العمل إلى أن كانت سلطنة الملك العادل سيف الدّين أبي بكر بن أيّوب أسكن ابنه الملك الكامل ناصر الدّين محمد (¬a) في قلعة الجبل، واستنابه في مملكة مصر وجعله وليّ عهده (¬b). فأتمّ بناء القلعة، وأنشأ بها الآدرّ السّلطانية وذلك في سنة أربع وستّ مائة. وما برح يسكنها حتى مات، فاستمرّت من بعده دار مملكة مصر إلى يومنا.
وقد كان السّلطان صلاح الدّين يوسف يقيم بها أيّاما، وسكنها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدّين في أيّام أبيه مدّة، ثم انتقل منها إلى دار الوزارة.
(¬c)) قال العلاّمة محيي الدّين أبو الفضل عبد اللّه بن عبد الظّاهر بن نشوان في كتاب «خطط القاهرة» ومنه نقلت: قلعة الجبل كان قبل بنائها بها مساجد ولبعضها أوقاف منها مسجد له وقف بالإسكندرية، تولّى عمارتها قراقوش وابتدأ بذلك في سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة (¬c).
وسمعت حكاية تحكى/ عن صلاح الدّين أنّه طلعها ومعه أخوه الملك العادل، فلمّا رآها التفت إلى أخيه وقال: يا سيف الدّين قد بنيت هذه القلعة لأولادك. فقال: يا خوند منّ اللّه عليك أنت وأولادك وأولاد أولادك بالدّنيا. فقال: ما فهمت ما قلت لك، أنا نجيب ما يأتي لي أولاد نجباء، وأنت غير نجيب فأولادك يكونون نجباء! فسكت (١).
قال كاتبه (¬d): وهذا الذي ذكره صلاح الدّين يوسف من انتقال الملك عنه إلى أخيه وأولاد أخيه، ليس هو خاصّا بدولته، بل اعتبر ذلك في الدّول تجد الأمر ينتقل عن أولاد القائم بالدّولة إلى بعض أقاربه. هذا رسول اللّه ﷺ ، هو القائم بالملّة الإسلامية، ولمّا توفّي ﷺ ، انتقل أمر القيام بالملّة الإسلامية بعده إلى أبي بكر الصّدّيق ﵁، واسمه عبد اللّه بن عثمان بن
стр. 2242
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم (¬a) بن مرّة بن كعب بن لؤيّ. فهو ﵁ يجتمع مع النّبي ﷺ في مرّة بن كعب.
ثم لمّا انتقل الأمر بعد الخلفاء الرّاشدين ﵃ إلى بني أميّة، كان القائم بالدّولة الأمويّة معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أميّة، فلم تفلح أولاده، وصارت الخلافة إلى مروان بن الحكم بن أبي (¬b) العاص بن أميّة، فتوارثها بنو مروان حتى انقضت دولتهم بقيام بني العبّاس.
فكان أوّل من قام من بني العبّاس عبد اللّه بن محمد السّفّاح، ولمّا مات انتقلت الخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، واستقرّت في بنيه إلى أن انقرضت الدّولة العبّاسيّة من بغداد.
وكذا وقع في دول العجم أيضا؛ فأوّل ملوك بني بويه عماد الدّين أبو عليّ الحسن (¬c)) عليّ بن أبي شجاع (¬c) بويه، والقائم من بعده أخوه ركن الدّولة أبو علي الحسن بن بويه. وأوّل ملوك بني سلجوق طغرلبك، والقائم من بعده في السّلطنة ابن أخيه ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق.
وأوّل قائم بدولة بني أيّوب السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب؛ ولمّا مات اختلف أولاده، فانتقل ملك مصر والشّام وديار بكر والحجاز واليمن إلى أخيه الملك العادل أبي بكر محمد (¬b) بن أيّوب، واستمرّ فيهم إلى أن انقرضت الدّولة الأيّوبية (١)، فقام بمملكة مصر المماليك الأتراك. وأوّل من قام منهم بمصر الملك المعزّ أيبك، فلمّا مات لم يفلح ابنه عليّ، فصارت المملكة إلى قطز.
وأوّل من قام بالدّولة الجركسيّة الملك الظّاهر برقوق، وانتقلت المملكة من بعد ابنه الملك النّاصر فرج إلى الملك المؤيّد شيخ المحمودي الظّاهري (٢).
стр. 2243
وقد جمعت في هذا فصلا كبيرا، وقلّما تجد الأمر بخلاف ما قلته لك، وللّه عاقبة الأمور.
قال ابن عبد الظّاهر: والملك الكامل هو الذي اهتمّ بعمارتها وعمارة أبراجها، البرج الأحمر وغيره، فكملت في سنة أربع وستّ مائة، وتحوّل إليها من دار الوزارة، ونقل إليها أولاد العاضد وأقاربه وسجنهم في بيت فيها. فلم يزالوا به (¬a) إلى أن حوّلوا منه في سنة إحدى وسبعين وستّ مائة (١).
قال: وفي أواخر (¬b) سنة اثنتين وثمانين وستّ مائة، شرع السّلطان الملك المنصور قلاوون في عمارة برج عظيم على جانب باب السّرّ الكبير، وبنى علوّه مشترفات وقاعات مرخّمة لم ير مثلها، وسكنها في صفر سنة ثلاث وثمانين وستّ مائة. ويقال إنّ قراقوش كان يستعمل في بناء القلعة والسّور خمسين ألف أسير (٢).
البئر التي بالقلعة
هذه البئر من العجائب، استنبطها قراقوش: قال ابن عبد الظّاهر: وهذه البئر من عجائب الأبنية: تدور البقر من أعلاها فتنقل الماء من نقّالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء
стр. 2244
من أسفلها، ولها طريق إلى الماء تنزل (¬a) البقر إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء.
وقيل إنّ أرضها مسامتة أرض بركة الفيل، وماؤها عذب؛ سمعت من يحكي من المشايخ أنّها لما نقرت جاء ماؤها حلوا، فأراد قراقوش - أو نوّابه - الزّيادة في مائها، فوسّع نقر الجبل، فخرجت منه عين مالحة غيرت حلاوتها.
وذكر القاضي ناصر الدّين شافع بن عليّ في كتاب «عجائب البنيان» أنّه ينزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلاث مائة درجة (١).
стр. 2245
ذكر صفة القلعة (١)
وصفة «قلعة الجبل» أنّها بناء على نشز عال، يدور بها سور من حجر بأبراج وبدنات حتى تنتهي إلى القصر الأبلق (¬a)، ثم من هناك يتّصل بالدّور السّلطانية على غير أوضاع أبراج القلاع (¬b).
стр. 2246
ويدخل إلى القلعة من بابين: أحدهما بابها الأعظم المواجه للقاهرة - ويقال له «الباب المدرّج» (١) - وبداخله يجلس والي القلعة، ومن خارجه تدقّ الخليلية (٢) قبل المغرب. والباب الثّاني «باب القرافة» (٣). وبين البابين ساحة فسيحة في جانبيها [قبلة بشرق وشمالا بغرب] بيوت (¬a)، وبجانبها القبلي سوق للمآكل.
ويتوصّل من هذه السّاحة إلى «دركاه» (٤) جليلة كان يجلس بها الأمراء حتى يؤذن لهم بالدّخول، وفي وسط الدّركاه باب القلّة (¬b)، ويدخل منه في دهليز فسيح إلى ديار وبيوت، وإلى
стр. 2247
الجامع الذي تقام به الجمعة. ويمشي من دهليز باب القلّة (¬a) في مداخل أبواب، إلى رحبة فسيحة في صدرها «الإيوان الكبير» المعدّ لجلوس السّلطان في يوم المواكب وإقامة «دار/ العدل»، وبجانب هذه الرّحبة ديار جليلة، وفي مجنّبته ممرّ (¬b) إلى باب «القصر الأبلق» (١).
وبين يدي باب القصر رحبة دون الأولى يجلس بها خواصّ الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة الدائمة بالقصر. وكان بجانب هذه الرّحبة، محاذيا لباب القصر، خزانة الخاصّ (¬c). ويدخل من باب القصر في دهاليز حشمة (¬d) إلى قصر عظيم، ويتوصّل منه إلى الإيوان الكبير بباب خاصّ، ويدخل منه أيضا إلى قصور ثلاثة جوّانيّة، منها واحد مسامت لأرض هذا القصر الكبير واثنان مرفوعان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تخترق إلى مثل منظر القصر الكبير، ثم إلى دور الحرم وأبواب السّتور السّلطانية وإلى البستان والحمّام والحوش.
وباقي القلّة (¬e) فيه دور ومساكن للمماليك السّلطانية وخواصّ الأمراء بنسائهم وأولادهم ومماليكهم ودواوينهم وطشت خاناتهم وفرش خاناتهم وشرب خاناتهم ومطابخهم وسائر وظائفهم.
وكانت أكابر أمراء الألوف، وأعيان أمراء الطّبلخاناه والعشراوات، تسكن بالقلعة إلى آخر الأيّام النّاصريّة محمد بن قلاوون.
وكان بها أيضا «طباق» المماليك السّلطانيّة و «دار الوزارة» - وتعرف بقاعة الصّاحب - وبها قاعة الإنشاء وديوان الجيوش (¬f) وبيت المال وخزانة الخاصّ، وبها الدّور السّلطانيّة من الطّشت خاناه والرّكاب خاناه والحوائج خاناه والزّردخاناه (٢).
وكان بها «الجبّ» الشّنيع لسجن الأمراء، وبها «دار النّيابة»، وبها عدّة أبراج يحبس بها الأمراء والمماليك، وبها المساجد والحوانيت والأسواق، وبها مساكن تعرف بحوانيت (¬g) التّتر كانت قدر حارة خرّبها الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وثمان مائة.
стр. 2248
ومن حقوق القلعة «الإسطبل السّلطاني» (١)، وكان ينزل إليه السّلطان من جانب إيوان القصر.
ومن حقوقها أيضا «الميدان»، وهو فاصل بين الإسطبلات وسوق الخيل من غربيه، وهو فسيح المدى، وفيه يصلّي السّلطان صلاة العيدين، وفيه يلعب بالأكرة مع خواصّه، وفيه تعمل المدّات أوقات المهمّات أحيانا.
ومن رأى القصور والإيوان الكبير والميدان الأخضر والجامع، يقرّ لملوك مصر بعلوّ الهمم وسعة الإنفاق والكرم (¬a) (٢).
باب الدّرفيل
هذا الباب بجانب خندق القلعة، ويعرف أيضا بباب المدرّج، وكان يعرف قديما بباب سارية (٣). ويتوصّل إليه من تحت دار الضّيافة، وينتهى منه إلى [باب] القرافة، وهو فيما بين سور القلعة والجبل (٤).
стр. 2249
والدّرفيل هو الأمير حسام الدّين لاجين الأيدمري، المعروف بالدّرفيل، دوادار الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، مات في سنة اثنتين وسبعين وستّ مائة (¬a) (١).
دار العدل القديمة
هذه الدّار موضعها الآن تحت القلعة يعرف ب «الطّبلخاناه» (٢). والذي بنى دار العدل الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري في سنة إحدى وستين وستّ مائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر في كلّ اثنين وخميس (٣).
وابتدأ بالحضور في أوّل سنة اثنتين وستين وستّ مائة. فوقف إليه ناصر الدّين محمد بن أبي نصر، وشكا أنّه أخذ له بستان في الأيّام المعزّية أيبك، وهو بأيدي المقطعين، وأخرج كتابا مثبوتا (¬b)، وإخراج حال (¬c) من ديوان الجيش يشهد بأنّ البستان ليس من حقوق الدّيوان. فأمر بردّه عليه، فتسلّمه (٤).
стр. 2250
وأحضرت مرافعة في ورقة مختومة، رفعها خادم أسود في مولاه القاضي شمس الدّين (¬a) شيخ الحنابلة، تضمّنت أنّه يبغض السّلطان ويتمنّى زوال دولته، فإنّه لم يجعل للحنابلة مدرّسا في المدرسة التي أنشأها بخطّ بين القصرين، ولم يولّ قاضيا حنبليّا، وذكر عنه أمورا قادحة. فبعث السّلطان الورقة إلى الشّيخ، فحضر إليه وحلف أنّه ما جرى منه شيء، وأنّ هذا الخادم طردته فاختلق عليّ ما قال. فقبل السّلطان عذره، وقال: ولو شتمتني أنت في حلّ. وأمر بضرب الخادم فضرب (¬b) مائة عصا (١).
وغلت الأسعار بمصر حتى بلغ إردبّ القمح نحو مائة درهم وعدم الخبز، فنادى السّلطان في الفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة، ونزل في يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها، وجلس بدار العدل هذه، ونظر في أمر السّعر، وأبطل التّسعير، وكتب مرسوما إلى الأمراء ببيع خمس مائة إردبّ، في كلّ يوم ما بين ويبتين (¬c) إلى ما دونهما، حتى لا يشتري الخزّان شيئا، وأن يكون البيع للضّعفاء والأرامل فقط دون من عداهم. وأمر الحجّاب فنزلوا تحت القلعة، وكتبوا أسماء الفقراء الذين تجمّعوا بالرّميلة (٢)، وبعث إلى كلّ جهة من جهات القاهرة ومصر وضواحيهما حاجبا لكتابة أسماء الفقراء، وقال: واللّه لو كان عندي غلّة تكفي هؤلاء لفرّقتها.
стр. 2251
ولمّا انتهى إحصاء (¬a) الفقراء أخذ منهم لنفسه ألوفا، وجعل باسم ابنه الملك السّعيد ألوفا، وأمر ديوان الجيش فوزّع باقيهم وجعل (¬b) على كلّ أمير من الفقراء بعدّة رجاله، ثم فرّق ما بقي على الأجناد ومفاردة الحلقة والمقدّمين والبحريّة، وجعل طائفة التّركمان ناحية، وطائفة الأكراد ناحية، وقرّر لكلّ واحد من الفقراء كفايته لمدّة ثلاثة أشهر (١).
فلمّا تسلّم الأمراء والأجناد ما خصّهم من الفقراء، فرّق من بقي منهم على الأكابر والتّجّار والشّهود، وعيّن لأرباب الزّوايا مائة إردبّ قمح في كلّ يوم، تخرج من الشّون السّلطانية إلى جامع أحمد بن طولون، وتفرّق من هناك. ثم قال: «هؤلاء المساكين الذين جمعناهم اليوم ومضى النّهار لا بدّ لهم من شيء». وأمر ففرّق في كلّ منهم نصف درهم ليتقوّت به في يومه، ويستمرّ له من الغد ما تقرّر. فأنفق فيهم/ جملة مال، وأعطى للصّاحب بهاء الدّين عليّ بن محمد بن حنّا طائفة كبيرة من العميان، وأخذ الأتابك سيف الدّين أقطاي طائفة التّركمان.
ولم يبق أحد من الخواصّ والأمراء والحواشي ولا من الحجّاب والولاة وأرباب المناصب وذوي المراتب وأصحاب الأموال حتى أخذ جماعة من الفقراء على قدر حاله. وقال السّلطان للأمير صارم الدّين (¬c) المسعودي - والي القاهرة: «خذ مائة فقير وأطعمهم للّه تعالى». فقال: نعم وأخذتهم دائما. فقال له السّلطان: «هذا شيء فعلته ابتداء من نفسك، وهذه المائة خذها لأجلي». فقال للسّلطان: السّمع والطّاعة، وأخذ مائة فقير زيادة على المائة التي عيّنت له (٢).
وانقضى النّهار في هذا العمل، وشرع النّاس في فتح الشّون والمخازن وتفرقة الصّدقات على الفقراء. فنزل سعر القمح، ونقص الإردب عشرين درهما، وقلّ وجود الفقراء، إلى أن دخل (¬d) شهر رمضان، وجاء المغلّ الجديد، فأوّل يوم أبيع الجديد نقص سعر إردبّ القمح أربعين درهما ورقا.
стр. 2252
وفي اليوم الذي جلس فيه السّلطان بدار العدل للنّظر في أمور الأسعار، قرئت عليه قصّة ضمان دار الضّرب، وفيها أنّه قد توقّفت الدّراهم، وسألوا إبطال النّاصريّة فإنّ ضمانهم بمبلغ مائتي ألف وخمسين ألف درهم. فوقّع عليها «يحطّ عنهم منها مبلغ خمسين ألف درهم»، وقال: «نحطّ هذا، ولا نؤذي النّاس في أموالهم» (١).
وفي مستهل شهر رجب منها جلس أيضا بدار العدل، فوقف له بعض الأجناد بصغير يتيم ذكر أنّه وصيّه، وشكا من قضيّة؛ فقال السّلطان لقاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ: إنّ الأجناد إذا مات أحد منهم استولى خوشداشه (¬a) على موجوده، فيموت الوصيّ ويكبر اليتيم فلا يجد له مالا. وتقدّم إليه ألاّ يمكّن وصيّا من الانفراد بتركة ميّت، ولكن يكون نظر القاضي شاملا له، وتصير أموال الأيتام مضبوطة بأمناء الحكم، ثم إنّه استدعى نقباء العساكر وأمرهم بذلك، فاستمرّ الحال فيه على ما ذكر (٢).
وفي خامس عشرين شعبان سنة ثلاث وستين وستّ مائة جلس بدار العدل، واستدعى تاج الدّين ابن القرطي (¬b)، وقال له: قد أضجرتني ممّا تقول عندي مصالح لبيت المال، فتحدّث الآن بما عندك. فتكلّم في حقّ قاضي القضاة تاج الدّين، وفي حقّ متولّي جزيرة سواكن، وفي حقّ الأمراء وأنّهم إذا مات منهم أحد أخذ ورثته أكثر من استحقاقهم، فأنكر عليه وأمر بحبسه.
وتحدّث السّلطان في أمر الأجناد، وأنّه إذا مات أحدهم في مواطن الجهاد لا يصل إليه شاهد حتى يشهد عليه بوصيّته، وأنّه يشهد بعض أصحابه، فإذا حضر إلى القاهرة لا تقبل شهادته - وكان الجندي في ذلك الوقت لا تقبل شهادته - فرأى السّلطان أنّ كلّ أمير يعيّن من جماعته عدّة ممّن يعرف خبره ودينه ليسمع قولهم، وألزم مقدّمي الأجناد بذلك. فشرع قاضي القضاة في اختيار رجال جياد من الأجناد، وعيّنهم لقبول شهادتهم. ففرحت العساكر بذلك.
وجلس أيضا في تاسع عشرينه بدار العدل. فوقف له شخص، وشكا أنّ الأملاك الدّيوانية لا يمكّن أحد من سكّانها أن ينتقل منها. فأنكر السّلطان ذلك، وأمر أنّ من انقضت مدّة إجارته وأراد الخلوّ، فلا يمنع من ذلك. وله في ذلك عدّة أخبار كلّها صالحة.
стр. 2253
وما برحت دار العدل هذه باقية إلى أن استجدّ السّلطان الملك المنصور قلاوون الإيوان، فهجرت دار العدل هذه إلى أن كانت سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة، هدمها (¬a) السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وعمل موضعها الطّبلخاناه، فاستمرّت طبلخاناه إلى يومنا (١).
إلاّ أنّه كان في أيّام عمارتها إنّما يجلس بها دائما في أيّام الجلوس نائب دار العدل، ومعه القضاة وموقّع دار العدل والأمراء، فينظر نائب دار العدل في أمور المتظلّمين، وتقرأ عليه القصص. وكان الأمر على ذلك في أيّام الظّاهر بيبرس، وأيّام ابنه الملك السّعيد بركة، ثم أيّام الملك المنصور قلاوون (¬b).
الإيوان المعروف بدار العدل
هذا الإيوان أنشأه السّلطان الملك المنصور قلاوون الألفي الصّالحي النّجمي (¬c)، ثم جدّده ابنه السّلطان الملك الأشرف خليل، واستمرّ جلوس نائب دار العدل به. فلمّا عمل الملك النّاصر محمد بن قلاوون الرّوك، أمر بهدم هذا الإيوان فهدم، وأعاد بناءه على ما هو عليه الآن وزاد فيه، وأنشأ به قبّة جليلة (٢)، وأقام به عمدا عظيمة نقلها إليه من بلاد الصّعيد ورخّمه (¬d)) رخاما عظيما (¬d)، ونصب في صدره سرير الملك وعمله من العاج والآبنوس، ورفع سمك هذا الإيوان، وعمل أمامه دركاه (¬e) فسيحة مبلّطة (¬f) (٣).
стр. 2254
وجعل بالإيوان باب سرّ يدخل منه إلى القصر، وعمل بباب الإيوان حديدا مسبوكا (¬a) بصناعة بديعة تمنع الدّاخل إليه، وله باب منه يغلق، فإذا أراد أن يجلس فتح حتى ينظر منه ومن تخاريم الحديد بقيّة العسكر الواقفين بساحة الإيوان. وقرّر للجلوس فيه بنفسه يوم الاثنين ويوم الخميس، فاستمرّ الأمر على ذلك.
وكان أوّلا دون ما هو اليوم، فوسّع في قبّته، وزاد في ارتفاعه، وجعل قدّامه دركاه كبيرة، فجاء من أعظم المباني الملوكية (١).
وأوّل ما جلس فيه عند انتهاء عمل الرّوك، بعد ما رسم لنقيب الجيش أن يستدعي سائر الأجناد. فلمّا تكامل حضورهم/ جلس، وعيّن أن يحضر في كلّ يوم مقدّما ألوف بمضافيهما. فكان المقدّم يقف بمضافيه، ويستدعي من تقدمته بمضافيه على قدر منازلهم.
فيتقدّم الجنديّ إلى السّلطان فيسأله: أنت ابن من ومملوك من؟ ثم يعطيه مثالا (٢). واستمرّ على ذلك من مستهلّ المحرّم سنة خمس عشرة وسبع مائة إلى مستهلّ صفر منها. وما برح بعد ذلك يواظب على الجلوس به في يومي الاثنين والخميس، وعنده أمراء الدّولة والقضاة والوزير وكاتب السّر وناظر الجيش وناظر الخاصّ وكتّاب الدّست، وتقف الأجناد بين يديه على قدر أقدارهم.
стр. 2255
فلمّا مات الملك النّاصر، اقتدى به في ذلك أولاده من بعده، واستمرّوا على الجلوس بالإيوان، (¬a)) ولم تزل به الخدمة مستمرّة لا يمكن تأخيرها إلاّ عند سفر السّلطان أو مرضه أو خلوّ التّخت من ملك (¬a)، إلى أن استبدّ بمملكة مصر الملك الظّاهر برقوق، فالتزم ذلك أيضا إلاّ أنّه صار يجلس فيه إذا طلعت الشّمس جلوسا يسيرا يقرأ عليه فيه بعض قصص لا لمعنى سوى إقامة رسوم المملكة فقط (١).
وكان من قبله من الملوك بني قلاوون إنّما يجلسون بالإيوان سحرا على الشّمع، وكان موضع جلوس السّلطان في الإيوان للنّظر في المظالم. فأعرض الملك الظّاهر عن ذلك، وجعل لنفسه يومين يجلس فيهما بالإسطبل السّلطاني (٢) للحكم بين النّاس - كما سيأتي ذكره عن قريب إن شاء اللّه تعالى (٣) - وصار الإيوان في الأيّام الظّاهرية برقوق، وأيّام ابنه الملك النّاصر فرج وأيّام الملك المؤيّد شيخ، إنّما هو شيء من بقايا الرّسوم الملوكية لا غير.
ذكر النّظر في المظالم - اعلم أنّ النّظر في المظالم عبارة عن قود المتظالمين إلى التّناصف بالرّهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة. وكان من شرط (¬b) النّاظر في المظالم أن يكون جليل القدر، نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفّة، قليل الطّمع، كثير الورع. لأنّه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة وتثبّت القضاة، فيحتاج الجمع بين صفتي الفريقين، وأن يكون بجلالة القدر نافذ الأمر في الجهتين. وهي خطّة حدثت لفساد النّاس، وهي كلّ حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو أقوى منه يدا.
وأوّل من نظر في المظالم من الخلفاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه تعالى عنه.
وأوّل من أفرد للظّلامات يوما يتصفّح فيه قصص المتظلّمين، من غير مباشرة النّظر، عبد الملك بن مروان. فكان إذا وقف منها على مشكل أو احتاج فيها إلى حكم، ينفذ ردّه إلى قاضيه (¬c) ابن إدريس الأودي (¬d) فينفذ فيه أحكامه. وكان ابن إدريس هو المباشر، وعبد الملك الآمر. ثم زاد الجور فكان عمر بن عبد العزيز ﵀ أوّل من ندب نفسه للنّظر في المظالم فردّها.
стр. 2256
ثم جلس لها خلفاء بني العبّاس، وأوّل من جلس منهم المهدي محمد، ثم الهادي موسى، ثم الرّشيد هارون، ثم عبد اللّه المأمون، وآخر من جلس منهم المهتدي باللّه محمد بن الواثق.
وأوّل من أعلم أنّه جلس بمصر من الأمراء للنّظر في المظالم الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون، فكان يجلس لذلك يومين في الأسبوع. فلمّا مات وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، جعل على المظالم بمصر محمد بن عبدة بن حرب، في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائتين. ثم جلس لذلك الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدي، وابتدأ ذلك في سنة أربعين وثلاث مائة - وهو يومئذ خليفة الأمير أبي القاسم أونوجور بن الإخشيد - فعقد مجلسا صار يجلس فيه كلّ يوم سبت، ويحضر عنده الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات وسائر القضاة والفقهاء والشّهود ووجوه البلد. وما برح على ذلك مدّة أيّامه بمصر إلى أن مات، فلم ينتظم أمر مصر بعده، إلى أن قدم القائد أبو الحسين جوهر بجيوش الإمام (¬a) المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فكان يجلس للنّظر في المظالم، ويوقّع على رقاع المتظلّمين. فمن توقيعاته بخطّه على قصّة رفعت إليه:
«سوء الاجترام أوقع بكم طول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الذمام. فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاجتناب، لأنّكم بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعدّيتم. فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة تقتضي إلاّ الذّم لكم، والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين - (¬b) صلوات اللّه عليه (¬b) - رأيه فيكم» (١).
ولمّا قدم المعزّ لدين اللّه إلى مصر، وصارت دار خلافة، استقرّ النّظر في المظالم مدّة يضاف إلى قاضي القضاة، وتارة ينفرد بالنّظر فيه أحد عظماء الدّولة. فلمّا ضعف جانب المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر، وكانت الشّدّة العظمى بمصر، قدم أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القاهرة وولي الوزارة، فصار أمر الدّولة كلّه راجعا إليه، واقتدى به من بعده من الوزراء. وكان الرّسم في ذلك أنّ الوزير ربّ (¬c) السّيف يجلس للمظالم بنفسه، ويجلس قبالته قاضي القضاة وبجانبه شاهدان معتبران، ويجلس بجانب الوزير الموقّع بالقلم الدّقيق، ويليه صاحب ديوان المال، ويقف
стр. 2257
بين يدي الوزير صاحب الباب وإسفهسلار العساكر، وبين أيديهما الحجّاب والنّوّاب على طبقاتهم، ويكون هذا الجلوس يومين في الأسبوع (١). وآخر من تقلّد المظالم في الدّولة الفاطمية، رزّيك ابن الوزير الأجلّ الملك/ الصّالح طلائع بن رزّيك في وزارة أبيه، وكتب له سجلّ عن الخليفة منه:
«وقد قلّدك أمير المؤمنين النّظر في المظالم، وإنصاف المظلوم من الظّالم» (٢).
وكانت الدّولة إذا خلت من وزير صاحب سيف، جلس للنّظر في المظالم صاحب الباب في باب الذّهب من القصر، وبين يديه الحجّاب والنّقباء، وينادي مناد بحضرته: يا أرباب الظّلامات، فيحضرون إليه: فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة أو القضاة رسالة بكشفها. ومن تظلّم من أهل النّواحي التي خارج القاهرة ومصر، فإنّه يحضر قصّة فيها شرح ظلامته، فيتسلّمها الحاجب منه حتى تجتمع القصص، فيدفعها إلى الموقّع بالقلم الدّقيق فيوقّع عليها. ثم تحمل بعد توقيعه عليها إلى الموقّع بالقلم الجليل، فيبسط ما أشار إليه الموقّع بالقلم الدّقيق. ثم تحمل التّواقيع في خريطة إلى ما بين يدي الخليفة فيوقّع عليها. ثم تخرج في خريطتها إلى الحاجب، فيقف على باب القصر، ويسلّم كلّ توقيع لصاحبه (¬a) (٣).
وأوّل من بنى دار العدل من الملوك السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي بدمشق عندما بلغه تعدّي ظلم نوّاب أسد الدّين شيركوه بن شاذي إلى الرّعيّة، وظلمهم النّاس، وكثرة شكواهم إلى القاضي كمال الدّين الشّهرزوري وعجزه عن مقاومتهم. فلمّا بنيت دار العدل أحضر شير كوه نوّابه وقال: إنّ نور الدّين ما أمر ببناء هذه الدّار إلاّ بسببي، واللّه لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحدكم (¬b) لأصلّبنّه، فامضوا إلى كلّ من كان بينكم وبينه منازعة في ملك أو غيره فافصلوا الحال معه وأرضوه بكلّ طريق أمكن ولو أتى على جميع ما بيدي؛ فقالوا: إنّ النّاس إذا علموا بذلك اشتطّوا في الطّلب. فقال: خروج (¬c) أملاكي من يدي أسهل عليّ من أن يراني
стр. 2258
نور الدّين بعين أنّي ظالم، أو يساوي بيني وبين أحد من العامّة في الحكومة. فخرج أصحابه وعملوا ما أمرهم به من إرضاء أخصامهم، وأشهدوا عليهم (١).
فلمّا جلس نور الدّين بدار العدل في يومين من الأسبوع، وحضر عنده القاضي والفقهاء، أقام مدّة لم يحضر أحد يشكو شيركوه. فسأل عن ذلك فعرّف بما جرى منه ومن نوّابه فقال: «الحمد للّه الذي جعل أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا» (٢).
وجلس أيضا السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، في يومي الاثنين والخميس، لإظهار العدل. ولمّا تسلطن الملك المعزّ عزّ الدّين (¬a) أيبك التّركماني، أقام الأمير علاء الدّين أيدكين البندقداري في نيابة السّلطنة بديار مصر (٣). فواظب الجلوس بالمدارس (¬b) الصّالحيّة بين القصرين ومعه نوّاب دار العدل، ليرتّب الأمور وينظر في المظالم. فنادى بإراقة الخمور، وأبطل (¬c) ما عليها من المقرّر.
وكان قد كثر الإرجاف بمسير الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن العزيز محمد بن الظّاهر غازي ابن السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب صاحب الشّام، لأخذ مصر. فلمّا انهزم الملك النّاصر، واستبدّ الملك المعزّ أيبك، أحدث وزيره من المكوس شيئا كثيرا (٤).
ثم إنّ الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري بنى دار العدل، وجلس بها للنّظر في المظالم كما تقدّم. فلمّا بنى الإيوان الملك النّاصر محمد بن قلاوون، واظب الجلوس يوم الاثنين والخميس فيه، وصار يفصل فيه المحاكمات (¬d) في الأحايين إذا أعيى من دونه فصلها (٥).
стр. 2259
فلمّا استبدّ الملك الظّاهر برقوق بالسّلطنة، عقد لنفسه مجلسا بالإسطبل السّلطاني من قلعة الجبل، وجلس فيه يوم الأحد ثامن عشرين شهر رمضان سنة تسع وثمانين وسبع مائة، وواظب ذلك في يومي الأحد والأربعاء، ونظر في الجليل والحقير؛ ثم حوّل ذلك إلى يومي الثلاثاء والسبت، وأضاف إليهما يوم الجمعة بعد العصر، وما زال على ذلك حتّى مات. فلمّا ولي ابنه الملك النّاصر فرج بعده، واستبدّ بأمره جلس للنّظر في المظالم بالإسطبل اقتداء بأبيه، وصار كاتب السّرّ فتح الدّين فتح اللّه يقرأ القصص عليه، كما كان يقرأها على أبيه، فانتفع أناس وتضرّر آخرون بذلك، وكان الضّرر أضعاف النّفع. ثم لمّا استبدّ الملك المؤيّد شيخ بالمملكة، جلس أيضا للنّظر في المظالم كما جلسا. والأمر على ذلك مستمرّ إلى وقتنا هذا، وهو سنة تسع عشرة وثمان مائة (١).
وقد عرف النّظر في المظالم منذ عهد الدّولة التّركية بديار مصر والشّام ب «حكم السّياسة»، وهو يرجع إلى نائب السّلطنة وحاجب الحجّاب ووالي البلد ومتولّي الحرب بالأعمال. وسيرد الكلام في حكم السّياسة عن قريب إن شاء اللّه (٢).
ذكر خدمة الإيوان المعروف بدار العدل -
كانت العادة أنّ السّلطان يجلس بهذا الإيوان بكرة الاثنين والخميس طول السّنة، خلا شهر رمضان فإنّه لا يجلس فيه هذا المجلس. وجلوسه هذا إنّما هو للمظالم، وفيه تكون الخدمة العامّة واستحضار رسل الملوك غالبا. فإذا جلس للمظالم، كان جلوسه على كرسي إذا قعد عليه يكاد تلحق الأرض رجله، وهو منصوب إلى جانب المنبر الذي هو تخت الملك وسرير السّلطنة. وكانت العادة أوّلا أن يجلس قضاة القضاة من المذاهب الأربعة/ عن يمينه، وأكبرهم الشّافعي وهو الذي يلي السّلطان، ثم إلى جانب الشّافعي الحنفي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، وإلى جانب الحنبلي الوكيل عن بيت المال، ثم الناظر في الحسبة بالقاهرة. ويجلس على يسار السّلطان كاتب السّرّ، وقدّامه ناظر الجيش، وجماعة الموقّعين المعروفين بكتّاب الدّست، وموقّعي الدّست تكملة حلقة دائرة. فإن كان الوزير من a في هامش آياصوفيا: بياض.
стр. 2260
أرباب الأقلام كان بين السّلطان وكاتب السّرّ، وإن كان الوزير من أرباب السّيوف كان واقفا على بعد مع بقيّة أرباب الوظائف، وإن كان نائب السّلطنة فإنّه يقف مع أرباب الوظائف. ويقف من وراء السّلطان صفّان، عن يمينه ويساره، من السّلاح دارية والجمدارية والخاصّكيّة؛ ويجلس على بعد بقدر خمسة عشر ذراعا، عن يمنته ويسرته، ذوو السّنّ والقدر من أكابر أمراء المئين - ويقال لهم «أمراء المشورة» (١) - ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء وأرباب الوظائف، وهم وقوف وبقيّة الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة. ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسّلطان الحجّاب والدّوادارية، لإعطاء قصص النّاس، وإحضار الرّسل وغيرهم من الشّكاة وأصحاب الحوائج والضّرورات. فيقرأ كاتب السّرّ وموقّعو الدّست القصص على السّلطان، فإن احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيما يتعلّق بالأمور الشّرعيّة والقضايا الدّينية، وما كان متعلّقا بالعسكر: فإن كانت القصص في أمراء الإقطاعات قرأها ناظر الجيش، فإن احتاج إلى مراجعة في أمر العسكر تحدّث مع الحاجب وكاتب الجيش فيه، وما عدا ذلك يأمر فيه السّلطان بما يراه (٢).
وكانت العادة النّاصريّة أن تكون الخدمة في هذا الإيوان على ما تقدّم ذكره في بكرة يوم الاثنين. وأمّا بكرة يوم الخميس فإنّ الخدمة على مثل ذلك إلاّ أنّه لا يتصدّى السّلطان فيه لسماع القصص، ولا يحضره أحد من القضاة ولا الموقّعين ولا كاتب الجيش، إلاّ إن عرضت حاجة إلى طلب أحد منهم. وهذا القعود عادته طول السّنة ما عدا رمضان (٣).
وقد تغيّر بعد الأيّام النّاصريّة هذا التّرتيب، فصارت قضاة القضاة تجلس عن يمنة السّلطان ويسرته. فيجلس الشّافعيّ عن يمينه، ويليه المالكيّ، ويليه قاضي العسكر، ثم محتسب القاهرة، ثم مفتي دار العدل الشّافعيّ. ويجلس الحنفيّ عن يسرة السّلطان، ويليه الحنبليّ. وصارت القصص تقرأ والقضاة وناظر الجيش يحضرون في يوم الخميس أيضا (٤).
стр. 2261
وكانت العادة أنّه (¬a) إذا ولي أحد المملكة من أولاد الملك النّاصر محمد بن قلاوون؛ فإنّه عند ولايته يحضر الأمراء إلى داره بالقلعة، وتفاض عليه الخلعة الخليفيّة (¬b) السّوداء ومن تحتها فرجيّة خضراء، وعمامة سوداء مدوّرة، ويقلّد السّيف العربي المذهّب. ويركب فرس النّوبة، ويسير والأمراء بين يديه، والغاشية قدّامه، والجاويشية تصيح، والشّبّابة السّلطانية ينفخ بها، والطّبردارية حواليه إلى أن يعبر من باب النّحاس إلى درج هذا الإيوان. فينزل عن الفرس ويصعد إلى التّخت فيجلس عليه، ويقبّل الأمراء الأرض بين يديه، ثم يتقدّمون إليه ويقبّلون يده على قدر رتبهم، ثم مقدّمو الحلقة. فإذا فرغوا حضر القضاة والخليفة، فتفاض التّشاريف على الخليفة، ويجلس مع السّلطان على التّخت، ويقلّد السّلطان المملكة بحضور القضاة والأمراء، ويشهد عليه بذلك، ثم ينصرف ومعه القضاة، فيمدّ السّماط للأمراء. فإذا انقضى أكلهم قام السّلطان ودخل المقصورة وانصرف الأمراء.
وممّا قيل في هذا الإيوان لمّا بناه السّلطان الملك النّاصر:
[الكامل]
شرّفت إيوانا جلست بصدره … فشرحت بالإحسان منه صدورا
قد كان يستعلي الفراقد رفعة … إذ حاز منك النّاصر المنصورا
ملك الزّمان ومن رعيّة ملكه … من عدله لا يظلمون نقيرا
لا زال منصور اللّواء مؤيّدا … أبد الزّمان وضدّه مقهورا
وقيل أيضا:
[السريع]
يا ملكا أطلع من وجهه … إيوانه لما بدا بدرا
أنسيتنا بالعدل كسرى ولن … يرضى لنا جيرانه كسرا (¬c)
стр. 2262
القصر الأبلق
هذا القصر يشرف على الإسطبل، أنشأه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في شعبان سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، وانتهت عمارته في سنة أربع عشرة (١)، وأنشأ بجواره جنينة. ولمّا كمل عمل فيه سماطا حضره الأمراء وأهل الدّولة، ثم أفيضت عليهم الخلع، وحمل إلى كلّ أمير من أمراء المئين ومقدّمي الألوف ألف دينار، ولكلّ من مقدّمي الحلقة خمس مائة درهم، ولكلّ من أمراء الطّبلخاناه عشرة آلاف درهم فضّة: عنها خمس مائة دينار. فبلغت/ النّفقة على هذا المهمّ خمس مائة ألف ألف درهم (¬a).
стр. 2263
وكانت العادة أن يجلس السّلطان بهذا القصر كلّ يوم للخدمة، ما عدا يومي الاثنين والخميس فإنّه يجلس للخدمة بدار العدل، كما تقدّم ذكره (١). وكان يخرج إلى هذا القصر من القصور الجوّانيّة (٢)، فيجلس تارة على تخت الملك المنصوب بصدر إيوان هذا القصر المطلّ على الإسطبل، وتارة يقعد دونه على الأرض والأمراء وقوف على ما تقدّم، خلا أمراء المشورة والقرباء من السّلطان فإنّه ليس لهم عادة بحضور هذا المجلس، ولا يحضر هذا المجلس من الأمراء الكبار إلاّ من دعت الحاجة إلى حضوره. ولا يزال السّلطان جالسا إلى الثّالثة من النّهار، فيقوم ويدخل إلى قصوره الجوّانيّة، ثم إلى دار حريمه ونسائه. ثم يخرج في أخريات النّهار إلى قصوره الجوّانيّة، فينظر في مصالح ملكه. ويعبر عليه (¬a) إلى قصوره الجوّانيّة خاصّته من أرباب الوظائف في الأشغال المتعلّقة به على ما تدعو الحاجة إليه (٣)، ويقال لها «خدمة القصر».
وهذا القصر تجاه بابه رحبة يسلك إليها من الرّحبة التي تجاه الإيوان. فيجلس بالرّحبة التي على باب القصر خواصّ الأمراء قبل دخولهم إلى خدمة القصر. ويمشى من باب القصر في دهاليز مفروشة بالرّخام، قد فرش فوقه أنواع البسط، إلى قصر عظيم البناء شاهق في الهواء بإيوانين:
أعظمهما الشّمالي يطلّ منه على الإسطبلات السّلطانية، ويمتدّ النّظر إلى سوق الخيل والقاهرة وظواهرها إلى نحو النّيل، وما يليه من بلاد الجيزة وقراها. وفي الإيوان الثّاني القبلي باب خاصّ لخروج السّلطان وخواصّه منه إلى الإيوان الكبير أيّام الموكب. ويدخل من هذا القصر إلى ثلاثة قصور جوّانيّة: منها واحد مسامت لأرض هذا القصر، واثنان يصعد إليهما بدرج في جميعها شبابيك حديد تشرف على مثل منظرة القصر الكبير.
وفي هذه القصور كلّها مجاري الماء مرفوعا من النّيل بدواليب تديرها الأبقار من مقرّه إلى موضع ثم إلى آخر، حتى ينتهى الماء إلى القلعة ويدخل إلى القصور السّلطانية وإلى دور الأمراء الخواصّ المجاورين للسّلطان، فيجري الماء في دورهم، وتدور به حمّاماتهم. وهو من عجائب
стр. 2264
الأعمال لرفعته من الأرض إلى السّماء قريبا من خمس مائة ذراع من مكان إلى مكان (١).
ويدخل من هذه القصور إلى دور الحريم. وهذه القصور جميعها من ظاهرها مبنيّة بالحجر الأسود والحجر الأصفر، مؤزّرة من داخلها بالرّخام والفصوص المذهبة المشجّرة بالصّدف والمعجون وأنواع الملوّنات، وسقوفها كلّها مذهّبة قد موّهت باللازورد، والنّور يخرق في جدرانها بطاقات من الزّجاج القبرسي الملوّن كقطع الجوهر المؤلّفة في العقود. وجميع الأراضي قد فرشت بالرّخام المنقول إليها من أقطار الأرض، ممّا لا يوجد مثله (٢).
وتشرف الدّور السّلطانيّة من بعضها على بساتين وأشجار، وساحات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطّيور والدّواجن (٣). وسيأتي ذكر هذه القصور والبساتين والأحواش مفصّلا إن شاء اللّه.
وكان بهذا القصر الأبلق رسوم وعوائد، تغيّر كثير منها وبطل معظمها، وبقيت إلى الآن بقايا من شعار المملكة ورسوم السّلطنة. وسأقصّ من أنباء ذلك إن شاء اللّه ما لا تراه بغير هذا الكتاب مجموعا، واللّه يؤتي فضله من يشاء.
الأسمطة السّلطانيّة
وكانت العادة أن يمدّ بالقصر في طرفي النّهار من كلّ يوم، أسمطة (٤) جليلة لعامّة الأمراء خلا البرّانيين (٥) - وقليل ما هم - فبكرة يمدّ سماط أوّل لا يأكل منه السّلطان، ثم ثان بعده - يسمّى الخاصّ - قد يأكل منه السّلطان وقد لا يأكل، ثم ثالث بعده - ويسمّى الطّارئ - ومنه مأكول السّلطان.
стр. 2265
وأمّا في آخر النّهار فيمدّ (¬a) سماطان الأوّل والثّاني المسمّى بالخاصّ، ثم إن استدعي بطارئ (¬b) حضر وإلاّ فلا، ما عدا المشوي فإنّه ليس له عادة محفوظة النّظام، بل هو على حسب ما يرسم به. وفي كلّ هذه الأسمطة يؤكل ما عليها، ويفرّق نوالات، ثم يسقى بعدها الأقسما (١) المعمولة من السّكّر والأفاويه المطيّبة بماء الورد المبرّدة.
وكانت العادة أن يبيت في كلّ ليلة، بالقرب من السّلطان، أطباق فيها أنواع من المطجّنات والبوارد والفطر والقشطة والجبن المقلي والموز والكيماخ (¬c)، وأطباق فيها من الأقسما والماء البارد برسم أرباب النّوبة في السّهر حول السّلطان، ليتشاغلوا بالمأكول والمشروب عن النّوم. ويكون اللّيل مقسوما بينهم بساعات الرّمل، فإذا انتهت نوبة نبّهت التي تليها، ثم ذهبت هي فنامت إلى الصّبح (¬d) هكذا أبدا سفرا وحضرا.
وكانت العادة أيضا أن يبيت في المبيت السّلطاني من القصر، أو المخيّم إن كان في السّرحة، المصاحف الكريمة لقراءة من يقرأ من أرباب النّوبة، ويبيت أيضا الشّطرنج ليتشاغل به عن النّوم (٢).
وبلغ مصروف السّماط، في كلّ يوم عيد الفطر من كلّ سنة، خمسين ألف درهم: عنها نحو ألفين وخمس مائة دينار تنهبه الغلمان والعامّة. وكان يعمل في سماط الملك الظّاهر برقوق في كلّ يوم خمسة آلاف رطل من اللّحم، سوى الإوزّ والدّجاج (¬e)) على أنّه أبطل كثيرا ممّا تقدّم ذكره، وكان في سماط ابنه النّاصر فرج ثلاثة آلاف رطل من اللّحم سوى الإوز والدّجاج (¬e). وكان راتب المؤيّد شيخ في كلّ يوم لسماطه وداره ثمان مائة رطل من اللّحم.
فلمّا كان في المحرّم سنة ستّ وعشرين/ وثمان مائة، سأل الملك الأشرف برسباي عن مقدار ما يطبخ له في كلّ يوم بكرة وعشيّا، فقيل له ستّ مائة رطل في الوجبتين، فأمر أن يطبخ بين يديه لأنّه بلغه أنّه يؤخذ ممّا ذكر لشادّ الشّرابخاناه ونحوه مائة وعشرون رطلا. فجعل راتب اللّحم في
стр. 2266
كلّ يوم - بزيادة أيّام الخدمة ونقصان أيّام عدم الخدمة - خمس مائة رطل وستة أرطال عن وجبتي الغداء والعشاء، ومن الدّجاج ستة وعشرين طائرا، ولعمل المأمونية رطلين ونصف سكّر (¬a)، وما يعمل برسم الجمدارية فإنّه بعسل النّحل.
ذكر العلامة السّلطانيّة
قد جرت العادة أنّ السّلطان يكتب خطّه على كلّ ما يأمر به، فأمّا مناشير الأمراء والجند وكلّ من له إقطاع، فإنّه يكتب عليه علامته، وكتبها الملك النّاصر محمد بن قلاوون «اللّه أملي»، وعمل ذلك الملوك بعده إلى اليوم (١).
علامة السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون (عن صبح الأعشى)
وأمّا تقاليد (٢) النّوّاب، وتواقيع (٣) أرباب المناصب من القضاة والوزراء والكتّاب وبقيّة أرباب
стр. 2267
الوظائف، وتواقيع أرباب الرّواتب والإطلاقات (١)، فإنّه يكتب عليها اسمه واسم أبيه إن كان أبوه ملكا؛ فيكتب مثلا «محمّد بن قلاوون» (٢)، أو «شعبان بن حسين»، أو «فرج بن برقوق». وإن لم يكن أبوه ممّن تسلطن - كبرقوق أو شيخ - فإنّه يكتب اسمه فقط، ومثاله «برقوق» أو «شيخ».
وأمّا كتب البريد وخلاص الحقوق والظّلامات، فإنّه يكتب أيضا عليها اسمه، وربّما كرّم المكتوب إليه، فكتب إليه «أخوه فلان» أو «والده فلان»، و «أخوه» تكتب للأكابر من أرباب الرّتب (٣).
والذي يعلّم عليه السّلطان: إمّا إقطاع، فالرّسم فيه أن يقال: «خرج الأمر الشّريف». وإمّا وظائف ورواتب وإطلاقات، فالرّسم في ذلك أن يقال: «رسم بالأمر الشّريف». وأعلى ما يعلّم عليه ما افتتح بخطبة أوّلها «الحمد للّه» ثم ما افتتح بخطبة أوّلها «أمّا بعد، حمدا اللّه»، حتى يأتي على «خرج الأمر» في المناشير، أو «رسم بالأمر» في التّواقيع، ثم بعد هذا أنزل الرّتب، وهو أن يفتتح في المناشير «خرج الأمر». وفي التّواقيع «رسم بالأمر». وتمتاز المناشير المفتتح فيها ب «الحمد للّه» أوّل الخطبة أن تكون (¬a) بطغراء بالسّواد، وتضمّن اسم السّلطان وألقابه (٤)؛ وقد بطلت الطّغراء في وقتنا هذا (٥).
стр. 2268
وكانت العادة أن يطالع نوّاب المملكة السّلطان بما يتجدّد عندهم: تارة على أيدي البريدية، وتارة على أجنحة الحمام، فتعود إليهم الأجوبة السّلطانية وعليها «العلامة». فإذا ورد البريدي، أحضره أمير جاندار - وهو من أمراء الألوف - والدّوادار وكاتب السّرّ بين يدي السّلطان، فيقبّل البريدي الأرض ويأخذ الدّوادار الكتاب فيمسحه بوجه البريدي، ثم يناوله للسّلطان فيفتحه.
ويجلس حينئذ كاتب السّرّ ويقرأه على السّلطان سرّا، فإن كان أحد من الأمراء حاضرا تنحّى حتى يفرغ من القراءة، ويأمر السّلطان فيه بأمر. وإن كان الخبر على أجنحة الحمام فإنّه يكتب في ورق صغير خفيف، ويحمل على الحمام الأزرق.
وكان لحمام الرّسائل مراكز كما كان للبريد مراكز، وكان بين كلّ مركزين من البريد أميال، وفي كلّ مركز عدّة خيول - كما بيّناه في ذكر الطّريق فيما بين مصر والشّام (١) - وكانت مراكز الحمام كلّ مركز منها ثلاثة مراكز من مراكز البريد، فلا يتعدّى الحمام ذلك المركز، وينقل عند نزوله المركز ما على جناحه إلى طائر آخر حتى يسقط بقلعة الجبل، فيحضره البرّاج، ويقرأ كاتب السّرّ البطاقة. وكلّ هذا ممّا يعلّم عليه بالقصر.
وممّا كان يحضر إلى القصر بالقلعة في كلّ يوم ورقة الصّباح، يرفعها والي القاهرة ووالي مصر، وتشتمل على إنهاء ما تجدّد في كلّ يوم وليلة بحارات البلدين وأخطاطهما، من حريق أو قتل قتيل أو سرقة سارق ونحو ذلك، ليأمر السّلطان فيه بأمره.
стр. 2269
الأشرفيّة
هذا القصر، المعروف ب «الأشرفيّة»، أنشأه الملك الأشرف خليل بن قلاوون في سنة اثنتين وتسعين وستّ مائة (١). ولمّا فرغ صنع به مهمّا عظيما (٢) لم يعمل مثله في الدّولة التّركية (¬a)، وختن أخاه الملك النّاصر محمد بن قلاوون وابن أخيه الأمير موسى بن الصّالح عليّ بن قلاوون، وجمع سائر أرباب الملاهي وجميع الأمراء، ووقف الخازندارية (٣) بأكياس الذّهب. فلمّا قام الخاصّكيّة من الأمراء (¬b) للرّقص، نثر الخازندارية على كلّ من قام للرّقص حتى فرغ الختان. فأنعم على كلّ أمير من الأمراء بفرس كامل القماش وألبس خلعة عظيمة، وأنعم على عدّة منهم؛ كلّ واحد بألف دينار وفرس، وأنعم على ثلاثين من الأمراء الخاصّكية لكلّ واحد مبلغ خمسة آلاف دينار.
стр. 2270
(¬a)) وطلب الأمير طغجي - وكان أخصّ الخاصّكيّة (١) عنده - فكتب بخطّه رسم للسّلطان خليل ابن قلاوون أن ينعم على الأمير سيف الدّين طغجي الأشرفي من الخزانة الشّريفة بمائة ألف دينار وعلامته وكتابته بقلم غليظ. ورسم عند الختان أن يكون كلّ أمير مقدّم ألف يرمي في الطّشت مائة دينار، وكلّ أمير طبلخاناه يرمي خمسين دينارا ووكّل الوزير شمس الدّين بن السّلعوس بأمر الطّشت، وأمر الخازندارية أن تحفظه حتى يصل إليه الوزير، فلمّا فرغت الأمراء من النّقوط أمر أن يقسّم ما في الطّشت بين أصحاب الملهى وبين المزيّن، ثم طلب الوزير وأمره أن يصرف للبليبل المغنّي ألف دينار، وكان يغنّيه في المجلس وعلى السّماط، وكان له غناء محبّب وصوت حسن إلى الغاية. وكان الأشرف شديد الميل لسماع غنائه، فأخذ البليبل في تحسين الغناء والتّفنّن فيه حتى ازداد طرب السّلطان فأمر أن يملأ طاره أيضا ذهبا.
فلمّا كان في اليوم [كذا] حضر إلى الوزير قصّاد الأمير طغجي بمرسوم السّلطان المكتتب بخطّه، فلمّا رآه قام على قدميه وقبّل الأرض ووضعه على رأسه ورتّب فيه ساعة وقال: السّمع وألف طاعة، ولكن أريد المهلة قليلا ثم نهض من فوره إلى الأمير بدر الدّين بيدرا نائب السّلطنة وقال: يا خوند، ارحمني وإلاّ أموت من أن أجد مائة ألف دينار بعد عمل هذا المهمّ العظيم وأوقفه على المرسوم، فما زال الأمير بيدرا بالأمير طغجي حتى صالح الوزير على مائة ألف درهم (¬a).
وكان الذي عمل في هذا المهمّ من الغنم ثلاثة آلاف رأس، ومن البقر ستّ مائة رأس، ومن الخيل خمس مائة أكديش (٢)، ومن السكر برسم المشروب ألف قنطار وثمان مائة قنطار، وبرسم الحلوى مائة وستون قنطارا. وبلغت النّفقة على هذا المهمّ، في عمل السّماط والمشروب والأقبية والطّراز والسّروج وثياب النّساء، مبلغ ثلاث مائة ألف دينار عينا (٣).
стр. 2271
البيسريّة
ومن جملة دور القلعة قاعة البيسريّة، أنشأها السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون (١)، وكان ابتداء بنائها/ في أوّل يوم من شعبان سنة إحدى وستين وسبع مائة ونهاية عمارتها في ثامن عشرين ذي الحجّة من السنة المذكورة. فجاءت من الحسن في غاية لم ير مثلها، وعمل لهذه القاعة من الفرش والبسط ما لا تدخل قيمته تحت حصر. فمن ذلك تسعة وأربعون ثريّا برسم وقود القناديل، جملة ما دخل فيها من الفضّة البيضاء الخالصة المضروبة مائتا ألف وعشرون ألف درهم، وكلّها مطلية بالذّهب. وجاء ارتفاع بناء هذه القاعة طولا في السّماء ثمانية وثمانين ذراعا.
وعمل السّلطان بها برجا يبيت فيه من العاج والأبنوس، مطعّم بجلسته بين يديه، وأكتاف وباب يدخل منه إلى الأرض كذلك، وفيه مقرنص قطعة واحدة يكاد يذهل النّاظر إليه: بشبابيك ذهب خالص، وطرازات ذهب مصوغ، وشرّافات ذهب مصوغ، وقبّة مصوغة من ذهب، صرف فيه ثمانية وثلاثون ألف مثقال من الذّهب، وصرف في مؤنه وأجره تتمّة ألف ألف درهم فضّة عنها خمسون ألف دينار ذهبا (٢). وبصدر إيوان هذه القاعة شبّاك حديد، يقارب باب زويلة (¬a)، يطلّ على جنينة بديعة الزّي (¬b) (٣).
стр. 2272
الدّهيشة
عمّرها السّلطان الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل بن محمد بن قلاوون في سنة خمس وأربعين وسبع مائة. وذلك أنّه بلغه عن الملك المؤيّد عماد الدّين، صاحب حماة، أنّه عمّر بحماة دهيشة (١) لم يبن مثلها، فقصد مضاهاته، وبعث الأمير أقجبا والحجيج (¬a) المهندس لكشف دهّيشة حماة، وكتب لنائب حلب ونائب دمشق بحمل ألفي حجر بيض وألفي حجر حمر من حلب ودمشق، (¬b)) وواصل البريد بالاستحثاث في الطّلب، فوقع الاهتمام بذلك وسخّر نوّاب الشّام النّاس في حمل الحجارة من حلب ودمشق (¬b) وحشرت الجمال لحملها حتى وصلت إلى قلعة الجبل. وصرف في حمولة كلّ حجر من حلب اثنا عشر درهما، ومن دمشق ثمانية دراهم.
واستدعي الرّخام من سائر الأمراء وجميع الكتّاب، ورسم بإحضار الصّنّاع للعمل، ووقع الشّروع فيها حتى تمّت في شهر رمضان منها (٢). وقد بلغ مصروفها خمس مائة ألف درهم، سوى ما قدم من دمشق وحلب وغيرهما، وعمل لها من الفرش والبسط والآلات ما يجلّ وصفه، وحضر بها سائر المغاني (¬c). وكان مهمّا عظيما.
стр. 2273
السّبع قاعات
هذه القاعات تشرف على الميدان وباب القرافة، عمّرها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وأسكنها سراريه، ومات عن ألف ومائتي وصيفة مولّدة سوى من عداهن من بقيّة الأجناس (١).
الجامع بالقلعة
هذا الجامع أنشأه السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة ثمان عشرة وسبع مائة.
وكان قبل ذلك هناك جامع دون هذا، فهدمه السّلطان وهدم المطبخ والحوائج خاناه والفراش خاناه، وعمله جامعا، ثم أخربه في سنة خمس وثلاثين وسبع مائة، وبناه هذا البناء (٢).
الواجهتان الشمالية الشرقية والشمالية الغربية لجامع النّاصر محمد بن قلاوون بالقلعة
стр. 2274
فلمّا تمّ بناؤه جلس فيه، واستدعى جميع مؤذّني القاهرة ومصر، وجميع القرّاء والخطباء وعرضوا بين يديه، وسمع تأذينهم وخطابتهم وقراءتهم. فاختار منهم عشرين مؤذّنا رتّبهم فيه، وقرّر فيه درس فقه وقارئا يقرأ في المصحف، وجعل عليه أوقافا تكفيه وتفيض. وصار من بعده من الملوك يخرجون أيّام الجمع إلى هذا الجامع، ويحضر خاصّة الأمراء معه من القصر، ويجيء باقيهم من باب الجامع. فيصلّي السّلطان عن يمين المحراب في مقصورة خاصّة به، ويجلس عنده أكابر خاصّته، ويصلّي معه الأمراء خاصّتهم وعامّتهم خارج المقصورة، عن يمنتها ويسرتها، على مراتبهم. فإذا انقضت الصّلاة دخل إلى قصوره ودور حرمه، وتفرّق كلّ أحد إلى مكانه.
وهذا الجامع متّسع الأرجاء، مرتفع البناء، مفروش الأرض بالرّخام، مبطّن السّقوف بالذّهب. وبصدره قبّة عالية يليها مقصورة (١)، مستورة هي والرّواقات بشبابيك الحديد المحكمة الصّنعة، ويحفّ صحنه رواقات من جهاته (¬a) (٢).
الدّار الجديدة
هذه الدّار عند باب سرّ القلعة (٣) المطلّ على سوق الخيل، عمّرها الملك الظّاهر بيبرس
стр. 2275
البندقداري في سنة أربع وستين وستّ مائة، وعمل بها في جمادى الأولى منها دعوة للأمراء عند فراغها (¬a) (١).
خزانة الكتب
وقع بها الحريق يوم الجمعة رابع صفر سنة إحدى وتسعين وستّ مائة، فتلف بها من الكتب، في الفقه والحديث والتّاريخ وعامّة العلوم، شيء كثير جدّا كان من ذخائر الملوك. فانتهبها الغلمان، وبيعت أوراقا محرّقة ظفر النّاس منها بنفائس غريبة ما بين ملاحم وغيرها، وأخذوها بأبخس الأثمان (٢).
стр. 2276
القاعة الصّالحيّة
عمّرها الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، وكانت سكن الملوك إلى أن احترقت في سادس ذي الحجّة سنة أربع وثمانين وستّ مائة، واحترق معها الخزانة السّلطانية (١).
باب النّحاس
هذا الباب من داخل باب (¬a) السّتارة، وهو أجلّ أبواب الدّور السّلطانية. عمّره النّاصر محمد ابن قلاوون، وزاد في سعة دهليزه (٢).
стр. 2277
باب القلّة
عرف بذلك من أجل أنّه كان هناك قلّة بناها الملك الظّاهر بيبرس، وهدمها الملك المنصور قلاوون في يوم الأحد عاشر شهر رجب سنة خمس وثمانين وستّ مائة، وبنى مكانها قبّة فرغت عمارتها في شوّال منها. ثم هدمها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وجدّد باب القلّة على ما هو عليه الآن، وعمل له بابا ثانيا (¬a) (١).
باب القلّة الذي أنشأه محمد علي موضع باب القلّة القديم
стр. 2278
الرّفرف
عمّره الملك الأشرف خليل بن قلاوون،/ وجعله عاليا يشرف على الجيزة (¬a) كلّها، وبيّضه وصوّر فيه أمراء الدّولة وخواصّها، وعقد عليه قبّة على عمد وزخرفها. وكان مجلسا يجلس فيه السّلطان، واستمرّ جلوس الملوك به حتى هدمه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة (١)، وعمل بجانبه (¬b) برجا بجوار الإسطبل نقل إليه المماليك (¬c) (٢).
الجبّ
كان بالقلعة جبّ يحبس فيه الأمراء، وكان مهولا مظلما كثير الوطاويط كريه الرّائحة، يقاسي المسجون فيه ما هو كالموت أو أشدّ منه. عمّره الملك المنصور قلاوون في سنة إحدى
стр. 2279
وثمانين وستّ مائة، فلم يزل إلى أن قام الأمير بكتمر السّاقي في أمره مع الملك النّاصر محمد بن قلاوون، حتى أخرج من كان فيه من المحابيس ونقلهم إلى الأبراج وردمه، وعمّر فوق الرّدم طباقا في سنة تسع وعشرين وسبع مائة (١).
الطّبلخاناه تحت القلعة
ذكر هشام بن الكلبي أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ لمّا قدم الشّام، تلقّاه المقلّسون من أهل الأديان بالسّيوف والرّيحان، فكره عمر النّظر إليهم، وقال: ردّوهم. فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح: إنّها سنّة الأعاجم، فإن منعتهم ظنّوا أنّه نقض لعهدهم. فقال عمر: دعوهم.
والتّقليس الضّرب بالطّبل أو الدّفّ.
وهذه الطّبلخاناه الموجودة الآن تحت القلعة فيما بين باب السّلسلة (٢) وباب المدرّج، كانت دار
стр. 2280
العدل القديمة التي عمّرها الملك الظّاهر بيبرس وتقدّم خبرها (١).
فلمّا كانت سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة، هدمها النّاصر محمد بن قلاوون، وبناها هذه الطّبلخاناه الموجودة الآن تحت قلعة الجبل، فيما بين باب السّلسلة وباب المدرّج، وصار ينزل إلى عمارتها كلّ قليل (٢).
وتولّى شدّ العمارة (٣) بها آق سنقر شادّ العمائر (٤)، ووجد في أساسها أربعة قبور كبار المقدار، عليها قطع رخام منقوش عليها أسماء المقبورين وتاريخ وفاتهم. فنبشوا ونقلوا قريبا من القلعة، فكانوا خلقا كبيرا عظيما في الطّول والعرض، على بعضهم ملاءة دبيقيّة ملوّنة فساعة مسّتها الأيدي تمزّقت وتطايرت هباء. وفيهم اثنان عليهما آلة الحرب وعدّة الجهاد، وبهما آثار الدّماء والجراحات، وفي وجه أحدهما ضربة سيف بين عينيه، والجرح مسدود بقطنة. فلمّا مسكت القطنة ورفعت عن الجرح فوق الحاجب، نبع من تحتها الدّم (¬a)) حتى خيّل لهم أنّه جرح جديد (¬a).
فكان في ذلك موعظة وذكرى (٥).