريين لهذه الحال ومشاكله أبدانهم لها، فإنّ كلّ ما يتولّد بأرض مصر من الحيوان والنّبات مشابه لما عليه مصر في سخافة الأبدان (¬d) وضعف القوى وكثرة التغيّر وسرعة الوقوع في الأمراض وقصر المدّة، كالحنطة بمصر فإنّها وشيكة الزّوال، سريع إليها العفن في المدّة اليسيرة.

стр. 241

ولا تظن (¬a) أنّ أبدان الناس وغيرهم تخالف ما عليه الحنطة من سرعة الاستحالة؛ وكيف لا يكون الأمر كذلك وأبدانهم مبنيّة من هذه الأشياء. فحال ما يتولّد بأرض مصر من النّبات والحيوان، في السّخافة وكثرة الفضول والعفن وسرعة الوقوع في الأمراض، كحال سخافة أرضها وعفنها وفضولها وسرعة استحالتها، لأنّ النّسبة واحدة، ولذلك أمكن حياة الحيوان فيها ونبات النّبات بها، فإنّ هذه الأشياء من حيث ناسبتها ولم تبعد عن مشاكلتها أمكن حياتها. فأمّا الأشياء الغريبة فإنّها إذا دخلت إلى مصر تغيّرت في أوّل لقائها لهذا الهواء، حتى إذا استقرّت وألفت الهواء واستمرّت عليه، صحّت صحّته (¬b) مشاكلة لأرض مصر (١). قال: وأمّا جنس ما يؤكل ويشرب بأرض مصر، فإنّ الغلاّت سريعة التّغيّر، سخيفة متخلخلة، تفسد في الزّمان اليسير، كالحنطة والشّعير والعدس والحمّص والباقلاّء والجلّبان، فإنّ هذه تسوّس في المدّة القليلة، ليس لشيء من الأغذية التي تعمل منها لذاذة ما لنظيره في البلدان الأخر، وذلك أنّ الخبز المعمول من الحنطة بمصر متى لبث يوما واحدا بليلته لا يؤكل، وإن أكل لم يوجد له لذاذة ولا تماسك لبعضه ببعض، ولا يوجد فيه علوكة، ولكنه يتكرّج في الزمان اليسير، وكذلك الدّقيق، وهذا خلاف أخبار البلدان الأخر. وكذلك الحال في جميع غلاّت مصر وفواكهها وما يعمل منها (¬c)، فإنّها وشيكة الزّوال، سريعة الاستحالة والتّغيّر. فأمّا ما يحمل من هذه إلى مصر، فظاهر أنّ مزاجها يتبدّل باختلاف الهواء عليها، ويستحيل عمّا كانت عليه إلى مشاكلة أرض مصر، إلاّ أنّ ما كان حديثا قريب العهد بالسّفر، فقد بقيت فيه من جودته بقايا صالحة؛ فهذا حال الغلاّت. وأمّا الحيوان الذي يأكله الناس، فالبلديّ منه مزاجه مشاكل لمزاج النّاس بهذه الأراضي في السّخافة وسرعة الاستحالة، فهو على هذا ملائم لطبائعهم، والمجلوب كالكباش البرقيّة فالسّفر يحدث في أبدانها قحلا ويبسا وأخلاطا لا تشاكل مزاج (¬d) المصريين، ولهذا إذا دخلت مصر مرض أكثرها، فإذا استقرّت زمانا صالحا تبدّل مزاجها ووافق مزاج المصريين.

стр. 242

وأهل مصر يشرب الجمهور منهم من ماء النّيل، وقد قلنا في ماء النّيل ما فيه كفاية، وبعضهم يشرب مياه الآبار، وهي قريبة من مشاكلتهم، والمياه المخزونة فقلّ من يشربها بأرض مصر. وأجود الأشربة عندهم الشّمسي، لأنّ العسل الذي فيه يحفظ قوّته ولا يدعه يتغيّر بسرعة، والزّمان الذي يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه، والزّبيب الذي يعمل منه مجلوب من بلاد أجود هواء. وأمّا الخمر فقلّ من يعتصرها إلاّ ويلقى معها عسلا، وهي معتصرة من كرومهم فتكون مشاكلة لهم، ولهذا صاروا يختارون الشّمسي عليها، وما عدا الشّمسي والخمر من الشّراب بأرض مصر، فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادّته كالنّبيذ التمري والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة. وأغذية أهل مصر مختلفة: فإنّ أهل الصّعيد يغتذون كثيرا بتمر النّخل والحلاوة المعمولة من قصب السكر، ويحملونها إلى الفسطاط وغيرها، فتباع هناك وتؤكل. وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلّبان، ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها، فتباع هناك وتؤكل، وكثير من أهل مصر يكثرون أكل/ السّمك طريّا ومالحا. وكثير يكثرون أكل الألبان وما يعمل منها، وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى كعكا، يعمل من جريش الحنطة ويجفّف، وهو أكثر أكلهم السّنة كلّها. وبالجملة فكلّ قوم منهم قد نبتت (¬a) أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها ونشأت عليها، إلاّ أنّ الغالب على أهل مصر الأغذية الرّديئة، وليست تغيّر مزاجهم ما دامت جارية على العادة، وهذا أيضا ممّا يؤكّد أمرهم في السّخافة وسرعة الوقوع في الأمراض. وأهل الرّيف أكثر حركة ورياضة من أهل المدن، ولذلك هم أصحّ أبدانا؛ لأنّ الرّياضة تصلّب أعضاءهم وتقوّيها. وأهل الصّعيد أخلاطهم أرقّ وأكثر دخانية وتخلخلا وسخافة، لشدّة حرارة أرضهم من أهل (¬b) أسفل الأرض. وأهل أسفل الأرض بمصر أكثر استفراغ فضولهم بالبراز والبول، لفتور حرارة أرضهم، واستعمالهم للأشياء الباردة والغليظة كالقلقاس. وأمّا أخلاق (¬c) المصريين فبعضها شبيه ببعض، لأنّ قوى النّفس تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التّغيّر قليلة الصّبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة، والتّنقّل من

стр. 243

شيء إلى شيء، والدّعة والجبن والقنوط والشّحّ وقلّة الصّبر، والرّغبة في العلم، وسرعة الخوف، والحسد والنّميمة والكذب والسّعي إلى السّلطان وذمّ الناس. وبالجملة فيغلب عليهم الشّرور الدّنيئة التي تكون من دناءة النّفس (¬a)، وليس هذه الشّرور عامّة فيهم، ولكنّها موجودة في أكثرهم، ومنهم من خصّه اللّه بالفضل وحسن الخلق، وبرّأه من الشّرور. ومن أجل توليد أرض مصر الجبن والشّرور الدّنيئة في النّفس لم يسكنها الأسد، وإذا دخلت ذلّت ولم تتناسل، وكلابها أقلّ جراءة (¬b) من كلاب غيرها من البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر، ما خلا ما كان منها في طبعه ملائما لهذه الحال كالحمار والأرنب (١). قال: إنّ جالينوس يرى أنّ فصل الرّبيع طبيعته الاعتدال، ويناقض [في كتابه في المزاج] (¬c) من ظنّ أنّه حارّ رطب. ومن شأن هذا الفضل أن تصحّ فيه الأبدان ويجود هضمها، وتنتشر الحرارة الغريزية فيه، ويصفو الرّوح الحيواني، لاعتدال الهواء وصفائه، ومساواة ليله لنهاره، وغلبة الدّم. والهواء المعتدل هو الذي لا يحسّ فيه ببرد ظاهر ولا حرّ ولا رطوبة ولا يبس، ويكون في نفسه نقيّا صافيا، فيقوى فيه الرّوح الحيواني لهذا السّبب، وتصحّ الأبدان ويكثر نشاط الحيوان، وتنمو الأشياء وتزيد وتتولّد (¬d). وإذا طلبنا بأرض مصر مثل هذا الهواء لم نجده في وقت من السّنة، إلاّ في أمشير وبرمهات وبرمودة وبشنس، عندما تكون الشّمس في النصف الأخير من الدّلو والحوت والحمل والثّور، فإنّا نجد بمصر في هذا الزّمان أيّاما معتدلة نقيّة صافية، لا يحسّ فيها بحرّ ظاهر ولا برد ولا رطوبة ولا يبوسة، وتكون الشّمس فيها نقيّة من الغيوم، والهواء ساكنا لا يتحرّك، إلاّ أن يكون ذلك في برمودة وبشنس، فإنّه يحتاج إلى أن تهبّ ريح الشّمال ليعتدل ببردها حرّ الشّمس. وفي هذا الزّمان تكثر حركة الحيوان وسفاده، وتحسن أصواته، وتورق الأشجار، ويعقد الزّهر، وتقوى القوّة المولّدة، ويغلب كيموس الدم (٣). وفي هذا الفصل في أرض مصر يتقدّم زمانه

стр. 244

الطّبيعي بمقدار ما ينقص عن آخره. وعلّة ذلك قوّة حرارة هذه الأرض. وقد يعرض في أوّل هذا الفصل أيام شديدة البرد، وذلك في أمشير، إذا هبّت ريح الشّمال، وكانت الشّمس غير نقيّة من الغيوم. وعلّة ذلك دخول فصل الرّبيع في فصل الشّتاء، فإذا هبّت ريح الشّمال برد ببردها الهواء، فأعادته بعد الاعتدال إلى البرد. ولكثرة ما يصعد من الأرض في هذا الزمان من البخار الرّطب، يرطب الهواء ويعود إلى حاله في فصل الشّتاء، وربّما برد الهواء من هبوب رياح أخر، فإنّ ريح الجنوب، التي هي أشدّ الرياح حرارة، إذا هبّت في هذا الزّمان اكتسبت برودة من الأرض والماء اللذين قد برّدهما هواء الشّتاء، فإذا مرّت بشيء برّدته ببرودتها العرضية، حتى إذا دام هبوبها أيّاما كثيرة متوالية عادت إلى حرارتها، وأسخنت الهواء وأحدثت فيه يبسا. والدليل على أنّ برد رياح الجنوب، التي تعرفها المصريون بالمريسي، يتولّد من برد مياه مصر وأرضها لا من شيء طبيعي لها، أنّه لا يجتمع في الجوّ، في أيام هبوبها، الضّباب الذي يجتمع من تحليل الحرارة للبخار الرّطب بالنهار وجمع البرودة له باللّيل، فحرارة ريح الجنوب تعوق (¬a) البرودة عن جمعه وتبدّده في الهواء، وإذا دام هبوب هذه الرّيح أسخنت الماء والأرض، وعادت إلى طبيعتها في الحرارة. وإذا كان فصل الرّبيع يتقدّم زمانه الطّبيعي، ويختلف هذا الاختلاف والهواء بمصر في الأصل يختلف بكثرة استحالته وما يرقى إليه من البخار فما ظنّك بغيره من الفصول؟ ولذلك كثرت فيه الرّياح، وأخّر الأطبّاء فيه سقي الأدوية المسهلة إلى أن يستقرّ أمره في شمس الحمل مع الثّور. ثم يدخل فصل الصّيف من (¬b) آخر بشنس وبئونة وأبيب وبعض مسرى، عندما تكون الشّمس في الجوزاء والسّرطان والأسد وبعض السّنبلة، فيشتدّ الحرّ واليبس في هذا الزمان، وتجفّ الغلاّت وتنضج الثّمار، ويجتمع من أكلها في الأبدان كيموسات كثيرة (¬c) رديئة. وإذا نزلت الشّمس السّرطان/ أخذ النّيل في الزيادة والفيض على أرض مصر، فيتغيّر مزاج الصّيف الطّبيعي بكثرة ما يتراقى إلى (¬d) الهواء من بخار الماء. ويوجد في أوّل هذا الفصل عندما تكون الشّمس في الجوزاء أيّام يشاكل هواؤها هواء الرّبيع، عندما تكون الشّمس مستورة بالغيوم، أو تكون ريح الشّمال هابّة. ولهذا يغلط كثير من الأطبّاء

стр. 245

ويسقي الأدوية المسهلة في هذا الزّمان، لظنّه أنّ فصل الرّبيع لم يخرج؛ إلاّ أنّ (¬a) من كان منهم أحذق، فهو يختار ما كان في هذه الأيام أسكن حرارة، والأكثر لا يشعرون ألبتّة بهذه الحال. وفي آخر الصّيف يكون (¬b) فيض النّيل، وظاهر أنّ هذا الفصل يتقدّم دخوله الزّمان الطّبيعي بقدر ما يتقدّم آخره، وأنّه كثير الاضطراب بكثرة ما يرقى إليه من بخار الماء (¬c). فلولا استمرار أبدانهم على هذا الاختلاف، ومشاكلتهم لهذه الحال، لحدثت فيهم الأمراض التي ذكر أبقراط أنّها تحدث إذا كان الصّيف رطبا. ثم يدخل فصل الخريف وطبيعته يابسة، من النّصف الأخير من مسرى ثم توت وبابة وبعض أيام هاتور، وتكون الشّمس في آخر السّنبلة والميزان والعقرب، فتكمل زيادة النّيل في أوّل هذا الفصل، ويطلق على الأرضين (¬d)، فيطبق أرض مصر، ويرتفع منه في الجوّ بخار كثير، فينتقل مزاج الخريف عن اليبس إلى الرّطوبة، حتى إنّه ربّما وقع فيه الأمطار وكثرة الغيم في الجوّ. ويوجد في هذا الفصل أيّام شديدة الحرّ لأنّها على الحقيقة صيفية، فإذا نقي الجوّ من البخار الرّطب عادت إلى طبيعتها من الحرارة. وفيه أيضا أيّام شديدة الشّبه بأيّام الرّبيع، تكون عندما يساوي اللّيل النّهار ويرطّب الماء يبس الهواء. ويشتد في هذا الفصل اضطراب الهواء بكثرة ما يرتقي إليه من البخار الرّطب، فيكون مرّة حارّا، وأخرى باردا، ومرّة يابسا، وأكثر أوقاته يغلب (¬e) عليه الرّطوبة، فلا يزال كذلك يتمرّج حتى يغلب عليه رطوبة الماء في آخر الأمر. ويصاد في أيّام الخريف من النّيل أسماك كثيرة جدّا، يولّد أكلها في الأبدان أخلاطا لزجة، وكثيرا ما يستحيل إلى الصّفراء إذا صادفت في البدن خلطا صفراويا، فمن أجل ذلك تضطرب ما في الأبدان من الرّوح الحيواني، وتهيج الأخلاط، ويفسد الهضم في البطون والأوعية والعروق، ويتولّد من ذلك كيموسات رديئة كثيرة الاختلاف (¬f): بعضها مرّة صفراء، وبعضها مرّة سوداء، وبعضها بلغم لزج، وبعضها خلط خام، وبعضها مرّة محترقة، وكثير منها يتركّب من هذه الأشياء فتثير الأمراض؛ حتى إذا انصرف النّيل في آخر الخريف، وانكشفت الأرض، وبرد الهواء، وكثرت الأسماك، واحتقن البخار، وكثر ما يرتفع من الأرض من العفونة، واستحكم عند ذلك وجود العفن، تزايدت الأمراض. ولولا إلف أهل أرض (¬a) مصر لهذه الأشياء، لكان ما يحدث فيهم من الأمراض أكثر من ذلك.

стр. 246

ثم يدخل فصل الشّتاء وطبيعته باردة رطبة، من النّصف الآخير من هاتور ثم كيهك وطوبة، وذلك عندما تكون الشّمس في القوس والجدي وبعض الدّلو، وذلك أقلّ من ثلاثة أشهر، والعلّة في ذلك قوّة حرارة أرض مصر، وكون الأبدان مضطربة. وتنكشف الأرض في أوّل هذا الفصل، وتحرث وتعفّن بالجملة، لكثرة ما يلقى فيها من البزور، وما فيها من أزبال الحيوان وفضولها، ولأنّها سخيفة، وهي كالحمأة في هذا الزّمان، فيتولّد فيها من أنواع الفأر والدّود والنّبات والعشب وغير ذلك ما لا يحصى كثرة، وينحلّ منها في الجوّ أبخرة كثيرة، حتى يصير الضّباب بالغدوات ساترا للأبصار عن الألوان القريبة. ويصاد أيضا من الأسماك المحبوسة في المياه المخزونة شيء كثير، وقد داخلها العفن لقلّة حركتها، فيولّد أكلها في الأبدان فضولا كثيرة لزجة شديدة الاستعداد للعفن، فتقوى الأمراض في أوّل هذا الفصل. حتى إذا اشتدّ البرد، وقوي الهضم في الأبدان، واستقرّ الهواء على شيء واحد، وعادت الحرارة الغريزية إلى داخل، وتطبّقت الأرض بالنّبات، وسكنت عفونتها، صحّت عند ذلك الأبدان، وهذا يكون في آخر كيهك أو في طوبة. فقد استبان أنّ الفصول بأرض مصر كثيرة الاختلاف، وأنّ أردأ أوقات السّنة عندهم وأكثرها أمراضا، هي (¬a) الخريف وأوّل الشّتاء، وذلك في شهري هاتور وكيهك، فإذا اختلاف الفصول مشاكل لما عليه أرضهم من الرّداءة، فمضرّة الفصول إذا بالأبدان في أرض مصر أقلّ منها في البلدان الأخر إذا اختلفت هذا الاختلاف. واستبان أيضا أنّ السّبب الأوّل في ذلك، هو مدّ النّيل في أيّام الصّيف، وتطبيقه الأرض في أيّام الخريف، بخلاف ما عليه مياه الأنهار في العمارة كلّها، فإنّها إنّما تمتدّ في أخصّ الأوقات بالرّطوبة، وهو الشّتاء والرّبيع (١). قال: وقد استبان ممّا تقدّم أنّ الرّطوبة الفضليّة بأرض مصر كثيرة. وظاهر أنّ أمراضهم البلديّة تكون من نوع هذه الرّطوبة، فإنّي أنا قلّما رأيت أمراضهم البلديّة تكون نوع هذه كلّها، لا يشوبها في أوّل أمرها البلغم والخلط الخام، والأمراض كلّها تحدث عندهم في الأوقات كلّها كما

стр. 247

قال أبقراط، وأكثر أمراضهم هي الفضلية، أعني العفنة من أخلاط صفراوية وبلغمية، على ما يشاكل مزاج/ أرضهم (١). قال (¬a): وما ذكرناه فيما تقدّم يوجب حدوث الأمراض كثيرا، إلاّ أنّ مشاكلة هذه بعضها بعضا، واتّفاقها في سنة واحدة، تمنع من أن تكون في أنفسها ممرضة حتى لزمت العادة، فأمّا إذا خرجت عن عادتها، فهي تحدث مرضا، وخروجها عن عادتها بمصر هو الذي أعدّه اختلافا ممرضا، لا الاختلاف الموجود فيها على الدّائم. والنّيل ليس يحدث في الأبدان كلّ سنة مرضا، ولكنّه إذا أفرطت زيادته، ودام مدّة تزيد على العادة، كان ذلك سببا لحدوث المرض الوافد. فإن قيل: إذا كانت أبدان الناس بأرض مصر من السّخافة - على ما ذكرت - فلعلّها في مرض دائم؛ فالجواب: لسنا نبالي في هذا (¬b) كيف كان؛ لأنّ المرض هو ما يضرّ بالفعل ضررا محسوسا من غير توسّط، فمن أجل ذلك ليست (¬c) أبدان المصريين في مرض دائم، ولكنّها كثيرة الاستعداد نحو الأمراض (٢). قال (٣): أمّا أمراض مصر البلديّة فقد ذكرنا من أمرها ما فيه كفاية، وظهر أنّ أكثرها الأمراض الفضلية التي يشوبها صفراء وخام، على أنّ باقي الأمراض تحدث عندهم بسرعة وقرب، وخاصّة في آخر الخريف وأوّل الشّتاء. وأمّا الأمراض الوافدة ومعنى المرض الوافد هنا (¬a)، هو ما يعمّ خلقا كثيرا في بلد واحد وزمان واحد، ومنه نوع يقال له: الموتان، وهو الذي يكثر معه الموت. وحدوث الأمراض الوافدة يكون عن أسباب كثيرة تجتمع في أجناس أربعة، وهي: تغيّر كيفيّة الهواء، وتغيّر كيفيّة الماء، وتغيّر كيفيّة الأغذية، وتغيّر كيفيّة الأحداث النّفسانية. والهواء (¬d) تتغيّر كيفيّته على ضربين: أحدهما تغيّره الذي جرت به العادة، وهذا لا يحدث مرضا وافدا، وليس تغيّرا ممرضا. والثاني التّغيّر الخارج عن مجرى العادة، وهذا هو الذي يحدث

стр. 248

المرض الوافد، وكذلك الحال في الأجناس الباقية. وخروج تغيّر الهواء عن عادته يكون إمّا بأن يسخن أكثر أو يبرد أو يرطب أو يجفّ أو يخالطه حال عفنيّة (¬a). والحالة العفنية (¬a) إمّا أن تكون قريبة أو بعيدة، فإنّ أبقراط وجالينوس يقولان: إنّه ليس يمنع مانع من أن يحدث ببلد اليونانييّن مرض وافد عن عفونة اجتمعت في بلاد الحبشة، وتراقت إلى الجوّ وانحدرت على اليونانيين، فأحدثت فيهم المرض الوافد. وقد يتغيّر أيضا مزاج الهواء عن العادة، بأن يصل وفد كثير قد أنهك أبدانهم طول السّفر وساءت أخلاطهم، فيخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الإعداء في الناس، ويظهر المرض الوافد. والماء أيضا قد يحدث المرض الوافد، إمّا بأن يفرط مقداره في الزّيادة أو النّقصان، أو يخالطه حال عفنية، ويضطرّ الناس إلى شربه، ويعفن به أيضا الهواء المحيط بأبدانهم، وهذه الحال تخالطه إمّا قريبا أو بعيدا، بمنزلة ما يمرّ في جريانه بموضع جرب (¬b) قد اجتمع فيه من جيف الموتى شيء كثير، أو بمياه نقائع (¬c) عفنة فيحدرها معه ويخالط جسمه. والأعذية تحدث المرض الوافد، إمّا إذا لحقها اليرقان وارتفعت أسعارها واضطرّ الناس إلى أكلها، وإمّا إذا أكثر الناس منها في وقت واحد كالذي يكون في الأعياد فيكثر فيهم التّخم، ويمرضون مرضا متشابها، وإمّا من قبل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل، أو فساد الماء الذي يشرب. والأحداث النّفسانية تحدث المرض الوافد متى حدث في النّاس خوف عام من بعض الملّوك، فيطول صبرهم (¬d) وتفكّرهم في الخلاص منه وفي وقوع البلاء، فيسوء هضم أجوافهم (¬e) وتتغيّر حرارتهم الغريزية، وربّما اضطرّوا إلى حركة عنيفة في هذه الحال، أو يتوقّعون قحط بعض السّنين، فيكثرون الحركة والاجتهاد في ادّخار الأشياء، ويشتدّ غمّهم بما سيحدث. فجميع هذه الأشياء تحدث في أبدان الناس المرض الوافد، متى كان المتعرّض لها خلق كثير في بلد واحد ووقت واحد. وظاهر أنّه إذا كثر في وقت واحد المرضى بمدينة واحدة، ارتفع من أبدانهم بخار كثير فيتغيّر مزاج الهواء، فإذا صادف بدنا مستعدّا أمرضه، وإن كان صاحبه لم يتعرّض لما يتعرّض إليه الناس.

стр. 249

فالأمراض الوافدة بمصر تحدث إمّا عن فساد لم تجر به العادة يعرض للهواء سواء كان مادّة فساده من أرض مصر، أو من البلاد التي تجاورها كالسّودان والحجاز والشّام وبرقة، أو يعرض للنّيل أن (¬a) تفرط زيادته فتكثر زيادة الرّطوبة والعفن، أو تقلّ زيادته جدّا فيجفّ الهواء عن مقدار العادة ويضطر الناس إلى شرب مياه رديئة، أو يخالطه عفونة تحدث عن حرب يكون بأرض مصر أو ببلاد السّودان أو غيرها يموت فيها خلق كثير ويرتفع بخار جيفهم في الهواء فيعفّنه ويتّصل عفنه إليهم، أو يسيل الماء ويحمل معه العفن، أو يغلو السّعر، أو يلحق الغلاّت آفة، أو يدخل على الكباش ونحوها مضرّة أو يلحق الناس خوف عام أو قنوط، وكلّ واحد من هذه الأسباب يحدث في أرض مصر مرضا وافدا يكون قوّته بمقدار قوّة السّبب المحدث له، وإن كان أكثر من سبب واحد كان ذلك المرض أشدّ وأقوى وأسرع في القتل (١). قال: فمزاج أرض مصر حارّ رطب بالرّطوبة الفضلية. وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن وأقلّ عفونة (¬b) في ماء النّيل/ بما كان منها في الشّمال، ولا سيّما من كان في شمال الفسطاط مثل أهل البشمور (٢)، فإنّ طباعهم أغلظ، والبله عليهم أغلب، وذلك أنّهم يستعملون أغذية غليظة جدّا، ويشربون من الماء الرّديء. وأمّا الإسكندرية (¬c) وتنّيس وأمثال هذه، فقربها من البحر وسكون الحرارة والبرد عندهم (¬d) وظهور الصّبا فيهم، ممّا يصلح أمرهم (¬e) ويرقّ طباعهم ويرفع هممهم، ولا يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور من غلظ الطّبع والحمارية. وإحاطة البحر بمدينة تنّيس، يوجب غلبة الرّطوبة عليها، وتأيس أخلاق أهلها (٣). قال: إنّه لمّا كانت أرض مصر وجميع ما فيها، سخيفة الأجسام سريعا إليها التغيّر والتّعفّن، وجب على الطبيب أن يختار من الأغذية والأدوية ما كان قريب العهد حديثا، لأنّ قوّته بعد باقية

стр. 250

عليه لم تتغيّر كلّ التّغيّر، وأن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر، ويجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضادّة أميل قليلا، ويتجنّب الأدوية القويّة الإسهال وكلّ ما له قوّة مفرطة. فإنّ نكاية هذه الأبدان سريعة، سيّما وأبدان المصريين سريعة الوقوع في النّكايات. ويختار ما يكون من الأدوية المسهّلة وغيرها ألين قوّة، حتى لا يكون على طبيعة المصريين منها كلفة، ولا يلحق أبدانهم مضرّة، ولا يقدم على الأدوية الموجودة في كتب أطبّاء اليونانيين والفرس، فإنّ أكثرها عملت لأبدان قويّة البنية عظيمة الأخلاط، وهذه الأشياء قلّما توجد بمصر، فلذلك يجب على الطّبيب أن يتوقّف في إعطاء هذه الأدوية للمرضى، ويختار ألينها، وينقص من مقدار شرباتها، ويبدّل كثيرا منها بما يقوم مقامه ويكون ألين منه، فيتّخذ السّكنجبين السّكّري في مقام العسلي، والجلاّب بدلا من ماء العسل. واعلم أنّ هواء مصر يعمل في المعجونات وسائر الأدوية ضعفا في قوّتها، فأعمار الأدوية المفردة والمركّبة المعجون منها وغير المعجون بمصر أقصر من أعمارها في غير مصر، فيحتاج الطّبيب بمصر إلى تقدير ذلك وتمييزه حتى لا يشتبه عليه شيء ممّا يحتاج إليه. وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدّواء المسهّل دفعة واحدة، فلا بأس بإعادته بعد أيّام، فإنّ ذلك أحمد من إيراد الدّواء الشّديد القوّة في دفعة واحدة (١). قال: ولكون أرض مصر تولّد في الأجسام سخافة وسرعة قبول للمرض، وجب أن تكون الأبدان على الهيئة الفاضلة بأرض مصر قليلة جدّا، فأمّا الأبدان الباقية فكثيرة، وأن تكون الصّحّة التامّة عندهم على الأمر الأكثر في القريبة من الهيئة الفاضلة. والطّريق الأولى التي تدبّر بها الأبدان في الهيئة الفاضلة يحتاج فيها بأرض مصر إلى أن يدبّر الهواء والغذاء والماء وسائر الأشياء تدبيرا يصير به في غاية الاعتدال، ولأنّ الهضم كثيرا ما يسوء بأرض مصر وكذلك الرّوح الحيواني، فيجب صرف العناية إلى مراعاة أمر القلب والدّماغ والكبد والمعدة والعروق والأوراد (¬a) وسائر الأعضاء الباطنة، في تجويد الهضم وإصلاح أمر الرّوح الحيواني وتنظيف الأوساخ اللاحجة (٢).
следующие страницы →