الولاية
وهي التي يسمّيها السّلف الشّرطة (١)، وبعضهم يقول صاحب العسس. والعسس: الطّواف باللّيل لتتبّع أهل الرّيب، يقول: عسّ يعسّ عسّا وعسسا. وأوّل من عسّ باللّيل عبد اللّه ابن مسعود ﵁ أمره أبو بكر الصّديق ﵁ بعسّ المدينة.
خرّج أبو داود، عن الأعمش، عن زيد قال: أتى عبد اللّه بن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا، فقال عبد اللّه: إنّا قد نهينا عن التّجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
وذكر الثّعلبي عن زيد بن وهب أنّه قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التّجسّس، فإن ظهر لنا شيء نأخذ به.
وكان عمر بن الخطّاب ﵁ يتولّى في خلافته العسس بنفسه، ومعه مولاه أسلم ﵁، وربّما استصحب معه عبد الرحمن بن عوف.
قاعة الصّاحب (¬a) (٢).
وكانت وظيفة الوزارة أجلّ رتب أرباب الأقلام، لأنّ متولّيها ثاني السّلطان إذا أنصف وعرف حقّه؛ إلاّ أنّ ملوك الدّولة التّركيّة قدّموا رتبة النّيابة على رتبة (¬b) الوزارة، فتأخّرت الوزارة حتى قعد بها مكانها، ووليها في الدّولة التّركيّة أناس من أرباب السّيوف وأناس من أرباب الأقلام (٣)، فصار
стр. 2312
الوزير إذا كان من أرباب الأقلام يطلق عليه اسم «الصّاحب»، بخلاف ما إذا كان الوزير (¬a) من أرباب السّيوف فإنّه لا يقال له الصّاحب.
وأصل هذه الكلمة في إطلاقها على الوزير أنّ الوزير إسماعيل بن عبّاد كان يصحب مؤيّد الدّولة أبا منصور بويه بن ركن الدّولة الحسن بن بويه الدّيلمي صاحب بلاد الرّيّ. وكان مؤيّد الدّولة شديد الميل إليه والمحبّة له فسمّاه «الصّاحب»، وكان الوزير حينئذ أبو الفتح عليّ بن العميد يعاديه لشدّة تمكّنه من مؤيّد الدّولة، فتلقّب الوزراء بعد ابن عبّاد بالصّاحب. ولا أعلم أحدا من وزراء خلفاء بني العبّاس، ولا وزراء الخلفاء الفاطميين، قيل له الصّاحب.
وقد جمعت في وزراء الإسلام كتابا جليل القدر، وأفردت وزراء مصر في تصنيف بديع (١).
والذي أعرف أنّ الوزير صفيّ الدّين عبد اللّه بن شكر - وزير العادل والكامل من ملوك مصر من بني أيّوب - كان يقال له الصّاحب، وكذلك من بعده من وزراء مصر إلى اليوم.
وكان وضع الوزير أنّه أقيم لنفاذ كلمته (¬b) وتمام تصرّفه. غير أنّها انحطّت عن ذلك بنيابة السّلطنة، ثم انقسم ما كان للوزير إلى ثلاثة: هم النّاظر في المال، وناظر الخاصّ، وكاتب السّرّ فإنّه يوقّع في دار العدل ما كان يوقّع فيه الوزير بمشاورة واستقلال (٢).
ثم تلاشت الوزارة في الأيّام الظّاهريّة برقوق بما أحدثه من «الدّيوان المفرد». وذلك أنّه لمّا ولي السّلطنة أفرد إقطاعه لمّا كان أميرا قبل سلطنته، وجعل له ديوانا سمّاه «الدّيوان المفرد»، وأقام فيه ناظرا وشاهدين وكتّابا، وجعل مرجع هذا الدّيوان إلى الأستادّار، وصرف ما يتحصّل منه في جوامك مماليك استجدّها شيئا بعد شيء حتى بلغت خمسة آلاف مملوك، وأضاف إلى هذا الدّيوان كثيرا من أعمال الدّيار المصرية. وبذلك قوي جانب الأستادّار وضعفت الوزارة، حتى
стр. 2313
صار الوزير قصارى نظره التّحدّث في أمر المكوس، فيستخرجها من جهاتها، ويصرفها في ثمن اللّحم وحوائج المطبخ وغير ذلك.
ولقد كان الوزير الصّاحب سعد الدّين نصر اللّه بن البقري يقول: الوزارة اليوم عبارة عن حوائج كاش عفش يشتري اللحم والحطب وحوائج الطّعام، وناظر الخاصّ غلام صلف يشتري الحرير والسّنجاب والصّوف والنّصافي، وأمّا ما كان للوزراء ونظّار الخاصّ في القديم فقد بطل.
ولقد صدق فيما قال، فإنّ الأمر على هذا.
وما رأينا الوزارة من بعد انحطاط رتبتها يرتفع قدر متولّيها إلاّ إذا أضيفت إلى الأستادّارية، كما وقع للأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار والأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج (١). وأمّا من ولي الوزارة بمفردها - سيّما من أرباب الأقلام - فإنّما هو كاتب كبير يتردّد ليلا ونهارا إلى باب الأستادّار، ويتصرّف بأمره ونهيه.
وحقيقة الوزارة اليوم/ أنّها انقسمت بين أربعة، وهم: كاتب السّرّ، والأستادّار، وناظر الخاصّ، والوزير. فأخذ كاتب السّرّ من الوزارة التّوقيع على القصص بالولايات، والعزل ونحو ذلك في دار العدل وفي داره. وأخذ الأستادّار التّصرّف في نواحي أرض مصر، والتّحدّث في الدّواوين السّلطانية، وفي كشّاف (¬a) الأقاليم وولاة النّواحي، وفي كثير من أمور أرباب الوظائف. وأخذ ناظر الخاصّ جانبا كبيرا من الأموال السّلطانية ليصرفها في تعلّقات الخزانة السّلطانية.
وبقي للوزير شيء يسير جدّا من النّواحي، والتّحدّث في المكوس وبعض الدّواوين، ومصارف المطبخ السّلطاني والسّواقي، وأشياء أخر. وإليه مرجع ناظر الدّولة، وشادّ الدّواوين، وناظر بيت المال، وناظر الأهراء، ومستوفي الدّولة، وناظر الجهات. وأمّا ناظر البيوت وناظر الإسطبلات فإنّ أمرهما يرجع إلى غيره.
стр. 2314
نظر الدّولة
هذه الوظيفة يقال لمتولّيها «ناظر النّظّار»، ويقال له «ناظر المال»، وهو يعرف اليوم ب «ناظر الدّولة»، وتلي رتبته رتبة الوزارة. فإذا غاب الوزير أو تعطّلت الوزارة من وزير، قام ناظر الدّولة بتدبير الدّولة، وتقدّم إلى شادّ الدّواوين بتحصيل الأموال وصرف هو (¬a) النّفقات والكلف.
واقتصر الملك النّاصر محمد بن قلاوون على ناظر الدّولة مدّة أعوام من غير تولية وزير، ومشّى أمور الدّولة على ذلك حتى مات.
ولابد أن يكون مع ناظر الدّولة مستوفون يضبطون كلّيّات المملكة وجزئياتها. ورأس المستوفين «مستوفي الصّحبة» وهو يتحدّث في سائر المملكة مصرا وشاما، ويكتب مراسيم يعلّم عليها السّلطان: فتكون تارة بما يعمل في البلاد، وتارة بالإطلاقات، وتارة باستخدامات (¬b) كتّاب في صغار الأعمال ومن هذا النّحو وما يجري مجراه، وهي وظيفة جليلة تلي نظر الدّولة. وبقيّة المستوفين كلّ منهم حديثه مقيّد لا يتعدّى حديثه قطرا من أقطار المملكة.
وهذا الدّيوان - أعني ديوان النّظر - هو أرفع دواوين المال، وفيه تثبت التّواقيع والمراسيم السّلطانية، وكلّ ديوان من دواوين المال إنّما هو فرع هذا الدّيوان، وإليه يرفع حسابه وتتناهى أسبابه، وإليه يرجع أمر الإستيمار الذي يشتمل على أرزاق ذوي الأقلام وغيرهم مياومة ومشاهرة ومسانهة من الرّواتب (١).
وكانت أرزاق ذوي الأقلام مشاهرة من مبلغ عين وغلّة، وكان لأعيانهم الرّواتب الجارية في اليوم من اللّحم بتوابله أو غير توابله، والخبز والعليق لدوابّهم، وكان لأكابرهم السّكّر والشّمع والزّيت والكسوة في كلّ سنة والأضحية، وفي شهر رمضان السّكّر والحلوى.
وأكثرهم نصيبا الوزير، وكان معلومه في الشّهر مائتين وخمسين دينارا جيشيّة (٢) مع الأصناف المذكورة والغلّة وتبلغ نظير المعلوم، ثم ما دون ذلك من المعلوم لمن عدا الوزير، وما دون دونه.
стр. 2315
وكان معلوم القضاة والعلماء أكثره خمسون دينارا في كلّ شهر، مضافا لما بيدهم من المدارس التي يستدرّون من أوقافها.
وكان أيضا يصرف على سبيل الصّدقات الجارية والرّواتب الدارّة على جهات ما بين مبلغ وغلّة وخبز ولحم وزيت وكسوة وشعير، هذا سوى الأرض من النّواحي التي يعرف المرتّب عليها ب «الرّزق (¬a) الأحباسيّة» (١).
وكانوا يتوارثون هذه المرتّبات ابنا عن أب، ويرثها الأخ عن أخيه، وابن العمّ عن ابن العمّ، بحيث أنّ كثيرا ممّن مات وخرج إدراره من مرتّبه لأجنبي، لمّا جاء قريبه وقدّم قصّته يذكر فيها أولويته بما كان لقريبه، أعيد إليه ذلك المرتّب ممّن كان خرج باسمه.
نظر البيوت
كان من الوظائف الجليلة، وهي وظيفة متولّيها منوط بالأستادّار فكلّ ما يتحدّث فيه أستادّار السّلطان فإنّه يشاركه في التّحدّث، وهذا كان أيّام كون الأستادّار ونظره لا يتعدّى بيوت
стр. 2316
السّلطان وما تقدّم ذكره. فأمّا منذ عظم قدر الأستادّار ونفذت كلمته في جمهور أموال الدّولة، فإنّ نظر البيوت اليوم شيء لا معنى له (١).
نظر بيت المال
كان وظيفة جليلة معتبرة. وموضوع متولّيها التّحدّث في حمول المملكة مصرا وشاما إلى بيت المال بقلعة الجبل، وفي صرف ما ينصرف منه تارة بالميزان (¬a) وتارة بالتّسبيب بالأقلام (٢).
وكان أبدا يصعد ناظر بيت المال ومعه شهود بيت المال وصيرفي بيت المال وكاتب بيت (¬b) المال، إلى قلعة الجبل. ويجلس في بيت المال فيكون له هناك أمر ونهي وحال جليلة، لكثرة الحمول الواردة، وخروج الأموال المصروفة في الرّواتب لأهل الدّولة. وكانت أمرا عظيما بحيث أنّها بلغت في السنة (¬c)) أيّام وزارة صفيّ الدّين عبد اللّه بن شكر (¬c). نحو أربع مائة ألف دينار.
وكان لا يلي نظر بيت المال إلاّ من هو من ذوي العدالات المبرزة (٣)؛ ثم تلاشى المال وبيت المال، وذهب الاسم والمسمّى، ولا يعرف اليوم موضع (¬b) بيت المال من القلعة، ولا يدرى من ناظر بيت المال من النّاس (¬d).
نظر الإسطبلات
هذه الوظيفة جليلة القدر إلى اليوم، وموضوعها الحديث في أموال الإسطبلات والمناخات وعليقها، وأرزاق من فيها من المستخدمين، وما بها من الاستعمالات والإطلاق، وكلّ ما يبتاع لها أو يبتاع بها (٤). وأوّل من استجدّها الملك النّاصر محمد بن قلاوون، وهو أوّل من زاد في رتبة
стр. 2317
أمير آخور، واعتنى/ بالأوجاقيّة والعرب الركّابة. وكان أبوه المنصور قلاوون يرغب في خيل برقة أكثر من خيل العرب، ولا يعرف عنه أنّه اشترى فرسا بأكثر من خمسة آلاف درهم، وكان يقول: خيل برقة نافعة، وخيل العرب زينة، بخلاف النّاصر محمد فإنه شغف باستدعاء الخيول من عرب آل مهنّا وآل فضل وغيرهم، وبسببها كان يبالغ في إكرام العرب، ويرغّبهم في أثمان خيولهم حتّى خرج عن الحدّ في ذلك.
فكثرت رغبة آل مهنّا وغيرهم في طلب خيول من عداهم من العربان، وتتبّعوا عتاق الخيل من مظانّها، وسمحوا بدفع الأثمان الزّائدة على قيمتها، حتى أتتهم طوائف العرب بكرائم خيولهم.
فتمكّنت آل مهنّا من السّلطان، وبلغوا في أيّامه الرّتب العليّة. وكان لا يحب خيول برقة، وإذا أخذ منها شيئا أعدّه للتفرقة على الأمراء البرّانيّين، ولا يسمح بخيول آل مهنّا إلا لأعزّ الأمراء وأقرب الخاصّكية منه.
وكان جيّد المعرفة بالخيل شياتها وأنسابها، لا يزال يذكر أسماء من أحضرها إليه ومبلغ ثمنها.
فلمّا اشتهر عنه ذلك، جلب إليه أهل البحرين والحساء والقطيف وأهل الحجاز والعراق كرائم خيولهم، فدفع لهم في الفرس من عشرة آلاف درهم إلى عشرين إلى ثلاثين ألف درهم: عنها ألف وخمس مائة مثقال من الذّهب سوى ما ينعم به على مالكه من الثّياب الفاخرة له ولنسائه، ومن السّكّر ونحوه، فلم تبق طائفة من العرب حتى قادت إليه عتاق خيلها.
وبلغ من رغبة السّلطان فيها أنّه صرف في أثمانها دفعة واحدة، من جهة كريم الدّين ناظر الخاصّ، ألف ألف درهم في يوم واحد، وتكرّر هذا منه غير مرّة، وبلغ ثمن الفرس الواحد من خيول آل مهنّا الستين ألف درهم والسبعين ألف درهم، واشترى كثيرا من الحجورة بالثمانين ألفا والتسعين ألفا، واشترى بنت الكرماء (¬a) بمائة ألف درهم: عنها خمسة آلاف مثقال من الذّهب، هذا سوى الإنعامات بالضّياع من بلاد الشّام.
وكان من عنايته بالخيل لا يزال يتفقّدها بنفسه. فإذا أصيب منها فرس أو كبر سنّه، بعث به إلى الجشّار (١). وتنزى الفحول المعروفة عنده على الحجورة بين يديه، وكتّاب الإسطبل تؤرّخ تاريخ
стр. 2318
نزوها، واسم الحصان والحجرة. فتوالدت عنده خيول كثيرة اغتنى بها عن الجلب، ومع ذلك فلم تكن عنده في منزلة ما يجلب منها. وبهذا ضخمت سعادة آل مهنّا. وكثرت أموالهم وضياعهم، فعزّ جانبهم، وكثر عددهم، وهابهم من سواهم من العرب.
وبلغت عدّة خيول الجشّارات في أيّامه نحو ثلاثة آلاف فرس، وكان يعرضها في كلّ سنة ويروّغ أولادها بين يديه، ويسلّمها للعربان الرّكّابة، وينعم على الأمراء الخاصّكية بأكثرها، ويتبجّح بها، ويقول: هذه فلانة بنت فلان، وهذا فلان ابن فلانة، وعمره كذا، وشراء أم هذا كذا وكذا.
كان لا يزال يؤكّد على الأمراء في تضمير الخيول، ويلزم كلّ أمير أن يضمر أربعة أفراس، ويتقدّم لأمير آخور أن يضمر للسّلطان عدّة منها، ويوصّيه بكتمان خبرها، ثم يشيع أنّها لأيدغمش أميرآخور، ويرسلها مع الخيل في حلبة السّباق خشية أن يسبقها فرس أحد من الأمراء فلا يحتمل ذلك، فإنّه ممّن لا يطيق شيئا ينقص ملكه. وكان السّباق في كلّ سنة بميدان القبق ينزل بنفسه (١)، وتحضر الأمراء بخيولها المضمّرة، فيجريها وهو على فرسه حتى تنقضي نوبها.
وكانت عدّتها مائة وخمسين فرسا فما فوقها.
فاتّفق أنّه كان عند الأمير قطلوبغا الفخري حصان أدهم سبق خيل مصر كلّها في ثلاث سنين متوالية أيام السّباق، وبعث إليه الأمير مهنّا فرسا شهباء على أنّها إن سبقت خيل مصر فهي للسّلطان، وإن سبقها فرس ردّت إليه، ولا يركبها عند السّباق إلاّ بدوي قادها.
فركب السّلطان للسّباق في أمرائه على عادته، ووقف معه سليمان وموسى ابنا مهنّا، وأرسلت الخيول من بركة الحجّاج (¬a) على عادتها، وفيها فرس مهنّا، وقد ركبها البدوي عريا بغير سرج.
فأقبلت سائر الخيول تتبعها حتى وصلت المدى، وهي عري بغير سرج، والبدوي عليها بقميص وطاقية. فلمّا وقفت بين يدي السّلطان، صاح البدوي: السّعادة لك اليوم يا مهنّا لا شقيت.
فشقّ على السّلطان أنّ خيله سبقت، وأبطل التّضمير من خيله، وصارت الأمراء تضمر على عادتها.
стр. 2319
ومات النّاصر محمد عن أربعة آلاف وثمان مائة فرس، وترك زيادة على خمسة آلاف من الهجن الأصائل والنّوق المهريات والقرشيّات سوى أتباعها، وبطل بعده السّباق (١).
فلمّا كانت الأيّام الظّاهرية برقوق عني بالخيل أيضا، ومات عن سبعة آلاف فرس وخمسة عشر ألف جمل.
ديوان الإنشاء
وكان بجوار قاعة الصّاحب بقلعة الجبل ديوان الإنشاء (٢)، يجلس فيه كاتب السّرّ وعنده موقّعو الدّرج وموقّعو الدّست، في أيّام المواكب طول النّهار، ويحمل إليهم من المطبخ السّلطاني المطاعم.
وكانت الكتب الواردة وتعليق ما يكتب من الباب السّلطاني، موضوعه بهذه القاعة. وأنا جلست بها عند القاضي بدر الدّين محمّد بن فضل اللّه العمري، أيّام مباشرتي التّوقيع السّلطاني، إلى نحو التسعين (¬a) والسبع مائة.
فلمّا زالت/ الدّولة الظّاهرية برقوق ثم عادت، اختلّت أمور كثيرة، منها أمر قاعة الإنشاء بالقلعة وهجرت، وأخذ ما كان فيها من الأوراق وبيعت بالقنطار (٣)، ونسي رسمها.
و «كتابة السّرّ» رتبة قديمة ولها أصل في السّنّة، فقد خرّج أبو بكر عبد اللّه بن أبي داود سليمان ابن الأشعث السّجستاني في «كتاب المصاحف»، من حديث الأعمش، عن ثابت بن عبيد، عن زيد بن ثابت، قال: قال لي رسول اللّه ﷺ : «[أتحسن السّريانية ف] (¬b) إنّها تأتيني كتب لا أحبّ
стр. 2320
أن يقرأها كلّ أحد، فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية أو قال السّريانية؟» فقلت: نعم. قال:
فتعلّمتها في سبع عشرة ليلة (¬a) (١).
ولم يزل خلفاء الإسلام يختارون لكتابة سرّهم الواحد بعد الواحد.
وكان موضوع كتابة السّرّ في الدّولة التّركيّة على ما استقرّ عليه الأمر في الأيّام النّاصرية محمد ابن قلاوون، أنّ لمتولّيها - المسمّى ب «كاتب السّرّ» وب «صاحب ديوان الإنشاء»، ومن النّاس من يقول «ناظر ديوان الإنشاء» - قراءة الكتب الواردة على السّلطان، وكتابة أجوبتها إمّا بخطّه أو بخطّ كتّاب الدّست أو كتّاب الدّرج، بحسب الحال. وله تسفير الأجوبة بعد أخذ «علامة السّلطان» عليها، وله تصريف المراسيم ورودا وصدورا، وله الجلوس بين يدي السّلطان بدار العدل لقراءة القصص والتّوقيع عليها بخطّه في المجلس (٢). فصار يوقّع فيما كان يوقّع عليه بقلم الوزارة، وصار إليه التّحدّث في مجلس السّلطان عند عقد المشورة، وعند اجتماع الحكّام لفصل أمر مهم، وله التّوسّط بين الأمراء والسّلطان فيما يندب إليه عند الاختلاف أو التّدبير، وإليه ترجع أمور القضاة ومشايخ العلم ونحوهم في سائر المملكة مصرا وشاما، فيمضي من أمورهم ما أحبّ، ويشاور السّلطان فيما لا بدّ من مشاورته فيه.
стр. 2321
وكانت العادة أن يجلس تحت الوزير، فلمّا عظم تمكّن القاضي فتح الدّين فتح اللّه كاتب السّرّ من الدّولة، جلس فوق الوزير الصّاحب سعد الدّين إبراهيم البشيري، فاستمرّ ذلك لمن بعده.
ورتبة كتابة (¬a) السّرّ أجلّ الرّتب، وذلك أنّها منتزعة من الملك. فإنّ الدّولة العبّاسيّة صار خلفاؤها في أوّل أمرهم، منذ عهد أبي العبّاس السّفّاح إلى أيّام هارون الرّشيد، يستبدّون بأمورهم. فلمّا صارت الخلافة إلى هارون بن محمد (¬b) ألقى مقاليد الأمور إلى جعفر بن يحيى (¬c) البرمكي؛ فصار جعفر (¬d) يوقّع على رقاع الرّافعين بخطّه في الولايات، وإزالة الظّلامات، وإطلاق الأرزاق والعطيّات. فجلّت لذلك رتبته، وعظمت من الدّولة مكانته. وكان هو أوّل من وقّع من وزراء خلفاء بني العبّاس، وصار من بعده من الوزراء يوقّعون على القصص كما كان يوقّع.
وربّما انفرد رجل بديوان السّرّ وديوان التّرسّل، ثم أفردت في أخريات دولة بني العبّاس، واستقلّ بها كتّاب لم يبلغوا مبلغ الوزراء. وكانوا ببغداد يقال لهم «كتّاب الإنشاء»، وكبيرهم يدعى «رئيس ديوان الإنشاء» ويطلق عليه تارة «صاحب ديوان الإنشاء»، وتارة «كاتب السّرّ».
ومرجع هذا الدّيوان إلى الوزير وكان يقال له «الدّيوان العزيز»، وهو الذي يخاطبه الملوك في مكاتبات الخلفاء.
وكان في الدّولة السّلجوقية يسمّى ديوان الإنشاء ب «ديوان الطّغراء»، وإليه ينسب مؤيّد الدّين (¬e) الطّغرائي. و «الطّغراء» هي طرّة المكتوب، فيكتب بأعلى من البسملة بقلم غليظ ألقاب الملك، وكانت تقوم عندهم مقام خطّ السّلطان بيده على المناشير والكتب، ويستغنى بها عن «علامة السّلطان»، وهي لفظة فارسيّة (١).
وفي بلاد المغرب يقال لرئيس ديوان الإنشاء «صاحب القلم الأعلى».
وأمّا مصر فإنّه كان بها في القديم - لمّا كانت دار إمارة - «ديوان البريد». ويقال لمتولّيه صاحب
стр. 2322
البريد، وإليه مرجع ما يرد من دار الخلافة على أيدي أصحاب البريد من الكتب، وهو الذي يطالع بأخبار مصر. وكان لأمراء مصر كتّاب ينشئون عنهم الكتب والرّسائل إلى الخليفة وغيره.
فلمّا صارت مصر دار خلافة، كان القائد جوهر يوقّع على قصص الرّافعين إلى أن قدم المعزّ لدين اللّه فوقّع، وجعل أمر الأموال وما يتعلّق بها إلى يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن، فوليا أموال الدّولة. ثم فوّض العزيز باللّه أمر الوزارة ليعقوب بن كلّس، فاستبدّ بجميع أحوال المملكة، وجرى مجرى جعفر بن يحيى البرمكي، وكان يوقّع، ومع ذلك ففي أمراء الدّولة من يلي البريد.
وجرى الأمر فيما بعد على أن الوزراء يوقّعون، وقد يوقّع الخليفة بيده.
فلمّا كانت أيّام المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر وصرف أبا جعفر محمد بن جعفر بن المغربي عن وزارته، أفرد له «ديوان الإنشاء»، فوليه مدّة طويلة، وأدرك أيّام أمير الجيوش بدر الجمالي، وصار يلي ديوان الإنشاء بعده الأكابر، إلى أن انقرضت الدّولة وهو بيد القاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني. فاقتدت بهم الدّولة الأيّوبية، ثم الدّولة التّركيّة في ذلك، وصار الأمر على هذا إلى اليوم.
وصار متولّي رتبة كتابة السّرّ أعظم أهل الدّولة، إلاّ أنّه في الدّولة التّركيّة يكون معه من الأمراء واحد يقال له «الدّوادار»، منزلته منزلة صاحب البريد في الزّمن الأوّل (١). ومنزلة كاتب السّرّ منزلة صاحب ديوان الإنشاء، إلاّ أنّه يتميّز بالتّوقيع على القصص تارة بمراجعة السّلطان، وتارة بغير مراجعة. فلذلك يحتاج إليه/ سائر أهل الدّولة من أرباب السّيوف والأقلام، ولا يستغني عن حسن سفارته نائب الشّام فمن دونه، وللّه الأمر كلّه.
و (¬a)) كان هذا الدّيوان (¬a).
وأمّا في الدّولة الأيّوبية، فإنّ كتّاب الدّرج كانوا في الدّولة الكامليّة قليلين جدّا، وكانوا في غاية الصّيانة والنّزاهة وقلّة الخلطة بالنّاس. واتّفق أنّ الصّاحب زين الدّين يعقوب بن الزّبير كان من جملتهم، فسمع عنه (¬b) الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب أنّه يحضر في السّماعات، فصرفه من ديوان الإنشاء، وقال: هذا الدّيوان لا يحتمل مثل هذا.
стр. 2323
وكانت العادة ألاّ يحضر كتّاب الإنشاء الدّيوان يوم الجمعة. فعرض للملك الصّالح في بعض أيّام الجمع شغل مهمّ، فطلب بعض الموقّعين فلم يجد منهم أحدا، فقيل له إنّهم لا يحضرون يوم الجمعة، فقال: استخدموا في الدّيوان كاتبا نصرانيّا يقعد يوم الجمعة لمهمّ يطرأ، فاستخدم الأمجد بن العسّال كاتب الدّرج لهذا المعنى.
نظر الجيش
قد تقدّم أنّه كان يجلس بالقلعة دواوين الجيش في أيّام الموكب، وتقدّم في ذكر الإقطاعات وذكر النّيابة ما يدلّ على حال متولّي نظر الجيش. ولابد مع ناظر الجيش أن يكون من المستوفين من يضبط كلّيّات المملكة وجزئياتها في الإقطاعات (¬a) (١).
نظر الخاصّ
هذه الوظيفة - وإن كان لها ذكر قديم من عهد الخلفاء الفاطميين (٢) - فإنّ متولّيها لم يبلغ من جلالة القدر ما بلغ إليه في الدّولة التّركيّة. وذلك أنّ الملك النّاصر محمد بن قلاوون لمّا أبطل الوزارة، وأقام القاضي كريم الدّين الكبير في وظيفة نظر الخاصّ، صار متحّدثا فيما هو خاصّ بمال السّلطان يتحدّث في مجموع الأمر الخاصّ بنفسه، وفي القيام بأخذ رأيه فيه؛ فبقي تحدّثه فيه وبسببه كأنّه هو الوزير لقربه من السّلطان وزيادة تصرّفه (٣).
وإلى ناظر الخاصّ التّحدّث في الخزانة السّلطانية، وكانت بقلعة الجبل، وكانت كبيرة الوضع لأنّها مستودع أموال المملكة. وكان «نظر الخزانة» منصبا جليلا إلى أن استحدثت وظيفة «نظر الخاصّ»، فضعف أمر «نظر الخزانة» وأمر الخزانة أيضا، وصارت تسمّى ب «الخزانة الكبرى»، وهو اسم أكبر من مسمّاه، ولم يبق بها إلاّ خلع تخلع منها أو ما يحضر إليها ويصرف أوّلا فأوّلا،
стр. 2324
وصار نظر الخزانة مضافا إلى ناظر الخاصّ. وكان الرّسم أن لا يلي نظر الخزانة إلاّ القضاة أو من يلحق بهم (١).
وما برحت الخزانة بقلعة الجبل حتى عملها الأمير منطاش سجنا للمماليك الظّاهرية برقوق في سنة تسعين وسبع مائة، فتلاشت من حينئذ ونسي أمرها، وصارت الخلع ونحوها عند ناظر الخاصّ في داره.
ذكر عادة هذه المملكة في الخلع ومراتبها (¬a)
وكانت (٢) لأهل الدّولة في الخلع عوائد، وهم على ثلاثة أنواع: أرباب السّيوف، والأقلام، والعلماء. فأمّا أرباب السّيوف فكانت خلع أكابر أمراء المئين الأطلس الأحمر الرّومي، وتحته الأطلس الأصفر الرّومي، وعلى الفوقاني طرز زركش ذهب وتحته سنجاب، وله سجف من ظاهره مع الغشاء قندس (٣)، وكلّوتة زركش (٤) بذهب وكلاليب ذهب (٥)، وشاش لانس (٦) رفيع موصول به في طرفيه حرير أبيض مرقوم بألقاب السّلطان، مع نقوش باهرة من الحرير الملوّن، مع منطقة ذهب.
стр. 2325
ثم تختلف أحوال المنطقة بحسب مقاديرهم، فأعلاها أن يعمل (¬a) بين عمدها بواكر أوسط، ومجنّبتان بالبلخش والزّمرّد واللّؤلؤ، ثم ما كان ببيكاريّة واحدة مرصّعة، ثم ما كان ببيكاريّة واحدة غير مرّصعة (١). وأمّا من تقلّد ولاية كبيرة منهم فإنّه يزاد سيفا محلّى بذهب يحضر من السّلاح خاناه ويجلبه ناظر الخاصّ، ويزاد فرسا مسرجا ملجما بكنبوش ذهب (٢)، فالفرس من الإسطبل وقماشه من الرّكاب خاناه. ومرجع العمل في سروج الذّهب والكنابيش إلى ناظر الخاصّ.
وكان رسم صاحب حماة (٣) من أعلى هذه الخلع، ويعطى بدل الشّاش اللانس شاش من عمل الإسكندرية حرير شبيه بالطول، وينسج بالذّهب، ويعرف بالمتمّر (٤)، ويعطى فرسان أحدهما كما ذكر، والآخر يكون عوض كنبوشه زناري أطلس أحمر. وكانت لنائب الشّام - على ما استقرّ في أيّام النّاصر محمد بن قلاوون - مثل هذا، وزيد لتنكز (٥) تركيبة زركش ذهب دائرة بالقباء الفوقاني (٦).
ودون هذه الرّتبة في الخلع نوع يسمّى طرد وحش (¬b) يعمل بدار الطّراز التي كانت بالإسكندرية وبمصر وبدمشق، وهو مجوّخ جاخات كتابة بألقاب السّلطان، وجاخات طردوحش (¬b)، وجاخات ألوان ممتزجة بقصب مذهب؛ يفصل بين هذه الجاخات نقوش، وطراز هذا يكون من القصب، وربما كثّر (¬c) بعضهم فركّب عليه طرازا مزركشا بالذّهب، وعليه فرو
стр. 2326
سنجاب وقندس كما تقدّم، وتحت القباء الطّردوحش (¬a) (١) قباء من المفرّج الإسكندراني الطّرح، وكلّوتة زركش بكلاليب وشاش على ما تقدّم، وحياصة ذهب، فتارة تكون ببيكاريّة، وتارة لا يكون لها بيكاريّة، وهذه لأصاغر أمراء المئين ومن يلحق بهم (٢).
ودون هذه الرّتبة في الخلع كنجي (¬b) عليه نقش من لون آخر غير لونه، وقد يكون من نوع لونه بتفاوت بينهما، وتحته سنجاب بقندس، والبقيّة كما تقدّم، إلاّ أن الحياصة والشّاش لا يكونان بأطراف رقم، بل تكون مجوّخة بأخضر وأصفر مذهّب، والحياصة لا تكون ببيكارية (٣).
ودون هذه المرتبة كنجي (¬b) تكون واحدة بسنجاب مقندس، والبقيّة على/ ما ذكر، وتكون الكلّوتة خفيفة الذّهب، وجانباها يكادان يكونان خاليين بالجملة، ولا حياصة له.
ودون هذه الرّتبة مجوّم لون واحد، والبقيّة على ما ذكر، خلا الكلّوتة والكلاليب. ودون هذه الرّتبة مجوّم مقندس، وهو قباء ملون بجاخات من أحمر وأخضر وأزرق، وغير ذلك من الألوان بسنجاب وقندس، وتحته قباء إمّا أزرق أو أخضر، وشاش أبيض بأطراف من نسبة ما تقدّم ذكره؛ ثم دون هذا من هذا النّوع (٤).
وأمّا «الوزراء والكتّاب» فأجلّ ما كانت خلعهم الكنجي (¬c) الأبيض المطرّز برقم حرير ساذج، وسنجاب مقندس وتحته كنجي (¬b) أخضر، وبقيار كان من عمل دمياط مرقوم وطرحة.
ثم دون هذه الرّتبة عدم السّنجاب، بل يكون القندس بدائر الكمّين وطول الفرج، ودونها ترك الطّرحة، ودونها أن يكون التّحتاني مجوّما، ودون هذا أن يكون الفوقاني من الكنجي (¬c) لكنّه غير أبيض، ودونه أن يكون الفوقاني مجوّما أبيض، ودونه أن يكون تحته عتّابي طرح (¬d) (٥).
стр. 2327
وأمّا «القضاة والعلماء» فإنّ خلعهم من الصّوف بغير طراز، ولهم الطّرحة، وأجلّهم أن يكون أبيض وتحته أخضر، ثم ما دون ذلك (١).
وكانت العادة أنّ أهبة الخطباء - وهي السّواد - تحمل إلى الجوامع من الخزانة، وهي دلق مدوّر، وشاش أسود، وطرحة سوداء، وعلمان أسودان مكتوبان بأبيض أو بذهب، وثياب المبلّغ قدّام الخطيب مثل ذلك خلا الطّرحة. وكانت العادة إذا خلقت الأهبة المذكورة، أعيدت إلى الخزانة، وصرف عوضها (٢).
وكانت للسّلطان عادات بالخلع: تارة في ابتداء سلطنته، وتشمل حينئذ الخلع سائر أرباب المملكة. بحيث خلع في يوم واحد - عند إقامة الأشرف كجك بن النّاصر محمد بن قلاوون - ألف ومائتا تشريف في وقت لعبه بالكرة على أناس جرت عوائدهم بالخلع في ذلك الوقت، كالجوكندارية والولاة ومن له خدمة في ذلك (٣). وتارة في أوقات الصّيد عندما يسرح، فإذا حصّل أحد شيئا ممّا يصيده خلع عليه قباء مسجّفا ممّا يناسب خلعة مثله على قدره، وكذلك يخلع على البزدارية وحملة الجوارح ومن يجري مجراهم عند كلّ صيد.
وكانت العادة أيضا أن ينعم على غلمان الطّشت خاناه والشّراب خاناه والفراش خاناه، ومن يجري مجراهم، في كلّ سنة عند أوان الصّيد. وكانت العادة أنّ من يصل إلى الباب من البلاد، أو يرد عليه أو يهاجر من مملكة أخرى إليه، أن ينعم عليه مع الخلع بأنواع الإدرارات والأرزاق والإنعامات (٤). وكذلك التّجّار الذين يصلون إلى السّلطان، ويبيعون عليه، لهم مع الخلع الرّواتب الدّائمة من الخبز واللّحم والتّوابل والحلوى والعليق والمسامحات، بنظير كلّ ما يباع من الرّقيق المماليك والجواري، مع ما يسامحون به أيضا من حقوق أخرى تطلق.
وكلّ واحد من التّجّار إذا باع على السّلطان، ولو رأسا واحدا من الرّقيق، فله خلعة مكملة بحسبه - خارجا عن الثّمن وعمّا ينعم به عليه أو يسفّر به - من مال السّبيل، على سبيل القرض ليتاجر به (٥).
стр. 2328
وأمّا جلاّبة الخيل من عرب الحجاز والشّام والبحرين وبرقة وبلاد المغرب، فإنّ لهم الخلع والرّواتب والعلوفات والأنزال ورسوم الإقامات، خارجا عن مسامحات تكتب لهم بالمقرّرات عن تجارة يتّجرون بها ممّا أخذوه من أثمان الخيول. وكان يثمّن الفرس بأزيد من قيمته، حتى ربّما بلغ ثمنه على السّلطان - الذي يأخذه محضره - نظير قيمته عليه عشر مرّات، غير الخلع وسائر ما ذكر (١). ولم يبق اليوم سوى ما يخلع على أرباب الدّولة.
وقد استجدّ في الأيّام الظّاهريّة، وكثر في الأيّام النّاصرية فرج نوع من الخلع - يقال له «الجبّة» - يلبسه الوزير ونحوه من أرباب الرّتب العليّة جعلوا ذلك ترفّعا عن لبس الخلعة.
ولم تكن الملوك تلبس من الثّياب إلاّ المتوسّط، وتجعل حوائصها بغير ذهب. فلم تزد حياصة النّاصر محمد على مائة درهم فضّة، ولم يزد أيضا سقط سرجه على مائة درهم فضّة على عباءة صوف تدمري أو شامي. فلمّا كانت دولة أولاده بالغوا في التّرف، وخالفوا فيه عوائد أسلافهم، ثم سلك الظّاهر برقوق في ملابسه بعض ما كان عليه الملوك الأكابر لا كلّه، وترك لبس الحرير.
الميدان بالقلعة
هذا الميدان من بقايا ميدان أحمد بن طولون - الذي تقدّم ذكره عند ذكر القطائع من هذا الكتاب (٢) - ثم بناه الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب في سنة إحدى عشرة وستّ مائة، وعمّر إلى جانبه بركا ثلاثا تملأ (¬a) لسقيه، وأجرى الماء إليها، ثم تعطّل هذا الميدان مدّة.
فلمّا قام من بعده ابنه الملك العادل أبو بكر محمد بن الكامل محمد اهتمّ به. ثم اهتمّ به الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب بن الكامل اهتماما زائدا، وجدّد له ساقية أخرى، وأنشأ حوله الأشجار، فجاء من أحسن شيء يكون إلى أن مات. فتلاشى أمر الميدان بعده، وهدمه الملك المعزّ أيبك سنة إحدى وخمسين وستّ مائة، وعفت آثاره (٣).
стр. 2329
فلمّا كانت سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، ابتدأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون عمارته (١)، فاقتطع من باب الإسطبل إلى قريب باب القرافة، وأحضر إليه (¬a) جميع جمال الأمراء، فنقلت إليه الطّين حين كساه كلّه وزرعه، وحفر به الآبار/ وركّب عليها السّواقي، وغرس فيه النّخل الفاخر والأشجار المثمرة، وأدار عليه هذا السّور الحجر الموجود الآن، وبنى حوضا للسّبيل من خارجه (٢).
فلمّا كمل ذلك نزل إليه ولعب فيه الكرة مع أمرائه، وخلع عليهم، واستمرّ يلعب فيه يومي الثّلاثاء والسّبت، وصار القصر الأبلق يشرف على هذا الميدان، فجاء ميدانا فسيح المدى يسافر النّظر في أرجائه (٣).
وإذا ركب السّلطان إليه نزل من درج تلي قصره الجوّاني. فينزل السّلطان إلى الإسطبل الخاصّ، ثم إلى هذا الميدان وهو راكب وخواصّ الأمراء في خدمته. فيعرض الخيول في أوقات الإطلاقات، ويلعب فيه الكرة. وكان فيه عدّة من أنواع الوحوش المستحسنة المنظر، وكانت تربط به أيضا الخيول الخاصّة للتّفسّح (٤).
وفي هذا الميدان يصلّي السّلطان أيضا صلاة العيدين، ويكون نزوله إليه في يوم العيد وصعوده من باب خاصّ من دهليز القصر، غير المعتاد النّزول منه (٥). فإذا ركب من باب قصره، ونزل إلى منفذه من الإسطبل إلى هذا الميدان، ينزل في دهليز سلطاني قد ضرب له على أكمل ما يكون من الأبّهة، فيصلّي ويسمع الخطبة. ثم يركب ويعود إلى الإيوان الكبير، ويمدّ به السّماط، ويخلع على حامل القبّة والطّير، وعلى حامل السّلاح والأستادّار والجاشنكير وكثير من أرباب الوظائف (٦).
стр. 2330
وكانت العادة أن تعدّ للسّلطان أيضا خلعة العيد، على أنّه يلبسها كما كانت العادة في أيّام الخلفاء، فينعم بها على بعض أكابر أمراء المئين. ولم يزل الحال على هذا إلى أن كانت سنة ثمان مائة، فصلّى الملك الظّاهر برقوق صلاة عيد النّحر بجامع القلعة لتخوّفه بعد واقعة (¬a) الأمير آل بيه (¬b)، فهجر الميدان. واستمرّت صلاة العيد بجامع القلعة من عامئذ طول الأيّام النّاصريّة والمؤيّديّة.
الحوش (¬c)) خارج باب القرافة (¬c)
ابتديء العمل فيه على أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة.
وكان قياسه أربعة فدادين، وكان موضعه بركة عظيمة قد قطع ما فيها من الحجر لعمارة قاعات القلعة حتى صارت غورا كبيرا (¬d). ولمّا شرع في العمل رتّب على كلّ أمير من أمراء المئين مائة رجل ومائة بهيمة لنقل التراب برسم الرّدم، وعلى كلّ أمير من أمراء الطّبلخاناه بحسبه. وندب الأمير آقبغا عبد الواحد شادّا لعمل ذلك (¬e)، فحضر من عند كلّ من الأمراء أستادّاره ومعه جنده ودوابّه للعمل، وأحضر الأسارى، وسخّر والي القاهرة ووالي مصر النّاس (¬f)، وأحضرت رجال النّواحي، وجلس أستادّار كلّ أمير في خيمة، ووزّع العمل عليهم بالأقصاب.
ووقف الأمير آقبغا يستحثّ النّاس في سرعة العمل، وصار الملك النّاصر يحضر في كلّ يوم بنفسه. فنال النّاس من العمل ضرر زائد، وأخرق آقبغا بجماعة من أماثل النّاس، ومات كثير من الرّجال في العمل، لشدّة العسف وقوّة الحرّ، وكان الوقت صيفا. فانتهى عمله في ستّة وثلاثين يوما.
وأحضر إليه من بلاد الصّعيد ومن الوجه البحري ألفي رأس غنم، وكثيرا من الأبقار البلق لتوقف في هذا الحوش، فصار مراح غنم ومربط بقر، وأجرى الماء إلى
стр. 2331
هذا الحوش من القلعة، وأقام الأغنام حوله (١).
وتتبّع في كلّ سنة المراحات، من عيذاب وقوص إلى ما دونهما من البلاد، حتى يؤخذ ما بهما من الأغنام المختارة، وجلبها من بلاد النّوبة ومن اليمن. فبلغت عدّتها بعد موته ثلاثين ألف رأس سوى أتباعها، وبلغ البقل الأخضر الذي يشترى لفراخ الأوزّ في كلّ يوم خمسين درهما:
عنها زيادة على مثقالين من الذّهب.
فلمّا كانت الأيّام الظّاهرية برقوق، عمل المولد النّبوي بهذا الحوش في أوّل ليلة جمعة من شهر ربيع الأوّل في كلّ عام. فإذا كان وقت ذلك ضربت خيمة عظيمة بهذا الحوش، وجلس السّلطان وعن يمينه شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني، (¬a)) ويليه الشّيخ المعتقد برهان الدّين إبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد بن رفاعة الغزّي (¬a) ويليه ولد شيخ الإسلام ومن دونه، وعن يسار السّلطان الشّيخ أبو عبد اللّه محمد بن سلامة التّوزري المغربي، ويليه قضاة القضاة الأربعة وشيوخ العلم، ويجلس الأمراء على بعد من السّلطان.
فإذا فرغ القرّاء من قراءة القرآن الكريم، قام المنشدون واحدا بعد واحد - وهم يزيدون على عشرين منشدا - فيدفع لكلّ واحد منهم صرّة فيها أربع مائة درهم فضّة، ومن كلّ أمير من أمراء الدّولة شقّة حرير. فإذا انقضت صلاة المغرب، مدّت أسمطة الأطعمة الفائقة فأكلت وحمل ما فيها، ثم مدّت أسمطة الحلوى السّكّريّة من الجوارشنات والعقائد ونحوها فتؤكل ويخطفها الفقهاء. ثم يكون تكميل إنشاد المنشدين ووعظهم إلى نحو ثلث اللّيل. فإذا فرغ المنشدون، قام القضاة وانصرفوا، وأقيم السّماع بقيّة اللّيل (٢). واستمرّ ذلك مدّة أيّامه، ثم أيّام ابنه الملك النّاصر فرج.
стр. 2332
ذكر المياه التي بقلعة الجبل
وجميع مياه القلعة من ماء النّيل، تنقل من موضع إلى موضع حتى تمرّ في جميع ما يحتاج إليه بالقلعة./ وقد اعتنى الملوك بعمل السّواقي التي تنقل الماء من بحر النّيل إلى القلعة عناية عظيمة.
فأنشأ الملك النّاصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، أربع سواق على بحر النّيل تنقل الماء إلى السّور، ثم من السّور إلى القلعة. وعمل نقّالة من المصنع الذي عمله الظّاهر بيبرس بجوار زاوية تقيّ الدّين رجب التي بالرّميلة تحت القلعة، إلى بئر الإسطبل (١).
فلمّا كانت سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، عزم الملك النّاصر على حفر خليج من ناحية حلوان إلى الجبل الأحمر المطلّ على القاهرة، ليسوق الماء إلى الميدان الذي عمله بالقلعة، ويكون حفر الخليج في الجبل. فنزل لكشف ذلك ومعه المهندسون، فجاء قياس الخليج طولا اثنين وأربعين ألف قصبة، فيمرّ الماء فيه من حلوان حتى يحاذي القلعة، فإذا حاذاها بنى هناك حنايا (¬a) تحمل الماء إلى القلعة ليصير الماء بها غزيرا كثيرا دائما صيفا وشتاءا لا ينقطع ولا يتكلّف لحمله ونقله، ثم يمرّ من محاذاة القلعة حتى ينتهي إلى الجبل الأحمر، فيصبّ من أعلاه إلى تلك الأرض حتى تزرع.
وعندما أراد الشّروع في ذلك طلب الأمير سيف الدّين قطلوبك بن قراسنقر الجاشنكير، أحد أمراء الطّبلخاناه بدمشق، بعد ما فرغ من بناء القناة وساق العين إلى القدس. فحضر ومعه الصّنّاع الذين عملوا قناة عين بيت المقدس على خيل البريد، إلى قلعة الجبل فأنزلوا. ثم أقيمت لهم الجرايات والرّواتب، وتوجّهوا إلى حلوان، ووزنوا مجرى الماء، وعادوا إلى السّلطان، وصوّبوا رأيه فيما قصد، والتزموا بعمله. فقال: كم تريدون؟ قالوا: ثمانين ألف دينار؛ فقال: ليس هذا بكثير فقال: كم تكون مدّة العمل فيه حتى يفرغ؟ قالوا: عشر سنين. فاستكثر طول المدّة.
ويقال إنّ الفخر ناظر الجيش، هو الذي حسّن لهم أن يقولوا هذه المدّة، فإنّه لم يكن من رأيه عمل هذا الخليج. وما زال يخيّل للسّلطان، من كثرة المصروف عليه ومن خراب القرافة، ما
стр. 2333
حمله على صرف رأيه عن العمل، وأعاد قطلوبك والصّنّاع إلى دمشق. فمات قطلوبك عقيب ذلك في سنة تسع وعشرين وسبع مائة في ربيع الأوّل (١).
فلمّا كانت سنة إحدى وأربعين وسبع مائة، اهتمّ الملك النّاصر بسوق الماء إلى القلعة وتكثيره بها، لأجل سقي الأشجار وملء الفساقي، ولأجل مراحات الغنم والأبقار. فطلب المهندسين والبنّائين، ونزل معهم، وسار في طول القناطر التي تحمل الماء من النّيل إلى القلعة حتى انتهى إلى السّاحل، فأمر بحفر بئر أخرى ليركّب عليها القناطر حتى تتّصل بالقناطر العتيقة، فيجتمع الماء من بئرين، ويصير ماء واحدا يجري إلى القلعة فيسقي الميدان وغيره، فعمل ذلك (٢).
ثم أحبّ الزّيادة في الماء أيضا، فركب ومعه المهندسون إلى بركة الحبش، وأمر بحفر خليج صغير يخرج من البحر، ويمرّ إلى حائط الرّصد، وينقر في الحجر تحت الرّصد عشر آبار يصبّ فيها الخليج المذكور، ويركّب على الآبار السّواقي لتنقل الماء إلى القناطر العتيقة التي تحمل الماء إلى القلعة زيادة لها وتكثيرا في الماء (¬a).
وكان فيما بين أوّل هذا المكان الذين عيّن لحفر الخليج، وبين آخره تحت الرّصد، أملاك كثيرة وعدّة بساتين. فندب الأمير آقبغا عبد الواحد (¬b)) والشّهابي شادّ العمائر (¬b) لحفر هذا الخليج، وشراء الأملاك من أربابها. فحفر الخليج، وأجراه في وسط بستان الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا، وقطع أنشابه، وهدم الدّور، وجمع عامّة الحجّارين لقطع الحجر ونقر الآبار.
وصار السّلطان يتعاهد النّزول للعمل كلّ قليل، فعمل عمق الخليج من فم البحر أربع قصبات، عمق كلّ بئر في الحجر أربعين ذراعا (٣). فقدّر اللّه تعالى موت الملك النّاصر قبل تمام هذا العمل، فبطل ذلك وانطمّ الخليج بعد ذلك، وبقيت منه إلى اليوم قطعة بجوار رباط الآثار (¬c).
стр. 2334
وما زالت الحائط قائمة من الحجر في غاية الإتقان من إحكام الصّنعة وجودة البناء، عند سطح الجرف الذي يعرف اليوم بالرّصد، قائما من الأرض في طول الجرف إلى أعلاه؛ حتى هدمه الأمير يلبغا السّالمي في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة، وأخذ ما كان به من الحجر فرمّ به القناطر التي تحمل إلى اليوم الماء حتى يصل إلى القلعة. وكانت تعرف بسواقي السّلطان، فلمّا هدمت جهل أكثر النّاس أمرها، ونسوا ذكرها (١).
المطبخ
كان أوّلا موضعه في مكان الجامع، فأدخله السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون فيما زاده في الجامع، وبنى هذا المطبخ الموجود الآن، وعمل عقوده بالحجارة، (¬a)) وكذلك جميع عماراته بالقلعة عمّرها كلّها بالحجر (¬a) خوفا من الحريق (٢).
وكانت أحوال المطبخ متّسعة جدا سيّما في سلطنة الأشرف خليل بن قلاوون، فإنّه تبسّط في المآكل وغيرها. حتى لقد ذكر جماعة من الأعيان أنّهم أقاموا مدّة سفرهم معه يرسلون كلّ يوم عشرين درهما، فيشتري لهم بها ممّا يأخذه الغلمان أربع خوافق صيني مملوءة طعاما مفتخرا بالقلوبات ونحوها، في كلّ خافقيّة ما ينيف على خمسة عشر رطل لحم، أو عشرة أطيار دجاج سمان.
وبلغ راتب الحوائج خاناه، في أيّام الملك العادل كتبغا، كلّ يوم عشرين ألف رطل لحم، وراتب البيوت والجرايات غير أرباب الرّواتب في كلّ يوم سبع مائة أردبّ قمحا.
واعتبر القاضي شرف الدّين عبد الوهّاب النّشو ناظر الخاصّ، أمر المطبخ السّلطاني في سنة تسع وثلاثين وسبع مائة/ فوجد عدّة الدّجاج الذي يذبح في كلّ يوم للسّماط، والمخافي (¬b) التي تخصّ السّلطان ويبعث منها (¬c) إلى الأمراء سبع مائة طائر، وبلغ مصروف الحوائج خاناه في كلّ
стр. 2335
يوم ثلاثة عشر ألف درهم، فأكثر أولاد النّاصر من مصروفها حتى توقّفت أحوال الدّولة في أيّام الصّالح إسماعيل.
وكتبت أوراق مكلّف (¬a) الدّولة في سنة خمس وأربعين وسبع مائة، فبلغت في السنة ثلاثين ألف ألف درهم، منها مصروف الحوائج خاناه في كلّ يوم اثنان وعشرون ألف درهم. وبلغ في الأيّام النّاصرية محمد بن قلاوون راتب السّكّر، في شهر رمضان خاصّة، (¬b)) من كلّ سنة (¬b) ألف قنطار. ثم تزايد حتى بلغ إلى (¬c) شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبع مائة ثلاثة آلاف قنطار، عنها ستّ مائة ألف درهم، عنها ثلاثون ألف دينار مصرية.
وكان راتب الدّار (¬d) السّلطانية، في كلّ يوم من أيّام شهر رمضان، ستون قنطارا من الحلوى (¬b)) السّكّريّة، وآخر ما كان يعمل في الأيّام الأشرفيّة شعبان بن حسين في كلّ يوم من أيّام شهر رمضان ستون قنطارا من الحلوى (¬b) برسم التّفرقة للدّور وغيرها. وكانت الدّولة قد توقّفت أحوالها، فوفّر من المصروف في كلّ يوم أربعة آلاف رطل لحم، وستّ مائة كماجة سميذ، وثلاث مائة أردب من الشّعير، ومبلغ ألفي درهم في كلّ شهر. وأضيف إلى ديوان الوزارة سوق الخيل والدّواب والجمال، وكانت بيد عدّة أجناد عوّضوا عنها إقطاعات بالنّواحي.
واعتبر في سنة ستّ وأربعين وسبع مائة متحصّل الحاج علي الطّبّاخ (١)، فوجد له على المعاملين في كلّ يوم خمس مائة درهم، ولابنه أحمد في كلّ يوم ثلاث مائة درهم سوى الأطعمة المفتخرة وغيرها، وسوى ما كان يتحصّل له في عمل المهمّات مع كثرتها. ولقد تحصّل له من ثمن الرّءوس والأكارع وسقط الدّجاج والإوز، في مهمّ عمله للأمير بكتمر السّاقي، ثلاثة وعشرون ألف درهم، عنها نحو ألفين ومائتي دينار. فأوقعت الحوطة عليه، وصودر، فوجد له خمسة وعشرون دارا على البحر وفي عدّة أماكن.
واعتبر مصروف الحوائج خاناه، في سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، فكان في كلّ يوم اثنين وعشرين ألف رطل من اللّحم.
стр. 2336
ذكر أبراج الحمام (¬a)) وكان بقلعة الجبل أبراج الحمام المعدّة لحمل البطايق.
قال ابن عبد الظّاهر في كتاب «تمائم الحمائم»: ذكر أبرجة الحمام التي بالقلعة وغيرها وما بها من الحمام ومن يقوم بها وبتدريجها والمستقرّ لها من العلف ولبغالها ولرجالها من الكلف، وجملتها ألف وتسع مائة طائر، تفصيل ذلك بأسماء مقدّميها وبرّاجها إلى آخر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وستّ مائة:
المقدّم عثمان خمس مائة طائر، أيّوب ثلاثة مائة طائر، يعقوب ثلاث مائة وسبعون طائرا، خضر ثلاث مائة طائر، علي مائتان وأربعون طائرا. وكلّ هذه الأبراج بالقلعة غير برج واحد، وهو برج بالبرقيّة، يعرف ببرج الفيّوم (¬a) (١)، رتّبه الأمير فخر الدّين عثمان بن قزل، أستادّار الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيّوب، وقيل له برج الفيّوم، فإنّ جميع الفيّوم كانت في إقطاع ابن قزل، وكانت البطائق ترد إليه من الفيّوم، ويبعثها من القاهرة إلى الفيّوم من هذا البرج، فاستمرّ هذا البرج يعرف بذلك.
وكان بكلّ مركز حمام في سائر نواحي المملكة، مصرا وشاما، ما بين أسوان إلى الفرات. فلا تحصى عدّة ما كان منها في الثّغور والطّرقات الشّاميّة والمصرية، وجميعها تدرج وتنقل من القلعة إلى سائر الجهات.
وكان لها بغال الحمل من الإسطبلات السّلطانية، وجامكيّات البرّاجين والعلوفات تصرف من الأهراء السّلطانية، فتبلغ النّفقة عليها من الأموال ما لا يحصى كثرة. وكانت ضريبة العلف لكلّ مائة طائر ربع ويبة فول في كلّ يوم.
стр. 2337
(¬a)) قال: كان الجاري به العادة أنّها لا تحمل البطاقة إلاّ في جناحها لأمور منها: حفظها من المطر، ولقوّة الجناح؛ ورأيتهم في هذا الوقت لا يجعلونها إلاّ في أذنابها (¬a). وكانت العادة إذا بطق من قلعة الجبل إلى الإسكندرية فلا يسرح الطّائر إلاّ من منية عقبة بالجيزة - وهي أوّل المراكز - وإذا سرح إلى الشّرقيّة لا يطلق إلاّ من مسجد تبر خارج القاهرة، وإذا سرح إلى دمياط لا يسرح إلاّ من ناحية بيسوس. وكان يسير مع البرّاجين من يوصّلهم إلى هذه الأماكن من الجاندارية.
وكذلك كانت العادة في كلّ مملكة يتوخّى الإبعاد في التّسريح عن مستقرّ الحمام.
والقصد بذلك أنّها لا ترجع إلى أبراجها من قريب. وكان يعمل في الطّيور السّلطانية علائم، وهي داغات في أرجلها أو على مناقيرها، ويسمّيه (¬b) أرباب الملعوب «الاصطلاح».
وكان الحمام إذا سقط بالبطاقة لا يقطع البطاقة من الحمام إلاّ السّلطان بيده من غير واسطة أحد (¬c). وكانت لهم عناية شديدة بالطّائر، حتى إنّ السّلطان إذا كان يأكل وسقط الطّائر، لا يمهل حتى يفرغ من الأكل، بل يحلّ البطاقة ويترك الأكل، وهكذا إذا كان نائما لا يمهل بل ينبّه.
قال ابن عبد الظّاهر: وهذا الذي رأينا عليه ملوكنا، وكذلك في الموكب وفي لعب الكرة، لأنّه بلمحة يفوت، ولا يستدرك المهم العظيم، إمّا من واصل أو هارب، وإمّا من متجدّد في الثّغور.
قال: وينبغي أن تكتب البطائق في ورق الطّير المعروف بذلك، ورأيت الأوئل لا يكتبون في أوّلها بسملة، وتؤرّخ بالسّاعة واليوم لا بالسّنين، وأنا أؤرّخها بالسّنة، ولا يكثر في نعوت المخاطب فيها، ولا يذكر حشو في الألفاظ، ولا يكتب إلاّ لبّ الكلام وزبدته.
ولا بدّ وأن يكتب «سرح الطّائر ورفيقه» حتى إن تأخّر الواحد ترقّب حضوره أو يطلب. ولا يعمل للبطائق هامش ولا تحمدل (¬d)، ويكتب آخرها حسبلة، ولا تعنون إلاّ إذا كانت منقولة. مثل/ أنّها (¬e) تسرح إلى السّلطان من مكان بعيد، فيكتب لها عنوان لطيف حتى لا
стр. 2338
يفتحها أحد. وكلّ وال تصل إليه يكتب في ظهرها أنّها وصلت إليه ونقلها، حتى تصل مختومة.
قال: وممّا شاهدته وتولّيت أمره أنّه في شهر رمضان سنة ثمان وثمانين وستّ مائة، حضر من جهة نائب الصّبيبة نيّف وأربعون طائرا صحبة البرّاجين، ووصل كتابه أنّه درّجها إلى مصر.
فأقامت مدّة لم يكن شغل يبطق (¬a) فيه، فقال برّاجوها: قد أزف الوقت عليها في الفريضة (¬b).
وجرى الحديث مع الأمير (¬c)) بدر الدّين (¬c) بيدرا نائب السّلطنة، فتقرّر كتب بطائق على عشرة منها بوصولها لا غير، وسرحت يوم أربعاء جميعها فاتّفق وقوع طائرين منها، فأحضرت بطائقهما وحصل الاستهزاء بها.
فلمّا كان بعد مدّة وصل كتاب السّلطان أنّها وصلت إلى الصّبيبة في ذلك اليوم بعينه (١)، وبطق بذلك في ذلك اليوم بعينه إلى دمشق، ووصل الخبر إلى دمشق في يوم واحد. وهذا ممّا أنا مصرّفه وحاضره والمشير به.
قال كاتبه (¬d): قد بطل الحمام من سائر المملكة إلاّ ما ينقل من قطيا إلى بلبيس، ومن بلبيس إلى قلعة الجبل، ولا تسل بعد ذلك عن شيء، وكأنّي بهذا القدر وقد ذهب، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
стр. 2339
ذكر ملوك مصر منذ بنيت قلعة الجبل
اعلم أنّ الذين ولوا أرض مصر في الملّة الإسلامية على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل - من ولي بفسطاط مصر منذ فتح اللّه تعالى أرض مصر على أيدي العرب أصحاب رسول اللّه ﷺ ورضي عنهم وتابعيهم، فصارت دار إسلام، إلى أن قدم القائد أبو الحسين جوهر من بلاد إفريقيّة بعساكر مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، وبنى القاهرة. وهؤلاء يقال لهم «أمراء مصر»، ومدّتهم ثلاث مائة وسبع وثلاثون سنة وسبعة أشهر وستة عشر يوما:
أوّلها يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين من الهجرة، وآخرها يوم الاثنين سادس عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة. وعدّة هؤلاء الأمراء مائة واثنا عشر أميرا.
والقسم الثّاني - من ولي بالقاهرة منذ بنيت إلى أن مات الإمام العاضد لدين اللّه أبو محمد عبد اللّه. وهؤلاء يقال لهم «الخلفاء الفاطميّون»، ومدّتهم بمصر مائتا سنة وثماني سنين وأربعة أشهر واثنان وعشرون يوما: أوّلها يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، وآخرها يوم الأحد عاشر المحرّم سنة سبع وستين وخمس مائة. وعدّة هؤلاء الخلفاء أحد عشر خليفة.
والقسم الثّالث - من ملك مصر بعد موت العاضد إلى وقتنا هذا الذي نحن فيه، ويقال لهم «الملوك والسّلاطين»، وهم ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: ملوك بني أيّوب، وهم أكراد. والقسم الثّاني: البحريّة وأولادهم، وهم مماليك أتراك لبني أيّوب. والقسم الثّالث: مماليك أولاد البحريّة، وهم جراكسة.
وقد تقدّم في هذا الكتاب ذكر الأمراء والخلفاء (١). وستقف إن شاء اللّه تعالى على ذكر من ملك من الأكراد والأتراك والجراكسة وتعرف أخبارهم على ما شرطنا من الاختصار. إذ قد
стр. 2340
وضعت لبسط ذلك كتابا سمّيته كتاب «السّلوك لمعرفة دول الملوك» (١)، وجرّدت تراجمهم في كتاب «التّاريخ الكبير المقفّى» (٢). فتطلّبهما تجد فيهما ما لا تحتاج بعده إلى سواهما في معناهما.
ذكر من ملك مصر من الأكراد
اعلم أنّ النّاس قد اختلفوا في الأكراد، فذكر العجم أنّ الأكراد فضل طعم الملك بيوراسف.
وذلك أنّه كان يأمر أن يذبح له كلّ يوم إنسانان، ويتّخذ طعامه من لحومهما. وكان له وزير يقال له (¬a) أرمائيل، فكان يذبح واحدا، ويستحيي واحدا ويبعث به إلى جبال فارس. فتوالدوا في الجبال وكثروا.
ومن النّاس من ألحقهم بإماء سليمان بن داود ﵉ حين سلب ملكه، ووقع على نسائه المنافقات الشّيطان الذي يقال له الجسد، وعصم اللّه تعالى منه المؤمنات، فعلّق منه المنافقات. فلمّا ردّ اللّه تعالى على سليمان ملكه، ووضع هؤلاء الإماء الحوامل من الشّيطان قال:
أكردوهنّ (¬b) إلى الجبال والأوديّة. فربّتهم أمّهاتهم، وتناكحوا وتناسلوا. فذلك بدء نسب الأكراد.
стр. 2341
والأكراد عند الفرس من ولد كرد بن اسفندام بن منوشهر. وقيل هم ينسبون إلى كرد بن مرد ابن عمرو بن صعصعة بن معاوية بن بكر، وقيل هم من ولد عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السّماء، وقيل من بني حامد بن طارق من بقيّة أولاد حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزّى، بن قصيّ. وهذه أقوال لفقهاء لهم ممّن أراد الحظوة لديهم لمّا صار الملك إليهم.
وإنّما هم قبيل من قبائل العجم، وهم قبائل عديدة: كورانية؛ بنو كوران، وهذبانيّة، وبشتويّة وشاصنجانيّة وسرلجيّة (¬a) ويزوليّة ومهرانيّة وزرداريّة وكيكانيّة وجاك وكرود نبليّة ورواديّة ودنينيّة وهكّاريّة وحميديّة وورجكيّة ومروانيّة وجلاليّة وسنيكيّة وجوتي. وتزعم المروانية أنّها من بني/ مروان بن الحكم، ويزعم بعض الهكّارية أنّها من ولد عتبة بن أبي سفيان بن حرب (١).
وأوّل من ملك مصر من الأكراد الأيّوبيّة «السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين» أبو المظفّر يوسف بن نجم الدّين أبي الشّكر أيّوب بن شاذي بن مروان الكردي، من قبيل الرّواديّة أحد بطون الهذبانيّة (٢).
стр. 2342
نشأ أبوه أيّوب وعمّه أسد الدّين شيركوه ببلد دوين من أرض أذربيجان (١) من جهة أران وبلاد الكرج، ودخلا بغداد وخدما مجاهد الدّين بهروز شحنة بغداد. فبعث أيّوب إلى قلعة تكريت، وأقامه بها مستحفظا لها ومعه أخوه شيركوه - وهو أصغر منه سنّا - فخدم أيّوب الشّهيد زنكي لمّا انهزم، فشكر له خدمته.
واتّفق بعد ذلك أنّ شيركوه قتل رجلا بتكريت، فطرد هو وأخوه أيّوب من قلعتها، فمضيا إلى زنكي بالموصل فآواهما وأقطعهما إقطاعا عنده، ثم رتّب أيّوب بقلعة بعلبك مستحفظا، ثم أنعم عليه بإمرة. واتّصل شيركوه بنور الدّين محمود بن زنكي في أيّام أبيه وخدمه. فلمّا ملك حلب بعد أبيه، كان لنجم الدّين أيّوب عمل كثير في أخذ دمشق لنور الدّين. فتمكّنا في دولته حتى بعث شيركوه مع الوزير شاور بن مجير السّعدي إلى مصر، فسار صلاح الدّين في خدمته من جملة أجناده.
стр. 2343
وكان من أمر شيركوه ما كان حتى مات (١)، فأقيم بعده، في وزارة العاضد، ابن أخيه صلاح الدّين يوسف بن أيّوب في يوم الثلاثاء خامس عشرين جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمس مائة، ولقّبه ب «الملك النّاصر»، وأنزله بدار الوزارة من القاهرة؛ فاستمال قلوب النّاس، وأقبل على الجدّ، وترك اللّهو، وتعاضد هو والقاضي الفاضل عبد الرّحيم بن عليّ البيساني على إزالة الدّولة الفاطميّة، وولّى صدر الدّين بن درباس قضاء القضاة، وعزل قضاة الشّيعة، وبنى بمدينة مصر مدرسة للفقهاء المالكيّة، ومدرسة للفقهاء الشّافعيّة، وقبض على أمراء الدّولة، وأقام أصحابه عوضهم، وأبطل المكوس بأسرها من أرض مصر. ولم يزل يدأب في إزالة الدّولة حتى تمّ له ذلك، وخطب لخليفة بغداد المستضيء بأمر اللّه (¬a) أبي محمد الحسن العبّاسي.
وكان العاضد مريضا، فتوفّي بعد ذلك بثلاثة أيّام، واستبدّ صلاح الدّين بالسّلطنة من أوّل سنة سبع وستين وخمس مائة، واستدعى أباه نجم الدّين أيّوب وإخوته من بلاد الشّام، فقدموا عليه بأهاليهم. وتأهّب لغزو الفرنج، وسار إلى الشّوبك وهي بيد الفرنج فواقعهم، وعاد على (¬b) أيلة فجبى الزّكوات من أهل مصر، وفرّقها على أصنافها، ورفع إلى بيت المال سهم العاملين وسهم المؤلّفة وسهم المقاتلة وسهم المكاتبين (٢).
وأنزل الغزّ بالقصر الغربي، وأحاط بأموال القصر وبعث بها إلى الخليفة ببغداد وإلى السّلطان الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي بالشّام، فأتته الخلع الخليفيّة فلبسها، ورتّب نوب الطّبلخاناه في كلّ يوم ثلاث مرّات. ثم سار إلى الإسكندرية وبعث ابن أخيه تقيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب على عسكر إلى برقة، وعاد إلى القاهرة.
ثم سار في سنة ثمان وخمسين إلى الكرك - وهي بيد الفرنج - فحصرها وعاد بغير طائل.
فبعث أخاه الملك المعظّم شمس الدّولة توران شاه بن أيّوب إلى بلاد النّوبة، فأخذ قلعة أبريم، وعاد بغنائم وبسبي (¬c) كثير، ثم سار لأخذ بلاد اليمن فملك زبيد وغيرها (٣).
стр. 2344
فلمّا مات نور الدّين محمود بن زنكي، توجّه السّلطان صلاح الدّين في أوّل صفر سنة سبعين إلى الشّام، وملك دمشق بغير مانع، وأبطل ما كان يؤخذ بها من المكوس كما أبطلها من ديار مصر (١)، وأخذ حمص وحماة، وحاصر حلب وبها الملك الصّالح مجير الدّين إسماعيل بن العادل نور الدّين محمود بن زنكي، فقاتله أهلها قتالا شديدا فرحل عنها إلى حمص، وأخذ بعلبك بعد (¬a) حصار. ثم عاد إلى حلب، فوقّع الصّلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشّام مع المعرّة وكفرطاب، ولهم ما بأيديهم. وعاد فأخذ بغراس بعد حصار، وأقام بدمشق، وندب قراقوش التّقوي لأخذ بلاد المغرب، فأخذ أوجله (¬b) وعاد إلى القاهرة. وكانت بين السّلطان وبين الجلبيين وقعة هزمهم فيها وحصرهم بحلب أيّاما، وأخذ بزاعة ومنبج وعزاز (٢)، ثم عاد إلى دمشق.
وقدم القاهرة في سادس عشرين ربيع الأوّل سنة اثنتين وسبعين، بعدما كانت لعساكره حروب كثيرة مع الفرنج، فأمر ببناء سور يحيط بالقاهرة ومصر وقلعة الجبل، وأقام على بنائه الأمير بهاء الدّين قراقوش الأسدي (٣). فشرع في بناء قلعة الجبل وعمل السّور وحفر الخندق حوله (٤). وبدأ السّلطان بعمل مدرسة بجوار قبر الإمام الشّافعي (٥) في القرافة، وعمل مارستانا بالقاهرة (٦).
وتوجّه إلى الإسكندرية فصام بها شهر رمضان وسمع الحديث على الحافظ أبي طاهر أحمد السّلفي (٧)، وعمّر الأسطول، وعاد إلى القاهرة، وأخرج قراقوش التّقويّ إلى بلاد المغرب، وأمر بقطع ما كان يؤخذ من الحجّاج، وعوّض أمير مكّة عنه في كلّ سنة ألفي دينار وألف أردبّ غلّة، سوى إقطاعه بصعيد مصر وباليمن ومبلغه ثمانية آلاف أردبّ.
стр. 2345
ثم سار من القاهرة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين إلى عسقلان - وهي بيد الفرنج - فقتل وأسر وسبى وغنم، ومضى يريدهم بالرّملة،/ فقاتل البرنس أرناط متملّك الكرك قتالا شديدا، ثم عاد إلى القاهرة.
ثم سار منها في شعبان يريد الفرنج، وقد نزلوا على حماة، حتى قدم دمشق وقد رحلوا عنها، فواصل الغارات على بلاد الفرنج، وعساكره تغزو بلاد المغرب، ثم فتح بيت الأحزان من عمل صفد وأخذه من الفرنج عنوة.
وسار في سنة ستّ وسبعين لحرب عزّ (¬a) الدّين قليج أرسلان صاحب قونيه من بلاد الرّوم وعاد، ثم توجّه إلى بلاد الأرمن، وعاد فخرّب حصن بهسنا (¬b). ومضى إلى القاهرة، فقدمها في ثالث عشر شعبان، ثم خرج إلى الإسكندرية وسمع بها «موطّأ» الإمام مالك على الفقيه أبي طاهر ابن عوف (١)، وأنشأ بها مارستانا ودارا للمغاربة ومدرسة، وجدّد حفر الخليج ونقل فوّهته، ثم مضى إلى دمياط، وعاد إلى القاهرة.
ثم سار في خامس المحرّم سنة ثمان وسبعين على أيلة، فأغار على بلاد الفرنج، ومضى إلى الكرك، فعاثت عساكره ببلاد طبريّة وعكّا، وأخذ الشّقيف من الفرنج، ونزل السّلطان بدمشق، وركب إلى طبريّة فواقع الفرنج. وعاد فتوجّه إلى حلب ونازلها، ثم مضى إلى البيرة على الفرات، وعدّى إلى الرّها فأخذها، وملك حرّان والرّقّة ونصيبين، وحاصر الموصل فلم ينل منها غرضا؛ فنازل سنجار حتى أخذها. ثم مضى على حرّان إلى آمد فأخذها، وسار على عين تاب إلى حلب فملكها في ثامن عشر صفر سنة تسع وسبعين، وعاد إلى دمشق، وعبر الأردن (¬c) وحرق بيسان على الفرنج. وخرّب لهم عدّة حصون وعاد إلى دمشق، ثم سار إلى الكرك فلم ينل منها غرضا وعاد.
ثم خرج في سنة ثمانين من دمشق فنازل الكرك، ثم رحل عنها إلى نابلس فحرقها، وأكثر من الغارات حتى دخل دمشق، ثم سار منها إلى حماة، ومضى حتى بلغ حرّان، ونزل على الموصل
стр. 2346
وحصرها، ثم سار عنها إلى خلاط فلم يملكها، فمضى حتّى أخذ ميافارقين وعاد إلى الموصل، ثم رحل عنها وقد مرض إلى حرّان، فتقرّر الصّلح مع المواصلة على أن يخطبوا له بها وبديار بكر وجميع البلاد الأرتقيّة، وضرب السّكّة فيها باسمه.
ثم سار إلى دمشق، فقدمها في ثاني ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين، وخرج منها في أوّل سنة ثلاث وثمانين، ونازل الكرك والشّوبك وطبريّة، فملك طبريّة في ثالث عشرين ربيع الآخر من الفرنج. ثم واقعهم على حطّين وهم في خمسين ألفا فهزمهم بعد وقائع عديدة وأسر منهم عدّة ملوك (١).
ونازل عكّا حتى تسلّمها في ثاني جمادى الأولى، وأنقذ منها أربعة آلاف أسير مسلم من الأسر، وأخذ مجدل يافا وعدّة حصون منها النّاصريّة وقيسارية وحيفا وصفّوريّة والشّقيف والنّولة والطّور وسبسطيّة ونابلس وتبنين وصرخد وصيدا وبيروت وجبيل، وأنقذ من هذه البلاد زيادة على عشرين ألف أسير مسلم كانوا في أسر الفرنج، وأسر من الفرنج مائة ألف إنسان، ثم ملك منهم الرّملة وبلد الخليل ﵇ وبيت لحم من القدس ومدينة عسقلان ومدينة غزّة وبيت جبريل.
ثم فتح بيت المقدس في يوم الجمعة سابع عشرين رجب، وأخرج منه ستين ألفا من الفرنج، بعدما أسر ستة عشر ألفا ما بين ذكر وأنثى، وقبض من مال المفاداة ثلاث مائة ألف دينار مصرية، وأقام الجمعة بالأقصى (٢)، وبنى بالقدس مدرسة للشّافعيّة، وقرّر على من يرد كنيسة قمامة من الفرنج قطيعة يؤدّيها. ثم نازل عكّا وصور، ونازل في سنة أربع وثمانين حصن كوكب، وندب العساكر إلى صفد والكرك والشّوبك.
وعاد إلى دمشق فدخلها سادس ربيع الأوّل وقد غاب عنها في هذه الغزوة أربعة عشر شهرا وخمسة أيّام. ثم خرج منها بعد خمسة أيّام فشنّ الغارات على الفرنج، وأخذ منهم أنطرسوس
стр. 2347
وخرّب سورها وحرّقها، وأخذ جبلة واللاّذقيّة وصهيون والشّغر وبكاس وبغراس. ثم عاد إلى دمشق آخر شعبان، بعد ما دخل حلب، فملكت عساكره الكرك والشّوبك والسّلع في شهر رمضان.
وخرج بنفسه إلى صفد وملكها من الفرنج في رابع عشر شوّال، وملك كوكب في نصف ذي القعدة، وسار إلى القدس، ومضى بعد النّحر إلى عسقلان ونزل بعكّا، وعاد إلى دمشق أوّل صفر سنة خمس وثمانين. ثم سار منها في ثالث ربيع الأوّل، ونازل شقيف أرنون، وحارب الفرنج حروبا كثيرة، ومضى إلى عكّا - وقد نزل الفرنج عليها، وحصروا من بها من المسلمين - فنزل بمرج عكّا وقاتل الفرنج من أوّل شعبان حتى انقضت السّنة. وقد خرج الألمان من قسطنطينيّة في زيادة على ألف ألف يريد بلاد الإسلام، فاشتدّ الأمر.
ودخلت سنة ستّ وثمانين والسّلطان بالخرّوبة على حصار الفرنج، والأمداد تصل إليه، وقدم الألمان طرسوس يريد بيت المقدس، فخرّب السّلطان سور طبريّة ويافا وأرسوف وقيساريّة وصيدا وجبيل. وقوي الفرنج بقدوم ابن الألمان إليهم تقوية لهم، وقد مات أبوه بطرسوس وملك بعده، فقدّر اللّه تعالى موته أيضا على عكّا.
ودخلت سنة سبع وثمانين، فملك الفرنج عكّا في سابع عشر جمادى الآخرة، وأسروا من بها من المسلمين، وحاربوا السّلطان، وقتلوا جميع من أسروه من المسلمين، وساروا إلى عسقلان.
فرحل السّلطان في أثرهم، وواقعهم بأرسوف، فانهزم/ من معه وهو ثابت حتى عادوا إليه، فقاتل الفرنج وسبقهم إلى عسقلان وخرّبها، ثم مضى إلى الرّملة وخرّب حصنها وخرّب كنيسة له.
ودخل القدس فأقام بها إلى عاشر رجب سنة ثمان وثمانين، ثم سار إلى يافا فأخذها بعد حروب؛ وعاد إلى القدس، وعقد الهدنة بينه وبين الفرنج مدّة ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أوّلها حادي عشر شعبان، على أنّ للفرنج من يافا إلى عكّا إلى صور وطرابلس وأنطاكية، ونودي بذلك فكان يوما مشهودا.
وعاد السّلطان إلى دمشق فدخلها خامس عشرين شوّال - وقد غاب عنها أربع سنين - فمات بها في يوم الأربعاء سابع عشرين صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة عن سبع وخمسين سنة، منها مدّة ملكه بعد موت العاضد اثنتان وعشرون سنة وستة عشر يوما.
فقام من بعده بمصر ولده «السّلطان الملك العزيز عماد الدّين أبو الفتح عثمان»، وقد كان يومئذ ينوب عنه بمصر، وهو مقيم بدار الوزارة من القاهرة، وعنده جلّ عساكر أبيه من
стр. 2348
الأسديّة والسّلاحيّة والأكراد (١). فأتاه ممّن كان عند أخيه الملك الأفضل عليّ: الأمير فخر الدّين جهاركس، والأمير فارس الدّين ميمون القصري، والأمير شمس الدّين سنقر الكبير - وهم عظماء الدّولة - فأكرمهم، وقدم عليه القاضي الفاضل فبالغ في كرامته.
وتنكّر ما بينه وبين أخيه الأفضل، فسار من مصر لمحاربته، وحصره بدمشق. فدخل بينهما العادل أبو بكر حتى عاد العزيز إلى مصر على صلح فيه دخل، فلم يتمّ ذلك وتوحّش ما بينهما، وخرج العزيز ثانيا إلى دمشق، فدبّر عليه عمّه العادل حتى كاد أن يزول ملكه وعاد خائفا، فسار إليه الأفضل والعادل حتى نزلا بلبيس، فجرت أمور آلت إلى الصّلح، وإقامة (¬a) العادل مع العزيز بمصر، وعاد الأفضل إلى مملكته بدمشق.
فقام العادل بتدبير أمور الدّولة، وخرج بالعزيز لمحاربة الأفضل فحصراه بدمشق حتى أخذاها منه بعد حروب، وبعثاه إلى صرخد. وعاد العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق حتّى مات العزيز في ليلة (¬b) عشرين المحرّم سنة خمس وتسعين وخمس مائة عن سبع وعشرين سنة وأشهر، منها مدّة سلطنته بعد أبيه ستّ سنين تنقص شهرا واحدا.
فأقيم بعده ابنه «السّلطان الملك المنصور ناصر الدّين محمد»، وعمره تسع سنين وأشهر بعهد من أبيه. وقام بأمور الدّولة بهاء الدّين قراقوش الأسدي الأتابك، فاختلف عليه أمراء الدّولة، وكاتبوا الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدّين، فقدم من صرخد في خامس ربيع الأوّل، فاستولى على الأمور، ولم يبق للمنصور معه سوى الاسم (٢).
стр. 2349
ثم سار به من القاهرة في ثالث رجب يريد أخذ دمشق من عمّه العادل بعدما قبض على عدّة من الأمراء، وقد توجّه العادل إلى ماردين، فحصر الأفضل دمشق. وقد بلغ العادل خبره فعاد وسار يريده حتى دخل دمشق. فجرت حروب كثيرة آلت إلى عود الأفضل إلى مصر بمكيدة دبّرها عليه العادل.
وخرج العادل في أثره وواقعه على بلبيس، فكسره في سادس ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين، والتجأ إلى القاهرة وطلب الصّلح، فعوّضه العادل صرخد، ودخل إلى القاهرة في يوم السّبت ثامن عشره، وأقام بأتابكيّة المنصور، ثم خلعه في يوم الجمعة حادي عشر شوّال. وكانت سلطنته سنة وثمانية أشهر وعشرين يوما.
واستبدّ بالسّلطنة بعده عمّ أبيه «السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر محمد بن أيّوب»، فخطب له بديار مصر وبلاد الشّام وحرّان والرّها وميافارقين، وأخرج المنصور وإخوته من القاهرة إلى الرّها، واستتاب ابنه الملك الكامل محمدا عنه، وعهد إليه بعده بالسّلطنة، وحلّف له الأمراء، فسكن قلعة الجبل، واستمرّ أبوه في دار الوزارة (١).
وفي أيّامه توقّفت زيادة النّيل ولم يبلغ سوى ثلاثة عشر ذراعا تنقص ثلاثة أصابع، وشرقت أراضي مصر إلاّ الأقلّ، وغلت الأسعار، وتعذّر وجود الأقوات حتى أكلت الجيف وحتى أكل النّاس بعضهم بعضا، وتبع ذلك فناء كبير، وامتدّ ذلك ثلاث سنين، فبلغت عدّة من كفّنه العادل وحده من الأموات في مدّة يسيرة نحو مائتي ألف وعشرين ألف إنسان، فكان بلاء شنيعا (٢).
(¬a)
стр. 2350
وعقب ذلك تحرّك الفرنج على بلاد المسلمين في سنة تسع وتسعين. فكانت معهم عدّة حروب على بلاد الشّام آلت إلى أن عقد العادل معهم الهدنة. فعاودوا الحرب في سنة ستّ مائة، وعزموا على أخذ القدس، وكثر عيثهم وفسادهم. وكانت لهم وللمسلمين شئون آلت إلى نزولهم على مدينة دمياط في رابع ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وستّ مائة والعادل يومئذ بالشّام. فخرج الملك الكامل لمحاربتهم، فمات العادل بمرج الصّفّر في يوم الخميس سابع جمادى الآخرة منها، وحمل إلى دمشق. فكانت مدّة سلطنته بديار مصر تسع عشرة سنة وشهرا واحدا وتسعة عشر يوما.
وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين أبو المعالي محمد» بعهد أبيه، فأقام في السّلطنة عشرين سنة وخمسة وأربعين يوما، ومات بدمشق يوم الأربعاء حادي عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستّ مائة (١).
وأقيم بعده ابنه «السّلطان/ الملك العادل سيف الدّين أبو بكر»، فاشتغل باللّهو عن التّدبير، وخرجت عنه حلب، واستوحش منه الأمراء لتقريبه الشّباب. وسار أخوه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب من بلاد الشّرق إلى دمشق وأخذها في أوّل جمادى الأولى سنة ستّ وثلاثين، وجرت له أمور آخرها أنّه سار إلى مصر. فقبض الأمراء على العادل وخلعوه يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّ مائة فكانت سلطنته سنتين وثلاثة أشهر وتسعة أيّام (٢).
وقام بالسّلطنة (¬a) بعده أخوه «السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أبو الفتوح أيّوب»، فاستولى على قلعة الجبل في يوم الأحد رابع عشرين ذي القعدة، وجلس على سرير