القاعة الصّالحيّة
عمّرها الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، وكانت سكن الملوك إلى أن احترقت في سادس ذي الحجّة سنة أربع وثمانين وستّ مائة، واحترق معها الخزانة السّلطانية (١).
باب النّحاس
هذا الباب من داخل باب (¬a) السّتارة، وهو أجلّ أبواب الدّور السّلطانية. عمّره النّاصر محمد ابن قلاوون، وزاد في سعة دهليزه (٢).
стр. 2277
باب القلّة
عرف بذلك من أجل أنّه كان هناك قلّة بناها الملك الظّاهر بيبرس، وهدمها الملك المنصور قلاوون في يوم الأحد عاشر شهر رجب سنة خمس وثمانين وستّ مائة، وبنى مكانها قبّة فرغت عمارتها في شوّال منها. ثم هدمها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وجدّد باب القلّة على ما هو عليه الآن، وعمل له بابا ثانيا (¬a) (١).
باب القلّة الذي أنشأه محمد علي موضع باب القلّة القديم
стр. 2278
الرّفرف
عمّره الملك الأشرف خليل بن قلاوون،/ وجعله عاليا يشرف على الجيزة (¬a) كلّها، وبيّضه وصوّر فيه أمراء الدّولة وخواصّها، وعقد عليه قبّة على عمد وزخرفها. وكان مجلسا يجلس فيه السّلطان، واستمرّ جلوس الملوك به حتى هدمه الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة (١)، وعمل بجانبه (¬b) برجا بجوار الإسطبل نقل إليه المماليك (¬c) (٢).
الجبّ
كان بالقلعة جبّ يحبس فيه الأمراء، وكان مهولا مظلما كثير الوطاويط كريه الرّائحة، يقاسي المسجون فيه ما هو كالموت أو أشدّ منه. عمّره الملك المنصور قلاوون في سنة إحدى
стр. 2279
وثمانين وستّ مائة، فلم يزل إلى أن قام الأمير بكتمر السّاقي في أمره مع الملك النّاصر محمد بن قلاوون، حتى أخرج من كان فيه من المحابيس ونقلهم إلى الأبراج وردمه، وعمّر فوق الرّدم طباقا في سنة تسع وعشرين وسبع مائة (١).
الطّبلخاناه تحت القلعة
ذكر هشام بن الكلبي أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ لمّا قدم الشّام، تلقّاه المقلّسون من أهل الأديان بالسّيوف والرّيحان، فكره عمر النّظر إليهم، وقال: ردّوهم. فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح: إنّها سنّة الأعاجم، فإن منعتهم ظنّوا أنّه نقض لعهدهم. فقال عمر: دعوهم.
والتّقليس الضّرب بالطّبل أو الدّفّ.
وهذه الطّبلخاناه الموجودة الآن تحت القلعة فيما بين باب السّلسلة (٢) وباب المدرّج، كانت دار
стр. 2280
العدل القديمة التي عمّرها الملك الظّاهر بيبرس وتقدّم خبرها (١).
فلمّا كانت سنة اثنتين وعشرين وسبع مائة، هدمها النّاصر محمد بن قلاوون، وبناها هذه الطّبلخاناه الموجودة الآن تحت قلعة الجبل، فيما بين باب السّلسلة وباب المدرّج، وصار ينزل إلى عمارتها كلّ قليل (٢).
وتولّى شدّ العمارة (٣) بها آق سنقر شادّ العمائر (٤)، ووجد في أساسها أربعة قبور كبار المقدار، عليها قطع رخام منقوش عليها أسماء المقبورين وتاريخ وفاتهم. فنبشوا ونقلوا قريبا من القلعة، فكانوا خلقا كبيرا عظيما في الطّول والعرض، على بعضهم ملاءة دبيقيّة ملوّنة فساعة مسّتها الأيدي تمزّقت وتطايرت هباء. وفيهم اثنان عليهما آلة الحرب وعدّة الجهاد، وبهما آثار الدّماء والجراحات، وفي وجه أحدهما ضربة سيف بين عينيه، والجرح مسدود بقطنة. فلمّا مسكت القطنة ورفعت عن الجرح فوق الحاجب، نبع من تحتها الدّم (¬a)) حتى خيّل لهم أنّه جرح جديد (¬a).
فكان في ذلك موعظة وذكرى (٥).
стр. 2281
وكانت الطّبلخاناه ساحة بغير سقف (١)، فلمّا ولي الأمير سودون طاز أمير آخور، وسكن الإسطبل السّلطاني، عمّر هذه الطّباق فوق الطّباق. وكان الغرض في (¬a) عمارتها صحيحا، فإنّ المدرسة الأشرفيّة كانت حينئذ قائمة تجاه الطّبلخاناة. ولمّا كان زمان الفتن بين أمراء الدّولة، تحصّن فوقها طائفة ليرموا على الإسطبل والقلعة، فأراد ببناء هذه الطّباق فوق الطّباق أن يجعل بها رماة حتى لا يقدر أحد يقيم فوق المدرسة الأشرفيّة. وقد بطل ذلك، فإنّ الملك النّاصر فرج بن برقوق هدم المدرسة الأشرفيّة، كما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر المدارس (¬b) (٢).
الطّباق بساحة الإيوان
عمّرها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وأسكنها المماليك السّلطانية، وعمّر حارة تختصّ بهم (٣).
стр. 2282
وكانت الملوك تعنى بها أتمّ عناية (¬a)، حتى إنّ الملك المنصور قلاوون كان يخرج في غالب أوقاته إلى الرّحبة عند استحقاق حضور الطّعام للمماليك، ويأمر بعرضه عليه، ويتفقّد لحمهم، ويختبر طعامهم في جودته ورداءته. فمتى رأى فيه عيبا اشتدّ على المشرف والأستادّار، ونهرهما، وحلّ بهما منه أمر (¬b) مكروه. وكان يقول: كلّ الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسوارا، وعملت حصونا مانعة لي ولأولادي وللمسلمين وهم المماليك.
وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطّباق لا تبرح فيها، فلمّا تسلطن الملك الأشرف خليل بن قلاوون، سمح للمماليك أن ينزلوا من القلعة في النّهار ولا يبيتوا إلاّ بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها. ثم إنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون سمح لهم بالنّزول إلى الحمّام يوما في الأسبوع، فكانوا ينزلون بالنّوبة مع الخدّام، ثم يعودون آخر نهارهم. ولم يزل هذا حالهم إلى أن انقرضت أيّام بني قلاوون.
وكانت للمماليك بهذه الطّباق عادات جميلة: أوّلها أنّه إذا قدم بالمملوك تاجره عرضه على السّلطان، ونزّله في طبقة جنسه، وسلّمه لطواشي برسم الكتابة. فأوّل ما يبدأ به تعليمه ما يحتاج إليه من القرآن الكريم. وكانت كلّ طائفة لها فقيه يحضر إليها كلّ يوم، ويأخذ في تعليمها كتاب اللّه تعالى ومعرفة الخطّ، والتمرّن بآداب الشّريعة، وملازمة الصّلوات والأذكار.
وكان الرّسم ألاّ تجلب التّجّار إلاّ المماليك الصّغار. فإذا شبّ الواحد من المماليك علّمه الفقيه شيئا من الفقه، وأقرأه فيه مقدّمة. فإذا صار إلى سنّ البلوغ أخذ في تعليمه أنواع الحرب من رمي السّهام، ولعب الرّمح، ونحو ذلك. فيتسلّم كلّ طائفة معلّم حتى يبلغ الغاية في معرفة ما يحتاج إليه. وإذا ركبوا إلى لعب الرّمح، أو رمي النّشّاب، لا يجسر جنديّ ولا أمير أن يحدّثهم أو يدنو منهم. فينقل إذا إلى الخدمة، ويتنقّل في أطوارها رتبة بعد رتبة إلى أن يصير من الأمراء، فلا يبلغ هذه الرّتبة إلاّ وقد تهذّبت أخلاقه، وكثرت/ آدابه، وامتزج تعظيم الإسلام وأهله بقلبه، واشتدّ
стр. 2283
ساعده في رماية النّشّاب وحسن لعبه بالرّمح، ومرن على ركوب الخيل. ومنهم من يصير رتبة فقيه عارف، وأديب شاعر، وحاسب ماهر.
هذا، ولهم أزمّة من الخدّام، وأكابر من رءوس النّوب: يفحصون عن حال الواحد منهم الفحص الشّافي، ويؤاخذونه أشدّ المؤاخذة، ويناقشونه على حركاته وسكناته. فإن عثر أحد من مؤدّبيه الذي يعلّمه القرآن، أو الطّواشي الذي هو مسلّم إليه، أو رأس النّوبة الذي هو حاكم عليه، على أنّه اقترف ذنبا أو أخلّ برسم، أو ترك أدبا من آداب الدّين أو الدّنيا، قابله على ذلك بعقوبة مؤلمة شديدة بقدر جرمه.
وبلغ من تأديبهم أنّ مقدّم المماليك كان إذا أتاه بعض مقدّمي الطّباق في السّحر يشاور على مملوك أنّه يغتسل من جنابة، فيبعث من يكشف عن سبب جنابته: إن كان من احتلام، فينظر في سراويله هل فيه جنابة أم لا، فإن لم يجد به جنابة جاءه الموت من كلّ مكان.
فلذلك كانوا سادة يدبّرون الممالك، وقادة يجاهدون في سبيل اللّه، وأهل سياسة يبالغون في إظهار الجميل، ويردعون من جار أو تعدّى. وكانت لهم الإدرارات الكثيرة من اللّحوم والأطعمة والحلاوات والفواكه والكسوات الفاخرة، والمعاليم من الذّهب والفضّة بحيث تتّسع أحوال غلمانهم، ويفيض عطاؤهم على من قصدهم.
ثم لمّا كانت الأيّام الظّاهريّة برقوق، راعى الحال في ذلك بعض الشي إلى أن زالت دولته في سنة إحدى وتسعين وسبع مائة. فلمّا عاد إلى المملكة، رخّص للمماليك في سكنى القاهرة وفي التّزويج. فنزلوا من الطّباق من القلعة، ونكحوا نساء أهل المدينة، وأخلدوا إلى البطالة، ونسوا تلك العوائد.
ثم تلاشت الأحوال في الأيّام النّاصريّة فرج بن برقوق، وانقطعت الرّواتب من اللّحوم وغيرها، حتى عن مماليك الطّباق مع قلّة عددهم، ورتّب لكلّ واحد منهم في اليوم مبلغ عشرة دراهم من الفلوس. فصار غذاؤهم في الغالب الفول المصلوق عجزا عن شراء اللّحم وغيره (١).
стр. 2284
هذا، وبقي «الجلب من المماليك» إنّما هم الرّجال الذين كانوا في بلادهم ما بين ملاّح سفينة، ووقّاد في تنّور خبّاز، ومحوّل ماء في غيط أشجار ونحو ذلك. واستقرّ رأي النّاصر على أنّ تسليم المماليك للفقيه يتلفهم، بل يتركون وشئونهم.
فبدّلت الأرض غير الأرض، وصارت المماليك السّلطانية أرذل النّاس وأدناهم، وأخسّهم قدرا وأشحّهم نفسا، وأجهلهم بأمر الدّنيا وأكثرهم إعراضا عن الدّين. ما فيهم إلاّ من هو أزنى من قرد، وألصّ من فأرة، وأفسد من ذئب، لا جرم أن خربت أرض مصر والشّام - من حيث يصبّ النّيل إلى مجرى الفرات - بسوء إيالة الحكّام، وشدّة عبث الولاة، وسوء تصرّف أولي الأمر، حتى إنّه ما من شهر إلاّ ويظهر من الخلل العام ما لا يتدارك فارطه (¬a).
وبلغت عدّة المماليك السّلطانية في أيّام الملك المنصور قلاوون ستّة آلاف وتسع مائة (¬b)، فأراد ابنه الأشرف خليل تكميل عدّتها عشرة آلاف مملوك، وجعلهم طوائف: فأفرد طائفتي الأص (¬c) والجركس وسمّاها «البرجيّة»، لأنّه أسكنها في أبراج بالقلعة، فبلغت عدّتهم ثلاثة آلاف وسبع مائة (١). وأفرد جنس الخطا والقبجاق، وأنزلهم بقاعة عرفت بالذّهبيّة والزّمرّدية، وجعل منهم جمدارية وسقاة وسمّاهم «خاصّكيّة»، وعمل البرجيّة سلاحدارية وجمقدارية وجاشنكيرية وأوشاقية.
ثم شغف الملك النّاصر محمد بن قلاوون بجلب المماليك من بلاد أزبك وبلاد توريز وبلاد الرّوم وبغداد، وبعث في طلبهم، وبذل الرّغائب للتّجّار في حملهم إليه، ودفع فيهم الأموال العظيمة، ثم أفاض على من يشتريه منهم أنواع العطاء من عامّة الأصناف دفعة واحدة في يوم واحد، ولم يراع عادة أبيه ومن كان قبله من الملوك في تنقّل المماليك في أطوار الخدم حتى يتأدّب (¬d) ويتمرّن كما تقدّم، وفي تدريجه من ثلاثة دنانير في الشهر إلى عشرة دنانير، ثم نقله من الجامكيّة إلى وظيفة من وظائف الخدمة، بل اقتضى رأيه أن يملأ أعينهم بالعطاء الكثير دفعة واحدة. فأتاه من المماليك شيء كثير رغبة فيما لديه، حتى كان الأب يبيع ابنه للتاجر الذي يجلبه إلى مصر. وبلغ ثمن المملوك في أيّامه إلى مائة ألف درهم فما دونها، وبلغت نفقات
стр. 2285
المماليك في كلّ شهر إلى سبعين ألف درهم، ثم تزايدت حتى صارت في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة مائتين وعشرين ألف درهم.
دار النّيابة
كان بقلعة الجبل دار نيابة بناها الملك المنصور قلاوون في سنة سبع وثمانين وستّ مائة، سكنها الأمير حسام الدّين طرنطاي ومن بعده من نوّاب السّلطنة. وكانت النّوّاب تجلس بشبّاكها حتى هدمها الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة سبع وثلاثين وسبع مائة، وأبطل النّيابة، وأبطل الوزارة أيضا. فصار موضع دار النّيابة ساحة (١).
فلمّا مات الملك النّاصر، أعاد الأمير قوصون دار النّيابة عند استقراره في نيابة السّلطنة، فلم تكمل حتى قبض عليه. فولي نيابة السّلطنة الأمير طشتمر حمّص أخضر وقبض عليه؛ فتولّى بعده نيابة السّلطنة الأمير شمس الدّين آق سنقر في أيّام الملك الصّالح إسماعيل ابن الملك النّاصر محمد ابن قلاوون، فجلس بها في يوم السبت أوّل صفر سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة/ في شباك دار النّيابة. وهو أوّل من جلس بها من النّوّاب بعد تجديدها، وتوارثها النّوّاب بعده (٢).
وكانت العادة أنّ تركب جيوش مصر يومي الاثنين والخميس في الموكب تحت القلعة، فيسيرون هناك من رأس الصّوّة (٣) إلى باب القرافة، ثم تقف العسكر مع نائب السّلطنة، وينادى على الخيل بينهم، وربّما نودي على كثير من آلات الجند والخيم والخركاوات والأسلحة، وربّما نودي على كثير من العقار. ثم يطلعون إلى الخدمة السّلطانية بالإيوان بالقلعة على ما تقدّم ذكره.
стр. 2286
فإذا مثل النّائب في حضرة السّلطان، وقف في ركن الإيوان إلى أن تنقضي الخدمة، فيخرج إلى دار النّيابة والأمراء معه، ويمدّ السّماط بين يديه كما يمدّ سماط السّلطان، ويجلس جلوسا عامّا للنّاس، وتحضره أرباب الوظائف، وتقف قدّامه الحجّاب، وتقرأ عليه (¬a) القصص، وتقدّم إليه الشّكاة، ويفصل أمورهم. فكان السّلطان يكتفي بالنّائب، ولا يتصدّى لقراءة القصص عليه وسماع الشّكوى، تعويلا منه على قيام النّائب بهذا الأمر (١).
وإذا قرئت القّصص على النّائب نظر: فإن كان مرسومه يكفي فيها أصدره عنه، وما لا يكفي فيه إلاّ مرسوم السّلطان، أمر بكتابته عن السّلطان وأصدره، فيكتب ذلك، وينبّه فيه على أنّه بإشارة النّائب، ويميّز عن نوّاب السّلطان بالممالك الشّامية بأن يعبّر عنه ب «كافل المملكة الشّريفة الإسلامية» (٢).
وما كان من الأمور التي لا بدّ له من إحاطة علم السّلطان بها، فإنّه إمّا أن يعلمه بذلك منه إليه وقت الاجتماع به، أو يرسل إلى السّلطان من يعلمه به ويأخذ رأيه فيه (٣).
وكان ديوان الإقطاع - وهو الجيش في زمان النّيابة - ليس لهم خدمة إلاّ عند النّائب، ولا اجتماع إلاّ به، ولا يجتمع ناظر الجيش بالسّلطان في أمر من الأمور. فلمّا أبطل الملك النّاصر محمد بن قلاوون النّيابة، صار ناظر الجيش يجتمع بالسّلطان، واستمرّ ذلك بعد إعادة النّيابة.
وكان الوزير وكاتب السّرّ يراجعان النّائب في بعض الأمور دون بعض. ثم اضمحلّت نيابة السّلطنة في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون، وتلاشت أوضاعها (٤). فلمّا مات أعيدت بعده، ولم تزل إلى أثناء الأيّام الظّاهرية برقوق. وآخر من وليها على أكثر قوانينها الأمير سودون الشّيخي، وبعده لم يل النّيابة أحد في الأيّام الظّاهريّة. ثم إنّ النّاصر فرج بن برقوق أقام الأمير تمراز في نيابة
стр. 2287
السّلطنة، فلم يسكن دار النّيابة في القلعة، ولا خرج عمّا يعرفه من حال حاجب الحجّاب. ولم يل النّيابة بعد تمراز أحد إلى يومنا هذا (١).
وكانت حقيقة النّائب أنّه السّلطان الثّاني، وكانت سائر نوّاب الممالك الشّاميّة وغيرها تكاتبه في غالب ما تكاتب فيه السّلطان، ويراجعونه فيه كما يراجع السّلطان. وكان يستخدم الجند، ويخرج الإقطاعات من غير مشاورة، ويعيّن الإمرة (¬a) لكن بمشاورة السّلطان (٢).
وكان النّائب هو المتصرّف المطلق التصرّف في كلّ أمر: فيراجع في الجيش والمال والخبر - وهو البريد - وكلّ ذي وظيفة [في نيابة] (¬b) لا يتصرّف إلاّ بأمره، ولا يفصل أمرا معضلا إلاّ بمراجعته.
وهو الذي يستخدم الجند، ويرتّب في الوظائف، إلاّ ما كان منها جليلا - كالوزارة، والقضاء، وكتابة السّرّ، والجيش - فإنّه يعرض على السّلطان من يصلح. وكان قلّ أن لا يجاب في شيء يعيّنه (٣).
وكان من عدا نائب السّلطنة بديار مصر يليه في رتبة النّيابة. وكلّ نوّاب الممالك تخاطب ب «ملك الأمراء»، إلاّ نائب السّلطنة بمصر فإنّه يسمّى «كافل الممالك» تمييزا له، وإبانة عن عظيم محلّه (٤). وبالحقيقة ما كان يستحقّ اسم نيابة السّلطنة، بعد النّائب بمصر، سوى نائب الشّام بدمشق فقط. وإنّما كانت النّيابة تطلق أيضا على أكابر نوّاب الشّام، وليس لأحد منهم من التّصرّف ما كان لنائب دمشق. إلاّ أنّ نيابة السّلطنة بحلب تلي رتبة نيابة السّلطنة بدمشق.
وقد اختلّت الآن الرّسوم، واتّضعت الرّتب، وتلاشت الأحوال، وعادت أسماء لا معنى لها وخيالات حاصلها عدم. واللّه يفعل ما يشاء (٥).
стр. 2288
ذكر جيوش الدّولة التّركيّة وزيّها وعوائدها (١)
اعلم أنّه قد كان بقلعة الجبل مكان معدّ لديوان الجيش، وأدركت منه بقيّة إلى أثناء دولة الظّاهر برقوق. وكان ناظر الجيش وسائر كتّاب الجيش لا يبرحون في أيّام الخدمة نهارهم مقيمين بديوان الجيش، وكانت لهذا الدّيوان عوائد قد تغيّر أكثرها، ونسي غالب رسومه.
و (٢) كانت جيوش الدّولة التّركيّة بديار مصر على قسمين: منهم من هو بحضرة السّلطان، ومنهم من هو في أقطار المملكة وبلادها، ومنهم سكّان بادية كالعرب والتّركمان. وجندها
стр. 2289
مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات:
أكابرهم من له «إمرة مائة فارس وتقدمة ألف فارس»، ومن هذا القبيل تكون أكابر النّوّاب، وربّما زاد بعضهم بالعشرة فوارس والعشرين (١).
ثم «أمراء الطّبلخاناه»، ومعظمهم من تكون له إمرة أربعين فارسا، وقد يوجد فيهم من له أزيد من ذلك إلى السبعين، ولا تكون الطّبلخاناه لأقلّ من أربعين (٢).
ثم «امراء العشروات» ممّن تكون له إمرة عشرة، وربّما كان فيهم من له عشرون فارسا، ولا يعدّون/ في أمراء العشراوات.
ثم «جند الحلقة» (٣)، وهؤلاء تكون مناشيرهم من السّلطان، كما أنّ مناشير الأمراء من السّلطان، وأمّا أجناد الأمراء فمناشيرهم من أمرائهم (٤).
وكان منشور الأمير يعيّن فيه للأمير ثلث الإقطاع ولأجناده الثّلثان، فلا يمكّن الأمير ولا مباشروه أن يشاركوا أحدا من الأجناد فيما يخصّهم إلاّ برضاهم.
وكان الأمير لا يخرج أحدا من أجناده حتى يتبيّن للنّاس (¬a) موجب يقتضي إخراجه، فحينئذ يخرجه نائب السّلطان، ويقيم عنه (¬b) الأمير عوضه. وكان لكلّ أربعين جنديّا من جند الحلقة
стр. 2290
مقدّم عليهم، ليس له عليهم حكم إلاّ إذا خرج العسكر لقتال، فكانت مواقف الأربعين مع مقدّمهم، وترتيبهم في موقفهم إليه.
ويبلغ بمصر إقطاع بعض أكابر أمراء المئين المقرّبين (¬a) من السّلطان مائتي ألف دينار جيشيّة وربّما زاد على ذلك. وأمّا غيرهم فدون ذلك بعبر أقلّها إلى ثمانين ألف دينار وما حولها. وأمّا الطّبلخاناه فمن ثلاثين ألف دينار إلى ثلاثة وعشرين ألف دينار. وأمّا العشراوات فأعلاها سبعة آلاف دينار إلى ما دونها (١).
وأمّا إقطاعات أجناد الحلقة فأعلاها ألف وخمس مائة دينار، وهذا القدر وما حوله إقطاعات أعيان مقدّمي الحلقة، ثم بعد ذلك الأجناد بابات (٢)، حتى يكون أدناهم مائتين وخمسين دينارا (٣).
وسيرد تفصيل ذلك إن شاء اللّه.
وأمّا إقطاعات جند الأمراء فإنّها على ما يراه الأمير من زيادة بينهم ونقص (٤).
وأمّا إقطاعات الشّام فإنّها لا تقارب هذا [المقدار] (¬b)، بل تكون على الثّلثين ممّا ذكرنا، ما خلا نائب السّلطنة بدمشق فإنّه يقارب إقطاعه أعلى إقطاعات أكابر أمراء مصر المقرّبين. وجميع جند الأمراء تعرض بديوان الجيش، ويثبت اسم الجندي وحليته، ولا يستبدل أميره به غيره إلاّ بتنزيل من عوّض به وعرضه (٥).
وكانت للأمراء على السّلطان في كلّ سنة ملابس ينعم بها عليهم، ولهم في ذلك حظّ وافر.
وينعم على أمراء المئين بخيول مسرجة ملجمة، ومن عداهم بخيول عري، ويميّز خاصّتهم على عامّتهم. وكان لجميع الأمراء - من المئين، والطّبلخاناه، والعشراوات - على السّلطان الرّواتب الجارية في كلّ يوم من اللّحم وتوابله كلّها، والخبز، والشّعير لعليق الخيل، والزّيت؛ ولبعضهم الشّمع والسّكّر والكسوة في كلّ سنة؛ وكذلك لجميع مماليك السّلطان وذوي الوظائف من الجند.
стр. 2291
وكانت العادة إذا نشأ لأحد الأمراء ولد أطلق له دنانير ولحم وخبز وعليق حتى يتأهّل للإقطاع في جملة الحلقة، ثم منهم من ينتقل إلى إمرة عشرة، أو إلى إمرة طبلخاناه بحسب الحظّ (١).
واتّفق للأميرين طرنطاى وكتبغا أنّ كلاّ منهما زوّج ولده بابنة الآخر، وعمل لذلك المهمّ العظيم. ثم سأل الأمير طرنطاي - وهو إذ ذاك نائب السّلطان - الأمير بيلبك الأيدمري والأمير طيبرس، أن يسألا السّلطان الملك المنصور قلاوون في الإنعام على ولده وولد الأمير كتبغا بإقطاعين في الحلقة. فقال لهما: واللّه لو رأيتهما في مصافّ القتال يضربان بالسّيف، أو كانا في زحف قدّامي، أستقبح أن أعطي لهما أخبازا في الحلقة خشية أن يقال أعطى الصّبيان الأخباز.
ولم يجب سؤالهما هذا، وهم من قد عرفت.
لكن كان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي إذا مات الجندي أعطى إقطاعه لولده، فإن كان صغيرا رتّب معه من يلي أمره حتى يكبر. فكان أجناده يقولون: الإقطاعات أملاكنا يرثها أولادنا الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها، وبه اقتدى كثير من ملوك مصر في ذلك.
وللأمراء المقدّمين حوائص (٢) ذهب في وقت الرّكوب إلى الميدان، ولكلّ أمير من الخواصّ على السّلطان مرتّب من السّكّر والحلوى في شهر رمضان، ولسائرهم الأضحية في عيد الأضحى على مقادير رتبهم، ولهم البرسيم لتربيع دوابّهم، ويكون في تلك المدّة بدل العليق المرتّب لهم (٣).
وكانت الخيول السّلطانية تفرّق على الأمراء مرّتين في كلّ سنة: مرّة عندما يخرج السّلطان إلى مرابط خيوله في الرّبيع عند اكتمال تربيعها، ومرّة عند لعبه بالكرة في الميدان.
ولخاصّة السّلطان المقرّبين زيادة كثيرة من ذلك، بحيث يصل إلى بعضهم في السّنة مائة فرس. ويفرّق السّلطان أيضا الخيول على المماليك السّلطانية في أوقات أخر، وربّما يعطي بعض مقدّمي الحلقة، ومن نفق له فرس من المماليك، يحضر من لحمه والشّهادة بأنّه نفق، فيعطى بدله (٤).
ولخاصّة السّلطان المقرّبين إنعام من الإنعامات، كالعقارات والأبنية الضخمة التي ربّما أنفق على بعضها زيادة على مائة ألف دينار (٥). ووقع هذا في الأيّام النّاصريّة مرارا، كما ذكر عند ذكر
стр. 2292
الدّور من هذا الكتاب (١). ولهم أيضا كساوى القماش المنوّع، ولهم عند سفرهم إلى الصّيد وغيره العلوفات والأنزال (٢).
وكانت لهم آداب لا يخلّون بها: منها أنّهم إذا دخلوا إلى الخدمة بالإيوان أو القصر وقف كلّ أمير في مكانه المعروف به، ولا يجسر أحد منهم ولا من المماليك أن يحدّث رفيقه في الخدمة ولا بكلمة واحدة، ولا يلتفت إلى نحوه أيضا، ولا يجسر أحد منهم ولا من المماليك أن يجتمع بصاحبه في نزهة ولا في رمي النّشّاب ولا غير ذلك، ومن بلغ السّلطان عنه أنّه اجتمع بآخر نفاه أو قبض عليه.
واختلف زيّ الأمراء والعساكر في الدّولة/ التّركيّة (٣). وقد بيّنا ما كان عليه زيّهم حتى غيّره الملك المنصور قلاوون، عند ذكر سوق الشّرابشيين (٤)، وصار زيّهم إذا دخلوا إلى الخدمة بالأقبية التّتريّة (٥) والتّكلاوات (¬a) (٦) فوقها، ثم القباء الإسلامي فوقها، وعليه تشدّ المنطقة والسّيف (٧).
стр. 2293
ويتمّيز الأمراء والمقدّمون وأعيان الجند بلبس أقبية قصيرة الأكمام فوق ذلك، وتكون أكمامها أقصر من القباء التّحتاني، بلا تفاوت كبير في قصر الكمّ والطّول (١)، وعلى رءوسهم كلهم كلّوتات (٢) صغار غالبها من الصّوف الملطي الأحمر، ويضرّب ويلفّ فوقها عمائم صغار (٣).
ثم زادوا في قدر الكلّوتات وما يلفّ فوقها في أيّام الأمير يلبغا الخاصّكي، القائم بدولة الأشرف شعبان بن حسين، وعرفت ب «الكلّوتات الطّرخانية»، وصاروا يسمّون تلك الصّغيرة «ناصريّة». فلمّا كانت الأيّام الظّاهريّة برقوق، بالغوا في كبر الكلّوتات وعملوا في شدّتها عوجا، وقيل لها «كلّوتات جركسيّة»، وهم على ذلك إلى اليوم.
ومن زيّهم لبس المهماز (٤) على الأخفاف، ويعمل المنديل في الحياصة على الصّولق من الجانب الأيمن، ومعظم حوائص المماليك فضّة، وفيهم من كان يعملها من الذّهب، وربّما عملت باليشم (٥).
وكانت حوائص أمراء المئين الأكابر التي تخرج إليهم مع الخلع السّلطانية من خزانة الخاصّ يرصّع ذهبها بالجواهر. وكان معظم العسكر يلبس الطّرز، ولا يكفّت مهمازه بالذّهب، ولا يلبس الطّراز إلاّ من له إقطاع في الحلقة. وأمّا من هو بالجامكيّة أو من أجناد الأمراء فلا يكفّت مهمازه بالذّهب ولا يلبس طرازا (٦).
стр. 2294
وكانت العساكر من الأمراء وغيرهم تلبس المنوّع من الكمخا (١) والخطائي (٢) والكنجي (٣) والمخمل والإسكندراني والشّرب، ومن النّصافي والأصواف الملوّنة (٤). ثم بطل لبس الحرير في الأيّام الظّاهرية برقوق، واقتصروا إلى اليوم على لبس الصّوف الملوّن في الشّتاء، ولبس النّصافي المصقول في الصّيف.
وكانت العادة أنّ السّلطان يتولّى بنفسه استخدام الجند، فإذا وقف قدّامه من يطلب الإقطاع المحلول ووقع اختياره على أحد، أمر ناظر الجيش بالكتابة له فيكتب ورقة مختصرة تسمّى «المثال» (٥)، مضمونها: «خبز فلان كذا»، ثم يكتب فوقه رسم (¬a) المستقرّ له ويناولها السّلطان، فيكتب عليها بخطّه: «يكتب» ويعطيها الحاجب لمن رسم له، فيقبّل الأرض. ثم يعاد المثال إلى ديوان الجيش، فيشكّ (¬b) شاهدا عندهم.
ثم تكتب «مربّعة» (٦) مكمّلة الخطوط بجميع (¬c) مباشري ديوان الإقطاع، وهم كتّاب ديوان الجيش، فيرسمون علاماتهم عليها، ثم تحمل إلى ديوان الإنشاء والمكاتبات، فيكتب المنشور
стр. 2295
ويعلّم عليه السّلطان كما تقدّم ذكره. ثم يكمّل المنشور بخطوط كتّاب ديوان الجيش، بعد المقابلة على صحّة (¬a) أصله (١).
واستجدّ السّلطان الملك المنصور قلاوون طائفة سمّاها «البحريّة». وهي أنّ البحريّة الصّالحيّة لمّا تشتّتوا عند قتل الفارس أقطاي في الأيّام المعزّية أيبك، بقيت أولادهم بمصر في حالة رذيلة؛ فعندما أفضت السّلطنة إلى قلاوون جمعهم ورتّب لهم الجوامك والعليق واللّحم والكسوة، ورسم أن يكونوا جالسين على باب القلعة وسمّاهم «البحريّة». وإلى اليوم طائفة من الأجناد تعرف بالبحريّة (٢).
وأمّا البلاد الشّامية فليس للنّائب بالمملكة مدخل في تأمير أمير عوض أمير مات، بل إذا مات أمير - سواء كان كبيرا أو صغيرا - طولع السّلطان بموته، فأمّر عوضه: إمّا ممّن في حضرته ويخرجه إلى مكان الخدمة، أو ممّن هو في مكان الخدمة، أو ينقل من بلد آخر من يقع اختياره عليه.
وأمّا «جند الحلقة» فإنّهم إذا مات أحدهم استخدم النّائب عوضه، وكتب «المثال» على نحو من ترتيب السّلطان، ثم كتب «المربّعة» وجهّزها مع البريد إلى حضرة السّلطان، فيقابل عليها في ديوان الإقطاع، ثم إن أمضاها السّلطان كتب عليها: «يكتب» فتكتب المربّعة من ديوان الإقطاع، ثم يكتب عليا المنشور كما تقدّم في الجند الذين بالحضرة، وإن لم يمضها السّلطان أخرج الإقطاع لمن يريد.
ومن مات من الأمراء والجند قبل استكمال مدّة الخدمة، حوسب ورثته على حكم الاستحقاق، ثم إمّا يرتجع منهم أو يطلق لهم على قدر حصول العناية بهم.
وإقطاعات الأمراء والجند، منها ما هو بلاد يستغلّها مقطعها كيف شاء، ومنها ما هو نقد على جهات يتناولها منها (٣). ولم يزل الحال على ذلك حتى راك الملك النّاصر محمد بن قلاوون
стр. 2296
البلاد - كما تقدّم في أوّل هذا الكتاب عند الكلام على الخراج ومبلغه - فأبطل عدّة جهات من المكوس، وصارت الإقطاعات كلّها بلادا (١).
والذي استقرّ عليه الحال في إقطاعات الدّيار المصرية - ما رتّبه (¬a) الملك النّاصر محمد بن قلاوون في الرّوك النّاصري، وهو عدّة الجيوش المنصورة في الدّيار المصرية - أربعة وعشرون ألف فارس، تفصيل ذلك (٢):
أمراء الألوف ومماليكهم: ألفان وأربع مائة وأربعة وعشرون فارسا. تفصيل ذلك: نائب ووزير وألوف خاصّكية ثمانية أمراء، وألوف خرجية أربعة عشر أميرا، ومماليكهم ألفان وأربع مائة فارس.
أمراء طبلخاناه ومماليكهم: ثمانية آلاف ومائتا فارس. تفصيل ذلك: خاصّكيّة أربعة وخمسون أميرا، وخرجية مائة وستة/ وأربعون أميرا ومماليكهم ثمانية آلاف فارس، من ذلك (¬b) كشّاف وولاة بالأقاليم: خمس مائة وأربعة وسبعون؛ تفصيل ذلك: ثغر الإسكندرية واحد، والبحيرة واحد، والغربيّة واحد، والشّرقيّة واحد، والمنوفيّة واحد، وقطيا واحد، وكاشف الجيزة واحد، والفيّوم واحد، والبهنسا واحد، والأشمونين واحد، وقوص واحد، وأسوان واحد، وكاشف الوجه البحري واحد، وكاشف الوجه القبلي واحد، ومماليكهم خمس مائة وستون.
أمراء العشراوات ومماليكهم: ألفان ومائتا فارس، تفصيل ذلك: خاصّكيّة ثلاثون، وخرجية مائة وسبعون أميرا، ومماليكهم ألفان.
стр. 2297
ولاة الأقاليم: سبعة وسبعون أميرا. تفصيلهم: أشمون الرّمّان واحد، وقليوب واحد، والجيزة واحد، وترّوجا واحد، وحاجب الإسكندرية واحد، وأطفيح واحد، ومنفلوط واحد، ومماليكهم سبعون فارسا.
مقدّمو الحلقة والأجناد: أحد عشر ألفا ومائة وستّة وسبعون فارسا، تفصيل ذلك: مقدّمو المماليك السّلطانية أربعون، مقدّمو الحلقة مائة وثمانون.
نقباء الألوف: أربعة وعشرون نقيبا.
مماليك السّلطان وأجناد الحلقة: عشرة آلاف وتسع مائة واثنان وثلاثون فارسا، تفصيل ذلك: مماليك السّلطان ألفا مملوك، أجناد الحلقة ثمانية آلاف وتسع مائة واثنان وثلاثون فارسا.
عبرة ذلك: الخاصّكية الألوف والنّائب والوزير: كلّ منهم مائة ألف دينار، وكلّ دينار عشرة دراهم.
الارتفاع: ألف ألف درهم بما فيه من ثمن الغلال: كلّ إردبّ واحد من القمح بعشرين درهما، والحبوب كلّ إردب منها بعشرة دراهم. من ذلك: الكلف مائة ألف درهم، والخالص تسع مائة ألف درهم.
الألوف الخرجيّة: كلّ منهم خمسة وثمانون ألف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم.
الارتفاع: ثمان مائة ألف وخمسون ألفا، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح فيه. من ذلك: الكلف سبعون ألف درهم، والخالص لكلّ منهم سبع مائة وثمانون ألف درهم.
الطّبلخاناه الخاصّكيّة: كلّ منهم أربعون ألف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم. الارتفاع: أربع مائة ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح فيه. من ذلك: الكلف خمسة وثلاثون ألف درهم، والخالص لكل منهم ثلاث مائة ألف (¬a) وخمسة وستون ألف درهم.
الطّبلخاناه الخرجية: ثلاثون ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم. الارتفاع: مائتا ألف وأربعون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف أربعة وعشرون ألف درهم، والخالص مائتا ألف وستة عشر ألف درهم.
стр. 2298
العشراوات الخاصّكيّة: كلّ منهم عشرة آلاف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم. الارتفاع: مائتا ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف سبعة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم ثلاثة وتسعون ألف درهم.
العشراوات الخرجيّة: كلّ منهم سبعة آلاف دينار، كلّ دينار عشرة دراهم. الارتفاع: سبعون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف خمسة آلاف درهم، والخالص لكلّ منهم خمسة وستون ألف درهم.
الكشّاف: لكلّ منهم عشرون ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم. الارتفاع: مائة ألف وستون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف خمسة عشر ألف درهم، والخالص مائة ألف وخمسة وأربعون ألف درهم.
الولاة الطّبلخاناه: كلّ منهم خمسة عشر ألف دينار، كلّ دينار ثمانية دراهم. الارتفاع: مائة وعشرون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف عشرة آلاف درهم، خالص كلّ (¬a) منهم مائة ألف وعشرة آلاف درهم.
الولاة العشراوات: لكلّ منهم خمسة آلاف دينار، كلّ دينار سبعة دراهم. الارتفاع: خمسة وثلاثون ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال (¬b) على ما شرح. من ذلك: الكلف ثلاثة آلاف درهم، خالص كلّ منهم اثنان وثلاثون ألف درهم.
مقدّمو مماليك السّلطان: كلّ منهم ألف ومائتا دينار، كلّ دينار عشرة دراهم. الارتفاع: اثنا عشر ألف درهم، بما فيه من ثمن الغلال على ما شرح. من ذلك: الكلف ألف درهم، خالص كلّ منهم أحد عشر ألف درهم.
مقدّمو الحلقة: كلّ منهم ألف دينار، كلّ دينار تسعة دراهم. الارتفاع: تسعة آلاف درهم، بما فيه من ثمن الغلال. من ذلك: الكلف تسع مائة درهم، خالص كلّ منهم ثمانية آلاف درهم ومائة درهم.
نقباء الألوف: لكلّ منهم أربع مائة دينار، كلّ دينار تسعة دراهم. الارتفاع: ثلاثة آلاف وستّ مائة درهم، بما فيه من ثمن الغلال. من ذلك: الكلف أربع مائة درهم،
стр. 2299
والخالص لكلّ منهم ثلاثة آلاف ومائتا درهم. مماليك السّلطان: ألفان.
بابة أربع مائة مملوك: لكلّ منهم ألف وخمس مائة دينار، كلّ دينار عشرة دراهم، عنها خمسة عشر ألف درهم.
بابة خمس مائة مملوك: كلّ واحد ألف وثلاث مائة دينار، سعر عشرة دراهم، عنها ثلاثة عشر ألف درهم.
بابة خمس مائة مملوك: لكلّ منهم ألف دينار ومائتا دينار، عنها اثنا عشر ألف درهم.
بابة ستّ مائة مملوك: لكلّ واحد/ ألف دينار، عنها عشرة آلاف درهم.
أجناد الحلقة: عدّة (¬a) ثمانية آلاف وتسع مائة واثنين وثلاثين فارسا.
بابة ألف وخمس مائة فارس: لكلّ منهم تسع مائة دينار بتسعة آلاف درهم.
بابة ألف وثلاث مائة وخمسين جنديّا: لكلّ منهم ثمان مائة دينار بثمانية آلاف درهم.
بابة ألف وثلاث مائة وخمسين جنديّا: كلّ منهم سبع مائة دينار: عنها سبعة آلاف درهم.
بابة ألف وثلاث مائة جنديّ، لكلّ منهم ستّ مائة دينار بستة آلاف درهم.
بابة ألف وثلاث مائة: كلّ منهم بخمس مائة دينار بخمسة آلاف درهم.
بابة ألف ومائة جنديّ: لكلّ منهم أربع مائة دينار بأربعة آلاف درهم.
بابة ألف واثنين وثلاثين جنديّا: لكلّ منهم ثلاث مائة دينار، سعر عشرة دراهم، عنها ثلاثة آلاف درهم.
وأرباب الوظائف من الأمراء بعد النّيابة والوزارة: أمير سلاح، والدّوادار، والحجبة وأمير جاندار، والأستادّار، والمهمندار، ونقيب الجيوش، والولاة.
فلمّا مات الملك النّاصر محمد بن قلاوون، حدث بين أجناد الحلقة نزول الواحد منهم عن إقطاعه لآخر بمال أو مقايضة الإقطاع بغيره، فكثر الدّخيل في الأجناد بذلك، واشترت السّوقة والأراذل الإقطاعات، حتّى صار في زمننا أجناد الحلقة أكثرهم أصحاب حرف وصناعات، وخربت منهم أراضي إقطاعاتهم (١).
стр. 2300
وأوّل ما حدث ذلك أنّ السّلطان الملك الكامل شعبان بن محمد النّاصر (¬a) بن قلاوون، لمّا تسلطن في شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبع مائة، تمكّن منه الأمير شجاع الدّين أغرلو شادّ الدّواوين، واستجدّ أشياء: منها المقايضة بالإقطاعات في الحلقة، والنّزول عنها. فكان من أراد مقايضة أحد بإقطاعه حمل كلّ منهما مالا لبيت المال يقرّر عليهما، ومن اختار خبزا (¬b) بالحلقة يزن على قدر عبرته في السنة دنانير يحملها لبيت المال؛ فإن كانت عبرة الخبز (¬c) الذي يريده خمس مائة دينار في السنة، حمل خمس مائة دينار. ومن أراد النّزول عن إقطاعه، حمل مالا لبيت المال بحسب ما يقرّر عليه أغرلو. وأفرد لذلك ولما يؤخذ من طالبي الولايات والوظائف (¬d) ديوانا سمّاه «ديوان البدل». وكان يعيّن في المنشور الذي يخرج بالمقايضة المبلغ الذي يقوم به كلّ من الجنديين. وكان ابتداء هذا في جمادى الأولى من السنة المذكورة، فقام الأمراء في ذلك مع السّلطان حتى رسم بإبطاله.
فلمّا ولي الأمير منجك اليوسفي الوزارة، وسيّره في المال، فتح في سنة تسع وأربعين باب النّزول والمقايضات. فكان الجندي يبيع إقطاعه لكلّ من بذل له فيه مالا، فأخذ كثير من العامّة الإقطاعات. فكان يبذل في الإقطاع مبلغ عشرين ألف درهم، وأقلّ منه على قدر متحصّله، وللوزير رسم معلوم، ثم منع من ذلك (١).
فلمّا كانت نيابة الأمير سيف الدّين قبلاي، في سنة ثلاث وخمسين، مشّى أحوال الأجناد في المقايضات والنّزولات. فاشترى الإقطاعات الباعة وأصحاب الصّنائع، وبيعت تقادم الحلقة وانتدب لذلك جماعة عرفت بالمهيسين، بلغت عدّتهم نحو الثلاث مائة مهيّس، وصاروا يطوفون على الأجناد، ويرغّبونهم في النّزول عن إقطاعاتهم أو المقايضة بها، وجعلوا لهم على كلّ ألف درهم مائة درهم.
فلمّا فحش الأمر، أبطل الأمير شيخون العمري النّزولات والمقايضات، عندما استقرّ رأس نوبة واستقلّ بتدبير أمور الدّولة، وتقدّم لمباشري ديوان الجيش ألاّ يأخذوا رسم المنشور والمحاسبة سوى ثلاثة دراهم، بعدما كانوا يأخذون عشرين درهما (٢).
стр. 2301
ذكر الحجبة (¬a)
وكانت رتبة الحجبة في الدّولة التّركيّة جليلة، وكانت تلي رتبة نيابة السّلطنة، ويقال لأكبر الحجّاب (¬b) «حاجب الحجّاب».
وموضوع الحجبة أنّ متولّيها ينصف من الأمراء والجند: تارة بنفسه، وتارة بمشاورة السّلطان، وتارة بمشاورة النّائب [إن كان] (¬c). وكان إليه تقديم من يعرض ومن يرد، وعرض الجند، فإن لم يكن نائب السّلطنة فإنّه هو المشار إليه في الباب، والقائم مقام النّوّاب في كثير من الأمور (١).
وكان حكم الحاجب لا يتعدّى النّظر في مخاصمات الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات، ونحو ذلك. ولم يكن أحد من الحجّاب فيما سلف يتعرّض للحكم في شيء من الأمور الشّرعيّة، كتداعي الزّوجين وأرباب الدّيون، وإنّما يرجع ذلك إلى قضاة الشّرع.
ولقد عهدنا دائما أنّ الواحد من الكتّاب أو الضّمّان ونحوهم، يفرّ من باب الحاجب ويصير إلى باب أحد القضاة ويستجير بحكم الشّرع، فلا يطمع أحد بعد ذلك في أخذه من باب القاضي.
стр. 2302
وكان فيهم من يقيم الأشهر والأعوام في ترسيم القاضي، حماية له من أيدي الحجّاب. ثم تغيّر ما هنالك، وصار الحاجب اليوم اسما لعدّة جماعة من الأمراء ينتصبون للحكم بين النّاس، لا لغرض إلاّ لتضمين أبوابهم بمال مقرّر في كلّ يوم على رأس نوبة النّقباء، وفيهم غير واحد ليس لهم على الإمرة إقطاع، وإنّما يرتزقون من مظالم العباد.
وصار الحاجب اليوم يحكم في كلّ جليل وحقير من النّاس، سواء كان/ الحكم شرعيّا أو سياسيّا بزعمهم، وإن تعرّض قاض من قضاة الشّرع لأخذ غريم من باب الحاجب لم يمكّن من ذلك.
ونقيب الحاجب اليوم، مع رذالة الحاجب وسفالته وتظاهره من المنكر بما لم يكن يعهد مثله، يتظاهر به أطراف السّوقة. فإنّه يأخذ الغريم من باب القاضي، ويتحكّم فيه من الضّرب وأخذ المال بما يختار، فلا ينكر ذلك أحد ألبتّة.
وكانت أحكام الحجّاب أوّلا يقال لها «حكم السّياسة»، وهي لفظة شيطانية لا يعرف أكثر أهل زمننا اليوم أصلها، ويتساهلون في التلفّظ بها ويقولون هذا الأمر ممّا لا يمشي في الأحكام الشّرعيّة، وإنّما هو من حكم السّياسة ويحسبونه هيّنا، وهو عند اللّه عظيم. وسأبينّ معنى ذلك، وهو فصل عزيز.
ذكر أحكام السّياسة - اعلم أنّ النّاس في زمننا، بل ومنذ عهد الدّولة التّركيّة بديار مصر والشّام، يرون أنّ الأحكام على قسمين: حكم الشّرع، وحكم السّياسة. ولهذه الجملة شرح:
فالشّريعة هي ما سنّ (¬a) اللّه تعالى من الدّين وأمر به كالصّلاة والصّيام والحجّ وسائر أعمال البرّ.
واشتقّ الشّرع من شاطئ البحر. وذلك أنّ الموضع الذي على شاطئ البحر تشرع فيه الدّوابّ، وتسمّيه العرب «الشّريعة»، فيقولون للإبل، إذا وردت شريعة الماء، وشربت: قد شرع فلان إبله، وشرّعها - بتشديد الراء - إذا أوردها شريعة الماء. والشّريعة، والشّراع، والشّرعة:
المواضع التي ينحدر الماء فيها، ويقال شرع الدّين يشرعه شرعا، بمعنى سنّه. قال اللّه تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ اَلدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً﴾ [الآية ١٣ سورة الشّورى].
ويقال ساس الأمر سياسة، بمعنى قام به، وهو سائس، من قوم ساسة وسوس. وسوّسه القوم:
جعلوه يسوسهم. والسّوس: الطّبع والخلق، فيقال الفصاحة من سوسه، والكرم من سوسه، أي
стр. 2303
من طبعه. فهذا أصل وضع السّياسة في اللّغة، ثم رسمت بأنّها القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح، وانتظام الأحوال.
والسّياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحقّ من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشّرعيّة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. وقد صنّف النّاس في السّياسة الشّرعيّة كتبا متعدّدة.
والنّوع الآخر: سياسة ظالمة، فالشّريعة تحرّمها. وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا، وإنّما هي كلمة مغلية أصلها «ياسة»، فحرّفها أهل مصر، وزادوا بأوّلها سينا فقالوا: «سياسة»، وأدخلوا عليها الألف واللام، فظنّ من لا علم عنده أنّها كلمة عربية، وما الأمر فيها إلاّ ما قلت لك (١).
واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بمصر والشّام. وذلك أنّ جنكز خان، القائم بدولة التّتر في بلاد الشّرق، لمّا غلب الملك أونك خان، وصارت له دولة، قرّر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سمّاه «ياسة»، ومن النّاس من يسمّيه «يسق»، والأصل في اسمه ياسة. ولمّا تمّ وضعه، كتب ذلك نقشا في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده حتى قطع اللّه دابرهم.
وكان جنكز خان لا يتديّن بشيء من أديان أهل الأرض - كما تعرف هذا إن كنت أشرفت على أخباره - فصار اليّاسة حكما بتّا، بقي في أعقابه لا يخرجون عن شيء من حكمه. وأخبرني العبد الصّالح الدّاعي إلى اللّه تعالى أبو هاشم أحمد بن البرهان ﵀ أنّه رأى نسخة من الياسة بخزانة المدرسة المستنصريّة ببغداد.
ومن جملة ما شرعه جنكز خان في اليّاسة أنّ من زنى قتل - ولم يفرّق بين المحصن وغير المحصن، ومن لاط قتل، ومن تعمّد الكذب أو سحر أو تجسّس على أحد أو دخل بين اثنين وهما
стр. 2304
يتخاصمان وأعان أحدهما على الآخر قتل، ومن بال في الماء أو على الرّماد قتل، ومن أعطي بضاعة فخسر فيها ثم أخذ بضاعة أخرى فخسر فيها ثم أخذ بضاعة أخرى فخسر فيها فإنّه يقتل بعد الثالثة، ومن أطعم أسير قوم أو كساه بغير إذنهم قتل، ومن وجد عبدا هاربا أو أسيرا قد هرب ولم يردّه على من كان في يديه قتل.
وأنّ الحيوان تكتّف قوائمه ويشقّ بطنه ويمرّس قلبه إلى أن يموت ثم يؤكل لحمه، وأنّ من ذبح حيوانا كذبيحة المسلمين ذبح، ومن وقع حمله أو قوسه أو شيء من متاعه، وهو يكرّ أو يفرّ في حالة القتال، وكان وراءه أحد، فإنّه ينزل ويناول صاحبه ما سقط منه، فإن لم ينزل ولم يناوله قتل.
وشرط ألاّ يكون على أحد من ولد عليّ بن أبي طالب ﵁ مؤنة ولا كلفة، وألاّ يكون على أحد من الفقراء، ولا القرّاء، ولا الفقهاء، ولا الأطبّاء، ولا من عداهم من أرباب العلوم وأصحاب العبادة والزّهد والمؤذّنين ومغسّلي الأموات كلفة ولا مؤنة. وشرط تعظيم جميع الملل من غير تعصّب لملّة على أخرى، وجعل ذلك كلّه قربة إلى اللّه تعالى.
وألزم قومه ألاّ يأكل أحد من يد أحد حتى يأكل المناول منه أوّلا، ولو أنّه أمير ومن يناوله أسير. وألزمهم ألاّ يتخصّص أحد بأكل شيء وغيره يراه، بل يشركه معه في أكله. وألزمهم أن لا يتميّز أحد منهم بالشّبع على أصحابه، ولا يتخطّى أحد نارا ولا مائدة ولا الطّبق الذي يؤكل عليه، وأن من مرّ بقوم وهم يأكلون فله أن ينزل ويأكل معهم من غير إذنهم وليس لأحد منعه.
وألزمهم ألاّ يدخل أحد منهم يده في الماء ولكنه يتناول/ الماء بشيء يغترفه به، ومنعهم من غسل ثيابهم بل يلبسونها حتى تبلى، ومنع أن يقال لشيء إنّه نجس، وقال جميع الأشياء طاهرة، ولم يفرّق بين طاهر ونجس.
وألزمهم ألاّ يتعصّبوا لشيء من المذاهب، ومنعهم من تفخيم الألفاظ ووضع الألقاب، وإنّما يخاطب السّلطان ومن دونه ويدعى باسمه فقط.
وألزم القائم بعده بعرض العساكر وأسلحتها إذا أرادوا الخروج إلى القتال، وأنّه يعرض كلّ ما سافر به عسكره، وينظر حتى الإبرة والخيط، فمن وجده قد قصّر في شيء ممّا يحتاج إليه عند عرضه إياه عاقبه، وألزم نساء العساكر بالقيام بما على الرّجال من السّخر والكلف، في مدّة غيبتهم في القتال، وجعل على العساكر إذا قدمت من القتال كلفة يقومون بها للسّلطان ويؤدّونها إليه.
وألزمهم عند رأس كلّ سنة بعرض سائر بناتهم الأبكار على السّلطان ليختار منهن لنفسه وأولاده. ورتّب لعساكره أمراء، وجعلهم أمراء ألوف، وأمراء مئين، وأمراء عشراوات. وشرع
стр. 2305
أن أكبر الأمراء إذا أذنب وبعث إليه الملك أخسّ من عنده حتى يعاقبه، فإنّه يلقي نفسه إلى الأرض بين يدي الرّسول وهو ذليل خاضع، حتى يمضي فيه ما أمر به الملك من العقوبة ولو كانت بذهاب نفسه.
وألزمهم ألاّ يتردّد الأمراء لغير الملك، فمن تردّد منهم لغير الملك قتل، ومن تغيّر عن موضعه الذي يرسم له بغير إذن قتل، وألزم السّلطان بإقامة البريد حتى يعرف أخبار مملكته بسرعة.
وجعل حكم اليّاسة لولده جفتاي بن جنكز خان؛ فلمّا مات التزم من بعده من أولاده وأتباعهم حكم اليّاسة كالتزام أوّل المسلمين حكم القرآن، وجعلوا ذلك دينا لم يعرف عن أحد منهم مخالفته بوجه.
فلمّا كثرت وقائع التّتر في بلاد المشرق والشّمال وبلاد القبجاق، وأسروا كثيرا منهم وباعوهم، تنقّلوا في الأقطار. واشترى الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب جماعة منهم سمّاهم «البحريّة»، ومنهم من ملك ديار مصر، وأوّلهم المعزّ أيبك. ثم كانت لقطز معهم الواقعة المشهورة على عين جالوت وهزم التّتار وأسر منهم خلقا كثيرا صاروا بمصر والشّام (١).
ثم كثرت «الوافديّة» في أيّام الملك الظّاهر بيبرس وملأوا مصر والشّام، وخطب للملك بركة ابن يوشى بن جنكز خان على منابر مصر والشّام والحرمين. فغصّت أرض مصر والشّام بطوائف المغل، وانتشرت عاداتهم بها وطرائقهم. هذا وملوك مصر وأمراؤها وعساكرها قد ملئت قلوبهم رعبا من جنكز خان وبنيه، وامتزج بلحمهم ودمهم مهابتهم وتعظيمهم (٢).
وكانوا إنّما ربّوا بدار الإسلام، ولقّنوا القرآن، وعرفوا أحكام الملّة المحمّديّة فجمعوا بين الحقّ والباطل، وضمّوا الجيّد إلى الرّديء، وفوّضوا لقاضي القضاة كلّ ما يتعلّق بالأمور الدّينية من الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ، وناطوا به أمر الأوقاف والأيتام، وجعلوا إليه النّظر في الأقضية الشّرعيّة، كتداعي الزّوجين وأرباب الدّيون ونحو ذلك. واحتاجوا في ذات أنفسهم إلى الرّجوع لعادة جنكز خان والاقتداء بحكم الياسة. فلذلك نصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه
стр. 2306
من عوائدهم، والأخذ على يد قويّهم وإنصاف الضّعيف منه، على مقتضى ما في الياسة.
وجعلوا إليه مع ذلك النّظر في قضايا الدّواوين السّلطانية، عند الاختلاف في أمور الإقطاعات، لينفّذ ما استقرّت عليه أوضاع الدّيوان وقواعد الحساب، وكان من أجلّ القواعد وأفضلها. حتى تحكّم القبط في الأموال وخراج الأراضي، فشرّعوا في الدّيوان ما لم يأذن به اللّه تعالى، ليصير لهم ذلك سبيلا إلى أكل مال اللّه تعالى بغير حقّه. وكان مع ذلك يحتاج الحاجب إلى مراجعة النّائب أو السّلطان في معظم الأمور.
هذا وستر الحياء يومئذ مسدول، وظلّ العدل صاف، وجناب الشّريعة محترم، وناموس الحشمة مهاب. فلا يكاد أحد أن يزيغ عن الحقّ، ولا يخرج عن قضيّة الحياء، إن لم يكن له وازع من دين كان له ناه من عقل. ثم تقلّص ظلّ العدل، وسفرت أوجه الفجور، وكشّر الجور أنيابه، وقلّت المبالاة وذهب الحياء والحشمة من النّاس، حتى فعل من شاء ما شاء. وتعدّت منذ عهد المحن التي كانت في سنة ستّ وثمان مائة الحجّاب، وهتكوا الحرمة وتحكّموا بالجور تحكّما خفي معه نور الهدى، وتسلّطوا على النّاس مقتا من اللّه لأهل مصر وعقوبة لهم بما كسبت أيديهم؛ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ اَلَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الآية ٤١ سورة الرّوم].
وكان أوّل ما حكم الحجّاب في الدّولة التركية بين النّاس بمصر، أنّ السّلطان الملك الكامل شعبان بن النّاصر محمد بن قلاوون استدعى الأمير شمس الدّين آق سنقر النّاصري - نائب طرابلس - ليولّيه نيابة السّلطنة بديار مصر عوضا عن الأمير سيف الدّين بيغرا، أميرا حاجبا كبيرا يحكم بين النّاس، فخلع عليه في جمادى الأولى سنة ستّ وأربعين وسبع مائة، فحكم بين النّاس كما كان نائب السّلطنة يحكم، وجلس بين يديه موقّعان من موقّعي السّلطان لمكاتبة الولاة بالأعمال ونحوهم، فاستمرّ ذلك. ثم رسم في جمادى الآخرة منها أن يكون الأمير رسلان يصل حاجبا مع بيغرا يحكم بالقاهرة/ على عادة الحجّاب.
فلمّا انقضت دولة الكامل بأخيه الملك المظفّر حاجي بن محمد، استقرّ الأمير سيف الدّين أرقطاي نائب السّلطنة، فعاد أمر الحجّاب إلى العادة القديمة إلى أن كانت ولاية الأمير سيف الدّين جرجي الحجابة، في أيّام السّلطان الملك الصّالح صالح بن محمد بن قلاوون، فرسم له أن يتحدّث في أمر (¬a) أرباب الدّيون ويفصلهم من غرمائهم بأحكام السّياسة. ولم
стр. 2307
تكن عادة الحجّاب فيما تقدّم أن يحكموا في الأمور الشّرعيّة.
وكان سبب ذلك وقوف تجّار العجم للسّلطان بدار العدل في أثناء سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة، وذكروا أنّهم ما خرجوا من بلادهم إلاّ لكثرة ما ظلمهم التّتار وجاروا عليهم، وأنّ التّجّار بالقاهرة اشتروا منهم عدّة بضائع وأكلوا أثمانها، ثم هم يثبتون على يد القاضي الحنفي إعسارهم وهم في سجنه، وقد أفلس بعضهم. فرسم للأمير جرجي بإخراج غرمائهم من السّجن، وخلاص ما في قبلهم للتجّار، وأنكر على قاضي القضاة جمال الدّين عبد اللّه التّركماني الحنفي ما عمله، ومنع من التّحدّث في أمر التّجّار والمدينين. فأخرج جرجي غرماء التّجّار من السّجن وعاقبهم، حتى أخذ للتّجّار ما لهم عندهم (¬a) شيئا بعد شيء. وتمكّن الحجّاب من حينئذ من التّحكّم على النّاس بما شاءوا.
أمير جاندار
موضوع أمير جاندار (١) التّسلّم لباب السّلطان، وله به (¬b) البرددارية (٢)، وطوائف الرّكابية، والخراسانية، (¬c) والجاندارية. وهو الذي يقدّم البريد إذا قدم مع الدّوادار وكاتب السّرّ، وإذا أراد السّلطان تقرير أحد من الأمراء على شيء أو قتله بذنب كان ذلك على يد أمير جاندار. وهو أيضا المتسلّم للزّردخاناه، وكانت أرفع السّجون قدرا ومن اعتقل بها لا تطول مدّته بها، بل يقتل أو يخلّى سبيله؛ وهو الذي يدور بالزّفّة حول السّلطان في سفره مساء وصباحا (٣).
стр. 2308
الأستادّار (¬a)) كان (١) الأستادّار (¬a) إليه أمر البيوت السّلطانية كلّها من المطابخ والشّراب خاناه والحاشية والغلمان، وهو الذي كان يمشي بطلب السّلطان في السّرحات والأسفار، وله الحكم في غلمان السّلطان وباب داره، وإليه أمور الجاشنكيرية - وإن كان كبيرهم نظيره في الإمرة من ذوي المئين - وله أيضا الحديث المطلق والتصرّف التّام في استدعاء ما يحتاجه كلّ من في بيت من بيوت السّلطان من النّفقات والكساوي وما يجري مجرى ذلك (٢).
ولم تزل رتبة الأستادّار على ذلك حتى كانت الأيّام الظّاهريّة برقوق، فأقام الأمير جمال الدّين محمود بن عليّ بن أصفر عينه أستادّارا (٣)، وناط به تدبير أموال المملكة، فتصرّف في جميع ما يرجع إليه (¬b) أمر الوزير وناظر الخاصّ، وصارا يتردّدان إلى بابه ويمضيان الأمور برأيه. فجلّت من حينئذ رتبة الأستادّار بحيث أنّه صار في معنى ما كان فيه الوزير في أيّام الخلفاء سيّما إذا اعتبرت حال الأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار في الأيّام النّاصرية فرج بن برقوق، كما ذكرناه عند ذكر المدارس من هذا الكتاب (٤)، فإنّك تجده إنّما كان كالوزير العظيم لعموم تصرّفه ونفوذ أمره في سائر أحوال المملكة. واستقرّ ذلك لمن ولي الأستادّارية من بعده، والأمر على هذا إلى اليوم.
стр. 2309
أمير سلاح
هذا الأمير هو مقدّم السّلاح دارية، والمتولّي لحمل سلاح السّلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدّث في السّلاح خاناه وما يستعمل بها وما يقدّم إليها ويطلق منها (١)، وهو أبدا من أمراء المئين (٢).
الدّوادار
ومن عادة الدّولة أن يكون بها من أمرائها من يقال له «الدّوادار». وموضوعه لتبليغ الرّسائل عن السّلطان وإبلاغ عامّة الأمور، وتقديم القصص إلى السّلطان، والمشاورة على من يحضر إلى الباب وتقديم البريد هو وأمير جاندار وكاتب السّرّ. وهو الذي يقدّم إلى السّلطان كلّ ما تؤخذ عليه «العلامة السّلطانية» في المناشير والتّواقيع والكتب، وكان يخرج عن السّلطان بمرسوم ممّا يكتب، فيعيّن رسالته في المرسوم (٣).
واختلفت آراء ملوك التّرك في الدّوادار: فتارة كان من جملة (¬a) أمراء العشراوات والطّبلخاناه، وتارة كان من أمراء الألوف. فلمّا كانت الأيّام الأشرفية شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، ولي الأمير أقتمر الحنبلي وظيفة الدّوادارية - وكان عظيما في الدّولة - فصار يخرج المراسيم السّلطانية بغير مشاورة كما يخرج نائب السّلطنة، ويعينّ في المرسوم أنّ ذلك (¬b) كتب برسالته، ثم نقل إلى نيابة السّلطنة، وأقام الأشرف عوضه الأمير طاشتمر الدّوادار، وجعله من أكبر أمراء
стр. 2310
الألوف. فاقتدى به الملك الظّاهر برقوق، وجعل الأمير يونس الدّوادار من أكبر أمراء الألوف، فعظمت منزلته وقويت مهابته.
ثم لمّا عادت الدّولة الظّاهريّة بعد زوالها، ولي الدّواداريّة الأمير بوطا، فتحكّم تحكّما زائدا عن المعهود في الدّواداريّة، وتصرّف كتصرّف النّوّاب، وولّى وعزل، وحكم في القضايا المعضلة.
فصار ذلك من بعده عادة لمن ولي الدّواداريّة سيّما لمّا ولي الأمير يشبك والأمير جكم الدّوادارية في أيّام النّاصر فرج، فإنّهما تحكّما في جليل أمور الدّولة وحقيرها من المال والبريد والأحكام والعزل والولاية. وما برح الحال على هذا في الأيّام النّاصريّة، وكذلك الحال في الأيّام المؤيّدية يقارب/ ذلك.
نقابة الجيوش
هذه الرّتبة كانت في الدّولة التّركيّة من الرّتب الجليلة، ويكون متولّيها كأحد الحجّاب الصّغار، وله تحلية الجند في عرضهم، ومعه يمشي النّقباء. فإذا طلب السّلطان أو النّائب أو حاجب الحجّاب أميرا أو جنديّا، كان هو المخاطب في الإرسال إليه، وهو الملزوم بإحضاره. وإذا أمر أحد منهم بالتّرسيم على أمير أو جندي، كان نقيب الجيش هو الذي يرسم عليه. وكان من رسمه أنّه هو الذي يمشي بالخزانة (¬a) السّلطانية في الموكب حالة السّرحة وفي مدّة السّفر (١).
ثم انحطّت اليوم هذه الرّتبة، وصار نقيب الجيش عبارة عن كبير النّقباء المعدّين لترويع خلق اللّه، وأخذ (¬b)) الأموال من النّاس على سبيل القهر (¬b) عند طلب أحد إلى باب الحاجب. ويضيفون إلى أكلهم أموال النّاس بالباطل افتراءهم على اللّه الكذب، فيقولون على المال الذي يأخذونه باطلا: هذا حقّ الطّريق، والويل لمن نازعهم في ذلك. وهم أحد أسباب خراب الإقليم، كما تتبيّن في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر الأسباب التي أوجبت خراب الإقليم (٢).
стр. 2311
الولاية
وهي التي يسمّيها السّلف الشّرطة (١)، وبعضهم يقول صاحب العسس. والعسس: الطّواف باللّيل لتتبّع أهل الرّيب، يقول: عسّ يعسّ عسّا وعسسا. وأوّل من عسّ باللّيل عبد اللّه ابن مسعود ﵁ أمره أبو بكر الصّديق ﵁ بعسّ المدينة.
خرّج أبو داود، عن الأعمش، عن زيد قال: أتى عبد اللّه بن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد اللّه: إنّا قد نهينا عن التّجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
وذكر الثّعلبي عن زيد بن وهب أنّه قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التّجسّس، فإن ظهر لنا شيء نأخذ به.
وكان عمر بن الخطّاب ﵁ يتولّى في خلافته العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم ﵁، وربّما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف.
قاعة الصّاحب (¬a) (٢).
وكانت وظيفة الوزارة أجلّ رتب أرباب الأقلام، لأنّ متولّيها ثاني السّلطان إذا أنصف وعرف حقّه؛ إلاّ أنّ ملوك الدّولة التّركيّة قدّموا رتبة النّيابة على رتبة (¬b) الوزارة، فتأخّرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، ووليها في الدّولة التّركيّة أناس من أرباب السّيوف وأناس من أرباب الأقلام (٣)، فصار
стр. 2312
الوزير إذا كان من أرباب الأقلام يطلق عليه اسم «الصّاحب»، بخلاف ما إذا كان الوزير (¬a) من أرباب السّيوف فإنّه لا يقال له الصّاحب.
وأصل هذه الكلمة في إطلاقها على الوزير أنّ الوزير إسماعيل بن عبّاد كان يصحب مؤيّد الدّولة أبا منصور بويه بن ركن الدّولة الحسن بن بويه الدّيلمي صاحب بلاد الرّيّ. وكان مؤيّد الدّولة شديد الميل إليه والمحبّة له فسمّاه «الصّاحب»، وكان الوزير حينئذ أبو الفتح عليّ بن العميد يعاديه لشدّة تمكّنه من مؤيّد الدّولة، فتلقّب الوزراء بعد ابن عبّاد بالصّاحب. ولا أعلم أحدا من وزراء خلفاء بني العبّاس، ولا وزراء الخلفاء الفاطميين، قيل له الصّاحب.
وقد جمعت في وزراء الإسلام كتابا جليل القدر، وأفردت وزراء مصر في تصنيف بديع (١).
والذي أعرف أنّ الوزير صفيّ الدّين عبد اللّه بن شكر - وزير العادل والكامل من ملوك مصر من بني أيّوب - كان يقال له الصّاحب، وكذلك من بعده من وزراء مصر إلى اليوم.
وكان وضع الوزير أنّه أقيم لنفاذ كلمته (¬b) وتمام تصرّفه. غير أنّها انحطّت عن ذلك بنيابة السّلطنة، ثم انقسم ما كان للوزير إلى ثلاثة: هم النّاظر في المال، وناظر الخاصّ، وكاتب السّرّ فإنّه يوقّع في دار العدل ما كان يوقّع فيه الوزير بمشاورة واستقلال (٢).
ثم تلاشت الوزارة في الأيّام الظّاهريّة برقوق بما أحدثه من «الدّيوان المفرد». وذلك أنّه لمّا ولي السّلطنة أفرد إقطاعه لمّا كان أميرا قبل سلطنته، وجعل له ديوانا سمّاه «الدّيوان المفرد»، وأقام فيه ناظرا وشاهدين وكتّابا، وجعل مرجع هذا الدّيوان إلى الأستادّار، وصرف ما يتحصّل منه في جوامك مماليك استجدّها شيئا بعد شيء حتى بلغت خمسة آلاف مملوك، وأضاف إلى هذا الدّيوان كثيرا من أعمال الدّيار المصرية. وبذلك قوي جانب الأستادّار وضعفت الوزارة، حتى
стр. 2313
صار الوزير قصارى نظره التّحدّث في أمر المكوس، فيستخرجها من جهاتها، ويصرفها في ثمن اللّحم وحوائج المطبخ وغير ذلك.
ولقد كان الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري يقول: الوزارة اليوم عبارة عن حوائج كاش عفش يشتري اللحم والحطب وحوائج الطّعام، وناظر الخاصّ غلام صلف يشتري الحرير والسّنجاب والصّوف والنّصافي، وأمّا ما كان للوزراء ونظّار الخاصّ في القديم فقد بطل.
ولقد صدق فيما قال، فإنّ الأمر على هذا.
وما رأينا الوزارة من بعد انحطاط رتبتها يرتفع قدر متولّيها إلاّ إذا أضيفت إلى الأستادّارية، كما وقع للأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار والأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج (١). وأمّا من ولي الوزارة بمفردها - سيّما من أرباب الأقلام - فإنّما هو كاتب كبير يتردّد ليلا ونهارا إلى باب الأستادّار، ويتصرّف بأمره ونهيه.
وحقيقة الوزارة اليوم/ أنّها انقسمت بين أربعة، وهم: كاتب السّرّ، والأستادّار، وناظر الخاصّ، والوزير. فأخذ كاتب السّرّ من الوزارة التّوقيع على القصص بالولايات، والعزل ونحو ذلك في دار العدل وفي داره. وأخذ الأستادّار التّصرّف في نواحي أرض مصر، والتّحدّث في الدّواوين السّلطانية، وفي كشّاف (¬a) الأقاليم وولاة النّواحي، وفي كثير من أمور أرباب الوظائف. وأخذ ناظر الخاصّ جانبا كبيرا من الأموال السّلطانية ليصرفها في تعلّقات الخزانة السّلطانية.
وبقي للوزير شيء يسير جدّا من النّواحي، والتّحدّث في المكوس وبعض الدّواوين، ومصارف المطبخ السّلطاني والسّواقي، وأشياء أخر. وإليه مرجع ناظر الدّولة، وشادّ الدّواوين، وناظر بيت المال، وناظر الأهراء، ومستوفي الدّولة، وناظر الجهات. وأمّا ناظر البيوت وناظر الإسطبلات فإنّ أمرهما يرجع إلى غيره.
стр. 2314
نظر الدّولة
هذه الوظيفة يقال لمتولّيها «ناظر النّظّار»، ويقال له «ناظر المال»، وهو يعرف اليوم ب «ناظر الدّولة»، وتلي رتبته رتبة الوزارة. فإذا غاب الوزير أو تعطّلت الوزارة من وزير، قام ناظر الدّولة بتدبير الدّولة، وتقدّم إلى شادّ الدّواوين بتحصيل الأموال وصرف هو (¬a) النّفقات والكلف.
واقتصر الملك النّاصر محمد بن قلاوون على ناظر الدّولة مدّة أعوام من غير تولية وزير، ومشّى أمور الدّولة على ذلك حتى مات.
ولابد أن يكون مع ناظر الدّولة مستوفون يضبطون كلّيّات المملكة وجزئياتها. ورأس المستوفين «مستوفي الصّحبة» وهو يتحدّث في سائر المملكة مصرا وشاما، ويكتب مراسيم يعلّم عليها السّلطان: فتكون تارة بما يعمل في البلاد، وتارة بالإطلاقات، وتارة باستخدامات (¬b) كتّاب في صغار الأعمال ومن هذا النّحو وما يجري مجراه، وهي وظيفة جليلة تلي نظر الدّولة. وبقيّة المستوفين كلّ منهم حديثه مقيّد لا يتعدّى حديثه قطرا من أقطار المملكة.
وهذا الدّيوان - أعني ديوان النّظر - هو أرفع دواوين المال، وفيه تثبت التّواقيع والمراسيم السّلطانية، وكلّ ديوان من دواوين المال إنّما هو فرع هذا الدّيوان، وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه، وإليه يرجع أمر الإستيمار الذي يشتمل على أرزاق ذوي الأقلام وغيرهم مياومة ومشاهرة ومسانهة من الرّواتب (١).
وكانت أرزاق ذوي الأقلام مشاهرة من مبلغ عين وغلّة، وكان لأعيانهم الرّواتب الجارية في اليوم من اللّحم بتوابله أو غير توابله، والخبز والعليق لدوابّهم، وكان لأكابرهم السّكّر والشّمع والزّيت والكسوة في كلّ سنة والأضحية، وفي شهر رمضان السّكّر والحلوى.
وأكثرهم نصيبا الوزير، وكان معلومه في الشّهر مائتين وخمسين دينارا جيشيّة (٢) مع الأصناف المذكورة والغلّة وتبلغ نظير المعلوم، ثم ما دون ذلك من المعلوم لمن عدا الوزير، وما دون دونه.
стр. 2315
وكان معلوم القضاة والعلماء أكثره خمسون دينارا في كلّ شهر، مضافا لما بيدهم من المدارس التي يستدرّون من أوقافها.
وكان أيضا يصرف على سبيل الصّدقات الجارية والرّواتب الدارّة على جهات ما بين مبلغ وغلّة وخبز ولحم وزيت وكسوة وشعير، هذا سوى الأرض من النّواحي التي يعرف المرتّب عليها ب «الرّزق (¬a) الأحباسيّة» (١).
وكانوا يتوارثون هذه المرتّبات ابنا عن أب، ويرثها الأخ عن أخيه، وابن العمّ عن ابن العمّ، بحيث أنّ كثيرا ممّن مات وخرج إدراره من مرتّبه لأجنبي، لمّا جاء قريبه وقدّم قصّته يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه، أعيد إليه ذلك المرتّب ممّن كان خرج باسمه.
نظر البيوت
كان من الوظائف الجليلة، وهي وظيفة متولّيها منوط بالأستادّار فكلّ ما يتحدّث فيه أستادّار السّلطان فإنّه يشاركه في التّحدّث، وهذا كان أيّام كون الأستادّار ونظره لا يتعدّى بيوت