ذكرها عند ذكر مناظر الخلفاء، وبقيت آثارها إلى الآن (١). أدركناها يعطن فيها الكتّان، وبها عرفت الأرض التي هناك، فسمّيت إلى الآن بأرض البعل.
وكان هناك صفّ من شجر السّنط قد امتدّ من تجاه قناطر الإوزّ إلى منظرة البعل، وصار فاصلا بين مزرعتين يجلس الناس تحته في يومي الأحد والجمعة للنّزهة، فيكون هناك من أصناف النّاس رجالهم ونسائهم ما لا يقع عليه حصر، ويباع هناك مآكل كثيرة.
وكان هناك حانوت من طين تجاه القنطرة يباع فيها السّمك، أدركتها وقد استؤجرت بخمسة آلاف درهم في السنة، عنها يومئذ نحو مائتين وخمسين مثقالا من الذّهب. على أنّه لا يباع فيها السّمك إلاّ نحو ثلاثة أشهر أو دون ذلك.
ولم يزل هذا السّنط إلى نحو سنة تسعين وسبع مائة فقطع. وإلى اليوم تجتمع النّاس هناك، ولكن شتّان بين ما أدركنا وبين ما هو الآن؛ وقيل لها قناطر الإوزّ.
قناطر بني وائل
هذه القناطر على الخليج الكبير تجاه التّاج، أنشأها الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. وعرفت بقناطر بني وائل؛ من أجل أنّه كان بجانبها عدّة منازل يسكنها عرب ضعاف بالجانب الشّرقي، يقال لهم بنو وائل، ولم يزالوا هناك إلى نحو سنة تسعين وسبع مائة (٢).
وكان بجانب هذه القناطر، من الجانب الغربي، مقعد أحدثه الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري لأخذ المكوس، واستمرّ مدّة ثم خرب. ولم ير أحسن منظرا من هذه القنطرة في أيّام النّيل وزمن الرّبيع.
قنطرة الأميريّة
هذه القنطرة هي آخر ما على الخليج الكبير من القناطر بضواحي القاهرة، وهي تجاه النّاحية المعروفة بالأميريّة فيما بينها وبين المطريّة. أنشأها الملك النّاصر محمد بن قلاوون
стр. 2102
في سنة خمس وعشرين وسبع مائة (١).
وعند هذه القنطرة ينسدّ ماء النّيل إذا فتح الخليج عند وفاء زيادة النّيل ستّ عشرة ذراعا، فلا يزال الماء عند سدّ الأميرية هذا إلى يوم النّوروز، فيخرج والي القاهرة إليه، ويشهد على مشايخ أهل الضّواحي بتغليق أراضي نواحيهم بالرّيّ. ثم يفتح هذا السّدّ، فيمرّ الماء إلى جسر شيبين القصر، ويسدّ عليه حتى يروي ما على جانبي الخليج من البلاد. فلا يزال الماء واقفا عند سدّ شيبين إلى يوم عيد الصّليب - وهو اليوم السابع عشر من النّوروز - فيفتح حينئذ بعد شمول الرّيّ جميع تلك الأراضي (٢).
وليس بعد قنطرة الأميريّة هذه قنطرة سوى قنطرة ناحية سرياقوس، وهي أيضا إنشاء الملك النّاصر محمد بن قلاوون. وبعد قنطرة سرياقوس جسر شيبين القصر، وسيأتي ذكره عند ذكر الجسور من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى (٣).
القناطر التي على الخليج النّاصري (¬a) (٤)
قنطرة الفخر
هذه القنطرة بجوار موردة البلاط، من أراضي بستان الخشّاب برأس الميدان (٥)، وهي أوّل قنطرة عمّرت على الخليج النّاصريّ على فمه، أنشأها القاضي فخر الدّين محمد بن فضل اللّه بن
стр. 2103
خروف القبطي - المعروف بالفخر ناظر الجيش - في سنة خمس وعشرين وسبع مائة عند انتهاء حفر الخليج النّاصري (١). ومات في رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة، وقد أناف على السبعين سنة، وتمكّن في الرّياسة تمكّنا كبيرا (٢).
قنطرة قدادار
هذه القنطرة على الخليج النّاصريّ، يتوصّل إليها من اللّوق، ويمشى فوقها إلى برّ الخليج النّاصريّ ممّا يلي النيل (¬a) (٣). وأوّل ما وضعت كانت تجاه البستان الذي كان ميدانا في زمن الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس، إلى أن أنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون الميدان الموجود الآن بموردة البلاط، من جملة أراضي بستان الخشّاب، فغرس في الميدان الظّاهري الأشجار وصار بستانا عظيما كما ذكر ذلك في موضعه من هذا الكتاب (٤).
وعرفت هذه القنطرة بالأمير سيف الدّين قدادار (٥)، مملوك الأمير برلغي، وكان خبره أنّه تنقّل في الخدم حتّى ولي الغربية من أراضي مصر في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، فلقي أهل البلاد منه شرّا كثيرا، ثم انتقل إلى ولاية البحيرة.
стр. 2104
فلمّا كان في سنة أربع وعشرين،/ كثرت الشّناعة في القاهرة بسبب الفلوس، وتعنّت النّاس فيها، وامتنعوا من أخذها حتى وقف الحال وتحسّن السّعر. وكان حينئذ يتقلّد الوزارة الأمير علاء الدّين مغلطاي الجمالي، ويتقلّد ولاية القاهرة الأمير علم الدّين سنجر الخازن.
فلمّا توجّه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل إلى السّرحة بناحية سرياقوس، بلغه توقّف الحال، وطمع السّوقة في النّاس، وأنّ متولّي القاهرة فيه لين، وأنّه قليل الحرمة على السّوقة. وكان السّلطان كثير النّفور من العامّة شديد البغض لهم، ويريد كل وقت من الخازن أن يبطش بالحرافيش ويؤثّر فيهم آثارا قبيحة، ويشهّر منهم جماعة، فلم يبلغ من ذلك غرضه فكرهه، واستدعى الأمير أرغون نائب السّلطنة، وتقدّم إليه بالإغلاظ في القول على الخازن بسبب فساد حال النّاس، وهمّ ببروز أمره بالقبض عليه وأخذ ماله.
فما زال به النّائب حتى عفا عنه، وقال: السّلطان يعزله ويولّي من ينفع في مثل هذا الأمر.
فاختار ولاية قدادار عوضه لما يعرف من يقظته وشهامته وجراءته على سفك الدّماء، فاستدعاه من البحيرة، وولاّه ولاية القاهرة في أوّل شهر رمضان من السنة المذكورة.
فأوّل ما بدأ به أن أحضر الخبّازين والباعة، وضرب كثيرا منهم بالمقارع ضربا مبرحا، وسمّر عدّة منهم في دراريب حوانيتهم، ونادى في البلد: «من ردّ فلسا سمّر»، ثم عرض أهل السّجن، ووسّط جماعة من المفسدين عند باب زويلة، فهابته العامّة وذعروا منه.
وأخذ يتتبّع من عصر خمرا، وأحضر عريف الحمّالين وألزمه بإحضار من كان يحمل العنب.
فلمّا حضروا عنده استملاهم أسماء من يشتري العنب ومواضع مساكنهم، ثم أحضر خفراء الحارات والأخطاط، ولم يزل بهم حتى دلّوه على سائر من عصر الخمر.
فاشتهر ذلك بين النّاس وخافوه؛ فحوّل أهل حارة زويلة وأهل حارتي الرّوم والدّيلم وغير ذلك من الأماكن ما عندهم من الخمر، وصبّوها في البلاليع والأقنية، وألقوها في الأزقّة، وبذلوا المال لمن يأخذها منهم. فحصل لكثير من العامّة والأطراف منها شيء كثير، حتى صارت تباع كلّ جرّة خمر بدرهم، ويمرّ النّاس بأبواب الدّور والأزقّة فترى من جرار الخمر شيئا كثيرا، ولا يقدر أحد أن يتعرّض لشيء منها.
ثم ركب وكبس خطّ باب اللّوق، وأخذ منه شيئا كثيرا من الحشيش وأحرقه عند باب زويلة، واستمرّ الحال مدّة شهر ما من يوم إلاّ ويهرق فيه خمر عند باب زويلة، ويحرق حشيش. فطهّر اللّه به البلد من ذلك جميعه، وتتبّع الزّعّار وأهل الفساد، فخافوه وفرّوا من البلد.
стр. 2105
فصار السّلطان يشكره، ويثني عليه لما يبلغه من ذلك، وأمّا العامّة فإنّه ثقل عليها وكرهته، حتى إنّه لمّا تأمّر ابن الأمير بكتمر السّاقي، وركب إلى القبّة المنصوريّة على العادة ومعه أبوه والنّائب وسائر الأمراء، صاحت العامّة للأمير بكتمر الساقي: يا أمير بكتمر بحياة ولدك اعزل هذا الظّالم، وردّ علينا وإلينا - يعنون الخازن.
فلمّا عرّف بكتمر السّلطان ذلك أعجبه، وقال: يا أمير ما تخشى العامّة والسّوقة إلاّ ظالما مثل هذا ما يخاف اللّه تعالى. وزاد إعجاب السّلطان به حتّى قال له: لا تشاور في أمر المفسدين. فلم يغترّ بذلك، ورفع إليه جميع ما يتّفق له، وشاوره في كلّ جليل وحقير، وقال له: إنّ جماعة من الكتّاب والتّجّار قد عصروا الخمر، واستأذنه في طلبهم ومصادرتهم. فتقدّم له بمشاورة النائب في ذلك، وإعلامه أنّ السّلطان قد رسم بالكشف عمّن عصر من الكتّاب والتجّار الخمر. فلمّا صار إلى النّائب وعرّفه الخبر، أهانه وقال: إنّ السّلطان لا يرضى بكبس بيوت النّاس، وهتك حرمهم وسترهم وإقامة الشّناعات. وقام من فوره إلى السّلطان، وعرّفه ما يكون في فعل ذلك من الفساد الكبير، وما زال به حتى صرف رأيه عمّا أشار به قدادار من كبس الدّور، وأخذ النّاس في مماقتته، والإخراق به في كلّ وقت، فإنّه كان يعنى بالخازن، ولم يعجبه عزله عن الولاية.
فكثر جور قدادار، وزاد تتبّعه للنّاس، ونادى: «ألاّ يعمل أحد حلقة في (¬a) بين القصرين ولا يسمر هناك»، وأمر ألاّ يخرج أحد من بيته بعد عشاء الآخرة، وأقام عنه نائبا من بطّالي الحسينيّة ضمن المسطبة منه في كلّ يوم بثلاث مائة درهم. وانحصر النّاس منه، وضاقوا به ذرعا لكثرة ما هتك أستارهم، وخرق بكثير من المستورين. وتسلّطت المستصنعة وأرباب المظالم على النّاس، وكانوا إذا رأوا سكران أو شمّوا منه رائحة خمر أحضروه إليه. فتوقّى النّاس شرّه، وشكاه الأمراء غير مرّة إلى السّلطان فلم يلتفت لما يقال فيه. والنّائب مستمرّ على الإخراق به إلى أن قبض عليه السّلطان، فخلا الجوّ لقدادار، وأكثر من سفك الدّماء، وإتلاف النّفوس، والتّسلّط على العامّة لبغضهم إيّاه. والسّلطان يعجبه منه ذلك، بحيث أنّه أبرز مرسوما لسائر عمّاله وولاته أنّ أحدا منهم لا يقتصّ ممّن وجب عليه القصّاص، في النّفس أو القطع، إلاّ أن يشاور فيه ويطالع بأمره ما خلا قدادار متولّي (¬b) القاهرة، فإنّه لا يشاور على مفسد ولا غيره، ويده مطلقة في سائر النّاس.
فدهي النّاس منه بعظائم، وشرع في كبس بيوت السّعداء، ومشت جماعة من المستصنعين في
стр. 2106
البلد،/ وكتبوا الأوراق ورموها في بيوت النّاس بالتّهديد، فكثرت أسباب الضّرر، وكثر بلاء النّاس به. وتعنّت على الباعة، ونادى: «ألاّ يفتح أحد حانوته بعد عشاء الآخرة»، فامتنع النّاس من الخروج باللّيل حتى كانت المدينة في اللّيل موحشة.
واستجدّ على كلّ حارة دربا، وألزم النّاس بعمل ذلك، فجبيت بهذا السّبب دراهم كثيرة، وصار الخفراء في اللّيل يدورون ومعهم الطّبول في كلّ خطّ، فظفر بإنسان قد سرق شيئا من بيت في اللّيل وتزيّا بزيّ النّساء، فسمّره على باب زويلة. وما زال على ذلك حتى كثرت الشّناعة، فعزله السّلطان في سنة تسع وعشرين بناصر الدّين ابن المحسني. فأقام إلى أيّام الحجّ وسافر إلى الحجاز، ورجع وهو ضعيف، فمات في سادس عشر صفر سنة ثلاثين وسبع مائة.
قنطرة الكتبة
هذه القنطرة على الخليج النّاصريّ، بخط بركة قرموط، عرفت بذلك لكثرة من كان يسكن هناك من الكتّاب (١). أنشأها القاضي شمس الدّين عبد اللّه بن أبي سعيد بن أبي السّرور، الشّهير بغبريال بن سعيد ناظر الدّولة، وولي نظر الدّواوين بدمشق في سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، نقل إليها من نظر البيوت بديار مصر. ثم استدعي من دمشق، وقرّر في وظيفة ناظر النّظّار شريكا للقاضي شهاب الدّين الأقفهسي، واستقرّ كريم الدّين الصّغير مكانه ناظرا بدمشق، وذلك في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبع مائة. ثم صرف غبريال من النّظر بديار مصر، وسفّر إلى دمشق في ثامن عشر صفر سنة ستّ وعشرين، وطلب كريم الدّين الصّغير من دمشق. ثم قرّر في مكان غبريال في وظيفة النّظر بديار مصر الخطير كاتب أرغون أخو الموفّق، وأعيد غبريال إلى نظر دمشق. ومات بدمشق، بعدما صودر وأخذ منه نحو ألفي ألف درهم، في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مائة.
وأدركنا الأملاك منتظمة بجانبي هذا الخليج من أوّله بموردة البلاط إلى هذه القنطرة، ومن هذه القنطرة إلى حيث يصبّ في الخليج الكبير. فلمّا كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة
стр. 2107
شرع النّاس في هدم ما على هذا الخليج من المناظر البهجة والمساكن الجليلة وبيع أنقاضها، حتى ذهب ما كان على هذا الخليج من المنازل ما بين قنطرة الفخر - التي تقدّم ذكرها - وآخر خطّ بركة قرموط، وأصبحت موحشة قفراء بعدما كانت مواطن أفراح ومغنى صبابات، لا يأويها إلاّ الغربان والبوم، سنّة اللّه في الذين خلوا من قبل.
قنطرة فم الخور المعروفة بقنطرة المقسي (¬a)
هذه القنطرة على خليج فم الخور، وهو الذي يخرج من بحر النّيل، ويلتقي مع الخليج النّاصريّ عند الدّكّة، فيصيران خليجا واحدا يصبّ في الخليج الكبير. كان موضعها جسرا يستند عليه الماء إذا بدت الزّيادة إلى أن تكمل أربعة عشر ذراعا فيفتح، ويمرّ الماء فيه إلى الخليج النّاصريّ وبركة الرّطليّ، ويتأخّر فتح الخليج الكبير حتى يرقى الماء ستة عشر ذراعا.
فلمّا انطرد ماء النّيل عن البرّ الشّرقي، بقي تجاه هذا الخليج في أيّام احتراق النّيل رملة لا يصل إليها الماء إلاّ عند الزّيادة، وصار يتأخّر دخول الماء في الخليج مدّة، وإذا كسر سدّ الخليج الكبير عند الوفاء مرّ الماء بهذا الخليج مرورا قليلا.
وما زال موضع هذه القنطرة سدّا إلى أن كانت وزارة الصّاحب شمس الدّين أبي الفرج عبد اللّه المقسي، في أيّام السّلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين، فأنشأ بهذا المكان القنطرة فعرفت به (١)، واتّصلت العمائر أيضا بجانبي هذا الخليج من حيث يبتدئ إلى أن يلتقي مع الخليج النّاصري، ثم خرب أكثر ما عليه من العمائر والمساكن بعد سنة ستّ وثمان مائة.
وكان للنّاس بهذا الخليج مع الخليج النّاصري في أيّام النّيل مرور في المراكب للنّزهة يخرجون فيه عن الحدّ بكثرة التّهتّك والتّمتّع بكلّ ما يلهي، إلى أن ولي أمر الدّولة، بعد قتل الملك الأشرف
стр. 2108
شعبان بن حسين، الأميران برقوق وبركة. فقام الشّيخ محمد المعروف بصائم الدّهر، في منع المراكب من لمرور بالمتفرّجين في الخليج، واستفتى شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني، فكتب له بوجوب منعهم لكثرة ما ينتهك في المراكب من الحرمات، ويتجاهر به من الفواحش والمنكرات. فبرز مرسوم الأميرين المذكورين بمنع المراكب من الدّخول إلى الخليج، وركّبت سلسلة من حديد (¬a) على (¬b)) قنطرة فم الخور المعروفة (¬b) بقنطرة المقسي (¬b)) وعلى قنطرة الفخر التي على فم الخليج بموردة الجبس أيضا سلسلة (¬b) في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثمانين وسبع مائة، فامتنعت المراكب بأسرها من عبور هذا الخليج، إلاّ أن يكون فيها غلّة أو متاع، فقلق النّاس لذلك وشقّ عليهم.
وقال الشّهاب أحمد بن العطّار الدّنيسري في ذلك:
[الطويل]
حديث فم الخور المسلسل ماؤه … بقنطرة المقسي قد سار في الخلق
ألا فاعجبوا من مطلق ومسلسل … يقول لقد أوقفتم الماء في حلقي
وقال:
[الرجز]
تسلسلت قنطرة المقسي ممّ … ا قد جرى والمنع أضحى شاملا
/ وقال أهل طيبة في مجنهم … قوموا بنا نقطع السّلاسلا
ولم تزل مراكب الفرجة ممتنعة من عبور الخليج إلى أن زالت دولة الظّاهر برقوق في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، فأذن في دخولها، وهي مستمّرة إلى وقتنا هذا (١).
قنطرة باب البحر
هذه القنطرة على الخليج النّاصري (٢)، يتوصّل إليها من باب
стр. 2109
البحر (١)، ويمرّ النّاس من فوقها إلى بولاق وغيره، وهي ممّا أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون عند انتهاء حفر الخليج النّاصريّ في سنة خمس وعشرين وسبع مائة.
وقد كان موضعها في القديم غامرا بالماء عندما كان جامع المقس مطلاّ على النّيل، فلمّا انحسر الماء عن برّ القاهرة، صار ما قدّام باب البحر رملة. فإذا وقف الإنسان عند باب البحر رأى البرّ الغربي لا يحول بينه وبين رؤيته بنيان ولا غيره، فإذا كان أوان زيادة ماء النّيل صار الماء إلى باب البحر، وربّما قلفط في بعض السنين خوفا من غرق المقس.
ثم لمّا طال المدى غرق خارج باب البحر بأرض باطن اللّوق، وغرس فيه الأشجار، فصار بساتين ومزارع، وبقي موضع هذه القنطرة جرفا، ورمى النّاس عليه التّراب فصار كوما يشنق عليه أرباب الجرائم، ثم نقل ما هنالك من التّراب، وأنشئت هذه القنطرة، ونودي في النّاس بالعمارة. فأوّل ما بني في غربي هذه القنطرة مسجد المهاميزي وبستانه، ثم تتابع النّاس في العمارة حتى انتظم ما بين شاطئ النّيل ببولاق وباب البحر عرضا، وما بين منشأة المهراني ومنية السّيرج طولا، وصار ما بجانبي الخليج معمورا بالدّور، ومن ورائها البساتين والأسواق والحمّامات والمساجد، وتقسّمت الطّرق، وتعدّدت الشّوارع، وصار خارج القاهرة من الجهة الغربية عدّة مدائن.
قنطرة الحاحب
هذه القنطرة على الخليج النّاصريّ، يتوصّل إليها من أرض الطّبّالة، ويسير النّاس عليها إلى منية السّيرج وغيرها (٢). أنشأها الأمير سيف الدّين بكتمر الحاجب في سنة ستّ وعشرين وسبع
стр. 2110
مائة، وذلك أنّه كانت أرض الطّبّالة بيده. فلمّا شرع السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون في حفر الخليج النّاصريّ التمس بكتمر من المهندسين، إذا وصلوا بالحفر إلى حيث الجرف، أن يمرّوا به على بركة الطّوّابين التي تعرف اليوم ببركة الرّطلي، وينتهوا من هناك إلى الخليج الكبير، ففعلوا ذلك. وكان قصدهم أوّلا أنّه إذا انتهى الحفر إلى الجرف مرّوا فيه إلى الخليج الكبير من طرف البعل.
فلمّا تهيّأ لبكتمر ذلك، عمّرت له أراضي الطّبّالة، كما يأتي ذكرها إن شاء اللّه عند ذكر البرك (١)، فعمرت هذه القنطرة في سنة خمس وعشرين وستّ مائة، وأسند إليها جسرا جعله حاجزا بين بركة الحاجب المعروفة ببركة الرّطلي وبين الخليج النّاصريّ، وسيرد ذكره إن شاء اللّه عند ذكر الجسور (٢).
ولمّا عمرت هذه القنطرة اتّصلت العمائر فيما بينها وبين كوم الرّيش، وعمّر قبالتها ربع عرف بربع الزّيتي (٣). وكان على ظهر القنطرة صفّان من حوانيت، وعليها سقيفة تقي حرّ الشّمس وغيره. فلمّا غرق كوم الرّيش في سنة (¬a) وستين وسبع مائة، صار هذا الكوم الذي خارج القنطرة. ومن تحت هذه القنطرة يصبّ الخليج النّاصريّ في الخليج الكبير، ويمرّ إلى حيث القنطرة الجديدة وقناطر الإوزّ وغيرها كما تقدّم ذكره.
قنطرة الدّكّة
هذه القنطرة كانت تعرف بقنطرة الدّكّة، ثم عرفت بقنطرة التّركماني؛ من أجل أنّ الأمير بدر الدّين (¬b) التّركماني عمّرها. وهذه القنطرة كانت على خليج الذّكر، وقد انطمّ ما تحتها، وصارت معقودة على التّراب لتلاف خليج الذّكر (٤).
стр. 2111
وللّه درّ إبراهيم المعمار حيث يقول:
[السريع]
يا طالب الدّكّة نلت الهنا (¬c) … وفزت منها ببلوغ الوطر
قنطرة من فوقها دكّة … من تحتها تلق خليج الذّكر
قناطر بحر أبي المنجّا
هذه القناطر من أعظم قناطر مصر وأكبرها (١)، أنشأها السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري في سنة خمس وستين وست مائة، وتولّى عمارتها الأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم (¬d) (٢).
قناطر الجيزة
قال في كتاب «عجائب البنيان» (٣): إنّ القناطر الموجودة اليوم في الجيزة من الأبنية العجيبة،
стр. 2112
ومن أعمال الجبّارين، وهي نيّف وأربعون قنطرة، عمّرها الأمير قراقوش الأسدي - وكان على العمائر في أيّام السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب - بما هدمه من الأهرام التي كانت بالجيزة، وأخذ حجرها فبنى منه هذه القناطر، وبنى سور القاهرة ومصر وما بينهما، وبنى قلعة الجبل (١). وكان خصيّا روميّا سامي الهمّة، وهو صاحب الأحكام المشهورة والحكايات المذكورة، وفيه صنّف الكتاب المشهور المسمّى ب «الفاشوش في أحكام قراقوش» (٢).
وفي سنة سبع (¬a) وتسعين وخمس مائة، تولّى أمر هذه القناطر من لا بصيرة عنده، فسدّها رجاء أن يحبس الماء، فقويت عليها جرية الماء فزلزلت منها ثلاث قناطر وانشقّت، ومع ذلك فلم يرو ما رجا أن يروي (٣).
وفي سنة ثمان وسبع مائة رسم الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير برمّها، فعمّر/ ما خرب منها، وأصلح ما فسد فيها، فحصل النّفع بها (٤).
وكان قراقوش لمّا أراد بناء هذه القناطر بنى رصيفا من حجارة ابتدأ به من حيّز النّيل بإزاء مدينة مصر، كأنّه جبل ممتدّ على الأرض مسيرة ستة أميال، حتى يتّصل بالقناطر (¬b) (٥).
стр. 2113
ذكر البرك (١)
قال ابن سيده: البركة مستنقع الماء، والبركة شبه حوض يحفر في الأرض (٢). انتهى.
وقد رأيت بخطّ معتبر ما مثاله «وملأوا البركة ماء» فنصب الباء وكسر الرّاء وفتح الكاف والتّاء (¬a).
بركة الحبش
هذه البركة كانت تعرف ببركة المعافر، وتعرف ببركة حمير، وتعرف أيضا باسطبل قرّة، وعرفت أيضا باسطبل قاش (¬b) (٣). وهي من أشهر برك مصر، وهي في ظاهر مدينة الفسطاط من قبليها فيما بين الجبل والنّيل (٤).
стр. 2114
وكانت من الموات، فاستنبطها قرّة بن شريك العبسي (¬a) أمير مصر، وأحياها وغرسها قصبا، فعرفت باسطبل قرّة، وعرفت أيضا باسطبل قاش (¬b) (١)، وتنقّلت حتى صارت تعرف ببركة الحبش. ودخلت في ملك أبي بكر الماذرائي فجعلها وقفا، ثم أرصدت لبني حسن وبني حسين ابني عليّ بن أبي طالب ﵃ فلم تزل جارية في الأوقاف عليهم إلى وقتنا هذا.
قال أبو عمر (¬c) الكندي في «كتاب الأمراء»: وقدم قرّة بن شريك من وفادته في سنة ثلاث وتسعين، فاستنبط الاسطبل لنفسه من الموات، وأحياه وغرسه قصبا. فكان يسمّى إسطبل قرّة، ويسمّى أيضا إسطبل القاش (¬b) - يعنون القصب - كما يقولون: قاش (¬b) مروان (٢).
وقال أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر»: وكان الاسطبل للأزد، فاشتراه منهم الحكم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم فبناه. وكان يجري على الذي يقرأ في المصحف الذي وضعوه في المسجد - الذي يقال له «مصحف أسماء» (٣) - من كراه في كلّ شهر ثلاثة دنانير. فلمّا حيزت أموالهم - يعني أموال بني أميّة -، وضمّت إلى مال اللّه، حيز الاسطبل فيما حيز. وكتب بأمر المصحف إلى أمير المؤمنين أبي العبّاس السّفّاح، فكتب «أن أقرّوا مصحفهم في مسجدهم على حاله، وأجروا على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير من مال اللّه في كلّ شهر (¬d)» (٤).
وقال القضاعيّ: بركة الحبش كانت تعرف ببركة المعافر وحمير، وتعرف باسطبل قاش (¬b)، وكانت في ملك أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي بجميع ما تشتمل عليه من المزارع والجنان خلا الجنان التي في شرقيها، وأظنّها الجنان المنسوبة إلى وهب بن صدقة وتعرف بالحبش، فإنّي رأيت في شرط هذه البركة «أنّ الحدّ الشّرقي ينتهي إلى الفضاء الفاصل بينها وبين الجنان المعروفة بالحبش»، فدلّ على أنّ الجنان خارجة عنها (٥).
стр. 2115
وذكر ابن يونس في «تاريخه» أنّ في قبلي بركة الحبش جنانا تعرف بقتادة بن قيس بن حبشي الصّدفي، شهد فتح مصر، والجنان تعرف بالحبش، وبه تعرف بركة الحبش (١). وذكر بعد هذا الشّرط أنّ الحدّ البحري ينتهي إلى البئر الطّولونيّة، وإلى البئر المعروفة بموسى بن أبي خليد، وهذه البئر هي البئر المعروفة بالنّعش.
ورأيت في كتاب شرط هذه البركة: أنّها محبّسة على البئرين اللتين استنبطهما أبو بكر الماذرائي، في بني وائل، بحضرة الخليج (٢)، والقنطرة - المعروفة إحداهما بالغدق (¬a) والأخرى بالعقيق (¬b) - وعلى السّرب الذي يدخل منه الماء إلى البئر الحجارة - المعروفة بالرّواء - التي في بني وائل (٣)، ذات القناطر التي يجري فيها الماء إلى المصنعة التي بحضرة العقبة التي يصار منها إلى يحصب - وهي المصنعة المعروفة بدليله - وعلى القنوات المتّصلة بها التي تصبّ إلى المصنعة ذات العمد الرّخام القائمة فيها، المعروفة بسمينة، وهي التي في وسط يحصب. ويقال إنّ هناك كانت سوق ليحصب. وذكر في هذا الشّرط دارا له في موضع السّقاية المعروفة بسقاية زوف، وشرط أن تنشأ هذه الدّار مصنعة على مثل المصنعة (¬c) المقدّم ذكرها المعروفة بسمينة - وهي سقاية زوف اليوم - وعلى القناة التي يجري فيها الماء إلى مصنعة ذكر أنّه كان أنشأها عند البئر المعروفة اليوم ببئر القبّة، والحوض الذي هناك بحضرة المسجد المعروف بمسجد القبّة. وكانت هذه المصنعة تسمّى ريّا.
وجعل هذا الحبس أيضا على البئر التي له بالحبّانيّة بحضرة الخندق. وذكر أنّها تعرف بالعتّابيّة (¬d)، وأنّ ماءها يجري إلى المصنعة المقابلة للميدان (٤) من دار الإمارة في طريق المصلّى القديم (٥)، ثم إلى المصنعة التي تحت مسجده المقابل لدار عبد العزيز، ثم إلى المصنعة المقابلة لمسجد
стр. 2116
التّربة المجاورة لمسجد الأخضر، وتاريخ هذا الشّرط شهر رمضان سنة سبع وثلاث مائة.
وجعل ما يفضل عن جميع ذلك مصروفا في ابتياع بقر وكباش تذبح ويطبخ لحمها، ويبتاع أيضا معها خبز برّ ودراهم وأكسية وأعبية، ويتصدّق بذلك على الفقراء والمساكين بالمعافر (١) وغيرها من القبائل بمصر. وكان بناؤه السّقايتين اللتين بالموقف (٢)، والسّقايات التي بالمعافر وبزوف وبيحصب وبني وائل، وعمل المجاري في سنة أربع، وقيل في سنة ثلاث وثلاث مائة. وقد حبس أبو بكر على الحرمين ضياعا كان ارتفاعها نحو مائة ألف دينار، منها سيوط وأعمالها وغيرها. انتهى.
وفي «تواريخ النّصارى» أنّ الأمير أحمد بن طولون صادر البطريق ميخائيل بطرك اليعاقبة على عشرين ألف دينار. فباع/ النّصارى رباع الكنائس بالإسكندرية، وأرض الحبش بظاهر مصر، والكنيسة المجاورة للمعلّقة بقصر الشّمع بمصر لليهود. قلت: هكذا في تواريخهم، ولا أعلم كيف ملكوا أرض الحبش، فلعلّ الماذرائي هو الذي اشتراها ثم وقفها.
وقال ابن المتوّج: بركة الحبش، هذه البركة مشهورة في مكانها. وقد اتّصل ثبوت وقفها عند قاضي القضاة بدر الدّين أبي عبد اللّه محمد [بن إبراهيم] بن سعد اللّه بن جماعة، على أنّها وقف على الأشراف الأقارب والطّالبيين نصفين بينهما بالسّويّة: النّصف الأوّل على الأقارب، والنّصف الآخر على الطّالبيين (٣).
وثبت قبله عند قاضي القضاة بدر الدّين أبي المحاسن يوسف بن الحسن السّنجاري، أنّ النّصف منها وقف على الأشراف الأقارب بالاستفاضة، بتاريخ ثاني (¬a) عشر ربيع الآخر (¬b) سنة أربعين وستّ مائة - وهم الأقارب الحسينيون - وهو إذ ذاك قاضي القضاة بالقاهرة والوجه البحري وما مع ذلك من البلاد الشّامية المضافة إلى ملك الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب.
وثبت عند قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام، وكان قاضي القضاة بمصر والوجه القبلي وخطيب مصر، بالاستفاضة أيضا أنّ البركة المذكورة وقف على الأشراف الطّالبيين، بتاريخ التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستّ مائة.
стр. 2117
وبعدهما قاضي القضاة وجيه الدّين المهلّبي (¬a) في ولايته.
ثم نفّذهما بعد تنفيذ وجيه الدّين المذكور، في شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، قاضي القضاة بدر الدّين أبو عبد اللّه محمد بن جماعة، وهو حاكم الدّيار المصرية، خلا ثغر الإسكندرية. ويأتي أصل خبر هذه البركة مبيّنا مشروحا من أصلها في مكانه إن شاء اللّه تعالى.
قال: فمن جملة الأوقاف بركة الأشراف المشهورة ببركة الحبش. وهذه البركة حدودها أربعة: الحدّ القبلي ينتهي بعضه إلى أرض العدويّة يفصل بينهما جسر هناك، وباقيه إلى غيطان بساتين الوزير. والحدّ البحري ينتهي بعضه إلى أبنية الآدرّ التي هناك المطلّة عليها، وإلى الطّريق وإلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الشّعيبيّة. والحدّ الشّرقي إلى حدّ بساتين الوزير المذكورة.
والحدّ الغربي ينتهي بعضه إلى بحر النّيل وإلى أراضي دير الطّين، وإلى بعض حقوق جزيرة ابن الصّابوني وجسر بستان المعشوق (١) الذي من حقوق الجزيرة المذكورة.
وهذه البركة وقف الأشراف الأقارب والطّالبيين، نصفين بينهما بالسّويّة، والذي شاهدته من أمرها أنّي وقفت على إسجال قاضي القضاة بدر الدّين أبي المحاسن يوسف السّنجاري تاريخه ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستّ مائة - وهو حينذاك حاكم القاهرة والوجه البحري - على محضر شهد فيه بالاستفاضة أنّ نصف هذه البركة وقف على الأشراف الأقارب الحسينيين، وثبت ذلك عنده.
ورأيت إسجال الشّيخ قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام على محضر شهد فيه بالاستفاضة - وهو حين ذلك قاضي مصر والوجه القبلي - وأشهد عليه أنّه ثبت عنده أنّ البركة المذكورة جميعها وقف على الأشراف الطّالبيين، وتاريخ إسجاله التاسع والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستّ مائة. ثم نفّذهما جميعا في تاريخ واحد قاضي القضاة وجيه الدّين البهنسي، وهو قاضي القضاة حينذاك، ثم نفّذهما قاضي القضاة بدر الدّين أبو عبد اللّه محمد ابن جماعة، وهو قاضي القضاة بالدّيار المصرية.
стр. 2118
واستقرّ النّصف من ريع هذه البركة على الأشراف الأقارب مع قلتّهم، والنّصف على الأشراف الطّالبيين مع كثرتهم. وتنازعوا غير مرّة على أن تكون بينهم الجميع بالسّويّة فلم يقدروا على ذلك، وعقد لهم مجلس غير مرّة فلم يقدروا على تغييره.
وأحسن ما وصفت به بركة الحبش قول عيسى بن موسى الهاشمي أمير مصر، وقد خرج إلى الميدان الذي بطرف المقابر، فقال لمن معه: أتتأمّلون الذي أرى؟ قالوا: وما الذي يرى الأمير؟ قال: أرى ميدان رهان (١)، وجنان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكنى، وذروة جبل، وجبّانة أموات، ونهرا عجاجا، وأرض زرع، ومراعي ماشية، ومرتع خيل، وساحل بحر، وصائد نهر، وقانص وحش، وملاّح سفينة، وحادي إبل، ومفازة رمل، وسهلا وجبلا، فهذه ثمانية عشر متنزّها في أقلّ من ميل في ميل.
وأين هذه الأوصاف من وصف بعضهم قصر أنس بالبصرة في قوله:
[البسيط]
زر وادي القصر، نعم القصر والوادي … لا بدّ من زورة من غير ميعاد
زره فليس له شيء يشاكله … من منزل حاضر إن شئت أو بادي
تلقى به السّفن والأعياس حاضرة … والضّبّ والنّون والملاّح والحادي (¬a)) وقال:
[البسيط]
زر وادي القصر، نعم القصر والوادي … وحبّذا أهله من حاضر بادي
تلقى قراقيره والعيس واقفة … والضّبّ والنون والملاّح والحادي
/ هكذا أنشدهما أبو الفرج الأصبهاني في كتاب «الأغاني»، ونسبهما لابن عيينة أبو المنهال ابن محمد بن أبي عيينة بن المهلّب بن أبي صفرة (٢)، شاعر من ساكني البصرة. وقيل إنّ اسمه
стр. 2119
عذرة، وقيل اسمه أبو عيينة وكنيته أبو المنهال، وكان بعد المائتين (١).
وأنشد أبو العلاء المعرّي في «رسالة الصّاهل والشّاحج» (٢):
[البسيط]
يا صاح ألمم بأهل القصر والوادي … وحبّذا أهله من حاضر بادي
ترى قراقرة والعيس واقفة … والضّبّ والنّون والملاّح والحادي (¬a)
وقال أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي: وفي هذا الوقت من السّنة - يعني أيام النّيل - تكون أرض مصر أحسن شيء منظرا، ولا سيّما متنزّهاتها المشهورة ودياراتها المطروقة، كالجزيرة والجيزة وبركة الحبش، وما جرى مجراها من المواضع التي يطرقها أهل الخلاعة والقصف، ويتناوبها (¬a) ذوو الآداب والظّرف (¬b).
واتّفق أن خرجنا في مثل هذا الزّمان إلى بركة الحبش، وافترشنا من زهرها أحسن بساط، واستظللنا من دوحها بأوفى رواق، فظللنا نتعاطى من زجاجات الأقداح شموسا في خلع بدور، وجسوم نار في غلائل نور (¬c)؛ إلى أن جرى ذهب الأصيل على لجين الماء، ونشبت نار الشّفق بفحمة الظّلماء، فقال بعضهم - وهو أميّة المذكور - من قوله المشهور:
[المنسرح]
للّه يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضّياء والغبش
والنّيل تحت الرّياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش
ونحن في روضة مفوّفة … دبّج بالنّور عطفها ووشي
قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من نسجها على فرش
فعاطني الراح، إنّ تاركها … من سورة الهمّ غير منتعش
وأثقل (¬d) النّاس كلّهم رجل … دعاه داعي الهوى (¬e) فلم يطش
стр. 2120
فاسقني (¬a) بالكبار مترعة … فهنّ أشقى (¬b) لشدّة العطش (١)
وقال أيضا:
[البسيط]
علّل فؤادك باللّذّات والطّرب … وباكر الرّاح بالنايات والنّخب
أما ترى البركة الغنّاء لابسة … وشيا من النّور حاكته يد السّحب
وأصبحت من جديد الرّوض (¬c) في حلل … قد أبرز القطر منها كل محتجب
من سوسن شرق بالطّلّ محجره … وأقحوان شهيّ الظّلم والشنب
فانظر إلى الورد يحكي خدّ محتشم … ونرجس ظلّ يبدي لحظ مرتقب
والنّيل من ذهب يطفو على ورق … والرّاح من ورق يطفو على ذهب
وربّ يوم نقعنا فيه غلّتنا … بجاحم من فم الأبريق ملتهب
شمس من الراح حيّانا بها قمر … موف على غصن يهتزّ في كثب
أرخى ذوائبه وانهزّ منعطفا … كصعدة الرّمح في مسودّة العذب
فاطرب ودونكها فاشرب فقد بعثت … على التّصابي دواعي اللّهو والطّرب (٢)
وقال:
[]
يا نزهة الرّصد المصري قد جمعت … من كلّ شيء حلا في جانب الوادي
فذا غدير وذا روض وذا جبل … والضّبّ والنّون والملاّح والحادي
وقال إبراهيم بن الرّقيق في «تاريخه» (٣): حدّثني محمد الكهيني - وكان أديبا فاضلا قد سافر ورأى بلدان المشرق - قال: ما رأيت قطّ أجمل من أيّام النّوروز والغطاس والميلاد والمهرجان وعيد
стр. 2121
الشّعانين، وغير ذلك من أيّام اللّهو التي كانوا يسخون فيها بأموالهم رغبة في القصف والعزف. وذلك أنّه لا يبقى صغير ولا كبير إلاّ خرج إلى بركة الحبش متنزّها، فيضربون عليها المضارب الجليلة والسّرادقات والقباب والشّرّاعات، ويخرجون بالأهل والولد، ومنهم من يخرج بالقينات المسمعات المماليك والمحرّرات، فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكّهون وينعمون.
فإذا جاء اللّيل أمر الأمير تميم بن المعزّ مائتي فارس من عبيدة بالعسس عليهم في كلّ ليلة إلى أن يقضوا من اللّهو والنّزهة أربهم وينصرفوا، فيسكرون وينامون كما ينام الإنسان في بيته، ولا يضيع لأحد منهم ما قيمته حبّة واحدة. ويركب/ الأمير تميم في عشاري، ويتبعه أربعة زواريق مملوءة فاكهة وطعاما ومشروبا، فإن كانت اللّيالي مقمرة، وإلاّ كان معه من الشّموع ما يعيد اللّيل نهارا. فإذا مرّ على طائفة واستحسن من غنائهم صوتا أمرهم بإعادته، وسألهم عمّا عزّ عليهم، فيأمر لهم به، ويأمر لمن يغنّي لهم، وينتقل منهم إلى غيرهم بمثل هذا الفعل عامّة ليله، ثم ينصرف إلى قصوره وبساتينه التي على هذه البركة، فلا يزال على هذه الحال حتى تنقضي هذه الأيام ويتفرّق النّاس (١).
وقال محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرّازي الحنفي، وتوفّي بدمشق سنة إحدى وخمسين وستّ مائة، يصف بركة الحبش في أيّام الرّبيع:
[الطويل]
إذا زيّن الحسناء قرط فهذه … يزيّنها من كلّ ناحية قرط
ترقرق فيها أدمع الطّلّ غدوة … فقلت لآلئ قد تضمّنها قرط
стр. 2122
وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب»: وخرجت مرّة حيث بركة الحبش التي يقول فيها أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي - عفا اللّه عنه:
[المنسرح]
للّه يومي ببركة الحبش … والأفق بين الضّياء والغبش
والنّيل تحت الرّياح مضطرب … كصارم في يمين مرتعش (١)
وعاينت من هذه البركة أيام فيض النّيل عليها أبهج منظر، ثم زرتها أيّام غاض الماء وبقيت فيها مقطّعات بين خضر من القرط والكتّان تفتن النّاظر، وفيها أقول:
[الكامل]
يا بركة الحبش التي يومي بها … طول الزّمان مبارك وسعيد
حتى كأنّك في البسيطة جنّة … وكأنّ دهري كلّه بك عيد
يا حسن ما يبدو بك الكتّان في … نوّاره أو زرّه معقود
والماء منك سيوفه مسلولة … والقرط فيك رواقه ممدود
وكأنّ أبراجا عليك عرائس … جليت وطيرك حولها غرّيد
يا ليت شعري هل زمانك عائد … فالشّوق فيه مبدئ ومعيد (٢)
وكان ماء النّيل يدخل إلى بركة الحبش من خليج بني وائل، وكان خليج بني وائل ممّا يلي باب مصر من الجهة القبلية، الذي يعرف إلى يومنا هذا بباب القنطرة من أجل أنّ هذه القنطرة كانت هناك.
قال ابن المتوّج: ورأيت ماء النّيل في زمن النّيل يدخل من تحته إلى خليج بني وائل.
قلت: وفي أيّام النّاصر محمد بن قلاوون استولى النّشو ناظر الخاصّ على بركة الحبش، وصار يدفع إلى الأشراف من بيت المال مالا في كلّ سنة، فلمّا مات النّاصر وقام من بعده ابنه المنصور أبو بكر، أعيدت لهم.
ذكر الماذرائي (¬a) - هو أبو بكر محمّد بن عليّ بن محمد بن رستم بن أحمد، وقيل محمد بن عليّ بن أحمد بن عيسى بن رستم، وقيل محمّد بن عليّ بن أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن
стр. 2123
عيسى بن رستم الماذرائي (¬a)، أحد عظماء الدّنيا (١)، ولد بنصيبين لثلاث عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقدم إلى مصر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وخلف أباه عليّ بن أحمد الماذرائي (¬a) أيام نظره في أمور أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وسنّه يومئذ خمس عشرة سنة.
وكان معتدل الكتابة، ضعيف الحظّ من النّحو واللّغة، ومع ذلك فكان يكتب الكتب إلى الخليفة فمن دونه على البديهة من غير نسخة، فيخرج الكتاب سليما من الخلل. ولمّا قتل أبوه في سنة ثمانين ومائتين استوزره هارون بن خمارويه، فدبّر أمر مصر إلى أن قدم ابن سليمان الكاتب من بغداد إلى مصر، وأزال دولة بني طولون وحمل رجالهم إلى العراق. فكان أبو بكر ممّن حمله، فأقام ببغداد إلى أن قدم صحبة العساكر لقتال حباسة، فدبّر أمر البلد، وأمر ونهى، وحدّث بمصر عن أحمد بن عبد الجبّار العطاردي وغيره بسماعه منهم في بغداد.
وكان قليل الطّلب للعلم، تغلب عليه محبّة الملك وطلب السّيادة، ومع ذلك كان يلازم تلاوة القرآن الكريم، ويكثر من الصّلاة، ويواظب على الحجّ. وملك بمصر من الضّياع الكبار ما لم يملكه أحد قبله، وبلغ ارتفاعه في كلّ سنة أربع مائة ألف دينار سوى الخراج، ووهب وأعطى، وولّى وصرف، وأفضل ومنع، ورفع ووضع، وحجّ سبعا وعشرين حجّة أنفق في كلّ حجّة منها مائة وخمسين ألف دينار. وكان تكين أمير مصر يشيّعه إذا خرج للحجّ، ويتلقّاه إذا قدم.
وكان/ يحمل إلى الحجاز جميع ما يحتاج إليه، ويفرّق بالحرمين الذّهب والفضّة والثّياب والحلوى والطّيب والحبوب، ولا يفارق أهل الحجاز إلاّ وقد أغناهم. وقيل مرّة وهو بالمدينة النّبوّية - على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام -: ما بات في هذه الليلة أحد بمكّة والمدينة وأعمالهما إلاّ وهو شبعان من طعام أبي بكر الماذرائي (¬a).
ولمّا قدم الأمير محمد بن طغج الإخشيد إلى مصر استتر منه، فإنّه كان منعه من دخول مصر، وجمع العساكر لقتاله. فاجتمع له زيادة على ثلاثين ألف مقاتل، وحارب بهم بعد موت تكين
стр. 2124
أمير مصر، ومرّت به خطوب لكثرة فتن مصر إذ ذاك، وأحرقت دوره ودور أهله ومجاوريه، وأخذت أمواله، واستتر فقبض على خليفته وعمّاله.
فكتب إلى بغداد يسأل إمارة مصر، وكتب محمد بن تكين بالقدس يسأل ذلك، فعاد الجواب بإمارة ابن تكين، وأن يكون الماذرائي (¬a) يدبّر أمر مصر ويولّي من شاء. فظهر عند ذلك من الاستتار وأمر ونهى ودبّر أمر البلد، وصار الجيش بأسره يغدو إلى بابه، فأنفق في جماعة واصطنع قوما، وقتل عدّة من أصحاب بن تكين.
وكان محمد بن تكين بالقدس - وأمر مصر كلّه للماذرائي (¬a) بمفرده - ومعه أحمد بن كيغلغ، وقد قدم من بغداد بولاية ابن تكين على مصر وولاية أبي بكر الماذرائي (¬a) تدبير الأمور. فاستمال أبو بكر أحمد بن كيغلغ حتى صار معه على ابن تكين وحاربه، وكان من أمره ما كان إلى أن قدمت عساكر الإخشيد. فقام أبو بكر لمحاربتهم، ومنع الإخشيد من مصر، فكان الإخشيد غالبا له ودخل البلد. فاستتر منه أبو بكر إلى أن دلّ عليه، فأخذه وسلّمه إلى الفضل بن جعفر بن الفرات.
فلمّا صار إلى ابن الفرات قال له: إيش هذا الاستيحاش والتّستّر، وأنت تعلم أنّ الحجّ قد أطلّ ويحتاج لإقامة الحجّ؛ فقال له أبو بكر: إن كان إليّ فخمسة عشر ألف دينار؛ فقال ابن الفرات:
إيش خمسة عشر ألف دينار! قال: ما عندي غير هذا؛ فقال ابن الفرات: بهذا ضربت وجه السّلطان بالسّيف، ومنعت أمير البلد من الدّخول. ثم صاح: يا شادن، خذه إليك.
فأقيم وأدخل إلى بيت، وكان يومئذ صائما، فامتنع من تناول الطّعام والشّراب، ولزم تلاوة القرآن والصّلاة طول يومه وليلته وأصبح، فامتنع ابن الفرات من الأكل إجلالا له. فلمّا كان وقت الفطر من الليلة الثانية، امتنع أبو بكر من الفطر كما امتنع في الليلة الأولى، فامتنع ابن الفرات أيضا من الأكل، وقال: لا آكل أبدا، أو يأكل أبو بكر. فلمّا بلغ ذلك أبا بكر أكل.
فأخذ ابن الفرات في مصادرته، وقبض على ضياعه التي بالشّام ومصر، وتتبّع أسبابه، ثم خرج به معه إلى الشّام وعاد به إلى مصر، ثم خرج به ثانيا إلى الشّام. فمات الفضل بن الفرات بالرّملة ورجع أبو بكر إلى مصر. فردّ إليه الإخشيد أمور مصر كلّها، وخلع على ابنه، وتقلّد السّيف ولبس المنطقة، ولبس أبو بكر الدّرّاعة تنزّها.
стр. 2125
ثم تنكّر عليه الإخشيد، وقبضه في سنة إحدى وثلاثين وثلاث مائة، وجعله في دار، وأعدّ له فيها من الفرش والآلات والأواني والملبوس والطّيب والطّرائف وأنواع المآكل والمشارب ما بلغ فيه الغاية، وتفقّدها بنفسه، وطافها كلّها. فقيل له: عملت هذا كلّه لمحمد بن عليّ الماذرائي (¬a).
فقال: نعم هذا ملك، وأردت ألاّ يحتقر بشيء لنا، ولا يحتاج أن يطلب حاجة إلاّ وجدها، فإنّه إن فقد عندنا شيئا ممّا يريده استدعي به من داره، فنسقط نحن من عينيه عند ذلك، فلم يزل معتقلا حتى خرج الإخشيد إلى لقاء أمير المؤمنين المتّقي للّه، فحمله معه.
ولمّا مات الإخشيد بدمشق كان أبو بكر بمصر، فقام بأمر أونوجور بن الإخشيد، وقبض على محمد بن مقاتل وزير الإخشيد، وأمر ونهى، وصرّف الأمور إلى أن كانت واقعة غلبون واتّصال أبي بكر به. فلمّا عادت الإخشيدية، قبض على أبي بكر. ونهبت دوره وأحرق بعضها، وأخذ ابنه، وقام أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات بأمر الوزارة.
فعندما قدم كافور الإخشيدي من الشّام بالعساكر التي كانت مع الإخشيد، أطلق أبا بكر وأكرمه، وردّ إليه ضياعه وضياع ابنه. فلمّا ماتت أمّ ولده، لحقه كافور ومعه الأمير أونوجور عند المقابر، وترجّلا له وعزّياه، ثم ركبا معه حتى صلّيا عليها. فلمّا مرض مرض موته، عاده كافور مرارا إلى أن مات (¬b) من (¬c) شهر شوّال سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، فدفن بداره، ثم نقل إلى المقابر.
وكانت فضائله جمّة: منها أنّه أقام أربعين سنة يصوم الدّهر كلّه، ويركب كلّ يوم إلى المقابر بكرة وعشيّة، فيقف له الموكب حتى يمضي إلى تربة أولاده وأهله، فيقرأ عندهم ويدعو لهم، وينصرف إلى المساجد في الصّحراء فيصلّى بها والنّاس وقوف له إلاّ أنّه كان في غاية العجلة، لا يراجع فيما يريده ولو كان ما كان.
ولمّا أراد المقتدر أن يقيم وزيرا كتبت رقعة فيها أسماء جماعة، وأنفذت إلى عليّ بن عيسى ليشير بواحد منهم - وكان أبو بكر ممّن كتب معهم اسمه - فكتب تحت اسم كلّ واحد منهم ما يستحقّه من الوصف، وكتب تحت اسم أبي بكر محمد بن عليّ الماذرائي «مترف عجول».
وبنى أبو بكر السّقايات والمساجد في المعافر وفي يحصب وبني وائل، وليس لشيء منها اليوم/ أثر يعرف. ومرّت له في هذا الكتاب أخبار، وقد أفرد له ابن زولاق «سيرة» كبيرة وهذا منها.
стр. 2126
ذكر بساتين الوزير -
هذه البساتين في الجهة القبليّة من بركة الحبش، وهي قرية فيها عدّة مساكن وبساتين كثيرة، وبها جامع تقام فيه الجمعة، وعرفت بالوزير أبي الفرج محمد بن جعفر ابن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمد المغربي (١). وبنو المغربي أصلهم من البصرة، وصاروا إلى بغداد (٢). وكان أبو الحسن عليّ بن محمد، تخلّف على ديوان المغرب ببغداد، فنسب به إلى المغرب، وولد ابنه الحسين بن عليّ ببغداد، فتقلّد أعمالا كثيرة، منها تدبير محمد بن ياقوت عند استيلائه على أمر الدّولة ببغداد.
وكان خال ولده عليّ - وهو أبو عليّ هارون بن عبد العزيز الأوارجي الذي مدحه أبو الطّيّب المتنبيّ - من أصحاب أبي بكر محمد بن رائق. فلمّا لحق ابن رائق ما لحقه بالموصل، صار الحسين ابن عليّ بن المغربي إلى الشّام، ولقي الإخشيد وأقام عنده، وصار ابنه أبو الحسن عليّ بن الحسين ببغداد، فأنفذ الإخشيد غلامه فاتك المجنون، فحمله ومن يليه إلى مصر.
ثم خرج ابن المغربي من مصر إلى حلب، ولحق به سائر أهله، ونزلوا عند سيف الدّولة أبي الحسن عليّ بن عبد اللّه بن حمدان مدّة حياته، وتخصّص به الحسين بن عليّ بن محمد المغربي، ومدحه أبو نصر بن نباتة، وتخصّص أيضا عليّ بن الحسين بسعد الدّولة بن حمدان، ومدحه أبو العبّاس النامي.
ثم شجر بينه وبين ابن حمدان ففارقه، وصار إلى بكجور بالرّقّة، فحسّن له مكاتبة العزيز باللّه نزار والتّحيّز إليه. فلمّا وردت على العزيز مكاتبة بكجور قبله واستدعاه، وخرج من الرّقّة يريد دمشق، فوافاه عبد العزيز بولاية دمشق وخلفه، فتسلّمها وخرج لمحاربة ابن حمدان بحلب بمشورة عليّ بن المغربي، فلم يتم له أمر، وتأخّر عنه من كاتبه، فقال لابن المغربي: غرّرتني فيما أشرت به عليّ، وتنكّر له. ففرّ منه إلى الرّقّة.
وكانت بين بكجور وبين ابن حمدان خطوب آلت إلى قتل ابن بكجور ومسير ابن حمدان إلى الرّقّة. ففرّ ابن المغربي منها إلى الكوفة، وكاتب العزيز باللّه يستأذنه في القدوم، فأذن له.
стр. 2127
وقدم إلى مصر في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وخدم بها وتقدّم في الخدم، فحرّض العزيز على أخذ حلب. فقلّد بنجوتكين بلاد الشّام، وضمّ إليه أبا الحسن بن المغربي ليقوم بكتابته ونظر الشّام وتدبير الرّجال والأموال. فسار إلى دمشق في سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة، وخرج إلى حلب، وحارب أبا الفضائل بن حمدان وغلامه لؤلؤ، فكاتب لؤلؤ أبا الحسن بن المغربي، واستماله حتى صرف بنجوتكين عن محاربة حلب، وعاد إلى دمشق.
وبلغ ذلك العزيز باللّه، فاشتدّ حنقه على ابن المغربي، وصرفه بصالح بن عليّ الرّوذباري، واستقدم ابن المغربي إلى مصر. ولم يزل بها حتى مات العزيز باللّه، وقام من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور، فكان هو وولده أبو القاسم حسين من جلسائه. فلمّا شرع الحاكم بأمر اللّه في قتل رجال الدّولة من القوّاد والكتّاب والقضاة، قبض على عليّ ومحمد ابني المغربي وقتلهما، ففرّ منه أبو القاسم حسين بن عليّ بن المغربي إلى حسّان بن مفرّج بن الجرّاح، فأجاره.
وقلّد الحاكم يارختكين (¬a) الشّام. فخافه ابن جرّاح لكثرة عساكره، فحسّن له ابن المغربي مهاجمته، فطرق يارختكين (¬a) في مسيره على غفلة وأسره، وعاد إلى الرّملة فشنّ الغارات على رساتيقها، وخرج العسكر الذي بالرّملة فقاتل العرب قتالا شديدا كادت العرب أن تنهزم لولا ثبّتها ابن المغربي، وأشار عليهم بإشهار النّداء بإباحة النّهب والغنيمة فثبتوا، ونادوا في النّاس، فاجتمع لهم خلق كثير، وزحفوا إلى الرّملة فملكوها، وبالغوا في النّهب والهتك والقتل.
فانزعج الحاكم لذلك انزعاجا عظيما، وكتب إلى مفرّج بن جرّاح يحذّره سوء العاقبة، ويلزمه بإطلاق يارختكين (¬a) من يد حسّان ابنه ورساله إلى القاهرة، ووعده على ذلك بخمسين ألف دينار. فبادر ابن المغربي لمّا بلغه ذلك إلى حسّان، ومازال يغريه بقتل يارختكين (¬a) حتى أحضره وضرب عنقه. فشقّ ذلك على مفرّج، وعلم أنّه فسد ما بينه وبين الحاكم.
فأخذ ابن المغربي يحسّن لمفرّج خلع طاعة الحاكم والدّعاء لغيره إلى أن استجاب له. فراسل أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكّة يدعوه إلى الخلافة، وسهّل له الأمر، وسيّر إليه بابن المغربي يحثّه على المسير، وجرّأه على أخذ مال تركه بعض المياسير، ونزع المحاريب الذّهب والفضّة المنصوبة على الكعبة وضربها دنانير ودراهم وسمّاها الكعبيّة.
стр. 2128
وخرج ابن المغربي من مكّة فدعا العرب من سليم وهلال وعوف بن عامر، ثم سار به وبمن اجتمع عليه من العرب حتى نزل الرّملة. فتلقّاه بنو الجرّاح، وقبّلوا له الأرض، وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، ونادى في النّاس بالأمان، وصلّى بالنّاس الجمعة.
فامتعض الحاكم لذلك، وأخذ في استمالة حسّان ومفرّج وغيرهما، وبذل لهم الأموال، فتنكّروا على أبي الفتوح، وقلّد أيضا مكّة بعض بني عمّ أبي الفتوح. فضعف أمره، وأحسّ من حسّان بالغدر، فرجع إلى مكّة وكاتب الحاكم واعتذر إليه، فقبل عذره.
/ وأمّا ابن المغربي فإنّه لمّا انحلّ أمر أبي الفتوح، ورأى ميل بني الجرّاح إلى الحاكم كتب إليه:
[الطويل]
وأنت، وحسبي أنت تعلم أنّ لي … لسانا أمام المجد يبني ويهدم
وليس حليما من تباس يمينه … فيرضى، ولكن من تعضّ فيحلم
فسيّر إليه أمانا بخطّه، وتوجّه ابن المغربي قبل وصول أمان الحاكم إليه إلى بغداد، وبلغ القادر باللّه خبره، فاتّهمه بأنّه قدم في فساد الدّولة العبّاسية، فخرج إلى واسط واستعطف القادر، فعطف عليه وعاد إلى بغداد، ثم مضى إلى قرواش بن المقلد أمير العرب، وسار معه إلى الموصل فأقام بها مدّة.
وخافه وزير قرواش فأخرجه إلى ديار بكر، فأقام عند أميرها نصير الدّولة أبي نصر أحمد بن مروان الكردي، وتصرّف له، وكان يلبس في هذه المدّة المرقّعة والصّوف. فلمّا تصرّف غيّر لباسه وانكشف حاله، فصار كمن قيل فيه، وقد ابتاع غلاما تركيّا كان يهواه قبل أن يبتاعه:
[الوافر]
تبدّل من مرقّعة ونسك … بأنواع الممسك والشّفوف
وعنّ له غزال ليس يحوي … هواه ولا رضاه بلبس صوف
فعاد أشدّ ما كان انتهاكا … كذاك الدّهر مختلف الصّروف
وأقام هناك مدّة طويلة في أعلى حال وأجلّ رتبة وأعظم منزلة، ثم كوتب بالمسير إلى الموصل ليستوزره صاحبها. فسار عن ميافارقين وديار بكر إلى الموصل، فتقلّد وزارتها، وتردّد إلى بغداد في الوساطة بين صاحب الموصل وبين السّلطان أبي عليّ بن سلطان الدّولة أبي شجاع بن بهاء الدّولة أبي نصر بن عضد الدّولة أبي شجاع بن ركن الدّولة أبي عليّ بن بويه، واجتمع برؤساء
стр. 2129
الدّيلم والأتراك، وتحدّث في وزارة الحضرة حتى تقلّدها، بغير خلع ولا لقب ولا مفارقة الدّرّاعة، في شهر رمضان سنة خمس عشرة وأربع مائة، فأقام شهورا، وأغرى رجال الدّولة بعضهم ببعض.
وكانت أمور طويلة آلت إلى خروجه من الحضرة إلى قرواش، فتجدّد للقادر باللّه فيه سوء ظنّ بسبب ما أثاره من الفتنة العظيمة بالكوفة، حتى ذهبت فيها عدّة نفوس وأموال. ففرّ إلى أبي نصر بن مروان، فأكرمه وأقطعه ضياعا وأقام عنده، فكوتب من بغداد بالعود إليها، فبرز عن ميافارقين يريد المسير إلى بغداد فسمّ هناك، وعاد إلى المدينة فمات بها لأيّام خلت من شهر رمضان سنة ثمان عشرة وأربع مائة. ومولده بمصر ليلة الثالث عشر من ذي الحجّة سنة سبعين وثلاث مائة.
وكان أسمر شديد السّمرة، بساطا عالما بليغا مترسّلا، متفنّنا في كثير من العلوم الدّينية والأدبية والنّحوية، مشارا إليه في قوّة الذّكاء والفطنة وسرعة الخاطر والبديهية، عظيم القدر، صاحب سياسة وتدبير وحيل كثيرة وأمور عظام. دوّخ الممالك، وقلّب الدّول، وسمع الحديث، وروى وصنّف عدّة تصانيف. وكان ملولا حقودا، لا تلين كبده، ولا تنحلّ عقده، ولا يحنى عوده، ولا ترجى وعوده. وله رأي يزيّن له العقوق، ويبغض إليه رعاية الحقوق، كأنّه من كبره قد ركب الفلك، واستولى على ذات الحبك.
وكان بمصر من بني المغربي أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين المغربي، قد قتل الحاكم جدّه محمدا مع أبيه عليّ بن الحسين كما تقدّم (١). فلمّا نشأ أبو جعفر صار إلى العراق وخدم هناك، وتنقّلت به الأحوال، ثم عاد إلى مصر، واصطنعه الوزير اليازوري (¬a)، وولاّه ديوان الجيش، وكانت السّيّدة أم المستنصر تعنى به. فلمّا مات الوزير اليازوري (¬a)، وولي بعده الوزير أبو الفرج عبد اللّه بن محمد البابلي، قبض عليه في جملة أصحاب اليازوري (¬a) واعتقله.
فتقرّرت له الوزارة وهو في الاعتقال، وخلع عليه في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمسين وأربع مائة، ولقّب ب «الوزير الأجلّ الكامل الأوحد صفيّ أمير المؤمنين وخالصته»، فما تعرّض لأحد، ولا فعل في البابليّ ما فعله البابليّ فيه وفي أصحاب اليازوري، فأقام سنتين
стр. 2130
وشهورا، وصرف في تاسع شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين وأربع مائة (١).
وكان الوزراء إذا صرفوا لم يتصرّفوا، فاقترح أبو الفرج بن المغربي لمّا صرف أن يتولّى بعض الدّواوين، فولّي ديوان الإنشاء - الذي يعرف اليوم بوظيفة كتابة السّرّ - وهو الذي استنبط هذه الوظيفة بديار مصر، واستحدث استخدام الوزراء بعد صرفهم عن الوزارة. ولم يزل نابه القدر إلى أن توفي سنة ثمان وسبعين وأربع مائة (٢).
بركة الشّعيبيّة
هذه البركة موضعها خلف جسر الأفرم، فيما بينه وبين الجرف الذي يعرف اليوم بالرّصد (٣)، وكانت تجاور بركة الحبش من بحريها، وقد انقطع عنها الماء، وصارت بساتين ومزارع وغير ذلك.
قال ابن المتوّج: بركة الشّعيبيّة بظاهر مصر، كان يدخل إليها ماء النّيل، وكان لها خليجان:
أحدهما من قبليها وهو الآن بجوار منظرة الصّاحب تاج الدّين بن حنّا المعروفة بمنظرة المعشوق (٤).
والثّاني من بحريها،/ ويقال له خليج بني وائل، عليه قنطرة بها عرف باب القنطرة بمصر. وكان يجري فيهما الماء من النّيل إليها، فكان الماء يدخل إليها في كلّ سنة ويعمّها، ويدخل إليها الشّخاتير (٥).
وكان بدائرها من جانبها الشّرقي آدر كثيرة، وكانت نزهة المصريين. فلمّا استأجرها الأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم من النّاظر عليها من جهة الحكم العزيزي، حازها بالجسور عن الماء، وغرس فيها الأنشاب (¬a) والكروم، وحفر الآبار.
стр. 2131
وهذه البركة مساحتها أربعة وخمسون فدّانا (¬a) بالقصبة الحاكمية (¬a) (١)، ولها حدود أربعة: الحدّ القبلي ينتهي بعضه إلى بعض أرض المعشوق الجاري في وقف ابن الصّابوني، وإلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش، وفي هذا الجسر الآن قنطرة يدخل إليها الماء من خليج بركة الأشراف.
والحدّ البحري كان ينتهي بعضه إلى منظرة قاضي القضاة بدر الدّين السّنجاري وإلى جسره.
والحدّ الشّرقي ينتهي إلى الآدرّ التي كانت مطلّة عليها وقد خرب أكثرها، وكانت مسكن أعيان المصريين من القضاة والكتّاب. والحدّ الغربي ينتهي إلى جرف النّيل.
ولمّا استأجرها الأفرم شرط له خمسة أفدنة يعمّر عليها، ويؤجّرها لمن يعمّر عليها: منها فدّان واحد من بحريها، وفدّانان من غربيها ملاصقان لجدار البساتين، وفدّانان بالجرف الذي من حقوقها. فلمّا مات الأفرم طمع الأمير علم الدّين الشّجاعي في ورثته وفي الوقف وأربابه، فغصب أرض الجرف وجملتها فدّانان ثم تركها. فلمّا كان في أثناء دولة النّاصر محمد بن قلاوون ووزارة الأعسر، بيعت أرضها لأرباب الأبنية التي عليها. وهذه البركة وقفها الخطير بن ممّاتي، ودخل معهم بنو الشّعيبية لاختلاط أنسابهم بالتّناسل (٢).
وقال في موضع آخر: ومن جملة الأوقاف بركة الخطير بن ممّاتي المشهورة ببركة الشّعيبيّة، ومساحة أرضها أربعة وخمسون فدّانا وربع، ولها حدود أربعة: القبلي من البركة الصّغرى منها إلى الجسر الفاصل بينها وبين بركة الحبش، وفيه قنطرة يمرّ منها الماء إلى هذه البركة، وباقي هذا الحدّ إلى بعض أبنية مناظر المعشوق. ومن جملة حقوق هذا الوقف المجاز المستطيل المسلوك فيه إلى المنظرة المذكورة، ومنه دهليزها والإيوان البحري. وهذا جميعه رأيته ترعة من تراع هذه البركة المذكورة يمرّ الماء فيها في زمن النّيل إليها. وكان باقي هذه المنظرة دارا مطّلة على بحر النّيل من شرقيها، وعلى هذه التّرعة من بحريها، ثم ملكها الصّاحب تاج الدّين بن حنّا وهدمها وردم الخليج، وعمّر المنظرة والحمّام والبيوت الموجودة الآن، وباقي ذلك كلّه في أرض ابن الصّابوني.
стр. 2132
وحدّ هذه البركة من الجهة البحرية إلى الطّريق الآن، وكان فيه جسر - يعرف بجسر الحيّات - كان يفصل بين هذه البركة وبين بركة شطا، وكان فيه قنطرة يجري الماء فيها من هذه البركة إلى بركة شطا، وكان في هذا الحدّ ترعة أخرى يجري الماء فيها في زمن النّيل من البحر إلى هذه البركة، ورأيته يجري فيها، ورأيت الشّخاتير تدخل فيها إلى هذه البركة.
وأمّا حدّها الشّرقي فإنّه كان إلى أبنية الآدرّ المطلّة على هذه البركة. وأمّا حدّها الغربي فإنّه كان إلى بحر النّيل (١).
ولم تزل كذلك إلى أن استأجرها الأمير عزّ الدّين أيبك الأفرم، فردم هذه التّرعة، وبنى حيطان هذا البستان، وجسر عليه، وزرع فيه الشّتول والخضروات. وأقام على ذلك عدّة سنين، ثم استأجره إجارة ثانية، واشترط البناء على ثلاثة أفدنة في جانبه الغربي وفدّان في جانبه البحري (٢). فعمّر النّاس واستغنى عن الجسور، ورخّص على النّاس حتى رغبوا في العمارة، وآجر كلّ مائة ذراع من ذلك بعشرة دراهم نقرة، وعمّر البئر المشهورة ببئر السّواقي فعمّرت أحسن عمارة.
فلمّا توفّي الأفرم طمع الشّجاعيّ في أرباب الوقف وفي ورثته، ونزع منهم الفدادين المطّلة على بحر النّيل، وابتاع ذلك من وكيل بيت المال، وأعانه عليه قوم آخرون يجتمعون عند اللّه تعالى.
ذكر المعشوق -
اعلم أنّ المعشوق اسم لمكان فيه أشجار بظاهر مصر، من جملة خطّة راشدة، عرف أوّلا بجنان كهمس بن معمر، ثم عرف بجنان الماذرائي (¬a)، ثم عرف بجنان الأمير تميم بن المعزّ لدين اللّه، ثم جدّده الأفضل بن أمير الجيوش فعرف به. وآخر ما (¬b) صار من وقف ابن الصّابوني، فأخذه الصّاحب تاج الدّين محمد بن حنّا وعمّر به مناظر، وأوصى بعمارة رباط للآثار النّبويّة وأن توقف عليه. فلمّا أنشئ الرّباط المذكور، أرصد لمصالحه، وهو الآن وقف عليه.
стр. 2133
وأرض هذا البستان ممّا وقفه ابن الصّابوني على بنيه، وعلى رباطه المجاور لقبّة الإمام الشّافعيّ - رضي اللّه تعالى عنه - بالقرافة. وبنو الصّابوني يستأدون من المتحدّث على رباط الآثار شيئا في كلّ سنة عن حكر أرض بستان المعشوق.
قال القضاعي في ذكر خطّة راشدة: ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة، والجنان المعروف كان (¬a) بكهمس بن معمر، ثم عرف (¬b) بالماذرائي (¬c)، وهو المعروف الآن بالأمير تميم ابن المعزّ (١).
/ وقال ابن يونس: كهمس بن معمر بن محمد بن معمر بن حبيب، يكنى أبا القاسم، كان أبوه بصريّا وولد هو بمصر، وكان عاقلا، وكانت القضاة تقبله. حدّث عن محمد بن رمح وعيسى بن حمّاد زغبة، وسلمة بن شبيب ونحوهم. توفّي في يوم الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة وثلاث مائة (٢).
وقال ابن خلّكان: تميم بن المعزّ بن المنصور بن القائم بن المهدي، كان أبوه صاحب الدّيار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزّيّة. وكان تميم فاضلا شاعرا ماهرا لطيفا ظريفا، ولم يل المملكة لأنّ ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه، وأشعاره كلّها حسنة، وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلاث مائة (٣). وقد ذكر كلاّ من الماذرائي (¬c) وابن حنّا والأفضل.
стр. 2134
وأمّا ابن ممّاتي فإنّه أسعد بن مهذّب بن زكريّا بن قدامة بن مينا، شرف الدّين ممّاتي أبي المكارم بن سعيد بن أبي المليح الكاتب المصري (١). أصله من نصارى سيوط من صعيد مصر، واتّصل جدّه أبو المليح بأمير الجيوش بدر الجمالي، وزير مصر في أيّام الخليفة المستنصر باللّه، وكتب في ديوان مصر، وولي استيفاء الدّيوان. وكان جوادا ممدوحا، انقطع إليه أبو الطّاهر إسماعيل بن محمد، المعروف بابن مكنسة الشّاعر (٢)، فمن قوله فيه لمّا مات (٣):
[مجزوء الكامل]
طويت سماء المكرما … ت وكوّرت شمس المديح
وتناثرت شهب العلا … من بعد موت أبي المليح
ما كان بالنّكس الدّني … ء من الرّجال ولا الشّحيح
كفر النّصارى بعد ما … غدروا به دون المسيح
ورثاه جماعة من الشّعراء. ولمّا مات ولي ابنه المهذّب بن أبي المليح زكريّا ديوان الجيش بمصر في آخر الدّولة الفاطمية. فلمّا قدم الأمير أسد الدّين شير كوه وتقلّد وزارة الخليفة العاضد، شدّد على النّصارى وأمرهم بشدّ الزّنانير على أوساطهم، ومنعهم من إرخاء الذّؤابة التي تسمّى اليوم بالعذبة، فكتب لأسد الدّين:
[السريع]
يا أسد الدّين ومن عدله … يحفظ فينا سنّة المصطفى
كفى غيارا شدّ أوساطنا … فما الذي أوجب كشف القفا
فلم يسعفه بطلبته، ولا مكّنه من إرخاء الذّؤابة.
стр. 2135
وعندما أيس من ذلك أسلم، فقدّم على الدّواوين حتّى مات. فخلفه ابنه أبو المكارم أسعد ابن مهذّب، الملقّب بالخطير، على ديوان الجيش، واستمرّ في ذلك مدّة أيام السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب وأيّام ابنه الملك العزيز عثمان، وولي نظر الدّواوين أيضا، واختصّ بالقاضي الفاضل وحظي عنده، وكان يسمّيه بلبل المجلس لما يرى من حسن خطابه.
وصنّف عدّة مصنّفات: منها «تلقين اليقين» فيه الكلام على حديث «بني الإسلام على خمس … »، وكتاب «حجّة الحقّ على الخلق» في التّحذير من سوء عاقبة الظّلم، وهو كبير، وكان السّلطان صلاح الدّين يكثر النّظر فيه، وقال فيه القاضي الفاضل: وقفت من الكتب على ما لا تحصى عدّته، فما رأيت واللّه كتابا يكون قبالة باب منه، وإنّه واللّه من أهمّ ما طالعه الملوك.
وكتاب «قوانين الدّواوين» صنّفه للملك العزيز، فيما يتعلّق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها، وما يجري فيها، وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذي يقع في أيدي النّاس جزء واحد اختصره منه غير المصنّف. فإنّ ابن ممّاتي ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر، ومساحة كلّ ضيعة، وقانون ريّها، ومتحصّلها من عين وغلّة. ونظم سيرة السّلطان صلاح الدّين يوسف، ونظم «كليلة ودمنة»، وله ديوان شعر (١).
ولم يزل بمصر حتى ملك السّلطان الملك العادل أبو بكر بن أيّوب، ووزر له صفيّ الدّين عليّ ابن عبد اللّه بن شكر، فخافه الأسعد لما كان يصدر منه في حقّه من الإهانة. وشرع الوزير ابن شكر في العمل عليه، ورتّب له مؤامرات ونكبه، وأحال عليه الأجناد. ففرّ من القاهرة وسقط في حلب، فخدم بها حتى مات في يوم الأحد سلخ جمادى الأولى سنة ستّ وستّ مائة عن اثنتين وستين سنة.
وكان سبب تلقيب أبي مليح بممّاتي أنّه كان عنده، في غلاء مصر في أيّام المستنصر، قمح كثير، وكان يتصدّق على صغار المسلمين وهو إذ ذاك نصراني، وكان الصّغار إذا رأوه/ قالوا:
ممّاتي، فلقّب بها.
стр. 2136
ومن شعره:
[الوافر]
تعاتبني وتنهى عن أمور … سبيل النّاس أن ينهوك عنها
أتعذر (¬a) أن تكون كمثل عيني … وحقّك ما عليّ أضرّ منها
وقال في أترجّة كانت بين يدي القاضي الفاضل، وهو معنى بديع:
[السريع]
للّه بل للحسن أترجّة … تذكّر النّاس بأمر النّعيم
كأنّها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرّحيم
بركة شطا (¬b) هذه البركة موضعها الآن كيمان على يسرة من يخرج من باب القنطرة بمدينة مصر طالبا جسر الأفرم ورباط الآثار (١). كان الماء يعبر إليها من خليج بني وائل، وموضعه على يمنة من يخرج من باب القنطرة المذكور، وكان عليه قنطرة بناها العزيز باللّه بن المعزّ، وبها سمّي باب القنطرة هذا (¬b).
قال ابن المتوّج: بركة شطا بظاهر مصر على يسرة من مرّ من باب القنطرة، وكان الماء يدخل إليها من خليج بني وائل من برابخ بالسّور المستجدّ، ومن بركة الشّعيبيّة من قنطرة في وسط الجسر المعروف بجسر الحيّات، الذي كان يفصل بين البركتين المذكورتين، وكان بوسطها مسجد يعرف بمسجد الجلالة بقناطر بوسطها كان يسلك عليها إليه، وكان يطلّ على بركة شطا آدر خربت بانقطاع الماء عنها، وكان إلى جانبها بستان فيه منظرة وورّاقة (¬c) وطاحون وحمّام، وبظاهر بابه حوض سبيل وقف ذلك المخلّص الموقّع، وقد خرب (¬d) (٢).
стр. 2137
بركة قاروق
هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة، خلف جامع ابن طولون، وبين الجسر الأعظم (١) الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل. وعليها الآن عدّة آدرّ وتعرف ببركة قراجا، وكان عليها عدّة عمائر جليلة في قديم الزّمان عندما عمّر العسكر والقطائع (٢). فلمّا خربت العسكر والقطائع - كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب - خرب ما كان من الدّور على هذه البركة أيضا حتى إنّه كان من خرج من مصلّى مصر القديم - وموضعه الآن الكوم الذي يطلّ على قبر القاضي بكّار بالقرافة الكبرى - يرى بركتي الفيل وقارون والنّيل.
ولم يزل ما حول هذه البركة خرابا إلى أن حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون البركة النّاصريّة في أراضي الزّهري (٣)، وكانت واقعة الكنائس في سنة إحدى وعشرين وسبع مائة (٤)، فصار جانب هذه البركة الذي يلي خطّ السّبع سقايات مقطع طريق فيه مركز مقيم فيه، من جهة متولّى مصر، من يحرس المارّة من القاهرة إلى مصر.
ولم يكن هناك شيء من الدّور، وإنّما كان هناك بستان بجوار حوض الدّمياطي، الموجود الآن تجاه كوم الأسارى، على يمنة من خرج وسلك من السّبع سقايات إلى قنطرة السّدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة. فحكر آقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدّور الموجودة الآن، كما ذكر عند حكر آقبغا في ذكر الأحكار (٥).
قال القضاعي: دار الفيل هي الدّار التي على بركة قارون، ذكر بنو مسكين أنّها من حبس جدّهم (٦). وكان كافور أمير مصر اشتراها وبنى فيها دارا، ذكر أنّه أنفق عليها مائة
стр. 2138
ألف دينار، ثم سكنها في رجب سنة ستّ وأربعين وثلاث مائة.
وذكر اليمني أنّه انتقل إليها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأنّه كان أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها ولم يقم فيها غير أيّام قلائل، ثم أرسل إلى أبي جعفر مسلم الحسيني ليلا فقال له: امض بي إلى دارك. فمضى به فمرّ على دار، فقال: لمن هذه؟ فقال:
لغلامك نحرير التربية. فدخلها وأقام فيها شهورا إلى أن عمّروا له دار خمارويه المعروفة بدار الحرم وسكنها. وقيل إنّ سبب انتقاله من جنان بني مسكين بخار البركة، وقيل وباء وقع في غلمانه، وقيل ظهر له بها جان (١).
وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة.
قال أبو عمر الكندي في «كتاب الموالي»: ومنهم أبو غنيم، مولى مسلمة بن مخلد الأنصاري. كان شريفا في الموالي، وولاّه عبد العزيز بن مروان الجزيرة ثم عزله عنها. وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل، فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدّنيا. قالوا: منارة الإسكندرية؛ (¬a)) قال: ما صنعتم شيئا، فيقولون: الأهرام، فيقول (¬a):
ما أصبتم شيئا. فيقولون له: فقناة قرطاجنّة؛ فيقول: ما صنعتم شيئا. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: العجب أنّي أنظر إلى الجزيرة ولا أقدر أدخلها.
وعلى هذه البركة الآن عدّة آدرّ جليلة، وجامع وحمّام وغير ذلك.
بركة الفيل
هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة، وهي كبيرة جدّا، ولم يكن في القديم عليها بنيان. ولمّا وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة، ثم حدثت حارة السّودان وغيرها خارج باب زويلة. وكان ما بين حارة السّودان وحارة اليانسيّة وبين بركة الفيل فضاء، ثم عمّر النّاس حول بركة الفيل بعد الستّ مائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلّها (٢).
стр. 2139
قال ابن سعيد وقد ذكر القاهرة: وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل، لأنّها/ دائرة كالبدر والمناظر فوقها كالنّجوم، وعادة السّلطان أن يركب فيها باللّيل، وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظر عجيب، وفيها أقول:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنّما هي والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر
ونظرت إليها، وقد قابلتها الشّمس بالغدوّ، فقلت:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها
وخلّ طرفك محفوفا ببهجتها … تهيم وجدا وحبّا في بدائعها (١)
وماء النّيل يدخل إلى بركة الفيل من الموضع الذي يعرف اليوم بالجسر الأعظم تجاه الكبش.
وبلغني أنّه كان هناك قنطرة كبيرة فهدمت وعمل مكانها هذه المجاديل الحجر التي يمرّ عليها النّاس.
стр. 2140
ويعبر ماء النّيل إلى هذه البركة أيضا من الخليج الكبير من تحت قنطرة تعرف قديما وحديثا بالمجنونة (١)، وهي الآن لا تشبه القناطر، وكأنّها سرب يعبر منه الماء، وفوقه بقيّة عقد من ناحية الخليج، كان قد عقده الأمير الطّبرس (¬a) وبنى فوقه متنزّها، فقال فيه علم الدّين ابن الصّاحب:
[الكامل]
ولقد عجبت من الطّبرس وصحبه … وعقولهم بعقوده مفتونة
عقدوا عقودا لا تصحّ لأنّهم … عقدوا لمجنون على مجنونة
وكان الطّبرس (¬a) هذا يعتريه الجنون، واتّفق أنّ هذا العقد لم يصحّ وهدم، وآثاره باقية إلى اليوم.
بركة الشّقاف
هذه البركة في برّ الخليج الغربي بجوار اللّوق، وعليها الجامع المعروف بجامع الطّبّاخ في خطّ باب اللّوق (٢). وكانت هذه البركة من جملة أراضي الزّهري - كما ذكر في حكر الزّهري عند ذكر الأحكار (٣) - وكان عليها في القديم عدّة مناظر منها منظرة الأمير جمال الدّين موسى ابن يغمور، وذلك أيّام كانت أراضي اللّوق مواضع نزهة، قبل أن تحكر (¬b) وتبنى دورا، وذلك بعد سنة ستّ مائة.