الفداء الحادي عشر -
في خلافة المقتدر، وملك أرمانوس وقسطنطين على الرّوم. وكان باللامش في شهر رجب سنة ثلاث عشرة وثلاث مائة، والقائم به مفلح الخادم الأسود المقتدري، وبشير خليفة شمل الخادم على الثّغور الشّامية. وعدّة من فودي به من المسلمين في تسعة عشر يوما ثلاثة آلاف وتسع مائة وثلاثة وثلاثون من ذكر وأنثى (١).
الفداء الثاني عشر -
في خلافة الرّاضي، باللامس، في سلخ ذي القعدة وأيّام من ذي الحجّة سنة ستّ وعشرين وثلاث مائة، والملكان على الرّوم قسطنطين وأرمانوس. والقائم به ابن ورقاء الشّيباني من قبل الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات، وبشير الشّملي أمير الثّغور الشّاميّة.
وعدّة من فودي به من المسلمين في ستة عشر يوما ستة آلاف وثلاث مائة ونيف من ذكر وأنثى. وبقي في أيدي الرّوم من المسلمين الأسرى ثمان مائة رجل ردّوا، ففودي بهم في عدّة مرارا، وزيدوا في الهدنة بعد انقضاء الفداء مدّة ستة أشهر، لأجل من تخلّف في أيد الرّوم من المسلمين، حتى جمع الأسارى منهم (٢).
الفداء الثّالث عشر -
في خلافة المطيع، باللامس في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وثلاثين وثلاث مائة. والملك على الرّوم قسطنطين. والقائم به نصر الشّملي من قبل سيف الدّولة أبي الحسن عليّ ابن حمدان، صاحب جند حمص وجند قنسرين وديار بكر وديار مصر والثّغور الشّاميّة والخزريّة.
وكانت عدّة من فودي به من المسلمين ألفين وأربع مائة واثنين وثمانين من ذكر وأنثى، وفضل للرّوم على المسلمين قرضا مائتان وثلاثون لكثرة من كان في أيديهم. فوفّاهم سيف الدّولة ذلك، وحمله إليهم.
وكان الذي شرع في هذا الفداء الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد، أمير مصر والشّام والثّغور الشّاميّة. وكان أبو عمير عديّ بن أحمد بن عبد الباقي الأدني شيخ الثّغور قدم إليه - وهو بدمشق - في ذي الحجّة سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة - ومعه [يوانس الأنسيبطوس البطريقوس المسدقوس المترهّب] رسول ملك الرّوم في إتمام هذا الفداء، والإخشيد شديد العلّة، فتوفّي يوم الجمعة لثمان خلون من ذي الحجّة منها.
стр. 2207
وسار أبو المسك كافور الإخشيدي بالجيش راجعا إلى مصر، وحمل معه أبا عمير ورسول ملك الرّوم إلى فلسطين، فدفع إليهما ثلاثين ألف دينار من مال الفداء، فسارا إلى مدينة صور، وركبا البحر إلى طرسوس. فلمّا وصلا كاتب نصر الشّملي - أمير الثّغور - سيف الدّولة بن حمدان، ودعا له على منابر الثّغور، فجدّ في إتمام هذا الفداء، فنسب إليه (١).
ووقعت أفدية أخرى ليس لها شهرة (٢).
فمنها فداء في خلافة المهدي محمد، على يد النّقّاش الأنطاكي.
وفداء في أيّام الرّشيد، في شوّال سنة إحدى وثمانين ومائة، على يد عياض بن سنان أمير الثّغور الشّامية.
وفداء في أيّام الأمين، على يد ثابت بن نصر، في ذي القعدة سنة أربع وتسعين ومائة.
وفداء في أيّام الأمين، على يد ثابت بن نصر أيضا، في ذي القعدة سنة إحدى ومائتين.
وفداء في أيّام المتوكّل سنة سبع وأربعين ومائتين، على يد محمد بن عليّ.
وفداء في أيّام المعتمد، على يد شفيع [ومحمد بن علي]، في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين (٣).
وفداء كان في الإسكندرية، في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة، خرج فيه أبو بكر محمد بن علي الماذرائي من مصر، ومعه الشّريف أبو القاسم (¬a) الرّسّي (¬b)، والقاضي أبو حفص عمر بن الحسين العبّاسي وحمزة بن محمد الكناني (¬c)، في جمع كبير. وكانت عدّة/ من فودي به من المسلمين ستين نفسا بين ذكر وأنثى.
فلمّا سار الرّوم إلى البلاد الشّاميّة بعد سنة خمسين وثلاث مائة، اشتدّ أمرهم بأخذهم البلاد.
وقويت العناية بالأسطول في مصر منذ قدم المعزّ لدين اللّه، وأنشأ المراكب الحربيّة، واقتدى به بنوه - وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد (٤)، واعتناء بالأسطول - وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر
стр. 2208
والإسكندرية ودمياط، من الشّواني الحربية والشّلنديّات والمسطّحات وتسييرها إلى بلاد السّاحل مثل صور وعكّا وعسقلان.
وكانت جريدة قوّاد الأسطول في آخر أمرهم تزيد على خمسة آلاف مدوّنة، منهم عشرة أعيان يقال لهم «القوّاد» - واحدهم قائد - وتصل جامكيّة كلّ واحد منم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر دينارا، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين وهي أقلّها. ولهم إقطاعات تعرف ب «أبواب الغزاة» بما فيها من النّطرون، فيصل دينارهم بالمناسبة إلى نصف دينار.
وكان يعيّن من القوّاد العشرة واحد، فيصير رئيس الأسطول، ويكون معه المقدّم والفانوس (¬a). فإذا ساروا إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم، وبه يقتدي الجميع، فيرسون بإرسائه، ويقلعون بإقلاعه.
ولا بد أن يقدّم على الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدّولة وأقواهم نفسا، ويتولّى النّفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير. فإذا أراد النّفقة فيما تعيّن من عدّة المراكب السّائرة - وكانت في أيّام المعزّ لدين اللّه تزيد على ست مائة قطعة - وآخر ما صارت إليه في آخر الدّولة نحو الثمانين شينيّا (¬b)، وعشر مسطّحات، وعشر حمّالة فما تقصر عن مائة قطعة - فيتقدّم إلى النّقباء بإحضار الرّجال - وفيهم من كان يتعيّش بمصر والقاهرة، وفيهم من هو خارج عنهما - فيجتمعون.
وكانت لهم المشاهرة والجرايات في مدّة أيّام سفرهم، وهم معروفون عند عشرين عريفا يقال لهم «النّقباء» - واحدهم نقيب - ولا يكره أحد على السّفر. فإذا اجتمعوا أعلم النّقباء المقدّم، فأعلم بذلك الوزير، فطالع الوزير الخليفة بالحال، فقرّر يوما للنّفقة، فحضر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء على العادة. فيجلس الخليفة على هيئته في مجلسه، ويجلس الوزير في مكانه، ويحضر صاحبا ديوان الجيش وهما: المستوفي والكاتب، والمستوفي هو أميزهما، فيجلس من داخل عتبة المجلس، وهذه رتبة له يتميّز بها، ويجلس بجانبه من وراء العتبة
стр. 2209
كاتب الجيش في قاعة الدّار على حصر مفروشة. وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلا، ومن أعيان الكتّاب - ويسمّى اليوم في زمننا ناظر الجيش - وأمّا كاتب الجيش فإنّه كان في غالب الأمر يهوديّا. ويفرش أمام المجلس الذي فيه الخليفة والوزير أنطاع تصبّ عليها الدّراهم، ويحضر الوزّانون ببيت المال لذلك.
فإذا تهيّأ الإنفاق أدخل الغزاة مائة مائة، فيقفون في أخريات من هو واقف في الخدمة من جانب واحد نقابة نقابة، وتكون أسماؤهم قد رتّبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة.
فيستدعي مستوفي الجيش من تلك الأوراق المنفق عليهم واحدا واحدا، فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هم فيه إلى الجانب الآخر، فإذا تكمّلت عشرة وزن الوزّان (¬a) لهم النّفقة. وكانت مقرّرة لكلّ واحد خمسة دنانير، صرف ستة وثلاثين درهما بدينار، فيسلّمها لهم النّقيب، وتكتب باسمه وبيده. وتمضي النّفقة هكذا إلى آخرها.
فإذا تمّ ذلك ركب الوزير من بين يدي الخليفة، وانفضّ ذلك الجمع. فيحمل إلى الوزير من القصر مائدة يقال لها «غداء الوزير»، وهي سبع مخفيّات (¬b) أوساط: إحداهما بلحم الدّجاج وفستق معمولة بصناعة محكمة، والبقيّة شواء، وهي مكمورة بالأزهار. فتكون النّفقة على ذلك مدّة أيّام، متوالية مرّة ومتفرّقة مرّة.
فإذا تكاملت النّفقة، وتجهّزت المراكب وتهيّأت للسّفر، ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النّيل بالمقس خارج القاهرة (١) - وكان هناك على شاطئ النّيل بالجامع منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداع الأسطول ولقائه إذا عاد. فإذا جلس للوداع، جاءت القوّاد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات في البحر بين يديه وهي مزيّنة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات، فيرمى بها وتنحدر المراكب وتقلع، وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدوّ.
ثم يحضر «المقدّم» و «الرّئيس» إلى بين يدي الخليفة فيوصيهما (¬c)، ويدعو للجماعة بالنّصرة والسّلامة، ويعطي للمقدّم مائة دينار وللرّئيس عشرين دينارا، وينحدر الأسطول إلى دمياط،
стр. 2210
ومن هناك يخرج إلى بحر الملح، فيكون له ببلاد العدوّ صيت عظيم ومهابة قويّة.
والعادة أنّه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم، لا يتعرّض السّلطان منه إلى شيء ألبتّة إلاّ ما كان من الأسرى والسّلاح فإنّه للسّلطان، وما عداهما من المال والثّياب ونحوهما فإنّه لغزاة الأسطول لا يشاركهم فيه أحد (١). فإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضا إلى منظرة المقس وجلس فيها للقائه.
وقدم الأسطول مرّة بألف وخمس مائة أسير. وكانت العادة أنّ الأسرى ينزل بهم في المناخ، وتضاف الرجال إلى من فيه من الأسرى، ويمضى بالنّساء والأطفال إلى القصر بعدما يعطي منهم الوزير طائفة. ويفرّق/ ما بقي من النّساء على الجهات والأقارب فيستخدمونهن، ويربّونهن حتى يتقنّ الصّنائع. ويدفع الصّغار من الأسرى إلى الأستاذين فيربّونهم ويتعلّمون الكتابة والرّماية، ويقال لهم «التّرابي»، وفيهم من صار أميرا من صبيان خاصّ الخليفة.
ومن الأسرى من كان يستراب به فيقتل. ومن كان منهم شيخا لا ينتفع به ضربت عنقه، وألقي في بئر كانت في خرائب مصر تعرف ببئر المنامة.
ولم يعرف قطّ عن الدّولة الفاطميّة أنّها فادت أسيرا من الفرنج بمال ولا بأسير مثله. وكان المنفق في الأسطول كلّ سنة خارجا عن العدد والآلات (¬a) (٢).
ولم يزل الأسطول على ذلك إلى أن كانت وزارة شاور، ونزل مرّي [Amaury] ملك الفرنج على بركة الحبش، فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول، فحرقت ونهبها العبيد فيها نهبوا (٣).
فلمّا كان زوال الدّولة الفاطميّة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف ب «ديوان الأسطول»، وعيّن لهذا الدّيوان الفيّوم بأعمالها، والحبس الجيوشي في البرّين الشرقي والغربي. وهو من البرّ الشّرقي بهتيت (¬b) والأميرية والمنية، ومن البرّ الغربي ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة.
стр. 2211
وعيّن له أيضا الحراج (¬a)، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة، في البهنساوية وسفط ريشين والأشمونين والأسيوطية والإخميمية والقوصيّة … لم تزل بهذه النّواحي لا يقطع منها إلاّ ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار - وقد ذكر خبر هذا الحراج (¬a) في ذكر أقسام مال مصر من هذا الكتاب (١) - وعيّن له أيضا النّطرون، وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار.
ثم أفرد لديوان الأسطول، مع ما ذكر، الزّكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الدّيوانية وناحية أشناي وطنبدى. وسلّم هذا الدّيوان لأخيه الملك العادل أبي بكر محمد بن أيّوب، فأقام في مباشرته وعمالته صفيّ الدّين عبد اللّه ابن عليّ بن شكر. وتقرّر ديوان الأسطول الذي ينفق في رجاله نصف وربع دينار، بعد ما كان نصف وثمن دينار (٢).
فلمّا مات السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، استمرّ الحال في الأسطول قليلا، ثم قلّ الاهتمام به، وصار لا يفكّر في أمره إلاّ عند الحاجة إليه. فإذا دعت الضّرورة إلى تجهيزه، طلب له الرّجال، وقبض عليهم من الطّرقات، وقيّدوا في السّلاسل نهارا، وسجنوا في اللّيل حتى لا يهربوا، ولا يصرف لهم إلاّ شيء قليل من الخبز ونحوه، وربّما أقاموا الأيّام بغير شيء كما يفعل بالأسرى من العدوّ.
فصارت خدمة الأسطول عارا يسبّ به الرّجال، وإذا قيل لرجل في مصر «يا أسطولي» غضب غضبا شديدا، بعد ما كان خدّام الأسطول يقال لهم: «المجاهدون في سبيل اللّه، والغزاة في أعداء اللّه»، ويتبرّك بدعائهم النّاس.
ثم لمّا انقرضت دولة بني أيّوب، وتملّك الأتراك المماليك مصر، أهملوا أمر الأسطول. إلى أن كانت أيّام السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، فنظر في أمر الشّواني الحربية، واستدعى برجال الأسطول - وكان الأمراء قد استعملوهم في الحراريق وغيرها - وندبهم للسّفر، وأمر بمدّ الشّواني وقطع الأخشاب لعمارتها، وإقامتها على ما كانت عليه في أيّام
стр. 2212
الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، واحترز على الحراج (¬a)، ومنع النّاس من التصرّف في أعواد العمل، وتقدّم بعمارة الشّواني في ثغري الإسكندرية ودمياط. وصار ينزل بنفسه إلى الصّناعة بمصر، ويرتّب ما يجب ترتيبه في عمل الشّواني ومصالحها، واستدعى بشواني الثّغور إلى مصر، فبلغت زيادة على أربعين قطعة، سوى الحراريق والطّرائد فإنّها كانت عدّة كثيرة، وذلك في شوّال سنة تسع وستين وست مائة.
ثم سارت تريد قبرس، وقد عمل ابن حسّون رئيس الشّواني في أعلامها الصّلبان (١)، يريد بذلك أنّها تخفى إذا عبرت البحر على الفرنج حتى تطرقهم على غفلة، فكره النّاس منه ذلك.
فلمّا قاربت قبرس، تقدّم ابن حسّون في اللّيل ليهجم الميناء، فصدم الشّونة المقدّمة شعبا فانكسرت، وتبعتها بقيّة الشّواني فتكسّرت الشّواني كلّها (٢). وعلم بذلك متملّك قبرس (٣)، فأسر كلّ من فيها، وأحاط بما معهم، وكتب إلى السّلطان يقرّعه ويوبّخه، وأنّ شوانيه قد تكسّرت وأخذ ما فيها - وعدّتها إحدى عشرة شونة - وأسر رجالها. فحمد السّلطان اللّه تعالى، وقال:
«الحمد للّه منذ ملّكني اللّه تعالى، ما خذل لي عسكر ولا ذلّت لي راية، وما زلت أخشى العين، فالحمد للّه تعالى بهذا ولا بغيره» (٤).
وأمر بإنشاء عشرين شونة، وأحضر خمس شواني كانت على مدينة قوص من صعيد مصر، ولازم الركوب إلى صناعة العمارة بمصر كلّ يوم، في مدّة شهر المحرّم سنة سبعين وستّ مائة إلى أن تنجّزت، فلمّا كان في نصف المحرّم سنة إحدى وسبعين وستّ مائة زاد النّيل حتى لعبت الشّواني بين يديه، فكان يوما مشهودا (¬b).
стр. 2213
وفي سنة اثنتين وتسعين وستّ مائة، تقدّم السّلطان الملك الأشرف صلاح الدّين خليل ابن قلاوون إلى الوزير الصّاحب شمس الدّين محمد بن السّلعوس، بتجهيز أمر الشّواني، فنزل إلى الصّناعة، واستدعى الرّئيس، وهيّأ جميع ما تحتاج إليه الشّواني حتى كملت عدّتها نحو ستين/ شونة، وشحنها بالعدد وآلات الحرب، ورتّب بها عدّة من المماليك السّلطانية وألبسهم السّلاح. فأقبل النّاس لمشاهدتهم من كلّ أوب قبل ركوب السّلطان بثلاثة أيّام، وصنعوا لهم قصورا من خشب وأخصاص القشّ على شاطئ النّيل خارج مدينة مصر وبالرّوضة، واكتروا السّاحات التي قدّام الدّور والزّرابي بالمائتي درهم كلّ زربية فما دونها، بحيث لم يبق بيت بالقاهرة ومصر إلاّ وخرج أهله أو بعضهم لرؤية ذلك، فصار جمعا عظيما.
وركب السّلطان من قلعة الجبل بكرة يوم (¬a) والنّاس قد ملأوا ما بين المقياس إلى بستان الخشّاب إلى بولاق، ووقف السّلطان ونائبه الأمير بيدرا وبقيّة الأمراء قدّام دار النّحاس، ومنع الحجّاب من التعرّض لطرد العامّة. فبرزت الشّواني واحدا بعد واحد (¬b)، وقد عمل في كلّ شونة برج وقلعة تحاصر، والقتال عليها ملحّ، والنّفط يرمى عليها، وعدّة من النّقّابين في إعمال الحيلة في النّقب، وما منهم إلاّ من أظهر في شونته عملا معجبا وصناعة غريبة يفوق بها على صاحبه.
وتقدّم (¬c) ابن موسى الرّاعي، وهو في مركب نيلية، فقرأ قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اَللّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الآية ٤١ سورة هود]، ثم تلاها بقراءة قوله تعالى: ﴿قُلِ اَللّهُمَّ مالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ [الآية ٢٦ سورة آل عمران] إلى آخر الآية … هذا والشّواني تتواصل بمحاربة بعضها بعضا إلى أن أذّن لصلاة الظّهر، فمضى السّلطان بعسكره عائدا إلى القلعة. فأقام النّاس بقيّة يومهم وتلك الليلة على ما هم عليه من اللّهو في اجتماعهم.
وكان شيئا يجلّ وصفه، وأنفق فيه مال لا يعدّ، بحيث بلغت أجرة المركب في هذا اليوم ستّ مائة درهم فما دونها. وكان الرّجل الواحد يؤخذ منه أجرة ركوبه في المركب خمسة دراهم، وحصل لعدّة من النّواتية أجرة مراكبهم عن سنة في هذا اليوم. وكان الخبز يباع اثنا عشر رطلا بدرهم، فلكثرة اجتماع النّاس بمصر بيع سبعة أرطال بدرهم. فبلغ خبر الشّواني إلى بلاد الفرنج، فبعثوا رسلهم بالهدايا يطلبون الصّلح.
فلمّا كان المحرّم سنة اثنتين وسبع مائة، في سلطنة النّاصر محمد بن قلاوون، جهّزت الشّواني
стр. 2214
بالعدد والسّلاح والنّفطية والأزودة، وعيّن لها جماعة من أجناد الحلقة، وألزم كلّ أمير مائة بإرسال رجلين من عدّته، وألزم أمراء الطّبلخاناة والعشروات بإخراج كلّ أمير من عدته رجلا، وندب الأمير سيف الدّين كهرداش المنصوري الزّرّاق إلى السّفر بهم، ومعه جماعة من مماليك السّلطان الزّرّاقين، وزيّنت الشّواني أحسن زينة. فخرج معظم النّاس لرؤيتها، وأقاموا يومين بلياليهما على السّاحل بالبرين. وكان جمعا عظيما إلى الغاية، وبلغت أجرة المركب الصّغير مائة درهم لأجل الفرجة.
ثم ركب السّلطان بكرة يوم السبت ثاني عشر المحرّم، ومعه الأمير سلار النّائب والأمير بيبرس الجاشنكير وسائر الأمراء والعسكر، فوقفت المماليك على البرّ نحو بستان الخشّاب، وعدّى الأمراء في الحراريق إلى الرّوضة. وخرجت الشّواني واحدا بعد واحد (¬a) فلعبت منها ثلاثة، وخرجت الرابعة وفيها الأمير آقوش القاري، من منية (¬b) الصّناعة حتى توسّط البحر، فلعب بها الرّيح إلى أن مالت، وانقلبت فصار أعلاها أسفلها. فتداركها النّاس، ورفعوا ما قدروا عليه من العدد والسّلاح، وسلمت الرّجال فلم يعدم منهم سوى آقوش وحده. فتنكّد النّاس، وعاد الأمراء إلى القلعة بالسّلطان، وجهّز شيني (¬c) عوضا من الذي غرق (¬d).
وساروا إلى منية (¬b) طرابلس - ثم ساروا - ومعهم عدّة من طرابلس - فأشرفوا من الغد على جزيرة أرواد من أعمال قبرس، وقاتلوا أهلها وقتلوا كثيرا منهم (¬e)، وملكوها في يوم الجمعة ثامن عشرين صفر، واستولوا على ما فيها، وهدموا أسوارها، وعادوا إلى طرابلس، وأخرجوا من الغنائم الخمس للسّلطان، واقتسموا ما بقي منها، وكان معهم مائتان وثمانون أسيرا، فسرّ السّلطان بذلك سرورا كثيرا (¬f).
صناعة المقس
قال ابن أبي طيّ في «تاريخه» عند ذكر وفاة المعزّ لدين اللّه: إنّه أنشأ دار الصّناعة التي بالمقس، وأنشأ بها ستّ مائة مركب لم ير مثلها في البحر على مدينة (¬g).
стр. 2215
وقال المسبّحيّ: إنّ العزيز باللّه بن المعزّ هو الذي بنى دار الصّناعة التي بالمقس؛ وعمل المراكب التي لم ير مثلها فيما تقدّم كبرا ووثاقة وحسنا.
وقال في حوادث سنة ستّ وثمانين وثلاث مائة: ووقعت نار في الأسطول وقت صلاة الجمعة لستّ بقين من شهر ربيع الآخر فأحرقت خمس عشاريات، وأتت على جميع ما في الأسطول من العدّة والسّلاح حتى لم يبق منه غير ستّة مراكب فارغة لا شيء فيها. فحمل البحريون السّلاح، واتّهموا الرّوم النّصارى - وكانوا مقيمين بدار مانك بجوار الصّناعة التي بالمقس (١) - وحملوا على الرّوم هم وجموع من العامّة معهم، فنهبوا أمتعة الرّوم، وقتلوا منهم مائة رجل وسبعة رجال، وطرحوا جثثهم في الطّرقات، وأخذ من بقي فحبس بصناعة المقس (٢).
ثم حضر عيسى بن نسطورس، خليفة أمير المؤمنين العزيز باللّه في الأموال ووجوهها بديار مصر والشّام والحجاز، ومعه يانس الصّقلبي - وهو يومئذ خليفة العزيز باللّه على القاهرة عند مسيره إلى الشّام - ومعهما مسعود الصّقلبي متولّي الشّرطة. وأحضروا الرّوم من الصّناعة،/ فاعترفوا بأنّهم الذين أحرقوا الأسطول.
فكتب بذلك إلى العزيز باللّه - وهو مبرز يريد السّفر إلى الشّام - وذكر له في الكتاب خبر من قتل من الرّوم وما نهب، وأنّه ذهب في النّهب ما يبلغ تسعين ألف دينار.
стр. 2216
فطاف أصحاب الشّرط في الأسواق بسجلّ فيه الأمر بردّ ما نهب من دار مانك وغيرها، والتّوعّد لمن ظهر عنده منه شيء، وحفظ أبو الحسن يانس البلد، وضبط النّاس.
وأمر عيسى بن نسطورس أن يمدّ للوقت عشرون مركبا، وطرح الخشب، وطلب الصّنّاع، وبات في الصّناعة، وجدّ الصّنّاع في العمل. وبات (¬a) أحداث النّاس وعامّتهم يلعبون برءوس القتلى، ويجرون بأرجلهم في الأسواق والشّوارع، ثم قرنوا بعضهم إلى بعض على ساحل النّيل بالمقس، وأحرقوا يوم السبت.
وضرب بالجرس في البلدان أن لا (¬b) يتخلّف أحد ممّن نهب شيئا حتى يحضر ما نهبه ويردّه، ومن علم عليه بشيء أو كتم شيئا أو جحده أو أخّره، حلّت به العقوبة الشّديدة. وتتبّع من نهب، فقبض على عدّة قتل منهم عشرون رجلا ضربت أعناقهم، وضرب ثلاثة وعشرون رجلا بالسّياط، وطيف بهم وفي عنق كلّ واحد رأس رجل ممن قتل من الرّوم، وحبس عدّة أناس، وأمر بضرب من ضربت أعناقهم فصلبوا عند كوم دينار، وردّ المضروبون إلى المطبق. وكان ضرب من ضرب من النّهّابة، وقتل من قتل منهم برقاع كتبت لهم. تناول كلّ واحد منهم رقعة فيها مكتوب إمّا بقتل أو ضرب، فأمضى فيهم بحسب ما كان في رقاعهم من قتل أو ضرب. واشتدّ الطّلب على النّهّابة، فكان النّاس يدلّ بعضهم على بعض، فإذا أخذ أحد ممّن اتّهم بالنّهب حلف بالأيمان المغلّظة أنّه ما بقي عنده شيء.
وجدّ عيسى بن نسطورس في عمل الأسطول وطلب الخشب، فلم يدع عند أحد خشبا علم به إلاّ أخذه منه، وتزايد إخراج النّهّابة لما نهبوه، فكانوا يطرحونه في الأزقّة والشّوارع خوفا من أن يعرفوا به، وحبس كثير ممّن أحضر شيئا أو عرف عليه من النّهب.
فلمّا كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى ضربت أعناقهم كلّهم على يد أبي أحمد جعفر، صاحب يانس، فإنّه قدم في عسكر كثير من اليانسية، حتى ضربت أعناق الجماعة، وأغلقت الأسواق يومئذ.
وطاف متولّي الشّرطة، وبين يديه أرباب النّفط بعددهم، والنّار مشتعلة، واليانسية ركاب بالسّلاح، وقد ضرب جماعة وشهرهم بين يديه وهم ينادى عليهم: «هذا جزاء من أثار الفتن، ونهب حريم أمير المؤمنين، فمن نظر فليعتبر، فما تقال لهم عثرة، ولا ترحم لهم
стр. 2217
عبرة» … في كلام كثير من هذا الجنس. فاشتدّ خوف النّاس، وعظم فرعهم.
فلمّا كان من الغد نودي: «معاشر النّاس قد أمّن اللّه من أخذ شيئا أو نهب شيئا على نفسه وماله، فليردّ من بقي عنده شيء من النّهب، وقد أجّلناكم من اليوم إلى مثله».
وفي سابع جمادى الآخرة نزل ابن نسطورس إلى الصّناعة، وطرح مركبين في غاية الكبر من التي استعملها بعد حريق الأسطول. وفي غرّة شعبان نزل أيضا، وطرح بين يديه أربعة مراكب كبارا من المنشأة بعد الحريق.
واتّفق موت العزيز باللّه، وهو سائر إلى الشّام، في مدينة بلبيس. فلمّا قام من بعده ابنه الحاكم بأمر اللّه في الخلافة، أمر في خامس شوّال بحطّ الذين صلبهم ابن نسطورس، فتسلّمهم أهلهم، وأعطى لأهل كلّ مصلوب عشرة دنانير برسم كفنه ودفنه (١).
وخلع على عيسى بن نسطورس، وأقرّه في ديوان الخاصّ (٢)، ثم قبض عليه في ليلة الأربعاء سابع المحرّم سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، واعتقله إلى ليلة الاثنين سابع عشرينه. فأخرجه الأستاذ برجوان - وهو يومئذ يتولّى تدبير الدّولة - إلى المقس، وضرب عنقه (٣). فقال وهو ماض إلى المقس: كلّ شيء قد كنت أحسبه إلاّ موت العزيز باللّه، ولكنّ اللّه لا يظلم أحدا. واللّه إنّي لأذكر وقد ألقيت السّهام للقوم المأخوذين في نهب دار مانك - وفي بعضها مكتوب «يقتل» وفي أخرى «يضرب» - فأخذ شاب ممّن قبض عليه رقعة منها فجاء فيها «يقتل»، فأمرت به إلى القتل؛ فصاحت أمّه ولطمت وجهها، وحلفت أنّها وهو ما كانا ليلة النّهب في شيء من أعمال مصر، وإنّما وردا مصر بعد النّهب بثلاثة أيّام، وناشدتني اللّه تعالى أن أجعله من جملة من يضرب بالسّوط، وأن يعفى من القتل، (¬a)) فسلّم النّقب إليها (¬a)، وأمرت بضرب عنقه. فقالت أمّه: إن كنت لابد قاتله، فاجعله آخر من يقتل لأتمتّع به ساعة. فأمرت به فجعل أوّل من ضرب عنقه.
فلطّخت بدمه وجهها، وسبقتني - وهي منبوشة الشّعر ذاهلة العقل - إلى القصر. فلمّا وافيت، قالت لي: أقتلته! كذلك يقتلك اللّه. فأمرت بها، فضربت حتى سقطت إلى الأرض. ثم كان من الأمر ما ترون ممّا أنا صائر إليه. وكان خبره عبرة لمن اعتبر.
стр. 2218
وفي نصف شعبان سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة، ركب الحاكم بأمر اللّه إلى صناعة المقس لتطرح المراكب بين يديه (¬a).
صناعة الجزيرة
هذه الصّناعة كانت بجزيرة مصر، التي تعرف اليوم بالرّوضة، وهي أوّل صناعة عملت بفسطاط مصر. بنيت في سنة أربع وخمسين من الهجرة، وكان قبل بنائها هناك خمس مائة فاعل تكون مقيمة أبدا معدّة لحريق يكون في البلاد أو هدم (١). ثم اعتنى الأمير أبو العبّاس أحمد ابن طولون بإنشاء المراكب الحربية/ في هذه الصّناعة، وأطافها بالجزيرة.
ولم تزل هذه الصّناعة إلى أيّام الأمير أبي بكر محمد بن طغج الإخشيد، فأنشأ صناعة بساحل فسطاط مصر، وجعل موضع هذه الصّناعة البستان المختار، كما قد ذكر في موضعه من هذا الكتاب (¬b).
صناعة مصر
هذه الصّناعة كانت بساحل مصر القديم. يعرف موضعها بدار خديجة بنت الفتح ابن خاقان، امرأة الأمير أحمد بن طولون إلى أن قدم الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد أميرا على مصر من قبل الخليفة الراضي، عوضا عن أحمد بن كيغلغ، في سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة وقد كثرت الفتن. فلم يدخل عيسى بن أحمد السّلمي أبو مالك، كبير المغاربة في طاعته، ومضى ومعه بجكم وعليّ بن بدر ونظيف النّوشري وعليّ المغربي إلى الفيّوم. فبعث إليهم الإخشيد صاعد بن الكلكم بمراكبه، فقاتلوه وقتلوه وأخذوا مراكبه، وركب فيها عليّ بن بدر وبجكم، وقدموا مدينة مصر أوّل يوم من ذي القعدة، فأرسوا بجزيرة الصّناعة. وركب الإخشيد في جيشه، ووقف حيالهم والنّيل بينهم وبينه، فكره ذلك وقال: صناعة يحول بينها وبين
стр. 2219
صاحبها الماء ليست بشيء. فأقام بجكم وعليّ بن بدر إلى آخر النّهار، ومضوا إلى جهة الإسكندرية.
وعاد الإخشيد إلى داره، فأخذ في تحويل الصّناعة من موضعها بالجزيرة إلى دار خديجة بنت الفتح في شعبان سنة خمس وعشرين وثلاث مائة، وكان إذ ذاك عندها سلّم ينزل منه إلى الماء. وعندما ابتدأ في إنشاء المراكب بها صاحت به امرأة، فأمر بأخذها إليه، فسألته أن يبعث معها من يحمل المال، فسيّر معها طائفة، فأتت بهم إلى دار خديجة هذه ودلّتهم على موضع منها. فأخرجوا منه عينا وورقا وحليّا وغيره، وطلبت المرأة فلم توجد ولا عرف لها خبر.
وكانت مراكب الأسطول مع ذلك تنشأ في الجزيرة في صناعتها إلى أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه تعالى؛ فلمّا ولي المأمون بن البطائحي الوزارة (¬a) أنكر ذلك، وأمر أن يكون إنشاء الشّواني والمراكب النّيلية الدّيوانية بصناعة مصر هذه، وأضاف إليها دار الزّبيب، وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة يوم تقدمة الأسطول ورميه، فأقرّ إنشاء الحربيات والشّلنديّات بصناعة الجزيرة. وكان لهذه الصّناعة دهليز مادّ بمساطب مفروشة بالحصر العبدانية بسطا وتأزيرا، وفيها محلّ ديوان الجهاد (١)، وكان يعرف في الدّولة الفاطمية (¬b)) بديوان العمائر، ثم عرف في الدّولة الأيّوبية بديوان الأسطول. وكان في الدّولة الفاطميّة (¬b) لا يدخل من باب هذه الصّناعة أحد راكبا إلاّ الخليفة والوزير إذا ركبا في «يوم فتح الخليج» عند وفاء النّيل. فإنّ الخليفة كان يدخل من بابها، ويشقّها راكبا والوزير معه حتى يركب النّيل إلى المقياس - كما قد ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٢) - ولم تزل هذه الصّناعة عامرة إلى قبيل (¬c) سنة سبع مائة (¬d)، ثم صارت بستانا عرف ببستان ابن كيسان، ثم عرف في زمننا ببستان الطّواشي.
стр. 2220
قال ابن المتوّج: وكان مكان بستان ابن كيسان صناعة العمارة، وأدركت فيه بابها، وبستان الجرف المقابل لبستان ابن كيسان كان مكانه بحر النّيل، وإنّ الجرف ربا فيه (¬a).
قال كاتبه: بستان الجرف هذا موجود إلى يومنا فيما بين المراغة التي يسلك فيها إلى باب مصر، وبين الطّريق التي يقال لها بين الزّقاقين ويسلك فيها من قنطرة السّدّ إلى الجامع الجديد وبستان ابن كيسان - الذي كان في موضعه الصّناعة - وهو باق إلى اليوم أيضا يعرف ببستان الطّواشي. فمن سلك في المراغة يريد باب مدينة مصر المجاور للكبارة يصير بستان الجرف على يمينه وبستان الطّواشي على يساره. وعلى باب بستان الطّواشي إلى اليوم حوض ماء كبير ترده الدّواب، ووراء بستان الطّواشي كيمان وهناك كنيسة للنّصارى» (١).
стр. 2221
ذكر الميادين (١)
ميدان ابن طولون
كان قد بناه وتأنّق فيه تأنّقا زائدا، وعمل فيه المناخ وبركة الزّئبق والقبّة الذّهبيّة. وقد ذكر خبر هذا الميدان عند ذكر القطائع من هذا الكتاب (٢).
ميدان الإخشيد
هذا الميدان أنشاه الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد - أمير مصر - بجوار بستانه الذي يعرف اليوم في القاهرة بالكافوري، ويشبه أن يكون موضع هذا الميدان اليوم حيث المكان المعروف بالبندقانيين وحارة الوزيرية وما جاور ذلك.
وكان لهذا البستان بابان من حديد، قلعهما القائد جوهر عندما قدم القرمطيّ إلى مصر يريد أخذها، وجعلهما على باب الخندق الذي حفره بظاهر القاهرة قريبا من مدينة عين شمس، وذلك في سنة ستين وثلاث مائة (٣).
وكان هذا الميدان من أعظم أماكن مصر، وكانت فيه الخيول السّلطانيّة في الدّولة الإخشيديّة (¬a).
ميدان القصر
هذا الميدان موضعه الآن في القاهرة يعرف بالخرنشف. عمل عند بناء القاهرة بجوار البستان الكافوري، ولم يزل ميدانا للخلفاء الفاطميين يدخل إليه من باب التّبّانين الذي موضعه الآن
стр. 2222
يعرف بقبو الخرنشف. فلمّا زالت الدّولة الفاطمية تعطّل، وبقي إلى أن بنى به الغزّ اسطبلات بالخرنشف، ثم حكر وبني فيه، فصار من أخطاط القاهرة (١).
ميدان قراقوش
هذا الميدان/ خارج باب الفتوح (¬a) (٢)
ميدان الملك العزيز
هذا الميدان كان بجوار خليج الذّكر، وكان موضعه بستانا.
قال القاضي الفاضل في «متجدّدات» ثالث عشرين شهر رمضان سنة أربع وتسعين وخمس مائة:
خرج أمر الملك العزيز عثمان ابن السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بقطع النّخل المثمر المستغلّ تحت اللّؤلؤة بالبستان المعروف بالبغدادية. وهذا البستان كان من بساتين القاهرة الموصوفة، وكان منظره من المناظر المستحسنة وكان له مستغلّ (¬b)) له مقدار (¬b)، وكان قد عني الأوّلون به لمجاورته اللّؤلؤة وإطلال جميع مناظرها عليه. وجعل هذا البستان ميدانا، وحرث وقطع ما فيه من الأصول (٣)، انتهى/.
ثم حكر النّاس أرض هذا البستان، وبنوا عليها، وهو الآن دائر فيه كيمان وأتربة.
الميدان الصّالحيّ
هذا الميدان كان بأراضي اللّوق من برّ الخليج الغربي، وموضعه الآن من جامع الطّبّاخ بباب اللّوق إلى قنطرة قدادار التي على الخليج النّاصري، ومن جملته الطّريق المسلوكة الآن من باب اللّوق إلى القنطرة المذكورة. وكان أوّلا بستانا يعرف ببستان الشّريف بن ثعلب. فاشتراه السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر ابن أيّوب بن شاذي (¬c)، بثلاثة آلاف دينار مصرية، من الأمير حصن الدّين ثعلب ابن الأمير فخر الدّين
стр. 2223
إسماعيل بن ثعلب الجعفري، في شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستّ مائة، وجعله ميدانا، وأنشأ فيه مناظر جليلة تشرف على النّيل الأعظم، وصار يركب إليه ويلعب فيه بالكرة (١).
وكان عمل هذا الميدان سببا لبناء القنطرة - التي يقال لها اليوم قنطرة الخرق (٢) - على الخليج الكبير لجوازه عليها، وكان قبل بنائها موضعها موردة سقّائي القاهرة. وما برح هذا الميدان تلعب فيه الملوك بالكرة من بعد الملك الصّالح إلى أن انحسر ماء النّيل من تجاهه وبعد عنه، فأنشأ الملك الظّاهر ميدانا على النّيل.
وفي سلطنة الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني الصّالحي النّجمي، قال له منجمّه: إنّ أمرأة تكون سببا في قتله. فأمر أن تخرّب الدّور والحوانيت التي من قلعة الجبل بالتّبّانة إلى باب زويلة وإلى باب الخرق وإلى باب اللّوق إلى الميدان الصّالحي (٣)، وأمر ألاّ يترك باب مفتوح بالأماكن التي يمرّ عليها يوم ركوبه إلى الميدان، ولا تفتح أيضا طاقة.
وما زال باب هذا الميدان باقيا، وعليه طوارق مدهونة، إلى ما بعد سنة أربعين وسبع مائة، فأدخله صلاح الدّين بن المغربي في قيساريّة الغزل (٤) التي أنشأها هناك. ولأجل هذا الباب قيل لذلك الخطّ «باب اللّوق». ولمّا خرب هذا الميدان حكر، وبني موضعه ما هنالك من المساكن.
ومن جملته حكر مرادي، وهو على يمنة من سلك من جامع الطّبّاخ إلى قنطرة قدادار، وهو في أوقاف خانقاه قوصون وجامع قوصون بالقرافة (٥). وهذا الحكر اليوم قد صار كيمانا بعد كثرة العمارة به (٦).
стр. 2224
الميدان الظّاهريّ
هذا الميدان كان بطرف أراضي اللّوق يشرف على النّيل الأعظم، وموضعه الآن تجاه قنطرة قدادار من جهة باب اللّوق (١). أنشأه الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري الصّالحي لمّا انحسر ماء النّيل وبعد عن ميدان أستاذه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب.
وما زال يلعب فيه بالكرة هو ومن بعده من ملوك مصر، إلى أن كانت سنة أربع عشرة وسبع مائة، فنزل السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون إليه، وخرّب مناظرة، وعمله بستانا من أجل بعد البحر عنه، وأرسل إلى دمشق فحمل إليه منها سائر أصناف الشّجر، وأحضر معها خولة الشّام والمطعّمين، فغرسوها فيه وطعّموها.
وما زال بستانا عظيما، ومنه تعلّم النّاس بمصر تطعيم الأشجار في بساتين جزيرة الفيل. وجعل السّلطان فواكه هذا البستان مع فواكه البستان الذي أنشأه بسرياقوس، تحمل بأسرها إلى الشّراب خاناه السّلطانية بقلعة الجبل، ولا يباع منها شيء ألبتّة، وتصرف كلفهما من الأموال الدّيوانية.
فجادت فواكه هذين البستاين، وكثرت حتى حاكت بحسنها فواكه الشّام، لشدّة العناية والخدمة بهما.
ثم إنّ السّلطان لمّا اختصّ بالأمير قوصون، أنعم بهذا البستان عليه. فعمّر تجاهه الزّربيّة - التي عرفت بزربيّة قوصون (٢) - على النّيل، وبنى النّاس الدّور الكثيرة هناك، سيّما لمّا حفر (¬a)) الملك النّاصر (¬a) الخليج النّاصريّ، فإنّ العمارة عظمت فيما بين هذا البستان والبحر، وفيما بينه وبين القاهرة ومصر.
ثم إنّ هذا البستان خرب لتلاشي أحواله بعد قوصون، وحكرت أرضه، وبنى النّاس فوقها الدّور التي على يسرة من صعد القنطرة من جهة باب اللّوق يريد الزّربيّة. ثم لمّا خرب خطّ
стр. 2225
الزّربيّة، خرب ما عمّر بأرض هذا البستان من الدّور منذ سنة ستّ وثمان مائة (¬a) (١).
ميدان بركة الفيل
هذا الميدان كان مشرفا على بركة الفيل قبالة الكبش (٢)، وكان أوّلا اسطبل الجوق برسم خيول المماليك السّلطانية، إلي أن جلس الأمير زين الدّين كتبغا على تخت الملك، وتلقّب بالملك العادل بعد خلعه الملك النّاصر محمّد بن قلاوون في المحرّم سنة أربع وتسعين وستّ مائة. فلمّا دخلت سنة خمس وتسعين، كان النّاس في أشدّ ما يكون من غلاء الأسعار/ وكثرة الموتان، والسّلطان خائف على نفسه، ومتحرّز من وقوع فتنة، وهو مع ذلك ينزل من قلعة الجبل إلى الميدان الظّاهري بطرف اللّوق. فحسن بخاطره أن يعمل اسطبل الجوق المذكور ميدانا عوضا عن ميدان اللّوق، وذكر ذلك للأمراء فأعجبهم ذلك، فأمر بإخراج الخيل منه، وشرع في عمله ميدانا.
وبادر النّاس من حينئذ إلى بناء الدّور بجانبه. وكان أوّل من أنشأ هناك الأمير علم الدّين سنجر الخازن، في الموضع الذي عرف اليوم بحكر الخازن (٣)، وتلاه النّاس في العمارة والأمراء. وصار السّلطان ينزل إلى هذا الميدان من القلعة، فلا يجد في طريقه أحدا من النّاس سوى أصحاب الدّكاكين من الباعة، لقلّة النّاس وشغلهم بما هم فيه من الغلاء والوباء.
ولقد رآه شخص من النّاس، وقد نزل إلى الميدان والطّرقات خالية، فأنشد ما قيل في الطّبيب ابن زهر:
[المنسرح]
قل للغلا أنت وابن زهر … بلغتما الحدّ والنّهايه
ترفّقا بالورى قليلا … في واحد منكما كفايه
стр. 2226
وما برح هذا الميدان باقيا إلى أن عمّر السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون قصرا للأمير (¬a) بكتمر السّاقي على بركة الفيل، فأدخل فيه جميع أرض هذا الميدان، وجعله إسطبل قصر الأمير بكتمر السّاقي في سنة سبع عشرة وسبع مائة، وهو باق إلى وقتنا هذا (١).
ميدان المهارى (١)
هذا الميدان بالقرب من قناطر السّباع، في برّ الخليج الغربي، كان من جملة جنان الزّهري (٢).
أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة عشرين وسبع مائة. ومن وراء هذا الميدان بركة ماء كان موضعها كرم القاضي الفاضل.
(¬b)) قال الأمير شرف الدّين موسى بن محمد بن يحيى في كتاب «سيرة السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون» (٣) ما ملخّصه (¬b): وكان الملك النّاصر محمد بن قلاوون له شغف عظيم بالخيل. فعمل ديوانا ينزل فيه كلّ فرس بشيته (¬c)، واسم صاحبه، وتاريخ الوقت الذي حضر فيه.
فإذا حملت فرس من خيول السّلطان أعلم به، وترقّب الوقت الذي تلد فيه. واستكثر من الخيل حتى احتاج إلى مكان برسم نتاجها. فركب من قلعة الجبل في سنة عشرين وسبع مائة، وعيّن موضعا يعمله ميدانا برسم المهارى، فوقع اختياره على أرض بالقرب من قناطر السّباع. وما زال واقفا بفرسه حتّى حدّد الموضع، وشرع في نقل الطّين البليز إليه، وزرعه من النّخل وغيره، وركّب على الآبار التي فيه السّواقي.
فلم يمض سوى أيّام حتى ركب إليه، ولعب فيه بالكرة مع الخاصّكيّة، ورتّب فيه عدّة حجور
стр. 2227
للنّتاج، وأعدّ لها سوّاسا وأمير آخورية وسائر ما يحتاج إليه. وبنى فيه أماكن، ولازم الدّخول إليه في ممرّه إلى الميدان الذي أنشأه على النّيل بموردة الملح.
فلمّا كان بعد أيّام وأشهر، حسن في نفسه أن يبني تجاه هذا الميدان - على النّيل الأعظم بجوار جامع الطّيبرسي - زربيّة، ويبرز بالمناظر التي ينشئها في الميدان إلى قريب البحر (١). فنزل بنفسه، وتحدّث في ذلك، فكثّر المهندسون المصروف في عينه، وصعّبوا الأمر من جهة قلّة الطّين هناك.
وكان قد أدركه السّفر للصّيد (¬a) فترك ذلك (¬b) (٢).
وما برحت الخيول في هذا الميدان إلى أن مات الملك الظّاهر برقوق في سنة إحدى وثمان مائة.
واستمرّت بعده في أيّام ابنه الملك النّاصر فرج، إلاّ أنّه تلاشى أمره عمّا كان قبل ذلك، ثم انقطعت منه الخيول وصار براحا خاليا.
ميدان سرياقوس
هذا الميدان كان شرقي ناحية سرياقوس بالقرب من الخانكاه. أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في ذي الحجّة سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة، وبنى فيه قصورا جليلة وعدّة منازل للأمراء (٣)، وغرس فيه بستانا كبيرا نقل إليه من دمشق سائر الأشجار التي تحمل الفواكه، وأحضر معها خولة بلاد الشّام حتى غرسوها وطعّموا الأشجار. فأفلح فيه الكرم والسّفرجل وسائر الفواكه.
فلمّا كمل في سنة خمس وعشرين، خرج ومعه الأمراء والأعيان، ونزل القصور التي هناك، ونزل الأمراء والأعيان على منازلهم في الأماكن التي بنيت لهم (٤). واستمرّ يتوجّه إليه في كلّ سنة، ويقيم به الأيّام، ويلعب فيه بالكرة إلى أن مات. فعمل ذلك أولاده الذين ملكوا من بعده.
стр. 2228
فكان السّلطان يخرج في كلّ سنة من قلعة الجبل بعد ما تنقضي أيّام الرّكوب، إلى الميدان الكبير النّاصريّ على النّيل، ومعه جميع أهل الدّولة من الأمراء والكتّاب وقاضي العسكر وسائر أرباب الرّتب، ويسير إلى السّرحة بناحية سرياقوس، وينزل بالقصور، ويركب إلى الميدان هناك للّعب بالكرة، ويخلع على الأمراء وسائر أهل الدّولة، ويقيم في هذه السّرحة أيّاما. فيمرّ للنّاس في إقامتهم بهذه السّرحة أوقات لا يمكن وصف ما فيها من المسرّات، ولا حصر ما ينفق فيها من المآكل والهبات من الأموال.
ولم يزل هذا الرّسم مستمرّا إلى سنة تسع وتسعين وسبع مائة (١)، وهي آخر سرحة سار إليها السّلطان بسرياقوس. ومن هذه السّنة انقطع السّلطان الملك الظّاهر برقوق عن الحركة لسرياقوس، فإنّه اشتغل في سنة ثمان مائة بتحرّك المماليك عليه من وقت قيام الأمير إلي باي (¬a) إلى أن مات.
وقام من بعده ابنه الملك النّاصر فرج، فما صفا الوقت/ في أيّامه من كثرة الفتن وتواتر الغلوات والمحن، إلى أن نسي ذلك، وأهمل أمر الميدان والقصور وخرب، وفيه إلى الآن بقيّة قائمة. ثم بيعت هذه القصور في صفر سنة خمس وعشرين وثمان مائة بمائة دينار لينقض خشبها وشبابيكها وغيرها، فنقضت كلّها (٢).
وكان من (¬b)) عادة السّلطان إذا خرج إلى (¬b) الصّيد بسرياقوس أو كنبرا أو البحيرة، أنّ (¬c) ينعم على أكابر أمراء المئين (¬d) قدرا وسنّا: كلّ واحد بألف مثقال ذهبا، وبرذون خاصّ مسرج ملجم، وكنبوش مذهب.
وكان من عادته (¬e)، إذا (¬f)) مرّ في متصيّداته بإقطاع (¬f) أمير كبير، قدّم له من الغنم والإوز والدّجاج وقصب السّكّر والشّعير ما تسمو همّة مثله إليه. فيقبله السّلطان منه، وينعم عليه بخلعة كاملة، وربّما أمر لبعضهم بمبلغ مال (٣).
стр. 2229
وكانت عادة الأمراء أن يركب الأمير منهم حيث يركب من (¬a) المدينة وخلفه جنيب، وأمّا أكابرهم فيركب بجنيبين، هذا في المدينة والحاضرة. وهكذا يكون إذا خرج إلى سرياقوس وغيرها من نواحي الصّيد، ويكون في الخروج إلى سرياقوس وغيرها من الأسفار لكلّ أمير طلب يشتمل على أكثر مماليكه، وقدّامهم خزانة محمولة على جمل واحد يجره راكب آخر على جمل والمال على جملين، وربّما زاد بعضهم على ذلك. وأمام الخزانة عدّة جنائب تجرّ على أيدي مماليك ركاب خيل وهجن وركابه (¬b) من العرب على هجن، وأمامها الهجن بأكوارها مجنوبة، وللطّبلخاناه قطار واحد وهو أربعة، ومركوب الهجان والمال قطاران، وربّما زاد بعضهم. وعدد الجنائب في كثرتها وقلّتها إلى رأي الأمير وسعة نفسه. والجنائب منها ما هو مسرج ملجم، ومنها ما هو بعنانه (¬c) لا غير. وكان يضاهي بعضهم بعضا في الملابس الفاخرة والسّروج المحلاّة والعدد المليحة.
وكان من رسوم السّلطان في خروجه إلى سرياقوس وغيرها من الأسفار، ألاّ يتكلّف إظهار كلّ شعار السّلطنة، بل يكون الشّعار في موكبه السّائر فيه جمهور مماليكه مع المقدّم عليهم وأستادّاره، وأمامهم الخزائن والجنائب والهجن. وأمّا هو نفسه فإنّه يركب ومعه عدّة كبيرة من الأمراء الكبار والصّغار من الغرباء والخواصّ، ونخبة (¬d) من خواصّ مماليكه. ولا يركب في السّير برقبة ولا بعصائب (١)، بل تتبعه جنائب خلفه، ويقصد في الغالب تأخير النّزول إلى اللّيل، فإذا جاء اللّيل حملت قدّامه فوانيس كثيرة ومشاعل (٢)، فإذا قارب مخيّمه تلقي بشموع مركّبة (¬e) في شمعدانات كفت، وصاحت الجاويشية بين يديه، ونزل النّاس كافّة إلاّ حملة السّلاح فإنّهم
стр. 2230
وراءه، والوشاقية (١) أيضا وراءه، وتمشي الطّبردارية (٢) حوله حتى إذا وصل القصور بسرياقوس أو الدّهليز من المخيّم (¬a) إن كان في غير سرحة سرياقوس فإذا دخل الدّهليز الأوّل من المخيّم (¬a) نزل عن فرسه ودخل إلى الشّقّة - وهي خيمة مستديرة متّسعة - ثم منها إلى شقّة مختصرة، ثم منها إلى اللاّجوق (٣). وبدائر كلّ خيمة من جميع جوانبها من داخل سور خركاه (٤)، وفي صدر اللاجوق قصر صغير من خشب برسم المبيت فيه. وينصب بإزاء الشّقّة الحمّام بقدور الرّصاص والحوض، على هيئة الحمّام المبني في المدن إلاّ أنّه مختصر. فإذا نام السّلطان طافت به المماليك دائرة بعد دائرة، وطاف بالجميع الحرس، وتدور الزّفّة حول الدّهليز في كلّ ليلة، وتدور بسرياقوس حول القصر في كلّ ليلة مرّتين: الأولى منذ يأوي إلى النّوم، والثانية عند قعوده من النّوم. وكلّ زفّة يدور بها أمير حاندار (¬b) - وهو من أكابر الأمراء - وحوله الفوانيس والمشاعل والطّبول والبيّاتة.
وينام على باب الدّهليز النّقباء وأرباب النّوب من الخدم.
ويصحب السّلطان في أسفاره (¬c) غالب ما تدعو الحاجة إليه حتى يكاد يكون معه مارستان، لكثرة من معه من الأطبّاء وأرباب الكحل والجراح والأشربة والعقاقير، وما يجري مجرى ذلك.
وكلّ من عاده طبيب ووصف له ما يناسبه، يصرف من الشّراب خاناه أو الدّواء خاناه المحمولين في الصّحبة (¬d) (٥).
стр. 2231
الميدان النّاصري
هذا الميدان من جملة أراضي بستان الخشّاب فيما بين مدينة مصر والقاهرة. وكان موضعه قديما غامرا بماء النّيل، ثم عرف ببستان الخشّاب. فلمّا كانت سنة أربع عشرة وسبع مائة، هدم السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون الميدان الظّاهري وغرس فيه أشجارا - كما تقدّم - وأنشأ هذا الميدان من أراضي بستان الخشّاب، فإنّه كان حينئذ مطلاّ على النّيل (١).
وتجهّز في سنة ثمان عشرة وسبع مائة للرّكوب إليه، وفرّق الخيول على جميع الأمراء، واستجدّ ركوب الأوشاقيّة (¬a) بكوافي الزّركش على صفة الطّاسات فوق رءوسهم، وسمّاهم «الجفتاوات». فيركب منهم اثنان بثوبي حرير أطلس أصفر، وعلى رأس كلّ منهما كوفية الذّهب، وتحت كلّ واحد فرس أبيض بحلية ذهب، ويسيران معا بين يدي السّلطان في ركوبه من قلعة الجبل إلى الميدان، وفي عوده منه إلى القلعة.
وكان السّلطان إذا ركب إلى هذا الميدان للعب الكرة، يفرّق حوائص ذهب على الأمراء المقدّمين.
وركوبه إلى هذا الميدان دائما يوم السّبت، في قوّة الحرّ بعد وفاء النّيل مدّة شهرين من السّنة؛ فيفرّق في كلّ ميدان على اثنين بالنّوبة، فمنهم من تجيء نوبته بعد ثلاث سنين أو أربع سنين (٢).
وكان من مصطلح الملوك/ أن تكون تفرقة السّلطان الخيول على الأمراء في وقتين: أحدهما عندما يخرج إلى مرابط خيله في الرّبيع عند اكتمال تربيعها، وفي هذا الوقت يعطي أمراء المئين الخيول مسرجة ملجمة بكنابيش مذهّبة، ويعطي أمراء الطّبلخاناه خيلا وعربا. والوقت الثاني (¬b)) عند لعب السّلطان بالكرة في هذا الميدان؛ وفي هذا الوقت (¬b) يعطي الجميع خيولا مسرجة ملجمة بلا كنابيش بفضّة خفيفة. وليس لأمراء العشراوات حظّ في ذلك إلاّ ما يتفقّدهم به على سبيل الإنعام. ولخاصّكيّة السّلطان المقرّبين، من أمراء المئين وأمراء الطّبلخاناه،
стр. 2232
زيادة كثيرة من ذلك، بحيث يصل إلى بعضهم المائة فرس في السنة (١).
وكان من شعار السّلطان (٢) أن يركب إلى الميدان وفي عنق الفرس رقبة حرير أطلس أصفر بزركش ذهب، فتستر من تحت أذني الفرس إلى حيث السّرج. ويكون قدّامه اثنان من الأوشاقيّة راكبين على حصانين أشهبين برقبتين نظير ما هو راكب به، كأنّهما معدّان لأن يركبهما. وعلى الأوشاقيّين المذكورين قباءان أصفران من حرير بطراز مزركش بالذّهب، وعلى رأسهما قبعان مزركشان. وغاشية السّرج محمولة أمام السّلطان، وهي أديم مزركش بذهب يحملها بعض الرّكاب داريّة قدّامه، وهو ماش في وسط الموكب. ويكون قدّامه فارس يشبّب بشبّابة لا يقصد بنغمها الإطراب، بل ما يقرع بالمهابة سامعه. ومن خلف السّلطان الجنائب، وعلى رأسه العصائب السّلطانية، وهي صفر مطرّزة بذهب بألقابه واسمه.
وهذا لا يختصّ بالرّكوب إلى الميدان، بل يعمل هذا الشّعار أيضا إذا ركب يوم العيد، أو دخل إلى القاهرة أو إلى مدينة من مدن الشّام. ويزداد هذا الشّعار في يوم العيدين ودخول المدينة، برفع المظلّة (٣) على رأسه - ويقال لها الجتر (¬a) - وهو أطلس أصفر مزركش من أعلاه قبّة وطائر من فضّة مذهّبة، يحملها يومئذ بعض أمراء المئين الأكابر وهو راكب فرسه إلى جانب السّلطان.
ويكون أرباب الوظائف والسّلاح دارية كلّهم خلف السّلطان، ويكون حوله وأمامه الطّبردارية - وهم طائفة من الأكراد ذوي الإقطاعات والإمرة - ويكونون مشاة وبأيديهم الأطبار (٤) المشهورة (٥).
стр. 2233
ذكر قلعة الجبل
قال ابن سيده في كتاب «المحكم»: القلعة - بتحريك القاف واللاّم والعين وفتحها - الحصن الممتنع في جبل، وجمعها قلاع وقلع. وأقلعوا بهذه البلاد بنوها فجعلوها كالقلعة، وقيل القلعة - بسكون اللام - حصن مشرف، وجمعه قلوع (١).
وهذه القلعة على قطعة من الجبل، وهي تتّصل بجبل المقطّم، وتشرف على القاهرة ومصر والنّيل والقرافة. فتصير القاهرة في الجهة البحرية منها، ومدينة مصر والقرافة الكبرى وبركة الحبش في الجهة القبليّة الغربية، والنّيل الأعظم في غربيها، وجبل المقطّم من ورائها في الجهة الشّرقيّة.
وكان موضعها أوّلا يعرف بقبّة الهواء، ثم صار من تحته ميدان أحمد بن طولون، ثم صار موضعها مقبرة فيها عدّة مساجد إلى أن أنشأها السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب - أوّل الملوك بديار مصر - على يد الطّواشي بهاء الدّين قراقوش الأسدي في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وصارت من بعده دار الملك بديار مصر إلى يومنا هذا.
وهي ثامن موضع صار دار المملكة بديار مصر. وذلك أنّ دار الملك كانت أوّلا قبل الطّوفان مدينة «أمسوس»، ثم صار تخت الملك بعد الطّوفان بمدينة «منف» إلى أن خرّبها بخت نصّر. ثم لمّا ملك الإسكندر بن فيليبس صار إلى مصر، وجدّد بناء الإسكندرية. فصارت دار المملكة من حينئذ، بعد مدينة منف، «الإسكندريّة» إلى أن جاء اللّه تعالى بالإسلام، وقدم عمرو بن العاص ﵁ بجيوش المسلمين إلى مصر وفتح الحصن، واختطّ مدينة «فسطاط مصر».
فصارت دار الإمارة من حينئذ بالفسطاط إلى أن زالت دولة بني أميّة وقدمت عساكر بني العبّاس
стр. 2234
إلى مصر، وبنوا في ظاهر الفسطاط «العسكر». فصار الأمراء من حينئذ تارة ينزلون في العسكر، وتارة في الفسطاط، إلى أن بنى أحمد بن طولون القصر والميدان، وأنشأ «القطائع» بجانب العسكر. فصارت القطائع منازل الطّولونية إلى أن زالت دولتهم.
فسكن الأمراء بعد زوال دولة بني طولون بالعسكر إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد المغرب بعساكر المعزّ لدين اللّه وبنى «القاهرة المعزّيّة»؛ فصارت القاهرة من حينئذ دار الخلافة ومقرّ الإمامة ومنزل الملك إلى أن انقضت الدّولة الفاطميّة على يد السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب (١).
فلمّا استبدّ بعدهم بأمر سلطنة مصر بنى «قلعة الجبل» هذه ومات؛ فسكنها من بعده الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب، واقتدى به من ملك مصر من بعده من أولاده إلى أن انقرضوا على يد مماليكهم البحريّة، وملكوا مصر من بعدهم، فاستقرّوا بقلعة الجبل إلى وقتنا (¬a) هذا.
وسأجمع - إن شاء اللّه تعالى - من أخبار قلعة الجبل هذه، وذكر من ملكها ما فيه كفاية.
ذكر ما كان عليه موضع قلعة الجبل قبل بنائها
اعلم أنّ أوّل ما عرف من خبر موضع قلعة الجبل (¬b)) - فيما وقفت عليه (¬b) - أنّه كان فيه قبّة تعرف بقبّة الهواء.
قال أبو عمر (¬b)) محمد بن يوسف بن يعقوب (¬b) الكندي في كتاب «أمراء مصر» (¬b)) ومن أصل القاضي القضاعي الذي قرأه على ابن النّحّاس نقلت ما نصّه (¬b): وابتنى حاتم بن هرثمة القبّة التي تعرف بقبّة الهواء (٢)، وهو أوّل من ابتناها، وولي مصر إلى أن صرف عنها في جمادى الآخرة سنة
стр. 2235
خمس وتسعين ومائة (١). قال: ثم مات عيسى بن منصور، أمير مصر، في قبّة الهواء بعد عزله لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين ومائتين (٢).
ولمّا قدم أمير المؤمنين المأمون إلى مصر في سنة سبع عشرة ومائتين، وجلس بقبّة الهواء هذه، وكان بحضرته سعيد بن عفير، فقال المأمون: لعن اللّه فرعون حيث يقول: «أليس لي ملك مصر»؟ فلو رأى العراق وخصبها! فقال سعيد بن عفير: يا أمير المؤمنين لا تقل هذا، فإنّ اللّه قال: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الآية ١٣٧ سورة الأعراف].
فما ظنّك يا أمير المؤمنين بشيء دمّره اللّه هذا بقيّته؟
ثم قال سعيد: لقد بلغنا أنّ أرضا لم تكن أعظم من مصر، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها، وكانت الأنهار بقناطر وجسور بتقدير، حتى إنّ الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم يرسلونه متى شاءوا ويحبسونه متى شاءوا، وكانت البساتين (¬a) تحاذي النّيل من أوّله إلى آخره ما بين أسوان إلى رشيد إلى الشام (¬a) متّصلة لا تنقطع. ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط من الشّجر، وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشّجر.
وفي قبّة الهواء حبس المأمون الحارث بن مسكين.
قال الكنديّ في كتاب «الموالي»: قدم المأمون مصر - وكان بها رجل يقال له الحضرميّ يتظلّم من ابن أسباط وابن تميم - فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي دواد (¬b)، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد بن زيد - وكان على مظالم مصر - وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث.
وأحضر الحارث بن مسكين ليولّى قضاء مصر، فدعاه الفضل بن مروان، فبينا هو يكلّمه، إذ قال الحضرميّ للفضل: سل - أصلحك اللّه - الحارث عن ابن أسباط وابن تميم. قال: ليس لهذا أحضرناه. قال: أصلحك اللّه، سله. فقال الفضل للحارث: ما تقول في هذين الرّجلين؟ فقال: ظالمين غاشمين. قال: ليس لهذا أحضرناك.
стр. 2236
فاضطّرب المسجد، وكان النّاس متوافرين، فقام الفضل وصار إلى المأمون بالخبر، وقال:
خفت على نفسي من ثوران النّاس مع الحارث.
فأرسل المأمون إلى الحارث فدعاه، فابتدأه بالمساءلة، فقال: ما تقول في هذين الرّجلين؟ فقال: ظالمين غاشمين. قال: هل ظلماك بشيء؟ قال: لا. قال: فعاملتهما؟ قال: لا. قال:
فكيف شهدت عليهما؟ قال: كما شهدت أنّك أمير المؤمنين ولم أرك قطّ إلاّ السّاعة، وكما شهدت أنّك غزوت ولم أحضر غزوك. قال: اخرج من هذه البلاد فليست لك ببلاد، وبع قليلك وكثيرك فإنّك لا تعاينها أبدا. وحبسه في رأس الجبل في قبّة ابن هرثمة.
ثم انحدر المأمون إلى البشرود وأحدره (¬a) معه. فلمّا فتح البشرود أحضر الحارث. فلمّا دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر، فردّ عليه الجواب بعينه، فقال: فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا؟ قال: أخبرني عبد الرّحمن بن القاسم، عن مالك، أنّ الرّشيد كتب إليه في أهل دهلك يسأله عن قتالهم، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم من السّلطان فلا يحلّ قتالهم، وإن كانوا إنّما شقّوا العصا فقتالهم حلال.
فقال المأمون: أنت تيس، ومالك أتيس منك، ارحل عن مصر. قال: يا أمير المؤمنين إلى الثّغور؟ قال: الحق بمدينة السّلام. فقال له أبو صالح الحرّاني: يا أمير المؤمنين تغفر زلّته. قال:
يا شيخ تشفّعت، فارتفع.
ولمّا بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبّة الهواء هذه، كان كثيرا ما يقيم فيها، فإنّها كانت تشرف على قصره. واعتنى بها الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وجعل لها السّتور الجليلة والفرش العظيمة، في كلّ فصل ما يناسبه.
فلمّا زالت دولة بني طولون، وخرب القصر والميدان، كانت قبّة الهواء ممّا خرب - كما تقدّم ذكره عند ذكر القطائع من هذا الكتاب - ثم عمل موضع قبّة الهواء مقبرة، وبني فيها عدّة مساجد (١).
стр. 2237
قال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة في كتاب «النّقط على (¬a) الخطط»: والمساجد المبنيّة على الجبل المتّصل (¬b) باليحاميم المطلّ (¬c) على القاهرة المعزّيّة، التي فيها المسجد المعروف بسعد الدّولة، والتّرب التي هناك تحتوي القلعة التي بناها السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب على الجميع وهي التي نعتها بالقاهرة. وبنيت هذه القلعة في مدّة يسيرة.
وهذه المساجد هي: مسجد سعد الدّولة، ومسجد معزّ الدّولة والي مصر (١)، ومسجد مقدّم ابن عليّان من بني بويه الدّيلمي، (¬d)) والتّربة (¬d) ومسجد العدّة، بناء أحد الأستاذين الكبار المستنصريّة - وهو عدّة الدّولة - وكان بعد مسجد معزّ الدّولة، ومسجد عبد الجبّار بن عبد الرّحمن بن شبل بن عليّ ابن (¬e) رئيس الرّؤساء، وكافي الكفاة أبي يعقوب بن يوسف الوزير بهمدان ابن عليّ، بناه وانتقل بالإرث إلى ابن عمّه القاضي الفقيه أبي الحجّاج يوسف بن عبد الجبّار بن شبل، وكان من أعيان السّادة (٢). ومسجد/ قسطة، وكان أميرا (¬f) أرمنيّا من غلمان المظفّر ابن أمير الجيوش، مات مسموما من أكلة هريسة.
وقال الحافظ أبو الطّاهر السّلفي: سمعت أبا منصور قسطة الأرمني (¬g) والي الإسكندرية يقول:
كان عبد الرّحمن خطيب ثغر عسقلان يخطب بظاهر البلد في عيد من الأعياد، فقيل له قد قرب منّا العدوّ. فنزل عن المنبر، وقطع الخطبة. فبلغه أنّ قوما من العسكرية عابوا عليه فعله. فخطب في الجمعة الأخرى داخل البلد في الجامع خطبة بليغة قال فيها: «قد زعم (¬h) أنّ الخطيب فزع، وعن المنبر تزعزع (¬i) وليس ذلك عارا على الخطيب، فإنّما ترسه الطّيلسان، وحسامه اللّسان، وفرسه خشب لا تجري مع الفرسان. وإنّما العار على من تقلّد الحسام، وسنّ السّنان، وركب الجياد الحسان، وعند اللّقاء يصيح: إلى عسقلان» (٣).
стр. 2238
وكان قسطة هذا من عقلاء الأمراء المائلين إلى العدل، المثابرين على مطالعة الكتب (١)، وأكثر ميله إلى التّواريخ وسير المتقدّمين، وكان مسجده بعد مسجد شقيق الملك (٢). ومسجد الدّيلمي كان على قرنة الجبل المقابل للقلعة من شرقيها إلى البحري، وقبره قدّام الباب. وتربة ولخشي الأمير، والد السّلطان رضوان بن ولخشي المنعوت بالأفضل، كان من الأعيان الفضلاء الأدباء، ضرب على طريقة ابن البوّاب وأبي عليّ بن مقلة، وكتب عدّة ختمات، وكان كريما شجاعا يلقّب فحل الأمراء. وكانت هذه التّربة آخر الصّفّ.
ومسجد شقيق الملك الأستاذ خسروان، صاحب بيت المال، أضيف إلى سور القلعة البحري إلى الغرب قليلا (٣). ومسجد أمين الملك صارم الدّولة مفلح - صاحب المجلس الحافظي - كان بعد مسجد القاضي ابن أبي الحجّاج المعروف بمسجد عبد الجبّار، وهو في وسط القلعة، وبعده تربة لاون أخي يانس. ومسجد القاضي النّبيه كان لهمّام الدّولة غنّام، ومات رسولا ببلاد الرّوم (¬a)،
стр. 2239
أنشأه وشراه منه القاضي النّبيه، وقبره به، وكان القاضي من الأعيان (١). ذكر ذلك الشّريف النّسّابة.
وقال ابن عبد الظّاهر: أخبرني والدي قال: كنّا نطلع إليها - يعني إلى المساجد التي كانت موضع قلعة الجبل - قبل أن تسكن في ليالي الجمع، نبيت متفرّجين كما نبيت في جواسق الجبل والقرافة (٢).
قال كاتبه (¬a): وبالقلعة الآن مسجد الرّديني، وهو أبو الحسن عليّ بن مرزوق بن عبد اللّه الرّديني، الفقيه المحدّث المفسّر، كان معاصرا لأبي عمرو عثمان بن مرزوق الحوفي، وكان ينكر على أصحابه، وكانت كلمته مقبولة عند الملوك، وكان يأوي بمسجد سعد الدّولة ثم تحوّل منه إلى مسجد عرف بالرّديني، وهو الموجود الآن بداخل قلعة الجبل، وعليه وقف بالإسكندرية. وفي هذا المسجد قبر يزعمون أنّه قبره، وفي كتب المزارات بالقرافة أنّه دفن بها. وتوفّي سنة أربعين وخمس مائة وقبر بخطّ سارية شرقي تربة الكيزاني (¬b)، واشتهر قبره بإجابة الدّعاء عنده (¬c) (٣).
стр. 2240
ذكر بناء قلعة الجبل
وكان سبب بنائها أنّ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب لمّا أزال الدّولة الفاطميّة من مصر، واستبدّ بالأمر، لم يتحوّل من دار الوزارة بالقاهرة، ولم يزل يخاف على نفسه من شيعة الخلفاء الفاطميين بمصر، ومن الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي سلطان الشّام. فامتنع أوّلا من نور الدّين بأن سيّر أخاه الملك المعظّم شمس الدّولة توران شاه بن أيّوب، في سنة تسع وستين وخمس مائة، إلى بلاد اليمن لتصير له مملكة تعصمه من نور الدّين، فاستولى شمس الدّولة على ممالك اليمن (١).
وكفى اللّه تعالى صلاح الدّين أمر نور الدّين ومات في تلك السنة، فخلا له الجوّ وأمن جانبه.
وأحبّ أن يجعل لنفسه معقلا بمصر، فإنّه كان قد قسم القصرين بين أمرائه وأنزلهم فيهما. فيقال إنّ السّبب الذي دعاه إلى اختيار مكان قلعة الجبل، أنّه علّق اللّحم بالقاهرة فتغيّر بعد يوم وليلة، فعلّق لحم حيوان آخر في موضع القلعة فلم يتغيّر إلاّ بعد يومين وليلتين، فأمر حينئذ بإنشاء قلعة هناك وأقام على عمارتها الأمير الطّواشي (¬a) بهاء الدّين قراقوش الأسدي. فشرع في بنائها، وبنى سور القاهرة الذي زاده في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة، وهدم ما كان (¬b) من المساجد، وأزال القبور، وهدم الأهرامات (¬c) الصّغار التي كانت بالجيزة تجاه مدينة (¬a) مصر - وكانت كثيرة العدد - ونقل ما وجد بها من الحجارة، وبنى به السّور والقلعة وقناطر الجيزة، وقصد أن يجعل السّور يحيط بالقاهرة والقلعة ومصر، فمات السّلطان قبل أن يتمّ الغرض من السّور والقلعة (٢). فأهمل
стр. 2241
العمل إلى أن كانت سلطنة الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب أسكن ابنه الملك الكامل ناصر الدّين محمد (¬a) في قلعة الجبل، واستنابه في مملكة مصر وجعله وليّ عهده (¬b). فأتمّ بناء القلعة، وأنشأ بها الآدرّ السّلطانية وذلك في سنة أربع وستّ مائة. وما برح يسكنها حتى مات، فاستمرّت من بعده دار مملكة مصر إلى يومنا.
وقد كان السّلطان صلاح الدّين يوسف يقيم بها أيّاما، وسكنها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين في أيّام أبيه مدّة، ثم انتقل منها إلى دار الوزارة.
(¬c)) قال العلاّمة محيي الدّين أبو الفضل عبد اللّه بن عبد الظّاهر بن نشوان في كتاب «خطط القاهرة» ومنه نقلت: قلعة الجبل كان قبل بنائها بها مساجد ولبعضها أوقاف منها مسجد له وقف بالإسكندرية، تولّى عمارتها قراقوش وابتدأ بذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة (¬c).
وسمعت حكاية تحكى/ عن صلاح الدّين أنّه طلعها ومعه أخوه الملك العادل، فلمّا رآها التفت إلى أخيه وقال: يا سيف الدّين قد بنيت هذه القلعة لأولادك. فقال: يا خوند منّ اللّه عليك أنت وأولادك وأولاد أولادك بالدّنيا. فقال: ما فهمت ما قلت لك، أنا نجيب ما يأتي لي أولاد نجباء، وأنت غير نجيب فأولادك يكونون نجباء! فسكت (١).
قال كاتبه (¬d): وهذا الذي ذكره صلاح الدّين يوسف من انتقال الملك عنه إلى أخيه وأولاد أخيه، ليس هو خاصّا بدولته، بل اعتبر ذلك في الدّول تجد الأمر ينتقل عن أولاد القائم بالدّولة إلى بعض أقاربه. هذا رسول اللّه ﷺ ، هو القائم بالملّة الإسلامية، ولمّا توفّي ﷺ ، انتقل أمر القيام بالملّة الإسلامية بعده إلى أبي بكر الصّدّيق ﵁، واسمه عبد اللّه بن عثمان بن
стр. 2242
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم (¬a) بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. فهو ﵁ يجتمع مع النّبي ﷺ في مرّة بن كعب.
ثم لمّا انتقل الأمر بعد الخلفاء الرّاشدين ﵃ إلى بني أميّة، كان القائم بالدّولة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة، فلم تفلح أولاده، وصارت الخلافة إلى مروان بن الحكم بن أبي (¬b) العاص بن أميّة، فتوارثها بنو مروان حتى انقضت دولتهم بقيام بني العبّاس.
فكان أوّل من قام من بني العبّاس عبد اللّه بن محمد السّفّاح، ولمّا مات انتقلت الخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، واستقرّت في بنيه إلى أن انقرضت الدّولة العبّاسيّة من بغداد.
وكذا وقع في دول العجم أيضا؛ فأوّل ملوك بني بويه عماد الدّين أبو عليّ الحسن (¬c)) عليّ بن أبي شجاع (¬c) بويه، والقائم من بعده أخوه ركن الدّولة أبو علي الحسن بن بويه. وأوّل ملوك بني سلجوق طغرلبك، والقائم من بعده في السّلطنة ابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق.
وأوّل قائم بدولة بني أيّوب السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب؛ ولمّا مات اختلف أولاده، فانتقل ملك مصر والشّام وديار بكر والحجاز واليمن إلى أخيه الملك العادل أبي بكر محمد (¬b) بن أيّوب، واستمرّ فيهم إلى أن انقرضت الدّولة الأيّوبية (١)، فقام بمملكة مصر المماليك الأتراك. وأوّل من قام منهم بمصر الملك المعزّ أيبك، فلمّا مات لم يفلح ابنه عليّ، فصارت المملكة إلى قطز.
وأوّل من قام بالدّولة الجركسيّة الملك الظّاهر برقوق، وانتقلت المملكة من بعد ابنه الملك النّاصر فرج إلى الملك المؤيّد شيخ المحمودي الظّاهري (٢).
стр. 2243
وقد جمعت في هذا فصلا كبيرا، وقلّما تجد الأمر بخلاف ما قلته لك، وللّه عاقبة الأمور.
قال ابن عبد الظّاهر: والملك الكامل هو الذي اهتمّ بعمارتها وعمارة أبراجها، البرج الأحمر وغيره، فكملت في سنة أربع وستّ مائة، وتحوّل إليها من دار الوزارة، ونقل إليها أولاد العاضد وأقاربه وسجنهم في بيت فيها. فلم يزالوا به (¬a) إلى أن حوّلوا منه في سنة إحدى وسبعين وستّ مائة (١).
قال: وفي أواخر (¬b) سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة، شرع السّلطان الملك المنصور قلاوون في عمارة برج عظيم على جانب باب السّرّ الكبير، وبنى علوّه مشترفات وقاعات مرخّمة لم ير مثلها، وسكنها في صفر سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة. ويقال إنّ قراقوش كان يستعمل في بناء القلعة والسّور خمسين ألف أسير (٢).
البئر التي بالقلعة
هذه البئر من العجائب، استنبطها قراقوش: قال ابن عبد الظّاهر: وهذه البئر من عجائب الأبنية: تدور البقر من أعلاها فتنقل الماء من نقّالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء
стр. 2244
من أسفلها، ولها طريق إلى الماء تنزل (¬a) البقر إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء.
وقيل إنّ أرضها مسامتة أرض بركة الفيل، وماؤها عذب؛ سمعت من يحكي من المشايخ أنّها لما نقرت جاء ماؤها حلوا، فأراد قراقوش - أو نوّابه - الزّيادة في مائها، فوسّع نقر الجبل، فخرجت منه عين مالحة غيرت حلاوتها.
وذكر القاضي ناصر الدّين شافع بن عليّ في كتاب «عجائب البنيان» أنّه ينزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلاث مائة درجة (١).
стр. 2245
ذكر صفة القلعة (١)
وصفة «قلعة الجبل» أنّها بناء على نشز عال، يدور بها سور من حجر بأبراج وبدنات حتى تنتهي إلى القصر الأبلق (¬a)، ثم من هناك يتّصل بالدّور السّلطانية على غير أوضاع أبراج القلاع (¬b).