← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وهذه الدّار عامرة إلى يومنا هذا، يسكنها الأمراء، ووقع الهدم في القصر خاصّة في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وثمان مائة (١). دار ألماس هذه الدّار بخطّ حوض ابن هنس (٢)، فيما بينه وبين حدرة البقر، بجوار جامع ألماس (٣). أنشأها الأمير ألماس الحاجب، واعتنى برخامها عناية كبيرة، واستدعى به من البلاد. فلمّا قتل في صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، أمر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون بقلع ما في هذه الدّار من الرّخام، فقلع جميعه ونقل إلى القلعة. وهذه الدّار باقية إلى يومنا هذا ينزلها الأمراء. دار بهادر المقدّم هذه الدّار بخطّ الباطليّة من القاهرة، أنشأها الأمير الطّواشي سيف الدّين بهادر، مقدّم المماليك السّلطانية في أيّام الملك الظّاهر برقوق. وبهادر هذا من مماليك الأمير يلبغا، وأقام في تقدمة المماليك جميع الأيام الظّاهريّة، وكثر ماله، وطال عمره حتى هرم، ومات في أيّام الملك النّاصر فرج، وهو على إمرته وفي وظيفة (¬a) تقدمة المماليك السّلطانية، يوم الأحد سابع عشر رجب سنة اثنتين وثمان مائة (٤).

стр. 1857

وموضع هذه الدّار من جملة ما كان احترق من الباطليّة في أيام الملك الظّاهر بيبرس، كما تقدّم في ذكر حارة الباطليّة عند ذكر الحارات من هذا الكتاب (١). ولمّا مات المقدّم بهادر استقرّت من بعده منزلا لأمراء الدّولة، وهي باقية على ذلك إلى يومنا هذا. دار السّت شقرا هذه الدّار من جملة حارة كتامة (¬a)، وهي اليوم بالقرب من مدرسة الوزير الصّاحب كريم الدّين ابن غنّام بجوار حمّام كراى، وهي من الدّور الجليلة. عرفت بخوند السّتّ شقرا ابنة السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون، وتزوّجها الأمير أروس، ثم انحطّ قدرها واتّضعت في نفسها إلى أن ماتت في يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبع مائة (٢). دار ابن عنان هذه الدّار بخطّ الجامع الأزهر، أنشأها نور الدّين عليّ بن عنان التّاجر بقيسارية جهاركس من القاهرة، وتاجر الخاصّ الشّريف السّلطاني في أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون (٣). كان ذا ثراء (¬b) ونعمة كثيرة ومال متّسع، فلمّا زالت دولة الأشرف انجمع (¬c) وداخله وهم، فأظهر فاقة، وتذكّر أنّه دفن مبلغا كبيرا من الألف مثقال ذهب في هذه الدّار، ولم يعلم به أحدا سوى زوجته أم أولاده. فاتّفق أنّه مرض وخرس، ومرضت زوجته أيضا، فمات يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة تسع وثمانين وسبع مائة، وماتت زوجته أيضا. فأسف أولاده على فقد ماله، وحفروا مواضع من هذه الدّار فلم يظفروا بشيء ألبتّة، وأقامت مدّة بأيديهم وهي من وقف أبيهم، ومات ولده شمس الدّين محمد بن عليّ بن عنان يوم السبت تاسع صفر سنة ثلاث وثمان مائة، ثم باعوها سنة سبع عشرة وثمان مائة كما بيع غيرها من الأوقاف.

стр. 1858

دار بهادر الأعسر هذه الدّار بخطّ بين السّورين، فيما بين سويقة المسعودي من القاهرة وبين الخليج الكبير الذي يعرف اليوم بخليج اللّؤلؤة. كان مكانها من جملة دار الذّهب التي تقدّم ذكرها في ذكر مناظر الخلفاء من هذا الكتاب (١)، وإلى يومنا هذا بجوار هذه الدّار قبو، فيما بينها وبين الخليج، يعرف بقبو الذّهب من جملة أقباء دار الذّهب، وتمرّ النّاس من تحت هذا العقد (¬a). وبهادر هذا - هو الأمير سيف الدّين بهادر الأعسر القجاوي (¬b)، كان مشرفا بمطبخ الأمير سيف الدّين قجا أمير شكار، ثم صار زردكاش الأمير الكبير يلبغا الخاصّكي، وولي بعد ذلك مهمندار السّلطان بدار الضّيافة، وولي وظيفة شدّ الدّواوين (٢). إلى أن قدم الأمير يلبغا النّاصريّ نائب حلب بعساكر الشّام إلى مصر، وأزال دولة الملك الظّاهر برقوق في جمادى سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، قبض عليه ونفاه من القاهرة إلى غزّة، ثم عاد بعد ذلك إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن مات بهذه الدّار في يوم عيد الفطر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة، وحصرت تركته وكان فيها عدّة كتب في أنواع من العلوم (٣). وهذه الدّار باقية إلى يومنا هذا، وعلى بابها بئر بجانبها حوض/ ماء يملأ تشرب (¬c) الدّواب منه (٤). دار ابن رجب هذه الدّار من جملة أراضي البستان الذي يقال له اليوم الكافوري، كان إسطبلا للأمير علاء الدّين عليّ بن كلفت التّركماني شادّ الدّواوين (٥) فيما بين داره ودار الأمير تنكز نائب الشّام. فلمّا

стр. 1859

استقرّ ناصر الدّين محمد بن رجب في الوزارة، أنشأ بهذا الإسطبل قصرا كبيرا ومقعدا صار يجلس فيه واستولى من بعده على ذلك كلّه أولاده. فلمّا عمّر الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار مدرسته بخطّ رحبة باب العيد، أخذ هذا القصر والإسطبل في جملة ما أخذ من أملاك النّاس وأوقافهم. فلمّا قتله الملك النّاصر فرج واستولى على جميع ما خلّفه، أفرد هذا القصر والإسطبل فيما أفرده للمدرسة المذكورة، فلم يزل من جملة أوقافها إلى أن قتل الملك النّاصر فرج، وقدم الأمير شيخ نائب الشّام إلى مصر. فلمّا جلس على تخت الملك وتلقّب بالملك المؤيّد في غرّة شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة، وقف إليه من بقي من أولاد علاء الدّين عليّ بن كلفت، وهما امرأتان كانت إحداهما تحت الملك المؤيّد قبل أن يلي نيابة طرابلس، وهو من جملة أمراء مصر في أيّام الملك الظّاهر برقوق، وذكرتا أنّ الأمير جمال الدّين الأستادّار أخذ وقف أبيهما بغير حقّ، وأخرجتا كتاب وقف أبيهما. ففوّض أمر ذلك لقاضي القضاة جلال الدّين عبد الرّحمن بن شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان ابن نصير البلقيني الشّافعيّ، فلم يجد بيد أولاد جمال الدّين مستندا، فقضى بهذا المكان لورثة ابن كلفت، وبقائه على ما وقفه حسبما تضمّنه كتاب وقفه فتسلّم مستحقّ وقف ابن كلفت القصر والإسطبل، وهو الآن بأيديهم، وبينهم وبين أولاد ابن رجب نزاع في القصر فقط (١). محمّد بن رجب بن محمد بن كلفت (٢) - الأمير الوزير ناصر الدّين. نشأ بالقاهرة على طريقة مشكورة، فلمّا استقرّ ناصر الدّين محمد بن الحسام الصّقري (¬a) شادّ الدّواوين، بعد انتقال الأمير

стр. 1860

جمال الدّين محمود بن عليّ من شدّ الدّواوين إلى أستادّارية السّلطان في يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة سنة تسعين وسبع مائة، أقام ابن رجب هذا أستادّارا عند الأمير سودون باق، وكانت أوّل مباشراته. ثم ولي شدّ الدّواوين بعد الأمير ناصر الدّين محمد بن آقبغاآص (¬a)) في ثامن شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين، فباشر ذلك إلى أن صرف بابن آقبغاآص (¬a) في سابع عشرين ذي الحجّة، وعوّض في شدّ الدواوين بشدّ دواليب الخاصّ عوضا عن خاله الأمير ناصر الدّين محمد ابن الحسام عند انتقاله إلى الوزارة. فلم يزل إلى أن توجّه الملك الظّاهر برقوق إلى الشّام، وأقام الأمير محمود الأستادّار. فقدم عليه ابن رجب بكتاب السّلطان وهو مختوم، فإذا فيه أن يقبض على ابن رجب، ويلزمه بحمل مبلغ مائة وستين ألف درهم نقرة. فقبض عليه في رابع شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، وأخذ منه مبلغ سبعين ألف درهم نقرة. فلمّا كان في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين، صرف السّلطان عن الوزارة الصّاحب موفّق الدّين أبا الفرج، واستقرّ بابن رجب في منصب الوزارة وخلع عليه؛ فلم يغيّر زيّ الأمراء، وباشر الوزارة على قالب ضخم وناموس مهاب، وصار أميرا وزيرا مدبّرا لممالك. وسلك سيرة خاله الوزير ناصر الدّين محمد بن الحسام في استخدام كلّ من باشر الوزارة، فأقام الصّاحب سعد الدّين بن نصر اللّه بن البقري ناظر الدّولة، والصّاحب كريم الدّين عبد الكريم بن الغنّام ناظر البيوت، والصّاحب علم الدّين عبد الوهّاب سن إبرة مستوفى الدّولة، والصّاحب تاج الدّين عبد الرّحيم بن أبي شاكر رفيقا له في استيفاء الدّولة. وأنعم عليه بإمرة عشرين فارسا في سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين. فلم يزل على ذلك، إلى أن مات من مرض طويل في يوم الجمعة لأربع بقين من صفر سنة ثمان وتسعين وسبع مائة وهو وزير من غير نكبة، فكانت جنازته من الجنائز المذكورة. وقد ذكرته في كتاب «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة». دار القليجي هذه الدّار من جملة خطّ قصر بشتاك، كانت أوّلا من بعض دور القصر الكبير الشّرقي، الذي تقدّم ذكره عند ذكر قصور الخلفاء، ثم عرفت بدار جمال الكفاة.

стр. 1861

وهو القاضي جمال الدّين إبراهيم، المعروف بجمال الكفاة، ابن خالة النّشو ناظر الخاصّ (١). كان أوّلا من جملة الكتّاب النّصارى فأسلم، وخدم في بستان السّلطان (¬a) الملك النّاصر محمد ابن قلاوون - الذي كان ميدانا للملك الظّاهر بيبرس بأرض اللّوق - ثم خدم في ديوان الأمير بيدمر البدري (٢). فلمّا عرض السّلطان دواوين الأمراء، واختار منهم جماعة، كان من جملة من اختاره السّلطان جمال الكفاة هذا، فجعله مستوفيا إلى أن مات المهذّب كاتب الأمير بكتمر السّاقي، فولاّه السّلطان مكانه في ديوان الأمير بكتمر، فخدمه إلى أن مات، فخدم بديوان الأمير بشتاك، إلى أن قبض الملك النّاصر على النّشو ناظر الخاصّ، ولاّه وظيفة نظر الخاصّ بعد النّشو، ثم أضاف إليه وظيفة نظر الجيش بعد المكين بن قروينة عند غضبه عليه ومصادرته. فباشر الوظيفتين إلى أن مات الملك النّاصر، فاستمرّ في أيام الملك المنصور أبي بكر والملك الأشرف كجك والملك النّاصر أحمد. فلمّا ولي/ الملك الصّالح إسماعيل، جعله مشير الدّولة مع ما بيده من نظر الخاصّ والجيش - وكان الوزير إذ ذاك الأمير نجم الدّين محمود وزير بغداد - وكتب له توقيع باستقراره في وظيفة الإشارة؛ فعظم أمره، وكثر حسّاده إلى أن قبض عليه وضرب بالمقارع، وخنق ليلة الأحد سادس شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربعين وسبع مائة، ودفن بجوار زاوية ابن عبّود من القرافة، وكانت مدّة نظره في الخاصّ خمس سنين وشهرين تنقص أيّاما. وكان مليح الوجه، حسن العبارة، كثير التصرّف ذكيّا، يعرف باللّسان التّركي ويتكلّم به، ويعرف باللّسان النّوبي والتّكروري (٣).

стр. 1862

ولم تزل هذه الدّار بغير تكملة إلى أن ترأّس القاضي شمس الدّين محمد بن أحمد القليجي الحنفي، (¬a)) كان أوّلا يكتب على مبيضة الغزل وهي يومئذ مضمّنة لديوان السّلطان، ثم اتّصل بقاضي القضاة سراج الدّين عمر بن إسحاق الهندي وخدمه، فرفع من شأنه واستنابه في الحكم؛ فعيب ذلك على الهندي، وقال فيه شمس الدّين محمّد بن محمد الصّائغ الحنفي: [الطويل] ولمّا رأينا كاتب المكس قاضيا … علمنا بأنّ الدّهر عاد إلى ورا فقلت لصحبي ليس هذا تعجّبا … وهل يجلب الهنديّ شيئا سوى الخرا (¬a) وولي إفتاء دار العدل (¬b)، وناب عن القضاة في الحكم بعد مباشرة توقيع الحكم عدّة سنين. فعظم ذكره، وبعد صيته، وصار يتوسّط بين القضاة والأمراء في حوائجهم، ويخدم أهل الدّولة فيما يعنّ لهم من الأمور الشّرعية. فصار كثير من أمور القضاة لا يقوم به غيره، حتى لقد كان شيخنا الأستاذ قاضي القضاة وليّ الدّين عبد الرّحمن بن خلدون يسمّيه دريد بن الصّمّة؛ يعني أنّه صاحب رأي القضاة، كما أنّ دريد بن الصّمّة كان صاحب رأى هوازن يوم حنين، (¬c)) ينبزه بذلك (¬c). فلمّا فخم أمره أخذ هذه الدّار، وقد تمّ بناء جدرانها، فرخّمها وزخرفها وبيّضها، فجاءت في أعظم قالب وأحسن هندام وأبهج زيّ، وسكنها إلى أن مات يوم الثلاثاء العشرين من شهر رجب سنة سبع وتسعين وسبع مائة بعد ما وقفها، فاستمرّت في يد أولاده مدّة إلى أن أخذها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار كما أخذ غيرها من الدّور (١). دار بهادر المعزّي هذه الدّار بدرب راشد المجاور لخزانة البنود من القاهرة، عمّرها الأمير سيف الدّين بهادر المعزّي (٢). كان أصله من أولاد مدينة حلب من أبناء التّركمان، فاشتراه الملك المنصور لاجين قبل

стр. 1863

أن يلي سلطنة مصر وهو في نيابة السّلطنة بدمشق، فترقّى حتى صار أحد الأمراء الألوف إلى أن مات في يوم الجمعة تاسع شعبان سنة تسع وثلاثين وسبع مائة (١) عن ابنتين: إحداهما تحت الأمير أسندمر العمري (¬a) (٢)، والأخرى تحت مملوكه أقتمر (٣). وترك مالا كثيرا: منه ثلاثة عشر ألف ألف دينار، وستّ مائة ألف درهم نقرة، وأربع مائة فرس، وثلاث مائة جمل، ومبلغ خمسين ألف أردب غلّة، وثمان حوائص ذهب، وثلاث كلّوتات زركش، واثني عشر طراز زركش وعقارا كثيرا، فأخذ السّلطان الملك النّاصر محمد ابن قلاوون جميع ما خلّفه. وكان جميل الصّورة، معروفا بالفروسيّة، ورمى في القبق النّشّاب بيمينه ويساره، ولعب الرّمح لعبا جيّدا. وكان ليّن الجانب، حلو الكلام، جميل العشرة إلاّ أنّه كان مقترا على نفسه في مأكله وسائر أحواله لكثرة شحّه، بحيث أنّه اعتقل مرّة فجمع من راتبه الذي كان يجري عليه وهو في السّجن مبلغ اثني عشر ألف درهم نقرة، أخرجها معه من الاعتقال (٤).

стр. 1864

دار طينال هذه الدّار بخطّ الخرّاطين، في داخل الدّرب الذي كان يعرف بخربة صالح، كان موضعها وما حولها في الدّولة الفاطمية مارستانا. وأنشأ هذه الدّار الأمير طينال أحد مماليك النّاصر محمد ابن قلاوون، أقامه ساقيا ثم عمله حاجبا صغيرا، ثم أعطاه إمرة أركتمر (¬a)، وجعله أمير مائة مقدّم ألف، فباشر ذلك مدّة؛ ثم أخرجه لنيابة طرابلس فأقام بها زمانا، ثم نقله إلى نيابة صفد، فمات بها في ثالث شهر ربيع سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة (١). وكان تتريّ الجنس، قصيرا إلى الغاية، مليح الوجه، مشكورا في أحكامه، محبّا لجمع المال شحيحا. وهذه الدّار تشتمل على قاعتين (¬b) متجاورتين، وهي من الدّور الجليلة. ولطينال أيضا قيسارية بسويقة أمير الجيوش. دار الهرماس هذه الدّار كانت بجوار الجامع الحاكمي من قبليه، شارعة في رحبة الجامع، على يسرة من يمرّ إلى باب النّصر؛ عمّرها الشّيخ قطب الدّين محمد بن (¬c) المقدسي، المعروف بالهرماس (٢)، وسكنها مدّة. وكان أثيرا عند السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد ابن قلاوون، له فيه اعتقاد كبير. فعظم عند النّاس قدره، واشتهر فيما بينهم ذكره، إلى أن دبّت بينه وبين الشّيخ شمس الدّين محمد بن النّقّاش عقارب الحسد، فسعى به عند السّلطان إلى أن تغيّر عليه وأبعده (٣).

стр. 1865

ثم ركب في يوم (¬a) سنة إحدى وستين وسبع مائة، من قلعة الجبل بعساكره إلى باب زويلة، فعند ما وصل إليه ترجّل الأمراء كلّهم عن خيولهم، ودخلوا مشاة من باب زويلة كما هي العادة، وصار السّلطان راكبا بمفرده وابن النّقّاش أيضا راكبا بجانبه، وسائر الأمراء والمماليك مشاة في ركابه على ترتيبهم،/ إلى أن وصل السّلطان إلى المارستان المنصوري بين القصرين، فنزل إليه ودخل القبّة، وزار قبر أبيه وجدّه وإخوته، وجلس وقد حضر هناك مشايخ العلم والقضاة، فتذاكروا بين يديه مسائل علمية، ثم قام إلى النّظر في أمور المرضى بالمارستان، فدار عليهم حتى انتهى غرضه من ذلك، وخرج فركب وسار نحو باب النّصر، والنّاس مشاة في ركابه إلاّ ابن النّقّاش فإنّه راكب بجانبه، إلى أن وصل إلى رحبة الجامع الحاكمي، فوقف تجاه دار الهرماس وأمر بهدمها، فهدمت وهو واقف، وقبض على الهرماس وابنه، وضرب بالمقارع عدّة شيوب، ونفي من القاهرة إلى مصياف. فقال الإمام العلاّمة شمس الدّين محمد بن عبد الرّحمن ابن الصّائغ الحنفي في ذلك: [مجزوء الرمل] قد ذاق هرماس الخساره … من بعد عزّ وجساره حسب البهتان يبقى … أخرب اللّه دياره فلمّا قتل السّلطان في سنة اثنتين وستين، عاد الهرماس إلى القاهرة، وأعاد بعض داره. فلمّا كانت سنة ثمانين وسبع مائة، صارت هذه الدّار إلى الأمير جمال الدّين بن عبد اللّه ابن بكتمر الحاجب، فأنشأها قاعة وعدّة حوانيت وربعا علوّ ذلك، وانتقل من بعده إلى أولاده، وهو بأيديهم إلى اليوم. دار أوحد الدّين هذه الدّار بداخل درب السّلاّمي من (¬b) رحبة باب العيد مقابل قصر الشّوك وإلى جانب المارستان العتيق الصّلاحي. كان موضعها من حقوق القصر الكبير وصار أخيرا طاحونا، فهدمها القاضي أوحد الدّين عبد الواحد أيّام كان يباشر توقيع الأمير الكبير برقوق بعد سنة ثمانين وسبع مائة.

стр. 1866

فلمّا حفر أساس هذه الدّار، وجد فيه هيئة قبّة معقودة من لبن، وفي داخلها إنسان ميّت قد بليت أكفانه، وصار عظما نخرا، وهو في غاية طول القامة يكون قدر خمسة أذرع، وعظام ساقيه خلاف ما عهد من الكبر، ودماغه عظيم جدّا. فلمّا كملت هذه الدّار سكنها أيّام مباشرته وظيفة كتابة السّرّ إلى أن مات بها، وقد حبسها على أولاده، فاستمرّت بأيديهم إلى أن أخذها منهم الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار، كما أخذ غيرها من الأوقاف، فاستمرّت في جملة ما بيده إلى أن قتله الملك النّاصر فرج، فقبضها فيما قبض ممّا خلّفه جمال الدّين. فلمّا قتل الملك النّاصر فرج، واستقلّ الملك المؤيّد شيخ بمملكة مصر، استرجع أولاد جمال الدّين ما كان أخذه النّاصر من أملاك جمال الدّين، وصارت بأيديهم إلى أن وقف له أولاد أوحد الدّين في طلب دار أبيهم، فعقد لذلك مجلس اجتمع فيه القضاة، فتبينّ الحقّ (¬a) بيد أولاد أوحد الدّين، فقضى بإعادة الدّار إلى ما وقفها عليه أوحد الدّين، فتسلّمها أولاد أوحد الدّين من ورثة جمال الدّين، وهي الآن بأيديهم. عبد الواحد بن إسماعيل بن ياسين الحنفي، أوحد الدّين كاتب السّرّ (١) - ولد بالقاهرة، ونشأ بها في كنف قاضي القضاة جمال الدّين عبد اللّه بن عليّ التّركماني الحنفي لصهارة كانت بين أبيه وبين التّركمانية، وباشر توقيع الحكم مدّة. واتّفق أنّ أميرا من أمراء الملك الأشرف شعبان بن حسين، يعرف بيونس الرّمّاح، مات، فادّعى برقوق العثماني - أحد المماليك اليلبغاوية - أنّه ابن عمّ يونس هذا، وأنّه يستحق إرثه لموته عن غير ولد، وحضر إلى المدرسة الصّالحيّة بين القصرين - حيث يجلس القضاة للحكم بين النّاس - حتى يثبت ما ادّعاه. فلما أراده اللّه (¬b) من إسعاد جدّ أوحد الدّين، لم يقف برقوق على أحد من موقّعي الحكم إلاّ عليه، وأخبره بما يريد، فبادر إلى توريق سؤال باسم برقوق، وإنهائه أنّه ابن عمّ

стр. 1867

يونس الرّمّاح، وأنّ عنده بيّنة تشهد بذلك، ودخل بهذا السّؤال إلى قاضي القضاة، وأنهى العمل حتى ثبت أنّ برقوق ابن عمّ يونس يستحق إرثه. فلمّا فرغ من ذلك دفع برقوق إلى أوحد الدّين مبلغ ذلك (¬a) أجرة توريقه، كما هي عادة أهل مصر في هذا، فامتنع من أخذها، وألحف برقوق في سؤاله وهو يمتنع. فتقلّد له برقوق المنّة بذلك، واعتقد أمانته وخيره، وصار - لكثرة ركونه إليه - إذا قدم فلاّحو إقطاعه يبعثهم إليه حتى يحاسبهم عمّا حملوه من الخراج. فلمّا قتل الملك الأشرف، وثارت المماليك وكان من أمرهم ما كان إلى أن تغلّب برقوق، وصار من جملة الأمراء، واستولى على الإسطبل السّلطاني في شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وسبع مائة، وصار أمير آخور أقام أوحد الدّين موقّعا عنده. وما زال أمر برقوق يزداد قوّة حتى أنيطت به أمور المملكة كلّها، فصار أوحد الدّين صاحب الحلّ والعقد، وكاتب السّرّ بدر الدّين محمد بن عليّ بن فضل اللّه اسما لا معنى له إلى أن جلس الأمير برقوق على تخت المملكة في شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة، فقرّر القاضي أوحد الدّين في وظيفة كتابة السّرّ عوضا عن ابن فضل اللّه، وخلع عليه في يوم السبت ثاني عشر شوّال من السنة المذكورة. فباشر كتابة السّرّ على القالب الجاير، وضبط الأمور أحسن ضبط، وعكف سائر النّاس على بابه لتمكّنه من سلطانه. وكان الأمير يونس الدّوادار يرى أنّه أكثر النّاس من الأمراء تمكينا من السّلطان، وجرت العادة/ بانتماء كاتب السّرّ إلى الدّوادار. فأحبّ أوحد الدّين الاستبداد على الأمير يونس الدّوادار، فقال للسّلطان سرّا في غيبة يونس: إنّ السّلطان يرسم بكتابة مهمّات الدّولة وأسرار المملكة إلى البلاد الشّامية وغيرها، والأمير الدّوادار يريد من المملوك أن يطّلع على ذلك، فلم يقدر المملوك على مخالفته، ولا أمكنه إعلامه إلاّ بإذن. فأنف السّلطان من ذلك، وقال: الحذر أن يطّلع على شيء من مهمّات السّلطان أو أسراره؛ فقال: أخاف منه إن سأل ولم أعلمه؛ فقال السّلطان: ما عليك منه. فرأى أنّه قد تمكّن حينئذ فأمسك أيّاما. ثم أراد الازدياد من الاستبداد، فقال للسّلطان سرّا: قد رسم السّلطان ألاّ يطّلع أحد على سرّ السّلطان، ولا يعرف بما يكتب من المهمّات وطائفة البريديّة كلّهم يمشون في خدمة الدّوادار،

стр. 1868

فإذا اقتضت آراء السّلطان تسفير أحد منهم في مهمّ، يحتاج المملوك إلى استدعائه من خدمة الأمير الدّوادار، فإذا التمس منّي أنّي أخبره بالمعنى الذى توجّه فيه البريدي لا أقدر على إعلامه بذلك ولا آمن إن كتمته، وانصرف. فلمّا كان من الغد، وطلع الأمراء إلى الخدمة على العادة، قال السّلطان للأمير يونس الدّوادار: أرسل البريديّة كلّهم إلى كاتب السّرّ ليمشوا ويركبوا معه. فلم يجد بدّا من إرسالهم، وحصل عنده من إرسالهم المقيم المقصد (¬a). فصار البريديّة يركبون نوبا في خدمة أوحد الدّين، ويتصرّف في أمور الدّولة وحده مع سلطانه. فانفرد بالكلمة، وخضع له الخاصّ والعامّ؛ إلاّ أنّه نغّص عليه في نفسه، ومرض مرضا طويلا سقطت معه شهوة الطّعام، بحيث أنّه لم يكن يشتهي شيئا من الغذاء، وتنوّع له المآكل بين يديه لكي تميل نفسه إلى شيء منها، ومتى تناول غذاء تقيّأه في الحال. وما زال على ذلك إلى أن مات عن سبع وثلاثين سنة، في يوم السبت ثاني ذي الحجّة سنة ستّ وثمانين وسبع مائة، ودفن خارج باب النّصر (١)، فلم يتأخّر أحد من الأمراء والأعيان عن جنازته. وكان حسن السّياسة، رضيّ الخلق، عاقلا، كثير السّكون، جيّد السّيرة، جميل الصّورة، حشم (¬b) الهيئة، عارفا بأمر دنياه، محبّا للمداراة، صاحب باطن، قليل العلم، ﵀. ربع الزّيتي هذا الرّبع كان بجوار قنطرة الحاجب التي على الخليج النّاصريّ (٢)، وكان يشتمل على عدّة مساكن ينزلها أهل الخلاعة للقصف، فإنّه كان يشرف من جهاته الأربع على رياض وبساتين. ففي شرقيه غيط الزّيتي وقد خرب وموضعه اليوم بركة ماء. وفي غربيه غيط الحاجب بيبرس - وأدركته عامرا، وهو اليوم مزارع بعد ما كان له باب كبير بجانبه حوض ماء للسّبيل، وعليه سياج من طين دائر به - ومن قبلي هذا الرّبع الخليج وقنطرة الحاجب والجنينة التي بأرض الطّبّالة، ومن بحرية بساتين تتّصل بالبعل وكوم الرّيش.

стр. 1869

وما زال هذا الرّبع معمورا بالملذّات (¬a)، آهلا بكثرة المسرّات إلى أن كانت سنة الغرقة - وهي سنة خمس وخمسين وسبع مائة - فخربت دور كوم الرّيش وغيرها، ووصل ماء النّيل إلى قنطرة الحاجب، فخرب ربع الزّيتي وأهمل أمره، حتى صار كوما عظيما، تجاه قنطرة الحاجب وغيط الحاجب. وسمعت من أدركته يخبر عن هذا الرّبع بعجائب من الملاذ التي كانت فيه. وكانت العامّة تقول في هزلها: «ستّي أين كنتي وأين رحتي وأين جيتي. قالت: من ربع الزّيتي»: [الكامل] ثمّ انقضت تلك السّنون وأهلها … فكأنّها وكأنّهم أحلام (١) الدّار التي في أوّل البرقيّة من القاهرة التي حيطانها حجارة بيض منحوتة هذه الدّار بقي منها جدار على يمين من سلك من المشهد الحسيني يريد باب البرقيّة، وبقي منها أيضا جدار على يمين من سلك من رحبة الأيدمري إلى باب البرقيّة. وهي دار الأمير صبيح ابن شاهنشاه، أحد أمراء الدّولة الفاطمية في أيام الصّالح طلائع بن رزّيك، وكانت في غاية الكبر والتّخشين. قال بعض أصحاب الصّالح: يا مولانا أبقاك اللّه حتى تتمّ دار ابن شاهنشاه. وكان الضّرغام، قبل أن يلي وزارة مصر، قد فرّس العادل أبا شجاع رزّيك بن الصّالح طلائع ابن رزّيك، فظهر منه فارسا في غاية الفروسية، بحيث أنّه قد حضر في يوم عيد الحلقة، وأخذ رمحا وحربة وقوسا وسهما، فأخذ الحلقة بالرّمح، ورمى بالسّهم فأصاب الغرض، وجدّف بالحربة فأثبتها في المرمى، ولعب بالرّمح في غاية الحسن. ثم دخل صبيح بن شاهنشاه، فعمل مثل ذلك. فتحرّك الضّرغام - وكان يلبس عمامة بعذبة وأكمام واسعة على زيّ المصريين يومئذ - فتلثّم بعذبته، ولفّ أكمامه، وأخذ رمحه، ولعب به في غاية الحسن، وطرد كذلك، ودخل في الحلقة وأخذها. فعجب منه كلّ من في العسكر، فأخذ عند ذلك الأمير صبيح بن شاهنشاه المبخرة، وأتى إليه. وقال: يا مولاي كفاك اللّه أمر العين، فإنّ هذا شيء لا يقدر عليه أحد. وجعل يدور حول فرسه ويبخّره، والضّرغام يبتسم ويعجبه ذلك.

стр. 1870

وبعد هذا كان قتل ابن شاهنشاه على يده في سنة ثمان وخمسين وخمس مائة، ولم تكمل هذه الدّار. دار التّمر هذه الدّار بمدينة مصر من خارجها، فيما انحسر/ عنه ماء النّيل بعد الخمس مائة من سني الهجرة، وتعرف اليوم بصناعة التّمر، تجاه الصّاغة بخطّ سوق المعاريج، ومن جملتها بيت برهان الدّين إبراهيم الحلّي ومدرسته، وهذه الدّار وقفها القاضي عبد الرّحيم بن عليّ البيساني، على فكاك الأسرى من المسلمين ببلاد الفرنج. قال القاضي محيي الدّين عبد اللّه بن عبد الظّاهر في كتاب «الدّرّ النّظيم في أوصاف القاضي الفاضل عبد الرّحيم»: ومن جملة مبارّه (¬a) دار التّمر بمصر المحروسة، ولها دخل عظيم يجمع ويشترى به الأسرى من بلاد الفرنج، وذلك مستمرّ إلى هذا الوقت. وفي كلّ وقت يحضر بالأسارى فيلبسون ويطوفون ويدعون له، وسمعتهم مرارا يقولون: «يا أللّه يا رحمن يا رحيم، ارحم القاضي الفاضل عبد الرّحيم». وقال القاضي جمال الدّين (¬b) بن شيث (١): كان للقاضي الفاضل ربع عظيم يؤجّره بمبلغ كبير، فلمّا عزم على الحجّ ركب ومرّ به ووقف عليه، وقال: «اللّهم إنّك تعلم أنّ هذا

стр. 1871

الخان ليس شيء أحبّ إليّ منه (أو قال أعزّ عليّ منه)، اللّهم فاشهد أنّي وقفته على فكاك الأسرى (¬a)) من بلاد الفرنج (¬a)». وقال ابن المتوّج: ومن جملة الأوقاف الوقف الفاضلي، وهو الدّار المشهورة بصناعة التّمر، الوقف على فكاك الأسرى من يد العدوّ، المشتملة على مخازن وأخصاص وشون ومنازل علوية وحوانيت بمجازها وظاهرها، وهي اثنا عشر حانوتا، وخمسة مقاعد، وثمانية وخمسون مخزنا، وخمسة عشر خصّا، وستّ قاعات وساحة، وستّ شون، وخمسة وسبعون منزلا، وخمسة مقاعد علوية، الأجرة عن ذلك جميعه إلى آخر شعبان سنة تسع وثمانين وستّ مائة في كلّ شهر ألف ومائة وستة ثلاثون درهما نقرة. واستجدّ بها القاضي جمال الدّين (¬b) الوجيزي خليفة الحكم بمصر، حين كان ينظر في الأوقاف، دارا من ربع الوقف فأكلها البحر، فأمر ببناء زريبة أمامها من مال الوقف. عمارة أمّ السّلطان هذه العمارة من جملة المنحر، كانت دارا تعرف بالأمير جمال الدّين أيدغدي العزيزي، ولها باب من الدّرب الأصفر الذي هو الآن تجاه خانقاه بيبرس، وباب من المحايرين تجاه الجامع الأقمر. عرفت هذه الدّار بالأمير مظفّر الدّين موسى (¬c)) بن الملك (¬c) الصّالح عليّ ابن الملك المنصور سيف الدّين قلاوون الألفي، ثم خربت فأنشأتها خوند بركة (¬d) أم الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، وجعلت منها قيساريّة بخطّ الرّكن المخلّق يباع بها الجلود، ويعلوها ربع جليل لسكن العامّة يشتمل على عدّة طباق (١)، ووقفت ذلك على مدرستها بخطّ التّبّانة خارج باب زويلة.

стр. 1872

فلم تزل جارية في وقفها إلى أن اغتصبها الوزير الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار فيما أخذ من الأوقاف، وجعلها وقفا على مدرسته بخطّ رحبة باب العيد من القاهرة. وجعلت خوند بركة من جملة هذه الدّار قاعة لم يعمّر فيها سوى بوّابتها لا غير، وهي أجلّ بوّابات الدّور، وقد دخلت أيضا فيما أخذه جمال الدّين، وصارت بيد مباشري مدرسته إلى أن أخذها السّلطان الملك الأشرف أبو النّصر (¬a) برسباي الدّقماقي الظّاهري، وابتدأ بعملها وكالة في شوّال سنة خمس وعشرين وثمان مائة، فكملت في رجب سنة ستّ وعشرين، وغيّر من الطّراز المنقوش في الحجارة بجانبي باب الدّخول اسم شعبان بن حسين وكتب برسباي، فجاءت من أحسن المباني، ويعلوها طباق للسّكنى. ولم يسخّر في عمارتها أحد من النّاس كما أحدثه ولاة السّوء في عمائرهم، بل كان العمّال من البنّائين والفعلة ونحوهم يوفّون أجورهم من غير عنف ولا عسف، فإنّه كان القائم على عمارتها القاضي زين الدّين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيش، وهذه عادته في أعماله أن لا يكلّف فيها العمّال غير طاقتهم، ويدفع إليهم أجرهم (¬b).

стр. 1873

ذكر الحمّامات (¬a)) الحمّام مذكّر مشتق من الحميم وهو الماء الحار (¬a)، قال ابن سيده: والحميم والحميمة جميعا الماء الحار، والحميمة أيضا المحض إذا سخّن، وقد أحمّه وحمّمه، وكلّ ما سخّن فقد حمّم. قال ابن الأعرابي: والحمائم جمع الحميم الذي هو الماء الحارّ، وهذا خطأ لأنّ «فعيلا» لا يجمع على «فعائل»، وإنّما هو جمع الحميمة الذي هو الماء الحارّ: لغة في الحميم. [والحمّام: الدّيماس مشتقّ من الحميم] (¬b) مذكّر، وهو أحد ما جاء من الأسماء على «فعّال» نحو القذّاف والجبّان، والجمع حمّامات. قال سيبويه: جمعوه بالألف والتاء وإن كان مذكّرا حين لم يكسّر، جعلوا ذلك عوضا عن التكسير. والاستحمام الاغتسال بالماء الحارّ، وقيل هو الاغتسال بأي ماء كان، والحميم العرق، واستحمّ الرّجل: عرق. وأمّا قولهم لداخل الحمّام إذا خرج: «طاب حميمك» فقد يعنى به [الاستحمام - وهو مذهب أبي عبيد،، وقد يعنى به] (¬b) العرق، أي طاب عرقك. وإذا دعي له بطيب العرق فقد دعي له بالصّحّة، لأنّ الصّحيح يطيب عرقه (١). وروي عن سفيان الثّوري أنّه قال: ما درهم ينفقه المؤمن هو فيه أعظم أجرا من درهم يعطيه صاحب حمّام ليخلّيه له. قال محمد بن إسحاق في كتاب «المبتدأ»: إنّ أوّل من اتّخذ الحمّامات والطّلاء بالنّورة سليمان بن داود ﵉ وأنّه لمّا دخله (¬c) ووجد غمّه (¬d) قال: «أوّاه من عذاب اللّه أوّاه». وذكر المسبّحي في تاريخه أنّ العزيز/ باللّه نزار بن المعزّ لدين اللّه أوّل من بنى الحمّامات بالقاهرة (٢).

стр. 1874

وذكر الشّريف [محمد بن] (¬a) أسعد الجوّاني، عن القاضي القضاعيّ، أنّه كان في مصر الفسطاط ألف ومائة وسبعون حمّاما (١). وقال ابن المتوّج: إنّ عدّة حمّامات مصر في زمنه بضع وسبعون حمّاما. وذكر ابن عبد الظّاهر أنّ عدّة حمّامات القاهرة إلى آخر سنة خمس وثمانين وستّ مائة تقرب من ثمانين حمّاما (٢). وأقلّ ما كانت الحمّامات ببغداد، في أيام الخليفة النّاصر أحمد ابن المستضيء (¬b)، نحو الألفي حمّام. حمّاما السّيّدة العمّة قال ابن عبد الظّاهر: حمّاما الكافي (¬c) يعرفان بحمّامي السّيّدة العمّة، وانتقلتا إلى الكامل ابن شاور، ثم إلى ورثة الشّريف بن ثعلب، وهي (¬d) الآن بأيديهم، ولا تدور إلاّ الواحدة (٣). (¬e)) وهذان الحمّامان ذكرهما في كتب الأملاك القديمة كثير جدّا، و (¬e) كانتا على يمنة من يدخل من أوّل حارة الرّوم، تجاه ربع الحاجب لؤلؤ (¬f) المعروف الآن بربع الزّيّاتين علوّ الفندق الذي بابه بسوق الشّوائين. وكانت أحدهما (¬g) برسم الرّجال، والأخرى برسم النّساء، وقد خربتا ولم يبق لهما أثر ألبتّة (٤).

стр. 1875

حمّام السّاباط قال ابن عبد الظّاهر: كان في القصر الصّغير باب يعرف بباب السّاباط، كان الخليفة في العيد يخرج منه إلى الميدان - وهو الخرنشف الآن - وإلى المنحر لينحر فيه الضّحايا (١). قلت (¬a): حمّام السّاباط هذا يعرف في زمننا بحمّام المارستان، وهو برسم دخول النّساء عند باب سرّ المارستان المنصوري. وهذا الحمّام هو حمّام القصر الصّغير الغربي، ويعرف أيضا بحمّام الصّنيمة. فلمّا زالت دولة الخلفاء الفاطميين من القاهرة، باعها القاضي سديد الدّين (¬b) أبو المنصور محمد بن المنذر بن محمد العدل الأنصاري الشّافعيّ، وكيل بيت المال في أيّام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، للأمير عزّ الدّين أيبك العزيزي، هي وساحات تحاذيها، بألف ومائتي دينار في ذي الحجّة سنة تسعين وخمس مائة. ثم باعها الأمير عزّ الدّين أيبك للشّيخ أمين الدّين قايماز بن عبد اللّه الحموي التّاجر بألف وستّ مائة دينار، فورثها من بعده من استحقّ إرثه، ثم اشترى من الورثة نصفها الأمير الفارس صارم الدّين خطلبا الكامليّ العادليّ في سنة سبع وثلاثين وستّ مائة - (¬c)) وخطلبا هذا هو صاحب الحكر الذي خارج باب الخوخة المعروف بحكر الفارس خطلبا وقد ذكر في الأحكار (¬c) (٢) - وانتقلت أيضا منها حصّة إلى ملك الأمير علاء الدّين أيدكين البندقداري الصّالحي النّجمي، أستادّار الملك الظّاهر بيبرس (٣)، في سنة ثمان وسبعين وستّ مائة. فلمّا تملّك الملك المنصور قلاوون الألفي، وأنشأ المارستان الكبير المنصوري، صارت فيما هو موقوف عليه، وهي الآن في أوقافه، ولها شهرة في حمّامات القاهرة (٤).

стр. 1876

(¬a)) حمّام ابن حباسة بالخرّاطين الآن المعروف قديما بالقشّاشين وهي الآن جارية في أوقاف الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار على مدرسته برحبة باب العيد، وفيها نزاع (¬a) (١). حمّام الصّنيمة هذه الحمّام كانت بالقرب من خزانة البنود، على يسرة من سلك في رحبة باب العيد إلى قصر الشّوك، وقد خربت وعمل في موضعها مبيضة للغزل بالقرب من الجماليّة (٢). حمّام تتر هذه الحمّام كانت بخطّ دار الوزارة الكبرى، وقد خربت وصار مكانها دارا عرفت بالأمير الشّيخ عليّ، وهي الدّار المجاورة للمدرسة النابلسيّة في الزّقاق المقابل لباب (¬b) الخانقاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء (٣). وتتر هذا - بتاءين مفتوحتين كلّ منهما منقوط بنقطتين من فوق - أحد مماليك أسد الدّين شير كوه عمّ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، استولى على هذه الحمّام، وكانت معدّة لدار الوزارة في مدّة الدّولة الفاطمية، فعرفت به هي (¬b) وما حولها. وإلى الآن يعرف ذلك الخطّ بخطّ خرائب تتر، والعامّة تقول: خرائب التّتر بالتعريف، وهو خطأ (٤). حمّام كرجي هذه الحمّام كانت بخطّ خرائب تتر أيضا، في جوار المدرسة النابلسية تجاه باب الخانقاه الصّلاحية. عرفت بالأمير علم الدّين كرجي الأسدي، أحد الأمراء الأسديّة في أيّام السّلطان

стр. 1877

صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (١). وقد خربت هذه الحمّام، وبني في مكانها هذا البناء الذي تجاه باب الخانقاه بأوّل الزّقاق. حمّام كتيلة هذه الحمّام كانت داخل باب الخوخة برأس سويقة الصّاحب، عرفت أخيرا بالأمير صارم الدّين ساروج شادّ الدّواوين في أيّام (¬a)، (¬b)) على يسرة من سلك من سويقة الصّاحب إلى باب الخوخة (¬b) ثم خربت. ومكانها الآن مسمط تذبح فيه الغنم وتسمط (٢). حمّام ابن أبي الدّم هذه الحمّام كانت فيما بين سويقة المسعودي وباب الخوخة؛ أنشأها (¬c) ابن أبي الدّم اليهودي، أحد كتّاب الإنشاء في أيّام الخليفة الحاكم، وتولّى ابن خيران الدّيوان، ونقل عنه أنّه وسّع بين السّطور في كتاب كتبه إلى الخليفة عن (¬c) وهذه مكاتبة الأعلى إلى الأدنى، فلمّا حضر وأنكر عليه، ألحق بين السّطر والسّطر سطرا من نسبة اللّفظ (¬d) والمعنى من غير أن يظهر ذلك، فعفا عنه. وقد خربت، (¬e)) وصار مكانها دربا فيه دور يعرف بسكن القاضي بدر الدّين حسن البرديني (¬e) أحد خلفاء الحكم العزيز (¬f) الشّافعي. وأدركت بعض آثار هذه الحمّام (٣). حمّام الحصينيّة هذه الحمّام كانت في سويقة الصّاحب من داخل درب الحصينيّة، الذي يعرف اليوم بدرب ابن عرب، وقد خربت (٤).

стр. 1878

حمّام الذّهب هذه الحمّام كانت بدار الذّهب - إحدى مناظر الخلفاء الفاطميين التي ذكرت في المناظر من هذا الكتاب (١) - وقد خربت هذه الحمّام ولم يبق لها أثر (٢). / حمّام ابن قرقة هذه الحمّام كانت بخطّ سويقة المسعودي من حارة زويلة. أنشأها أبو سعيد بن قرقة الحكيم، متولّي الاستعمالات بدار الدّيباج وخزائن السّلاح في الدّولة الفاطمية، بجوار داره التي تقدّمت في الدّور من هذا الكتاب (٣). ثم عرفت هذه الحمّام في الدّولة الأيّوبيّة بالأمير صارم الدّين المسعودي والي القاهرة، المنسوب إليه سويقة المسعودي المذكورة في الأسواق من هذا الكتاب (٤). ثم خربت هذه الحمّام، وعمل في موضعها فندق عرف أخيرا بفندق عماد (¬a) الحمّامي بجوار جامع (¬b) بني المغربي من جانبه الغربي، وأخذت بئر هذه الحمّام فعملت للحمّام التي تعرف اليوم بحمّام السّلطان (٥). حمّام السّلطان هذه الحمّام يتوصّل إليها الآن من سويقة المسعودي ومن قنطرة الموسكي، وهي من الحمّامات القديمة. عرفت في الدّولة الفاطمية بحمّام الأوحد وهو (¬c)، ثم عرفت في الدّولة الأيّوبية بحمّام ابن يحيى، وهو القاضي المفضّل هبة اللّه بن يحيى العدل، ثم عرفت بحمّام الطّيبرس، ثم هي الآن تعرف بحمّام السّلطان (٦).

стр. 1879

حمّام خوند (¬a)) بحارة زويلة (¬a) هذه الحمّام بجوار رحبة خوند المذكورة في الرّحاب من هذا الكتاب (١). وكانت برسم الدّار التي تعرف الآن بدار خوند أردوتكين، ثم أفردت وصارت إلى الآن حمّاما يدخله عامّة الرّجال في أوائل النّهار، ثم تعقبهم النّساء من بعد إلى أن هدمها الأمير صلاح الدّين محمد أستادّار السّلطان ابن الأمير الوزير الصّاحب بدر الدّين حسن بن نصر اللّه، في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمان مائة، وعمل موضعها من جملة داره التي هناك (٢). حمّام ابن عبّود هذه الحمّام موضعها فيما بين إسطبل الجمّيزة، المذكور في إسطبلات الخلفاء من هذا الكتاب، وبين رأس حارة زويلة، وهي من الحمّامات القديمة. عرفت بحمّام الفلك، وهو القاضي فلك الملك العدل (¬b)؛ ثم عرفت بالأمير عليّ بن أبي الفوارس؛ ثم عرفت بابن عبّود، وهو الشّيخ نجم الدّين أبو عليّ الحسين بن محمد بن إسماعيل بن عبّود القرشي الصّوفي، مات في يوم الجمعة ثالث عشرين شوّال سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة، بعد ما عظم قدره، ونفذ في أرباب الدّولة نهيه وأمره. وهو صاحب الزّاوية المعروفة بزاوية ابن عبّود بلحف الجبل قريبا من الدّينوري من القرافة الصّغرى (¬c)، فانظرها في الزّوايا من هذا الكتاب (٣). ولم تزل هذه الحمّام جارية في أوقاف التّربة المذكورة إلى أن تسلّط الأمير جمال الدّين على أموال أهل مصر، فاغتصب ابن أخته الأمير شهاب الدّين أحمد، المعروف بسيدي أحمد ابن

стр. 1880

أخت جمال الدّين، هذه الحمّام (١)، واغتصب دار ابن فضل اللّه التي تجاه هذه الحمّام، واغتصب آدرّا أخر بجوارها، وعمّر هناك دارا عظيمة كما قد ذكر في الدّور من هذا الكتاب (٢). حمّام الصّاحب هذه الحمّام بسويقة الصّاحب (٣)، عرفت بالصّاحب الوزير صفيّ الدّين عبد اللّه بن شكر الدّميري، صاحب المدرسة الصّاحبيّة التي بسويقة الصّاحب، ثم تعطّلت مدّة سنين. فلمّا ولي الأمير تاج الدّين الشّوبكي ولاية القاهرة في أيّام الملك المؤيّد شيخ جدّدها، وأدار بها الماء في سنة سبع عشرة وثمان مائة. حمّام السّلطان هذه الحمّام كان موضعها قديما من جملة دار الدّيباج، وهي الآن بخطّ بين العواميد من البندقانيين، بجوار خوخة سوق الجوار ومدرسة سيف الإسلام. أنشأها الأمير فخر الدّين عثمان ابن قزل أستادّار السّلطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، وتنقّلت إلى أن صارت في أوقاف الملك النّاصر محمد بن قلاوون (٤). حمّاما طغريل (¬a) هاتان الحمّامان (¬b)) بجوار فندق فخر الدّين بالقرب من سويقة حارة الوزيريّة (¬b). أنشأهما الأمير حسام الدّين طغريل (¬a) المهراني أحد الأمراء في الدّولة (¬c) الأيّوبية (٥).

стр. 1881

(¬a)) حمّاما الفاضل (¬a) (١). حمّام الشّوباشي هذه الحمّام كانت بدرب طلائع بخطّ الخروقيين الذي يعرف اليوم بسوق الفرّائين، عرفت بالأمير الفارس همّام الدّين أبو سعيد برغش الشّوباشي، واسمه عمرو بن كجت بن شيرك العزيزي، والي القاهرة (٢). حمّام عجيبة (¬b) هذه الحمّام كانت بخطّ الأكفانيين، أنشأها الأمير فخر الدّين، أخو الأمير عزّ الدّين موسك، في الدّولة الأيّوبية، وتنقّلت حتى صارت بيد أولاد الملك الظّاهر بيبرس البندقداري ممّا أوقف عليهم، وعرفت أخيرا بحمّام عجيبة (¬b)، ثم خربت بعد سنة أربعين وسبع مائة، وموضعها الآن خربة بجوار الفندق الكبير المعدّ لديوان المواريث (٣). حمّام درّي هذه الحمّام كانت بخطّ الأكفانيين الآن، عرفت بشهاب الدّولة درّي الصّغير غلام المظفّر ابن أمير الجيوش. قال الشّريف النّسّابة (¬c) محمد بن أسعد بن علي الحسيني (¬c) الجوّاني في كتاب «النّقط لعجم ما أشكل من الخطط» ومنه نقلت (¬c): شهاب الدّولة درّي - المعروف بالصّغير المظفّري - غلام المظفّر

стр. 1882

ابن (¬a) أمير الجيوش (¬b). كان أرمنيّا وأسلم، وكان من المتشدّدين (¬c) في مذهب الإمامية، وقرأ «الجمل» في النّحو للزّجّاجي، وكتاب «اللّمع» لابن جنّي. وكانت له خرائط من القطن الأبيض في يديه ورجليه، وكان يتولّى خزائن الكسوة، ولا يدخل على بسط السّلطان (¬d) ولا بسط الخليفة الحافظ لدين اللّه، ولا يدخل مجلسه إلاّ بتلك الخرائط في رجليه، ولا يأخذ من أحد/ رقعة إلاّ وفي يديه خريطة: يظنّ أنّ كلّ من لمسه نجّسه؛ وسوسة منه. فإن (¬e) اتّفق أنّه صافح أحدا، أو مسّ رقعة بيده من غير خريطة، لا يمسّ ثوبه بها أبدا حتى يغسلها، فإن مسّ (¬f) ثوبه بها غسل الثّوب. وكان الأستاذون المحنّكون يرمون له في بساط الخليفة الحافظ العنب، فإذا مشى عليه وانفجر توصّل (¬g) ماؤه إلى رجليه سهم (¬h) وحرد، فيعجب الخليفة ذلك ويضحكه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه. ومات بعد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مائة (١). وقد خربت هذه الحمّام، ولم يبق لها أثر يعرف. حمّام الرّصّاصي هذه الحمّام كانت بحارة الدّيلم، أنشأها الأمير سيف الدّين حسين بن أبي الهيجاء المرواني، حامل السّيف المنصور، وأوقفها هي وجميع الآدرّ المجاورة لها على أولاده وذرّيته. فلمّا زالت الدّولة الفاطمية، عرفت بالأمير عزّ الدّين أيبك الرّصّاصي، ولم تزل باقية إلى بعد سنة أربعين وسبع مائة ثم خربت (٢). حمّام الجيوشي هذه الحمّام كانت بحارة برجوان على يمنة من دخل من رأس الحارة، وكانت من حقوق دار المظفّر بن أمير الجيوش، ثم صارت بعد زوال الدّولة الفاطميّة من جملة ما أوقفه الملك العادل أبو بكر بن أيّوب على رباطه الذي كان بخطّ النّحاليين (¬i) من فسطاط مصر. ثم وضع بنو الكويك،

стр. 1883

أصهار قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز بن جماعة، أيديهم عليها في جملة ما وضعوا أيديهم عليه من الأوقاف بجاه (¬a) ابن جماعة، وانتفعوا بريعها مدّة سنين، ثم خرّبوها بعد سنة أربعين وسبع مائة. وموضعها الآن بجوار دار قاضي القضاة شمس الدّين محمد الطّرابلسي، وبعضها داخل في الدّار المذكورة، وبئرها بجوار القبو الذي يسلك من تحته إلى حمّام الرّومي داخل حارة برجوان، ويعلو هذا العقد حاصل الماء الذي للحمّام، ويمرّ على مجراه من حجر (¬b) مركّبة على جدار بجوار القبو إلى الحمّام المذكورة، وآثار هذا الجدار باقية إلى اليوم (١). وكان قد استأجر هذه البئر والقبو بعد تعطّل الحمّام القاضي أبو الفداء تاج الدّين إسماعيل ابن أحمد بن الخطبا المخزومي (٢)، من مباشري أوقاف رباط العادل، وبنى على البئر وبجوارها دارا سكنها مدّة أعوام، وأنشأ بأعالي (¬c) حاصل الماء المركّب على القبو مشترفا (¬d) عاليا تأنّق في ترخيمه ودهانه، وكتب بدائره: [الخفيف] مشترف كم شبّهوه الأدبا … لحسنه إذ جاء شيئا عجبا فقال قوم قلعة مبنيّة … وآخرون شبّهوه مرقبا وشاعر أعجبه ترخيمه … فقال تلك روضة فوق الرّبا وقائل ماذا ترى تشبيهه … فقلت هذا منبر ابن الخطبا ثم خربت هذه الدّار بعد موت ابن الخطبا واحترقت في سنة تسع وثمان مائة، وآثارها باقية. وما زال ابن الخطبا يدفع حكر هذه البئر وهذا القبو لجهة الرّباط العادلي حتى خرب، وعفى أثره وجهل مكانه. وقد رأيته في سنة أربع وتسعين وسبع مائة عامرا. حمّام الرّوميّ هذه الحمّام بجوار حارة برجوان، عرفت بالأمير سنقر الرّومي الصّالحي، أحد الأمراء في أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، (¬e)) كان موجودا في سنة اثنتين وستين وستّ مائة (¬e) (٣)،

стр. 1884

أنشأها بجوار إسطبله الذي يعرف اليوم بإسطبل ابن الكويك، وذلك تجاه رحبة داره التي عرفت بدار مازان، ووقف هذه الدّار والإسطبل والحمّام المذكورة في سنة اثنتين وستين وستّ مائة. فأمّا الدّار فإنّها صارت أخيرا بيد رجل من عامّة النّاس يعرف بعيسى البنّاء، فباعها أنقاضا بعد ما خرّبها في سنة سبع وثمان مائة، لرجل من المباشرين، فهدمها ليعمرها عمارة جليلة، فلم يمهل وعاجله القضاء فمات وصارت خربة، فابتاعها بعض النّاس من ورثة المذكور، وشرع في عمارة شيء منها. وأمّا الإسطبل والحمّام، فوضع بنو الكويك أيديهم عليهما مدّة أعوام حتى صارا ملكا لهم يورّثان، وهما الآن بيد شرف الدّين محمد بن محمد بن الكويك، وقد جعل ما يخصّه من الحمّام وقفا على نفسه ثم على أناس من بعده. وفي هذه الحمّام أيضا حصّة وقفها شيخنا برهان الدّين إبراهيم الشّامي الضّرير على أمته وهي بيدها. سنقر الرّومي الصّالحي النّجمي - أحد مماليك الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب البحريّة، ترقّى عنده في الخدم حتى صار جامدار، وكان من خوشداشيّة بيبرس البندقداري وأصدقائه. فلمّا قتل الفارس أقطاي في أيّام المعزّ أيبك التّركماني، وخرجت البحرية من القاهرة إلى بلاد الشّام، كان سنقر ممّن خرج ورافق بيبرس، وارتفق بصحبته ونال منه مالا وثيابا وغير ذلك، وتنقّل معه في الكرك، إلى أن كان من أمره في الصّيد مع صاحب الكرك، فطلب سنقر من بيبرس شيئا فلم يجبه، وامتنع من إعطائه، فحنق وفارقه إلى مصر فأقام بها. ثم إنّ بيبرس قدم إلى مصر بعد ذلك وقد صار أميرا، فلم يعبأ سنقر به، ولا قدّم إليه شيئا كعادة الخوشداشيّة. فلمّا صار الأمر إلى بيبرس، وملك بعد قطز، قدم سنقر وأعطاه/ الإقطاعات الجليلة ونوّه بقدره فلم يرض، فصار إذا ورد عليه الإنعام السّلطاني لا يأخذه بقبول، ويخلو كلّ وقت بجماعة بعد جماعة، ويفرّق فيهم المال، فيبلغ ذلك السّلطان ويغضي عنه، وربّما بعث إليه وحذّره مع الأمير قلاوون وغيره فلم ينته. ثم إنّه قتل مملوكين من مماليكه بغير ذنب، فعزّ قتلهما على السّلطان، فطلبه في رابع عشرين ذي الحجّة سنة ثلاث وستين وستّ مائة واعتقله. فقال: أريد أعرف ذنبي. فبعث إليه السّلطان يعدّد ذنوبه، فتحسّر وقال: أوّاه لو كنت حاضرا قتل الملك المظفّر قطز حتى أعاند في الذي

стр. 1885

جرى. وكان كثيرا ما يقول ذلك، وبلغ هذا القول منه السّلطان في حال إمرته، فقال: أنت أخي، وتتحسّر كونك ما قدرت أن تعين عليّ (¬a). حمّام سويد هذه الحمّام بآخر سويقة أمير الجيوش، عرفت (¬b) بالأمير عزّ الدّين معالي ابن سويد (¬c) و (¬d)) كانت بجانبها حمّام أخرى (¬d) خربت (١) - ويقال إنّها غارت في الأرض، وهلك فيها جماعة - وبقيت الأخرى، وهى الآن بيد الخليفة أبي الفضل العبّاس (¬e) ابن محمد المتوكّل. حمّام طغلق هذه (¬f) الحمّام بجوار درب المنصوري من خطّ حارة الصّالحيّة. صارت أخيرا بيد ورثة الأمير قطلوبغا المنصوري حاجب الحجّاب في أيّام الملك الأشرف شعبان بن حسين. وكانت معدّة لدخول الرّجال، ثم تعطّلت بعد سنة تسعين وسبع مائة وأخذ حاصلها. وعهدى بها بعد سنة ثمان مائة أطلالا واهية (٢). حمّام ابن علكان هذه الحمّام كانت بحارة الجوذريّة، أنشأها الأمير شجاع الدّين عثمان بن علكان، صهر الأمير الكبير فخر الدّين عثمان بن قزل، ثم انتقلت إلى الأمير علم الدّين سنجر الصّيرفي الصّالحي النّجمي، وما زالت إلى أن خربت بعد سنة أربعين وسبع مائة، فعمّر مكانها الأمير أزدمر الكاشف إسطبلا بعد سنة خمسين وسبع مائة (٣).

стр. 1886

حمّام الصّاحب هذه الحمّام بخطّ طواحين الملحيين (١). حمّام كمشبعا (¬a) الأسدي هذه الحمّام موضعها الآن المدرسة النّاصريّة بخطّ بين القصرين (٢). حمّام ألتطمش خان هذه الحمّام كانت بجوار ميضأة الملك ركن الدّين الظّاهر بيبرس المجاورة للمدرسة الظّاهريّة بخط بين القصرين. أنشأتها الخاتون ألتطمش خان، زوجة الملك (¬b)) السّعيد بن الملك (¬b) (٣) الظّاهر ركن الدّين بيبرس، ثم خربت وصار موضعها زقاقا. فلمّا ولي كمال الدّين عمر بن العديم قضاء القضاة الحنفيّة بالدّيار المصرية في سلطنة الملك النّاصر فرج، شرع في عمارة هذا الزّقاق فمات ولم يكمله، فوضع الأمير جمال الدّين يده في العمارة، وأنشأها فندقا جعله وقفا فيما وقف على مدرسته التي أنشأها برحبة باب العيد. فلمّا قتله الملك النّاصر فرج، واستولى على جميع ما تركه، جعل هذا الفندق من جملة ما أرصده للتّربة التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظّاهر برقوق خارج باب النّصر. (¬b) فلمّا قتل النّاصر فرج نازع ورثته في المدرسة وحكم لهم باسترجاعها قاضي القضاة صدر الدّين بن الأدمي الحنفي؛ نازعهم في الفندق المذكور الأمير شاهين الأفرم وكان يلي نظر التّربة المذكورة (¬a) (١). حمّام القاضي هذه الحمّام من جملة خطّ درب الأسواني، وهي من الحمّامات القديمة. كانت تعرف بإنشاء شهاب الدّولة بدر الخاصّ أحد رجال الدّولة الفاطمية. ثم انتقلت إلى ملك القاضي رضيّ الدّين

стр. 1887

عبد النّاصر بن تقيّ الدّين فعرفت به، ثم صارت إلى ملك القاضي السّعيد أبي المعالي هبة اللّه ابن فارس، وصارت بعده إلى ملك القاضي كمال الدّين أبي حامد محمد ابن قاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك بن درباس الماراني، فعرفت بحمّام القاضي إلى اليوم. ثم باع ورثة أبي حامد منها حصّة للأمير عزّ الدّين أيدمر الحلّي نائب السّلطنة في أيام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس، وصارت منها حصّة إلى الأمير علاء الدّين طيبرس الخازنداري، فجعلها وقفا على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر (١). حمّام الخرّاطين هذه الحمّام أنشأها الأمير نور الدّين أبو الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع، فعرفت بحمّام ابن طلائع، وكان بجوارها ثمّ حمّام أخرى تعرف بحمّام الشّوباشي فخربت. ومستوقد حمّام ابن طلائع هذه إلى الآن من درب ابن طلائع الشّارع بسوق الفرّائين الآن، ولها منه أيضا باب. وصارت أخيرا في وقف الأمير علم الدّين سنجر المسروري (¬a) المعروف بالخيّاط، والي القاهرة وتوفي في سنة ثمان وتسعين وستّ مائة (٢). فاغتصبها الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار في جملة ما اغتصب من الأوقاف والأملاك وغيرها، وجعلها وقفا على مدرسته برحبة باب العيد، وهي الآن موقوفة عليها (٣). حمّام الخشيبة هذه الحمّام بجوار درب السّلسلة، كانت تعرف بحمّام قوام الدّولة جبر بن (¬b) (¬c) ثم صارت حمّاما لدار الوزير المأمون بن البطائحي. فلمّا قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وعملت خشيبة تمنع الراكب أن يمرّ من تجاه المشهد الذي بني هناك، عرفت هذه الحمّام بخشيبة (تصغير خشبة)، وقد تقدّم ذلك مبسوطا عند ذكر الأخطاط من هذا الكتاب (٤).

стр. 1888

قال ابن عبد الظّاهر: مدرسة السّيوفيين وقفها الأمير عزّ الدّين فرخشاه (¬a) [قريب صلاح الدّين] (¬b) على الحنفيّة. وكانت هذه الدّار قديما تعرف بدار المأمون بن البطائحي وحمّام الخشيبة كانت لها فأبيعت (¬c) (١). (¬d)) قال كاتبه (¬d): وهذه الحمّام هي الآن في أوقاف خوند طغاي أم أنوك زوج (¬e) الملك النّاصر محمد بن قلاوون على تربتها التي في الصّحراء خارج باب البرقيّة (٢). حمّام الكويك هذه الحمّام فيما بين حارة زويلة ودرب شمس الدّولة، أنشأها الوزير عبّاس - أحد/ وزراء الدّولة الفاطمية - لداره التي موضعها الآن بدرب شمس الدّولة (¬d)) المعروفة بدار تقيّ الدّين صاحب حماه (¬d)، ثم جدّدها شخص من التّجّار يعرف بنور الدّين عليّ بن محمد بن أحمد بن محمود بن الكويك الرّبعي التّكريتي، في سنة تسع وأربعين وسبع مائة، فعرفت به إلى اليوم. (¬d)) وهذه الحمّام لها بابان أحدهما داخل درب شمس الدّولة المعروفة، والآخر من رأس حارة زويلة (¬d) (٣). حمّام الجوينيّ هذه الحمّام (¬d)) بحارة زويلة (¬d) بجوار حمّام ابن الكويك فيما بينها وبين البندقانيين، عرفت بالأمير عزّ الدّين إبراهيم بن محمد بن الجويني، والي القاهرة في أيّام الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب، توفي سلخ جمادى الأولى سنة إحدى وستّ مائة، فإنّه أنشأها بجوار داره. والعامّة تقول: حمّام الجهيني بهاء، وهو خطأ. (¬d)) وتوفي الجويني (¬d) (٤). وتنقّلت إلى أن اشتراها القاضي أوحد الدّين عبد الواحد بن ياسين، كاتب السّرّ الشّريف في أيّام الملك الظّاهر برقوق (٥)، بطريق الوكالة عن الملك الظّاهر، وجعلها وقفا على مدرسته العظمى بخطّ بين القصرين، وهي الآن في جملة الموقوف عليها.

стр. 1889

حمّام القفّاصين هذه الحمّام بالقرب من رأس حارة الدّيلم (١)، أنشأها نجم الدّين يوسف بن المجاور (٢)، وزير الملك العزيز عثمان بن السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (¬a) (٣). حمّام الصّفيرة (¬b) (٤) هذه الحمّام على يمنة من سلك من رأس حارة بهاء الدّين، وهى تجاه دار قراسنقر، أنشأها الأمير فخر الدّين (¬c) بن رسول التّركماني. ورسول هذا جدّ ملوك اليمن الآن (٥). وقد تعطّلت هذه الحمّام منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة. حمّام الأعسر هذه الحمّام موضعها من جملة دار الوزارة، وهى الآن بجوار باب الجوّانيّة. أنشأها الأمير شمس الدّين سنقر الأعسر (¬d) العزّي (¬e) الظّاهري المنصوري (٦).

стр. 1890

سنقر الأعسر - كان أحد مماليك الأمير عزّ الدّين أيدمر الظّاهري نائب الشّام، وجعله دواداره، فباشر الدّواداريّة لأستاذه بدمشق ونفسه تكبر عنها. فلمّا عزل أيدمر من نيابة الشّام في أيّام الملك المنصور قلاوون وحضر إلى قلعة الجبل، اختار السّلطان عدّة من مماليكه منهم سنقر الأعسر هذا، فاشتراه وولاّه نيابة الأستادّاريّة ثم سيّره في سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة إلى دمشق وأعطاه إمرة، وولاّه شدّ الدّواوين بها وأستادّارا. فصارت له بالشّام سمعة زائدة إلى أن مات قلاوون، وقام من بعده الأشرف خليل، واستوزر الوزير شمس الدّين السّلعوس، طلب سنقر إلى القاهرة وعاقبه وصادره. فتوصّل حتى تزوّج بابنة الوزير على صداق مبلغه ألف وخمس مائة دينار فأعاده إلى حالته (١). ولم يزل إلى أن تسلطن الملك العادل كتبغا، واستوزر الصّاحب فخر الدّين بن الخليلي (¬a)، وقبض على سنقر وعلى سيف الدّين أسندمر وصادرهما، وأخذ من سنقر خمس مائة ألف درهم، وعزله عن شدّ الدّواوين، وأحضره إلى القاهرة. فلمّا وثب الأمير حسام الدّين لاجين على كتبغا وتسلطن، ولّى سنقر الوزارة عوضا عن ابن الخليلي (¬a) في جمادى الأولى سنة ستّ وتسعين وست مائة (¬b)، ثم قبض عليه في ذي الحجّة منها. وذلك أنّه تعاظم في وزارته، وقام بحقّ المنصب يريد أن يتشبّه بالشّجاعي، وصار لا يقبل شفاعة أحد من الأمراء ويخرق بنوّابهم. وكان في نفسه متعاظما، وعنده شمم إلى الغاية، مع سكون في كلامه، بحيث إنّه إذا فاوض السّلطان في مهمّات الدّولة - كما هي عادة الوزراء - لا يجيب السّلطان بجواب شاف. وصار يتبيّن منه للسّلطان قلّة الاكتراث به، فأخذ في ذمّه، وعيّبه بما عنده من الكبر، وصادفه الغرض من الأمراء، وشرعوا في الحطّ عليه حتى صرف وقيّد. فأرسل يسأل السّلطان عن الذّنب الذي أوجب هذه العقوبة، فقال: ما له عندي ذنب غير كبره، فإنّي كنت إذا دخل إليّ أحسب أنّه هو

стр. 1891

السّلطان وأنا الأعسر، فصدره منقام، وحديثي معه كأنّي أحدّث أستاذي. وقرّر من بعده في الوزارة ابن الخليلي. فلمّا قتل لاجين، وأعيد الملك النّاصر محمد بن قلاوون إلى الملك ثانيا، أفرج عن سنقر الأعسر وعن جماعة من الأمراء، وأعاد الأعسر إلى الوزارة في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستّ مائة (¬a). وفي وزارته هذه كانت هزيمة الملك النّاصر بعساكره من غازان (١). فتولّى ناصر الدّين الشّيخي، والي القاهرة، جباية الأموال من التّجّار وأرباب الأموال لأجل النّفقة على العساكر. وقرّر في وزارته على كلّ أردبّ غلّة خرّوبة (٢) إذا طلع إلى الطّحّان، وقرّر أيضا «نصف السّمسرة» - ومعناها أنّه كان للمنادي على الثّياب أجرة دلالته على كلّ ما مبلغه مائة درهم درهمين، فيؤخذ منه درهم منهما ويفضل له درهم - واستخدم على هاتين الجهتين نحو مائتين من الأجناد البطّالين، وتحصّل في بيت المال من أموال المصادرات مبلغ عظيم. ثم خرج الوزير بمائة من مماليك السّلطان، وتوجّه إلى بلاد الصّعيد - وقد وقعت له في النّفوس مهابة عظيمة - فكبس البلاد، وأتلف كثيرا من المفسدين، من أجل أنّه لمّا حصلت وقعة غازان كثر طمع العربان في المغلّ، ومنعوا كثيرا من الخراج، وعصوا الولاة، وقطعوا الطّريق. وما زال يسير إلى الأعمال القوصيّة، فلم يدع فرسا لفلاّح ولا قاض ولا متعمّم حتى أخذه، وتتبّع السّلاح، ثم حضر بألف وستين فرسا وثمان مائة وسبعين جملا وألف وستّ مائة رمح وألف ومائتي سيف وتسع مائة درقة وستة آلاف رأس غنم، وقتل عدّة من/ النّاس، فتمهّدت البلاد، وقبض النّاس مغلّهم بتمامه.

стр. 1892

واتّفقت واقعة النّصارى - التي ذكرت عند ذكر كنائس النّصارى من هذا الكتاب (١) - في أيّامه. فأمر بالتّاج ابن سعيد الدّولة أحد مستوفي الدّولة - وكان فيه زهو وحمق عظيم، وله اختصاص بالأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير (¬a) - فعرّي وضرب بالمقارع ضربا مبرحا، فأظهر الإسلام وهو في العقوبة، فأمسك عنه وألزمه بحمل مال، فالتجأ إلى زاوية الشّيخ نصر المنبجي وترامى على الشّيخ، فقام في أمره حتى عفي عنه. فكره الأمراء الأعسر لكثرة شممه وتعاظمه، فكلّموا الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير (¬a) - وإليه أمر الدّولة - في ولاية الأمير عزّ الدّين أيبك البغدادي الوزارة، وساعدهم على ذلك الأمير سلار. فولي الأعسر كشف القلاع الشّامية وإصلاح أمورها وترتيب رجالها وسائر ما يحتاج إليه، وخلع على الأمير أيبك خلع الوزارة في آخر سنة سبع مائة. فلمّا عاد استقرّ أحد أمراء الألوف، وحجّ في صحبة الأمير سلار. ومات بالقاهرة بعد أمراض في سنة تسع وسبع مائة. وكان عارفا خيّرا مهيبا له سعادات طائلة ومكارم مشهورة، ولحاشيته ثروة متّسعة، وغالب مماليكه تأمّروا بعده، وممّن مدحه الوداعي وابن الوكيل. حمّام الحسام هذه الحمّام بداخل باب الجوّانيّة، (¬b) عرفت (¬b) (٢). حمّام الصّوفيّة هذه الحمّام بجوار الخانقاه الصّلاحية سعيد السّعداء، أنشأها السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب لصوفيّة الخانقاه (٣)، وهي إلى الآن جارية في أوقافهم، ولا يدخلها يهودي ولا نصراني (٤).

стр. 1893

حمّام بهادر هذه الحمّام موضعها من جملة القصر، وهي بجوار دار جرجي تجاه الأبّارين (¬a)، أنشأها الأمير بهادر المنجكي (¬b) أستادّار الملك الظّاهر برقوق، (¬c)) وتوفي في سنة تسعين وسبع مائة (¬c) وقد تعطّلت (١). حمّام ألدود هذه الحمّام خارج باب زويلة، في الشّارع تجاه زقاق حارة (¬d) حلب، بجوار حوض سعد الدّين مسعود بن هنس. عرفت بالأمير سيف الدّين ألدود الجاشنكير (¬e) أحد أمراء الملك المعزّ (¬f)) عزّ الدّين (¬f) أيبك التّركماني، وخال ولده الملك المنصور نور الدّين عليّ (٢)، فلمّا وثب الأمير سيف الدّين قطز، نائب السّلطنة بديار مصر، على الملك المنصور عليّ بن الملك المعزّ أيبك واعتقله، وجلس على سرير المملكة، قبض على الأمير ألدود في ذي الحجّة سنع سبع وخمسين وستّ مائة واعتقله. وهذه الحمّام إلى اليوم بيد ذرّيّة ألدود من قبل بناته موقوفة عليهم. حمّام ابن أبي الحوافر هذه الحمّام خارج مدينة مصر بجوار الجامع الجديد النّاصريّ. كان موضعها وما حولها عامرا بماء النّيل، ثم انحسر عنه الماء وصار جزيرة، فبنى النّاس عليها بعد الخمس مائة من

стр. 1894

سني الهجرة، كما ذكر عند ذكر ساحل مصر من هذا الكتاب (١). وعرفت هذه الحمّام بالقاضي فتح الدّين أبي العبّاس أحمد بن الشّيخ جمال الدّين أبي عمرو عثمان بن هبة اللّه بن أحمد بن عقيل بن محمد بن أبي الحوافر، رئيس الأطبّاء بديار مصر، ومات ليلة الخميس الرّابع عشر من شهر رمضان سنة سبع وخمسين وستّ مائة، ودفن بالقرافة (٢). حمّام قتّال السّبع هذه الحمّام خارج باب القوس من ظاهر القاهرة، في الشّارع المسلوك فيه من باب زويلة إلى صليبة جامع ابن طولون، وموضعها اليوم بجوار جامع قوصون (٣). عمّرها الأمير جمال الدّين آقوش المنصوري المعروف بقتّال السّبع الموصلي (٤)، بجانب داره التي هي اليوم جامع قوصون. فلمّا أخذ قوصون الدّار المذكورة، وهدمها وعمّر مكانها هذا الجامع، أراد أخذ الحمّام - وكانت وقفا - فبعث إلى قاضي القضاة شرف الدّين الحنبلي الحرّاني يلتمس منه حلّ وقفها، فأخرب منها جانبا، وأحضر شهود القيمة، فكتبوا محضرا يتضمّن أنّ الحمّام المذكورة خراب. وكان فيهم شاهد متديّن (¬a) فامتنع من الكتابة في المحضر، وقال: ما يسعني من اللّه أن أدخل بكرة النّهار في هذه الحمّام وأتطهّر فيها، ثم أخرج منها وهي عامرة وأشهد بعد ضحوة نهار

стр. 1895

من ذلك اليوم أنّها خراب. فشهد غيره، وأثبت القاضي الحنبلي المحضر المذكور، وحكم ببيعها. فاشتراها الأمير قوصون من ورثة قتّال السّبع، وهى اليوم عامرة بعمارة ما حولها (١). حمّام لؤلؤ هذه الحمّام برأس رحبة الأيدمري ملاصقة لدار السّناني من القاهرة. أنشأها الأمير حسام الدّين لؤلؤ الحاجب في أيّام (¬a) (٢). لؤلؤ الحاجب - كان أرمنيّ الأصل ومن جملة أجناد مصر في أيّام الخلفاء الفاطميين، فلمّا استولى صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على مملكة مصر، خدم تقدمة الأسطول، وكان حيثما توجّه فتح وانتصر وغنم. ثم ترك الجندية وزوّج بناته - وكنّ أربعا - بجهاز كاف، وأعطى ابنيه ما يكفيهما، و (¬b) شرع يتصدّق بما بقي معه على الفقراء بترتيب لا خلل فيه، ودواما لا سآمة معه. وكان يفرّق في كلّ يوم اثني عشر ألف رغيف مع قدور الطّعام، وإذا دخل شهر رمضان أضعف ذلك، وتبتّل للتفرقة من الظّهر في كلّ يوم إلى نحو صلاة العشاء الآخرة، ويضع ثلاثة مراكب طول كلّ مركب أحد وعشرون ذراعا مملوءة طعاما، ويدخل الفقراء أفواجا وهو قائم مشدود الوسط كأنّه راعي غنم، وفي يده مغرفة وفي الأخرى جرّة سمن، وهو يصلح صفوف الفقراء، ويقرّب إليهم الطّعام والودك، ويبدأ بالرّجال ثم بالنّساء/ ثم بالصّبيان. وكان الفقراء مع كثرتهم لا يزدحمون لعلمهم أنّ المعروف يعمّهم، فإذا انتهت حاجة الفقراء بسط سماطا للأغنياء تعجز الملوك عن مثله.
следующие страницы →