ومن شعره:
[الوافر]
تعاتبني وتنهى عن أمور … سبيل النّاس أن ينهوك عنها
أتعذر (¬a) أن تكون كمثل عيني … وحقّك ما عليّ أضرّ منها
وقال في أترجّة كانت بين يدي القاضي الفاضل، وهو معنى بديع:
[السريع]
للّه بل للحسن أترجّة … تذكّر النّاس بأمر النّعيم
كأنّها قد جمعت نفسها … من هيبة الفاضل عبد الرّحيم
بركة شطا (¬b) هذه البركة موضعها الآن كيمان على يسرة من يخرج من باب القنطرة بمدينة مصر طالبا جسر الأفرم ورباط الآثار (١). كان الماء يعبر إليها من خليج بني وائل، وموضعه على يمنة من يخرج من باب القنطرة المذكور، وكان عليه قنطرة بناها العزيز باللّه بن المعزّ، وبها سمّي باب القنطرة هذا (¬b).
قال ابن المتوّج: بركة شطا بظاهر مصر على يسرة من مرّ من باب القنطرة، وكان الماء يدخل إليها من خليج بني وائل من برابخ بالسّور المستجدّ، ومن بركة الشّعيبيّة من قنطرة في وسط الجسر المعروف بجسر الحيّات، الذي كان يفصل بين البركتين المذكورتين، وكان بوسطها مسجد يعرف بمسجد الجلالة بقناطر بوسطها كان يسلك عليها إليه، وكان يطلّ على بركة شطا آدر خربت بانقطاع الماء عنها، وكان إلى جانبها بستان فيه منظرة وورّاقة (¬c) وطاحون وحمّام، وبظاهر بابه حوض سبيل وقف ذلك المخلّص الموقّع، وقد خرب (¬d) (٢).
стр. 2137
بركة قاروق
هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة، خلف جامع ابن طولون، وبين الجسر الأعظم (١) الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل. وعليها الآن عدّة آدرّ وتعرف ببركة قراجا، وكان عليها عدّة عمائر جليلة في قديم الزّمان عندما عمّر العسكر والقطائع (٢). فلمّا خربت العسكر والقطائع - كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب - خرب ما كان من الدّور على هذه البركة أيضا حتى إنّه كان من خرج من مصلّى مصر القديم - وموضعه الآن الكوم الذي يطلّ على قبر القاضي بكّار بالقرافة الكبرى - يرى بركتي الفيل وقارون والنّيل.
ولم يزل ما حول هذه البركة خرابا إلى أن حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون البركة النّاصريّة في أراضي الزّهري (٣)، وكانت واقعة الكنائس في سنة إحدى وعشرين وسبع مائة (٤)، فصار جانب هذه البركة الذي يلي خطّ السّبع سقايات مقطع طريق فيه مركز مقيم فيه، من جهة متولّى مصر، من يحرس المارّة من القاهرة إلى مصر.
ولم يكن هناك شيء من الدّور، وإنّما كان هناك بستان بجوار حوض الدّمياطي، الموجود الآن تجاه كوم الأسارى، على يمنة من خرج وسلك من السّبع سقايات إلى قنطرة السّدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة. فحكر آقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدّور الموجودة الآن، كما ذكر عند حكر آقبغا في ذكر الأحكار (٥).
قال القضاعي: دار الفيل هي الدّار التي على بركة قارون، ذكر بنو مسكين أنّها من حبس جدّهم (٦). وكان كافور أمير مصر اشتراها وبنى فيها دارا، ذكر أنّه أنفق عليها مائة
стр. 2138
ألف دينار، ثم سكنها في رجب سنة ستّ وأربعين وثلاث مائة.
وذكر اليمني أنّه انتقل إليها في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأنّه كان أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها ولم يقم فيها غير أيّام قلائل، ثم أرسل إلى أبي جعفر مسلم الحسيني ليلا فقال له: امض بي إلى دارك. فمضى به فمرّ على دار، فقال: لمن هذه؟ فقال:
لغلامك نحرير التربية. فدخلها وأقام فيها شهورا إلى أن عمّروا له دار خمارويه المعروفة بدار الحرم وسكنها. وقيل إنّ سبب انتقاله من جنان بني مسكين بخار البركة، وقيل وباء وقع في غلمانه، وقيل ظهر له بها جان (١).
وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التي تعرف اليوم بالرّوضة.
قال أبو عمر الكندي في «كتاب الموالي»: ومنهم أبو غنيم، مولى مسلمة بن مخلد الأنصاري. كان شريفا في الموالي، وولاّه عبد العزيز بن مروان الجزيرة ثم عزله عنها. وكان يجلس في داره التي يقال لها دار الفيل، فينظر إلى الجزيرة فيقول لإخوانه: أخبروني بأعجب شيء في الدّنيا. قالوا: منارة الإسكندرية؛ (¬a)) قال: ما صنعتم شيئا، فيقولون: الأهرام، فيقول (¬a):
ما أصبتم شيئا. فيقولون له: فقناة قرطاجنّة؛ فيقول: ما صنعتم شيئا. قالوا: فما تقول أنت؟ قال: العجب أنّي أنظر إلى الجزيرة ولا أقدر أدخلها.
وعلى هذه البركة الآن عدّة آدرّ جليلة، وجامع وحمّام وغير ذلك.
بركة الفيل
هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة، وهي كبيرة جدّا، ولم يكن في القديم عليها بنيان. ولمّا وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة، ثم حدثت حارة السّودان وغيرها خارج باب زويلة. وكان ما بين حارة السّودان وحارة اليانسيّة وبين بركة الفيل فضاء، ثم عمّر النّاس حول بركة الفيل بعد الستّ مائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلّها (٢).
стр. 2139
قال ابن سعيد وقد ذكر القاهرة: وأعجبني في ظاهرها بركة الفيل، لأنّها/ دائرة كالبدر والمناظر فوقها كالنّجوم، وعادة السّلطان أن يركب فيها باللّيل، وتسرج أصحاب المناظر على قدر هممهم وقدرتهم، فيكون بذلك لها منظر عجيب، وفيها أقول:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت … بها المناظر كالأهداب للبصر
كأنّما هي والأبصار ترمقها … كواكب قد أداروها على القمر
ونظرت إليها، وقد قابلتها الشّمس بالغدوّ، فقلت:
[البسيط]
انظر إلى بركة الفيل التي نحرت … لها الغزالة نحرا من مطالعها
وخلّ طرفك محفوفا ببهجتها … تهيم وجدا وحبّا في بدائعها (١)
وماء النّيل يدخل إلى بركة الفيل من الموضع الذي يعرف اليوم بالجسر الأعظم تجاه الكبش.
وبلغني أنّه كان هناك قنطرة كبيرة فهدمت وعمل مكانها هذه المجاديل الحجر التي يمرّ عليها النّاس.
стр. 2140
ويعبر ماء النّيل إلى هذه البركة أيضا من الخليج الكبير من تحت قنطرة تعرف قديما وحديثا بالمجنونة (١)، وهي الآن لا تشبه القناطر، وكأنّها سرب يعبر منه الماء، وفوقه بقيّة عقد من ناحية الخليج، كان قد عقده الأمير الطّبرس (¬a) وبنى فوقه متنزّها، فقال فيه علم الدّين ابن الصّاحب:
[الكامل]
ولقد عجبت من الطّبرس وصحبه … وعقولهم بعقوده مفتونة
عقدوا عقودا لا تصحّ لأنّهم … عقدوا لمجنون على مجنونة
وكان الطّبرس (¬a) هذا يعتريه الجنون، واتّفق أنّ هذا العقد لم يصحّ وهدم، وآثاره باقية إلى اليوم.
بركة الشّقاف
هذه البركة في برّ الخليج الغربي بجوار اللّوق، وعليها الجامع المعروف بجامع الطّبّاخ في خطّ باب اللّوق (٢). وكانت هذه البركة من جملة أراضي الزّهري - كما ذكر في حكر الزّهري عند ذكر الأحكار (٣) - وكان عليها في القديم عدّة مناظر منها منظرة الأمير جمال الدّين موسى ابن يغمور، وذلك أيّام كانت أراضي اللّوق مواضع نزهة، قبل أن تحكر (¬b) وتبنى دورا، وذلك بعد سنة ستّ مائة.
стр. 2141
بركة السّبّاعين
عرفت بذلك لأنّه اتّخذ عليها دار للسّباع، وهي موجودة هناك إلى يومنا هذا، وهي من جملة حكر الزّهري وعليها الآن دور (١). ولم تحدث بها العمارة إلاّ بعد سنة سبع مائة، وإنّما كان جميع ذلك الخطّ، وما حوله من منشأة المهراني إلى المقس بساتين، ثم حكرت.
بركة الرّطلي
هذه البركة من جملة أرض الطّبّالة، عرفت ببركة الطّوّابين من أجل أنّه كان يعمل فيها الطّوب. فلمّا حفر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصريّ، التمس الأمير بكتمر الحاجب من المهندسين أن يجعلوا حفر الخليج على الجرف إلى أن يمرّ بجانب بركة الطّوّابين هذه، ويصبّ من بحري أرض الطّبّالة في الخليج الكبير، فوافقوه على ذلك، ومرّ الخليج من ظاهر هذه البركة كما هو اليوم. فلمّا جرى ماء النّيل فيه روى أرض البركة، فعرفت ببركة الحاجب، فإنّها كانت بيد الأمير بكتمر الحاجب المذكور (٢). وكان في شرقي هذه البركة زاوية بها نخل كثير، وفيها شخص يصنع الأرطال الحديد التي تزن بها الباعة، فسمّاها النّاس بركة الرّطّلي نسبة لصانع الأرطال، وبقيت نخيل الزّاوية قائمة بالبركة إلى ما بعد سنة تسعين وسبع مائة.
стр. 2142
فلمّا جرى الماء في الخليج النّاصريّ، ودخل منه إلى هذه البركة، عمل الجسر بين البركة والخليج، فحكره النّاس، وبنوا فوقه الدّور، ثم تتابعوا في البناء حول البركة حتى لم يبق بدائرها خلوّ، وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج النّاصريّ، فتدورها تحت البيوت وهي مشحونة بالنّاس، فتمرّ هنالك للنّاس أحوال من اللّهو يقصر عنها الوصف.
وتظاهر النّاس في المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات، وتبرّج النّساء الفاجرات واختلاطهنّ بالرّجال من غير إنكار. فإذا نضب ماء النّيل زرعت هذه البركة بالقرط وغيره، فيجتمع فيها من النّاس في يومي الأحد والجمعة عالم لا يحصى لهم عدد.
وأدركت بهذه البركة، من بعد سنة سبعين وسبع مائة إلى سنة ثمان مائة، أوقاتا انكفّت فيها عمّن كان بها أيدي الغير، ورقدت عن أهاليها أعين الحوادث، وساعدهم الوقت إذ النّاس ناس والزّمان زمان. ثم لمّا تكدّر جوّ المسرّات، وتقلّص ظلّ الرّفاهة، وانهلّت سحائب المحن من سنة ستّ وثمان مائة تلاشى أمرها.
وفيها إلى الآن بقيّة صبابة، ومعالم أنس، وآثار تنبئ عن حسن عهد. وللّه درّ القائل (١):
[السريع]
في أرض طبّالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل
ترجح في ميزان عقلي على … كلّ بحار الأرض بالرّطل
/ البركة المعروفة ببطن البقرة
هذه البركة كانت فيما بين أرض الطّبّالة وأراضي اللّوق، يصل إليها ماء النّيل من الخور، فيعبر في خليج الذّكر إليها، وكانت تجاه قصر اللّؤلؤة ودار الذّهب في برّ الخليج الغربي (٢). وأوّل ما
стр. 2143
عرفت من خبر هذه البركة أنّها كانت بستانا كبيرا، فيما بين المقس وجنان الزّهري، عرف بالبستان المقسي نسبة إلى المقس، ويشرف على بحر النّيل من غربيه، وعلى الخليج الكبير من شرقيه.
فلمّا كان في أيّام الخليفة الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي هاشم عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أمر بعد سنة عشر وأربع مائة بإزالة أنشاب هذا البستان، وأن يعمل بركة قدّام المنظرة التي تعرف باللّؤلؤة.
فلمّا كانت الشّدّة العظمى في زمن الخليفة المستنصر باللّه، هجرت البركة، وبني في موضعها عدّة أماكن عرفت بحارة اللّصوص (١).
فلمّا كان في أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة الأجلّ المأمون محمد بن فاتك البطائحي، أزيلت الأبنية، وعمّق حفر الأرض وسلّط عليها ماء النّيل من خليج الذّكر، فصارت بركة عرفت ببطن البقرة، وما برحت إلى ما بعد سنة سبع مائة.
وكان قد تلاشى أمرها منذ كانت الغلوة في زمن الملك العادل كتبغا سنة سبع وتسعين وستّ مائة، فكان من خرج من باب القنطرة يجد عن يمينه أرض الطّبّالة من جانب الخليج الغربي إلى حدّ المقس، ويجد بطن البقرة عن يساره من جانب الخليج الغربي إلى حدّ المقس. وبحر النّيل الأعظم يجري في غربي بطن البقرة على حافة المقس إلى غربي أرض الطّبّالة ويمرّ من حيث الموضع المعروف اليوم بالجرف إلى غربي البعل، ويجري إلى منية السّيرج، فكان خارج القاهرة أحسن متنزّه في مصر من الأمصار.
وموضع بطن البقرة يعرف اليوم بكوم الجاكي المجاور لميدان القمح وما جاور تلك الكيمان والخراب إلى نحو باب اللّوق (¬a). وحدّثني غير واحد ممن لقيت من شيوخ المقس عن مشاهدة آثار هذه البركة، وأخبرني عمّن شاهد فيها الماء. وإلى زمننا هذا موضع من غربي الخليج
стр. 2144
فيما يلي ميدان القمح يعرف ببطن البقرة، بقية من تلك البركة يجتمع فيه النّاس للنّزهة (١).
بركة جناق
هذه البركة خارج باب الفتوح، كانت بالقرب من منظرة باب الفتوح التي تقدّم ذكرها في المناظر (٢)، وكان ما حولها بساتين، ولم يكن خارج باب الفتوح شيء من هذه الأبنية، وإنّما كان هناك بساتين، فكانت هذه البركة فيما بين الخليج الكبير وبستان ابن صيرم. فلمّا حكر بستان ابن صيرم، وعمّر في مكانه الآدرّ وغيرها، وعمّر النّاس خارج باب الفتوح، عمر ما حول هذه البركة بالدّور، وسكنها النّاس. وهي إلى الآن عامرة، وتعرف ببركة جناق (¬a) (٣).
بركة الحجّاج
هذه البركة في الجهة البحرية من القاهرة على نحو بريد منها. عرفت أوّلا بجبّ عميرة، ثم قيل لها أرض الجبّ (٤)، وعرفت إلى اليوم ببركة الحجّاج من أجل نزول حجّاج البرّ بها عند مسيرهم من القاهرة وعند عودهم (٥). وبعض من لا معرفة له بأحوال أرض مصر يقول: «جبّ يوسف ﵇»، وهو خطأ لا أصل له.
وما برحت هذه البركة متنزّها لملوك القاهرة.
стр. 2145
قال ابن يونس: عميرة بن تميم بن جزء التّجيبي، من بني القرناء، صاحب الجبّ المعروف بجبّ عميرة، في الموضع الذي يبرز إليه الحاج من مصر لخروجهم إلى مكّة (١).
وقال أبو عمر الكندي في كتاب «الخندق»: إنّ فرسان الخندق من تجيب (¬a) عميرة بن تميم ابن جزء، وصاحب جبّ عميرة من بني القرناء طعن في تلك الأيام، فأرتث فمات بعد ذلك.
وقال في كتاب: «الأمراء»: ثم إنّ أهل الحوف خرجوا على ليث بن الفضل أمير مصر.
وكان السّبّب في ذلك أنّ ليثا بعث بمسّاح يمسحون عليهم أراضي زرعهم، فانتقصوا من القصب أصابع. فتظلّم النّاس إلى ليث فلم يسمع منهم، فعسكروا وساروا إلى الفسطاط. فخرج إليهم ليث في أربعة آلاف من جند مصر ليومين بقيا من شعبان سنة ستّ وثمانين ومائة، فالتقى مع أهل الحوف لثنتي عشرة خلت من شهر رمضان، فانهزم الجيش عن ليث، وبقي في مائتين أو نحوها، فحمل عليهم من معه فهزمهم حتى بلغ بهم غيفا. وكان التقاؤهم في أرض جبّ عميرة، وبعث ليث إلى الفسطاط بثمانين رأسا (¬b)) من رءوس القيسّية (¬b)، ورجع إلى الفسطاط (٢).
وقال المسبّحي: ولاثنتي عشرة خلت من ذي القعدة سنة أربع وثمانين وثلاث مائة، عرض أمير المؤمنين العزيز باللّه عساكره بظاهر القاهرة عند سطح الجبّ، فنصب له مضرب ديباج رومي فيه ألف ثوب مفوّفة فضّة، ونصبت له فازة مستقلة وقبّة مثقلة بالجوهر، وضرب لابنه المنصور مضرب آخر، وعرضت العساكر فكانت عدّتها مائة عسكر، وأقبلت أسارى الرّوم - وعدّتهم مائتان وخمسون - فطيف بهم. وكان يوما عظيما حسنا لم تزل العساكر تسير بين يديه من ضحوة النّهار إلى صلاة المغرب (٣).
وقال ابن ميسّر: كان من عادة أمير المؤمنين المستنصر باللّه أن يركب في كلّ سنة على النّجب، مع النّساء والحشم، إلى جبّ عميرة - وهو موضع نزهة - بهيئة أنّه خارج للحجّ على سبيل الهزؤ والمجانة، ومعه الخمر في الرّوايا عوضا عن الماء ويسقيه النّاس (٤).
стр. 2146
وقال أبو الخطّاب بن دحية: وخطب لبني عبيد ببغداد أربعين جمعة، وذلك/ للمستنصر بل للبطّال المستهتر.
أنشده العقيلي صبيحة يوم عرفة:
[البسيط]
قم فانحر الرّاح يوم النّحر بالماء … ولا تضحّي ضحى إلاّ بصهباء
وادرك حجيج النّدامى قبل نفرهم … إلى منى قصفهم مع كلّ هيفاء
وصل ألف القطع للضرورة وهو جائز.
فخرج في ساعته بروايا الخمر تزجى بنغمات حداة الملاهي وتساق، حتى أناخ بعين شمس في كبكبة من الفسّاق، فأقام بها سوق الفسوق على ساق. وفي ذلك العام أخذه اللّه وأخذ أهل مصر بالسنين، حتى بيع القرص في أيّامه بالثمن الثمين.
وقال القاضي الفاضل في حوادث المحرّم سنة سبع وسبعين وخمس مائة: وفيه خرج السّلطان - يعني صلاح الدّين يوسف بن أيّوب - إلى بركة الجبّ للصّيد ولعب الأكرة، وعاد إلى القاهرة في سادس يوم من خروجه (١). وذكر من ذلك كثيرا عن السّلطان صلاح الدّين وابنه الملك العزيز عثمان.
وقال جامع «السّيرة النّاصريّة محمد بن قلاوون» (٢)، في حوادث صفر سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة: وفيه ركب السّلطان إلى بركة الحجّاج للرّمي على الكراكي (٣)، وطلب كريم الدّين ناظر الخاصّ، ورسم أن يعمل فيها أحواشا للخيل والجمال وميدانا، وللأمير بكتمر السّاقي مثله.
فأقام كريم الدّين بنفسه في هذا العمل، ولم يدع أحدا من جميع الصّنّاع المحتاج إليهم يعمل في القاهرة عملا، فكان فيها نحو الألفي رجل ومائة زوج بقر حتى تمّت المواضع في مدّة قريبة.
وركب السّلطان إليها، وأمر بعمل ميدان لنتاج الخيل فعمل. وما برح الملوك يركبون إلى هذه البركة لرمي الكراكي، وهم على ذلك إلى هذا الوقت. وقد خربت المباني التي أنشأها الملك النّاصر.
стр. 2147
وأدركنا بهذه البركة مراحا عظيما للأغنام، التي يعلفها التّركماني حبّ القطن وغيره من العلف، فتبلغ الغاية في السّمن حتى إنّه يدخل بها إلى القاهرة محمولة على العجل لعظم جثّتها وثقلها وعجزها عن المشي، وكان يقال كبش بركاوي نسبة إلى هذه البركة. وشاهدت مرّة كبشا من كباش هذه البركة وزنت شقّته اليمنى فبلغت زنتها خمسة وسبعين رطلا سوى الإلية، وبلغني عن كبش أنّه وزن ما في بطنه من الشّحم خاصّة فبلغ أربعين رطلا، وكانت ألايا تلك الكباش تبلغ الغاية في الكبر.
وقد بطل هذا من القاهرة، منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة، حتى لا يكاد يعرفه اليوم إلاّ أفراد من النّاس. وبركة الحجّاج اليوم أرباب دركها قوم من العرب يعرفون ببني صبرة.
وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني في كتاب «الجوهر المكنون في معرفة القبائل والبطون»: بنو بطّيخ بطن من لخم، وهم ولد بطّيخ بن مغالة بن دعجان بن عميث بن كليب ابن أبي الحارث بن عمرو بن رميمة بن جدس بن أريش بن أراش بن جزيلة بن لخم، وفخذها بنو صبرة بن بطّيخ، ولهم حارة مجاورة للخطّة المعروفة اليوم بكوم دينار (١) السّايس.
وصبرة في خندف وفي قيس ونزار ويمن: فالتي في خندف في بني جعفر الطّيّار بنو صبرة بن جعفر ابن داود بن محمد بن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فخذ، والتي في قيس بنو صبرة بن بكر بن أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن غيلان فخذ، وأمّا التي في نزار ففي شيبان بنو صبرة بن عوف بن محكم بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب ابن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار فخذ (¬a)) وفي عبد القيس ثم في شن بني صبرة بن عامر بن الدّيل بن شن بن أقصى بن عبد القيس بن أقصى بن دعمي ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار فخذ (¬a). وأمّا التي في يمن ففي لخم وجذام: فأمّا التي في لخم فبنو صبرة ابن بطّيخ بن مغالة بن دعجان بن عميث بن كليب بن أبي الحارث بن عمرو بن رميمة بن جدس ابن أويش بن أراش بن جزيلة بن لخم، وأمّا التي في جذام فبنو صبرة بن نصيرة بن غطفان بن سعد ابن إياس بن حرام بن جذام، وإليه يرجع الصّبريّون، وهم بالشّام، واللّه أعلم.
стр. 2148
بركة قرموط
هذه البركة فيما بين اللّوق والمقس. كانت من جملة بستان ابن ثعلب. فلمّا حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج النّاصريّ من موردة البلاط، رمى ما خرج من الطّين في هذه البركة، وبنى النّاس الدّور على الخليج، فصارت البركة من ورائها، وعرفت تلك الخطّة كلها ببركة قرموط (١).
وأدركنا بها ديارا جلية تناهى أربابها في إحكام بنائها وتحسين سقوفها، وبالغوا في زخرفتها بالرّخام (¬a)) ودهان السّقوف بالذّهب واللازورد (¬a)، وغرسوا بها الأشجار، وأجروا إليها المياه من الآبار، فكانت تعدّ من المساكن البديعة النّزهة. وأكثر من كان يسكنها الكتّاب: مسلموهم ونصاراهم وهم في الحقيقة المترفون أولو النّعمة، فللّه كم حوت تلك الدّيار من حسن ومستحسن. وإنّي لأذكرها وما مررت بأزقّتها قطّ إلاّ وتبيّن لي من كلّ دار هناك آثار النّعم: إمّا روائح تقالي المطابخ، أو عبير بخور العود والنّدّ، أو نفحات الخمر، أو صوت غناء، أو دقّ هاون، ونحو ذلك ممّا يبين عن ترف سكّان تلك الدّيار ورفاهة عيشهم وغضارة نعمهم. ثم هي الآن موحشة خراب، قد هدمت تلك المنازل، وبيعت أنقاضها منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة./ فزالت الطّرق، وجهلت الأزقّة، وانكشفت البركة، وبقي حولها بساتين خراب.
وبلغني أنّ المراكب كانت تعبر إلى هذه البركة للتنزّه، وما أحسب ذلك كان، فإنّها كانت من جملة البستان، ولم ينقل أنّه كان بقربها خليج سوى الخور، ويبعد أن يصل إليها. واللّه أعلم.
стр. 2149
(¬a)) وبها بركة صغيرة في ظهر الجامع المعروف بابن المغربي - المقدّم ذكره -. أخبرني حسام الدّين حسن بن عمر الشّهرزوري أنّه أدركها بركة كبيرة، وأنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون لمّا حفر الخليج النّاصريّ كان يرمى الطّين المستخرج من الحفر فيها. وبلغني من غيره أنّ المراكب كانت تمرّ فيها تحمل النّاس للنّزهة بها (¬a)، وما أحسب ذلك كان فإنّها كانت من جملة البستان ولم ينقل أنّه كان بقربها خليج سوى الخور، ويبعد أن يصل إليها. (¬a)) وعلى هذه البركة الآن بساتين خراب (¬a).
وقرموط هذا هو أمين الدّين قرموط، مستوفي الخزانة السّلطانية.
بركة قراجا
هذه البركة خارج الحسينيّة قريبا من الخندق. عرفت بالأمير زين الدّين قراجا التّركماني، أحد أمراء مصر، أنعم عليه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون بالإمرة في سنة سبع عشرة وسبع مائة (١).
البركة النّاصريّة (٢)
هذه البركة من جملة جنان الزّهري. فلمّا خربت جنان الزّهري، صار موضعها كوم تراب، إلى أن أنشأ السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون ميدان المهارى في سنة عشرين وسبع مائة (٣)،
стр. 2150
وقصد بناء الزّربيّة (¬a) بجوار (¬b) الجامع الطّيبرسي، (¬c)) كان ممّا أرادوا صرفه عن ذلك به قلّة الطّين الذي يبنى به هناك. فركب بنفسه وعينّ مكان البركة المذكورة وأمر بحفرها ونقل الطّين منها للبناء وأجرى الماء إليها من جهة الميدان السّلطاني وتحكير ما حولها وأن تعرف ب «البركة النّاصريّة»، وكان ذلك في سنة إحدى وعشرين وسبع مائة. فلمّا صار إلى القلعة استدعى القاضي فخر الدّين ناظر الجيش وأمره بكتابة أوراق فيها أسماء الأمراء، وبعث بالأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب مع المهندسين فقاسوا دور أرض البركة ووزّع بالأقصاب على الأمراء فشرع كلّ أمير فيما خصّه من العمل في ذلك. وكان ابتداء الشّروع في هذا العمل في يوم الثلاثاء تاسع عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين وسبع مائة (¬c) (١).
فتمادى الحفر إلى جانب كنيسة الزّهري - وكان إذ ذاك في تلك الأرض عدّة كنائس، ولم يكن هناك شيء من العمائر التي هي اليوم حول البركة النّاصرية، ولا من العمائر التي في خطّ قناطر السّباع، ولا في خطّ السّبع سقايات إلى قنطرة السّدّ، وإنّما كانت بساتين وكنائس وديورة للنّصارى - فاستولى الحفر على ما حول كنيسة الزّهري، وصارت في وسط الحفر حتى تعلّقت؛ وكان القصد أن تسقط من غير تعمّد هدمها، فأراد اللّه تعالى هدمها على يد العامّة، كما ذكر في خبرها عند ذكر كنائس النّصارى من هذا الكتاب (٢).
فلمّا تمّ حفر البركة نقل ما خرج منها من الطّين إلى الزّربية، وأجري إليها الماء من جوار الميدان السّلطاني الكائن بأراضي بستان الخشّاب عند موردة البلاط (٣). فلمّا امتلأت بالماء صارت مساحتها سبعة أفدنة، فحكر النّاس ما حولها، وبنوا عليها الدّور العظيمة. وما برح خطّ البركة النّاصريّة عامرا إلى أن كانت الحوادث من سنة ستّ وثمان مائة، فشرع النّاس في هدم ما عليها من الدّور، فهدم كثير ممّا كان هناك، والهدم مستمرّ إلى يومنا هذا (٤).
стр. 2151
ذكر الجسور
الجسر - بفتح الجيم - الذي تسمّيه العامّة جسرا … عن ابن دريد. وقال الخليل: الجسر والجسر لغتان، وهو القنطرة ونحوها ممّا يعبر عليه.
وقال ابن سيده: والجسر الذي يعبر عليه، والجمع القليل أجسر، قال:
[الرجز]
إنّ فراخا كفراخ الأوكر … بأرض بغداد وراء الأجسر
والكثير جسور (١).
جسر الأفرم
هذا الجسر بظاهر مدينة مصر، فيما بين المدرسة المعزّيّة برحبة الحنّاء (٢) قبلي مصر وبين رباط الآثار النّبويّة (٣). كان موضعه في أوّل الإسلام غامرا بماء النّيل، ثم انحسر عنه الماء فصار فضاء إلى نحو خليج بني وائل، ثم ابتنى النّاس فيه مواضع، وهناك كان الهرى قريبا من الخليج. ثم صار موضع جسر الأفرم هذا ترعة يدخل منها ماء النّيل إلى البركة الشّعيبيّة (٤).
فلمّا استأجر الأمير عزّ الدين أيبك الأفرم بركة الشّعيبيّة، وجعلها بستانا كما تقدّم ذكره في البرك (٥)، ردم هذه التّرعة، وبني حيطان البستان وجسر عليه، فأقام على ذلك سنين. ثم لمّا
стр. 2152
استأجر أرض البركة - بعدما غرسها بالأشجار - إجارة ثانية، اشترط البناء على ثلاثة أفدنة في جانب البستان الغربي وفدّان في جانبه البحري، ونادى في النّاس بتحكيره، وأرخص سعر الحكر، وجعل حكر كلّ مائة ذراع عشرة دراهم.
فهرع النّاس إليه، واحتكروا منه المواضع، وبنوا فيها الدّور المطلّة على النّيل. فاستغنى بالعمائر عن عمل الجسر في كلّ سنة بين البحر والبستان الذي أنشأه، وبقي اسم الجسر عليه إلى يومنا هذا. إلاّ أنّ الآدرّ التي كانت هناك خربت منذ انطرد النّيل عن البرّ الغربي، بعدما بلغ ذلك الخطّ الغاية في العمارة، وكان سكن الوزراء والأعيان من الكتّاب وغيرهم.
الجسر الأعظم
هذا الجسر في زماننا هذا قد صار شارعا مسلوكا يمشى فيه من الكبش إلى قناطر السّباع.
وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل (١)، وبينهما سرب يدخل منه الماء، وعليه أحجار يراها من يمرّ هناك، وبلغني أنّه كان هناك قنطرة مرتفعة، فلمّا أنشأ الملك النّاصر محمد ابن قلاوون الميدان السّلطاني عند موردة البلاط، أمر بهدم القنطرة فهدمت، ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان، وإنّما كانت ظاهرة يراها المارّ. ثم أمر السّلطان بعمل حائط قصير بطولها، فأقيم الحائط وصفّر بالطين الأصفر، ثم حدثت الدّور هناك.
الجسر بأرض الطّبّالة
هذا الجسر يفصل بين بركة الرّطلي وبين الخليج/ النّاصريّ، أقامه الأمير الوزير سيف الدّين بكتمر الحاجب، في سنة خمس وعشرين وسبع مائة لمّا انتهى حفر الخليج النّاصريّ، وأذن للنّاس في البناء عليه، فحكر وبنيت فوقه الدّور، فصارت تشرف على بركة الرّطلي وعلى الخليج، وتجتمع العامّة تحت مناظر الجسر، وتمرّ بحافة الخليج للنّزهة. فكثر اغتباط غوغاء النّاس وفسّاقهم بهذا الجسر إلى اليوم. وهو من أنزه فرج القاهرة، لولا ما عرف به من القاذورات الفاحشة.
стр. 2153
الجسر من بولاق إلى منية السّيرج
كان السّبب في عمل هذا الجسر أنّ ماء النّيل قويت زيادته في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة حتى أخرق من ناحية بستان الخشّاب (١)، ودخل الماء إلى جهة بولاق، وفاض إلى باب اللّوق حتى اتّصل بباب البحر وبساتين الخور، فهدمت عدّة دور كانت مطلّة على البحر وكثير من بيوت الحكورة، وامتدّ الماء إلى ناحية منية السّيرج (٢). فقام الفخر ناظر الجيش بهذا الأمر، وعرّف السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون أنّه متى غفل دخل الماء إلى القاهرة وغرّق أهلها ومساكنها. فركب السّلطان إلى البحر ومعه الأمراء، فرأى ما هاله، وفكّر فيما يدفع ضرر النّيل عن القاهرة، فاقتضى رأيه عمل جسر عند نزول الماء، وانصرف.
فقويت الزّيادة، وفاض الماء على منشأة المهراني ومنشأة الكتبة، وغرّق بساتين بولاق والجزيرة حتى صار ما بين ذلك ملقة واحدة. وركب النّاس المراكب للفرجة، ومرّوا بها تحت الأشجار، وصاروا يتناولون الثّمار بأيديهم وهم في المراكب. فتقدّم السّلطان لمتولّي القاهرة ومتولّي مصر ببثّ الأعوان في القاهرة ومصر لردّ الحمير والجمال التي تنقل التّراب إلى الكيمان، وألزمهم بإلقاء التّراب بناحية بولاق. ونودي في القاهرة ومصر: «من كان عنده تراب، فليرمه بناحية بولاق وفي الأماكن التي قد علا عليها الماء».
فاهتمّ النّاس من جهة زيادة الماء اهتماما كبيرا، خوفا أن يخرق الماء ويدخل إلى القاهرة. وألزم أرباب الأملاك التي ببولاق والخور والمناشئ أن يقف كلّ واحد على إصلاح مكانه، ويحترس من عبور الماء على غفلة. فتطلّب كلّ أحد من النّاس الفعلة من غوغاء النّاس لنقل التّراب، حتى عدمت الحرافيش (٣)، ولم تكد (¬a) توجد لكثرة ما أخذهم النّاس لنقل التّراب ورميه. وتضرّرت الآدرّ القريبة من البحر بنزرها، وغرقت الأقصاب والقلقاس والنّيلة وسائر الدّواليب (¬b) التي بأعمال مصر.
стр. 2154
فلمّا انقضت أيّام الزّيادة، ثبت الماء ولم ينزل في أيّام نزوله. ففسدت مطامير الغلاّت ومخازنها وشونها، وتحسّن سعر السكر والعسل، وتأخّر الزّرع عن أوانه لطول (¬a) مكث الماء.
فكتب لولاة الأعمال بكسر التّرع والجسور كي ينصرف الماء عن أراضي الزّرع إلى البحر الملح، واحتاج النّاس إلى وضع الخراج عن بساتين بولاق والجزيرة، ومسامحتهم بنظير ما فسد من الغرق، وفسدت عدّة بساتين إلى أن أذن اللّه تعالى بنزول الماء، فسقط كثير من الدّور.
وأخذ السّلطان في عمل الجسور، واستدعى المهندسين، وأمرهم بإقامة جسر يصدّ الماء عن القاهرة خشية أن يكون نيل مثل هذا، وكتب بإحضار خولة البلاد. فلمّا تكاملوا أمر بهم (¬b)، فساروا إلى النّيل وكشفوا السّاحل كلّه، فوجدوا ناحية الجزيرة ممّا يلي المنية قد صارت أرضها وطيئة، ومن هناك يخاف على البلد من الماء.
فلمّا عرّفوا السّلطان بذلك، أمر بإلزام من له دار على النّيل بمصر أو منشأة المهراني أو منشأة الكتّاب أو بولاق، أن يعمّر قدّامها على البحر زربيّة (¬c)، وأنّه لا يطلب منهم عليها حكر، ونودي بذلك، وكتب مرسوم بمسامحتهم من الحكر عن ذلك. فشرع النّاس في عمل الزّرابي، وتقدّم إلى الأمراء بطلب فلاّحي بلادهم، وإحضارهم بالبقر والجراريف لعمل الجسر من بولاق إلى منية السّيرج. ونزل المهندسون فقاسوا الأرض، وفرضوا لكلّ أمير أقصابا معيّنة، وضرب كلّ أمير خيمته، وخرج لمباشرة ما عليه من العمل (١).
فأقاموا في عمله عشرين يوما حتى فرغ، ونصبت عندهم الأسواق. فجاء ارتفاعه من الأرض أربع قصبات في عرض ثماني قصبات، فانتفع النّاس به انتفاعا كبيرا. وقدّر اللّه أنّ الزّرع في تلك السنة حسن إلى الغاية، وأفلح فلاحا عجيبا، وانحطّ السّعر لكثرة ما زرع من الأراضي وخصب السّنة.
وكان قد اتّفق في سنة سبع عشرة وسبع مائة غرق ظاهر القاهرة أيضا؛ وذلك أنّ النّيل وفّى ستة عشر ذراعا في ثالث عشر جمادى الأولى - وهو التاسع والعشرون من شهر أبيب، أحد شهور القبط - ولم يعهد مثل ذلك، فإنّ الأنيال البدرية يكون وفاؤها في العشر الأوّل من مسرى.
стр. 2155
فلمّا كسر سدّ الخليج، توقّفت الزّيادة مدّة أيّام، ثم زاد وتوقّف إلى أن دخل تاسع توت والماء على سبعة عشر ذراعا وتسعة أصابع. ثم زاد في يوم تسعة أصابع، واستمرّت الزّيادة حتى صار على ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع. ففاض الماء، وانقطع طريق النّاس فيما بين القاهرة ومصر وفيما بين كوم الرّيش والمنية، وخرج من جانب المنية وغرّقها.
فكتب بفتح جميع التّرع والجسور بسائر الوجه القبلي والبحري، وكسر بحر أبي المنجّا،/ وفتح سدّ بلبيس وغيره قبل عيد الصّليب، وغرقت الأقصاب والزّراعات الصيفية (١).
وعمّ الماء ناحية منية السّيرج وناحية شبرا، فخربت الدّور التي هناك، وتلف للنّاس مال كثير:
من جملته زيادة على ثمانين ألف جرّة خمر فارغة تكسّرت في ناحية المنية وشبرا عند هجوم الماء، وتلفت مطامير الغلّة من الماء حتى بيع قدح القمح بفلس - والفلس يومئذ جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم - وصار من بولاق إلى شبرا بحرا واحدا تمرّ فيه المراكب للنّزهة في بساتين الجزيرة إلى شبرا، وتلفت الفواكه والمشمومات، وقلّت الخضر التي يحتاج إليها في الطّعام، وغرقت منشأة المهراني.
وفاض الماء من عند خانقاه رسلان (٢) وأفسد بستان الخشّاب، واتّصل الماء بالجزيرة التي تعرف بجزيرة الفيل إلى شبرا، وغرقت الأقصاب التي في الصّعيد، فإنّ الماء أقام عليها ستة وخمسين يوما، فعصرت كلّها عسلا فقط، وخربت سائر الجسور وعلاها الماء، وتأخّر هبوطه عن الوقت المعتاد، فسقطت عدّة دور بالقاهرة ومصر، وفسدت منشأة الكتّاب المجاورة لمنشأة المهراني؛ فلذلك عمل السّلطان الجسر المذكور خوفا على القاهرة من الغرق.
الجسر بوسط بحر (¬a) النّيل
وكان سبب عمل هذا الجسر أنّ ماء النّيل قوي رميه على ناحية بولاق (¬b)) في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة (¬b)، وهدم جامع الخطيري، ثم جدّد، (¬b)) فرسم الملك النّاصر محمد بن قلاوون لسكّان البحر بعمل زرابي قدّام بيوتهم، وأن لا يؤخذ عليها حكر، وكتب بذلك
стр. 2156
مسامحات لأرباب الأملاك، فعمّر كلّ أحد قدّام ملكه زربيّة فلم يغن ذلك، واشتدّت قوّة الفلفيلة ورمي البحر على جهة بولاق (¬a) وقوّيت عمارته وتيّار البحر لا يزداد من ناحية البرّ الشرقي إلاّ قوّة. فأهمّ الملك النّاصر أمره، وكتب في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة بطلب المهندسين من دمشق وحلب والبلاد الفراتية، وجمع المهندسين من أعمال مصر كلّها قبليها وبحريها (١). فلمّا تكاملوا عنده، ركب بعساكره من قلعة الجبل إلى شاطئ النّيل، ونزل في الحرّاقة وبين يديه الأمراء وسائر أرباب الخيرة من المهندسين وخولة الجسور، وكشف أمر شطوط النّيل. فاقتضى الحال أن يعمل جسرا فيما بين بولاق وناحية أنبوبة من البرّ الغربي (٢)، ليردّ قوّة التّيّار عن البرّ الشرقي إلى البرّ الغربي. وعاد إلى القلعة، فكتبت مراسيم إلى ولاة الأعمال بإحضار الرّجال صحبة المشدّين، واستدعى شادّ العمائر السّلطانية، وأمره بطلب الحجّازين وقطع الحجر من الجبل، وطلب رئيس البحر وشادّ الصّناعة لإحضار المراكب. فلم يمض سوى عشرة أيّام حتى تكامل حضور الرّجال مع الشّادّين من الأقاليم.
وندب السّلطان لهذا العمل الأمير آقبغا عبد الواحد والأمير برسبغا (¬b) الحاجب (٣) فنزلا (¬c) لذلك.
وأحضر والي القاهرة ووالي مصر، وأمرا بجمع النّاس وتسخير كلّ أحد للعمل. فركبا وأخذا الحرافيش من الأماكن المعروفة بهم، وقبضا على من وجد في الطّرقات وفي المساجد والجوامع، وتتبّعاهم في الأسحار. ووقع الاهتمام الكبير في العمل من يوم الأحد عاشر ذي القعدة - وكانت أيّام القيظ - فهلك فيه عدّة من النّاس. والأمير آقبغا في الحرّاقة يستحثّ النّاس على إنجاز العمل، والمراكب تحمل الحجر من الفصّ الكبير إلى موضع الجسر. وفي
стр. 2157
كلّ قليل يركب السّلطان من القلعة، ويقف على العمل، ويهين آقبغا ويسبّه ويستحثّه، حتى تمّ العمل للنصف من ذي الحجّة.
وكانت عدّة المراكب التي غرّقت فيه وهى مشحونة بالحجارة اثني عشر مركبا، كلّ مركب منها تحمل ألف إردبّ غلّة. وعدّة المراكب التي ملئت بالحجر حتى ردم (¬a) وصار جسرا ثلاثة وعشرون ألف مركب، سوى ما عمل فيه من آلات الخشب والسّرياقات (١).
وحفر في الجزيرة (٢) خليج وطيء، فلمّا جرى النّيل في أيّام الزّيادة مرّ في ذلك الخليج، ولم يتأثّر الجسر من قوّة التّيّار، وصارت قوّة جرى النّيل من ناحية أنبوبة بالبرّ الغربي ومن ناحية التّكروري أيضا. فسّر السّلطان بذلك، وأعجبه إعجابا كثيرا. وكان هذا الجسر سبب انطراد الماء عن برّ القاهرة حتى صار إلى ما صار إليه الآن (¬b)) مع ما يأتي ذكره إن شاء اللّه (¬b).
الجسر فيما بين الجيزة والرّوضة المعروف بجسر منجك (¬c)
كان السّبب المقتضي لعمل هذا الجسر أنّ الملك النّاصر لمّا عمل الجسر فيما بين بولاق وناحية أنبوبة وناحية التّكروري، انطرد ماء النّيل عن برّ القاهرة، وانكشفت أراض كثيرة، وصار الماء يخاض من برّ مصر إلى المقياس، وانكشف من قبالة منشأة المهراني إلى جزيرة الفيل وإلى منية السّيرج، وصار النّاس يجدون مشقّة لبعد الماء عن القاهرة، وغلت روايا الماء حتى أبيعت (¬d) كلّ راوية بدرهمين بعدما كانت بنصف وربع درهم (٣).
فشكا النّاس ذلك إلى الأمير أرغون العلائي، وإلى السّلطان الملك الكامل شعبان بن الملك النّاصر محمد بن قلاوون. فطلب المهندسين ورئيس البحر، وركب السّلطان بأمرائه من القلعة
стр. 2158
إلى شاطئ النّيل، فلم يتهيّأ عمل لما كان من ابتداء زيادة النّيل، إلاّ أنّ الرّأي اقتضى نقل التّراب والشّقاف من مطابخ السّكّر التي كانت بمصر، وإلقاء ذلك بالرّوضة لعمل الجسر. فنقل شيء عظيم من التّراب في المراكب إلى الرّوضة، وعمل جسر من الجيزة إلى نحو المقياس في طول نحو ثلثي ما بينهما من المسافة فعاد الماء إلى جهة مصر عودا يسيرا، وعجزوا عن إيصال الجسر إلى المقياس لقلّة التّراب، وقويت الزّيادة حتى علا الماء الجسر بأسره (١). واتّفق قتل الملك الكامل بعد/ ذلك، وسلطنة أخيه الملك المظفّر حاجي بن محمد بن قلاوون أوّل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبع مائة.
فلمّا دخلت سنة ثمان وأربعين، وقف جماعة من النّاس للسّلطان في أمر البحر، واستغاثوا من بعد الماء وانكشاف الأراضي من تحت البيوت وغلاء الماء في المدينة، فأمر بالكشف عن ذلك.
فنزل المهندسون، واتّفقوا على إقامة جسر ليرجع الماء عن برّ الجيزة إلى برّ مصر والقاهرة وكتبوا تقدير ما يصرف فيه مائة وعشرين ألف درهم فضّة. فأمر بجبايتها من أرباب الأملاك التي على شطّ النّيل، وأن يتولّى القاضي ضياء الدّين يوسف بن أبي بكر المحتسب جبايتها واستخراجها.
فقيست الدّور، وأخذ عن كلّ ذراع من أراضيها خمسة عشر درهما. وتولّى قياسها أيضا المحتسب ووالي الصّناعة، فبلغ قياسها سبعة آلاف وست مائة ذراع، وجبى نحو السبعين ألف درهم. فاتّفق عزل الضّياء عن الحسبة ونظر المارستان المنصوري ونظر الجوالي، وولاية ابن الأطروش مكانة، ثم قتل الملك المظفّر وولاية أخيه الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون سلطنة مصر بعده في شهر رمضان منها.
فلمّا كان في سنة تسع وأربعين وسبع مائة، وقع الاهتمام بعمل الجسر. فنزل الأمير بيبغا أروس (¬a) نائب السّلطنة، والأمير منجك الأستادّار - وكان قد عزل من الوزارة - والأمير قبلاي الحاجب، وجماعة من الأمراء ومعهم عدّة من المهندسين إلى البحر في الحراريق والمراكب إلى برّ
стр. 2159
الجيزة، وقاسوا ما بين برّ الجيزة والمقياس، وكتب تقدير المصروف: نحو المائة والخمسين ألف درهم، وألف خشبة من الخشب، وخمس مائة صار، وألف حجر في طول ذراعين وعرض ذراعين، وخمسة آلاف شنفة، وغير ذلك من أشياء كثيرة.
فركب النّائب والوزير والأمير شيخو والأمراء إلى الجيزة، وأعادوا النّظر في أمر الجسر ومعهم أرباب الخيرة. فالتزم الأمير منجك بعمل الجسر، وأن يتولّى جباية المصروف عليه من سائر الأمراء والأجناد والكتّاب وأرباب الأملاك، بحيث أنّه لا يبقى أحد حتى يؤخذ منه. فرسم لكتّاب الجيش بكتابة أسماء الجند، وقرّر على كلّ مائة دينار من الإقطاعات درهم واحد، وعلى كلّ أمير من خمسة آلاف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وعلى كلّ كاتب أمير ألف مائتا درهم، وكاتب أمير الطّبلخاناه مائة درهم، وعلى كلّ حانوت من حوانيت التّجّار درهم، وعلى كلّ دار درهمان. وعلى كل بستان الفدّان من عشرين درهما إلى عشرة دراهم، وعلى كلّ طاحون خمسة دراهم عن الحجر، وعلى كلّ صهريج في تربة بالقرافة أو في ظاهر القاهرة أو في مدرسة من عشرة دراهم إلى خمسة دراهم، وعلى كلّ تربة من ثلاثة دراهم إلى درهمين، وعلى أصحاب المقاعد والمتعيّشين في الطّرقات شيء.
وكشفت البساتين والدّور التي استجدّت من بولاق إلى منية السّيرج، والتي استجدّت في الحكورة، والتي استجدّت على الخليج النّاصريّ وعلى بركة الحاجب وفي حكر أخي صاروجا (١).
وقيست أراضيها كلّها، وأخذ عن كلّ ذراع منها خمسة عشر درهما، وأخذ عن كلّ قمين من أقمنة الطّوب شيء، وعن كلّ فاخورة من الفواخير شيء. وفرض على كلّ وقف بالقاهرة ومصر والقرافتين، من الجوامع والمساجد والخوانك والزّوايا والرّبط، شيء.
وكتب إلى ولاة الأعمال بالجباية من ديورة النّصارى وكنائسهم من مائتي درهم إلى مائة درهم، وقرّر على الفنادق والخانات التي بالقاهرة ومصر شيء. وقرّر على ضامنة المغاني (¬a) (٢) مبلغ خمسين ألف درهم. وأقيم لكلّ جهة شادّ وصيرفيّ وكتّاب وغير ذلك من المستحثّين من
стр. 2160
الأعوان. فنزل من ذلك بالنّاس بلاء كبير وشدّة عظيمة. فإنّه أخذ حتى من الشّيخ والعجوز والأرملة، وجبي المال منهم بالعسف. وأبطل كثير منهم سببه لسعيه في الغرامة، ودهي النّاس مع الغرامة بتسلّط الظّلمة من العرفاء والضّمّان والرّسل. فكان يغرم كلّ أحد للقابض والشّادّ والصّيرفي والشّهود - سوى ما قرّر عليه - جملة دراهم؛ فكثر كلام النّاس في الوزير، حتى صاروا يلهجون بقولهم: «هذه سخطة مرصّصة نزلت من السّماء على أهل مصر». وقاسوا شدّة أخرى في تحصيل الأصناف التي يحتاج إليها.
ونزل الوزير منجك، وضرب له خيمة على جانب الرّوضة، ونادى في الحرافيش (١) والفعلة:
«من أراد العمل يحضر، ويأخذ أجرته درهما ونصفا وثلاثة أرغفة». فاجتمع إليه عالم كثير، وجعل لهم شيئا يستظلّون به من حرّ الشّمس، وأحسن إليهم، ورتّب عدّة مراكب لنقل الحجر، وأقام عدّة من الحجّارين في الجبل لقطع الحجر، وجمالا وحميرا تنقلها من الجبل إلى البحر، ثم تحمل من البرّ في المراكب إلى برّ الجيزة.
وابتدأ بعمل الجسر من الرّوضة إلى ساقية علم الدّين بن زنبور، وعارضه بجسر آخر من بستان التّاج ألحق (¬a) إلى ساقية ابن زنبور، وأقام أخشابا من الجهتين، وردم بينهما بالتّراب والحجر والحلفاء، ورتّب الجمال السّلطانية لقطع الطّين من برّ الرّوضة وحمله إلى وسط الجسر، وأمر أن لا يبقى بالقاهرة ومصر صانع إلاّ حضر العمل، وألزم من كان بالقرب من داره كوم تراب بمصر (¬b) أن ينقله إلى الجسر. فغرم كلّ واحد من النّاس في نقل التّراب من ألف/ درهم إلى خمس مائة درهم. وكان كلّ ما ينقل في المراكب من الحجر وغيره يرمى في وسط جسر المقياس، وتحمله الجمال إلى الجسر.
ثم اقتضى الرّأي حفر خليج يجري الماء فيه عند زيادة النّيل لتضعف قوّة التّيّار عن الجسر.
فأحضرت الأبقار والجراريف والرّجال لأجل ذلك، وابتدأوا حفره من رأس موردة الحلفاء تحت الدّور إلى بولاق، وكانت الزّيادة قد قرب أوانها، فما انتهى الحفر حتى زاد ماء النّيل وجرى فيه، فسّر النّاس به سرورا كبيرا، وانتهى عمل الجسر في أربعة أشهر؛ إلاّ أنّ الشّناعة قويت على
стр. 2161
الوزير، وبلّغ الأمراء النّائب ما يقال عن منجك من كثرة جباية الأموال. فحدّثه في ذلك ومنعه، فاعتذر بأنّه لم يسخّر أحدا، ولا استعمل النّاس إلاّ بأجرة، وأنّ في هذا العمل للنّاس عدّة منافع وما عليّ من قول أصحاب الأغراض الفاسدة ونحو ذلك، وتمادى على ما هو عليه.
فلمّا جرى الماء في الخليج الذي حفر تحت البيوت من موردة الحلفاء إلى بولاق، مرّت فيه المراكب بالنّاس للفرجة، واحتاج منجك إلى نقل خيمته من برّ الرّوضة إلى برّ الجيزة، وأحضر المراكب الكبار وملأها بالحجارة، وغرّق منها عشرة مراكب في البحر، وردم التّراب عليها إلى أن كمل نحو ثلثي العمل، فقويت زيادة الماء، وبطل العمل.
فلمّا كثرت الزّيادة، جمع منجك الحرافيش والأسرى، وردم على الجسر التّراب وقوّاه، فتحامل الماء عن البرّ الغربي إلى البرّ الشّرقي، ومرّ من تحت الميدان السّلطاني وزربيّة (¬a) قوصون إلى بولاق، فصار معظمه من هذه المواضع، وحصل الغرض بكون الماء بالقرب من القاهرة. وانتهى طول جسر منجك إلى مائتين وتسعين قصبة في عرض ثمان قصبات وارتفاع أربع قصبات.
والجسر الذي من الرّوضة إلى المقياس طوله مائتان وثلاثون قصبة. وعدّة ما رمي في هذا العمل من المراكب المشحونة بالحجر اثنا عشر ألف مركب سوى التّراب وغير ذلك.
وكان ابتداء العمل في مستهلّ المحرّم، وانتهاؤه في سلخ ربيع الآخر. ولم تنحصر الأموال التي جبيت بسببه، فإنّه لم يبق بالقاهرة ومصر دار ولا فندق ولا حمّام ولا طاحون ولا وقف جامع أو مدرسة أو مسجد أو زاوية ولا رزقة ولا كنيسة، إلاّ وجبي منه. فكان الرّجل الواحد يغرم العشرة دراهم، ومن خصّه درهمان يحتاج إلى غرامة أمثالهما وأضعافهما. وناهيك بمال يجبى من الدّيار المصرية على هذا الحكم كثرة.
وقد بقيت من جسر منجك هذا بقيّة، هى معروفة اليوم في طرف الجزيرة الوسطى (١).
стр. 2162
جسر الخليلي
هذا الجسر فيما بين الرّوضة من طرفها البحري وبين جزيرة أروى، المعروفة بالجزيرة الوسطى، تجاه الخور. وكان سبب عمله أنّ النّيل لمّا قوي رمى تيّاره على برّ القاهرة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وقام في عمل الجسر ليصير رمي التّيّار من جهة البرّ الغربي كما تقدّم ذكره، انطرد الماء عن برّ القاهرة، وانكشف ما تحت الدّور من منشأة المهراني إلى منية السّيرج. وعمل منجك الجسر الذي مرّ ذكره ليعود الماء في طول السّنة إلى برّ القاهرة، فلم يتهيّأ كما كان أوّلا، وجرى في الخليج الذي احتفره تحت الدّور من موردة الحلفاء بمصر إلى بولاق، وصار تجاه هذا الخليج جزيرة. والماء لا يزال ينطرد في كلّ سنة عن برّ القاهرة إلى أن استبدّ بتدبير مصر الأمير الكبير برقوق.
فلمّا دخلت سنة أربع وثمانين وسبع مائة، قصد الأمير جهاركس الخليلي عمل جسر ليعود الماء إلى برّ القاهرة، ويصير في طول السّنة هناك ويكثر النّفع به، فيرخص الماء المحمول في الرّوايا، ويقرب مرسى المراكب من البلد، وغير ذلك من وجوه النّفع. فشرع في العمل أوّل شهر ربيع الأوّل، وأقام الخوازيق (١) من خشب السّنط، طول كلّ خازوق منها ثمانية أذرع، وجعلها صفّين في طول ثلاث مائة قصبة وعرض عشر قصبات، وسمّر فيها أفلاق النّخل الممتدّة، وألقى بين الخوازيق ترابا كثيرا، وانتصب هناك بنفسه ومماليكه، ولم يجب من أحد مالا ألبتّة. فانتهى عمله في أخريات شهر ربيع الآخر (٢)، وحفر في وسط البحر خليجا من الجسر إلى زربيّة (¬a) قوصون.
وقال شعراء العصر في ذلك شعرا كثيرا، منهم عيسى بن حجّاج:
[الكامل]
جسر الخليلي المقرّ (٣) لقد رسا … كالطّود وسط النّيل كيف يريد
فإذا سألتم عنهما قلنا لكم … ذا ثابت دهرا، وذاك يزيد
стр. 2163
وقال الأديب شهاب الدّين أحمد بن العطّار:
[مجزوء الرمل]
شكت النّيل أرضه … للخليلي فأحضرة
ورأى الماء خائفا … أن يطأهأ فجسّرة (١)
وقال:
[البسيط]
رأى الخليلي قلب الماء حين طغى … بنى على قلبه جسرا وحيّره
/ رأى ترمّل أرضيه وجدتها … والنّيل قد خاف يغشاها فجسّره
ومع ذلك ما ازداد الماء إلاّ انطرادا عن برّ القاهرة ومصر. حتى لقد انكشف بعد عمل هذا الجسر شيء كثير من الأراضي التي كانت غامرة بماء النّيل، وبعد النّيل عن القاهرة بعدا لم يعهد في الإسلام مثله قطّ.
جسر شيبين
أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، بسبب أنّ إقليم الشّرقيّة كانت له سدود قديمة (¬a) كلّها موقوفة على فتح (¬b) بحر أبي المنجّا، وفي بعض السّنين تشرق ناحية سنيت (¬c) وناحية مرصفا وغير ذلك من النّواحي التي أراضيها عالية (٢)، فشكا الأمير بشتاك من تشريق بعض بلاده التي في تلك النّواحي. فركب السّلطان من قلعة الجبل، ومعه المهندسون وخولة البلاد (٣) - وكانت له معرفة بأمور العمائر، وحدس جيّد، ونظر سعيد، ورأي مصيب - فسار لكشف تلك النّواحي حتّى اتّفق الرأي على عمل الجسر من عند شيبين القصر إلى بنها
стр. 2164
العسل. فوقع الشّروع في عمله، وجمع له من رجال البلاد اثنى عشر ألف رجل ومائتي قطعة جرّافة (١)، وأقام فيه القناطر. فصار محبسا لتلك البلاد، وإذا فتح (¬a) بحر أبي المنجّا امتلأت الأملاق بالماء، واستند (¬b)) على هذا الجسر.
وفي أوّل سنة عمل هذا الجسر أبطل فتح سدّ (¬c) بحر أبي المنجّا تلك السّنة، وفتح من جسر شيبين هذا. وحصل بهذا الجسر نفع كبير لبلاد العلو، واستبحر منه عدّة بلاد وطيئة (٢). والعمل على هذا الجسر إلى يومنا هذا.
جسرا مصر والجيزة
اعلم أنّ الماء في القديم كان محيطا بجزيرة مصر - التي تعرف اليوم بالرّوضة - طول السّنة.
وكان فيما بين ساحل مصر وبين الرّوضة جسر من خشب، وكذلك فيما بين الرّوضة وبرّ الجيزة جسر من خشب، يمرّ عليهما النّاس والدّوابّ من مصر إلى الرّوضة، ومن الرّوضة إلى الجيزة.
وكان هذان الجسران من مراكب مصطفّة بعضها بحذاء بعض وهي موثقة، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدّة فوقها تراب، وكان عرض الجسر ثلاث قصبات.
قال القضاعي: وأمّا الجسر فقال بعضهم: رأيت في كتاب - ذكر أنّه خطّ أبي عبد اللّه بن فضالة - صفة الجسر وتعطيله وإزالته، وأنّه لم يزل قائما إلى أن قدم المأمون مصر، وكان غريبا. ثم أحدث المأمون هذا الجسر الموجود اليوم الذي تمرّ عليه المارّة وترجع من الجسر القديم. فبعد أن خرج المأمون عن البلد، أتت ريح عاصف فقطعت الجسر الغربي، فصدمت سفنه الجسر المحدث فذهبا جميعا، فبطل الجسر القديم وأثبت الجديد. ومعالم الجسر القديم معروفة إلى هذه الغاية.
وقال ابن زولاق في كتاب: «إتمام (¬d)) كتاب الكندي في أخبار (¬d) أمراء مصر»: ولعشر خلون من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، سارت العساكر لقتال القائد جوهر، ونزلوا الجزيرة بالرّجال والسّلاح والعدّة، وضبطوا الجسرين. وذكر ما كان منهم … إلى أن قال، في عبور جوهر:
стр. 2165
أقبلت العساكر، فعبرت الجسر أفواجا أفواجا، وأقبل جوهر في فرسانه إلى المناخ موضع القاهرة (١).
وقال في كتاب: «سيرة المعزّ لدين اللّه»: وفي مستهلّ رجب سنة أربع وستين وثلاث مائة، أصلح جسر الفسطاط، ومنع النّاس من ركوبه، وقد كان أقام سنين معطّلا (٢).
وقال ابن سعيد في كتاب «المغرب»: وذكر ابن حوقل الجسر الذي يكون ممتدّا من الفسطاط إلى الجزيرة، وهو غير طويل، ومن الجانب الآخر إلى البرّ الغربي، المعروف ببرّ الجيزة، جسر آخر من الجزيرة إليه. وأكثر جواز النّاس بأنفسهم ودوابّهم في المراكب، لأنّ هذين الجسرين قد احترما (¬a) بحصولهما في حيّز قلعة السّلطان. ولا يجوز أحد على الجسر الذي بين الفسطاط والجزيرة راكبا احتراما لموضع السّلطان (٣) - يعني الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب.
وكان كرسي (¬b) هذا الجسر الذي ذكره ابن سعيد - حيث المدرسة الخرّوبية - من إنشاء البدر أحمد بن محمد الخرّوبي التّاجر على ساحل مصر، قبلي خطّ دار النّحاس.
وما برح هذا الجسر إلى أن خرّب الملك المعزّ أيبك التّركماني قلعة الرّوضة، بعد سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، فأهمل. ثم عمّره الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس على المراكب، وعمله من ساحل مصر إلى الرّوضة، ومن الرّوضة إلى الجيزة، لأجل عبور العسكر عليه لمّا بلغه حركة الفرنج، فعمل ذلك (٤).
الجسر من قليوب إلى دمياط
هذا الجسر أنشأه السّلطان الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس المنصوري، المعروف بالجاشنكير في أخريات سنة ثمان وسبع مائة. وكان من خبره أنّه ورد القصّاد بموافقة صاحب قبرس عدّة من
стр. 2166
ملوك الفرنج على غزو دمياط، وأنّهم أخذوا ستين قطعة. فاجتمع الأمراء، واتّفقوا على إنشاء جسر من القاهرة إلى دمياط خوفا من حركة الفرنج في أيّام النّيل، فيتعذّر الوصول إلى دمياط.
وعيّن لعمل ذلك الأمير آقوش الرّومي الحسامي، وكتب الأمراء إلى بلادهم بخروج الرّجال والأبقار، ورسم للولاة بمساعدة آقوش، وأن يخرج كلّ وال إلى العمل برجال عمله وأبقارهم. فما وصل آقوش إلى ناحية فارسكور، حتى وجد ولاة/ الأعمال قد حضروا بالرّجال والأبقار، فرتّب الأمور، فعمل فيه ثلاث مائة جرّافة بستّ مائة رأس بقر وثلاثين ألف رجل.
وأقام آقوش الحرمة - وكان عبوسا قليل الكلام مهابا إلى الغاية - فجدّ النّاس في العمل لكثرة من ضربه بالمقارع، و (¬a) خزم أنفه، و (¬a) قطع أذنه، أو أخرق به إلى أن فرغ في نحو شهر واحد.
فجاء من قليوب إلى دمياط مسافة يومين في عرض أربع قصبات من أعلاه وستّ قصبات من أسفله، ومشى عليه ستّة رءوس من الخيل صفّا واحدا فعمّ النّفع به، وسلك عليه المسافرون بعدما كان يتعذّر السّلوك أيّام النّيل لعموم الماء الأراضي (¬b) (١).
стр. 2167
ذكر الجزائر
اعلم أنّ الجزائر التي هي الآن في بحر النّيل كلّها حادثة في الملّة الإسلامية، ما عدا الجزيرة التي تعرف اليوم بالرّوضة تجاه مدينة مصر. فإنّ العرب لمّا دخلوا مع عمرو بن العاص إلى مصر وحاصروا الحصن - الذي يعرف اليوم بقصر الشّمع في مصر - حتى فتحه اللّه تعالى عنوة على المسلمين، كانت هذه الجزيرة حينئذ تجاه القصر. ولم يبلغني إلى الآن متى حدثت، وأمّا غيرها من الجزائر فكلّها قد تجدّدت بعد فتح مصر.
ويقال - واللّه أعلم - إنّ بلهيب، الذي يعرف اليوم بأبي الهول، طلّسم وضعه القدماء لقلب الرّمل عن برّ مصر الغربي الذي يعرف اليوم ببرّ الجيزة. وأنّه كان في البرّ الشرقي، بجوار قصر الشّمع، صنم من حجارة على مسامتة أبي الهول - بحيث لو امتدّ خيط من رأس أبي الهول وخرج على استواء لسقط على رأس هذا الصّنم - وكان مستقبل المشرق، وأنّه وضع أيضا لقلب الرّمل عن البرّ الشرقي.
فقدّر اللّه أن كسر هذا الصّنم على يد بعض أمراء الملك النّاصر محمد ابن قلاوون في سنة إحدى عشرة وسبع مائة، وحفر تحته حتّى بلغ الحفر إلى الماء ظنّا أنّه يكون هناك كنز، فلم يوجد شيء، وكان هذا الصّنم يعرف عند أهل مصر بسريّة أبي الهول. فكان عقيب ذلك غلبة النّيل على البرّ الشّرقي حتى عمل الملك النّاصر ما تقدّم ذكره وانطرد الماء عن البرّ الشّرقي، وصارت هذه الجزائر الموجودة اليوم (١).
وكذلك قام شخص من صوفيّة الخانقاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء، يعرف بالشّيخ محمد صائم الدّهر، في تغيير المنكر أعوام بضع وثمانين وسبع مائة. فشوّه وجوه سباع الحجر التي على قناطر السّباع خارج القاهرة وشوّه وجه أبي الهول، وصار كما هو عليه الآن. وما برحت بعد ذلك أسمع أهل بلاد الجيزة يقولون إنّه منذ أفسد وجه أبي الهول غلب الرّمل على أراضي الجيزة.
ولا ينكر ذلك، فللّه في خليقته أسرار يطلع عليها من يشاء من عباده، والكلّ بخلقه وتقديره (٢).
وقد ذكر الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه، في كتاب «أخبار مصر» في خبر الواحات الدّاخلة، أنّ في تلك الصّحاري كانت أكثر مدن ملوك مصر العجيبة وكنوزهم، إلاّ أنّ الرّمال غلبت
стр. 2168
عليها. قال: ولم يبق بمصر ملك إلاّ وقد عمل للرّمال طلّسما لدفعها، ففسدت طلّسماتها لقدم الزّمان (١).
وذكر ابن يونس: عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، أنّه قال: إنّي لأعلم السّنة التي تخرجون فيها من مصر؛ قال ابن سالم، فقلت له: ما يخرجنا منها يا أبا محمد، أعدوّ؟ قال: لا، ولكنكم يخرجكم منها نيلكم هذا، يغور فلا تبقى منه قطرة حتى تكون فيه الكثبان من الرّمل، وتأكل سباع الأرض حيتانه (٢).
وقال اللّيث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير قال: إنّ الصّحابي حدّثه أنّه سمع كعبا يقول: ستعرك العراق عرك الأديم، وتفتّ مصر فتّ البعر. قال اللّيث، وحدّثني رجل عن وهب المعافري أنّه قال: وتشقّ الشّام شقّ الشّعرة.
وسأذكر من خبر هذه الجزائر المشهورة ما وصلت إليّ معرفته إن شاء اللّه.
ذكر الرّوضة
اعلم أنّ الرّوضة تطلق في زماننا هذا على الجزيرة التي بين مدينة مصر ومدينة الجيزة. وعرفت في أوّل الإسلام/ بالجزيرة وبجزيرة مصر، ثم قيل لها جزيرة الحصن، وعرفت إلى اليوم بالرّوضة (٣). وإلى هذه الجزيرة انتقل المقوقس لمّا فتح اللّه تعالى على المسلمين القصر وصار بها هو ومن معه من جموع الرّوم والقبط.
стр. 2169
وبها أيضا بنى أحمد بن طولون «الحصن»، وبها كانت «الصّناعة» - يعني صناعة السّفن الحربية، أي كانت بها «دار الصّناعة» - وبها كان «الجنان المختار»، وبها كان «الهودج» الذي بناه الخليفة الآمر بأحكام اللّه لمحبوبته البدويّة، وبها بنى الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب «القلعة الصّالحيّة»، وبها إلى اليوم «مقياس النّيل».
وسأورد من أخبار الرّوضة هنا ما لا تجده مجتمعا في غير هذا الكتاب.
قال ابن عبد الحكم - وقد ذكر محاصرة المسلمين للحصن -: فلمّا رأى القوم الجدّ من المسلمين على فتح الحصن والحرص، ورأوا من (¬a) صبرهم على القتال ورغبتهم فيه، خافوا أن يظهروا عليهم، فتنحّى المقوقس وجماعة من أكابر القبط، وخرجوا من باب الحصن القبليّ - ودونهم جماعة يقاتلون العرب - فلحقوا بالجزيرة موضع الصّناعة اليوم، وأمروا بقطع الجسر وذلك في جري النّيل (١).
وتخلّف في الحصن بعد المقوقس الأعيرج (¬b)، فلمّا خاف فتح باب الحصن، ركب (¬c) هو وأهل القوّة والشّرف - وكانت سفنهم ملصقة بالحصن - ثم لحقوا بالمقوقس بالجزيرة.
قال: وكان بالجزيرة - يعني بعد فتح مصر - في أيّام عبد العزيز بن مروان، أمير مصر، خمس مائة فاعل عدّة (¬d) لحريق (¬e)) إن كان في البلاد (¬e) أو هدم (٢).
وقال القضاعي: جزيرة فسطاط مصر، قال الكندي: بنيت جزيرة (¬f) الصّناعة في سنة أربع وخمسين، وحصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث ومائتين ليحرز فيه حرمه وماله.
وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا العراقي من العراق واليا على مصر وجميع أعمال ابن طولون، وذلك في خلافة المعتمد على اللّه. فلمّا بلغ أحمد بن طولون مسيره، استعدّ لحربه ومنعه من دخول أعماله. فلمّا بلغ موسى بن بغا إلى الرّقّة، تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون
стр. 2170
وقوّته. ثم عرضت لموسى علّة طالت به وكان بها موته، وثاوره الغلمان وطلبوا منه الأرزاق، وكان ذلك سبب تركه المسير. فلم يلبث موسى بن بغا أن مات، وكفى ابن طولون أمره (١). ولم يزل هذا الحصن على الجزيرة حتى أخذه النّيل شيئا بعد شيء، وقد بقيت منه بقايا متقطّعة إلى الآن.
وقد اختصر القاضي القضاعي ﵀ في ذكر سبب بناء ابن طولون حصن الجزيرة.
وقد ذكر جامع «سيرة ابن طولون» (٢) أنّ صاحب الزّنج لمّا قدم البصرة في سنة أربع وخمسين ومائتين واستفحل أمره (¬a)، أنفذ إليه أمير المؤمنين المعتمد على اللّه جعفر بن المعتصم بن الرّشيد، رسولا في حمل أخيه الموفّق باللّه أبي أحمد طلحة من مكّة إليه - وكان الخليفة المهتدي باللّه محمد بن الواثق بن المعتصم نفاه إليها - فلمّا وصل إليه - جعل العهد بالخلافة من بعده لابنه المفوّض، وبعد المفوّض تكون الخلافة للموفّق طلحة، وجعل غرب الممالك الإسلامية للمفوّض وشرقها للموفّق، وكتب بينهما بذلك كتابا ارتهن فيه أيمانهما بالوفاء بما قد وقعت عليه الشّروط.
وكان الموفّق يحسد أخاه المعتمد على الخلافة ولا يراه أهلا لها، فلمّا جعل المعتمد الخلافة من بعده لابنه ثم للموفّق بعده، شقّ ذلك عليه، وزاد في حقده. وكان المعتمد متشاغلا بملاذ نفسه من الصّيد واللّعب والتفرّد بجواريه، فضاعت الأمور، وفسد تدبير الأحوال، وفاز كلّ متقلّد (¬b) عملا بما يتقلّده.
وكان في الشّرط الذي كتبه (¬c) المعتمد بين المفوّض والموفّق: أنّه ما حدث في عمل كلّ واحد منهما من حدث، كانت النّفقة عليه من مال خراج قسمه. واستخلف على قسم ابنه المفوّض موسى بن بغا، فاستكتب موسى بن بغا عبيد اللّه بن سليمان بن وهب، وانفرد الموفّق بقسمه من ممالك الشّرق، وتقدّم إلى كلّ منهما ألاّ ينظر في عمل الآخر، وخلّد كتاب الشّرط (¬d) بالكعبة وأفرد الموفّق لمحاربة صاحب الزّنج، وأخرجه إليه وضمّ معه الجيوش.
فلمّا كبر أمره، وطالت محاربته إيّاه، وانقطعت موارد (¬e) خراج المشرق عن الموفّق، وتقاعد النّاس عن حمل المال الذي كان يحمل في كلّ عام، واحتجّوا بأشياء، دعت الضّرورة الموفّق إلى
стр. 2171
أن كتب إلى أحمد بن طولون - وهو يومئذ أمير مصر - في حمل ما يستعين به في حروب صاحب الزّنج.
وكانت مصر في قسم المفوّض لأنّها من الممالك الغربية، إلاّ أنّ الموفّق شكا في كتابه إلى ابن طولون شدّة حاجته إلى المال بسبب ما هو بسبيله، وأنفذ مع الكتاب نحريرا (¬a) خادم المتوكّل ليقبض منه المال. فما هو إلاّ أن ورد نحرير (¬a) على ابن طولون بمصر، وإذا بكتاب المعتمد قد ورد عليه يأمره فيه بحمل المال إليه على رسمه، مع ما جرى الرّسم بحمله مع المال في كلّ سنة من الطّراز والرّقيق والخيل والشّمع وغير ذلك، وكتب أيضا إلى أحمد بن طولون كتابا في السّرّ «أنّ الموفّق إنّما أنفذ نحريرا (¬a) إليك عينا ومستقصيا على أخبارك، وأنّه قد كاتب بعض أصحابك، فاحترس منه، واحمل المال إلينا، وعجّل إنفاذه».
وكان نحرير (¬a) لمّا قدم إلى مصر أنزله أحمد بن طولون معه في داره بالميدان/ ومنعه من الرّكوب، ولم يمكّنه من الخروج من الدّار التي أنزله بها حتّى سار من مصر، وتلطّف في الكتب التي أجاب بها الموفّق. وما زال (¬b) بنحرير (¬a) حتى أخذ جميع ما كان معه من الكتب التي وردت من العراق إلى مصر، وبعث معه إلى الموفق ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وما جرى الرّسم بحمله من مصر، وأخرج معه العدول، وسار بنفسه صحبته حتى بلغ به العريش، وأرسل إلى أماجور (¬c) متولّي الشّام، فقدم عليه بالعريش، وسلّمه إليه هو والمال، وأشهد عليه بتسليم ذلك العدول (¬d). ورجع إلى مصر، ونظر في الكتب التي أخذها من نحرير (¬a)، فإذا هي إلى جماعة من قوّاده باستمالتهم إلى الموفّق، فقبض على أربابها، وعاقبهم حتى هلكوا في عقوبته.
فلمّا وصل جواب ابن طولون إلى الموفّق ومعه المال، كتب إليه كتابا ثانيا يستقلّ فيه المال، ويقول: «إنّ الحساب يوجب أضعاف ما حملت»، وبسط لسانه بالقول، والتمس فيمن معه من يخرج إلى مصر ويتقلّدها عوضا عن ابن طولون، فلم يجد أحدا عوضه لما كان من كيس أحمد ابن طولون وملاطفته وجوه الدّولة. فلمّا ورد كتاب الموفّق على ابن طولون قال: وأيّ حساب بيني وبينه، أو حال توجب مكاتبتي بهذا أو غيره؟ وكتب إليه بعد البسملة:
«وصل كتاب الأمير - أيّده اللّه تعالى - وفهمته. وكان، أسعده اللّه، حقيقا بحسن التخيّر لمثلي، وتصييره إيّاي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه
стр. 2172
الذي يصول به، وسنانه الذي يتّقي الأعداء بحدّه، لأنّي دأبت (¬a) في ذلك، وجعلته وكدي، واحتملت الكلف العظام والمؤن الثّقال باستجذاب كلّ موصوف بشجاعة، واستدعاء كلّ منعوت بغنى وكفاية، بالتوسعة عليهم، وتواصل الصّلات والمعاون لهم: صيانة لهذه الدّولة، وذبّا عنها، وحسما لأطماع المتشوّفين لها والمنحرفين عنها.
ومن كانت هذه سبيله في الموالاة، ومنهجه في المناصحة، فهو حريّ أن يعرف له حقّه، ويوفّر من الإعظام قدره، ومن كلّ حال جليلة حظّه ومنزلته. فعوملت بضدّ ذلك من المطالبة بحمل ما أمر به، والجفاء في المخاطبة بغير حال توجب ذلك، ثم أكلّف على الطّاعة جعلا، وألزم في المناصحة ثمنا. وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من طاعته أن يستدعيه بالبذل والإعطاء والإرغاب والإرضاء والإكرام لا أن يكلّف ويحمل من الطّاعة مؤنة وثقلا.
وإنّي لا أعرف السّبب الذي يوجب الوحشة، ويوقعها بيني وبين الأمير - أيّده اللّه تعالى - ولا ثمّ معاملة تقتضي معاملة أو تحدث منافرة، لأنّ العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى من سواه، ولا أنا من قبله.
فإنّه والأمير جعفرا المفوّض - أيّده اللّه تعالى - قد اقتسما الأعمال، وصار لكلّ واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه أنّه من نقض عهده، أو أخفر ذمّته ولم يف لصاحبه بما أكّد على نفسه، فالأمّة بريئة منه ومن بيعته، وفي حلّ وسعة من خلفه.
والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرّة، وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه ناقض لشرطه مفسد لعهده. وقد التمس أوليائي، وأكثروا الطّلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه، فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، فصيّرت نفسي على أحرّ من الجمر وأمرّ من الصّبر،
стр. 2173
وعلى ما لا يتّسع له الصّدر.
والأمير، أيّده اللّه تعالى، أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخّاه من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف، وكفّ الأذى والمضرّة، وألاّ يضطرني إلى ما يعلم اللّه كرهي له: أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدّولة من الجيوش المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن الخطوب، مصروفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيّزنا من يرى أنه أحقّ بهذا الأمر وأولى من الأمير، ولو أمّنوني على أنفسهم - فضلا عن أن يعثروا منّي على ميل أو قيام بنصرتهم - لاشتدّت شوكتهم، ولصعب على السّلطان معاركتهم. والأمير يعلم أنّ بإزائه منهم واحدا قد كبر عليه، وفضّ كلّ جيش أنهضه إليه، على أنّه لا ناصر له إلاّ لفيف البصرة وأوباش عامّتها، فكيف من يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا؟
وما مثل الأمير في أصالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له، فيجعلها عليه بغير ما سبب يوجب ذلك. فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به وأولى، وإلاّ رجوت من اللّه كفاية أمره، وحسم مادة شرّه، وإجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا. والسّلام».
فلمّا وصل الكتاب إلى الموفّق أقلقه، وبلغ منه مبلغا عظيما، وأغاظه غيظا شديدا. وأحضر موسى بن بغا - وكان عون الدّولة وأشدّ أهلها بأسا وإقداما - فتقدّم إليه في صرف أحمد ابن طولون عن مصر وتقليدها أماجور (¬a). فامتثل ذلك، وكتب إلى أماجور (¬a) كتاب التّقليد وأنفذه إليه. فلمّا وصل إليه الكتاب، توقّف عن إرساله إلى أحمد بن طولون لعجزه عن مناهضته.
وخرج موسى بن بغا عن الحضرة مقدّرا أنّه يدوس (¬b) عمل المفوّض ليحمل الأموال منه، وكتب إلى أماجور (¬a) أمير الشّام وإلى أحمد بن طولون أمير مصر - لما بلغه/ من توقّف أماجور (¬a) عن مناهضته - يأمرهما بحمل الأموال، وعزم على قصد مصر والإيقاع بابن طولون، واستخلاف أماجور (¬a) عليها، فسار إلى الرّقّة.
стр. 2174
وبلغ ذلك ابن طولون فأقلقه وغمّه، لا لأنّه يقصر عن موسى بن بغا، لكن لتحمّله هتك الدّولة، وأن يأتي سبيل من قاوم السّلطان وحاربه وكسر جيوشه. إلاّ أنّه لم يجد بدّا من المحاربة ليدفع عن نفسه، وتأمّل مدينة فسطاط مصر، فوجدها لا تؤخذ إلاّ من جهة النّيل. فأراد - لكبر همّته وكثرة فكره في عواقب الأمور - أن يبني حصنا على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلا لحرمه وذخائره، ثم يشتغل بعد ذلك بحرب من يأتي من البرّ.
وقد زاد فكره فيمن يقدم من النّيل، فأمر ببناء الحصن على الجزيرة، واتّخذ مائة مركب حربية سوى ما ينضاف إليها من العلابيّات (١) والحمائم والعشاريات والسّنابيك وقوارب الخدمة. وعمد إلى سدّ وجه البحر الكبير، وأن يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس، وغيرها من البحر الملح إلى النّيل، بأن توقف هذه المراكب الحربية في وجه البحر الكبير خوفا ممّا سيجيء من مراكب طرسوس - كما فعل محمد بن سليمان من بعده بأولاده، كأنّه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق - وجعل فيها من يذبّ عن هذه الجزيرة، وأنفذ إلى الصّعيد وإلى أسفل الأرض بمنع من يحمل الغلال إلى البلاد، ليمنع من يأتي من البرّ الميرة.
وأقام موسى من بغا بالرّقّة عشرة أشهر، وقد اضطربت عليه الأتراك، وطالبوه بأرزاقهم مطالبة شديدة، بحيث استتر منهم كاتبه عبيد اللّه بن سليمان لتعذّر المال عليه وخوفه على نفسه منهم.
فخاف موسى بن بغا عند ذلك، ودعته ضرورة الحال إلى الرّجوع، فعاد إلى الحضرة ولم يقم بها سوى شهرين، ومات من علّة في صفر سنة أربع وستين ومائتين.
/ هذا وأحمد بن طولون يجدّ في بناء الحصن على الجزيرة، وقد ألزم قوّاده وثقاته أمر الحصن، وفرّقه عليهم قطعا قام كلّ واحد بما لزمه من ذلك، وكدّ نفسه فيه. وكان يتعاهدهم بنفسه في كلّ يوم، وهو في غفلة عما صنعه اللّه تعالى له من الكفاية والغنى عما يعانيه. ومن كثرة ما بذل في هذا العمل قدّر أنّ كلّ طوبة منه وقفت عليه بدرهم صحيح.
ولمّا تواترت الأخبار بموت موسى بن بغا، كفّ عن العمل، وتصدّق بمال كثير شكرا للّه تعالى على ما منّ به عليه من صيانته عمّا يقبح فيه عنه الأحدوثة.
وما رأى النّاس شيئا كان أعظم من عظيم الجدّ في بناء هذا الحصن، ومباكرة الصّنّاع له في الأسحار حتى فرغوا منه، فإنّهم كانوا يخرجون إليه من منازلهم في كلّ بكرة من تلقاء أنفسهم
стр. 2175
من غير استحثاث، لكثرة ما سخا به من بذل المال. فلمّا انقطع البناء لم ير أحدّ من الصّنّاع التي كانت فيه مع كثرتها، كأنّما هي نار صبّ عليها ماء فطفئت لوقتها. ووهب للصّنّاع مالا جزيلا، وترك لهم جميع ما كان سلفا معهم. وبلغ مصروف هذا الحصن ثمانين ألف دينار ذهبا (١).
وكان ممّا حمل أحمد بن طولون على بناء الحصن أنّ الموفّق أراد أن يشغل قلبه، فسرقت نعله من بيت حظيّة لا يدخلها إلاّ ثقاته، وبعثها الموفّق إليه، فقال له الرّسول: من قدر على أخذ هذه النّعل من الموضع الذي تعرفه، أليس هو بقادر على أخذ روحك؟ فو اللّه أيّها الأمير لقد قام عليه أخذ هذه النّعل بخمسين ألف دينار؛ فعند ذلك أمر ببناء الحصن.
وقال أبو عمر الكندي في كتاب «أمراء مصر»: وتقدّم أبو أحمد الموفّق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها أماجور (¬a) التركي. فكتب موسى بن بغا بذلك إلى أماجور (¬a) - وهو والي دمشق يومئذ - فتوقّف لعجزه عن مقاومة أحمد بن طولون، فخرج موسى ابن بغا فنزل الرّقّة. وبلغ ابن طولون أنّه سائر إليه، ولم يجد بدّا من محاربته، فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه، وابتدأ في ابتناء الحصن الذي بالجزيرة التي بين الجسرين، ورأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائتين. واجتهد أحمد بن طولون في بناء المراكب الحربية، وأطافها بالجزيرة، وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكلّ ما قدر عليه.
وأقام موسى بن بغا بالرّقّة عشرة أشهر، وأحمد بن طولون في إحكام أموره، واضطربت أصحاب موسى بن بغا عليه، وضاق بهم منزلهم، وطالبوا موسى بالمسير أو الرّجوع إلى العراق.
فبينا هو كذلك توفّي موسى بن بغا في سنة أربع وستين ومائتين.
وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون فيه تحامل:
[البسيط]
لمّا ثوى ابن بغا بالرّقّتين ملا … ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنا يستجنّ به … بالعسف والضّرب والصّنّاع في تعب
وراقب الجيزة القصوى فخندقها … وكاد يصعق من خوف ومن رعب