← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم يدخل فصل الشّتاء وطبيعته باردة رطبة، من النّصف الآخير من هاتور ثم كيهك وطوبة، وذلك عندما تكون الشّمس في القوس والجدي وبعض الدّلو، وذلك أقلّ من ثلاثة أشهر، والعلّة في ذلك قوّة حرارة أرض مصر، وكون الأبدان مضطربة. وتنكشف الأرض في أوّل هذا الفصل، وتحرث وتعفّن بالجملة، لكثرة ما يلقى فيها من البزور، وما فيها من أزبال الحيوان وفضولها، ولأنّها سخيفة، وهي كالحمأة في هذا الزّمان، فيتولّد فيها من أنواع الفأر والدّود والنّبات والعشب وغير ذلك ما لا يحصى كثرة، وينحلّ منها في الجوّ أبخرة كثيرة، حتى يصير الضّباب بالغدوات ساترا للأبصار عن الألوان القريبة. ويصاد أيضا من الأسماك المحبوسة في المياه المخزونة شيء كثير، وقد داخلها العفن لقلّة حركتها، فيولّد أكلها في الأبدان فضولا كثيرة لزجة شديدة الاستعداد للعفن، فتقوى الأمراض في أوّل هذا الفصل. حتى إذا اشتدّ البرد، وقوي الهضم في الأبدان، واستقرّ الهواء على شيء واحد، وعادت الحرارة الغريزية إلى داخل، وتطبّقت الأرض بالنّبات، وسكنت عفونتها، صحّت عند ذلك الأبدان، وهذا يكون في آخر كيهك أو في طوبة. فقد استبان أنّ الفصول بأرض مصر كثيرة الاختلاف، وأنّ أردأ أوقات السّنة عندهم وأكثرها أمراضا، هي (¬a) الخريف وأوّل الشّتاء، وذلك في شهري هاتور وكيهك، فإذا اختلاف الفصول مشاكل لما عليه أرضهم من الرّداءة، فمضرّة الفصول إذا بالأبدان في أرض مصر أقلّ منها في البلدان الأخر إذا اختلفت هذا الاختلاف. واستبان أيضا أنّ السّبب الأوّل في ذلك، هو مدّ النّيل في أيّام الصّيف، وتطبيقه الأرض في أيّام الخريف، بخلاف ما عليه مياه الأنهار في العمارة كلّها، فإنّها إنّما تمتدّ في أخصّ الأوقات بالرّطوبة، وهو الشّتاء والرّبيع (١). قال: وقد استبان ممّا تقدّم أنّ الرّطوبة الفضليّة بأرض مصر كثيرة. وظاهر أنّ أمراضهم البلديّة تكون من نوع هذه الرّطوبة، فإنّي أنا قلّما رأيت أمراضهم البلديّة تكون نوع هذه كلّها، لا يشوبها في أوّل أمرها البلغم والخلط الخام، والأمراض كلّها تحدث عندهم في الأوقات كلّها كما

стр. 247

قال أبقراط، وأكثر أمراضهم هي الفضلية، أعني العفنة من أخلاط صفراوية وبلغمية، على ما يشاكل مزاج/ أرضهم (١). قال (¬a): وما ذكرناه فيما تقدّم يوجب حدوث الأمراض كثيرا، إلاّ أنّ مشاكلة هذه بعضها بعضا، واتّفاقها في سنة واحدة، تمنع من أن تكون في أنفسها ممرضة حتى لزمت العادة، فأمّا إذا خرجت عن عادتها، فهي تحدث مرضا، وخروجها عن عادتها بمصر هو الذي أعدّه اختلافا ممرضا، لا الاختلاف الموجود فيها على الدّائم. والنّيل ليس يحدث في الأبدان كلّ سنة مرضا، ولكنّه إذا أفرطت زيادته، ودام مدّة تزيد على العادة، كان ذلك سببا لحدوث المرض الوافد. فإن قيل: إذا كانت أبدان الناس بأرض مصر من السّخافة - على ما ذكرت - فلعلّها في مرض دائم؛ فالجواب: لسنا نبالي في هذا (¬b) كيف كان؛ لأنّ المرض هو ما يضرّ بالفعل ضررا محسوسا من غير توسّط، فمن أجل ذلك ليست (¬c) أبدان المصريين في مرض دائم، ولكنّها كثيرة الاستعداد نحو الأمراض (٢). قال (٣): أمّا أمراض مصر البلديّة فقد ذكرنا من أمرها ما فيه كفاية، وظهر أنّ أكثرها الأمراض الفضلية التي يشوبها صفراء وخام، على أنّ باقي الأمراض تحدث عندهم بسرعة وقرب، وخاصّة في آخر الخريف وأوّل الشّتاء. وأمّا الأمراض الوافدة ومعنى المرض الوافد هنا (¬a)، هو ما يعمّ خلقا كثيرا في بلد واحد وزمان واحد، ومنه نوع يقال له: الموتان، وهو الذي يكثر معه الموت. وحدوث الأمراض الوافدة يكون عن أسباب كثيرة تجتمع في أجناس أربعة، وهي: تغيّر كيفيّة الهواء، وتغيّر كيفيّة الماء، وتغيّر كيفيّة الأغذية، وتغيّر كيفيّة الأحداث النّفسانية. والهواء (¬d) تتغيّر كيفيّته على ضربين: أحدهما تغيّره الذي جرت به العادة، وهذا لا يحدث مرضا وافدا، وليس تغيّرا ممرضا. والثاني التّغيّر الخارج عن مجرى العادة، وهذا هو الذي يحدث

стр. 248

المرض الوافد، وكذلك الحال في الأجناس الباقية. وخروج تغيّر الهواء عن عادته يكون إمّا بأن يسخن أكثر أو يبرد أو يرطب أو يجفّ أو يخالطه حال عفنيّة (¬a). والحالة العفنية (¬a) إمّا أن تكون قريبة أو بعيدة، فإنّ أبقراط وجالينوس يقولان: إنّه ليس يمنع مانع من أن يحدث ببلد اليونانييّن مرض وافد عن عفونة اجتمعت في بلاد الحبشة، وتراقت إلى الجوّ وانحدرت على اليونانيين، فأحدثت فيهم المرض الوافد. وقد يتغيّر أيضا مزاج الهواء عن العادة، بأن يصل وفد كثير قد أنهك أبدانهم طول السّفر وساءت أخلاطهم، فيخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الإعداء في الناس، ويظهر المرض الوافد. والماء أيضا قد يحدث المرض الوافد، إمّا بأن يفرط مقداره في الزّيادة أو النّقصان، أو يخالطه حال عفنية، ويضطرّ الناس إلى شربه، ويعفن به أيضا الهواء المحيط بأبدانهم، وهذه الحال تخالطه إمّا قريبا أو بعيدا، بمنزلة ما يمرّ في جريانه بموضع جرب (¬b) قد اجتمع فيه من جيف الموتى شيء كثير، أو بمياه نقائع (¬c) عفنة فيحدرها معه ويخالط جسمه. والأعذية تحدث المرض الوافد، إمّا إذا لحقها اليرقان وارتفعت أسعارها واضطرّ الناس إلى أكلها، وإمّا إذا أكثر الناس منها في وقت واحد كالذي يكون في الأعياد فيكثر فيهم التّخم، ويمرضون مرضا متشابها، وإمّا من قبل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل، أو فساد الماء الذي يشرب. والأحداث النّفسانية تحدث المرض الوافد متى حدث في النّاس خوف عام من بعض الملّوك، فيطول صبرهم (¬d) وتفكّرهم في الخلاص منه وفي وقوع البلاء، فيسوء هضم أجوافهم (¬e) وتتغيّر حرارتهم الغريزية، وربّما اضطرّوا إلى حركة عنيفة في هذه الحال، أو يتوقّعون قحط بعض السّنين، فيكثرون الحركة والاجتهاد في ادّخار الأشياء، ويشتدّ غمّهم بما سيحدث. فجميع هذه الأشياء تحدث في أبدان الناس المرض الوافد، متى كان المتعرّض لها خلق كثير في بلد واحد ووقت واحد. وظاهر أنّه إذا كثر في وقت واحد المرضى بمدينة واحدة، ارتفع من أبدانهم بخار كثير فيتغيّر مزاج الهواء، فإذا صادف بدنا مستعدّا أمرضه، وإن كان صاحبه لم يتعرّض لما يتعرّض إليه الناس.

стр. 249

فالأمراض الوافدة بمصر تحدث إمّا عن فساد لم تجر به العادة يعرض للهواء سواء كان مادّة فساده من أرض مصر، أو من البلاد التي تجاورها كالسّودان والحجاز والشّام وبرقة، أو يعرض للنّيل أن (¬a) تفرط زيادته فتكثر زيادة الرّطوبة والعفن، أو تقلّ زيادته جدّا فيجفّ الهواء عن مقدار العادة ويضطر الناس إلى شرب مياه رديئة، أو يخالطه عفونة تحدث عن حرب يكون بأرض مصر أو ببلاد السّودان أو غيرها يموت فيها خلق كثير ويرتفع بخار جيفهم في الهواء فيعفّنه ويتّصل عفنه إليهم، أو يسيل الماء ويحمل معه العفن، أو يغلو السّعر، أو يلحق الغلاّت آفة، أو يدخل على الكباش ونحوها مضرّة أو يلحق الناس خوف عام أو قنوط، وكلّ واحد من هذه الأسباب يحدث في أرض مصر مرضا وافدا يكون قوّته بمقدار قوّة السّبب المحدث له، وإن كان أكثر من سبب واحد كان ذلك المرض أشدّ وأقوى وأسرع في القتل (١). قال: فمزاج أرض مصر حارّ رطب بالرّطوبة الفضلية. وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن وأقلّ عفونة (¬b) في ماء النّيل/ بما كان منها في الشّمال، ولا سيّما من كان في شمال الفسطاط مثل أهل البشمور (٢)، فإنّ طباعهم أغلظ، والبله عليهم أغلب، وذلك أنّهم يستعملون أغذية غليظة جدّا، ويشربون من الماء الرّديء. وأمّا الإسكندرية (¬c) وتنّيس وأمثال هذه، فقربها من البحر وسكون الحرارة والبرد عندهم (¬d) وظهور الصّبا فيهم، ممّا يصلح أمرهم (¬e) ويرقّ طباعهم ويرفع هممهم، ولا يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور من غلظ الطّبع والحمارية. وإحاطة البحر بمدينة تنّيس، يوجب غلبة الرّطوبة عليها، وتأيس أخلاق أهلها (٣). قال: إنّه لمّا كانت أرض مصر وجميع ما فيها، سخيفة الأجسام سريعا إليها التغيّر والتّعفّن، وجب على الطبيب أن يختار من الأغذية والأدوية ما كان قريب العهد حديثا، لأنّ قوّته بعد باقية

стр. 250

عليه لم تتغيّر كلّ التّغيّر، وأن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر، ويجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضادّة أميل قليلا، ويتجنّب الأدوية القويّة الإسهال وكلّ ما له قوّة مفرطة. فإنّ نكاية هذه الأبدان سريعة، سيّما وأبدان المصريين سريعة الوقوع في النّكايات. ويختار ما يكون من الأدوية المسهّلة وغيرها ألين قوّة، حتى لا يكون على طبيعة المصريين منها كلفة، ولا يلحق أبدانهم مضرّة، ولا يقدم على الأدوية الموجودة في كتب أطبّاء اليونانيين والفرس، فإنّ أكثرها عملت لأبدان قويّة البنية عظيمة الأخلاط، وهذه الأشياء قلّما توجد بمصر، فلذلك يجب على الطّبيب أن يتوقّف في إعطاء هذه الأدوية للمرضى، ويختار ألينها، وينقص من مقدار شرباتها، ويبدّل كثيرا منها بما يقوم مقامه ويكون ألين منه، فيتّخذ السّكنجبين السّكّري في مقام العسلي، والجلاّب بدلا من ماء العسل. واعلم أنّ هواء مصر يعمل في المعجونات وسائر الأدوية ضعفا في قوّتها، فأعمار الأدوية المفردة والمركّبة المعجون منها وغير المعجون بمصر أقصر من أعمارها في غير مصر، فيحتاج الطّبيب بمصر إلى تقدير ذلك وتمييزه حتى لا يشتبه عليه شيء ممّا يحتاج إليه. وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدّواء المسهّل دفعة واحدة، فلا بأس بإعادته بعد أيّام، فإنّ ذلك أحمد من إيراد الدّواء الشّديد القوّة في دفعة واحدة (١). قال: ولكون أرض مصر تولّد في الأجسام سخافة وسرعة قبول للمرض، وجب أن تكون الأبدان على الهيئة الفاضلة بأرض مصر قليلة جدّا، فأمّا الأبدان الباقية فكثيرة، وأن تكون الصّحّة التامّة عندهم على الأمر الأكثر في القريبة من الهيئة الفاضلة. والطّريق الأولى التي تدبّر بها الأبدان في الهيئة الفاضلة يحتاج فيها بأرض مصر إلى أن يدبّر الهواء والغذاء والماء وسائر الأشياء تدبيرا يصير به في غاية الاعتدال، ولأنّ الهضم كثيرا ما يسوء بأرض مصر وكذلك الرّوح الحيواني، فيجب صرف العناية إلى مراعاة أمر القلب والدّماغ والكبد والمعدة والعروق والأوراد (¬a) وسائر الأعضاء الباطنة، في تجويد الهضم وإصلاح أمر الرّوح الحيواني وتنظيف الأوساخ اللاحجة (٢).

стр. 251

وقال في «شرح كتاب الأربع لبطلميوس» (١): وأمّا سائر أجزاء الرّبع الذي يميل (¬a) وسط جميع الأرض المسكونة أعني بلاد برقة، وسواحل البحر من مريوط إلى الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنّيس والفرما، وأسفل الأرض بمصر، ونواحي مدينة منف ومدينة الفسطاط، وما يلي شرقي النّيل من صعيد مصر والفيّوم إلى أعلى الصّعيد ممّا في غرب النّيل، وأرض الواحات وأرض النّوبة والبجة، والأرض التي على البحر في شرقي بلاد النّوبة والحبشة فإنّ هذه البلاد موضوعة في الزاوية التي تؤثّر في جميع الرّبع الموضوع فيما بين الدّبّور والجنوب. وهي من جملة النّصف الغربي من الرّبع المعمور، والكواكب الخمسة المتحيّرة تشترك في تدبيرها. فصار أهلها محبين للّه، ويعظّمون الجنّ، ويحبّون النّوح، ويدفنون موتاهم في الأرض ويخفونهم، ويستعملون سننا مختلفة وعادات وآراء شتّى لميلهم إلى الأسرار التي تدعو كلّ طائفة منهم إلى أمر من الأمور الخفيّة فيعتقده ويوافقه عليه (¬b) جماعة. ومن أجل هذه الأسرار، كان المستخرج للعلوم الدقيقة كالهندسة والنّجوم وغيرها في الزّمان الأوّل، أهل مصر ومنهم تفرّقت في العالم. وإذا ساسهم غيرهم كانوا أذلاّء، والغالب عليهم الجبن والاستحذاء في الكلام. وإذا ساسوا غيرهم كانت أنفسهم طيّبة وهممهم كثيرة. ورجالهم يتّخذون نساء كثيرة، وكذلك نساؤهم يتّخذن عدّة رجال، وهم منهمكون في الجماع، ورجالهم كثيرو النّسل، ونساؤهم سريعات الحمل، وكثير من ذكرانهم تكون أنفسهم ضعيفة مؤنّثة. قال أبو الصّلت: وأمّا سكّان أرض مصر فأخلاط من النّاس مختلفو الأصناف والأجناس، من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان [وأرمن] (¬c) وغير ذلك من الأصناف، إلاّ أنّ جمهورهم قبط. قالوا: والسّبب في اختلاطهم تداول المالكين لها والمتغلّبين عليها، من العمالقة واليونانيين والرّوم وغيرهم، فلهذا اختلطت أنسابهم، واقتصروا من التّعريف بأنفسهم على الإشارة إلى مواضعهم والانتماء إلى مساقطهم فيها.

стр. 252

وحكي أنّهم كانوا في الزّمن السّالف عبّاد أصنام ومدبّري هياكل/، إلى أن ظهر دين النّصرانيّة وغلب على أرض مصر، فتنصّروا وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون، فأسلم بعضهم، وبقي بعضهم على دين النّصرانيّة (¬a). وأمّا أخلاقهم فالغالب عليها اتّباع الشّهوات والانهماك في اللّذّات، والاشتغال بالتّرّهات، والتّصديق بالمحالات، وضعف المرائر والعزمات (١). ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوّة عليه وتلطّف فيه وهداية إليه، لما في أخلاقهم من الملق والبشاشة التي أربوا فيها على من تقدّم وتأخّر، وخصّوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم، حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا، والمثل بهم مضروبا. وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس (٢): [الطويل] منحتكم (¬b) يا أهل مصر نصيحتي … ألا فخذوا من ناصح بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحيّة … أكول لحيّات البلاد شروب فإن يك باق إفك فرعون فيكم … فإنّ عصا موسى بكفّ خصيب قال مؤلّفه: وقد مرّ بي (¬c) قديما أنّ منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر، فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون، وينذرون بالأمور المستقبلة، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة. قال ابن الطّوير (٣)، وقد ذكر استيلاء الفرنج على مدينة صور، فعاد الحفظ والحراسة على مدينة عسقلان، فما زالت محمية بالأبدال المجرّدة إليها من العساكر والأساطيل، والدولة تضعف أوّلا

стр. 253

فأوّلا باختلاف الآراء، فثقلت على الأجناد، وكبر أمرها عندهم، واشتغلوا عنها، فضايقها الفرنج حتى أخذوها في سنة ثمان وأربعين وخمس مائة. ولقد سمعت رجلا قبل ذلك بسنين يحدّث بهذه الأمور، ويقول: «في سنة ثمان تؤخذ عسقلان بالأمان» (١). ومن هذا الباب واقعة الكنائس التي للنّصارى؛ وذلك أنّه لمّا كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبع مائة، والناس في صلاة الجمعة، كأنّما نودي في إقليم مصر كلّه من قوص إلى الإسكندرية بهدم الكنائس، فهدم في تلك السّاعة بهذه المسافة الكبيرة عدد كبير من الكنائس، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر كنائس النّصارى (٢). ومن هذا الباب واقعة ألدمر، وذلك أنّه خرج الأمير ألدمر أمير جندار يريد الحجّ من القاهرة في سنة ثلاثين وسبع مائة، وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة، فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة ومصر وقلعة الجبل، بأنّ وقعة كانت بمكّة قتل فيها ألدمر، فطار هذا الخبر في ريف مصر واشتهر، فلم يكترث الملك النّاصر محمد بن قلاوون بهذا الخبر. فلمّا قدم المبشّرون على العادة، أخبروا بالواقعة وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة (٣). قال جامع «السّيرة النّاصريّة» (٤): كنت مع الأمير علم الدين الخازن في الغربية وقد خرج إليها كاشفا فلمّا صلّيت أنا وهو صلاة الجمعة وعدنا إلى البيت، قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنّه أشيع بأنّ فتنة كانت بمكّة قتل فيها جماعة من الأجناد، وقتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار. فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟ قال: لا. فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى بمكّة إلاّ ثالث يوم بعد عيد النّحر، فكيف سمعتم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟ فقال: قد استفيض ذلك. وكان الأمر كما أشيع.

стр. 254

ووقع لي في شهر رمضان من شهور سنة إحدى وتسعين وسبع مائة، أنّي مررت في الشّارع بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة، فإذا العامّة تتحدّث بأنّ الملك الظّاهر برقوق خرج من سجنه بالكرك واجتمع عليه الناس؛ فضبطت ذلك، فكان اليوم الذي خرج فيه من السّجن. وفي هذا الباب من هذا كثير. ومن أخلاق أهل مصر قلّة الغيرة؛ وكفاك ما قصّة اللّه من خبر يوسف ﵇ ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه، وشهادة شاهد من أهلها عليها بما بيّن لزوجها منها السّوء، فلم يعاقبها على ذلك بسوى قوله لها (¬a): ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ اَلْخاطِئِينَ﴾ [الآية ٢٩ سورة يوسف]. (¬b)) قال ابن عبد الحكم: وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون ولم يبق إلاّ العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرّجال، فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوّجه، وتتزوّج الأخرى أجيرها. وشرطن على الرّجال ألاّ يفعلوا شيئا إلاّ بإذنهن، فأجابوهنّ إلى ذلك، فكان أمر النّساء على الرّجال. فحدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أنّ نساء القبط على ذلك إلى اليوم اتّباعا لمن مضى منهم، لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلاّ قال: أستأمر امرأتي (١). وقال: إنّ فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر، لم يبق من الرّجال من يصلح للمملكة، قعد الناس في مراتبهم: بنت الملك ملكة، وبنت الوزير وزيرة، وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم، وكذلك بنات القوّاد والأجناد. فاستولت النّساء على المملكة مدّة سنين، وتزوّجن بالعبيد، واشترطن عليهم أنّ الحكم والتّصرّف لهنّ، فاستمرّ ذلك مدّة من الزّمان. ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنّهم أولاد العبيد السّود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدوهن (¬b) (٢).

стр. 255

/ وأخبرني الأمير الفاضل الثّقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركي (١) - رحمه اللّه تعالى - أنّه منذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه، وترخّصا لأهله، ولينا ورقّة طبع من قلّة الغيرة. وممّا لم نزل نسمعه داعيا (¬a) بين النّاس أنّ شرب ماء النّيل ينسي الغريب وطنه. ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النّظر في العواقب، فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكّان البلدان، بل يتناولون أغذية كلّ يوم من الأسواق بكرة وعشيّا. ومن أخلاقهم الانهماك في الشّهوات، والإمعان في الملاذ، وكثرة الاستهتار، وعدم المبالاة. قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرّحمن بن خلدون، ﵀: أهل مصر كأنّما فرغوا من الحساب (٢). وقد روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكّانها، فقال: إنّ اللّه تعالى لمّا خلق الأشياء جعل كلّ شيء لشيء؛ فقال العقل: أنا لاحق بالشّام، فقالت الفتنة: وأنا معك! وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك! وقال الشّقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصّحّة: وأنا معك! ويقال: لمّا خلق اللّه الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنّجدة والفتنة والكبر والنّفاق والغنى والفقر والذّلّ والشّقاء. فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء: وأنا معك! وقالت النّجدة: أنا لاحقة بالشّام، فقالت الفتنة: وأنا معك! وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النّفاق: وأنا معك! وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذّلّ: وأنا معك! وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشّقاء: وأنا معك (٣)!

стр. 256

وعن ابن عبّاس ﵄: المكر عشرة أجزاء: تسعة منها في القبط، وواحد في سائر النّاس (١). ويقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السّخاء في الرّوم، والوفاء في التّرك، والشّجاعة في القبط، والغمّ (¬a) في الزّنج. ووصف ابن القزّيّة (¬b) أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغارا، وأجهلهم كبارا. وقال المسعوديّ: لمّا فتح عمر بن الخطّاب ﵁ البلاد على المسلمين من العراق والشّام ومصر وغير ذلك، كتب إلى حكيم من حكماء العصر: «إنّا أناس عرب قد فتح اللّه علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره الترب والأهوية في سكّانها»؛ فكتب إليه: « … وأمّا أرض مصر فأرض قوراء غوراء، ديار الفراعنة ومساكن الجبابرة، ذمّها أكثر من مدحها، هواؤها كدر، وحرّها زائد، وسرّها بائد (¬c)، تكدّر الألوان والفطن، وتركب الإحن. وهي معدن الذّهب والجوهر ومغارس الغلاّت، غير أنّها تسمّن الأبدان وتسوّد الأبشار (¬d)، وتنمو فيها الأعمار. وفي أهلها مكر ورياء وخبث ودهاء وخديعة. وهي بلدة مكسب ليست بلدة مسكن، لترادف فتنها واتّصال شرورها (٢). وقال عمر بن شبّة (٣) بن عبيدة (¬e) في كتاب «أخبار البصرة» عن كعب الأحبار: خير نساء على وجه الأرض نساء أهل البصرة، إلاّ ما ذكر النّبيّ ﷺ من نساء قريش، وشرّ نساء على وجه الأرض نساء أهل مصر. وقال عبد اللّه بن عمر: ولمّا أهبط إبليس، وضع قدمه بالبّصرة، وفرّخ بمصر. وقال كعب الأحبار: ومصر أرض نجسة كالمرأة العاذل، يطهّرها النّيل كلّ عام.

стр. 257

وقال معاوية بن أبي سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث أشبه الناس بالناس (¬a)، وثلث لا ناس. فأمّا الثّلث الذين هم الناس فالعرب، والثّلث الذين يشبهون الناس فالموالي، والثّلث الذين لا ناس المسالمة، يعني القبط. ذكر شيء من فضائل النّيل (١) أخرج مسلم من حديث أنس ﵁ في حديث المعراج، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في الجنّة، وأمّا الظّاهران فالنّيل والفرات» (٢). وفي التّوراة: وخلق فردوسا في عدن، وجعل الإنسان فيه، وأخرج منه نهران فقسّمهما أربعة أجزاء: جيحون المحيط بأرض حويلا، وسيحون المحيط بأرض كوش وهو نيل مصر، ودجلة الآخذ إلى العراق، والفرات (٣).

стр. 258

وروى ابن عبد الحكم، عن عبد اللّه بن عمر ﵄ أنّه قال: نيل مصر سيّد الأنهار، سخّر اللّه له كلّ نهر بين المشرق والمغرب. فإذا أراد اللّه أن يجري نيل مصر أمر كلّ نهر أن يمدّه، فتمدّه الأنهار بمائها، وفجّر اللّه له الأرض عيونا فأجرته إلى ما أراد اللّه ، فإذا انتهت جريته أوحى إلى كلّ ماء أن يرجع إلى عنصره. وعن يزيد بن أبي حبيب أنّ معاوية بن أبي سفيان ﵁ سأل كعب الأحبار: هل تجد لهذا النّيل في كتاب اللّه خبرا؟ قال: إي والذي فلق البحر لموسى، إنّي لأجده في كتاب اللّه أنّ اللّه يوحي إليه في كلّ عام مرّتين: يوحي إليه عند جريته: إنّ اللّه يأمرك أن تجري، فيجري ما كتب اللّه له، ثم يوحي إليه بعد ذلك: يا نيل، عد حميدا. وعن كعب الأحبار أنّه قال: أربعة أنهار من الجنّة وضعها اللّه/ في الدّنيا: النّيل نهر العسل في الجنّة، والفرات نهر الخمر في الجنّة، وسيحان نهر الماء في الجنّة، وجيحان نهر اللّبن في الجنة (١). وقال المسعودي: نهر النّيل من سادات الأنهار وأشراف البحار، لأنّه يخرج من الجنّة على ما ورد به خبر الشّريعة. وقد قالت: إنّ النّيل إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والآبار، وإذا غاض زادت؛ فزيادته من غيضها، وغيضه من زيادتها وليس في أنهار الدّنيا نهر يسمّى بحرا [ويمّا] (¬a) غير نيل مصر لكبره واستبحاره (٢). وقال ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث»: وفي حديثه ﵇: «نهران مؤمنان ونهران كافران، أمّا المؤمنان فالنّيل والفرات، وأمّا الكافران فدجلة ونهر بلخ»، إنّما جعل النّيل والفرات مؤمنين على التّشبيه لأنهما يفيضان على الأرض، ويسقيان الحرث والشّجر، بلا تعب في ذلك ولا مئونة، وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان على الأرض، ولا يسقيان إلاّ شيئا قليلا، وذلك القليل بتعب ومئونة، فهذان في الخير والنّفع كالمؤمنين، وهذان في قلّة الخير والنّفع كالكافرين (٣).

стр. 259

ذكر مخرج النّيل وانبعاثه اعلم أنّ البحر المحيط بالمعمور إذا خرج منه نهر الهند، افترق قطعا كما تقدّم، وكان منه قطعة تسمّى بحر الزّنج، وهي ممّا يلي بلاد اليمن وبحر بربر. وفي هذه القطعة عدّة جزائر منها جزيرة القمر (بضمّ القاف وإسكان الميم وراء مهملة) (١). ويقال لهذه الجزيرة أيضا جزيرة ملاي، وطولها أربعة أشهر، في عرض عشرين يوما إلى أقلّ من ذلك. وهذه الجزيرة تحاذي جزيرة سرنديب، وفيها عدّة بلاد كثيرة، منها قمرية، وإليها ينسب الطائر القمريّ. ويقال: إنّ بهذه الجزيرة خشبا ينحت من الخشبة ساق طوله ستون ذراعا يحذف على ظهره مائة وستون رجلا، وإنّ هذه الجزيرة ضاقت بأهلها، فبنوا على السّاحل محلاّت يسكنونها في سفح جبل يعرف بهم يقال له جبل القمر. واعلم أنّ الجبال كلّها متشعّبة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض، وهو المسمّى ب «جبل قاف»، وهو أمّ الجبال كلّها، تتشعّب منه فيتّصل في موضع وينقطع في آخر، وهو كالدّائرة لا يعرف له أوّل إذ كان كالحلقة المستديرة لا يعرف طرفاها، وإن لم يكن استدارة كرّيّة ولكنّها استدارة إحاطة. وزعم قوم أنّ أمّهات الجبال جبلان: خرج أحدهما من البحر المحيط في المغرب آخذا جنوبا، وخرج الآخر من البحر الرّومي آخذا شمالا، حتى تلاقيا عند السّدّ، وسمّوا الجنوبي «قاف»، وسمّوا الشّمالي «قاقونا». والأظهر أنّه جبل واحد ومحيط بغالب بسيط المعمور، وأنّه هو الذي يسمّى بجبل قاف، فيعرف بذلك في الجنوب ويعرف في الشّمال بجبل قاقونا. ومبدأ هذا الجبل المحيط في كتف السّدّ آخذا من وراء صنم الخطا المحجوج (¬a) إلى شعبته الخارجة منه المعمول بها باب الصّين أخذا على غربي صين الصّين، ثم ينعطف على جنوبه مستقيما في نهاية الشّرق على جانب البحر المحيط مع الفرجة المنفرجة بينه وبين البحر الهندي الداخلة، ثم

стр. 260

ينقطع عند مخرج البحر الهندي المحيط مع خطّ الاستواء، حيث الطّول مائة وسبعون درجة، ثم يتّصل من شعبة البحر الهندي الملاقي لشعبة المحيط الخارجة إلى بحر الظّلمات من الشّرق بجنوب كثير من وراء مخرج البحر الهندي في الجنوب. وتبقى الظّلمات من هاتين الشّعبتين: شعبة المحيط الجائية على جنوب الظّلمات شرقا بغرب (¬a)، ومخرج البحر الهندي الجائية على الظّلمات، حتى تتلاقى الشّعبتان عند مخرج هذا الجبل كتفصيل السّراويل، ثم ينفرج برأس البحرين شعبتان على مبدأ هذا الجبل، ويبقى الجبل بينهما كأنّه خارج من نفس الماء. ومبدأ هذا الجبل هنا وراء قبّة أرين عن شرقيها، وبعده منها خمس عشرة درجة. ويقال لهذا الجبل في أوّله المجرّد، ثم يمتدّ حتى ينتهي في القسم الغربي إلى طوله إلى خمس وستين درجة من أوّل المغرب. وهناك يتشعّب من الجبل المذكور جبل القمر، وينصبّ منه النّيل. وبه أحجار برّاقة كالفضّة تتلألأ تسمّى صنجة الباهب (¬b)، كلّ من نظرها ضحك والتصق بها حتى يموت، ويسمّى مغناطيس الناس، ويتشعّب منه شعب يسمّى أسيفي، أهله كالوحوش، ثم ينفرج منه فرجة، ويمرّ منه شعب إلى نهاية المغرب في البحر المحيط يسمّى جبل وحشية، به سباع لها قرون طوال لا تطاق، وينعطف دون تلك الفرجة من جبل قاف شعاب، منها شعبتان إلى خطّ الاستواء يكتنفان مجرى النّيل من الشّرق والغرب، فالشّرقي يعرف بجبل فاقولا (¬c)، وينقطع عند خطّ الاستواء، والغربي يعرف بأدمدمة (¬d) يجري عليه نيل السّودان المسمّى ببحر الدّمادم، وينقطع تلقاء مجالات الحبشة ما بين مدينة سمغرة وجيمي وراء هذه الشّعبة، يمتدّ منه شعبة هي الأمّ من الموضع المعروف فيه الجبل بأسيفي المذكور إلى خطّ الاستواء، حيث الطّول هناك عشرون درجة، ويعرف هناك بجبل كوسقانة (¬e)، وبه وحوش ضارية. ثم ينتهي إلى البحر المحيط وينقطع دونه بفرجة، وذلك وراء التّكرور عند مدينة قلتبو (¬f). ووراء هذا الجبل سودان يقال لهم نمنم يأكلون الناس. ثم تتّصل الأم من ساحل/ البحر الشّامي في شماله شرقيّ رومية الكبرى مسامتا للشّعبة المسماة أدمدمة المنقطعة بين سمغرة وجيمي، لا يكاد يخطوها حيث الطول خمس وثلاثون درجة. ويقع منشأ اتّصال هذه الأم على عرض خمسين درجة، وكذلك تقع شعبها الآخذة في الجنوب على عرض خمسين درجة عند آخرها، ما بين سردانية (¬g) وبلنسية.

стр. 261

وتتناهى وصلة هذه الأم إلى البحر المحيط في نهاية الشّمال قبالة جزيرة برطانية (¬a)، وتبقى سوسية داخل الجبل. ثم تمدّ هذه الأم بعد انقطاع لطيف، وتنعطف مع انعطاف خرجة البحر المحيط في الغرب بشمال على الصّقلب المسمّاة ببحر الأنقليشين ممتدا إلى غاية المشرق، ويسمّى هناك بجبل قاقونا، ويبقى وراءه بالبحرة الجامدة (¬b) لشدّة البرد، ثم ينعطف من الشّمال إلى المشرق جنوبا بتغريب إلى كتف السّدّ الشّمالي، فيتلاقى هناك الطّرفان، وبينهما في الفرجة المنفرجة ساوى (¬c) ذو القرنين بين الصّدفين. وفي جزيرة القمر ثلاثة أنهار: أحدها في شرقيها من قنطورا ومعلا، وثانيها في غربيها ينصب من جبل قدم آدم على مدينة سبأ، ويأخذ مارّا على مدينة فزدرا، وينجر هناك بحيرة في جنوبها مدينة كيماما (¬d) حيث محلّ السّودان الذين يأكلون الناس، وثالثها في غربيها أيضا. ويخرج من الجبل المشبّه بباء محذوف (¬e) الذيل، يطوف بمدينة دهمي، فتبقى مدينة دهمي (¬f)) بينه وبين البحر الهندي (¬f) في جزيرة بينهما يكون هو محيطا بها شرقا وجنوبا وغربا، وتصير لذلك كالجزيرة، ويتّصل شمالها بالبحر الهندي، وتقع مدينة فورانة (¬g) في غربية حيث يصبّ في البحر الهندي. ومن جبل القمر يخرج نهر النّيل، وقد كان يتبدّد على وجه الأرض. فلمّا قدم نقراوس الجبّار ابن مصرايم الأوّل بن مركائيل بن دوابيل بن غرياب بن آدم ﵇ إلى أرض مصر ومعه عدّة من بني غرياب، واستوطنوها، وبنوا بها مدينة أمسوس وغيرها من المدائن، حفروا النّيل حتى أجروا ماءه إليهم؛ ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري، بل ينبطح ويتفرّق في الأرض، حتى وجّه إلى النّوبة الملك نقراوش [جماعة] (¬h) فهندسوه، وساقوا منه أنهارا إلى مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها، وساقوا منه نهرا إلى مدينة أمسوس (١). ثم لمّا خربت أرض مصر بالطّوفان كانت أيّام البودسير بن قفط بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ عدّل جانبيّ النّيل تعديلا ثانيا بعد ما أتلفه الطّوفان. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: فملك البودسير وتجبّر، وهو أوّل من تكهّن وعمل بالسّحر واحتجب عن العيون. وقد كانت أعمامه أشمن وأتريب وصا ملوكا على أحيازهم، إلاّ

стр. 262

أنّه قهرهم بجبروته وقوّته فكان الذّكر له، كما تجبّر عليهم (¬a) أبوه من قبله لأنّه كان أكبرهم، ولذلك أغضوا عنه. فيقال إنّه أرسل هرمس الكاهن المصري إلى جبل القمر الذي يخرج النّيل من تحته حتى عمل هناك هيكل (¬a) التّماثيل النّحاس، وعدل البطيحة التي ينصبّ إليها ماء النّيل. ويقال إنّه الذي عدّل جانبي النّيل، وقد كان يفيض، وربّما انقطع في مواضع (١). وهذا القصر الذي فيه تماثيل النّحاس يشتمل على خمس وثمانين صورة، جعلها هرمس جامعة لما يخرج من ماء النّيل بمعاقد ومصاب مدبّرة (¬b)، وقنوات يجري فيها الماء، وينصبّ إليها إذا خرج من تحت جبل القمر، حتى يدخل من تلك الصّور ويخرج من حلوقها وجعل لها قياسا (¬c) معلوما بمقاطع وأذرع مقدّرة، وجعل ما يخرج من هذه الصّور من الماء ينصبّ إلى الأنهار، ثم يصير منها إلى بطيحتين، ويخرج منهما حتى ينتهي إلى البطيحة الجامعة للماء الذي يخرج منه تحت الجبل. وعمل لتلك الصّور مقادير من الماء الذي يكون معه الصّلاح بأرض مصر وينتفع به أهلها دون الفساد، وذلك الانتهاء المصلح ثمانية عشر ذراعا بالذّراع الذي مقداره اثنان وثلاثون أصبعا، وما فضل عن ذلك عدل [به] (¬d) عن يمين تلك الصّور وشمالها إلى مسارب يخرج ويصبّ في رمال وغياض لا ينتفع بها من خلف خطّ الاستواء، ولولا ذلك لغرّق ماء النّيل البلدان التي يمرّ عليها (٢). قال: وكان الوليد بن دومغ العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقّل في البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها، فلمّا صار إلى الشّام انتهى إليه خبر مصر وعظم قدرها، وأنّ أمرها قد صار إلى النّساء وباد ملوكها، فوجّه غلاما له يقال له عون إلى مصر، وسار إليها بعده واستباح أهلها، وأخذ الأموال، وقتل جماعة من كهنتها. ثم سنح له أن يخرج ليقف على مصبّ النّيل فيعرف ما بناحيته (¬e) من الأمم، فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه، وخرج في جيش كثيف (¬f)، فلم يمرّ بأمّة إلا أبادها، ومرّ على أمم السّودان

стр. 263

وجاوزهم، ومرّ على أرض الذّهب فرأى فيها قضبانا نابتة من ذهب. ولم يزل يسير حتى بلغ البطيحة التي ينصبّ ماء النّيل فيها من الأنهار التي تخرج من تحت جبل القمر، وسار حتى بلغ هيكل الشّمس وتجاوزه حتى بلغ جبل القمر، وهو جبل عال، وإنّما سمّي جبل القمر لأنّ القمر لا يطلع عليه لأنّه خارج من تحت خطّ الاستواء (١). ونظر إلى النّيل يخرج من تحته فيمرّ في طرائق كأنّها رقاق (¬a) حتى ينتهي إلى حظيرتين، ثم يخرج منهما في نهرين حتى ينتهي إلى حظيرة أخرى، فإذا جاز (¬b) خطّ الاستواء أمدّته/ عين تخرج من ناحية نهر مهران (¬c) بالهند، وتلك العين أيضا تخرج من تحت جبل القمر إلى ذلك الوجه. ويقال إنّ نهر مهران (¬c) مثل النّيل يزيد وينقص، وفيه التّماسيح والأسماك التي مثل أسماك النّيل. ووجد الوليد بن دومغ القصر الذي فيه التّماثيل النّحاس التي عملها هرمس الأوّل في وقت البودسير بن قفطريم بن قبطيم بن مصرايم (٢). وقد ذكر قوم من أهل الأثر أنّ الأنهار الأربعة تخرج من أصل واحد من قبّة في أرض الذّهب التي من وراء البحر المظلم، وهي سيحون وجيحون والفرات والنّيل، وأنّ تلك الأرض من أرض الجنّة، وأنّ تلك القبّة من زبرجد، وأنّها قبل أن تسلك البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور؛ وممّن جاء بهذا رجل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ وصل إلى تلك القبّة، وقطع البحر المظلم، وكان يقال له حائد (٣). وقال آخرون: تنقسم هذه الأنهار على اثنين وسبعين قسما حذاء اثنين وسبعين لسانا للأمم؛ وقال آخرون: هذه الأنهار من ثلوج تتكاثف، ويذيبها الحرّ فتسيل إلى هذه الأنهار، وتسقي من عليها، لمّا يريد اللّه من تدبير خلقه؛ قالوا: ولمّا بلغ الوليد جبل القمر، رأى جبلا عاليا فعمل حيلة إلى أن صعد إليه ليرى ما خلفه، فأشرف على البحر الأسود الزّفتيّ المنتن، ونظر إلى النّيل يجري عليه كالأنهار الرّقاق، فأتته من ذلك البحر روائح منتنة هلك كثير من أصحابه من

стр. 264

أجلها، فأسرع النّزول بعد أن كاد يهلك. وذكر قوم أنّهم لم يروا هناك شمسا ولا قمرا، إلاّ نورا أحمر كنور الشّمس عند غيابها (١). وأمّا ما ذكر عن حائد وقطعه البحر المظلم ماشيا عليه لا يلصق بقدمه منه شيء وكان فيما يذكر نبيّا، وأوتي حكمة، وأنّه سأل اللّه تعالى أن يريه منتهى النّيل فأعطاه قوّة على ذلك فيقال إنّه أقام يمشي عليه ثلاثين سنة في عمران، وعشرين سنة في خراب (٢). قالوا: وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة (٣)، وعاد ودخل منف، فأقام بمصر فاستعبد أهلها، واستباح حريمهم وأموالهم، وملكهم مائة وعشرين سنة فأبغضوه وسئموه، إلى أن ركب في بعض أيّامه متصيّدا، فألقاه فرسه في وهدة فقتله، واستراح الناس منه (٤). وقال (٥) قدامة بن جعفر في كتاب «الخراج»: انبعاث النّيل من جبل القمر وراء خطّ الاستواء من عين تجري منها عشرة أنهار، كلّ خمسة منها تصبّ إلى بطيحة، ثم يخرج من كلّ بطيحة نهران، وتجري الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأوّل، ومن هذه البطيحة يخرج نهر النّيل. وقال في كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق (¬a)»: إنّ هذه البحيرة تسمّى بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السّودان يسكنون حولها متوّحشين يأكلون من وقع إليهم من النّاس. ومن هذه البحيرة يخرج لهم نهر غانة وبحر الحبشة، فإذا خرج النّيل منها يشقّ بلاد كوري وبلادينه، وهم طائفة من السّودان بين كانم والنّوبة. فإذا بلغ دمقلة مدينة النّوبة عطف من غربيها وانحدر إلى الإقليم الثّاني، فيكون على شطّيه عمارة النّوبة، وفيه هناك جزائر متّسعة عامرة بالمدن والقرى، ثم يشرق إلى الجنادل (٦). وقال المسعوديّ رحمه اللّه تعالى: رأيت في كتاب «جغرافيا النّيل» مصوّرا ظاهرا من تحت جبل القمر، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثنتي عشرة عينا، فتصبّ تلك المياه إلى بحيرتين هنالك

стр. 265

كالبطائح، ثم يجتمع الماء منها جاريا فيمر برمال هنالك وجبال، ويخرق أرض السّودان فيما يلي بلاد الزّنج، فيتشعّب منه خليج يصبّ في بحر الزّنج ويجري على وجه الأرض تسع مائة فرسخ وقيل ألف فرسخ في عامر وغامر من عمران وخراب، حتى يأتي أسوان من صعيد مصر (١). وقال في كتاب هروشيوش: نهر النّيل مخرجه من ريف بحر القلزم، ثم يميل إلى ناحية الغرب، فيصير في وسطه جزيرة، وآخر ذلك يميل إلى ناحية الشّمال فيسقي أرض مصر. وقيل إنّ مخرجه من عين فيما يجاوز الجبل، ثم يغيب في الرّمال، ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم، ثم يساير البحر المحيط على قفار الحبشة، ثم يميل على اليسار إلى أرض مصر، فيحق ما يظنّ بهذا النّهر أنّه عظيم، إذ كان مجراه على ما حكيناه. قال: ونهر النّيل وهو الذي يسمّى بأون (¬a) مخرجه خفيّ، ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة، ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل. وذكر مخرجه حتى ينتهي إلى البحر. قال: وكثيرا ما يوجد في نهر النّيل التّماسيح، وإقبال النّيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد، وعدّة أمياله من مخرجه المعروف إلى موقفه مائة ألف وتسعون ألفا وتسع مائة وثلاثون ميلا. وماء النّيل عكر مرمّل عذب دفئ (٢). انتهى. والنّيل إذا وصل إلى الجنادل كان عند انتهاء مراكب النّوبة انحدارا، ومراكب الصّعيد إقلاعا. وهناك حجارة مضرّسة لا مرور للمراكب عليها إلاّ في أيّام زيادة النّيل، ثم يأخذ على الشّمال فيكون على شرقيه أسوان من الصّعيد الأعلى، ويمرّ بين جبلين يكتنفان أعمال مصر: أحدهما شرقي، والآخر غربي، حتى يأتي مدينة فسطاط مصر فيكون في برّه الشّرقي. فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم، صار فرقتين: فرقة تمرّ/ حتى تصبّ في بحر الرّوم عند دمياط، وتسمّى هذه

стр. 266

الفرقة بحر الشّرق، والفرقة الأخرى هي عمود النّيل ومعظمه، يقال لها بحر الغرب، تمرّ حتى تصبّ في بحر الرّوم أيضا عند رشيد، وكانت مدينة كبيرة في قديم الزّمان. ويقال: إنّ مسافة النّيل من منبعه إلى أن يصبّ في البحر عند رشيد سبع مائة وثمانية وأربعون فرسخا، وإنّه يجري في الخراب أربعة أشهر، وفي بلاد السّودان شهرين، وفي بلاد الإسلام مسافة شهر. وذهب بعضهم إلى أنّ زيادة ماء النّيل إنّما تكون بسبب المدّ الذي يكون في البحر، فإذا فاض ماؤه تراجع النّيل وفاض على الأراضي، ووضع في ذلك كتاب حاصله أنّ حركة البحر التي يقال لها المدّ والجزر توجد في كلّ يوم وليلة مرّتين، وفي كلّ شهر قمري مرّتين، وفي كلّ سنة مرّتين. فالمدّ والجزر اليوميّ تابع لقرص القمر، ومخرج الشّعاعي (¬a) عنه من جنبتي جرم الماء، فإذا كان القمر وسط السّماء كان البحر في غاية المدّ، وكذا إذا كان القمر في وتد الأرض، فإذا بزغ القمر طالعا من الشّرق أو غرب، كان الجزر. والمدّ الشّهريّ يكون عند استقبال القمر للشّمس في نصف الشهر، ويقال له الامتلاء ويكون (¬b) أيضا عند الاجتماع، ويقال له السّرار. والجزر يكون أيضا في وقتين: عند تربيع القمر للشّمس في سابع الشهر، وفي ثاني عشريه. والمدّ السّنويّ يكون أيضا في وقتين: أحدهما عند حلول الشّمس آخر برج السّنبلة، والآخر عند حلول الشّمس بآخر برج الحوت. فإن اتّفق أن يكون ذلك في وقت الامتلاء أو الاجتماع، فإنّه حينئذ يجتمع الامتلاءان الشّهري والسّنويّ، ويكون عند ذلك البحر في غاية الفيض، لا سيّما إن وقع الاجتماع أو الامتلاء في وسط السّماء، ووقع مع النّيّرين أو مع أحدهما أحد الكواكب السّيّارة، فإنّه يعظم الفيض. فإن وقع كوكب فصاعدا مع أحد النّيّرين تزايد عظم الفيض، وكانت زيادة النّيل تلك السّنة عظيمة جدّا، وزاد أيضا نهر مهران. فإن كان الاجتماع أو الامتلاء زائلا عن وسط السّماء، وليس مع أحد النّيّرين كوكب، فإنّ النّيل ونهر مهران لا يبلغان غاية زيادتهما لعدم الأنوار التي تثير المياه، ويكون بمصر في تلك (¬b) السّنة الغلاء.

стр. 267

والجزر السّنوي يكون عند (¬a) حلول الشّمس برأسي الجدي والسّرطان. فأمّا المدّ اليّومي الدّافع من البحر المحيط، فإنّه لا ينتهي في البحر الخارج من المحيط أكثر من درجة واحدة فلكية، ومساحتها من الأرض نحو من ستين ميلا ثم ينصرف، وانصرافه هو الجزر. وكذلك الأودية إذا كانت الأرض وهدة. والمدّ الشّهريّ ينتهي إلى أقاصي البحار، وهو يمسكها حتى لا تنصبّ في البحر المحيط، وحيث ينتهي المدّ الشّهري فهناك منتهى ذلك البحر وطرفه. وأمّا المدّ السّنويّ فإنّه يزيد في البحار الخارجة عن البحر المحيط زيادة بيّنة، ومن هذه الزّيادة تكون زيادة النّيل وامتلاؤه وامتلاء نهر مهران والديتلو الذي ببلاد السّند. قال: ولمّا جاء أرسطو إلى مصر مع الإسكندر، ورأى مصبّ النّيل، وعلم أنّه (¬b) من المحال أن يكون النّيل في أسوان واد من الأودية، وما (¬c) أسحل اتّسع حتى إنّ عرضه في أسفل ديار مصر لينتهي إلى مائة ميل عند غاية الفيض، وله أفواه كثيرة شارعة في البحر تسع كلّ ما يهبط من الميزان في ذلك الصّنع، فرأى محالا أن يكون الوادي بحيث يضيق أسفله عن حمل ما يأتي به أعلاه، مع ضيق أعلاه وسعه أسفله. فلمّا رأى ذلك قال: إنّ رياحا (¬d) تستقبل جرية الماء وتردعه فيفيض لذلك. وقال الإسكندر الأفروديسي (¬e): إنّ من المحال أن يكون الرّيح يردع الماء السّائل في الوادي حتى يفيض أكثر من مائة ميل، ولو كانت الرّيح تفعل ذلك لكان الماء ينفلت من أسفل الوادي ويسيل إلى البحر، لأنّ البحر لا يمسك إلاّ أعلاه، ولكن الرّياح تقذف الرّمل في أفواه تلك الشّوارع التي تفضي إلى البحر، فيعتريها شبه الرّدم، فيفيض. قال: وأغفل أنّ الرّمل جسم متخلخل فالماء يتخلّله وينفذه سائلا إلى البحر، مع أنّ الرّمل لم يعتل اعتلاء يظهر للحسّ، والماء سائل في كلّ حين على حلق تنّيس ودمياط وحلق رشيد وحلق الإسكندرية، ففطنوا لاستحالة كونه سائلا عن سيل حامل، ونسبوا توقّفه إلى الرّيح والرّمل. وهم استقصوا الهواء واستقصوا الأرض، وأغفلوا الاستقصاء الثّالث الذي هو الماء، لأنّهم لم يعرفوا حركة البحر السّنويّة لأنّها لا تبلغ الغاية إلاّ في ثلاثة أشهر، فلا يظهر مقدار صعودها في كلّ يوم للحسّ، ولذلك وضع أمير مصر المقياس بديار مصر.

стр. 268

قال: والمدّ كلّه واحد، وهو أنّ القمر يقابل الماء كما تقابل الشّمس الأرض. فنور القمر إذا قابل كرة الأرض سخّنها، كما تسخّن الشّمس الهواء المحيط، فيعتري الهواء المحيط بالماء بعض تسخين يذيب الماء، فيفيض وينمى بخاصّته، كالمرآة المحرقة الملهبة للجوّ حتى تحرق القطنة الموضوعة بين المرآة والشّمس؛ فهذا مثاله في المقابلة. ومثاله في المسرار كون الزّجاجة المملوءة ماء يلقى الشّعاع إلى حلقها فتحترق القطنة أيضا، فالقمر جسم نوريّ باكتسابه ذلك من الشّمس، فإذا حال بين الشّمس والأرض خرج عن جانبي الماء شعاع نافذ يمرّ مع جنبي الماء فيسخّن ما قابله فينمو، والماء جسم شفّاف عن جانبيه/ يخرج الشّعاع كما يخرج عن جانبي الزّجاجة، فيحدث لها نور يسخّن الهواء الذي يحيط بالزّجاجة أو بالأرض، فيعتري الماء شبه تسخين ينمى به ويزيد، وذلك قبالة القرص، وقبالة مخرج الشّعاع من قبالة وتد القمر. فهذا هو المدّ دائما، ويستدير باستدارة الفلك وتدويره لفلك القمر، وتدوير فلك القمر للقمر. والمدّ الشّهري هو أن يقابل القمر الشّمس أو يستتر تحتها، لأنّه ليس إلاّ كون القمر قبالة الشّمس، لكونه في تربيع الشّمس أضعف، وفي المقابلة أقوى. وكذلك إذا قابلها على وسط كرة الأرض، بحيث تكون الحركة أشدّ، والاكتناف للماء والأرض أعمّ، فذلك هو المدّ السّنوي. فصل في الرّد على من اعتقد أنّ النّيل من سيل يفيض أمّا العامّة فليس عندهم ما يجيء على وجه الأرض أنّه سيل، ومن تفطّن إلى عظمه واتّساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ولا هواء، نسب ذلك إلى الخيال المحض، كما فعل صاحب كتاب «المسالك والممالك» (١) الذي زعم أنّ الماء يسافر من كلّ أرض وموطن إلى النّيل تحت الأرض فيمدّه، لأنّ النّيل إنّما يفيض في الخريف، والعيون والآبار في ذلك الوقت يقلّ ماؤها، والنّيل يكثر، فرأوا كثرة وقلّة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال.

стр. 269

(¬a)) وقال آخر: إنّما ذلك ملك يضع رجله في الماء فيكثر ويزيله من الماء فيقلّ (¬a). وممّا يدلّك على أنّه ليس عن سيل يفيض أنّ السّيل يكون في غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النّيل لكون البحر في الجزر، فيصل السّيل ويمرّ نحو البحر فلا يردعه رادع. ومنها أنّ فيض النّيل على تدريج مدّة ثلاثة أشهر من حلول الشّمس رأس السّرطان إلى حلولها بآخر برج السّنبلة، والناس يحسبون به قبل فيضه بمدّة شهرين. ولعامل مصر في وسط النّيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمّونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كلّ يوم. ومنها أنّ فيضه أبدا في وقت واحد، فلو كان بالسّيل لاختلف بعض الاختلاف. ومنها أنّه قد يجيء السّيل في غير هذا الوقت فلا يفيض. ومنها أنّ الحذّاق بمصر إذا رأوا الحرّ يزيد، علموا أن النّيل يزيد (¬b)، لأنّ شدّة الحرّ تذيب الهواء فيذوب الماء، ولا يكون إلاّ عن زيادة كوكب ودنوّ نور. ومنها أنّ موضع مصبّه من أسوان إنّما هو واد من الأودية، وما أسحل اتّسع حتى يكون عرض اتّساعه نحوا من مائة ميل، وأسوان هو منتهى بلوغ الرّدع، فما ظنّك بسيل مسيره نصف شهر، لا نسبة بين مصبّ أعلاه وأسفله، كيف كان يكون أعلاه لو كان امتلاء أسفله عن السّيل؟ ومنها أنّ أهل أسوان إنّما يرقبون بلوغ الرّدع إليهم مراقبة، ويحافظون عليه بالنهار محافظة، فإذا جنّ اللّيل أخذوا حقّة خزف فوضعوا فيها مصباحا، ثم وضعوه (¬c) على حجر معدّ عندهم لذلك وجعلوا يرقبونه، فإذا طفئ (¬d) حجر المصباح بطفو الماء عليه، علموا أنّ الرّدع قد وصل غايته المعهودة عندهم بأخذه في الجزر، فكتبوا (¬e) بذلك إلى أمير مصر يعلمونه أنّ الرّدع قد وصل غايته المعهودة عندهم، وأنّهم قد أخذوا بقسطهم من الشّرب. فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التي على أفواه فرض (¬f) المشارب، فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة. ومنها أنّ جميع تلك المشارب تسدّ عند ابتداء صعود (¬g) النّيل بالخشب والتّراب، ليجتمع ما يسيل من الماء العذب في النّيل، ويكثر فيعمّ (¬h) جميع أرضهم، ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه، فلو كان سيلا ما احتاج إلى ذلك، ولفتحت له أفواه قرض (¬i) المشارب عند ابتداء ظهوره.

стр. 270

ومنها أنّ الخلجان إذا سدّت ولم يكن لها وادع من البحر، كان السّيل يمدّ (¬a) من جنبه إلى البحر، إذ أسفل النّيل أوسع وأخفض من أعلاه. ومنها أنّ ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنّيس ودمياط، كما يفعل في سائر الأدوية التي يدخلها (¬b) المدّ والجزر، فلو كان النّيل خاليا من الماء العذب، وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الرّدع، لأنّ الماء يطلب بطبعه ما انخفض من الأرض، وأن تكون صفحته (¬c) كرة مستوية الخطوط الخارجة من النّقطة إلى المحيط متساوية. ومنها أنّها إذا فتحت تلك الأسداد، وكسرت الخلج، وفاض النّيل على بطائح أرض مصر، شعر بذلك أهل أسوان للحين، وقالوا: في هذه السّاعة كسرت الخلج وفاض ماء النّيل على أرض مصر، لأنّ ذلك يتبيّن لهم بتحوّل الماء دفعة. فلو كان سيلا، وهم على أعلى المصبّ، لقالوا: قد ارتفع المطر عن الأرض التي يسيل منها السّيل. ومنها أنّ قسيمه الذي يمرّ ببلاد الحبشة، المنبعث وإياه من جبل القمر، لا يفيض كمدّة فيض النّيل ثلاثة أشهر، ولا يقيم على وجه الأرض مدّة مقامه، لكنّه إذا كثر فيه السّيل غمر جوانبه على قدر انبساطها، فإذا انصبّت (¬d) مادّته أزرع (¬e) عليه، فلو كان فيض النّيل عن السّيل، وهما من شعب واحد، لكان شأنهما واحدا. ولا نقول إنّ فيض النّيل بسبب فيض البحر فقط، إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه، ولكان شاطئ ديار مصر كسائر السّواحل المجاورة له، ولولا السّيل السّائل فيه لردمه البحر، إذ عادة البحر ردم السّواحل. وإنّما دخل/ الشّكّ على أهل مصر في أيّام النّيل لأنّهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأه من جبل القمر، لأنّه في موضع لا ساكن عليه، ولم يحقّقوا (¬f) المدّ السّنوي الرادع له، فلم يتحقّقوا شيئا من أمره لأنّه بعيد من أذهان العامّة أن يعلموا أنّ ماء البحر يعظم في أيّام الصّيف، لأنّ المعهود عندهم في البحر أن يعظم في أيّام الشّتاء. وطمو البحر في الشّتاء إنّما (¬g) يكون عن الرّياح الهابّة عليه من أحد جانبيه، فيفيض ويخرج إلى الجانب الآخر، إلاّ ما كان من البحر المحيط فإنّه يتحرّك أبدا من داخل البحر إلى البرّ، وهو أنّ المحيط يطلب بطبعه أن يكون على وجه الأرض، والأرض ليست بسطة فهي تمانعه بما فيها من التركيب، فهو يطلب أبدا أن يعلوها وتركيبها يبرزها (¬h).

стр. 271

قال: والسّبب في عظم المدّ والجزر كثرة الأشعّة، فإذا زاحمت الشّمس والقمر الكواكب السّيّارة، عظم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السّيّارة ارتفع البخار، وصعد إلى كرة (¬a) الزّمهرير، ونزل المطر. فإذا فارق القمر الكوكب ارتفع المطر لكثرة التحليل، كما يكون في نصف النّهار عند توسّط الشّمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكثيرة (¬b) على وسط خطّ أرين، واللّه تعالى أعلم بالصّواب. قال كاتبه (¬c): الذي يحصل من هذا القول أنّ النّيل مخرجه من جبل القمر، وأنّ زيادته إنّما هي من فيض البحر عند المدّ. فأمّا كون مخرجه من جبل القمر فمسلّم إذ لا نزاع في ذلك، وأمّا أنّ (¬d) زيادته لا تكون إلاّ من ردع البحر له بما حصل فيه من المدّ، فليس كذلك. نعم توالي هبوب الرّياح الشّمالية معينة (¬e) على وفور الزّيادة وردع البحر له إعانة على الزّيادة. ومن تأمّل النّيل علم أنّ سيلا سال فيه ولا بد، فإنّه لا يزال أيّام الشّتاء وأوائل فصل الرّبيع ماؤه صافيا من الكدرة، فإذا فرغت أيّام زيادته وكان في غاية نقصه تغيّر طعمه، ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع في إناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك أن البطيحة التي في أعالي الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتّى يتغيّر ماؤها، فإذا كثرت أمطار الجنوب في فصل الصّيف، وعظمت السّيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغيّر من الماء، وجرى إلى أرض مصر، فيقال عند ذلك توحّم النّيل (١). ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغيّر، ويزاد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع منه أيّام الزيادة شيء في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيّام الزيادة، وهذا الطّين هو الذي تحمله السّيول التي تنصبّ في النّيل حتى تكون زيادته منها، وفيه يكون الزّرع بعد هبوط النّيل، وإلاّ فأرض مصر سبخة لا تنبت ولا ينبت منها إلاّ ما مرّ عليه ماء النّيل، وركد منه هذا الطّين. وقوله (٢): «إنّ السّيل يكون في غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النّيل لكون البحر في الجزر، فيصل السّيل ويمرّ نحو البحر فلا يردعه رادع» غير مسلّم، وإن العادة أنّ السّيول التي عليها زيادة

стр. 272

ماء النّيل لا تكون إلاّ عن غزارة الأمطار ببلاد الجنوب، وأمطار الجنوب لا تكون إلاّ في الصّيف (¬a)، ولم يعهد قطّ زيادة النّيل في الشّتاء. وأوّل دليل على أنّ كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنّما يزيد بتدريج على قدر ما يهبط فيه من السّيول. وأمّا استدلاله بضيق مصبّ (¬b) النّيل في أسوان واتّساعه أسفل الأرض، فإنّما ذلك لأنّه يصبّ من علوّ في منخرق بين جبلين، يقال لهما الجنادل، وينبطح في الأرض حتى يصبّ في البحر، فاتّساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الانبساط. وأمّا قوله: «إنّ الأسداد إذا كثرت فاض الماء على الأرض دفعة» فليس كذلك، بل يصير الماء عند كسر كلّ سدّ من الأسداد في خليج، ثم تفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلى ما على جانبيه من الأراضي حتى يروى. فمن تلك الأراضي ما يروى سريعا، ومنها ما يروى بعد أيّام، ومنها ما لا يروى لعلوّه. وأمّا قوله: «إنّ جميع تلك المشارب تسدّ (¬c) عند ابتداء صعود النّيل، ليجتمع ما يسيل من الماء في النّيل ويكثر، فيعمّ جميع أرضهم، ويمنع بجملته دخول الماء الملح عليه» فغير مسلّم أن تكون السّدود (¬d) كما ذكر، بل أراضي مصر أقسام كثيرة: منها عال لا يصل إليه الماء إلاّ من زيادة كثيرة، ومنها منخفض يروى من يسير الزّيادة (١). والأراضي متفاوته في الارتفاع والانخفاض تفاوتا كثيرا، ولذلك احتيج في بلاد الصّعيد إلى حفر التّرع، وفي أسفل الأرض إلى عمل الجسور حتى يحبس الماء ليتصرّف فيه (¬e) أهل النّواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج، وإلاّ فهو يزيد أوّلا في غير وقت (¬f) سقى الأراضي، حتى إذا اجتمع من زيادته المقدار الذي هو كفاية الأراضي في وقت خلوّ الأراضي من الغلال وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى، فتح حينئذ (¬g) الخليج حتى يجري فيه الماء إلى حدّ معلوم، ووقف حتى يروي ما تحت ذلك الحدّ الذي وقف عنده الماء من الأرض، ثم فتح ذلك الحدّ في يوم النّوروز (¬h) حتى يجري الماء (¬f) إلى حدّ آخر، ويقف عنده حتى يروي ما

стр. 273

تحت هذا الحدّ الثاني من الأراضي، ثم يفتح هذا الحدّ في يوم عيد الصّليب (١) بعد النّوروز بتسعة (¬a) عشر يوما حتى يجري الماء ويقف على حدّ ثالث حتى يروي ما تحت هذا الحدّ من الأراضي/، ثم يفتح هذا الحدّ فيجري الماء ويروي ما هنالك من الأراضي، ويصبّ في البحر الملح؛ هذا هو الحال في سدود أراضي مصر. وقوله: «إنّ ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في حلق رشيد وتنّيس ودمياط، فلو كان النّيل (¬b) خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الرّدع»، فنقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإنّ النّيل عند مصبّه بأعالي أسوان يكون أعلى منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة، فإذا فاض ماء البحر حسبه أن يتدافع هو وماء النّيل. وربّما غلب ماء البحر ماء النّيل في أيّام نقصان النّيل حتى يملح ماء النّيل فيما بين دمياط وفارسكور. وأمّا في أيّام زيادة النّيل فإنّي شاهدت مصبّ النّيل في البحر من دمياط، وكلّ منهما يدافع الآخر فلا يطيقه، حتى صارا متمانعين (¬c)) وفي منظرهما حينئذ (¬c) عبرة لمن اعتبر! قوله: «إنّ الأسداد إذا فتحت علم أهل أسوان بذلك في الحال» غير مسلّم، بل لم نزل نشاهد النّيل في الأعوام الكثيرة إذا فتح منه خليج أو انقطع مقطع فأغرق ماؤه أراضي كثيرة، لا يظهر النّقص فيه إلاّ فيما قرب من ذلك الموضع، وما برح المفرّد يخرج من قوص ببشارة وفاء النّيل، وقد أوفى عندهم ستة عشر ذراعا، فلا يوفّي ذلك المقياس بمصر إلاّ بعد ثلاثة أيّام ونحوها. وأمّا قوله: «إنّ ما كان من النّيل يمرّ ببلاد الحبشة يخالفه» فليس كذلك، بل الزّيادة في النّيل أيّام زيادته تكون ببلاد النّوبة وماوراءها في الجنوب كما تكون في أرض مصر، ولا فرق بينهما إلاّ في شيئين: أحدهما أنّه في أرض مصر يجري في حدود، وهناك يتبدّد على الأراضي. والثاني أنّ زيادته تعتبر بالقياس في أرض مصر وهناك لا يمكن قياسه لتبدّده. ومن عرف أخبار مصر علم أنّ زيادة ماء النّيل تكون من أمطار الجنوب. ويقال: إنّ النّيل ينصبّ من عشرة أنهار من جبل القمر المتقدّم ذكره، كلّ خمسة أنهار من شعبة، ثم تتبحّر تلك الأنهار العشرة في بحيرتين (¬d) كلّ خمسة أنهار تتبحّر بحيرة بذاتها، ثم

стр. 274

يخرج من البحيرة الشّرقيّة بحر لطيف يأخذ شرقا على جبل قاقول، ويمتدّ إلى مدن هناك، ثم يصبّ في البحر الهندي، ويخرج من البحيرتين ستة أنهر، عن كلّ بحيرة ثلاثة أنهار. وتجتمع الأنهار الستة في بحيرة متّسعة تسمّى البطيحة، وفيها تضريسة (¬a) جبل يفرق الماء نصفين: يخرج أحدهما من غرب البطيحة وهو نيل السّودان ويصير نهرا يسمّى بحر الدّمادم، ويأخذ مغرّبا ما بين سمغرة وغانة على جنوبي سمغرة وشمالي غانة، ثم ينعطف هناك منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة، ثم تمرّ على مدينة بريسة، وتأخذ تحت جبل في جنوبها خارج خطّ الاستواء إلى رفيلة، ثم تتبحّر في بحيرة هناك، وتستمرّ الفرقة الثانية مغرّبة إلى بلاد مالي والتّكرور حتى تنصبّ في البحر المحيط شمالي مدينة قلتبو. ويخرج النّصف الآخر متشاملا آخذا على الشّمال إلى شرقي مدينة جيمي (¬b). ثم يتشعّب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرت، ثم ترجع جنوبا، ثم تعطف شرقا بجنوب إلى مدينة سحرته، ثم إلى مدينة مركة، وينتهي إلى خطّ الاستواء حيث الطّول خمس وستون درجة، ويتبحّر هناك بحيرة، ويسمّى عمود النّيل، من قبالة تلك الشّعبة شرقي مدينة شيمي متشاملا آخذا على أطراف بلاد الحبشة، ثم يتشامل على بلاد السّودان إلى مدينة دمقلة حتى يرمي على الجنادل إلى أسوان، وينحدر وهو يشقّ بلاد الصّعيد إلى مدينة فسطاط مصر، ويمرّ حتى يصبّ في البحر الشّامي. وقد استفيض ببلاد السّودان أنّ النّيل في أصله (¬a) ينحدر من جبال سود تبين على بعد كأنّ عليها الغمام، ثم يتفرّق نهرين: يصبّ أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظّلمة الجنوبي، والآخر يتّصل إلى مصر حتى يصبّ في البحر الشّامي. ويقال: إنّه في الجنوب يتفرّق سبعة أنهار تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع الأنهار السبعة وتخرج من تلك الصّحراء نهرا واحدا في بلاد السّودان. ذكر مقاييس النّيل وزيادته قال ابن عبد الحكم: أوّل من قاس النّيل بمصر يوسف ﵇ وضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زبّاء وهي صاحبة حائط العجوز بأنصنا وهو صغير الذرع، ومقياسا

стр. 275

بإخميم، ووضع عبد العزيز ابن مروان مقياسا بحلوان، وهو صغير، ووضع أسامة بن زيد التّنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة، وهو أكبرها. قال يحيى بن بكير: أدركت القيّاس يقيس في مقياس منف، ويدخل بزيادته إلى الفسطاط (١). وقال القضاعيّ: كان أوّل من قاس النّيل بمصر يوسف النّبيّ (¬a) ﵇ وبنى مقياسا بمنف، وهو أوّل مقياس وضعه ﵇. وقيل: إنّ النّيل كان يقاس (¬b) بأرض علوة إلى أن بني مقياس منف، وإنّ القبط كانت تقيس عليه إلى أن بطل. ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذّرع، ومقياسا (¬a) آخر بإخميم وهي التي بنت الحائط المحيط بمصر. وقيل إنّهم كانوا يقيسون الماء - قبل أن يوضع المقياس - بالرصاصة، فلم يزل القياس فيما مضى قبل الفتح بقيساريّة الأكسية/، ومعالمه هناك، إلى أن ابتنى المسلمون بين الحصن والبحر أبنيتهم الباقية الآن. وكان للرّوم أيضا مقياس بالقصر خلف الباب يمنة من دخل منه في داخل الزّقاق، أثره قائم إلى اليوم، وقد بني عليه وحواليه. ثم بني عمرو بن العاص عند فتحه مصر مقياسا بأسوان، ثم بنى بموضع يقال له دندرة. ثم بني في أيام معاوية مقياس بأنصنا، فلم يزل يقاس عليه إلى أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان - وكانت منزله - وكان هذا المقياس صغير الذّراع. فأمّا المقياس القديم الذي بني في الجزيرة، فالذي وضعه أسامة بن زيد، وقيل إنّه كسر فيه ألفي أوقية (¬c)، وهو الذي بنى بيت المال بمصر. وبنى «أبو فتحة» (¬d). ثم كتب أسامة بن زيد التّنوخي عامل خراج مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه، فكتب إليه سليمان بأن يبني مقياسا في الجزيرة، فبناه في سنة سبع وتسعين (٢).

стр. 276

ثم بنى المتوكّل فيها مقياسا في أوّل سنة سبع وأربعين ومائتين في ولاية يزيد بن عبد اللّه التركي على مصر، وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد، وأمر بأن يعزل النّصارى عن قياسه. فجعل يزيد بن عبد اللّه على المقياس أبا الرّدّاد المعلّم، واسمه عبد اللّه بن عبد السّلام بن عبد اللّه بن أبي الرّدّاد المؤذّن (١)، كان يقول العمّي: أصله من (¬a) البصرة، قدم مصر، وحدّث بها، وجعل على قياس النّيل، وأجرى عليه سليمان (¬b) بن وهب - صاحب خراج مصر يومئذ - سبعة دنانير في كلّ شهر. فلم يزل المقياس من ذلك الوقت في يد أبي الرّدّاد وولده إلى اليوم. وتوفّي أبو الرّدّاد سنة ستّ وستين ومائتين (٢). ثم ركب أحمد بن طولون سنة تسع وخمسين ومائتين، ومعه أبو أيّوب صاحب خراجه، وبكّار بن قتيبة القاضي، فنظر إلى المقياس وأمر بإصلاحه، وقدّر له ألف دينار، فعمّر (٣). وبنى الخازن (¬c) في الصّناعة مقياسا، وأثره باق لا يعتمد عليه. وقال ابن عبد الحكم: فلمّا فتح عمرو بن العاص مصر أتى أهلها إلى عمرو، حين دخل بؤونة من أشهر العجم (¬d)، فقالوا له: أيّها الأمير، إنّ لنيلنا هذا سنّة لا يجري إلاّ بها؛ فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنّه إذا كان لثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر من أبويها،

стр. 277

فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحليّ والثّياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا (¬a) النّيل؛ فقال لهم عمرو: إنّ هذا لا يكون في الإسلام، وإنّ الإسلام يهدم ما قبله. فأقاموا بؤونة وأبيب ومسرى، وهو لا يجري قليلا ولا كثيرا، حتى همّوا بالجلاء. فلمّا رأى عمرو ذلك كتب إلى عمر بن الخطّاب ﵁ بذلك، فكتب إليه عمر أن قد أصبت، إنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في داخل النّيل إذا أتاك كتابي. فلمّا قدم الكتاب إلى عمرو فتح البطاقة فإذا فيها: «من عبد اللّه أمير المؤمنين، إلى نيل مصر. أمّا بعد، فإن كنت إنّما (¬a) تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان اللّه الواحد القهّار هو الذي يجريك، فنسأل اللّه الواحد القهّار أن يجريك». فألقى عمرو البطاقة في النّيل قبل يوم الصّليب بيوم، وقد تهيّأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنّه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلاّ النّيل، وأصبحوا يوم الصّليب وقد أجراه اللّه تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة، وقطع تلك السّنّة السّوء عن أهل مصر (١). وذكر بعضهم أنّ جاحلا الصّدفي هو الذي قرأ ببطاقة عمر ﵁ إلى النّيل على النّيل (¬a) حين توقّف، فجرى بإذن اللّه تعالى. وقال يزيد بن أبي حبيب: إنّ موسى ﵇ دعا على آل فرعون فحبس اللّه عنهم النّيل حتى أرادوا الجلاء، فطلبوا إلى موسى أن يدعو اللّه، فدعا اللّه رجاء أن يؤمنوا - وذلك ليلة الصّليب - فأصبحوا وقد أجراه اللّه في تلك السّاعة ستة عشر ذراعا. فاستجاب اللّه بتطوّله لعمر ابن الخطّاب كما استجاب لنبيّه موسى ﵇ (٢). قال القضاعيّ: ووجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم قال: لمّا فتحت العرب مصر، عرف عمر بن الخطّاب ﵁ ما يلقى أهلها من الغلاء عند وقوف النّيل عن حدّه في مقياس لهم، فضلا عن تقاصره، وأنّ فرط الاستشعار يدعوهم إلى

стр. 278

الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير قحط. فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال فأجابه: إنّى وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحدّ الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقي عندهم قوت سنة أخرى ستّة عشر ذراعا، والنّهايتان المخوفتان في الزيادة والنّقصان، وهما الظّمأ والاستبحار، اثنا عشر ذراعا في النّقصان، وثمانية عشر ذراعا في الزّيادة. هذا، والبلد في ذلك الوقت محفور الأنهار، معقود الجسور، عندما تسلّموه من القبط، وخميرة العمارة فيه. فاستشار أمير المؤمنين عمر ﵁ عليّا ﵁ في ذلك، فأمره أن يكتب إليه أن يبني مقياسا، وأن ينقص ذراعين من اثني عشر ذراعا، وأن يقرّ ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من كلّ ذراع بعد الستة عشر ذراعا أصبعين. ففعل ذلك، وبناه بحلوان، فاجتمع له بذلك كلّ ما أراد من حلّ الإرجاف وزوال ما منه كان يخاف، بأن جعل الاثنى عشر ذراعا أربع عشرة، لأنّ كلّ ذراع أربع وعشرون أصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أوّلها إلى الاثني عشر/ ذراعا يكون مبلغ الزيادة على الاثني عشر ثمانيا وأربعين أصبعا، وهي الذّراعان، وجعل الأربع عشرة ستّ عشرة والستّ عشرة ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين (١). قال القضاعيّ: وفي هذا الباب (¬a) نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال. وشاهد ذلك أنّ المقاييس القديمة (¬b) الصّعيديّة من أوّلها إلى آخرها أربع وعشرون أصبعا كلّ ذراع، والمقاييس الإسلامية على ما ذكر، منها المقياس الذى بناه أسامة بن زيد التّنوخي بالجزيرة، وهو الذي هدمه الماء. وبنى المأمون آخر بأسفل الأرض بالبشرودات، وبنى المتوكّل آخر بالجزيرة، وهو الذي يقاس عليه الماء الآن، وقد تقدّم ذكره. قال ابن عفير عن القبط المتقدّمين: إذا كان الماء في اثني عشر يوما من مسرى اثنتي عشرة ذراعا، فهي سنة ماء، وإلاّ فالماء ناقص، وإذا تمّ ستّ عشرة ذراعا قبل النّوروز فالماء يتمّ، فاعلم ذلك.

стр. 279

وقال أبو الصّلت: وأمّا النّيل وينبوعه، فهو من وراء خطّ الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنّه يبتدئ في التزايد في شهر أبيب (¬a). والمصريون يقولون: «إذا دخل أبيب كان للماء دبيب». وعند ابتدائه في التّزايد تتغيّر جميع كيفياته وتفسد، والسّبب في ذلك مروره بنقائع مياه آجنة يخالطها فيجتلبها [ويستخرجها] (¬b) معه [ويستصحبها] (¬c)، إلى غير ذلك ممّا يحتمله (١). فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا، وزاد من السادس عشر أصبعا واحدا، كسر الخليج. ولكسره يوم معدود، ومقام مشهود، ومجتمع غاصّ، يحضره العامّ والخاصّ. فإذا كسر فتحت التّرع - وهي فوهات الخلجان - ففاض الماء وساح، وغمر القيعان والبطاح، وانضمّ الناس إلى أعالي مساكنهم من الضّياع والمنازل، وهي على آكام وربى لا ينتهي الماء إليها، ولا يتسلّط السّيل عليها، فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها، ريثما يبلغ الحدّ المحدود في مشيئة اللّه له، وأكثر ذلك يحوم حول ثماني عشرة ذراعا. ثم يأخذ عائدا في صبّه إلى مجرى النّيل ومسربه، فينضب أوّلا عمّا كان من الأرض عاليا، ويصير فيما كان منها متطامنا، فيترك كلّ قرارة كالدرهم، ويغادر كلّ تلعة كالبرد المسهّم (٢). وقال القاضي، أبو الحسن عليّ بن محمد الماوردي (٣) في كتاب «الأحكام السّلطانيّة»: وأمّا الذّراع السّوداء فهي أطول من ذراع الدّور بأصبع وثلثي أصبع، وأوّل من وضعها أمير المؤمنين

стр. 280

هارون الرّشيد، قدّرها بذراع خادم أسود كان على رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذرع البزّ والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر (١). وأكثر ما وجد في القياس من النّقصان سنة سبع وتسعين ومائة، وجد في المقياس تسعة أذرع وأحد وعشرون أصبعا. وأقلّ ما وجد منه سنة خمس وستين ومائة، فإنّه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع. وأكثر ما بلغ في الزّيادة سنة تسع وتسعين ومائة، فإنّه بلغ ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا. وأقلّ ما كان في سنة ستّ وخمسين وثلاث مائة الهلالية، فإنّه بلغ اثني عشر ذراعا وتسع عشرة أصبعا، وهي أيّام كافور الإخشيدي. والمقياس عمود رخام أبيض مثمّن، في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، وهذا العمود مفصّل على اثنين وعشرين ذراعا كلّ ذراع مفصّل على أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع، ما عدا الاثني عشر ذراعا الأولى فإنّها مفصّلة على ثمان وعشرين أصبعا كلّ ذراع. وقال المسعوديّ: قالت الهند: زيادة النّيل ونقصانه بالسّيول، ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار [وركود السّحاب] (¬a)؛ وقالت الرّوم: لم يزد قطّ ولم ينقص، وإنّما زيادته ونقصانه من عيون كثرت واتّصلت. وقالت القبط: زيادته ونقصانه من عيون في شاطئه يراها من سافر ولحق بأعاليه. وقيل لم يزد قط، وإنّما زيادته بريح الشّمال، إذا كثرت واتّصلت تحبسه، فيفيض على وجه الأرض (٢). وقال قوم: سبب زيادته هبوب ريح تسمّى ريح الملثن (¬b)، وذلك أنّها تحمل السحاب الماطر من خلف خطّ الاستواء، فيمطر ببلاد السّودان والحبشة والنّوبة، فيأتي مدده إلى أرض مصر بزيادة النّيل. ومع ذلك فإنّ البحر الملح يقف ماؤه على وجه النّيل، فيتوقّف حتى يروي البلاد. وفي ذلك يقول: [المجتث] فاشفع فللشّافع (¬c) أعلى يدا … عندي وأسمى من يد المحسن

стр. 281

فالنّيل ذو فضل ولكنّه … الشّكر في ذلك للملثن (¬a) (١) ويبتدئ النّيل بالتنفّس والزيادة بقيّة بئونة - وهو حزيران - وأبيب - وهو تموز - ومسرى - وهو آب - فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت كلّه - وهو أيلول - إلى انقضائه، فإذا انتهت الزيادة إلى الذّراع الثامن عشر ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض، وهو ضارّ بالبهائم لعدم الرّعي والكلأ. وأتمّ الزّيادات كلّها، العامّة النّفع (¬b) للبلد كلّه سبعة عشر ذراعا، وفي ذلك كفايتها وريّ جميع أرضها. وإذا زاد على ذلك وبلغ ثمانية عشر ذراعا وغلّقها، استبحر من أرض مصر الرّبع، وفي ذلك ضرر لبعض الضّياع لما ذكرنا من الاستبحار. وإذا كانت الزيادة على ثمانية عشر ذراعا، كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء. وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا. وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز/ تسع عشرة (¬c) ذراعا، ومساحة الذّراع إلى أن تبلغ اثنتي عشرة ذراعا ثمان وعشرون أصبعا، ومن اثنتي عشرة ذراعا إلى ما فوق ذلك يكون الذّراع أربعا وعشرين أصبعا. وأقلّ ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا. والأذرع التي يستسقى عليها بمصر هي ذراعان تسمّيان منكرا ونكيرا، وهي الذّراع الثالث عشر والذراع الرابع عشر؛ فإذا انصرف الماء عن هذين الذّراعين وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة، استسقى الناس بمصر، فكان الضّرر الشّامل لكلّ البلدان؛ وإذا تمّ خمس عشرة ودخل في ستّ عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه، وكان ذلك نقصا من خراج السّلطان (٢). والنّبيذ يتّخذ بمصر من ماء طوبة - وهو كانون الثاني - بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون ماء النّيل في ذلك الوقت. وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النّيل في هذا الوقت، وفيه يخزّن الماء أهل تنّيس ودمياط وتونة وسائر قرايا (¬d) البحيرة. وقد كانت مصر كلّها تروى من ستّ عشرة ذراعا، غامرها وعامرها، لما أحكموا من جسورها، وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها. وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل

стр. 282

خليج المنهى وخليج الفيّوم وخليج سردوس وخليج سخا (١). قال: والمعمول عليه في وقتنا هذا - وهو سنة خمس وأربعين وثلاث مائة - أنّه إن زاد على الستّ عشرة ذراعا أو نقص عنها، نقص من خراج السّلطان (٢). وقد تغيّر في زماننا هذا عامّة ما تقدّم ذكره، لفساد حال الجسور والتّرع والخلجان؛ وقانونه اليوم أنّه يزيد في القيظ إذا حلّت الشّمس برج السّرطان والأسد والسّنبلة حين تنقص عامّة الأنهار التي في المعمور، ولذلك قيل إنّ الأنهار تمدّه بمائها عند غيضها فتكون زيادته. وتبتدئ الزّيادة من خامس بئونة، وتظهر في ثاني عشره، وأوّل دفعه في الثاني من أبيب، وتنتهي زيادته في ثامن بابة، ويأخذ في النّقصان من العشرين منه، فتكون مدّة زيادته - من ابتدائها إلى أن ينقص - ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما، وهي أبيب ومسرى وتوت وعشرون يوما من بابة، ومدّة مكثه بعد انتهاء زيادته اثنا عشر يوما، ثم يأخذ في النّقصان. ومن العادة أن ينادى عليه دائما في اليوم السابع والعشرين من بئونة بعدما يؤخذ قاعه، وهو ما بقي من الماء القديم، في ثالث عشر بئونة، ويفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا. وأدركت الناس يقولون: نعوذ باللّه من أصبع من عشرين. وكنّا نعهد الماء إذا بلغ أصابع من عشرين ذراعا، فاض ماء النّيل، وغرّق الضّياع والبساتين، وفارت البلاليع. وها نحن في زمن، منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة، إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يعمّ الأرض كلّها لما قد فسد من الجسور، وكان إلى ما بعد الخمس مائة من الهجرة قانون النّيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهي في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا. وكانوا يقولون: إذا زاد على ذلك ذراعا واحدة زاد خراج مصر مائة ألف دينار لما يروي من الأراضي العالية، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية القصوى، فإنّ الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة اثنان وعشرون ذراعا في الصّعيد الأعلى، فإن زاد على الثمانية عشر ذراعا واحدا، نقص من الخراج مائة ألف دينار، لما يستبحر من الأرض المنخفضة. قال ابن ميسّر (٣) في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة: وفيها بلغت زيادة ماء النّيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وبلغ الماء الباب الجديد أوّل الشّارع خارج القاهرة، وكان الناس

стр. 283

يتوجّهون إلى القاهرة من مصر من ناحية المقابر. فلمّا بلغ الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن محمد أنّ الماء وصل إلى الباب الجديد، أظهر الحزن والانقطاع. فدخل إليه بعض خواصّه وسأله عن السّبب، فأخرج له كتابا فإذا فيه «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد» ثم قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا وما يأتي بعدها. فمرض الحافظ في آخر هذه السنة، ومات في (¬a) سنة أربع وأربعين وخمس مائة (١). وقال القاضي الفاضل (٢) في «متجدّدات» سنة ستّ وسبعين وخمس مائة: وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وهو السادس عشر من مسرى، وفّى النّيل (¬b) على ستة

стр. 284

عشر ذراعا، وهو الوفاء، ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدّم (١). وهذا أيضا ممّا تغيّر فيه قانون النّيل في زماننا، فإنّه صار يوفّي في أوائل مسرى، ولقد كان الوفاء في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة في اليوم التاسع والعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم/ وهذا من أعجب ما يؤرّخ في زيادات النّيل. واتّفق وفاء النّيل (¬a) أنّ حادي عشر من جمادى الأولى سنة تسع وسبع مائة، وفّى النّيل، وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من بابة بعد النّوروز بتسعة وأربعين يوما (٢). قال: وفي تاسع عشرة - يعني شوّال سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - كسر بحر أبي المنجّا، وباشر الملك العزيز عثمان كسره، وزاد النّيل فيه أصبعا، وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثمان عشرة ذراعا، وهذا الحدّ يسمّى عند أهل/ مصر اللّجّة الكبرى (٣). فانظر كيف يسمّي القاضي الفاضل هذا القدر اللّجّة الكبرى، وإنّه - والعياذ باللّه - لو بلغ ماء النّيل في سنة هذا القدر فقط لحلّ بالبلاد غلاء يخاف منه أن يهلك فيه الناس، وما ذاك إلا لما أهمل من عمل الجسور. ويحصل لأهل مصر بوفاء النّيل ستّ عشرة ذراعا فرح عظيم، فإنّ ذلك كان قانون الرّيّ في القديم واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا. ويتخّذ ذلك اليوم عيدا يركب فيه السّلطان بعساكره، وينزل في المراكب لتخليق المقياس. وقد ذكرنا ما كان في الدّولة الفاطمية، من الاهتمام بفتح الخليج، عند ذكر مناظر اللّؤلؤة (٤). وقال بعض المفسّرين: إنّ يوم الوفاء هو اليوم الذي وعد فرعون موسى ﵇ بالاجتماع في قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ اَلنّاسُ ضُحًى﴾ [الآية ٥٩ سورة طه]، وقد جرت العادة أنّ اجتماع الناس للتّخليق يكون في هذا الوقت. ومن أحسن السّياسات في أمر النّداء على النّيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق (٥)، في «سيرة المعزّ لدين الله»، قال: وفي هذا الشهر - يعني شوّال سنة اثنتين وستين وثلاث مائة - منع المعزّ لدين اللّه

стр. 285

من النّداء بزيادة النّيل، وألاّ يكتب بذلك إلاّ إليه وإلى القائد جوهر، فلمّا تمّ أباح النّداء - يعني لمّا تمّ ستّ عشرة ذراعا - وكسر الخليج (١). فتأمّل ما أبدع هذه السّياسة، فإنّ الناس دائما إذا توقّف النّيل في أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون وتتحدّث (¬a) أنفسهم بعدم طلوع النّيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السّعر، ويجتهد من عنده مال في اختزان الغلال (¬b)، إمّا لطلب السّعر، أو لطلب إدّخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فإن زاد الماء انحلّ السّعر، وإلاّ كان الجدب والقحط. ففي كتمان الزّيادة عن العامّة أعظم فائدة وأجلّ عائدة. وقال المسبّحيّ (٢) في «تاريخ مصر»: وخرج أمر صاحب القصر إلى ابن خيران بتحرير ما يستفتح به القيّاسون كلامهم إذا نادوا على النّيل، فقال: «نعم لا تحصى، من خزائن اللّه لا تفنى، زاد اللّه في النّيل المبارك كذا». ومن عادة نيل مصر إذا كان عند ابتداء زيادته اخضرّ ماؤه، فتقول عامّة أهل مصر: قد توحّم النّيل. ويرون أنّ الشّرب منه حينئذ مضر. ويقال في سبب اخضراره أنّ الوحوش - سيّما الفيلة - ترد البطيحات التي في أعالي النّيل، وتستنقع فيها مع كثرة عددها لشدّة الحرّ هناك، فيتغيّر ماء تلك البطيحات. فإذا وقع المطر في الجهة الجنوبية في أوقاته عندهم، تكاثرت السّيول حينئذ في
следующие страницы →