أن كتب إلى أحمد بن طولون - وهو يومئذ أمير مصر - في حمل ما يستعين به في حروب صاحب الزّنج.
وكانت مصر في قسم المفوّض لأنّها من الممالك الغربية، إلاّ أنّ الموفّق شكا في كتابه إلى ابن طولون شدّة حاجته إلى المال بسبب ما هو بسبيله، وأنفذ مع الكتاب نحريرا (¬a) خادم المتوكّل ليقبض منه المال. فما هو إلاّ أن ورد نحرير (¬a) على ابن طولون بمصر، وإذا بكتاب المعتمد قد ورد عليه يأمره فيه بحمل المال إليه على رسمه، مع ما جرى الرّسم بحمله مع المال في كلّ سنة من الطّراز والرّقيق والخيل والشّمع وغير ذلك، وكتب أيضا إلى أحمد بن طولون كتابا في السّرّ «أنّ الموفّق إنّما أنفذ نحريرا (¬a) إليك عينا ومستقصيا على أخبارك، وأنّه قد كاتب بعض أصحابك، فاحترس منه، واحمل المال إلينا، وعجّل إنفاذه».
وكان نحرير (¬a) لمّا قدم إلى مصر أنزله أحمد بن طولون معه في داره بالميدان/ ومنعه من الرّكوب، ولم يمكّنه من الخروج من الدّار التي أنزله بها حتّى سار من مصر، وتلطّف في الكتب التي أجاب بها الموفّق. وما زال (¬b) بنحرير (¬a) حتى أخذ جميع ما كان معه من الكتب التي وردت من العراق إلى مصر، وبعث معه إلى الموفق ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار، وما جرى الرّسم بحمله من مصر، وأخرج معه العدول، وسار بنفسه صحبته حتى بلغ به العريش، وأرسل إلى أماجور (¬c) متولّي الشّام، فقدم عليه بالعريش، وسلّمه إليه هو والمال، وأشهد عليه بتسليم ذلك العدول (¬d). ورجع إلى مصر، ونظر في الكتب التي أخذها من نحرير (¬a)، فإذا هي إلى جماعة من قوّاده باستمالتهم إلى الموفّق، فقبض على أربابها، وعاقبهم حتى هلكوا في عقوبته.
فلمّا وصل جواب ابن طولون إلى الموفّق ومعه المال، كتب إليه كتابا ثانيا يستقلّ فيه المال، ويقول: «إنّ الحساب يوجب أضعاف ما حملت»، وبسط لسانه بالقول، والتمس فيمن معه من يخرج إلى مصر ويتقلّدها عوضا عن ابن طولون، فلم يجد أحدا عوضه لما كان من كيس أحمد ابن طولون وملاطفته وجوه الدّولة. فلمّا ورد كتاب الموفّق على ابن طولون قال: وأيّ حساب بيني وبينه، أو حال توجب مكاتبتي بهذا أو غيره؟ وكتب إليه بعد البسملة:
«وصل كتاب الأمير - أيّده اللّه تعالى - وفهمته. وكان، أسعده اللّه، حقيقا بحسن التخيّر لمثلي، وتصييره إيّاي عمدته التي يعتمد عليها، وسيفه
стр. 2172
الذي يصول به، وسنانه الذي يتّقي الأعداء بحدّه، لأنّي دأبت (¬a) في ذلك، وجعلته وكدي، واحتملت الكلف العظام والمؤن الثّقال باستجذاب كلّ موصوف بشجاعة، واستدعاء كلّ منعوت بغنى وكفاية، بالتوسعة عليهم، وتواصل الصّلات والمعاون لهم: صيانة لهذه الدّولة، وذبّا عنها، وحسما لأطماع المتشوّفين لها والمنحرفين عنها.
ومن كانت هذه سبيله في الموالاة، ومنهجه في المناصحة، فهو حريّ أن يعرف له حقّه، ويوفّر من الإعظام قدره، ومن كلّ حال جليلة حظّه ومنزلته. فعوملت بضدّ ذلك من المطالبة بحمل ما أمر به، والجفاء في المخاطبة بغير حال توجب ذلك، ثم أكلّف على الطّاعة جعلا، وألزم في المناصحة ثمنا. وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من طاعته أن يستدعيه بالبذل والإعطاء والإرغاب والإرضاء والإكرام لا أن يكلّف ويحمل من الطّاعة مؤنة وثقلا.
وإنّي لا أعرف السّبب الذي يوجب الوحشة، ويوقعها بيني وبين الأمير - أيّده اللّه تعالى - ولا ثمّ معاملة تقتضي معاملة أو تحدث منافرة، لأنّ العمل الذي أنا بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى من سواه، ولا أنا من قبله.
فإنّه والأمير جعفرا المفوّض - أيّده اللّه تعالى - قد اقتسما الأعمال، وصار لكلّ واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه أنّه من نقض عهده، أو أخفر ذمّته ولم يف لصاحبه بما أكّد على نفسه، فالأمّة بريئة منه ومن بيعته، وفي حلّ وسعة من خلفه.
والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي مرّة، وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه ناقض لشرطه مفسد لعهده. وقد التمس أوليائي، وأكثروا الطّلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه، فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، فصيّرت نفسي على أحرّ من الجمر وأمرّ من الصّبر،
стр. 2173
وعلى ما لا يتّسع له الصّدر.
والأمير، أيّده اللّه تعالى، أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخّاه من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف، وكفّ الأذى والمضرّة، وألاّ يضطرني إلى ما يعلم اللّه كرهي له: أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدّولة من الجيوش المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن الخطوب، مصروفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيّزنا من يرى أنه أحقّ بهذا الأمر وأولى من الأمير، ولو أمّنوني على أنفسهم - فضلا عن أن يعثروا منّي على ميل أو قيام بنصرتهم - لاشتدّت شوكتهم، ولصعب على السّلطان معاركتهم. والأمير يعلم أنّ بإزائه منهم واحدا قد كبر عليه، وفضّ كلّ جيش أنهضه إليه، على أنّه لا ناصر له إلاّ لفيف البصرة وأوباش عامّتها، فكيف من يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا؟
وما مثل الأمير في أصالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له، فيجعلها عليه بغير ما سبب يوجب ذلك. فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به وأولى، وإلاّ رجوت من اللّه كفاية أمره، وحسم مادة شرّه، وإجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا. والسّلام».
فلمّا وصل الكتاب إلى الموفّق أقلقه، وبلغ منه مبلغا عظيما، وأغاظه غيظا شديدا. وأحضر موسى بن بغا - وكان عون الدّولة وأشدّ أهلها بأسا وإقداما - فتقدّم إليه في صرف أحمد ابن طولون عن مصر وتقليدها أماجور (¬a). فامتثل ذلك، وكتب إلى أماجور (¬a) كتاب التّقليد وأنفذه إليه. فلمّا وصل إليه الكتاب، توقّف عن إرساله إلى أحمد بن طولون لعجزه عن مناهضته.
وخرج موسى بن بغا عن الحضرة مقدّرا أنّه يدوس (¬b) عمل المفوّض ليحمل الأموال منه، وكتب إلى أماجور (¬a) أمير الشّام وإلى أحمد بن طولون أمير مصر - لما بلغه/ من توقّف أماجور (¬a) عن مناهضته - يأمرهما بحمل الأموال، وعزم على قصد مصر والإيقاع بابن طولون، واستخلاف أماجور (¬a) عليها، فسار إلى الرّقّة.
стр. 2174
وبلغ ذلك ابن طولون فأقلقه وغمّه، لا لأنّه يقصر عن موسى بن بغا، لكن لتحمّله هتك الدّولة، وأن يأتي سبيل من قاوم السّلطان وحاربه وكسر جيوشه. إلاّ أنّه لم يجد بدّا من المحاربة ليدفع عن نفسه، وتأمّل مدينة فسطاط مصر، فوجدها لا تؤخذ إلاّ من جهة النّيل. فأراد - لكبر همّته وكثرة فكره في عواقب الأمور - أن يبني حصنا على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلا لحرمه وذخائره، ثم يشتغل بعد ذلك بحرب من يأتي من البرّ.
وقد زاد فكره فيمن يقدم من النّيل، فأمر ببناء الحصن على الجزيرة، واتّخذ مائة مركب حربية سوى ما ينضاف إليها من العلابيّات (١) والحمائم والعشاريات والسّنابيك وقوارب الخدمة. وعمد إلى سدّ وجه البحر الكبير، وأن يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس، وغيرها من البحر الملح إلى النّيل، بأن توقف هذه المراكب الحربية في وجه البحر الكبير خوفا ممّا سيجيء من مراكب طرسوس - كما فعل محمد بن سليمان من بعده بأولاده، كأنّه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق - وجعل فيها من يذبّ عن هذه الجزيرة، وأنفذ إلى الصّعيد وإلى أسفل الأرض بمنع من يحمل الغلال إلى البلاد، ليمنع من يأتي من البرّ الميرة.
وأقام موسى من بغا بالرّقّة عشرة أشهر، وقد اضطربت عليه الأتراك، وطالبوه بأرزاقهم مطالبة شديدة، بحيث استتر منهم كاتبه عبيد اللّه بن سليمان لتعذّر المال عليه وخوفه على نفسه منهم.
فخاف موسى بن بغا عند ذلك، ودعته ضرورة الحال إلى الرّجوع، فعاد إلى الحضرة ولم يقم بها سوى شهرين، ومات من علّة في صفر سنة أربع وستين ومائتين.
/ هذا وأحمد بن طولون يجدّ في بناء الحصن على الجزيرة، وقد ألزم قوّاده وثقاته أمر الحصن، وفرّقه عليهم قطعا قام كلّ واحد بما لزمه من ذلك، وكدّ نفسه فيه. وكان يتعاهدهم بنفسه في كلّ يوم، وهو في غفلة عما صنعه اللّه تعالى له من الكفاية والغنى عما يعانيه. ومن كثرة ما بذل في هذا العمل قدّر أنّ كلّ طوبة منه وقفت عليه بدرهم صحيح.
ولمّا تواترت الأخبار بموت موسى بن بغا، كفّ عن العمل، وتصدّق بمال كثير شكرا للّه تعالى على ما منّ به عليه من صيانته عمّا يقبح فيه عنه الأحدوثة.
وما رأى النّاس شيئا كان أعظم من عظيم الجدّ في بناء هذا الحصن، ومباكرة الصّنّاع له في الأسحار حتى فرغوا منه، فإنّهم كانوا يخرجون إليه من منازلهم في كلّ بكرة من تلقاء أنفسهم
стр. 2175
من غير استحثاث، لكثرة ما سخا به من بذل المال. فلمّا انقطع البناء لم ير أحدّ من الصّنّاع التي كانت فيه مع كثرتها، كأنّما هي نار صبّ عليها ماء فطفئت لوقتها. ووهب للصّنّاع مالا جزيلا، وترك لهم جميع ما كان سلفا معهم. وبلغ مصروف هذا الحصن ثمانين ألف دينار ذهبا (١).
وكان ممّا حمل أحمد بن طولون على بناء الحصن أنّ الموفّق أراد أن يشغل قلبه، فسرقت نعله من بيت حظيّة لا يدخلها إلاّ ثقاته، وبعثها الموفّق إليه، فقال له الرّسول: من قدر على أخذ هذه النّعل من الموضع الذي تعرفه، أليس هو بقادر على أخذ روحك؟ فو اللّه أيّها الأمير لقد قام عليه أخذ هذه النّعل بخمسين ألف دينار؛ فعند ذلك أمر ببناء الحصن.
وقال أبو عمر الكندي في كتاب «أمراء مصر»: وتقدّم أبو أحمد الموفّق إلى موسى بن بغا في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها أماجور (¬a) التركي. فكتب موسى بن بغا بذلك إلى أماجور (¬a) - وهو والي دمشق يومئذ - فتوقّف لعجزه عن مقاومة أحمد بن طولون، فخرج موسى ابن بغا فنزل الرّقّة. وبلغ ابن طولون أنّه سائر إليه، ولم يجد بدّا من محاربته، فأخذ أحمد بن طولون في الحذر منه، وابتدأ في ابتناء الحصن الذي بالجزيرة التي بين الجسرين، ورأى أن يجعله معقلا لماله وحرمه، وذلك في سنة ثلاث وستين ومائتين. واجتهد أحمد بن طولون في بناء المراكب الحربية، وأطافها بالجزيرة، وأظهر الامتناع من موسى بن بغا بكلّ ما قدر عليه.
وأقام موسى بن بغا بالرّقّة عشرة أشهر، وأحمد بن طولون في إحكام أموره، واضطربت أصحاب موسى بن بغا عليه، وضاق بهم منزلهم، وطالبوا موسى بالمسير أو الرّجوع إلى العراق.
فبينا هو كذلك توفّي موسى بن بغا في سنة أربع وستين ومائتين.
وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون فيه تحامل:
[البسيط]
لمّا ثوى ابن بغا بالرّقّتين ملا … ساقيه زرقا إلى الكعبين والعقب
بنى الجزيرة حصنا يستجنّ به … بالعسف والضّرب والصّنّاع في تعب
وراقب الجيزة القصوى فخندقها … وكاد يصعق من خوف ومن رعب
стр. 2176
له مراكب فوق النّيل راكدة … فما سوى القار للنّظّار والخشب
ترى عليها لباس الذّلّ مذ بنيت … بالشّطّ ممنوعة من عزّة الطّلب
/ فما بناها لغزو الرّوم محتسبا … لكن بناها غداة الرّوع للهرب (¬a) (١)
وقال سعيد بن القاص (¬b) من أبيات:
[الطويل]
وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر
ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من النّاس في بدو البلاد ولا حضر
مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدّى وارثيه إلى الفخر
وما زال حصن الجزيرة هذا عامرا أيّام بني طولون، وعملت فيه صناعة مصر التي تنشأ فيها المراكب الحربية. فاستمرّ صناعة إلى أن تقلّد الأمير محمد بن طغج الإخشيد إمارة مصر من قبل أمير المؤمنين الرّاضي باللّه، وسيّر مراكب من الشّام عليها صاعد بن الكلكم، فدخل تنّيس، وصارت مقدّمته في البرّ، ودخل صاعد دمياط، وسار فهزم جيش مصر الذي جهّزه أحمد بن كيغلغ إليه بتدبير محمد بن عليّ الماذرائي على بحيرة نوسا، وأقبل في مراكبه إلى الفسطاط فكان بالجزيرة.
وقدم محمد بن طغج، وتسلّم البلد لستّ بقين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وفرّ منه جماعة إلى الفيّوم. فخرج إليهم صاعد بن الكلكم في مراكبه، وواقعهم بالفيّوم فقتل في عدّة من أصحابه، وقدمت الجماعة في مراكب ابن كلكم، فأرسلوا بجزيرة الصّناعة وحرقوها، ثم مضوا إلى الإسكندرية وساروا إلى برقة. فقال محمد بن طغج: الصّناعة هنا خطأ، وأمر بعمل صناعة في برّ مصر.
وحكى ابن زولاق في «سيرة محمد بن طغج» أنّه قال: أذكر أنّي كنت آكل مع أبي منصور تكين أمير مصر، وجرى ذكر الصّناعة فقال تكين: صناعة يكون بيننا وبينها بحر خطأ. فأشارت الجماعة بنقلها، فقال: إلى أي موضع؟ فأردت أن أشير عليه بدار خديجة بنت الفتح بن خاقان، ثم سكتّ، وقلت: أدع هذا الرأي لنفسي إذا ملكت مصر، فبلغت ذلك والحمد للّه وحده.
стр. 2177
ولمّا أخذ محمد بن طغج دار خديجة كان يتردّد إليها حتى عملت. فلمّا ابتدأوا بإنشاء المراكب فيها، صاحت به امرأة، فقال: خذوها. فساروا بها إلى داره، فأحضرها مساء، واستخبرها عن أمرها. فقالت: ابعث معي من يحمل المال. فأرسل معها جماعة إلى دار خديجة هذه، فدلّتهم على مكان استخرجوا منه عينا وورقا وحليّا وثيابا وعدّة ذخائر لم ير مثلها، وصاروا بها إلى محمد بن طغج. فطلب المرأة ليكافئها على ما كان منها، فلم توجد. فكان هذا أوّل مال وصل إلى محمد بن طغج بمصر.
قال: واستدعى محمد بن طغج الإخشيد صالح بن نافع وقال له: كان في نفسي إذا ملكت مصر أن أجعل صناعة العمارة في دار ابنة الفتح، وأجعل موضع الصّناعة من الجزيرة بستانا أسمّيه «المختار». فاركب وخطّ لي بستانا ودارا، وقدّر لي النّفقة عليها. فركب صالح بجماعة، وخطّوا بستانا في دار للغلمان ودار للنّوبة وخزائن للكسوة وخزائن للطّعام، وصوّروه وأتوا به، فاستحسنه وقال: كم قدّرتم النّفقة؟ قالوا: ثلاثين ألف دينار. فاستكثرها، فلم يزالوا يضعون من التقدير حتى صار خمسة آلاف دينار. فأذن في عمله. ولمّا شرعوا فيه ألزمهم المال من عندهم، فقسّط على جماعة، وفرغ من بنائه. فاتّخذه الإخشيد متنزّها له، وصار يفاخر به أهل العراق (١).
وكان نقل الصّناعة من الجزيرة إلى ساحل النّيل بمصر في شعبان سنة خمس وعشرين وثلاث مائة. فلم يزل البستان المختار متنزّها إلى أن زالت الدّولة الإخشيدية والكافورية، وقدمت الدّولة الفاطميّة من بلاد المغرب إلى مصر. فكان يتنزّه فيه المعزّ لدين اللّه معدّ وابنه العزيز باللّه نزار، وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالنّاس لها وال وقاض، وكان يقال «القاهرة ومصر والجزيرة».
فلمّا كانت أيّام استيلاء الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وحجره على الخلفاء، أنشأ في بحريّ الجزيرة مكانا نزها سمّاه «الرّوضة»، وتردّد إليها تردّدا كثيرا، فكان يسير في العشاريات الموكبيات من دار الملك - التي كانت سكنه بمصر - إلى الرّوضة، ومن حينئذ صارت الجزيرة كلّها تعرف ب «الرّوضة». فلمّا قتل الأفضل بن أمير الجيوش، واستبدّ الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي باللّه، أنشأ بجوار البستان المختار من جزيرة الرّوضة، مكانا لمحبوبته العالية البدويّة سمّاه «الهودج».
стр. 2178
الهودج -
قال ابن سعيد في كتاب «المحلّى بالأشعار» عن تاريخ القرطي (¬a): قد أكثر النّاس في حديث البدويّة وابن ميّاح من بني عمّها، وما يتعلّق بذلك من ذكر الخليفة الآمر بأحكام اللّه، حتى صارت رواياتهم في هذا الشأن كأحاديث البطّال وألف ليلة وليلة وما أشبه ذلك (١).
والاختصار منه أن يقال: إنّ الخليفة الآمر كان قد ابتلي بعشق الجواري العربيّات، وصارت له عيون في البوادي. فبلغه أن بالصّعيد جارية من أكمل العرب وأظرف نسائهم شاعرة جميلة.
فيقال إنّه تزيّا بزيّ بداة الأعراب، وصار يجول في الأحياء إلى أن انتهى إلى حيّها، وبات هناك/ في ضائقة، وتحيّل حتى عاينها فما ملك صبره، ورجع إلى مقرّ ملكه وسرير خلافته، فأرسل إلى أهلها يخطبها، فأجابوه إلى ذلك وزوّجوها منه.
فلمّا صارت إلى القصور، صعب عليها مفارقة ما اعتادت، وأحبّت أن تسرح طرفها في الفضاء، ولا تقبض نفسها تحت حيطان المدينة. فبنى لها البناء المشهور في جزيرة الفسطاط المعروف ب «الهودج»، وكان على شاطئ النّيل في شكل غريب.
وكان بالإسكندرية القاضي مكين الدّولة أبو طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن الحسن ابن حديد، قد استولى على أمورها، وصار قاضيها وناظرها، ولم يبق لأحد معه فيها كلام، وضمن أموالها بجملة يحملها.
وكان ذا مروءة عظيمة يحتذى أفعال البرامكة، وللشّعراء فيه مدائح كثيرة، وممّن مدحه ظافر الحدّاد، وأميّة بن أبي الصّلت، وجماعة. وكان الأفضل بن أمير الجيوش إذا أراد الاعتناء بأحد كتب معه كتابا إلى ابن حديد هذا، فيغنيه بكثرة عطائه.
وكان له بستان يتفرّج فيه، به جرن كبير من رخام قطعة واحدة ينحدر فيه الماء فيبقى كالبركة من سعته، وكان يجد في نفسه برؤية هذا الجرن زيادة على أهل النّعم، ويباهي به أهل عصره. فوشي به للبدويّة محبوبة الخليفة، فطلبته من الخليفة، فأنفذ في الحال بإحضاره.
стр. 2179
فلم يسع ابن حديد إلاّ أن قلعه من مكانه، وبعث به وفي نفسه حزازة من أخذه منه، وخدم البدوية، وخدم جميع من يلوذ بها، حتى قالت: هذا الرّجل أخجلنا بكثرة هداياه وتحفه، ولم يكلّفنا قطّ أمرا نقدر عليه عند الخليفة مولانا.
فلمّا بلغه ذلك عنها قال: ما لي حاجة، بعد الدّعاء للّه تعالى بحفظ مكانها وطول حياتها، غير رد الجرن الذي أخذ من داري التي بنيتها في أيامهم من نعمهم إلى مكانه.
فلما سمعت هذا عنه تعجّبت منه، وأمرت بردّ الجرن إليه. فقيل له: قد وصلت إلى حدّ أن خيّرتك البدوية في جميع المطالب، فنزلت همّتك إلى قطعة حجر!
فقال: أنا أعرف بنفسي، ما كان لها أمل سوى ألاّ تغلب في أخذ ذلك الجرن من مكانه، وقد بلّغها اللّه أملها.
وبقيت البدويّة متعلّقة الخاطر بابن عمّ لها ربّيت معه يعرف بابن ميّاح، فكتبت إليه وهي بقصر الخليفة الآمر:
[الرمل]
يا ابن ميّاح إليك المشتكى … مالك من بعدكم قد ملكا
كنت في حيي مرا مطلقا … نائلا ما شئت منكم مدركا
فأنا الآن بقصر موصد … لا أرى إلاّ حبيسا ممسكا
كم تثنّينا بأغصان اللّوا … حيث لا نخشى علينا دركا
وتلاعبنا برملات الحمى … حيثما شاء طليق سلكا
فأجابها:
[الرمل]
بنت عمّي والتي غذّيتها … بالهوى حتى علا واحتنكا
بحت بالشّكوى وعندي ضعفها … لو غدا ينفع منها المشتكى
مالك الأمر إليه يشتكى … هالك وهو الذي قد هلكا
كأن داود غدا في عصرنا … مبديا بالتيه ما قد ملكا
فبلغت الآمر، فقال: لولا أنّه أساء الأدب في البيت الرّابع لرددتها إلى حيّه وزوّجتها به.
قال القرطبي (¬a): وللنّاس في طلب ابن ميّاح واختفائه أخبار تطول.
стр. 2180
وكان من عرب طيّئ في عصر الخليفة الآمر طرّاد بن مهلهل، فلمّا بلغه قضيّة الآمر مع العالية البدويّة قال:
[المتقارب]
ألا أبلغوا الآمر المصطفى … مقال طرّاد ونعم المقال
قطعت الأليفين عن ألفة … بها سمر الحيّ بين الرّجال
كذا كان آباؤك الأكرمون (¬a) … سألت فقل لي جواب السّؤال
فلمّا بلغ الآمر شعره، قال: جواب السّؤال قطع لسانه على فضوله. وأمر بطلبه في أحياء العرب، ففرّ ولم يقدر عليه، فقالت العرب: ما أخسر صفقة طرّاد، باع أبيات الحيّ بثلاثة أبيات (١)!
ولم يزل الآمر يتردّد إلى الهودج بالرّوضة للنّزهة فيه، إلى أن ركب من القصر بالقاهرة يريد الهودج، في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، فلمّا كان برأس الجسر وثب عليه قوم من النّزاريّة، قد كمنوا له في فرن تجاه رأس الجسر بالرّوضة، وضربوه بالسّكاكين حتى أثخنوه، وجرحوا جماعة من خدّامه، فحمل إلى منظرة اللّؤلؤة بشاطئ الخليج وقد مات (٢).
ذكر قلعة الرّوضة -
اعلم أنّه ما برحت جزيرة الرّوضة متنزّها ملوكيّا ومسكنا للنّاس، كما تقدّم ذكره، إلى أن ولي الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب سلطنة مصر، فأنشأ القلعة بالرّوضة، فعرفت ب «قلعة المقياس» وب «قلعة الرّوضة» وب «قلعة الجزيرة» وب «القلعة الصّالحيّة».
وشرع في حفر أساسها يوم الأربعاء خامس شعبان، وابتدأ بنيانها في آخر السّاعة الثالثة من يوم الجمعة سادس عشره (٣). وفي عاشر ذي القعدة وقع الهدم في الدّور والقصور والمساجد التي كانت
стр. 2181
بجزيرة الرّوضة، وتحوّل النّاس من مساكنهم التي كانوا بها، وهدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس وأدخلها في القلعة. وأنفق في عمارتها أموالا جمّة، وبنى فيها الدّور والقصور، وعمل لها ستين برجا، وبنى بها جامعا، وغرس بها جميع الأشجار، ونقل إليها عمد الصّوّان من البرابي وعمد الرّخام، وشحنها بالأسلحة وآلات الحرب، وما يحتاج إليه من الغلال والأزواد والأقوات، خشية من محاصرة الفرنج، فإنّهم كانوا حينئذ على عزم قصد بلاد مصر.
وبالغ في إتقانها مبالغة عظيمة، حتى قيل إنّه استقام كلّ حجر فيها بدينار، وكلّ طوبة بدرهم. وكان الملك الصّالح يقف بنفسه ويرتّب ما يعمل، فصارت تدهش من كثرة زخرفتها، وتحيّر النّاظر إليها من حسن سقوفها المقرنصة (¬a) وبديع رخامها.
ويقال إنّه قطع من الموضع الذي أنشأ فيه هذه القلعة ألف نخلة مثمرة، كان رطبها يهدى إلى ملوك مصر لحسن منظرة وطيب طعمه، وخرّب الهودج والبستان المختار، وهدم ثلاثة وثلاثين مسجدا عمّرها خلفاء مصر وسراة المصريين لذكر اللّه تعالى وإقامة الصّلوات (١).
واتّفق له في هدم بعض هذه المساجد خبر غريب، قال الحافظ جمال الدّين يوسف بن أحمد ابن محمود بن أحمد الأسدي، الشهير باليغموري (٢): سمعت الأمير الكبير الجواد جمال الدّين أبا الفتح موسى ابن الأمير شرف الدّين يغمور بن جلدك بن عبد اللّه، قال: ومن عجيب ما شاهدته من الملك الصّالح أبي الفتوح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل - رحمه اللّه تعالى - أنّه أمرني أن أهدم مسجدا كان في جوار داره بجزيرة مصر. فأخّرت ذلك، وكرهت أن يكون هدمه على يديّ، فأعاد الأمر وأنا أكاسر عنه. فكأنّه (¬b) فهم منّي ذلك، فاستدعى بعض خدمه من نوّابي وأنا غائب، وأمره أن يهدم ذلك المسجد، وأن يبني في مكانه قاعة، وقدّر له صفتها. فهدم ذلك
стр. 2182
المسجد وعمّر تلك القاعة مكانه وكملت (١).
وقدمت الفرنج إلى الدّيار المصرية، وخرج الملك الصّالح مع عساكره إليهم، ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في المكان الذي كان مسجدا. فتوفّي السّلطان في المنصورة، وجعل في مركب وأتي به إلى الجزيرة، فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدّة إلى أن بنيت له التّربة التي في جنب مدارسه بالقاهرة في جانب القصر (٢)، عفا اللّه عنه.
وكان النّيل - عندما عزم الملك الصّالح على عمارة قلعة الرّوضة - من الجانب الغربي، فيما بين الرّوضة وبرّ الجيزة، وقد انطرد عن برّ مصر، ولا يحيط بالرّوضة إلاّ في أيّام الزّيادة. فلم يزل يغرق السّفن في البرّ الغربي، ويحفر فيما بين الرّوضة ومصر ما كان هناك من الرّمال، حتى عاد ماء النّيل إلى برّ مصر، واستمرّ هناك، فأنشأ جسرا عظيما ممتدا من برّ مصر إلى الرّوضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات (٣).
وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة السّلطانية بقلعة الرّوضة، يترجّلون عن خيولهم عند البرّ، ويمشون في طول هذا الجسر إلى القلعة، ولا يمكّن أحد من العبور عليه راكبا سوى السّلطان فقط.
ولمّا كملت تحوّل إليها بأهله وحرمه، واتّخذها دار ملك، وأسكن فيها معه مماليكه البحريّة، وكانت عدّتهم نحو الألف مملوك.
قال العلاّمة عليّ بن موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد في كتاب «المغرب» وقد ذكر الرّوضة (٤): هي أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النّيل، وكانت متنزّها
стр. 2183
لأهل مصر. فاختارها الصّالح بن الكامل سرير السّلطنة، وبنى بها قلعة مسوّرة بسور ساطع اللّون، محكم البناء عالي السّمك، لم تر عيني أحسن منه.
وفي هذه الجزيرة كان «الهودج» الذي بناه الآمر خليفة مصر لزوجته البدويّة التي هام في حبّها، و «المختار» بستان الإخشيد وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعزّ وغيره. ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار، منها قول أبي الفتح بن قادوس الدّمياطي (١):
[الوافر]
أرى سرح الجزيرة من بعيد … كأحداق تغازل في المغازل (¬a)
كأنّ مجرّة الجوزا أحاطت … وأثبتت المنازل في المنازل
وكنت أبيت (¬b) في بعض اللّيالي بالفسطاط على ساحلها، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النّيل أمام سور هذه الجزيرة الدّرّي اللّون. ولم أنفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدّور السّلطانية ما ارتفعت إليه/ همّة بانيها، وهو من أعظم السّلاطين همّة في البناء.
وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانا لجلوسه لم تر عينيّ مثاله، ولا يقدّر (¬c) ما أنفق عليه، وفيه من صفائح الذّهب والرّخام الأبنوسي والكافوري والمجزّع ما يذهل الأفكار، ويستوقف الأبصار.
ويفضل عمّا أحاط به السّور أرض طويلة، وفي بعضها حاظر حظر به على أصناف الوحوش التي يتفرّج عليها السّلطان، وبعدها مروج ينقطع فيها مياه النّيل فينظر منها (¬d) أحسن منظر.
وقد تفرّجت كثيرا في طرف هذه الجزيرة ممّا يلي برّ القاهرة، فقطعت فيه عشيّات مذهبات لم تزل لأحزان الغربة مذهبات.
وإذا زاد النّيل فصل ما بينها وبين الفسطاط بالكلّيّة. وفي أيّام احتراق النّيل يتّصل برّها ببرّ الفسطاط من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر يكون (¬e) فيه المراكب (¬f).
وركبت مرّة هذا النّيل أيّام الزّيادة مع الصّاحب المحسّن محيي الدّين [بن سعيد] (¬g) بن ندا وزير الجزيرة، وصعدنا إلى جهة الصّعيد، ثم انحدرنا واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ والنّيل قد
стр. 2184
انقسم عنها، فقلت:
[الطويل]
تأمّل لحسن الصّالحيّة إذ بدت … وأبراجها مثل النّجوم تلالا
وللقلعة الغرّاء كالبدر طالعا … تفرّج صدر الماء عنه هلالا
ووافى إليها النّيل من بعد غاية … كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق لحسنها … فمدّ يمينا نحوها وشمالا
جرى قادما بالسّعد فاختطّ حولها … من السّعد أعلاما فزاد دلالا
ولم تزل هذه القلعة عامرة حتى زالت دولة بني أيّوب؛ فلمّا ملك السّلطان الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني - أوّل ملوك التّرك بمصر - أمر بهدمها (١)، وعمّر منها مدرسته المعروفة بالمعزّيّة في رحبة الحنّاء بمدينة مصر (٢). وطمع في القلعة من له جاه، فأخذ جماعة منها عدّة سقوف وشبابيك كثيرة وغير ذلك، وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة.
فلمّا صارت مملكة مصر إلى السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، اهتمّ بعمارة قلعة الرّوضة، ورسم للأمير جمال الدّين موسى بن يغمور أن يتولّى إعادتها كما كانت.
فأصلح بعض ما تهدّم فيها، ورتّب فيها الجاندارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة. وأمر بأبراجها ففرّقت على الأمراء، وأعطى برج الزّاوية للأمير سيف الدّين قلاوون الألفي، والبرج الذي يليه للأمير عزّ الدّين الحلّي، والبرج الثّالث من بروج الزّاوية للأمير عزّ الدّين أرغان، وأعطى برج الزّاوية الغربي للأمير بدر الدّين الشّمسي، وفرّقت بقيّة الأبراج على سائر الأمراء، ورسم أن تكون بيوتات جميع الأمراء واسطبلاتهم فيها، وسلّم المفاتيح لهم.
فلمّا تسلطن الملك المنصور قلاوون الألفي، وشرع في بناء المارستان والقبّة والمدرسة المنصوريّة، نقل من قلعة الرّوضة هذه ما يحتاج إليه من عمد الصّوّان وعمد الرّخام التي كانت قبل عمارة القلعة في البرابي، وأخذ منها رخاما كثيرا وأعتابا جليلة ممّا كان في البرابي وغير ذلك (٣). ثم أخذ منها السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون ما احتاج إليه من عمد الصّوّان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل والجامع الجديد النّاصريّ ظاهر مدينة مصر، وأخذ غير ذلك حتى ذهبت كأن لم تكن (٤).
стр. 2185
وتأخّر منها عقد جليل تسمّيه العامّة القوس، كان ممّا يلي جانبها الغربي، أدركناه باقيا إلى نحو سنة عشرين وثمان مائة، وبقي من أبراجها عدّة قد انقلب أكثرها، وبنى النّاس فوقها دورهم المطلّة على النّيل.
قال ابن المتوّج: ثم اشترى الملك المظفّر تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب جزيرة مصر، المعروفة اليوم بالرّوضة، في شعبان سنة ستّ وستين وخمس مائة. وإنّما سمّيت بالرّوضة لأنّه لم يكن بالدّيار المصرية مثلها، وبحر النّيل حائز لها ودائر عليها. وكانت حصينة وفيها من البساتين والعمائر والثّمار ما لم يكن في غيرها.
ولمّا فتح عمرو بن العاص مصر تحصّن الرّوم بها مدّة. فلمّا طال حصارها وهرب الرّوم منها، خرّب عمرو بن العاص بعض أبراجها وأسوارها، وكانت مستديرة عليها، واستمرّت إلى أن عمّر حصنها أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين، ولم يزل هذا الحصن حتى خرّبه النّيل.
ثم اشتراها الملك المظفّر تقيّ الدّين عمر المذكور، وبقيت على ملكه إلى أن سيّر السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر ومعه عمّه الملك العادل، وكتب إلى الملك المظفّر بأن يسلّم لهما البلاد ويقدم عليه إلى الشّام. فلمّا ورد عليه الكتاب، ووصل ابن عمّه الملك العزيز وعمّه الملك العادل، شقّ عليه خروجه من الدّيار المصرية، وتحقّق أنّه لا عود له إليها أبدا. فوقف هذه المدرسة التي تعرف اليوم في مصر ب «المدرسة التّقويّة» - التي كانت تعرف بمنازل العزّ - ووقف عليها/ الجزيرة بكاملها (١)، وسافر إلى عمّه فملّكه حماة.
ولم يزل الحال كذلك إلى أن ولي الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، فاستأجر الجزيرة من القاضي فخر الدّين أبي محمد عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدّين أبي القاسم عبد الرّحمن ابن محمد بن عبد العليّ بن عبد القادر السّكّري، مدرّس المدرسة المذكورة، لمدّة ستين سنة في دفعتين، كلّ دفعة قطعة: فالقطعة الأولى من جامع غبن (¬a) إلى المناظر طولا وعرضا من البحر إلى البحر، واستأجر القطعة الثانية وهي باقي أرض الجزيرة (¬b) الدّائر عليها بحر النّيل حين ذاك واستولى على ما كان بالجزيرة من النّخل (¬b).
стр. 2186
فإنّه لمّا عمّر الملك الصّالح مناظر قلعة الجزيرة، قطعت النّخل (¬a) ودخلت في العمائر. وأمّا الجمّيز فإنّه كان بشاطئ بحر النّيل صفّ جمّيز يزيد على أربعين شجرة، وكان أهل مصر فرجهم تحتها في زمن النّيل والرّبيع، قطعت جميعها في الدّولة الظّاهريّة، وعمّر بها شواني عوض الشّواني التي كان قد سيّرها إلى جزيرة قبرس. ثم سلّم لمدرّس التّقويّة القطعة المستأجرة من الجزيرة أوّلا في سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، وبقي بيد السّلطان القطعة الثانية.
وقد خربت قلعة الرّوضة، ولم يبق منها سوى أبراج قد بنى النّاس عليها، وبقي أيضا عقد باب من جهة الغرب يقال له «باب الإسطبل». وعادت الرّوضة بعد هدم القلعة منها متنزّها يشتمل على دور كثيرة، وبساتين عدّة، وجوامع تقام بها الجماعات والأعياد ومساجد. وقد خرب أكثر مساكن الرّوضة، وبقي فيها إلى اليوم بقايا (١).
وبطرف الرّوضة «المقياس» الذي يقاس فيه ماء النّيل اليوم، ويقال له «المقياس الهاشمي»، وهو آخر مقياس بني بديار مصر (٢). قال أبو عمر الكندي: وورد كتاب المتوكّل على اللّه بابتناء المقياس الهاشمي للنّيل، وبعزل النّصارى عن قياسه. فجعل يزيد بن عبد اللّه بن دينار، أمير مصر، أبا الرّدّاد المعلّم، وأجرى عليه سليمان بن وهب صاحب الخراج في كلّ شهر سبعة دنانير، وذلك في سنة سبع وأربعين ومائتين (٣).
وعلامة وفاء النّيل ستة عشر ذراعا أن يسبل أبو الرّدّاد، قاضي البحر، السّتر الأسود الخليفتي على شبّاك المقياس، فإذا شاهد النّاس هذا السّتر قد أسبل تباشروا بالوفاء، واجتمعوا على العادة للفرجة من كلّ صوب.
وما أحسن قول شهاب الدّين بن العطّار في تهتّك النّاس يوم تخليق المقياس (¬b)) عند اجتماعهم (¬b):
[البسيط]
تهتّك الخلق بالتّخليق قلت لهم … ما أحسن السّتر، قالوا العفو مأمول
ستر الإله علينا لا يزال فما … أحلى تهتّكنا والسّتر مسبول
стр. 2187
جزيرة الصّابوني
هذه الجزيرة تجاه رباط الآثار، والرّباط من جملتها (١). وقفها أبو الملوك نجم الدّين أيّوب ابن شاذي وقطعة من بركة الحبش، فجعل نصف ذلك على الشّيخ (¬a) الصّابوني وأولاده، والنّصف الآخر على صوفيّة بمكان بجوار قبّة الإمام الشّافعي - رضي اللّه تعالى عنه - يعرف اليوم بالصّابوني.
ذكر (¬b) جزيرة الفيل
هذه الجزيرة هي الآن بلد كبير خارج باب البحر من القاهرة، وتتّصل بمنية السّيرج من بحريها، ويمرّ النّيل من غربيها، وبها جامع تقام به الجمعة وسوق كبير وعدّة بساتين جليلة.
وموضعها كلّه ممّا كان غامرا بالماء في الدّولة الفاطمية، فلمّا كان بعد ذلك انكسر مركب كبير كان يعرف بالفيل، وترك في مكانه، فربا عليه الرّمل، وانطرد عنه الماء. فصارت جزيرة فيما بين المنية وأرض الطّبّالة سمّاها النّاس «جزيرة الفيل» (٢). وصار الماء يمرّ من جوانبها:
فغربيها تجاه برّ مصر الغربي، وشرقيها تجاه البعل، والماء فيما بينها وبين البعل - الذي هو الآن قبالة قناطر الإوزّ - فإنّ الماء كان يمرّ بالمقس من تحت زربيّة (¬c) جامع المقس الموجود الآن على الخليج النّاصريّ، ومن جامع المقس على أرض الطّبّالة إلى غربي البعل (¬d) حتى ينتهي من تجاه التّاج إلى المنية.
стр. 2188
وصارت هذه الجزيرة في وسط النّيل، وما برحت تتّسع إلى أن زرعت في أيّام الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب. فوقفها على المدرسة التي أنشأها في القرافة (¬a) بجوار قبر الشّافعي ﵁ وكثرت أطيانها بانحسار النّيل عنها في كلّ سنة.
فلمّا كان في أيّام الملك المنصور قلاوون الألفي، تقرّب مجد الدّين أبو الرّوح عيسى بن عمر ابن خالد بن عبد المحسن بن الخشّاب، المتحدّث في الأحباس، إلى الأمير علم الدّين سنجر الشّجاعي بأنّ في أطيان هذه الجزيرة زيادة على ما وقفه السّلطان صلاح الدّين. فأمر بقياس ما تجدّد بها من الرّمال، وجعلها لجهة الوقف الصّلاحي، وأقطع الأطيان القديمة التي كانت في الوقف، وجعلها هي التي زادت.
فلمّا أمر الملك المنصور قلاوون بعمل المارستان المنصوري، وقف بقيّة الجزيرة عليه. فغرس النّاس بها الغروس، وصارت بساتين، وسكن النّاس من المزارعين هناك.
فلمّا كانت أيام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، بعد عوده إلى قلعة الجبل من الكرك، وانحسر النّيل عن جانب المقس الغربي،/ وصار ما هنالك رمالا متّصلة من بحريها بجزيرة الفيل المذكورة، ومن قبليها بأراضي اللّوق، افتتح النّاس باب العمارة بالقاهرة ومصر، فعمّروا في تلك الرّمال المواضع التي تعرف اليوم ببولاق خارج المقس، وأنشأوا بجزيرة الفيل البساتين والقصور.
стр. 2189
واستجدّ (¬a) ابن المغربي الطّبيب بستانا اشتراه منه القاضي كريم الدّين ناظر الخاصّ للأمير سيف الدّين طشتمر السّاقي، بنحو المائة ألف درهم فضّة: عنها زهاء خمسة آلاف مثقال ذهبا.
وتتابع النّاس في إنشاء البساتين حتى لم يبق بها مكان بغير عمارة. وحكر ما كان منها وقفا على المدرسة المجاورة للشّافعيّ ﵁ وما كان فيها من وقف المارستان، وغرس ذلك كلّه بساتين، فصارت تنيف على مائة وخمسين بستانا، إلى سنة وفاة الملك النّاصر محمد ابن قلاوون، ونصب فيها سوق كبير يباع فيه أكثر ما يطلب من المآكل، وابتنى النّاس بها عدّة دور وجامعا، فبقيت قرية كبيرة.
وما زالت في زيادة ونموّ، فأنشأ قاضي القضاة جلال الدّين القزويني (١) ﵀ الدّار المجاورة لبستان الأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب على النّيل، فجاءت في غاية من الحسن. فلمّا عزل عن قضاء القضاة وسار إلى دمشق، اشتراها الأمير بشتاك بثلاثين ألف درهم، وخرّبها وأخذ منها رخاما وشبابيك وأبوابا، ثم باع باقي نقضها بمائة ألف درهم، فربح الباعة في ذلك شيئا كثيرا.
ونودي على زربيّتها (¬b) فحكرت، وعمّر عليها النّاس عدّة أملاك، واتّصلت العمارة بالأملاك من هذه الزّربيّة (¬c) إلى منية السّيرج. ثم خربت شيئا بعد شيء، وبقي ما على هذه الزّربيّة (¬b) من الأملاك، وهي تعرف اليوم بدار الطّنبدي التّاجر (٢).
وأمّا بساتين الجزيرة فلم تزل عجبا من عجائب الدّنيا، من حسن المنظر وكثرة المتحصّل، إلى أن حدثت المحن من سنة ستّ وثمان مائة، فتلاشت وخرب كثير منها لغلوّ العلوفات من الفول والتّبن، وشدّة ظلم الدّولة، وتعطّل معظم سوقها، وفيها إلى الآن بقيّة صالحة (٣).
стр. 2190
جزيرة أروى (١)
هذه الجزيرة تعرف بالجزيرة الوسطى، لأنّها فيما بين الرّوضة وبولاق وفيما بين برّ القاهرة وبرّ الجيزة، لم ينحسر عنها الماء إلاّ بعد سنة سبع مائة.
وأخبرني (¬a) القاضي الرّئيس تاج الدّين أبو الفداء إسماعيل بن أحمد بن عبد الوهّاب ابن الخطبا المخزومي، عن الطّبيب (¬b) الفاضل شمس الدّين محمد بن الأكفاني، أنّه كان يمرّ بهذه الجزيرة أوّل ما انكشفت، ويقول: هذه الجزيرة تصير مدينة - أو قال تصير بلدة - على الشّك منّي. فاتّفق ذلك، وبنى النّاس فيها الدّور الجليلة والأسواق والجامع والطاحون والفرن، وغرسوا فيها البساتين، وحفروا الآبار، وصارت من أحسن متنزّهات مصر يحفّ بها الماء.
ثم صار ينكشف ما بينها وبين برّ القاهرة، فإذا كانت أيّام زيادة ماء النّيل أحاط الماء بها، وفي بعض السّنين يركبها الماء، فتمرّ المراكب بين دورها وفي أزقّتها. ثم لمّا كثر الرّمل فيما بينها وبين البرّ الشرقي - حيث كان خطّ الزّربيّة (¬c) وفم الخور - قلّ الماء هناك، وتلاشت مساكن هذه الجزيرة منذ كانت الحوادث في سنة ستّ وثمان مائة، وفيها إلى اليوم بقايا حسنة.
الجزيرة التي عرفت بحليمة
لمّا كان في سنة سبع وأربعين وسبع مائة، انكشفت في بحر النّيل عدّة مواضع وقلّ مدده، وصار من المقياس إلى برّ مصر تخوضه النّاس، ومن بولاق إلى منشأة المهراني ومن بولاق إلى جزيرة الفيل إلى المنية طريقا يبسا، وصار السّقّاؤون إنّما يملئون (¬d) الماء من ناحية أنبوبة، فقلّ الماء ووصلت الرّاوية إلى درهم بعد أن كانت بنصف وربع درهم، وخرجت جزيرة فيما بين بولاق (٢)
стр. 2191
والجزيرة الوسطى سمّاها العامّة حليمة، ونصبوا فيها عدّة أخصاص، بلغ مصروف الخصّ الواحد منها ثلاثة آلاف درهم نقرة في ثمن رخام ودهان. فكان فيها من هذه الأخصاص عدّة وافرة، وزرع حول كلّ خصّ من المقاثي وغيرها ما يستحسن.
وأقام أهل الخلاعة والمجون هناك، وتهتّكوا بأنواع المحرّمات، وتردّد إلى هذه الجزيرة أكثر النّاس حتىّ كادت القاهرة ألاّ يثبت بها أحد.
وبلغ أجرة كلّ قصبة بالقياس في هذه الجزيرة، وفي الجزيرة التي عرفت بالطّميّة فيما بين مصر والجيزة، مبلغ عشرين درهما نقرة، فوقف الفدّان هناك بمبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة، ونصبت في هذه الأفدنة الأخصاص المذكورة، وكان الانتفاع بها فيما ذكر نحو ستة أشهر من السّنة، فعلى ذلك يكون الفدّان فيها بمبلغ ستة عشر ألف درهم نقرة، وأتلف النّاس هناك من الأموال ما يجلّ وصفه.
فلمّا كثر تجاهرهم بالقبيح، قام الأمير أرغون العلائي، مع الملك الكامل شعبان بن محمد ابن قلاوون، في هدم هذه الأخصاص التي بهذه الجزيرة قياما زائدا حتى أذن له في ذلك. فأمر واليي مصر والقاهرة، فنزلا على حين غفلة، وكبسا النّاس، وأراقا الخمور، وحرقا الأخصاص، فتلف للنّاس في النّهب والحريق وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية.
وفي هذه الجزيرة يقول الأديب إبراهيم المعمار:
[المجتث]
جزيرة البحر جنّت … بها عقول سليمه
لما حوت حسن مغنى … ببسطة مستقيمه
وكم يخوضون فيها … وكم مشوا بنميمه (١)
/ ولم تزل ذا احتمال … ما تلك إلاّ حليمه
стр. 2192
ذكر السّجون
قال ابن سيده: السّجن المحبس (¬a)، والسّجّان صاحب السّجن، ورجل سجين: مسجون (١).
قال: وحبسه يحبسه حبسا فهو محبوس وحبيس، واحتبسه وحبسه، أمسكه عن وجهه.
قال سيبويه: حبسه ضبطه، واحتبسه اتّخذه حبسا، والمحبس والمحبسة والمحبس اسم الموضع.
وقال بعضهم: المحبس يكون مصدرا كالحبس، ونظيره قوله (¬b): ﴿إِلَى اَللّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [من الآية ٤٨ سورة المائدة]، أي رجوعكم، ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْمَحِيضِ﴾ [الآية ٢٢٢ سورة البقرة]، أي الحيض (٢).
وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه عن جدّه ﵃ قال: إنّ النّبيّ ﷺ ، حبس في تهمة.
وفي جامع الخلاّل عن أبي هريرة ﵁ قال: إنّ رسول اللّه ﷺ حبس في تهّمة يوما وليلة.
فالحبس الشّرعي ليس هو السّجن في مكان ضيّق، وإنّما هو تعويق الشّخص ومنعه من التّصرّف بنفسه؛ سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان يتولّى نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له. ولهذا سمّاه النّبيّ ﷺ أسيرا؛ كما روى أبو داود وابن ماجه، عن الهرماس بن حبيب عن أبيه ﵄ قال: أتيت النّبيّ ﷺ بغريم لي، فقال لي: «الزمه». ثم قال لي: «يا أخا بني تميم، ما تريد أن تفعل بأسيرك؟»، وفي رواية ابن ماجة: ثمّ مرّ رسول اللّه ﷺ بي آخر النّهار، فقال: «ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم؟».
وهذا كان هو الحبس على عهد النّبيّ ﷺ وأبي بكر الصّدّيق ﵁ ولم يكن له محبس معدّ لحبس الخصوم. ولكن لمّا انتشرت الرّعيّة في زمن عمر بن الخطّاب ﵁ ابتاع من صفوان بن أميّة ﵁ دارا بمكّة بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنا يحبس فيها.
ولهذا تنازع العلماء: هل يتّخذ الإمام حبسا؟ على قولين: فمن قال لا يتّخذ حبسا، احتجّ بأنّه لم يكن لرسول اللّه ﷺ ولا لخليفته من بعده حبس، ولكن يعوّقه بمكان من الأمكنة، أو
стр. 2193
يقيم عليه حافظا - وهو الذي يسمّى التّرسيم - أو يأمر غريمه بملازمته. ومن قال: له أن يتّخذ حبسا، احتجّ بفعل عمر بن الخطّاب ﵁.
ومضت السّنّة في عهد رسول اللّه ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ﵃ أنّه لا يحبس على الدّيون، ولكن يتلازم الخصمان. وأوّل من حبس على الدّين شريح القاضي.
وأمّا الحبس الذي هو الآن، فإنّه لا يجوز عند أحد من المسلمين. وذلك أنّه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكّنين من الوضوء والصّلاة، وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحرّ في الصّيف والبرد في الشّتاء، وربّما يحبس أحدهم السّنة وأكثر ولا حدة له، وأنّ أصل حبسه على ضمان.
وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء، واشتهر أمرهم أنّهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتى يشحذوا، وهم يصرخون في الطّرقات: الجوع. فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلاّ ما يدخل بطونهم، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات النّاس يأخذه السّجّان وأعوان الوالي، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته. وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر، ونحو ذلك من الأعمال الشّاقّة، والأعوان تستحثّهم. فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السّجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئا إلى غير ذلك ممّا لا يسع حكايته هنا. وقد قيل إنّ أوّل من وضع السّجن والحرس معاوية.
وقد كان في مدينة مصر وفي القاهرة عدّة سجون، وهي: حبس المعونة بمصر، وحبس الصّيّار بمصر، وخزانة البنود بالقاهرة، وحبس المعونة بالقاهرة، وخزانة شمائل، وحبس الدّيلم، وحبس الرّحبة والجبّ بقلعة الجبل.
حبس المعونة بمصر
ويقال أيضا «دار المعونة». كانت أوّلا بالشّرطة، وكانت قبلي جامع عمرو بن العاص. وأصله خطّة قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ﵃. اختطّها في أوّل الإسلام - وقد كان موضعها فضاء - وأوصى فقال: إن كنت بنيت بمصر دارا، واستعنت فيها بمعونة المسلمين، فهي للمسلمين ينزلها ولاتهم. (١)
стр. 2194
وقيل: بل كانت هي ودار إلى جانبها لنافع بن عبد قيس الفهري، فأخذها منه قيس بن سعد، وعوّضه دارا بزقاق القناديل. ثم عرفت بدار الفلفل لأنّ أسامة بن زيد التّنوخي، صاحب خراج مصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار - كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الرّوم - فخزنه فيها، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز حين ولي (¬a) الخلافة، فكتب أن تدفع إليه، ثم صارت شرطة ودار الصّرف.
فلمّا فرغ عيسى بن يزيد الجلودي من زيادة عبد اللّه بن طاهر في الجامع، بنى شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين في خلافة المأمون، ونقش في لوح كبير نصبه على باب الجامع الذي يدخل منه إلى الشّرطة ما نصّه:
«بركة من اللّه لعبده عبد اللّه الإمام المأمون أمير المؤمنين، أمر بإقامة هذه الدّار الهاشميّة المباركة، على يد/ عيسى بن يزيد الجلودي مولى أمير المؤمنين، سنة ثلاث عشرة ومائتين». (١)
ولم يزل هذا اللّوح على باب الشّرطة إلى صفر سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، فقلعه يانس العزيزي، وصارت حبسا يعرف بالمعونة إلى أن ملك السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، فجعله مدرسة، وهي التي تعرف اليوم بالشّريفيّة (٢).
حبس الصّيّار
هذا الحبس كان بمصر يحبس فيه الولاة بعدما عمل حبس المعونة مدرسة. وكان بأوّل الزّقاق الذي فيه هذا الحبس حانوت يسكنه شخص يقال له منصور الطّويل، ويبيع فيه أصناف السّواقة (¬b)، ويعرف هذا الرّجل بالصّيّار من أجل أنّه كانت له في هذا الزّقاق قاعة يخزّن فيها أنواع الصّير المعروف بالملوحة، فقيل لهذا الحبس «حبس الصّيّار» (٣).
ونشأ لمنصور الصّيّار هذا ولد عرف بين الشّهود بمصر بشرف الدّين بن منصور الطّويل.
فلمّا أحدث الوزير شرف الدّين هبة اللّه بن صاعد الفائزي المظالم في سلطنة الملك المعزّ
стр. 2195
أيبك التّركماني، خدم شرف الدّين هذا على المظالم في جباية «التّسقيع والتّقويم»، ثم خدم بعد إبطال ذلك في مكس القصب والرّمّان. فلمّا تولّى قضاء القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ، تأذّى عنده بما باشره من هذه المظالم.
وما زال هذا الحبس موجودا إلى أن خربت مصر في الزّمان الذي ذكرناه فخرب، وبقي موضعه وما حوله كيمانا.
خزانة البنود
هذه الخزانة بالقاهرة هي الآن زقاق، يعرف بخطّ خزانة البنود، على يمنة من سلك من رحبة باب العيد يريد درب ملوخيّا وغيره (١). وكانت أوّلا في الدّولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يعمل فيها السّلاح، يقال إنّ الخليفة الظّاهر بن الحاكم أمر بها. ثم إنّها احترقت في سنة إحدى وستين وأربع مائة، فعملت بعد حريقها سجنا يسجن فيه الأمراء والأعيان إلى أن انقرضت الدّولة، فأقرّها ملوك بني أيّوب سجنا.
ثم عملت منزلا للأسرى (¬a) من الفرنج يسكنون فيها بأهاليهم وأولادهم في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون بعد حضوره من الكرك. فلم يزالوا بها إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار، نائب السّلطنة بديار مصر، في سنة أربع وأربعين وسبع مائة، فاختطّ النّاس موضعها دورا. وقد ذكرت في هذا الكتاب عند ذكر خزائن القصر (٢).
حبس المعونة من القاهرة
هذا المكان بالقاهرة موضعه الآن قيساريّة العنبر برأس الحريريين. كان يسجن فيه أرباب الجرائم من السّرّاق وقطّاع الطّريق ونحوهم في الدّولة الفاطميّة. وكان حبسا حرجا ضيّقا شنيعا يشمّ من قربه رائحة كريهة. فلمّا ولي الملك النّاصر محمد بن قلاوون مملكة مصر، هدمه وبناه قيساريّة للعنبر. وقد ذكر عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب (٣).
стр. 2196
خزانة شمائل
هذه الخزانة كانت بجوار باب زويلة على يسرة من دخل منه بجوار السّور. عرفت بالأمير علم الدّين شمائل والي القاهرة في أيّام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب. وكانت من أشنع السّجون وأقبحها منظرا، يحبس فيها من وجب عليه القتل أو القطع من السّرّاق وقطّاع الطّريق، ومن يريد السّلطان إهلاكه من المماليك وأصحاب الجرائم العظيمة.
وكان السّجّان بها يوظّف عليه والي القاهرة شيئا يحمله من المال له في كلّ يوم، وبلغ ذلك في الأيّام النّاصريّة فرج مبلغا كبيرا. وما زالت هذه الخزانة على ذلك إلى أن هدمها الملك المؤيّد شيخ المحمودي في يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان عشرة وثمان مائة، وأدخلها في جملة ما هدمه من الدّور التي عزم على عمارة أماكنها مدرسة.
شمائل: الأمير علم الدّين، قدم إلى القاهرة وهو من فلاّحي بعض قرى مدينة حماة، في أيّام الملك الكامل محمد بن العادل، فخدم جاندارا في الرّكاب السّلطاني، إلى أن نزل الفرنج على مدينة دمياط في سنة خمس عشرة وستّ مائة، وملكوا البرّ، وحصروا أهلها وحالوا بينهم وبين من يصل إليهم. فكان شمائل هذا يخاطر بنفسه، ويسبح في الماء بين المراكب، ويردّ على السّلطان الخبر (١).
فتقدّم عند السّلطان وحظي لديه حتى أقامه أمير جاندار وجعله من أكبر أمرائه، ونصّبه سيف نقمته، وولاّه ولاية القاهرة. فباشر ذلك إلى أن مات السّلطان، وقام من بعده ابنه الملك العادل أبو بكر. فلمّا خلع بأخيه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، نقم على شمائل (٢).
a بولاق: السوقة. b) بولاق: للأمراء.
стр. 2197
المقشرة
هذا السّجن بجوار باب الفتوح فيما بينه وبين الجامع الحاكمي، كان يقشّر فيه القمح. ومن جملته برج من أبراج السّور، على يمنة الخارج من باب الفتوح، استجدّ بأعلاه دور لم تزل إلى أن هدمت خزانة شمائل. فعيّن هذا البرج والمقشرة لسجن أرباب الجرائم، وهدمت الدّور التي كانت هناك في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وثمان مائة (¬a)، وعمل البرج والمقشرة سجنا، ونقل إليه أرباب الجرائم.
وهو من أشنع السّجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف، عافانا اللّه من جميع بلائه (١).
الجبّ بقلعة الجبل
هذا الجبّ كان بقلعة الجبل يسجن فيه الأمراء. وابتدئ عمله في سنة إحدى وثمانين وستّ مائة،/ والسّلطان حينئذ الملك المنصور قلاوون. ولم يزل إلى أن هدمه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مائة.
وذلك أنّ شادّ العمائر نزل إليه ليصلح عمارته، فشاهد أمرا مهولا من الظّلام وكثرة الوطاويط والرّوائح الكريهة. واتّفق مع ذلك أنّ الأمير بكتمر السّاقي كان عنده شخص يسخر به ويمازحه، فبعث به إلى الجبّ ودلّي فيه، ثم أطلعه منه (¬b) بعد ما بات به ليلة. فلمّا حضر إلى بكتمر أخبره بما عاينه من شناعة الجبّ، وذكر ما فيه من الرّوائح المهولة. وكان شادّ العمائر في المجلس فوصف ما فيه الأمراء الذين بالجبّ من الشّدائد. فتحدّث بكتمر مع السّلطان في ذلك، فأمر بإخراج الأمراء منه، وردم وعمّر فوقه أطباق المماليك. وكان الذي ردم به هذا الجبّ النّقض الذي هدم من الإيوان الكبير المجاور للخزانة الكبرى (¬c) (٢).
стр. 2198
ذكر المواضع المعروفة بالصّناعة
لفظ الصّناعة - بكسر الصّاد - مأخوذ من قولك: صنعه يصنعه صنعا، فهو مصنوع وصنيع، عمله. واصطنعه اتّخذه. والصّناعة ما يستصنع من أمر؛ هذا أصل الكلمة من حيث اللّغة.
وأمّا في العرف فالصّناعة اسم لمكان قد أعدّ لإنشاء المراكب البحرية التي يقال لها السّفن، واحدتها سفينة، وهى بمصر على قسمين: نيليّة، وحربيّة (١).
فالحربيّة هي التي تنشأ لغزو العدوّ، وتشحن بالسّلاح وآلات الحرب والمقاتلة، فتمرّ من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنّيس والفرما إلى جهاد أعداء اللّه من الرّوم والفرنج. وكانت هذه المراكب الحربيّة يقال لها «الأسطول»، ولا أحسب هذا اللّفظ عربيّا.
وأمّا المراكب النّيلية فإنها تنشأ لتمرّ في النّيل، صاعدة إلى أعلى الصّعيد، ومنحدرة إلى أسفل الأرض، لحمل الغلال وغيرها. ولمّا جاء اللّه تعالى بالإسلام لم يكن البحر يركب للغزو في حياة رسول اللّه ﷺ ، وخلافة أبي بكر وعمر ﵄. وأوّل من ركب البحر في الإسلام للغزو العلاء بن الحضرمي (٢) ﵁ وكان على البحرين من قبل أبي بكر وعمر ﵄ فأحبّ أن يؤثّر في الأعاجم أثرا يعزّ اللّه به الإسلام على يديه. فندب أهل البحرين إلى فارس فبادروا إلى ذلك، وفرّقهم أجنادا على أحدها الجارود بن المعلّى ﵁، وعلى الآخر (¬a) سوار بن همّام ﵁، وعلى الآخر (¬b) خليد بن المنذر بن ساوى ﵁، وجعل خليدا على عامّة النّاس؛ فحملهم في البحر إلى فارس بغير إذن عمر بن الخطّاب ﵁ وكان عمر ﵁ لا يأذن لأحد في ركوب البحر غازيا كراهة للتّغرير بجنده، اقتداء برسول اللّه ﷺ وخليفته أبي بكر ﵁.
стр. 2199
فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا في إصطخر وبإزائهم أهل فارس عليهم الهربذ، فحالوا بين المسلمين وبين سفنهم. فقام خليد في النّاس فقال:
«أمّا بعد، فإنّ اللّه تعالى إذا قضى أمرا جرت المقادير على مطيّته، وإنّ هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنّما جئتم لمحاربتهم، والسّفن والأرض بعد الآن لمن غلب، فاستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين».
فأجابوه إلى القتال، وصلّوا الظّهر ثم ناهزوهم، فاقتتلوا قتالا شديدا في موضع يدعى طاووس، فقتل من أهل فارس مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها قبلها؛ وخرج المسلمون يريدون البصرة - إذ غرقت سفنهم ولم يجدوا في الرّجوع إلى البحر سبيلا - فإذا بهم وقد أخذت عليهم الطّرق، فعسكروا وامتنعوا.
وبلغ عمر بن الخطّاب ﵁ ذلك فاشتدّ غضبه على العلاء، وكتب إليه بعزله وتوعّده، وأمره بأثقل الأشياء عليه وأبغض الوجوه إليه: بتأمير سعد بن أبي وقّاص عليه، وقال:
الحق بسعد بن أبي وقّاص بمن قبلك (¬a). فخرج العلاء (¬b) من البحرين بمن معه نحو سعد وهو يومئذ على الكوفة، وكان بينهما تباين وتباعد.
وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان: «بأنّ العلاء بن الحضرمي حمل جندا من المسلمين في البحر فأقطعهم إلى فارس وعصاني، وأظنّه لم يرد اللّه بذلك، فخشيت عليهم ألاّ ينصروا وأن يغلبوا، فاندب لهم النّاس، وضمّهم إليك من قبل أن يحتاجوا». فندب عتبة النّاس، وأخبرهم بكتاب عمر. فانتدب عاصم بن عمرو، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة بن محصن، ومجراة بن ثور، ونهار بن الحارث، والتّرجمان بن فلان، والحصين بن أبي الحرّ، والأحنف ابن قيس، وسعد بن أبي العرجاء، وعبد الرّحمن بن سهل، وصعصعة بن معاوية، فساروا من البصرة في اثني عشر ألفا على البغال يجنّبون الخيل، وعليهم أبو سبرة بن أبي رهم. فساحل بهم حتى التقى أبو سبرة وخليد حيث أخذت عليهم الطّرق، وقد استصرخ أهل إصطخر أهل فارس كلّهم، فأتوهم من كلّ وجه/ وكورة. فالتقوا هم وأبو سبرة، فاقتتلوا، ففتح اللّه على المسلمين، وقتل المشركون، وعاد المسلمون بالغنائم إلى البصرة، ورجع أهل البحرين إلى منازلهم.
стр. 2200
فلمّا فتح اللّه تعالى الشّام، ألحّ معاوية بن أبي سفيان - وهو يومئذ على جند دمشق والأردن - على عمر ﵁ في غزو البحر، وقرب الرّوم من حمص؛ وقال: «إنّ قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم»، حتى إذا كاد ذلك يأخذ بقلب عمر اتّهم معاوية لأنّه المشير.
وأحبّ عمر أن يردعه فكتب إلى عمرو بن العاص - وهو على مصر - «أن صف لي البحر وراكبه، فإنّ نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهى خلافها». فكتب إليه: «يا أمير المؤمنين إنّي رأيت البحر خلقا كبيرا يركبه خلق صغير، ليس إلاّ السّماء والماء؛ إن ركد حزن القلوب، وإن زلّ أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلّة والشّكّ كثرة؛ هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق» (١).
فلمّا جاءه كتاب عمرو، كتب إلى معاوية: «لا - والذي بعث محمدا بالحقّ - لا أحمل فيه مسلما أبدا، إنّا قد سمعنا أنّ بحر الشّام يشرف على أطول شيء في الأرض يستأذن اللّه تعالى في كلّ يوم وليلة أن يفيض على الأرض فيغرقها. فكيف أحمل الجنود في هذا البحر الكافر المستصعب؟ وتاللّه لمسلم واحد أحبّ إليّ مما حوته الرّوم. فإيّاك أن تعرض لي - وقد تقدّمت إليك وقد علمت ما لقي العلاء منّي ولم أتقدّم إليه - في مثل ذلك».
وعن عمر ﵁ أنّه قال: لا يسألني اللّه عن ركوب المسلمين البحر أبدا. وروى عنه ابنه عبد اللّه ﵄ أنّه قال: لولا آية في كتاب اللّه تعالى لعلوت راكب البحر بالدرّة.
ثم لمّا كانت خلافة عثمان بن عفّان ﵁ غزا المسلمون في البحر، وكان أوّل من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان، وذلك أنّه لم يزل بعثمان حتى عزم على ذلك بأخرة (¬a)، وقال: لا تستحث (¬b) النّاس ولا تقرع بينهم؛ خيّرهم فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه. ففعل،
стр. 2201
واستعمل على البحر عبد اللّه بن قيس الحاسي حليف (¬a) بني فزارة، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البرّ والبحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب.
وكان يدعو اللّه تعالى أن يرزقه العافية في جنده، ولا يبتليه بمصاب أحد منهم، حتى إذا أراد اللّه أن يصيبه في جنده، وأنّه (¬b) خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الرّوم، فثار به الرّوم وهجموا عليه، فقاتلهم فأصيب وحده، ثم قاتل الرّوم أصحابه فأصيبوا.
وغزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في البحر لمّا أتاه قسطنطين بن هرقل سنة أربع وثلاثين في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار عبد اللّه في مائتي مركب أو تزيد شيئا وحاربه. فكانت وقعة «ذات الصّواري» التي نصر اللّه فيها جنده، وهزم قسطنطين وقتل جنده (١).
وأغزى معاوية أيضا عقبة بن عامر الجهني ﵁ في البحر، وأمره أن يتوجّه إلى رودس، فسار إليها.
ونزل الرّوم على البرلّس في سنة ثلاث وخمسين، في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاري - على مصر، فخرج إليهم المسلمون في البرّ والبحر. فاستشهد وردان، مولى عمرو بن العاص، في جمع كثير من المسلمين. وبعث عبد الملك بن مروان، لمّا ولي الخلافة، إلى عامله على إفريقيّة حسّان بن النّعمان يأمره باتّخاذ صناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية. ومنها كانت غزوة صقلّيّة في أيّام زيادة اللّه الأوّل بن إبراهيم بن الأغلب على يد (¬c) شيخ الفتيا أسد بن الفرات.
ونزل الرّوم تنّيس في سنة إحدى ومائة، في إمارة بشر بن صفوان الكلبي على مصر من قبل يزيد بن عبد الملك، فاستشهد جماعة من المسلمين.
وقد ذكر في أخبار الإسكندريّة ودمياط وتنّيس والفرما، من هذا الكتاب، جملة من نزلات الرّوم والفرنج عليها، وما كان في زمن الإنشاء، فانظره تجده إن شاء اللّه (٢).
وقد ذكر شيخنا الأستاذ قاضي القضاة وليّ الدّين أبو زيد عبد الرّحمن بن محمد بن خلدون، الحضرمي الإشبيلي، تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أوّل الأمر فقال:
стр. 2202
«والسّبب في ذلك أنّ العرب لبداوتهم لم يكونوا أوّل الأمر مهرة في ثقافته وركوبه. والرّوم والفرنجة لممارستهم أحواله، ومرباهم في التقلّب على أعواده - مرنوا عليه وأحكموا الذّربة (¬a) بثقافته.
فلمّا استقرّ الملك للعرب، وشمخ سلطانهم، وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم، وتقرّب كلّ ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته، واستخدموا من النّواتيّة في حاجاتهم البحرية أمما، وتكرّرت ممارستهم للبحر وثقافته، استحدثوا بصراء بها. فتاقت أنفسهم (¬b) إلى الجهاد فيه، وأنشأوا السّفن والشّواني، وشحنوا الأساطيل بالرجال والسّلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصّوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفّته، مثل الشّام وإفريقيّة والمغرب والأندلس» (¬c) (١).
وأوّل ما أنشئ الأسطول بمصر في خلافة أمير المؤمنين المتوكّل على اللّه أبي الفضل جعفر بن المعتصم، عندما نزل الرّوم دمياط في يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين - وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق -/ فملكوها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النّساء والأطفال، ومضوا إلى تنّيس فأقاموا بأشتومها (٢). فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول، وصار من أهم ما يعمل بمصر، وأنشئت الشّواني برسم الأسطول، وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البرّ، وانتدب الأمراء له الرّماة (٣).
فاجتهد النّاس بمصر في تعليم أولادهم الرّماية وجميع أنواع المحاربة، وانتخب له القوّاد العارفون بمحاربة العدوّ. وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب.
هذا وللنّاس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء اللّه وإقامة دينه، لا جرم أنّه كان لخدّام الأسطول حرمة ومكانة، ولكلّ أحد من النّاس رغبة في أنّه يعدّ من جملتهم، فيسعى بالوسائل حتى يستقرّ فيه.
وكان من غزو الأسطول بلاد العدوّ ما قد شحنت به كتب التّواريخ. فكانت الحرب بين المسلمين والرّوم سجالا: ينال المسلمون من العدوّ وينال العدوّ منهم، ويأسر بعضهم بعضا لكثرة
стр. 2203
هجوم أساطيل الإسلام بلاد العدوّ، فإنّها كانت تسير من مصر ومن الشّام ومن إفريقيّة. فلذلك احتاج خلفاء الإسلام إلى الفداء.
وكان (١) أوّل فداء وقع بمال في الإسلام أيّام بني العبّاس، ولم يقع في أيّام بني أميّة فداء مشهور، وإنّما كان يفادى بالنّفر بعد النّفر في سواحل الشّام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطيّة وبقيّة الثّغور الجزريّة، إلى أن كانت خلافة أمير المؤمنين هارون الرّشيد.
الفداء الأوّل -
باللاّمس من سواحل البحر الرّومي، قريبا من طرسوس، في سنة تسع وثمانين ومائة، وملك الرّوم يومئذ نقفور بن اشبراق [Nicephorus]. وكان ذلك على يد القاسم بن الرّشيد، وهو معسكر بمرج دابق من بلاد قنّسرين في أعمال حلب، ففودي بكلّ أسير كان ببلاد الرّوم من ذكر أو أنثى.
وحضر هذا الفداء من أهل الثّغور وغيرهم من أهل الأمصار، نحو من خمس مائة ألف إنسان، بأحسن ما يكون من العدد والخيل والسّلاح والقوّة، قد أخذوا السّهل والجبل، وضاق بهم الفضاء، وحضرت مراكب الرّوم الحربية، بأحسن ما يكون من الزّيّ، معهم أسارى المسلمين. فكان عدّة من فودي به من المسلمين، في اثني عشر يوما، ثلاثة آلاف وسبع مائة أسير. وأقام ابن الرّشيد باللامش أربعين يوما قبل الأيّام التي وقع فيها الفداء وبعدها.
وقال مروان بن أبي حفصة (٢) في هذا الفداء يخاطب الرّشيد من أبيات:
[الطويل]
وفكّت بك الأسرى الّتي شيّدت بها … محابس ما فيها حميم يزورها
على حين أعيا المسلمين فكاكها … وقالوا سجون المشركين قبورها (٣)
الفداء الثاني -
كان في خلافة الرّشيد أيضا باللامس في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وملك الرّوم نقفور [Nicephorus]، وكان القائم به ثابت بن نصر بن مالك الخزاعي أمير الثّغور الشامية،
стр. 2204
وحضره ألوف من النّاس. وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام ألفين وخمس مائة من ذكر وأنثى (١).
الفداء الثالث -
وقع في خلافة الواثق، باللامش في المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وملك الرّوم ميخائيل بن ثيوفيل. وكان القائم به خاقان [الخادم] التّركي. وعدّة من فودي به من المسلمين في عشرة أيام أربعة آلاف وثلاث مائة واثنان وستون من ذكر وأنثى.
وحضر مع خاقان أبو رملة، من قبل قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد، يمتحن الأسرى وقت المفاداة، فمن قال منهم بخلق القرآن فودي به وأحسن إليه، ومن أبى ترك بأرض الرّوم. فاختار جماعة من الأسرى الرّجوع إلى أرض النّصرانية على القول بذلك.
وخرج من الأسرى مسلم بن أبي مسلم الجرمي (٢) - وكان له محلّ في الثّغور - وكتب مصنّفة في «أخبار الرّوم وملوكهم وبلادهم»، فنالته محن على القول بخلق القرآن ثم تخلّص (٣).
الفداء الرابع -
في خلافة المتوكّل علي اللّه، باللامس أيضا في شوّال سنة إحدى وأربعين ومائتين، والملك ميخائيل، وكان القائم به شنيف خادم المتوكّل، وحضر معه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي، وعليّ بن يحيى الأرمنيّ أمير الثّغور الشّاميّة. وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيّام ألفي رجل ومائة امرأة، وكان مع الرّوم من النّصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيّف، فعوّضوا مكانهم عدّة أعلاج، إذ كان الفداء لا يقع على نصرانيّ ولا ينعقد (٤).
الفداء الخامس -
في خلافة المتوكّل وملك الروم ميخائيل أيضا، باللامس مستهلّ صفر سنة ستّ وأربعين ومائتين. وكان القائم به عليّ بن يحيى الأرمني أمير الثّغور، ومعه نصر بن الأزهر [الطائي] الشّيعي - من شيعة بني العبّاس - المرسل إلى الملك في أمر الفداء من قبل المتوكّل. وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في سبعة أيّام ألفين وثلاث مائة وسبعة وستين من ذكر وأنثى (٥).
стр. 2205
الفداء السادس -
كان في أيّام المعتز، والملك على الرّوم بسيل، على يد شفيع الخادم في سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١).
الفداء السّابع -
في خلافة المعتضد، باللامش في شوّال سنة ثلاث وثمانين/ ومائتين، وملك الروم أليون بن بسيل، وكان القائم به أحمد بن طغان، أمير الثّغور الشّامية وأنطاكية من قبل الأمير أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون.
وكانت الهدنة لهذا الفداء وقعت في سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فقتل أبو الجيش بدمشق في ذي القعدة من هذه السنة، وتمّ الفداء في إمارة ولده جيش بن خمارويه. وكان عدّة من فودي به من المسلمين في عشرة أيّام ألفين وأربع مائة وخمسة وتسعين من ذكر وأنثى، وقيل ثلاثة آلاف (٢).
الفداء الثّامن -
في خلافة المكتفي، باللامش في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وملك الرّوم أليون أيضا، وكان القائم به رستم بن شردو أمير الثّغور الشّاميّة. وكانت عدّة من فودي به من المسلمين في أربعة أيّام ألفا ومائة وخمسة وخمسين من ذكر وأنثى. وعرف بفداء الغدر، وذلك أنّ الرّوم غدروا وانصرفوا ببقيّة الأسارى (٣).
الفداء التّاسع -
في خلافة المكتفي، وملك الرّوم أليون، باللامس أيضا في شوّال سنة خمس وتسعين ومائتين، والقائم به رستم. وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ألفين وثمان مائة واثنين وأربعين من ذكر وأنثى (٤).
الفداء العاشر -
في خلافة المقتدر، باللامس في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاث مائة، وملك الرّوم قسطنطين بن أليون بن بسيل، وهو صغير في حجر أرمانوس. وكان القائم بهذا الفداء مؤنس الخادم، وبشير الخادم الأفشيني أمير الثّغور الشّامية وأنطاكيّة، والمتوسّط له والمعاون عليه أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي التّميمي الأدني؛ من أهل أدنة، وعدّة من فودي به من المسلمين في ثمانية أيام ثلاثة آلاف وثلاث مائة وستة وثلاثون من ذكر وأنثى (٥).
стр. 2206
الفداء الحادي عشر -
في خلافة المقتدر، وملك أرمانوس وقسطنطين على الرّوم. وكان باللامش في شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، والقائم به مفلح الخادم الأسود المقتدري، وبشير خليفة شمل الخادم على الثّغور الشّامية. وعدّة من فودي به من المسلمين في تسعة عشر يوما ثلاثة آلاف وتسع مائة وثلاثة وثلاثون من ذكر وأنثى (١).
الفداء الثاني عشر -
في خلافة الرّاضي، باللامس، في سلخ ذي القعدة وأيّام من ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين وثلاث مائة، والملكان على الرّوم قسطنطين وأرمانوس. والقائم به ابن ورقاء الشّيباني من قبل الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وبشير الشّملي أمير الثّغور الشّاميّة.
وعدّة من فودي به من المسلمين في ستة عشر يوما ستة آلاف وثلاث مائة ونيف من ذكر وأنثى. وبقي في أيدي الرّوم من المسلمين الأسرى ثمان مائة رجل ردّوا، ففودي بهم في عدّة مرارا، وزيدوا في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدّة ستة أشهر، لأجل من تخلّف في أيد الرّوم من المسلمين، حتى جمع الأسارى منهم (٢).
الفداء الثّالث عشر -
في خلافة المطيع، باللامس في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة. والملك على الرّوم قسطنطين. والقائم به نصر الشّملي من قبل سيف الدّولة أبي الحسن عليّ ابن حمدان، صاحب جند حمص وجند قنسرين وديار بكر وديار مصر والثّغور الشّاميّة والخزريّة.
وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ألفين وأربع مائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى، وفضل للرّوم على المسلمين قرضا مائتان وثلاثون لكثرة من كان في أيديهم. فوفّاهم سيف الدّولة ذلك، وحمله إليهم.
وكان الذي شرع في هذا الفداء الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد، أمير مصر والشّام والثّغور الشّاميّة. وكان أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي الأدني شيخ الثّغور قدم إليه - وهو بدمشق - في ذي الحجّة سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة - ومعه [يوانس الأنسيبطوس البطريقوس المسدقوس المترهّب] رسول ملك الرّوم في إتمام هذا الفداء، والإخشيد شديد العلّة، فتوفّي يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجّة منها.
стр. 2207
وسار أبو المسك كافور الإخشيدي بالجيش راجعا إلى مصر، وحمل معه أبا عمير ورسول ملك الرّوم إلى فلسطين، فدفع إليهما ثلاثين ألف دينار من مال الفداء، فسارا إلى مدينة صور، وركبا البحر إلى طرسوس. فلمّا وصلا كاتب نصر الشّملي - أمير الثّغور - سيف الدّولة بن حمدان، ودعا له على منابر الثّغور، فجدّ في إتمام هذا الفداء، فنسب إليه (١).
ووقعت أفدية أخرى ليس لها شهرة (٢).
فمنها فداء في خلافة المهدي محمد، على يد النّقّاش الأنطاكي.
وفداء في أيّام الرّشيد، في شوّال سنة إحدى وثمانين ومائة، على يد عياض بن سنان أمير الثّغور الشّامية.
وفداء في أيّام الأمين، على يد ثابت بن نصر، في ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة.
وفداء في أيّام الأمين، على يد ثابت بن نصر أيضا، في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين.
وفداء في أيّام المتوكّل سنة سبع وأربعين ومائتين، على يد محمد بن عليّ.
وفداء في أيّام المعتمد، على يد شفيع [ومحمد بن علي]، في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين (٣).
وفداء كان في الإسكندرية، في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة، خرج فيه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي من مصر، ومعه الشّريف أبو القاسم (¬a) الرّسّي (¬b)، والقاضي أبو حفص عمر بن الحسين العبّاسي وحمزة بن محمد الكناني (¬c)، في جمع كبير. وكانت عدّة/ من فودي به من المسلمين ستين نفسا بين ذكر وأنثى.
فلمّا سار الرّوم إلى البلاد الشّاميّة بعد سنة خمسين وثلاث مائة، اشتدّ أمرهم بأخذهم البلاد.
وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعزّ لدين اللّه، وأنشأ المراكب الحربيّة، واقتدى به بنوه - وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد (٤)، واعتناء بالأسطول - وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر
стр. 2208
والإسكندرية ودمياط، من الشّواني الحربية والشّلنديّات والمسطّحات وتسييرها إلى بلاد السّاحل مثل صور وعكّا وعسقلان.
وكانت جريدة قوّاد الأسطول في آخر أمرهم تزيد على خمسة آلاف مدوّنة، منهم عشرة أعيان يقال لهم «القوّاد» - واحدهم قائد - وتصل جامكيّة كلّ واحد منم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر دينارا، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين وهي أقلّها. ولهم إقطاعات تعرف ب «أبواب الغزاة» بما فيها من النّطرون، فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار.
وكان يعيّن من القوّاد العشرة واحد، فيصير رئيس الأسطول، ويكون معه المقدّم والفانوس (¬a). فإذا ساروا إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم، وبه يقتدي الجميع، فيرسون بإرسائه، ويقلعون بإقلاعه.
ولا بد أن يقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدّولة وأقواهم نفسا، ويتولّى النّفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير. فإذا أراد النّفقة فيما تعيّن من عدّة المراكب السّائرة - وكانت في أيّام المعزّ لدين اللّه تزيد على ست مائة قطعة - وآخر ما صارت إليه في آخر الدّولة نحو الثمانين شينيّا (¬b)، وعشر مسطّحات، وعشر حمّالة فما تقصر عن مائة قطعة - فيتقدّم إلى النّقباء بإحضار الرّجال - وفيهم من كان يتعيّش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما - فيجتمعون.
وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدّة أيّام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفا يقال لهم «النّقباء» - واحدهم نقيب - ولا يكره أحد على السّفر. فإذا اجتمعوا أعلم النّقباء المقدّم، فأعلم بذلك الوزير، فطالع الوزير الخليفة بالحال، فقرّر يوما للنّفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء على العادة. فيجلس الخليفة على هيئته في مجلسه، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش وهما: المستوفي والكاتب، والمستوفي هو أميزهما، فيجلس من داخل عتبة المجلس، وهذه رتبة له يتميّز بها، ويجلس بجانبه من وراء العتبة
стр. 2209
كاتب الجيش في قاعة الدّار على حصر مفروشة. وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلا، ومن أعيان الكتّاب - ويسمّى اليوم في زمننا ناظر الجيش - وأمّا كاتب الجيش فإنّه كان في غالب الأمر يهوديّا. ويفرش أمام المجلس الذي فيه الخليفة والوزير أنطاع تصبّ عليها الدّراهم، ويحضر الوزّانون ببيت المال لذلك.
فإذا تهيّأ الإنفاق أدخل الغزاة مائة مائة، فيقفون في أخريات من هو واقف في الخدمة من جانب واحد نقابة نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتّبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة.
فيستدعي مستوفي الجيش من تلك الأوراق المنفق عليهم واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هم فيه إلى الجانب الآخر، فإذا تكمّلت عشرة وزن الوزّان (¬a) لهم النّفقة. وكانت مقرّرة لكلّ واحد خمسة دنانير، صرف ستة وثلاثين درهما بدينار، فيسلّمها لهم النّقيب، وتكتب باسمه وبيده. وتمضي النّفقة هكذا إلى آخرها.
فإذا تمّ ذلك ركب الوزير من بين يدي الخليفة، وانفضّ ذلك الجمع. فيحمل إلى الوزير من القصر مائدة يقال لها «غداء الوزير»، وهي سبع مخفيّات (¬b) أوساط: إحداهما بلحم الدّجاج وفستق معمولة بصناعة محكمة، والبقيّة شواء، وهي مكمورة بالأزهار. فتكون النّفقة على ذلك مدّة أيّام، متوالية مرّة ومتفرّقة مرّة.
فإذا تكاملت النّفقة، وتجهّزت المراكب وتهيّأت للسّفر، ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النّيل بالمقس خارج القاهرة (١) - وكان هناك على شاطئ النّيل بالجامع منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداع الأسطول ولقائه إذا عاد. فإذا جلس للوداع، جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه وهي مزيّنة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات، فيرمى بها وتنحدر المراكب وتقلع، وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدوّ.
ثم يحضر «المقدّم» و «الرّئيس» إلى بين يدي الخليفة فيوصيهما (¬c)، ويدعو للجماعة بالنّصرة والسّلامة، ويعطي للمقدّم مائة دينار وللرّئيس عشرين دينارا، وينحدر الأسطول إلى دمياط،
стр. 2210
ومن هناك يخرج إلى بحر الملح، فيكون له ببلاد العدوّ صيت عظيم ومهابة قويّة.
والعادة أنّه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم، لا يتعرّض السّلطان منه إلى شيء ألبتّة إلاّ ما كان من الأسرى والسّلاح فإنّه للسّلطان، وما عداهما من المال والثّياب ونحوهما فإنّه لغزاة الأسطول لا يشاركهم فيه أحد (١). فإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضا إلى منظرة المقس وجلس فيها للقائه.
وقدم الأسطول مرّة بألف وخمس مائة أسير. وكانت العادة أنّ الأسرى ينزل بهم في المناخ، وتضاف الرجال إلى من فيه من الأسرى، ويمضى بالنّساء والأطفال إلى القصر بعدما يعطي منهم الوزير طائفة. ويفرّق/ ما بقي من النّساء على الجهات والأقارب فيستخدمونهن، ويربّونهن حتى يتقنّ الصّنائع. ويدفع الصّغار من الأسرى إلى الأستاذين فيربّونهم ويتعلّمون الكتابة والرّماية، ويقال لهم «التّرابي»، وفيهم من صار أميرا من صبيان خاصّ الخليفة.
ومن الأسرى من كان يستراب به فيقتل. ومن كان منهم شيخا لا ينتفع به ضربت عنقه، وألقي في بئر كانت في خرائب مصر تعرف ببئر المنامة.
ولم يعرف قطّ عن الدّولة الفاطميّة أنّها فادت أسيرا من الفرنج بمال ولا بأسير مثله. وكان المنفق في الأسطول كلّ سنة خارجا عن العدد والآلات (¬a) (٢).
ولم يزل الأسطول على ذلك إلى أن كانت وزارة شاور، ونزل مرّي [Amaury] ملك الفرنج على بركة الحبش، فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول، فحرقت ونهبها العبيد فيها نهبوا (٣).
فلمّا كان زوال الدّولة الفاطميّة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف ب «ديوان الأسطول»، وعيّن لهذا الدّيوان الفيّوم بأعمالها، والحبس الجيوشي في البرّين الشرقي والغربي. وهو من البرّ الشّرقي بهتيت (¬b) والأميرية والمنية، ومن البرّ الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة.