← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وقال أبو الفرج عليّ بن الحسين الأصبهاني في كتاب «الأغاني الكبير»: عن الرّيّاشي أنّه (¬a) قال عن سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈: إنّ أبا عذرتها عبد اللّه ابن الحسن بن عليّ، ثم خلفه عليها (¬b) العثماني، ثم مصعب بن الزّبير، ثم الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان. قال: وكان يتولّى مصر، فكتبت إليه سكينة: «إنّ مصر أرض وخمة»، فبنى لها مدينة تسمّى مدينة (¬c) الأصبغ. وبلغ عبد الملك تزوّجه إيّاها، فنفس بها عليه، وكتب إليه: «اختر مصر أو سكينة»، فبعث إليها (¬d) بطلاقها، ولم يدخل بها، ومتّعها بعشرين ألف دينار (١). قلت في هذا الخبر أوهام: منها أنّ الأصبغ لم يل مصر، وإنّما كان مع أبيه عبد العزيز ابن مروان. ومنها أنّ الذي بناه الأصبغ لسكينة منية الأصبغ هذه وليست مدينة. ومنها أنّ الأصبغ لم يطلّق سكينة، وإنّما مات عنها قبل أن يدخل عليها. وقال ابن زولاق في كتاب «إتمام كتاب الكندي في أخبار أمراء مصر»: وفي شوّال - يعني من سنة ستين وثلاث مائة - كثر الإرجاف بوصول القرامطة إلى الشّام ورئيسهم الحسن بن محمّد الأعسم. وفي هذا الوقت ورد الخبر بقتل جعفر بن فلاح، قتله القرامطة بدمشق. ولمّا قتل ملكت القرامطة دمشق، وصاروا إلى الرّملة، فانحاز سعادة (¬e) بن حيّان إلى يافا متحصّنا بها. وفي هذا الوقت تأهّب جوهر القائد لقتال القرامطة، وحفر خندقا وعمل عليه بابا، ونصب عليه البابين (¬f) الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيد، وبنى القنطرة على الخليج، وحفر خندق السّري بن/ الحكم، وفرّق السّلاح على رجال المغاربة والمصريين ووكّل بأبي الفضل جعفر ابن الفضل بن الفرات خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان، وأنفذ إلى ناحية الحجاز يتعرّف خبر القرامطة (٢). وفي ذي الحجّة كبس القرامطة القلزم، وأخذوا واليها (٣).

стр. 2067

ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاث مائة، وفي المحرّم بلغت القرامطة عين شمس، فاستعدّ جوهر للقتال لعشر بقين من صفر، وغلّق أبواب الطّابية، وضبط الدّاخل والخارج، وأمر النّاس بالخروج إليه، وأن يخرج الأشراف كلّهم، فخرج إليه أبو جعفر مسلم وغيره بالمضارب. وفي مستهلّ شهر (¬a) ربيع الأوّل التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة وأسر جماعة، وأصبحوا يوم السبت متكافئين. ثم غدوا يوم الأحد للقتال، وسار الحسن الأعسم بجميع عساكره، ومشى للقتال على الخندق والباب مغلق. فلمّا زالت الشّمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل خلق كثير، ثم ولّى الأعسم منهزما، ولم يتبعه القائد جوهر. ونهب سواد الأعسم بالجبّ، ووجدت صناديقه وكتبه، وانصرف في اللّيل على طريق القلزم، ونهبت (¬b) بنو عقيل وبنو طيّئ كثيرا من سواده وهو مشغول بالقتال. وكان جميع ما جرى على القرمطي بتدبير جوهر وجوائز أنفذها، ولو أراد أخذ الأعسم في انهزامه لأخذه، ولكن الليل حجز فكره جوهر اتّباعه خوفا من الحيلة والمكيدة، وحضر القتال خلق من رعيّة مصر، وأمر جوهر بالنّداء في المدينة: من جاء بالقرمطي أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا بحليّ (¬c) على دوابّها، وثلاث جوائز (١). ومدح بعضهم القائد جوهرا بأبيات منها: [الطويل] كأنّ طراز النّصر فوق جبينه … يلوح، وأرواح الورى بيمينه ولم يتّفق على القرامطة منذ ابتداء أمرهم كسرة أقبح من هذه الكسرة. ومنها فارقهم من كان قد اجتمع إليهم من الكافورية والإخشيدية، فقبض جوهر على نحو الألف منهم وسجنهم مقيّدين. (¬d)) قال كاتبه: خندق السّري بالقرافة وجدّده جوهر حتى بلغ في الحفر قبر الشّافعي، ثم شقّ به مشرّقا على المقابر بالقرافة إلى الجبل المقطّم، أراد بذلك حفظ طريق الفتح من ناحية القلزم. ويعرف هذا المكان إلى اليوم في القرافة ب «الخندق» (¬d) (٢).

стр. 2068

وقال ابن زولاق في كتاب «سيرة الإمام المعزّ لدين اللّه» ومن خطّه نقلت (¬a): وفي هذا الشهر - يعني المحرّم سنة ثلاث وستين وثلاث مائة - تبسّطت المغاربة في نواحي القرافة والمعافر وما قاربها (¬b)، فنزلوا في الدّور، وأخرجوا النّاس من دورهم، ونقلوا السّكّان، وشرعوا في السّكنى في المدينة، وكان المعزّ قد أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة. فخرج النّاس واستغاثوا إلى المعزّ (¬c)، فأمر (¬d) أن يسكنوا نواحي عين شمس. وركب المعزّ بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به - وهو الموضع - المعروف (¬e) اليوم بالخندق والحفرة وخندق العبيد - وجعل لهم واليا وقاضيا. قال (¬f): ثم سكن أكثرهم في المدينة مخالطين لأهل مصر. ولم يكن القائد جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيها (¬g)، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادي كلّ عشيّة: «لا يبيتنّ في المدينة أحد من المغاربة» (١). وقال ياقوت: منية الأصبغ تنسب إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان (٢)، ولا يعرف اليوم بمصر موضع يعرف بهذا الاسم، وزعموا أنّها القرية المعروفة بالخندق قريبا من شرق القاهرة. وقال ابن عبد الظّاهر، (¬h)) وقد ذكر ما قلنا (¬h): الخندق هو منية الأصبغ، وهو الأصبغ ابن عبد العزيز بن مروان (٣). (¬h)) واحتفر الخندق عنده الإمام العزيز باللّه في نوبة القرمطي (¬h). قال كاتبه (¬i): وقد وهم ابن عبد الظّاهر فجعل أنّ الخندق احتفره العزيز باللّه، وإنّما احتفره جوهر كما تقدّم. وأدركت الخندق قرية لطيفة يبرز النّاس من القاهرة إليها ليتنزّهوا بها في أيّام النّيل والرّبيع، ويسكنها طائفة كبيرة، وفيها بساتين عامرة بالنخيل الفخر والثّمار الطّيّبة، وبها سوق وجامع تقام فيه (¬j) الجمعة وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاّها خطيبه.

стр. 2069

فلمّا كانت الحوادث والمحن من سنة ستّ وثمان مائة (¬a) وفحش الغلاء وشنع ظلم الدّولة وعمّ الخراب (¬a)، خربت قرية الخندق، ورحل أهلها منها، ونقلت الخطبة من جامعه إلى جامع بالحسينيّة، وبقى معطّلا من ذكر اللّه تعالى وإقامة الصّلاة مدّة. ثم في شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة هدمه الأمير طوغان الدّوادار (١)، وأخذ عمده وخشبه، فلم يبق إلاّ بقيّة أطلاله (٢). وكانت قرية الخندق كأنّها من حسنها ضرّة لكوم الرّيش، وكانت تجاهها من شرقيها (¬a)) يفصل بينهما الخليج الكبير (¬a)، فخربتا جميعا (٣). صحراء الهليلج (¬b) هذه البقعة شرقي الخندق في الرّمل، وإليها كانت تنتهي عمارة الحسينيّة من جهة باب الفتوح، وكان بها شجر الأهليلج الهندي فعرفت بذلك. وأظنّ هذا الأهليلج كان من جملة بستان ريدان الذي يعرف اليوم موضعه (¬c) بالرّيدانيّة (٤).

стр. 2070

ذكر خارج باب النّصر أمّا خارج القاهرة من جهة باب النّصر فإنّه، عندما وضع القائد جوهر القاهرة، كان فضاء ليس فيه سوى مصلّى العيد الذي بناه جوهر. وهذا المصلّى اليوم يصلّى على من مات فيه. وما برح ما بين هذا المصلّى وبستان ريدان، الذي يعرف اليوم بالرّيدانيّة، لا عمارة فيه إلى أن مات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع وثمانين/ وأربع مائة، فدفن خارج باب النّصر بحري المصلّى، وبني على قبره تربة جليلة وهي باقية إلى اليوم هناك. فتتابع بناء التّرب من حينئذ خارج باب النّصر فيما بين التّربة الجيوشيّة والرّيدانيّة، وقبر النّاس موتاهم هناك، لا سيّما أهل الحارات التي عرفت خارج باب الفتوح بالحسينيّة، وهي الرّيدانيّة وحارة البيازرة (¬a) وغيرها (١).

стр. 2071

ولم تزل هذه الجهة مقبرة إلى ما بعد السبع مائة بمدّة، فرغب الأمير سيف الدّين الحاج آل ملك في البناء هناك، وأنشأ الجامع المعروف به في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وعمّر دارا وحمّاما، فاقتدى النّاس به وعمّروا هنالك (¬a). وكان قد بنى تجاه المصلّى قبل ذلك الأمير سيف الدّين كهرداش المنصوري دارا تعرف اليوم ببيت الحاجب (¬b)، فسكن في هذه الجهة أمراء الدّولة (١)، وعملوا فيما بينم الرّيدانيّة والخندق مناخات الجمال، وهي باقية هناك. فصارت هذه الجهة في غاية العمارة، وفيها من باب النّصر إلى الرّيدانيّة سبعة أسواق جليلة يشتمل كلّ سوق منها على عدّة حوانيت كثيرة: فمنها سوق اللّفت، وهو تجاه باب بيت الحاجب الآن عند البئر، كان فيه من جانبيه حوانيت يباع فيها اللّفت، ومن هذه السّوق يشتري أهل القاهرة هذا الصّنف والكرنب، وتعرف هذه البئر إلى اليوم ببئر اللّفت. ويليها سويقة زاوية الخدّام، وأدركت بهذه السّويقة بقيّة صالحة، ويلي ذلك سوق جامع آل ملك، وكان سوقا عامرا، وفيه غالب ما يحتاج إليه من المآكل والأدوية والفواكه والخضر وغيرها، وأدركته عامرا. ويليه سويقة السّنابطة، عرفت بقوم من أهل ناحية سنباط سكنوا بها، وكان سوقا كبيرا، وأدركته عامرا. ويليها سويقة أبي ظهير، وأدركتها عامرة. ويليها سويقة العرب، وكانت تتّصل بالرّيدانيّة، وتشتمل على حوانيت كثيرة جدّا أدركتها عامرة وليس فيها سكّان، وكانت كلّها من لبن معقود عقودا. وكان بأوّل سويقة العرب هذه فرن أدركته عامرا آهلا، بلغني أنّه كان يخبز فيه، أيّام عمارة هذا السّوق وما حوله، كلّ يوم نحو السبعة آلاف رغيف. وكان من وراء هذا السّوق أحواش فيها قباب معقودة من لبن، أدركتها قائمة وليس فيها سكّان، وكان من جملة هذه الأحواش حوش فيه أربع مائة قبّة يسكن فيها البزادرة والمكاريّة، أجرة كلّ قبّة درهمان في كلّ شهر، فيتحصّل من هذا الحوش في كلّ شهر مبلغ ثمان مائة درهم فضّة، وكان يعرف بحوش الأحمدي.

стр. 2072

فلمّا كان الغلاء في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين، سنة سبع وسبعين وسبع مائة، خرب كثير ممّا كان بالقرب من الرّيدانيّة، واختلّت أحوال هذه الجهة إلى أن كانت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فتلاشت وهدمت دورها وبيعت أنقاضها، وفيها بقيّة آيلة إلى الدّثور. الرّيدانيّة كانت بستانا لريدان الصّقلبي أحد خدّام العزيز باللّه نزار بن المعزّ، كان يحمل المظلّة على رأس الخليفة، واختصّ بالحاكم، ثم قتله في يوم الثلاثاء لعشر بقين من ذي الحجّة سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة. وريدان إن كان اسما عربيّا، فإنّه من قولهم: ريح ريدة ورادة وريدانة، أي ليّنة الهبوب، وقيل ريح ريدة كثيرة الهبوب (¬a) (١).

стр. 2073

ذكر الخلجان التي بظاهر القاهرة اعلم أنّ الخليج جمعه خلجان، وهو نهر صغير يختلج من نهر كبير أو من بحر، وأصل الخلج الانتزاع، خلجت الشيء من الشيء إذا انتزعته. وبأرض مصر عدّة خلجان، منها بظاهر القاهرة: خليج مصر، وخليج فم الخور، وخليج الذّكر، والخليج النّاصريّ، وخليج قنطرة الفخر. وسترى من أخبارها ما فيه كفاية. ذكر خليج مصر (¬a) (١) هذا الخليج بظاهر مدينة فسطاط مصر، ويمرّ من غربيّ القاهرة. وهو خليج قديم احتفره بعض قدماء ملوك مصر بسبب هاجر أمّ إسماعيل بن إبراهيم خليل الرّحمن - صلوات اللّه

стр. 2074

وسلامه عليهما - حين أسكنها وابنها إسماعيل خليل اللّه إبراهيم - عليهما الصّلاة والسّلام - بمكّة. ثم تمادت الدّهور والأعوام، فجدّد حفره ثانيا بعض من ملك مصر من ملوك الرّوم بعد الإسكندر. فلمّا جاء اللّه سبحانه بالإسلام وفتحت أرض مصر على يد عمرو بن العاصّ جدّد حفره، بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ فحفر (¬a) عام الرّمادة. وكان يصبّ في بحر القلزم، فتسير فيه السّفن إلى البحر الملح، وتمرّ في البحر إلى الحجاز واليمن والهند. ولم يزل على ذلك إلى أن قدم محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة النّبويّة، والخليفة حينئذ بالعراق أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فكتب إلى عامله على مصر يأمره بطمّ خليج القلزم حتى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة. فطمّه، وانقطع/ من حينئذ اتّصاله ببحر القلزم، وصار على ما هو عليه الآن. وكان هذا الخليج أوّلا يعرف بخليج مصر، فلما أنشأ جوهر القائد القاهرة بجانب هذا الخليج من شرقيه، صار يعرف ب «خليج القاهرة»، وكان يقال له أيضا «خليج أمير المؤمنين» - يعني عمر بن الخطّاب ﵁ لأنّه الذي أشار بتجديد حفره. والآن تسمّيه العامّة ب «الخليج الحاكمي»، وتزعم أنّ الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصورا احتفره. وليس هذا بصحيح، فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة، ومن العامّة من يسمّيه «خليج اللّؤلؤة» أيضا. وسأقصّ من أخبار هذا الخليج ما وقفت عليه من الأنباء. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه، في أخبار طوطيس (¬b) بن ماليا بن كلكن بن خربتا ابن ماليق بن تدارس بن صا بن مرقونس من ولد (¬c) صا بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح: وجلس على سرير الملك بعد أبيه ماليا، وكان جبّارا جريئا شديد البأس مهيبا، فدخل عليه الأشراف وهنّوه ودعوا له، فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم، ووعدهم بالإحسان.

стр. 2075

والقبط تزعم أنّه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم ﵇ وأنّ الفراعنة سبعة هو أوّلهم، وأنّه استخفّ بأمر الهياكل والكهنة. وكان من خبر إبراهيم ﵇ معه: أنّ إبراهيم لمّا فارق قومه، أشفق من المقام بالشّام، لئلاّ يتبعه قومه ويردّوه إلى النّمرود، لأنّه كان من أهل كوثي من سواد العراق، فخرج إلى مصر ومعه سارة امرأته، وترك لوطا بالشّام وسار إلى مصر. وكانت سارة أحسن نساء وقتها، ويقال إنّ يوسف ﵇ ورث جزءا من جمالها (¬a). فلمّا سار إلى مصر رأى الحرس المقيمون على أبواب المدينة سارة، فعجبوا من حسنها ورفعوا خبرها إلى طوطيس (¬b) الملك، وقالوا: دخل إلى البلد رجل من أهل الشّرق معه امرأة لم ير أحسن منها ولا أجمل. فوجّه الملك إلى وزيره، فأحضر إبراهيم - صلوات اللّه عليه - وسأله عن بلده فأخبره، وقال: ما هذه المرأة منك؟ فقال: أختي. فعرّف الملك بذلك، فقال: مره أن يجيئني بالمرأة حتى أراها. فعرّفه ذلك، فامتعض منه ولم تمكنه مخالفته، وعلم أنّ اللّه تعالى لا يسوءه في أهله، فقال لسارة: قومي إلى الملك فإنّه قد طلبك منّي؛ قالت: وما يصنع بي الملك وما رآني قبل؟ قال: أرجو أن يكون لخير. فقامت معه حتى أتوا قصر الملك، فأدخلت عليه، فنظر منها منظرا راعه وفتنته، فأمر بإخراج إبراهيم ﵇ فأخرج وندم على قوله إنّها أخته، وإنّما أراد أنّها أخته في الدّين. ووقع في قلب إبراهيم ﵇ ما يقع في قلب الرّجل على أهله، وتمنّى أنّه لم يدخل مصر، فقال: اللّهم لا تفضح نبيّك في أهله. فراودها الملك عن نفسها، فامتنعت عليه، فذهب ليمدّ يده إليها فقالت: إنّك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك لأنّ لي ربّا يمنعني منك. فلم يلتفت إلى قولها، ومدّ يده إليها فجفّت يده، وبقى حائرا فقال لها: أزيلي عنّي ما قد أصابني. فقالت: على ألا تعاود مثل ما أتيت؛ قال: نعم. فدعت اللّه ، فزال عنه ورجعت يده إلى حالها. فلمّا وثق بالصّحّة راودها ومنّاها ووعدها بالإحسان، فامتنعت وقالت: قد عرفت ما جرى.

стр. 2076

ثم مدّ يده عليها فجفّت، وضربت عليه أعضاؤه وعصبه، فاستغاث بها وأقسم بالآلهة أنّها إن أزالت عنه ذلك فإنّه لا يعاودها، فسألت اللّه تعالى فزال عنه ذلك، ورجع إلى حاله (١). فقال: إنّ لك لربّا عظيما لا يضيّعك؛ فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم، فقال: هو قريبي وزوجي؛ قال: فإنّه قد ذكر أنّك أخته؛ قالت: صدق أنا أخته في الدّين، وكلّ من كان على ديننا فهو أخ لنا؛ قال: نعم الدّين دينكم. ووجّه بها إلى ابنته حوريا - وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير - فألقى اللّه تعالى محبّة سارة في قلبها، فكانت تعظّمها وأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهرا ومالا. فأتت به إبراهيم ﵇ فقال لها: ردّيه فلا حاجة لنا به، فردّته. وذكرت ذلك حوريا لأبيها، فعجب منهما وقال: هذا كريم (¬a) من أهل بيت الطّهارة، فتحيّلي في برّها بكلّ حيلة؛ فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر، وهي هاجر أمّ إسماعيل ﵇ وجعلت لها سلالا من الجلود، وجعلت فيها زادا وحلوى، وقالت: يكون هذا الزّاد معك، وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليّا مكلّلا. فقالت سارّة: أشاور صاحبي؛ فأتت إبراهيم ﵇ واستأذنته، فقال: إذا كان مأكولا فخذيه، فقبلته منها. وخرج إبراهيم، فلمّا مضى وأمعنوا في السّير، أخرجت سارة بعض تلك السّلال، فأصابت الجوهر والحليّ، فعرّفت إبراهيم ﵇ ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسّبيل (٢)، وفرّق بعضه في وجوه البرّ، وكان يضيّف كلّ من مرّ به. وعاش طوطيس (¬b) إلى أن وجّهت (¬c) هاجر من مكّة تعرّفه أنّها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر في شرقي مصر بسفح الجبل (¬d) حتى ينتهي إلى مرقى السّفن في البحر الملح، فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلاّت فتصل إلى جدّة، وتحمل من هناك على المطايا. فأحيا بلد الحجاز مدّة.

стр. 2077

ويقال إنّما حلّيت الكعبة في ذلك العصر ممّا أهداه ملك مصر./ وقيل إنّه لكثرة ما كان يحمله طوطيس (¬a) إلى الحجاز سمّته العرب وجرهم «الصّادوق»، ويقال إنّه سأل إبراهيم ﵇ أن يبارك له في بلده، فدعا بالبركة لمصر، وعرّفه أنّ ولده سيملكها، ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن. وطوطيس (¬a) أوّل فرعون كان بمصر، وذلك أنّه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمّه وخدمه ونساءه وكثيرا من الكهنة والحكماء، وكان حريصا على الولد فلم يرزق ولدا غير ابنته حوريا. وكانت حكيمة عاقلة تأخذ على يده كثيرا، وتمنعه من سفك الدّماء، فأبغضته ابنته، وأبغضه جميع الخاصّة والعامّة، فلمّا رأت أمره يزيد خافت على ذهاب ملكهم فسمّته، وهلك. وكان ملكه سبعين سنة، واختلفوا فيمن يملك بعده، وأرادوا أن يقيموا واحدا من ولد أتريب، فقام بعض الوزراء ودعا لحوريا، فتمّ لها الأمر، وملكت (١). فهذا كان أوّل أمر هذا الخليج. ثم حفره مرّة ثانية أدريان قيصر، أحد ملوك الرّوم، ومن النّاس من يسمّيه أندرويانوس، ومنهم من يقول هوريانوس. قال في «تاريخ مدينة رومة»: وولي الملك أدريان قيصر أحد ملوك الرّوم، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وهو الذي درس اليهود مرّة ثانية إذ كانوا راموا النّفاق عليه، وهو الذي جدّد مدينة يروشالم - يعني مدينة القدس -، وأمر بتبديل اسمها وأن تسمّى إيليا (٢). وقال علماء أهل الكتاب (¬b) على ما نقلته من كنّاش قديم في ذكر حوادث الخليقه إلى الهجرة النّبويّة ﷺ ، واخترت منه فوائد منها (¬b) عن أدريان هذا: وغزا القدس وأخربه في الثانية من ملكه، وكان ملكه في سنة تسع وثلاثين وأربع مائة من سني الإسكندر، وقتل عامّة أهل القدس، وبنى على باب مدينة القدس منارا، وكتب عليه «هذه مدينة إيليا» - ويسمّى موضع هذا العمود الآن محراب داود - ثم سار من القدس إلى بابل فحارب ملكها وهزمه، وعاد إلى مصر فحفر خليجا

стр. 2078

من النّيل إلى بحر القلزم، وسارت فيه السّفن، وبقي رسمه عند الفتح الإسلامي فحفره عمرو بن العاص، قال (¬a): وأصاب أهل مصر منه شدائد، وألزمهم بعبادة الأصنام. ثم عاد إلى بلاده بممالك الرّوم، فابتلي بمرض أعيى الأطبّاء، فخرج يسير في البلاد يبتغي من يداويه، فمرّ على بيت المقدس - وكان خرابا ليس فيه غير كنيسة للنّصارى - فأمر ببناء المدينة وحصّنها، وأعاد إليها اليهود، فأقاموا بها وملّكوا عليهم رجلا منهم. فبلغ ذلك أدريان قيصر، فبعث إليهم جيشا لم يزل يحاصرهم حتى مات أكثرهم جوعا وعطشا وأخذها عنوة، فقتل من اليهود ما لا يحصى كثرة، وأخرب المدينة حتى صارت فلاة (¬b) لا عامر فيها ألبتّة. وتتبّع اليهود يريد ألاّ يدع منهم على وجه الأرض أحدا، ثم أمر طائفة من اليونانيين، فتحوّلوا إلى مدينة القدس وسكنوا فيها. فكان بين خراب القدس الخراب الثّاني على يد طيطس وبين هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة، فعمرت القدس باليونان؛ ولم يزل قيصر هذا ملكا حتى مات. فهذا خبر حفر هذا الخليج في المرّة الثانية، فلمّا جاء الإسلام جدّد عمرو بن العاص حفره. قال ابن عبد الحكم (¬c)) في كتاب «فتوح مصر» (¬c): «ذكر حفر خليج أمير المؤمنين ﵁»: حدّثنا عبد اللّه بن صالح - (¬c)) أو غيره (¬c) -، عن اللّيث بن سعد، قال: إنّ النّاس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ في سنة الرّمادة، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: «من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي بن العاصي … سلام. أمّا بعد، فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك أن أهلك أنا ومن معي، فياغوثاه، ثم ياغوثاه … » يردّد ذلك. فكتب إليه عمرو بن العاص (¬d): «(¬e)) لعبد اللّه عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص (¬e). أمّا بعد، فيا لبيّك ثم يا لبّيك، قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندي، والسّلام عليك ورحمة اللّه وبركاته». فبعث إليه بعير عظيمة. فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضا (١).

стр. 2079

فلمّا قدمت على عمر ﵁ وسّع بها على النّاس، ودفع إلى أهل كلّ بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطّعام، وبعث عبد الرّحمن بن عوف والزّبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص يقسمونها على النّاس، فدفعوا إلى أهل كلّ بيت بعيرا بما عليه من الطّعام ليأكلوا الطّعام، ويأتدموا بشحمه (¬a)، ويحتذوا جلده (¬b)، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطّعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره، فوسّع اللّه بذلك على النّاس. فلمّا رأى ذلك عمر ﵁ حمد اللّه، وكتب إلى عمرو بن العاص أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه. فقال عمر: يا عمرو إنّ اللّه قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطّعام، وقد ألقي في روعي - لمّا أحببت من الرّفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم، حين فتح اللّه عليهم مصر، وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين - أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطّعام إلى المدينة ومكّة، فإنّ حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوّروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم. فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من أهل مصر، فثقل ذلك عليهم وقالوا: نتخوّف أن يدخل من هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر. فضحك عمر ﵁ حين رآه، وقال:/ والذي نفسي بيده لكأنّي أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك، حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا يدخل من هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا». فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت. فقال له عمر ﵁: «انطلق بعزيمة منّي حتى تجدّ في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء اللّه. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج في حاشية الفسطاط الذي يقال له «خليج أمير المؤمنين»، فساقه من النّيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى

стр. 2080

جرت فيه السّفن، فحمل فيه ما أراد من الطّعام إلى المدينة ومكّة، فنفع اللّه بذلك أهل الحرمين، وسمّي «خليج أمير المؤمنين». ثم لم يزل يحمل فيه الطّعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيّعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرّمل فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التّمساح من ناحية بطحاء (¬a) القلزم (١). قال: ويقال إنّ عمر ﵁ قال لعمرو حين قدم عليه: يا عمرو، إنّ العرب قد تشاءمت بي، وكادت أن تهلك على رحلي (¬b)، وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث اللّه بهم أهل الحجاز من جندك، فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم اللّه تعالى. فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنّه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلمّا فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج وانسدّ وتركه التّجّار، فإن شئت أن نحفره فننشئ فيه سفنا يحمل فيها الطّعام إلى الحجاز، فعلته. فقال له (¬c) عمر ﵁: نعم، فافعل. فلمّا خرج عمرو من عند عمر بن الخطّاب ﵁ ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر، فقالوا له: ماذا جئت به أصلح اللّه (¬c) الأمير؟ تنطلق فتخرج (¬d) طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرّب هذه، فإن استطعت فاستثقل ذلك (¬e). فلمّا ودّع عمر ﵁ قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج، ولا تنسينّ حفره. فقال له: يا أمير المؤمنين إنّه قد انسدّ، وتدخل فيه نفقات عظام (¬f). فقال له: أما والذي نفسي بيده إنّي لأظنّك حين خرجت من عندي حدّثت بذلك أهل أرضك، فعظّموه عليك وكرهوا ذلك. أعزم عليك إلاّ ما حفرته وجعلت فيه سفنا. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنّه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحّة الحجاز لا يخفّوا إلى الجهاد؛ قال: فإنّي سأجعل من

стр. 2081

ذلك أمرا، لا يحمل في هذا البحر إلاّ رزق أهل المدينة وأهل مكّة. فحفره عمرو وعالجه، وجعل فيه السّفن (١). قال: ويقال إنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص: «إلى العاصي ابن العاصي، فإنّك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن قبلي (¬a)، فيا غوثاه ثم (¬b) يا غوثاه». فكتب إليه عمرو: «أمّا بعد، فيا لبّيك ثم يا لبّيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندي، مع أنّي أرجو أن أجد السّبيل إلى أن أحمل إليك في البحر». ثم إنّ عمرا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر، وقال: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقلها إلى المدينة. فكتب إليه: «إنّي نظرت في أمر البحر، فإذا هو عسر ولا يلتام ولا يستطاع». فكتب إليه عمر ﵁: «إلى العاصي بن العاصي، قد بلغني كتابك تعتلّ في الذي كنت كتبت إليّ به من أمر البحر، وأيم اللّه لتفعلن أو لأقلعنّ بأذنك، ولأبعثنّ من يفعل ذلك». فعرف عمرو أنّه الجدّ من عمر ﵁ ففعل. فبعث إليه عمر ﵁ «ألاّ تدع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلّها إلاّ بعثت إلينا منه» (٢). قال: ويقال إنّ الذي دلّ عمرو بن العاص على الخليج رجل من القبط، فقال لعمرو: أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السّفن حتى تنتهي إلى مكّة والمدينة، أتضع عنّي الجزية وعن أهل بيتي؟ قال: نعم. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فكتب إليه أن افعل. فلمّا قدمت السّفن خرج عمر ﵁ حاجّا أو معتمرا، فقال للنّاس: سيروا بنا ننظر إلى السّفن التي سيّرها اللّه تعالى إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فأتى الجار، وقال: اغتسلوا من ماء البحر فإنّه مبارك. فلمّا قدمت السّفن الجار وفيها الطّعام، صكّ عمر ﵁ للنّاس بذلك الطّعام صكوكا، فتبايع التّجّار الصّكوك بينهم قبل أن يقبضوها، فلقي عمر بن الخطّاب ﵁ العلاء بن الأسود ﵁ فقال: كم ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم، وربح عليها مائة ألف.

стр. 2082

فلقيه عمر ﵁ فقال له: يا حكيم كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء. قال عمر ﵁: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال: نعم. قال عمر ﵁: فإنّ هذا بيع لا يصحّ، فاردده. فقال حكيم: ما علمت أنّ هذا بيع لا يصحّ، وما أقدر على ردّه. فقال عمر ﵁: لا بدّ. فقال حكيم: واللّه ما أقدر على ذلك وقد تفرّق وذهب، ولكن رأس مالي وربحي صدقة (١). وقال القضاعي في (¬a)) كتاب «خطط مصر» ومنه نقلت (¬a): ذكر الخليج، أمر عمر بن الخطّاب ﵁ عمرو بن العاص عام الرّمادة بحفر الخليج الذي بحاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين،/ فساقه من النّيل إلى القلزم. فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السّفن، وحمل فيه ما أراد من الطّعام إلى المدينة ومكّة، فنفع اللّه تعالى بذلك أهل الحرمين، فسمّي «خليج أمير المؤمنين». وذكر الكنديّ في كتاب «الجند الغربي» أنّ عمرا حفره في سنة ثلاث وعشرين، وفرغ منه في ستّة أشهر، وجرت فيه السّفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السّابع، ثم بنى عليه عبد العزيز ابن مروان قنطرة (¬a)) بالحمراء القصوى (¬a) في ولايته على مصر (¬a)) في سنة تسع وستين (٢). ثم زاد فيها تكين أمير مصر في سنة ثمان عشرة وثلاث مائة ورفع سمكها، ثم زاد عليها الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة ثم عمّرت في أيّام العزيز باللّه (¬a). قال: ولم يزل يحمل فيه الطّعام حتى حمل فيه عمر بن عبد العزيز، ثم أضاعته الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرّمل، فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التّمساح من ناحية بطحاء (¬b) القلزم. وقال ابن قديد: أمر أبو جعفر المنصور بسدّ الخليج، حين خرج عليه محمد بن عبد اللّه ابن حسن بالمدينة، ليقطع عنه الطّعام، فسدّ إلى الآن (٣).

стр. 2083

وذكر البلاذري أنّ أبا جعفر المنصور، لمّا ورد عليه قيام محمد (¬a) بن عبد اللّه، قال: يكتب السّاعة إلى مصر أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين، فإنّهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر (١). وقال ابن الطوير، وقد ذكر ركوب الخليفة لفتح الخليج: وهذا الخليج هو الذي حفره عمرو ابن العاص لمّا ولّي على مصر في أيّام أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ من بحر فسطاط مصر الحلو، وألحقه بالقلزم بشاطئ البحر الملح، فكانت مسافته خمسة أيّام، ليقرّب معونة الحجاز من ديار مصر في أيّام النّيل. فالمراكب النّيلية تفرّغ ما تحمله من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرّغت حملت ما في القلزم ممّا وصل من الحجاز وغيره إلى مصر. وكان مسلكا للتّجّار وغيرهم في وقته المعلوم. وكان أوّل هذا الخليج من مصر يشقّ الطّريق الشّارع المسلوك منه اليوم إلى القاهرة، حافّا بالقربوص الذي على البستان المعروف بابن كيسان مادّا. وآثاره اليوم مادّة باقية إلى الحوض المعروف بسيف الدّين حسين صهر بني (¬b) رزّيك، والبستان المعروف بالمشتهى. وفيه آثار المنظرة التي كانت معدّة لجلوس الخليفة لفتح الخليج من هذا الطّريق (٢)، ولم تكن الآدرّ المبنية على الخليج هناك ولا شيء منها (٣). وما برح هذا الخليج متنزّها لأهل القاهرة يعبرون فيه بالمراكب للنّزهة، إلى أن حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج المعروف الآن بالخليج النّاصريّ. قال المسبّحيّ: وفي هذا الشّهر - يعني المحرّم سنة إحدى وأربع مائة - منع الحاكم بأمر اللّه من الرّكوب في القوارب إلى القاهرة في الخليج، وشدّد في المنع. وسدّت أبواب القاهرة التي يتطرّق

стр. 2084

منها إلى الخليج، وأبواب الطّاقات من الدّور التي تشرف على الخليج، وكذلك أبواب الدّور والخوخ التي على الخليج (١). قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» حوادث سنة أربع وتسعين وخمس مائة: ونهي عن ركوب المتفرّجين في المراكب في الخليج، وعن إظهار المنكر، وعن ركوب النّساء مع الرّجال، وعلّق جماعة من رؤساء المراكب بأيديهم (٢). وقال (¬a)) في متجدّدات سنة تسعين وخمس مائة (¬a): ويوم الأربعاء تاسع عشر رمضان، ظهر في هذه المدّة من المنكرات ما لم يعهد في مصر في وقت من الأوقات، ومن الفواحش ما خرج من الدّور إلى الطّرقات، وجرى الماء في الخليج بنعمة اللّه سبحانه بعد القنوط ووقوف الزّيادة في الذّراع السادس عشر. فركب أهل الخلاعة وذوو البطالة في مراكب في نهار شهر رمضان، ومعهم النّساء الفواجر، وبأيديهن المزاهر يضربن بها وتسمع أصواتهن ووجوههن مكشوفة، وحرفاؤهن من الرّجال معهن في المراكب لا يمنعون عنهن الأيدي ولا الأبصار، ولا يخافون من أمير ولا مأمور سببا (¬b) من أسباب الإنكار، وتوقّع أهل المراقبة ما يتلو هذا الخطب من المعاقبة. (¬a)) قال كاتبه: ما برح هذا الخليج منتزها لأهل القاهرة يركبون فيه المراكب للنّزهة إلى أن حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصري (¬a)، قال جامع «السّيرة النّاصرية محمد ابن قلاوون» (٣): وفي سنة ستّ وسبع مائة، رسم الأميران بيبرس وسلار بمنع الشّخاتير (٤) والمراكب من دخول الخليج الحاكمي والتفرّج فيه، بسبب ما يحصل من الفساد، والتّظاهر بالمنكرات اللاتي تجمع الخمر وآلات الملاهي، والنّساء المكشوفات الوجوه، المتزيّنات بأفخر زينة من كوافي الزّركش والقنابيز والحليّ العظيم، ويصرف على ذلك الأموال الكثيرة، ويقتل فيه جماعة عديدة. فرسم (¬c) الأميران المذكوران لمتولّي الصّناعة بمصر: أن يمنع المراكب من دخول الخليج

стр. 2085

المذكور، إلاّ ما كان فيه غلّة أو متجر أو ما ناسب ذلك؛ فكان هذا معدودا من حسناتهما ومسطورا في صحائفهما. قال كاتبه (¬a): أخبرني شيخ (¬b) قديم المولد أدركته يعرف بالشيخ علي السّعودي (¬b)، أنّه أدرك هذا الخليج والمراكب تمرّ فيه بالنّاس للنّزهة، وأنّها كانت تعبر من تحت باب القنطرة غادية ورائحة. والآن لا يمرّ بهذا الخليج من المراكب إلاّ (¬c) أن تمرّ لحمل شيء من متاع لسّكّان بالدّور المطلّة عليه فقط (¬c)، وصارت مراكب النّزهة والتّفرّج إنّما تمرّ في الخليج النّاصري فقط. وعلى هذا الخليج الكبير في زماننا هذا أربع عشرة قنطرة يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى في القناطر (١)، وحافتا هذا الخليج الآن معمورتان بالدّور. وسيأتي إن شاء اللّه ذكر ذلك في مواضعه من هذا الكتاب. وقال ابن سعيد (¬d): وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرّصافي: [الكامل] / ما زالت الأفحال (¬e) تأخذه … حتّى غدا كذؤابة النّجم وقلت في نوّار الكتّان الذي على جانبي هذا الخليج: [البسيط] انظر إلى النّهر والكتّان يرمقه … من جانبيه بأجفان لها حدق رأته (¬f) سيفا عليه للصّبا شطب … فقابلته بأحداق لها أرق وأصبحت في يد الأرواح تنسجها … حتّى غدت حلقا من فوقها حلق فقم وزرها (¬g) ووجه الأرض (¬h) متّضح … أو عند صفرته إن كنت تعتبق (٢) قال وقد ذكر مصر: ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطّرب ذوات الأوتار، ولا

стр. 2086

تبرّج النّساء العواهر، ولا غير ذلك ممّا ينكر في غيرها (¬a). وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب. وربّما وقع فيه قتل بسبب السّكر فيمنع فيه الشّرب، وذلك في بعض الأحيان. وهو ضيّق، وعليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطّرب والتّهكّم والمجانة (¬b). حتى إنّ المحتشمين والرّؤساء لا يجيزون العبور به في مركب، وللسّرج في جانبيه باللّيل منظر فتّان، وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل السّتر. وفي ذلك أقول (¬c): [مخلّع البسيط] لا تركبن في خليج مصر … إلاّ إذا يسدل الظّلام فقد علمت الذي عليه … من عالم كلّهم طغام صفّان للحرب قد أطلاّ (¬d) … سلاح ما بينهم كلام يا سيّدي لا تسر إليه … إلاّ إذا هوّم النّيام واللّيل ستر على التّصابي … عليه من فضله لثام والسّرج قد بدّدت عليه … منها دنانير لا ترام وهو قد امتدّ، والمباني … عليه في خدمة قيام للّه كم دوحة جنينا … هناك أثمارها الأثام (١) وقال ابن عبد الظّاهر عن «مختصر تاريخ ابن المأمون»: إنّ أوّل من رتّب حفر خليج القاهرة على النّاس المأمون بن البطائحي، وكذلك على أصحاب البساتين في دولة الأفضل، وجعل عليه واليا بمفرده (٢). وللّه درّ الأسعد بن خطير الممّاتي حيث يقول: [الوافر] خليج كالحسام له صقال … ولكن فيه للرّائي مسرّه

стр. 2087

رأيت به الملاح تجيد عوما … كأنّهم نجوم في مجرّه وقال بهاء الدّين أبو الحسن عليّ بن السّاعاتي في يوم كسر الخليج: [الخفيف] إنّ يوم الخليج يوم من الحس … ن بديع المرئى والمسموع كم لديه من ليث غاب صؤول … ومهاة مثل الغزال المروع وعلى السّدّ عزّة قبل أن تم … لكه ذلة المحبّ الخضوع كسروا جسره هناك فحاكى … كسر قلب يتلوه فيض دموع ذكر خليج فم الخور قال ابن سيده في كتاب «المحكم في اللّغة»: الخور مصبّ الماء في البحر، وقيل هو خليج من البحر، والخور المطمئنّ من الأرض (١). وخليج فم الخور يخرج الآن من بحر النّيل ويصبّ في الخليج النّاصري ليقوّي جري الماء فيه ويغزره. وكان قبل أن يحفر الخليج النّاصري يمدّ خليج الذّكر، وكان أصله ترعة يدخل منها ماء النّيل للبستان الذي عرف بالمقسي، ثم وسّع (٢). خليج الذّكر (¬a) قال ابن عبد الظّاهر: وكان يخرج من البحر للمقس (¬b) الماء في البرابخ، فوسّعه الملك الكامل وهو خليج الذّكر (٣).

стр. 2088

ويقال إنّ خليج الذّكر حفره كافور الإخشيدي؛ (¬a)) قال كاتبه: عمل هذا الخليج في الأصل ترعة يدخل منها ماء النّيل للبستان المعروف بالمقسي، ثمّ وسّع (¬a)، فلمّا زال البستان المقسي في أيّام الخليفة الظّاهر بن الحاكم، وجعله بركة قدّام المنظرة المعروفة باللّؤلؤة، صار يدخل الماء إليها من هذا الخليج. وكان يفتح هذا الخليج قبل الخليج الكبير. ولم يزل حتى أمر الملك النّاصر محمد بن قلاوون، في سنة أربع وعشرين وسبع مائة، بحفره فحفر وأوصل بالخليج الكبير. وشرع الأمراء والجند في حفره من أخريات جمادى الآخرة، فلمّا فتح كادت القاهرة/ أن تغرق، فسدّت القنطرة التي عليه فهدمها الماء. ومن حينئذ عزم السّلطان على حفر الخليج النّاصري. وأنا أدركت آثاره، وفيه ينبت القصب المسمّى بالفارسي (١). (¬a)) وأخبرني من رآه وفيه الماء الجاري من تحت القنطرة التي تعرف بقنطرة التّركماني بخطّ الدّكّة، وقد ارتدمت وموضعها الآن معروف. وكان الماء يدخل إلى خليج الذّكر من الموضع الذي يعرف اليوم بفم الخور (¬a) (٢). وأخبرني الشّيخ المعمّر حسام الدّين حسن بن عمر الشّهرزوري أنّه يعرف خليج الذّكر هذا وفيه الماء، وسبح فيه غير مرّة، وأراني آثاره. وكان الماء يدخل إليه من تحت قنطرة الدّكّة - الآتي ذكرها في القناطر إن شاء اللّه - وعلى خليج فم الخور الآن قنطرة، وعلى خليج الذّكر قنطرة، يأتي ذكرهما إن شاء اللّه عند ذكر القناطر (٣). وإنّما قيل له خليج الذّكر لأنّ بعض أمراء الملك الظّاهر ركن الدين بيبرس - كان يعرف بشمس الدّين الذّكر الكركي - كان له فيه أثر من حفره فعرف به. وكان للنّاس عند هذا الخليج مجتمع يكثر فيه لهوهم ولعبهم.

стр. 2089

قال المسبّحيّ: وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين منه - يعني المحرّم سنة خمس عشرة وأربع مائة - كان ثالث الفصح (¬a)، فاجتمع بقنطرة المقس عند كنيسة المقس من النّصارى والمسلمين، في الخيام المنصوبة وغيرها، خلق كثير للأكل والشّرب واللّهو، ولم يزالوا هناك إلى أن انقضى ذلك اليوم. وركب أمير المؤمنين - يعني الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه - في موكبه (¬b) إلى المقس، وعليه عمامة شرب مفوّطة بسواد وثوب دبيقي من شكل العمامة، ودار هنالك (¬c) طويلا، وعاد إلى قصره سالما (١). وشوهد من سكر النّساء وتهتّكهن، وحملهن في قفاف الحمّالين سكارى، واجتماعهن مع الرّجال أمر يقبح ذكره (٢). ذكر الخليج النّاصري هذا الخليج يخرج من بحر النّيل، ويصبّ في الخليج الكبير. وكان سبب حفره أنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون لمّا أنشأ القصور والخانقاه بناحية سرياقوس، وجعل هناك ميدانا يسرح إليه، وأبطل ميدان القبق المعروف بالميدان الأسود ظاهر باب النّصر من القاهرة، وترك المسطبة التي بناها بالقرب من بركة الحبش لمطعم الطّيور والجوارح، اختار أن يحفر خليجا من بحر النّيل لتمرّ فيه المراكب إلى ناحية سرياقوس، لحمل ما يحتاج إليه من الغلال وغيرها (٣). فتقدّم إلى الأمير سيف الدّين أرغون، نائب السّلطنة بديار مصر، بالكشف عن عمل ذلك.

стр. 2090

فنزل من قلعة الجبل بالمهندسين وأرباب الخبرة إلى شاطئ النّيل، وركب النّيل. فلم يزل القوم في فحص وتفتيش إلى أن وصلوا بالمراكب إلى موردة البلاط (١) من أراضي بستان الخشّاب، فوجدوا ذلك الموضع أوطأ مكان يمكن أن يحفر إلاّ أنّ فيه عدّة دور. فاعتبروا فم الخليج من موردة البلاط، وقدّروا أنّه إذا حفر مرّ الماء فيه من موردة البلاط إلى الميدان الظّاهري الذي أنشأه الملك النّاصر بستانا، ويمرّ من البستان إلى بركة قرموط حتى ينتهي إلى ظاهر باب البحر (٢)، ويمرّ من هناك على أرض الطّبّالة فيصبّ في الخليج الكبير. فلمّا تعيّن لهم ذلك عاد النّائب إلى القلعة وطالعه بما تقرّر. فبرز أمره لسائر أمراء الدّولة بإحضار الفلاّحين من البلاد الجارية في إقطاعاتهم، وكتب إلى ولاة الأعمال بجمع الرّجال لحفر الخليج. فلم يمض سوى أيّام قلائل حتى حضر الرّجال من الأعمال، وتقدّم إلى النّائب بالنّزول للحفر ومعه الحجّاب. فنزل لعمل ذلك، وقاس المهندسون طول الحفر من موردة البلاط - حيث تعيّن فم الخليج - إلى أن يصبّ في الخليج الكبير، وألزم كلّ أمير من الأمراء بعمل أقصاب فرضت له. فلمّا أهلّ شهر جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مائة، وقع الشّروع في العمل. فبدأوا بهدم ما كان هناك من الأملاك التي من جهة باب اللّوق إلى بركة قرموط، وحصل الحفر في البستان الذي كان للنّائب (٣)، فأخذوا منه قطعة، ورسم أن يعطي أرباب الأملاك أثمانها: فمنهم من باع ملكه وأخذ ثمنه من مال السّلطان، ومنهم من هدم داره ونقل أنقاضها. فهدمت عدّة دور ومساكن جليلة، وحفر في عدّة بساتين، فانتهى العمل في سلخ جمادى الآخرة على رأس شهرين، وجرى الماء فيه عند زيادة النّيل (٤).

стр. 2091

فأنشأ النّاس عدّة سواق، وجرت فيه السّفن بالغلال وغيرها. فسرّ السّلطان بذلك، وحصل للنّاس رفق، وقويت رغبتهم فيه، فاشتروا عدّة أراض من بيت المال غرست فيها الأشجار، وصارت بساتين جليلة. وأخذ النّاس في العمارة على حافتي الخليج، فعمّر ما بين المقس وساحل النّيل ببولاق، وكثرت العمائر على الخليج حتى اتّصلت من أوّله بموردة البلاط إلى حيث يصبّ في الخليج الكبير بأرض الطّبّالة، وصارت البساتين من وراء الأملاك المطلّة على الخليج. وتنافس النّاس في السّكنى هناك، وأنشأوا الحمّامات والمساجد والأسواق. (¬a)) واستخرج من هذا الخليج عدّة خلج - وهي: خليج قنطرة الفخر وخليج الغزلان - أنشئ عليها الدّور فكانت من كثرتها تعدّ مدينة بمفردها (¬a). وصار هذا الخليج مواطن أفراح، ومنازل لهو، ومغنى صبابات، وملعب أتراب، ومحل تيه وقصف فيما يمرّ فيه من المراكب، وفيما عليه من الدّور. وما برحت مراكب النّزهة يمرّ فيه بأنواع النّاس على سبيل اللّهو، إلى أن منعت المراكب منه بعد قتل الأشرف، كما يرد عند ذكر القناطر إن شاء اللّه (١). ذكر خليج قنطرة الفخر هذا الخليج يبتدئ من الموضع الذي كان ساحل النّيل ببولاق، وينتهي إلى حيث يصبّ في الخليج النّاصري، ويصبّ أيضا في خليج لطيف تسقى منه عدّة بساتين (٢). وكلّ من هذين الخليجين معمور الجانبين بالأملاك المطلّة والبساتين. وجميع المواضع التي يمرّ فيها الخليج النّاصري، وأرض هذين الخليجين، كانت غامرة بالماء، ثم انحسر عنها الماء شيئا بعد شيء كما ذكر في ظواهر القاهرة، وهذا الخليج حفر بعد الخليج النّاصريّ (¬b) (٣).

стр. 2092

ذكر القناطر اعلم أنّ قناطر الخليج الكبير عدّتها الآن أربع عشرة قنطرة (١)، وعلى خليج فم الخور قنطرة واحدة، وعلى خليج الذّكر قنطرة واحدة، وعلى الخليج النّاصريّ خمس قناطر، وعلى بحر أبي المنجّا قنطرة عظيمة، وبالجيزة عدّة قناطر (٢). ذكر قناطر الخليج الكبير [قنطرة عبد العزيز بن مروان] قال القضاعي: القنطرتان اللّتان على هذا الخليج - يعني خليج مصر الكبير -. أمّا التي في طرف الفسطاط بالحمراء القصوى، فإنّ عبد العزيز بن مروان بن الحكم بناها في سنة تسع وستين وكتب عليها اسمه، وابتنى قناطر غيرها. وكتب على هذه القنطرة المذكورة: «هذه القنطرة أمر بها عبد العزيز بن مروان الأمير، اللّهم بارك له في أمره كلّه، وثبّت سلطانه على ما ترضى، وأقرّ عينه في نفسه وحشمه، آمين. وقام ببنائها سعد أبو عثمان. وكتب عبد الرّحمن في صفر سنة تسع وستين» (٣). ثم زاد فيها تكين أمير مصر في سنة ثمان عشرة وثلاث مائة ورفع سمكها، ثم زاد عليها الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة، ثم عمّرت في أيّام العزيز باللّه.

стр. 2093

وقال ابن عبد الظّاهر: وهذه القنطرة ليس لها أثر في هذا الزّمان. قلت: موضعها الآن خلف خطّ السّبع سقايات، وهذه القنطرة هي التي كانت تفتح عند وفاء النّيل في زمن الخلفاء. فلمّا انحسر النّيل عن ساحل مصر اليوم، أهملت هذه القنطرة، وعملت قنطرة السّدّ عند فم بحر النّيل. فإنّ النّيل كان قد ربّى الجرف حيث غيط الجرف الذي على يمنة من سلك من المراغة إلى باب مصر بجوار الكبارة (١). قنطرة السّدّ (٢) هذه القنطرة موضعها ممّا كان غامرا بماء النّيل قديما، وهي الآن يتوصّل من فوقها إلى منشأة المهراني وغيرها من برّ الخليج الغربي. وكان النّيل عند إنشائها يصل إلى الكوم الأحمر، الذي هو جانب الخليج الغربي الآن، تجاه خطّ بين الزّقاقين. فإنّ النّيل كان قد ربّى جرفا قدّام السّاحل القديم، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، فأهملت القنطرة الأولى لبعد النّيل، وقدّمت هذه القنطرة إلى حيث كان النّيل ينتهي، وصار يتوصّل منها إلى بستان الخشّاب الذي موضعه اليوم يعرف بالمريس وما حوله. وكان الذي أنشأها الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب في أعوام بضع وأربعين وستّ مائة، ولها قوسان.

стр. 2094

وعرفت الآن بقنطرة السّدّ من أجل أنّ النّيل لمّا انحسر عن الجانب الشّرقي، وانكشفت الأراضي التي عليها الآن خطّ بين الزّقاقين إلى موردة الحلفاء، وموضع الجامع الجديد إلى دار النّحاس، وما وراء هذه الأماكن إلى المراغة وباب مصر بجوار الكبارة، وانكشف من أراضي النّيل أيضا الموضع الذي يعرف اليوم بمنشأة المهراني، صار ماء النّيل إذا بدت زيادته يجعل عند هذه القنطرة سدّا من التراب حتى يسند الماء إليه إلى أن تنتهي الزّيادة إلى ستّ عشرة ذراعا، فيفتح السّدّ حينئذ، ويمرّ الماء في الخليج الكبير، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، والأمر على هذا إلى اليوم. قناطر السّباع (١) هذه القناطر جانبها الذي يلي خطّ السّبع سقايات من جهة الحمراء القصوى، وجانبها الآخر من جهة جنان الزّهري. وأوّل من أنشأها الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، ونصب عليها سباعا من الحجارة - فإنّ رنكه (٢) كان على شكل سبع - فقيل لها «قناطر السّباع» من أجل ذلك، وكانت عالية مرتفعة.

стр. 2095

فلمّا أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون الميدان السّلطاني، في موضع بستان الخشّاب حيث موردة البلاط، وتردّد إليه كثيرا، صار لا يمرّ إليه من قلعة الجبل حتى يركب قناطر السّباع. فتضرّر من علوّها وقال للأمراء: إنّ هذه القنطرة حين أركب إلى الميدان وأركب عليها يتألّم ظهري من علوّها. ويقال إنّه أشاع هذا، والقصد إنّما هو كراهته لنظر أثر أحد من الملوك قبله، وبغضه أن يذكر لأحد غيره شيء يعرف به، وهو كلّما يمرّ بها يرى السّباع - التي هي رنك الملك الظّاهر - فأحبّ أن يزيلها لتبقى القنطرة منسوبة إليه ومعروفة به، كما كان يفعل دائما في محو آثار من تقدّمه، وتخليد ذكره ومعرفة الآثار به ونسبتها له. فاستدعى الأمير/ علاء الدّين عليّ بن حسن [بن] المرواني (١)، والي القاهرة وشادّ الجهات، وأمره بهدم قناطر السّباع وعمارتها أوسع ممّا كانت بعشرة أذرع وأقصر من ارتفاعها الأوّل. فنزل ابن المرواني وأحضر الصّنّاع، ووقف بنفسه حتى انتهت في جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبع مائة، في أحسن قالب على ما هي عليه الآن، ولم يضع سباع الحجر عليها.

стр. 2096

وكان الأمير ألطنبغا المارديني قد مرض، ونزل إلى الميدان السّلطاني فأقام به، ونزل إليه السّلطان مرارا. فبلغ المارديني ما يتحدّث به العامّة من أنّ السّلطان لم يخرّب قناطر السّباع إلاّ حتى تبقى باسمه، وأنّه رسم لابن المرواني أن يكسر سباع الحجر ويرميها في البحر. واتّفق أنّه عوفي عقيب الفراغ من بناء القنطرة وركب إلى القلعة، فسرّ به السّلطان - وكان قد شغفه حبّا - فسأله عن حاله، وحادثه إلى أن جرى ذكر القنطرة، فقال له السّلطان: أعجبتك عمارتها؟ فقال: واللّه يا خوند لم يعمل مثلها، ولكن ما كملت؛ فقال: كيف؟ قال: السّباع التي كانت عليها لم توضع مكانها، والنّاس يتحدّثون أنّ السّلطان له غرض في إزالتها لكونها رنك سلطان غيره. فامتعض لذلك، وأمر في الحال بإحضار ابن المرواني، وألزمه بإعادة السّباع على ما كانت عليه. فبادر إلى تركيبها في أماكنها، وهي باقية هناك إلى يومنا هذا؛ إلاّ أنّ الشّيخ محمدا، المعروف بصائم الدّهر، شوّه صورها كما فعل بوجه أبي الهول، ظنّا منه أنّ هذا الفعل من جملة القربات (١). وللّه درّ القائل: [الرجز] وإنّما غاية كلّ من وصل … صيد بني الدّنيا بأنواع الحيل قنطرة عمرشاه هذه القنطرة على الخليج الكبير بخطّ … (¬a)، يتوصّل منها إلى برّ الخليج الغربي (¬b) (٢).

стр. 2097

قنطرة طقزدمر هذه القنطرة على الخليج الكبير، بخطّ المسجد المعلّق، يتوصّل منها إلى برّ الخليج الغربي وحكر قوصون وغيره (¬a) (١). قنطرة آق سنقر هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصّل منها إلى (¬b) خطّ قبو الكرماني ومن حارة البديعيين، التي تعرف اليوم بالحبّانيّة، ويمرّ من فوقها إلى برّ الخليج الغربي. وعرفت بالأمير آق سنقر، شادّ العمائر السّلطانية في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، عمّرها لمّا أنشأ الجامع بالبركة النّاصريّة، ومات بدمشق سنة أربعين وسبع مائة (٢). قنطرة باب الخرق (٣) هذه القنطرة على الخليج الكبير، كان موضعها ساحلا وموردة للسّقّائين في أيّام الخلفاء الفاطميين. فلمّا أنشأ الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب الميدان السّلطاني بأراضي اللّوق، وعمّر به

стр. 2098

المناظر في سنة تسع وثلاثين وستّ مائة، أنشأ هذه القنطرة ليمرّ عليها إلى الميدان المذكور؛ وقيل لها قنطرة باب الخرق (١). قنطرة الموسكي هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصّل إليها من باب الخوخة وباب القنطرة (¬a)، ويمرّ فوقها إلى برّ الخليج الغربي (٢). أنشأها الأمير عزّ الدّين موسك بن جكرا [وهو ابن خال] (¬b) السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب. وكان خيّرا يحفظ القرآن الكريم، ويواظب على تلاوته، ويحبّ أهل العلم والصّلاح ويؤثرهم. ومات بدمشق يوم الأربعاء ثامن عشرين شعبان سنة أربع وثمانين وخمس مائة (٣). قنطرة الأمير حسين هذه القنطرة على الخليج الكبير، ويتوصّل منها إلى برّ الخليج الغربي. فلمّا أنشأ الأمير سيف الدّين حسين بن أبي بكر بن إسماعيل بن جندر (¬c) بك الرّومي الجامع المعروف بجامع الأمير حسين في حكر جوهر النّوبي، أنشأ هذه القنطرة ليصل من فوقها إلى الجامع المذكور (٤).

стр. 2099

وكان يتوصّل إليها من باب القنطرة، فثقل عليه ذلك، واحتاج إلى أن فتح في السّور الخوخة المعروفة بخوخة الأمير حسين من الوزيريّة، فصارت تجاه هذه القنطرة. وقد ذكر خبرها عند ذكر الخوخ (١). قنطرة باب القنطرة هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصّل إليها من القاهرة، ويمرّ فوقها إلى المقس وأرض الطّبّالة (٢). وأوّل من بناها القائد جوهر لمّا نزل بمناخه وأدار السّور عليه وبنى القاهرة. ثم قدم عليه القرمطي، فاحتاج إلى الاستعداد لمحاربته، فحفر الخندق، وبنى هذه القنطرة على الخليج عند باب جنان أبي المسك كافور الإخشيدي، الملاصق للميدان والبستان الذي للأمير أبي بكر محمد الإخشيد، ليتوصّل من القاهرة إلى المقس، وذلك في سنة اثنتين وستين وثلاث مائة، وبها تسمّى باب القنطرة. وكانت مرتفعة بحيث تمرّ المراكب من تحتها، وقد صارت في هذا الوقت قريبة من أرض الخليج لا يمكن للمراكب العبور من تحتها، وتسدّ بأبواب خوفا من دخول الزّعّار إلى القاهرة. قنطرة باب الشّعريّة هذه القنطرة على الخليج الكبير، يسلك إليها من باب الفتوح، ويمشى من فوقها إلى أرض الطّبّالة، وتعرف اليوم بقنطرة الخرّوبي (¬a) (٣).

стр. 2100

القنطرة الجديدة هذه القنطرة على الخليج الكبير، يتوصّل إليها من زقاق الكحل وخطّ جامع الظّاهر، ويتوصّل منها إلى الأرض الطّبّالة والي منية السّيرج وغير ذلك (١). أنشأها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، في سنة خمس وعشرين/ وسبع مائة، عندما انتهى حفر الخليج النّاصريّ. وكان ما على جانبي الخليج من القنطرة الجديدة هذه إلى قناطر الإوز عامرا بالأملاك، ثم خربت شيئا بعد شيء من حين حدث فصل الباردة بعد سنة ستين وسبع مائة، وفحش الخراب هناك منذ كانت سنة الشّراقي في زمن الملك الأشرف شعبان بن حسين في سنة سبع وسبعين وسبع مائة. فلمّا غرقت الحسينيّة بعد سنة الشّراقي، خربت المساكن التي كانت في شرقي الخليج ما بين القنطرة الجديدة وقناطر الإوزّ، وأخذت أنقاضها، وصارت هذه البرك الموجودة الآن. قناطر الإوزّ هذه القناطر على الخليج الكبير، يتوصّل إليها من الحسينيّة، ويسلك من فوقها إلى أراضي البعل وغيرها (٢). وهي أيضا ممّا أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. وأدركت هناك أملاكا مطلّة على الخليج بعد سنة ثمانين وسبع مائة. وهذه القناطر من أحسن متنزّهات أهل القاهرة أيّام الخليج لمّا يصير فيه من الماء، ولما على حافته الشّرقية من البساتين الأنيقة، إلاّ أنّها الآن قد خربت. وتجاه هذه القنطرة منظرة البعل، التي تقدّم

стр. 2101

ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء، وبقيت آثارها إلى الآن (١). أدركناها يعطن فيها الكتّان، وبها عرفت الأرض التي هناك، فسمّيت إلى الآن بأرض البعل. وكان هناك صفّ من شجر السّنط قد امتدّ من تجاه قناطر الإوزّ إلى منظرة البعل، وصار فاصلا بين مزرعتين يجلس الناس تحته في يومي الأحد والجمعة للنّزهة، فيكون هناك من أصناف النّاس رجالهم ونسائهم ما لا يقع عليه حصر، ويباع هناك مآكل كثيرة. وكان هناك حانوت من طين تجاه القنطرة يباع فيها السّمك، أدركتها وقد استؤجرت بخمسة آلاف درهم في السنة، عنها يومئذ نحو مائتين وخمسين مثقالا من الذّهب. على أنّه لا يباع فيها السّمك إلاّ نحو ثلاثة أشهر أو دون ذلك. ولم يزل هذا السّنط إلى نحو سنة تسعين وسبع مائة فقطع. وإلى اليوم تجتمع النّاس هناك، ولكن شتّان بين ما أدركنا وبين ما هو الآن؛ وقيل لها قناطر الإوزّ. قناطر بني وائل هذه القناطر على الخليج الكبير تجاه التّاج، أنشأها الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. وعرفت بقناطر بني وائل؛ من أجل أنّه كان بجانبها عدّة منازل يسكنها عرب ضعاف بالجانب الشّرقي، يقال لهم بنو وائل، ولم يزالوا هناك إلى نحو سنة تسعين وسبع مائة (٢). وكان بجانب هذه القناطر، من الجانب الغربي، مقعد أحدثه الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري لأخذ المكوس، واستمرّ مدّة ثم خرب. ولم ير أحسن منظرا من هذه القنطرة في أيّام النّيل وزمن الرّبيع. قنطرة الأميريّة هذه القنطرة هي آخر ما على الخليج الكبير من القناطر بضواحي القاهرة، وهي تجاه النّاحية المعروفة بالأميريّة فيما بينها وبين المطريّة. أنشأها الملك النّاصر محمد بن قلاوون

стр. 2102

في سنة خمس وعشرين وسبع مائة (١). وعند هذه القنطرة ينسدّ ماء النّيل إذا فتح الخليج عند وفاء زيادة النّيل ستّ عشرة ذراعا، فلا يزال الماء عند سدّ الأميرية هذا إلى يوم النّوروز، فيخرج والي القاهرة إليه، ويشهد على مشايخ أهل الضّواحي بتغليق أراضي نواحيهم بالرّيّ. ثم يفتح هذا السّدّ، فيمرّ الماء إلى جسر شيبين القصر، ويسدّ عليه حتى يروي ما على جانبي الخليج من البلاد. فلا يزال الماء واقفا عند سدّ شيبين إلى يوم عيد الصّليب - وهو اليوم السابع عشر من النّوروز - فيفتح حينئذ بعد شمول الرّيّ جميع تلك الأراضي (٢). وليس بعد قنطرة الأميريّة هذه قنطرة سوى قنطرة ناحية سرياقوس، وهي أيضا إنشاء الملك النّاصر محمد بن قلاوون. وبعد قنطرة سرياقوس جسر شيبين القصر، وسيأتي ذكره عند ذكر الجسور من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى (٣). القناطر التي على الخليج النّاصري (¬a) (٤) قنطرة الفخر هذه القنطرة بجوار موردة البلاط، من أراضي بستان الخشّاب برأس الميدان (٥)، وهي أوّل قنطرة عمّرت على الخليج النّاصريّ على فمه، أنشأها القاضي فخر الدّين محمد بن فضل اللّه بن

стр. 2103

خروف القبطي - المعروف بالفخر ناظر الجيش - في سنة خمس وعشرين وسبع مائة عند انتهاء حفر الخليج النّاصري (١). ومات في رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وقد أناف على السبعين سنة، وتمكّن في الرّياسة تمكّنا كبيرا (٢). قنطرة قدادار هذه القنطرة على الخليج النّاصريّ، يتوصّل إليها من اللّوق، ويمشى فوقها إلى برّ الخليج النّاصريّ ممّا يلي النيل (¬a) (٣). وأوّل ما وضعت كانت تجاه البستان الذي كان ميدانا في زمن الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس، إلى أن أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون الميدان الموجود الآن بموردة البلاط، من جملة أراضي بستان الخشّاب، فغرس في الميدان الظّاهري الأشجار وصار بستانا عظيما كما ذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب (٤). وعرفت هذه القنطرة بالأمير سيف الدّين قدادار (٥)، مملوك الأمير برلغي، وكان خبره أنّه تنقّل في الخدم حتّى ولي الغربية من أراضي مصر في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، فلقي أهل البلاد منه شرّا كثيرا، ثم انتقل إلى ولاية البحيرة.

стр. 2104

فلمّا كان في سنة أربع وعشرين،/ كثرت الشّناعة في القاهرة بسبب الفلوس، وتعنّت النّاس فيها، وامتنعوا من أخذها حتى وقف الحال وتحسّن السّعر. وكان حينئذ يتقلّد الوزارة الأمير علاء الدّين مغلطاي الجمالي، ويتقلّد ولاية القاهرة الأمير علم الدّين سنجر الخازن. فلمّا توجّه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل إلى السّرحة بناحية سرياقوس، بلغه توقّف الحال، وطمع السّوقة في النّاس، وأنّ متولّي القاهرة فيه لين، وأنّه قليل الحرمة على السّوقة. وكان السّلطان كثير النّفور من العامّة شديد البغض لهم، ويريد كل وقت من الخازن أن يبطش بالحرافيش ويؤثّر فيهم آثارا قبيحة، ويشهّر منهم جماعة، فلم يبلغ من ذلك غرضه فكرهه، واستدعى الأمير أرغون نائب السّلطنة، وتقدّم إليه بالإغلاظ في القول على الخازن بسبب فساد حال النّاس، وهمّ ببروز أمره بالقبض عليه وأخذ ماله. فما زال به النّائب حتى عفا عنه، وقال: السّلطان يعزله ويولّي من ينفع في مثل هذا الأمر. فاختار ولاية قدادار عوضه لما يعرف من يقظته وشهامته وجراءته على سفك الدّماء، فاستدعاه من البحيرة، وولاّه ولاية القاهرة في أوّل شهر رمضان من السنة المذكورة. فأوّل ما بدأ به أن أحضر الخبّازين والباعة، وضرب كثيرا منهم بالمقارع ضربا مبرحا، وسمّر عدّة منهم في دراريب حوانيتهم، ونادى في البلد: «من ردّ فلسا سمّر»، ثم عرض أهل السّجن، ووسّط جماعة من المفسدين عند باب زويلة، فهابته العامّة وذعروا منه. وأخذ يتتبّع من عصر خمرا، وأحضر عريف الحمّالين وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب. فلمّا حضروا عنده استملاهم أسماء من يشتري العنب ومواضع مساكنهم، ثم أحضر خفراء الحارات والأخطاط، ولم يزل بهم حتى دلّوه على سائر من عصر الخمر. فاشتهر ذلك بين النّاس وخافوه؛ فحوّل أهل حارة زويلة وأهل حارتي الرّوم والدّيلم وغير ذلك من الأماكن ما عندهم من الخمر، وصبّوها في البلاليع والأقنية، وألقوها في الأزقّة، وبذلوا المال لمن يأخذها منهم. فحصل لكثير من العامّة والأطراف منها شيء كثير، حتى صارت تباع كلّ جرّة خمر بدرهم، ويمرّ النّاس بأبواب الدّور والأزقّة فترى من جرار الخمر شيئا كثيرا، ولا يقدر أحد أن يتعرّض لشيء منها. ثم ركب وكبس خطّ باب اللّوق، وأخذ منه شيئا كثيرا من الحشيش وأحرقه عند باب زويلة، واستمرّ الحال مدّة شهر ما من يوم إلاّ ويهرق فيه خمر عند باب زويلة، ويحرق حشيش. فطهّر اللّه به البلد من ذلك جميعه، وتتبّع الزّعّار وأهل الفساد، فخافوه وفرّوا من البلد.

стр. 2105

فصار السّلطان يشكره، ويثني عليه لما يبلغه من ذلك، وأمّا العامّة فإنّه ثقل عليها وكرهته، حتى إنّه لمّا تأمّر ابن الأمير بكتمر السّاقي، وركب إلى القبّة المنصوريّة على العادة ومعه أبوه والنّائب وسائر الأمراء، صاحت العامّة للأمير بكتمر الساقي: يا أمير بكتمر بحياة ولدك اعزل هذا الظّالم، وردّ علينا وإلينا - يعنون الخازن. فلمّا عرّف بكتمر السّلطان ذلك أعجبه، وقال: يا أمير ما تخشى العامّة والسّوقة إلاّ ظالما مثل هذا ما يخاف اللّه تعالى. وزاد إعجاب السّلطان به حتّى قال له: لا تشاور في أمر المفسدين. فلم يغترّ بذلك، ورفع إليه جميع ما يتّفق له، وشاوره في كلّ جليل وحقير، وقال له: إنّ جماعة من الكتّاب والتّجّار قد عصروا الخمر، واستأذنه في طلبهم ومصادرتهم. فتقدّم له بمشاورة النائب في ذلك، وإعلامه أنّ السّلطان قد رسم بالكشف عمّن عصر من الكتّاب والتجّار الخمر. فلمّا صار إلى النّائب وعرّفه الخبر، أهانه وقال: إنّ السّلطان لا يرضى بكبس بيوت النّاس، وهتك حرمهم وسترهم وإقامة الشّناعات. وقام من فوره إلى السّلطان، وعرّفه ما يكون في فعل ذلك من الفساد الكبير، وما زال به حتى صرف رأيه عمّا أشار به قدادار من كبس الدّور، وأخذ النّاس في مماقتته، والإخراق به في كلّ وقت، فإنّه كان يعنى بالخازن، ولم يعجبه عزله عن الولاية. فكثر جور قدادار، وزاد تتبّعه للنّاس، ونادى: «ألاّ يعمل أحد حلقة في (¬a) بين القصرين ولا يسمر هناك»، وأمر ألاّ يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة، وأقام عنه نائبا من بطّالي الحسينيّة ضمن المسطبة منه في كلّ يوم بثلاث مائة درهم. وانحصر النّاس منه، وضاقوا به ذرعا لكثرة ما هتك أستارهم، وخرق بكثير من المستورين. وتسلّطت المستصنعة وأرباب المظالم على النّاس، وكانوا إذا رأوا سكران أو شمّوا منه رائحة خمر أحضروه إليه. فتوقّى النّاس شرّه، وشكاه الأمراء غير مرّة إلى السّلطان فلم يلتفت لما يقال فيه. والنّائب مستمرّ على الإخراق به إلى أن قبض عليه السّلطان، فخلا الجوّ لقدادار، وأكثر من سفك الدّماء، وإتلاف النّفوس، والتّسلّط على العامّة لبغضهم إيّاه. والسّلطان يعجبه منه ذلك، بحيث أنّه أبرز مرسوما لسائر عمّاله وولاته أنّ أحدا منهم لا يقتصّ ممّن وجب عليه القصّاص، في النّفس أو القطع، إلاّ أن يشاور فيه ويطالع بأمره ما خلا قدادار متولّي (¬b) القاهرة، فإنّه لا يشاور على مفسد ولا غيره، ويده مطلقة في سائر النّاس. فدهي النّاس منه بعظائم، وشرع في كبس بيوت السّعداء، ومشت جماعة من المستصنعين في
следующие страницы →