← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وحصرها، ثم سار عنها إلى خلاط فلم يملكها، فمضى حتّى أخذ ميافارقين وعاد إلى الموصل، ثم رحل عنها وقد مرض إلى حرّان، فتقرّر الصّلح مع المواصلة على أن يخطبوا له بها وبديار بكر وجميع البلاد الأرتقيّة، وضرب السّكّة فيها باسمه. ثم سار إلى دمشق، فقدمها في ثاني ربيع الأوّل سنة اثنتين وثمانين، وخرج منها في أوّل سنة ثلاث وثمانين، ونازل الكرك والشّوبك وطبريّة، فملك طبريّة في ثالث عشرين ربيع الآخر من الفرنج. ثم واقعهم على حطّين وهم في خمسين ألفا فهزمهم بعد وقائع عديدة وأسر منهم عدّة ملوك (١). ونازل عكّا حتى تسلّمها في ثاني جمادى الأولى، وأنقذ منها أربعة آلاف أسير مسلم من الأسر، وأخذ مجدل يافا وعدّة حصون منها النّاصريّة وقيسارية وحيفا وصفّوريّة والشّقيف والنّولة والطّور وسبسطيّة ونابلس وتبنين وصرخد وصيدا وبيروت وجبيل، وأنقذ من هذه البلاد زيادة على عشرين ألف أسير مسلم كانوا في أسر الفرنج، وأسر من الفرنج مائة ألف إنسان، ثم ملك منهم الرّملة وبلد الخليل ﵇ وبيت لحم من القدس ومدينة عسقلان ومدينة غزّة وبيت جبريل. ثم فتح بيت المقدس في يوم الجمعة سابع عشرين رجب، وأخرج منه ستين ألفا من الفرنج، بعدما أسر ستة عشر ألفا ما بين ذكر وأنثى، وقبض من مال المفاداة ثلاث مائة ألف دينار مصرية، وأقام الجمعة بالأقصى (٢)، وبنى بالقدس مدرسة للشّافعيّة، وقرّر على من يرد كنيسة قمامة من الفرنج قطيعة يؤدّيها. ثم نازل عكّا وصور، ونازل في سنة أربع وثمانين حصن كوكب، وندب العساكر إلى صفد والكرك والشّوبك. وعاد إلى دمشق فدخلها سادس ربيع الأوّل وقد غاب عنها في هذه الغزوة أربعة عشر شهرا وخمسة أيّام. ثم خرج منها بعد خمسة أيّام فشنّ الغارات على الفرنج، وأخذ منهم أنطرسوس

стр. 2347

وخرّب سورها وحرّقها، وأخذ جبلة واللاّذقيّة وصهيون والشّغر وبكاس وبغراس. ثم عاد إلى دمشق آخر شعبان، بعد ما دخل حلب، فملكت عساكره الكرك والشّوبك والسّلع في شهر رمضان. وخرج بنفسه إلى صفد وملكها من الفرنج في رابع عشر شوّال، وملك كوكب في نصف ذي القعدة، وسار إلى القدس، ومضى بعد النّحر إلى عسقلان ونزل بعكّا، وعاد إلى دمشق أوّل صفر سنة خمس وثمانين. ثم سار منها في ثالث ربيع الأوّل، ونازل شقيف أرنون، وحارب الفرنج حروبا كثيرة، ومضى إلى عكّا - وقد نزل الفرنج عليها، وحصروا من بها من المسلمين - فنزل بمرج عكّا وقاتل الفرنج من أوّل شعبان حتى انقضت السّنة. وقد خرج الألمان من قسطنطينيّة في زيادة على ألف ألف يريد بلاد الإسلام، فاشتدّ الأمر. ودخلت سنة ستّ وثمانين والسّلطان بالخرّوبة على حصار الفرنج، والأمداد تصل إليه، وقدم الألمان طرسوس يريد بيت المقدس، فخرّب السّلطان سور طبريّة ويافا وأرسوف وقيساريّة وصيدا وجبيل. وقوي الفرنج بقدوم ابن الألمان إليهم تقوية لهم، وقد مات أبوه بطرسوس وملك بعده، فقدّر اللّه تعالى موته أيضا على عكّا. ودخلت سنة سبع وثمانين، فملك الفرنج عكّا في سابع عشر جمادى الآخرة، وأسروا من بها من المسلمين، وحاربوا السّلطان، وقتلوا جميع من أسروه من المسلمين، وساروا إلى عسقلان. فرحل السّلطان في أثرهم، وواقعهم بأرسوف، فانهزم/ من معه وهو ثابت حتى عادوا إليه، فقاتل الفرنج وسبقهم إلى عسقلان وخرّبها، ثم مضى إلى الرّملة وخرّب حصنها وخرّب كنيسة له. ودخل القدس فأقام بها إلى عاشر رجب سنة ثمان وثمانين، ثم سار إلى يافا فأخذها بعد حروب؛ وعاد إلى القدس، وعقد الهدنة بينه وبين الفرنج مدّة ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أوّلها حادي عشر شعبان، على أنّ للفرنج من يافا إلى عكّا إلى صور وطرابلس وأنطاكية، ونودي بذلك فكان يوما مشهودا. وعاد السّلطان إلى دمشق فدخلها خامس عشرين شوّال - وقد غاب عنها أربع سنين - فمات بها في يوم الأربعاء سابع عشرين صفر سنة تسع وثمانين وخمس مائة عن سبع وخمسين سنة، منها مدّة ملكه بعد موت العاضد اثنتان وعشرون سنة وستة عشر يوما. فقام من بعده بمصر ولده «السّلطان الملك العزيز عماد الدّين أبو الفتح عثمان»، وقد كان يومئذ ينوب عنه بمصر، وهو مقيم بدار الوزارة من القاهرة، وعنده جلّ عساكر أبيه من

стр. 2348

الأسديّة والسّلاحيّة والأكراد (١). فأتاه ممّن كان عند أخيه الملك الأفضل عليّ: الأمير فخر الدّين جهاركس، والأمير فارس الدّين ميمون القصري، والأمير شمس الدّين سنقر الكبير - وهم عظماء الدّولة - فأكرمهم، وقدم عليه القاضي الفاضل فبالغ في كرامته. وتنكّر ما بينه وبين أخيه الأفضل، فسار من مصر لمحاربته، وحصره بدمشق. فدخل بينهما العادل أبو بكر حتى عاد العزيز إلى مصر على صلح فيه دخل، فلم يتمّ ذلك وتوحّش ما بينهما، وخرج العزيز ثانيا إلى دمشق، فدبّر عليه عمّه العادل حتى كاد أن يزول ملكه وعاد خائفا، فسار إليه الأفضل والعادل حتى نزلا بلبيس، فجرت أمور آلت إلى الصّلح، وإقامة (¬a) العادل مع العزيز بمصر، وعاد الأفضل إلى مملكته بدمشق. فقام العادل بتدبير أمور الدّولة، وخرج بالعزيز لمحاربة الأفضل فحصراه بدمشق حتى أخذاها منه بعد حروب، وبعثاه إلى صرخد. وعاد العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق حتّى مات العزيز في ليلة (¬b) عشرين المحرّم سنة خمس وتسعين وخمس مائة عن سبع وعشرين سنة وأشهر، منها مدّة سلطنته بعد أبيه ستّ سنين تنقص شهرا واحدا. فأقيم بعده ابنه «السّلطان الملك المنصور ناصر الدّين محمد»، وعمره تسع سنين وأشهر بعهد من أبيه. وقام بأمور الدّولة بهاء الدّين قراقوش الأسدي الأتابك، فاختلف عليه أمراء الدّولة، وكاتبوا الملك الأفضل عليّ بن صلاح الدّين، فقدم من صرخد في خامس ربيع الأوّل، فاستولى على الأمور، ولم يبق للمنصور معه سوى الاسم (٢).

стр. 2349

ثم سار به من القاهرة في ثالث رجب يريد أخذ دمشق من عمّه العادل بعدما قبض على عدّة من الأمراء، وقد توجّه العادل إلى ماردين، فحصر الأفضل دمشق. وقد بلغ العادل خبره فعاد وسار يريده حتى دخل دمشق. فجرت حروب كثيرة آلت إلى عود الأفضل إلى مصر بمكيدة دبّرها عليه العادل. وخرج العادل في أثره وواقعه على بلبيس، فكسره في سادس ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين، والتجأ إلى القاهرة وطلب الصّلح، فعوّضه العادل صرخد، ودخل إلى القاهرة في يوم السّبت ثامن عشره، وأقام بأتابكيّة المنصور، ثم خلعه في يوم الجمعة حادي عشر شوّال. وكانت سلطنته سنة وثمانية أشهر وعشرين يوما. واستبدّ بالسّلطنة بعده عمّ أبيه «السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر محمد بن أيّوب»، فخطب له بديار مصر وبلاد الشّام وحرّان والرّها وميافارقين، وأخرج المنصور وإخوته من القاهرة إلى الرّها، واستتاب ابنه الملك الكامل محمدا عنه، وعهد إليه بعده بالسّلطنة، وحلّف له الأمراء، فسكن قلعة الجبل، واستمرّ أبوه في دار الوزارة (١). وفي أيّامه توقّفت زيادة النّيل ولم يبلغ سوى ثلاثة عشر ذراعا تنقص ثلاثة أصابع، وشرقت أراضي مصر إلاّ الأقلّ، وغلت الأسعار، وتعذّر وجود الأقوات حتى أكلت الجيف وحتى أكل النّاس بعضهم بعضا، وتبع ذلك فناء كبير، وامتدّ ذلك ثلاث سنين، فبلغت عدّة من كفّنه العادل وحده من الأموات في مدّة يسيرة نحو مائتي ألف وعشرين ألف إنسان، فكان بلاء شنيعا (٢). (¬a)

стр. 2350

وعقب ذلك تحرّك الفرنج على بلاد المسلمين في سنة تسع وتسعين. فكانت معهم عدّة حروب على بلاد الشّام آلت إلى أن عقد العادل معهم الهدنة. فعاودوا الحرب في سنة ستّ مائة، وعزموا على أخذ القدس، وكثر عيثهم وفسادهم. وكانت لهم وللمسلمين شئون آلت إلى نزولهم على مدينة دمياط في رابع ربيع الأوّل سنة خمس عشرة وستّ مائة والعادل يومئذ بالشّام. فخرج الملك الكامل لمحاربتهم، فمات العادل بمرج الصّفّر في يوم الخميس سابع جمادى الآخرة منها، وحمل إلى دمشق. فكانت مدّة سلطنته بديار مصر تسع عشرة سنة وشهرا واحدا وتسعة عشر يوما. وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك الكامل ناصر الدّين أبو المعالي محمد» بعهد أبيه، فأقام في السّلطنة عشرين سنة وخمسة وأربعين يوما، ومات بدمشق يوم الأربعاء حادي عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستّ مائة (١). وأقيم بعده ابنه «السّلطان/ الملك العادل سيف الدّين أبو بكر»، فاشتغل باللّهو عن التّدبير، وخرجت عنه حلب، واستوحش منه الأمراء لتقريبه الشّباب. وسار أخوه الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب من بلاد الشّرق إلى دمشق وأخذها في أوّل جمادى الأولى سنة ستّ وثلاثين، وجرت له أمور آخرها أنّه سار إلى مصر. فقبض الأمراء على العادل وخلعوه يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستّ مائة فكانت سلطنته سنتين وثلاثة أشهر وتسعة أيّام (٢). وقام بالسّلطنة (¬a) بعده أخوه «السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أبو الفتوح أيّوب»، فاستولى على قلعة الجبل في يوم الأحد رابع عشرين ذي القعدة، وجلس على سرير

стр. 2351

الملك بها - وكان قد خطب له قبل قدومه - فضبط الأمور، وقام بأعباء المملكة أتمّ قيام، وجمع الأموال التي أتلفها أخوه. وقبض على الأمراء، ونظر في عمارة أرض مصر، وحارب عربان الصّعيد، وقدّم مماليكه وأقامهم أمراء، وبنى قلعة الرّوضة، وتحوّل من قلعة الجبل إليها وسكنها، وملك مكّة، وبعث لغزو اليمن، وعمّر المدارس الصّالحيّة بين القصرين من القاهرة وقرّر بها دروسا أربعة للشّافعيّة والحنفيّة والمالكيّة والحنابلة. وفي أيّامه نزل الفرنج على دمياط في ثالث عشرين صفر سنة سبع وأربعين، وعليهم الملك ريدافرنس (¬a) وملكوها. وكان السّلطان بدمشق، فقدم عندما بلغه حركة الفرنج، ونزل أشموم طناح وهو مريض، فمات بناحية المنصورة مقابل الفرنج في يوم الأحد رابع عشر شعبان منها. وكانت مدّة سلطنته بعد أخيه تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوما (١). فقامت أمّ ولده خليل - واسمها شجر الدّرّ - بالأمر وكتمت موته، واستدعت ابنه توران شاه من حصن كيفا، وسلّمت إليه مقاليد الأمور (٢). فقام من بعده ابنه «السّلطان الملك المعظّم غيّاث الدّين توران شاه». وقد سار من حصن كيفا في نصف شهر رمضان، فمرّ على دمشق، وتسلطن بقلعتها في يوم الاثنين لليلتين بقيتا منه (٣)؛ وركب إلى مصر فنزل الصّالحيّة طرف الرّمل لأربع عشرة بقيت من ذي القعدة. فأعلن حينئذ بموت الصّالح ولم يكن أحد قبل ذلك يتفوّه بموت السّلطان، بل كانت الأمور على حالها والخدمة تعمل بالدّهليز والسّماط يمدّ، وشجر الدّرّ تدبّر أمور الدّولة، وتوهم الكافّة أنّ السّلطان مريض ما لأحد عليه سبيل ولا وصول (٤). ثم سار المعظّم من الصّالحيّة إلى المنصورة، فقدمها يوم الخميس حادي عشرينه، فأساء تدبير نفسه، وتهدّد البحريّة حتى خافوه - وهم يومئذ جمرة العسكر - فقتلوه بعد سبعين يوما في يوم

стр. 2352

الاثنين تاسع عشرين المحرّم سنة ثمان وأربعين وستّ مائة (١). وبموته انقضت دولة بني أيّوب من ديار مصر، بعدما أقامت إحدى وثمانين سنة وسبعة عشر يوما، وملك منهم ثمانية ملوك. ذكر دولة المماليك البحريّة وهم الملوك الأتراك، وكان ابتداء أمر هذه الطّائفة أنّ السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب، كان قد أقرّه أبوه السّلطان الملك الكامل محمد ببلاد الشّرق، وجعل ابنه العادل أبا بكر وليّ عهده في السّلطنة بمصر. فلمّا مات قام من بعده العادل في السّلطنة، وتنكّر ما بينه وبين ابن عمّه الملك الجواد مظفّر الدين يونس بن مودود بن العادل أبي بكر بن أيّوب، وهو نائب دمشق، فاستدعى الصّالح نجم الدّين أيّوب من بلاد الشّرق، ورتّب ابنه المعظّم توران شاه على بلاد الشّرق، وأقرّه بحصن كيفا، وقدم دمشق وملكها. فكاتبه أمراء مصر تحثّه على أخذها من أخيه العادل، وخامر عليه بعضهم فسار من دمشق في رمضان سنة ستّ وثلاثين. فانزعج العادل انزعاجا كبيرا، وكتب إلى النّاصر داود صاحب الكرك، فسار إليه ليعاونه على أخيه الصّالح. فاتّفق مسير الملك الصّالح إسماعيل بن العادل أبي بكر بن أيّوب من حماة وأخذه دمشق للملك العادل أبي بكر ابن الملك الكامل محمد في سابع عشرين صفر سنة سبع وثلاثين، والملك الصّالح نجم الدّين أيّوب يومئذ على نابلس. فانحلّ أمره، وفارقه من معه حتى لم يبق معه إلاّ مماليكه وهم نحو الثّمانين، وطائفة من خواصّه نحو العشرين، وأمّا الجميع فإنّهم مضوا إلى دمشق. وكان النّاصر داود قد فارق العادل، وسار من القاهرة مغاضبا له إلى الكرك، ومضى إلى الصّالح نجم الدّين أيّوب، وقبضه بنابلس في ثاني عشر ربيع الأوّل منها، وسجنه بالكرك. فأقام مماليك الصّالح بالكرك حتى خلص من سجنه في سابع عشرين شهر رمضان منها، فاجتمع عليه مماليكه وقد عظمت مكانتهم عنده، وكان من أمره ما كان حتى ملك مصر، فرعى لهم ثباتهم معه حين تفرّق عنه الأكراد، وأكثر من شرائهم وجعلهم أمراء دولته وخاصّته وبطانته

стр. 2353

والمحيطين بدهليزه إذا سافر، وأسكنهم معه في قلعة الرّوضة (١)، وسمّاهم «البحريّة» (٢). وكانوا دون الألف مملوك - وقيل ثمان مائة وقيل سبع مائة وخمسون - كلّهم أتراك. فلمّا مات الملك الصّالح بالمنصورة، أحسّ الفرنج بشيء من ذلك،/ فركبوا من مدينة دمياط وساروا على فارسكور وواقعوا العسكر في يوم الثلاثاء أوّل شهر رمضان سنة سبع وأربعين، ونزلوا بقرية شرمساح ثم بالبرمون، ونزلوا تجاه المنصورة. فكانت الحروب بين الفريقين إلى خامس ذي القعدة، فلم يشعر المسلمون إلاّ والفرنج معهم في المعسكر، فقتل الأمير فخر الدّين بن شيخ الشّيوخ، وانهزم النّاس، ووصل ريدا فرنس (¬a) ملك الفرنج إلى باب قصر السّلطان. فبرزت «البحريّة» وحملوا على الفرنج حملة منكرة حتى أزاحوهم وولّوا، فأخذتهم السّيوف والدّبابيس، وقتل من أعيانهم ألف وخمس مائة. فظهرت «البحريّة» من يومئذ واشتهرت (٣). ثم لمّا قدم الملك المعظّم توران شاه، أخذ في تهديد شجر الدّرّ ومطالبتها بمال أبيه، فكاتبت البحريّة تذكّرهم بما فعلته من ضبط المملكة حتى قدم المعظّم، وما هي فيه من الخوف منه، فشقّ ذلك عليهم. وكان قد وعد الفارس أقطاي (٤) المتوجّه إليه من المنصورة لاستدعائه من حصن كيفا بإمرة فلم يف له، فتنكّر له، وهو من أكابر البحريّة، وأعرض مع ذلك عن البحريّة، واطرح جانب الأمراء وغيرهم حتى قتلوه. وأجمعوا على أن يقيموا بعده في السّلطنة سريّة أستاذهم

стр. 2354

«الملكة عصمة الدّين أمّ خليل شجر الدّرّ الصّالحيّة» (١)، فأقاموها في السّلطنة وحلفوا لها في عاشر صفر، ورتّبوا الأمير عزّ الدّين أيبك التّركماني الصّالحي أحد البحريّة مقدّم العسكر. وسار عزّ الدّين أيبك الرّومي من العسكر إلى قلعة الجبل، وأنهى ذلك إلى شجر الدّرّ. فقامت بتدبير المملكة، وعلّمت على التّواقيع بما مثاله: «والدة خليل» ونقش على السّكّة اسمها ومثاله: «المستعصمة الصّالحيّة، ملكة المسلمين، والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين». وكانت البحريّة قد تسلّمت مدينة دمياط من الملك ريدا فرنس (¬a) بعدما قرّر على نفسه أربع مائة ألف دينار، وعاد العسكر من المنصورة إلى القاهرة في تاسع صفر، وحلفوا لشجر الدّرّ في ثالث عشره، فخلعت عليهم، وأنفقت فيهم الأموال. ولم يوافق أهل الشّام على سلطنتها، وطلبوا الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن العزيز صاحب حلب، فسار إليهم بدمشق وملكها.

стр. 2355

فانزعج العسكر بالقاهرة، وتزوّج الأمير عزّ الدّين أيبك التّركماني بالملكة شجر الدّرّ، ونزلت له عن السّلطنة، وكانت مدّتها ثمانين يوما (١).

стр. 2356

وملك بعدها «السّلطان الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك الجاشنكير التّركماني الصّالحي» أحد المماليك الأتراك البحريّة (١). وكان قد انتقل إلى الملك الصّالح من أولاد ابن التّركماني، فعرف بالتّركماني، ورقّاه في خدمه حتى صار من جملة الأمراء، ورتّبه جاشنكير. فلمّا مات الصّالح وقدّمته البحريّة عليهم في سلطنة شجر الدّرّ، كتب إليهم الخليفة المستعصم من بغداد يذمّهم على إقامة امرأة، ووافق مع ذلك أخذ النّاصر لدمشق وحركتهم لمحاربته. فوقع الاتّفاق على إقامة أيبك في السّلطنة، فأركبوه بشعار السّلطنة في يوم السبت آخر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، ولقّبوه ب «الملك المعزّ»، وجلس على تخت الملك بقلعة الجبل. فورد الخبر من الغد بأخذ الملك المغيث عمر بن العادل الصّغير الكرك والشّوبك، وأخذ الملك السّعيد قلعة الصّبيبة. فاجتمع رأي الأمراء على إقامة الأشرف مظفّر الدّين موسى بن النّاصر - ويقال المسعود يوسف ابن الملك المسعود يوسف، ويقال أطسز، ويقال أيضا أقسيس ابن الملك الكامل محمد ابن العادل أبي بكر بن أيّوب - شريكا للمعزّ في السّلطنة، فأقاموه معه - وعمره نحو ستّ سنين - في خامس جمادى الأولى، وصارت المراسيم تبرز عن الملكين. إلاّ أنّ الأمر والنّهي للمعزّ، وليس للأشرف سوى مجرّد الاسم (٢). وولّى المعزّ الوزارة لشرف الدّين أبي سعيد هبة اللّه بن صاعد الفائزي - وهو أوّل قبطي ولي وزارة مصر (٣) - وخرج المعزّ بالعساكر وعربان مصر لمحاربة النّاصر يوسف في ثالث ذي القعدة، وخيّم بمنزلة الصّالحيّة وترك الأشرف بقلعة الجبل، واقتتل مع النّاصر في عاشره. فكانت النّصرة له على النّاصر، وعاد في ثاني عشره. فنزل بالنّاس من البحريّة بلاء لا يوصف، ما بين قتل ونهب وسبي، بحيث لو ملك الفرنج بلاد مصر ما زادوا في الفساد على ما فعله البحريّة. وكان كبراؤهم ثلاثة: الأمير

стр. 2357

فارس الدّين آقطاي، وركن الدّين بيبرس البندقداري، وبلبان الرّشيدي. ثم في محرّم سنة تسع وأربعين، خرج المعزّ بالأشرف والعساكر، فنزل بالصّالحيّة وأقام بها نحو سنتين، والرّسل تتردّد بينه وبين النّاصر، وأحدث الوزير الأسعد هبة اللّه الفائزي مظالم لم تعهد بمصر قبله. فورد الخبر في سنة خمسين بحركة التّتر على بغداد، فقطع المعزّ من الخطبة اسم الأشرف وانفرد بالسّلطنة، وقبض على الأشرف وسجنه، وكان الأشرف موسى آخر ملوك بني أيّوب بمصر. ثم إنّ المعزّ جمع الأموال، فأحدث الوزير مكوسا كثيرة سمّاها «الحقوق السّلطانية» (١). وعاد المعزّ إلى قلعة الجبل في سنة إحدى وخمسين، وأوقع بعرب الصّعيد وقبض على الشّريف حصن الدّين ثعلب بن ثعلب، وأذلّ سائر عرب الوجهين القبليّ والبحريّ، وأفناهم قتلا وأسرا وسبيا، وزاد في القطيعة/ على من بقي منهم حتى ذلّوا وقلّوا، ثم قتل الفارس آقطاي ففرّ منهم معظم البحريّة: بيبرس وقلاوون في عدد كثير منهم إلى الشّام وغيرها (٢). ولم يزل إلى أن قتلته شجر الدّرّ في الحمّام ليلة الأربعاء رابع عشرين ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وستّ مائة، فكانت مدّته سبع سنين تنقص ثلاثة وثلاثين يوما. وكان ظلوما غشوما، سفّاكا للدّماء، أفنى عوالم كثيرة بغير ذنب. وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك المنصور نور الدّين عليّ بن المعزّ أيبك» في يوم الخميس خامس عشرين ربيع الأوّل وعمره خمس عشرة سنة؛ فدبّر أمره نائب أبيه الأمير سيف الدّين قطز، ثم خلعه في يوم السبت رابع عشرين ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستّ مائة. فكانت مدّته سنتين وثمانية أشهر وثلاثة أيّام (٣).

стр. 2358

وقام من بعده «السّلطان الملك المظفّر سيف الدّين قطز» في يوم السبت، وأخرج المنصور ابن المعزّ منفيّا هو وأمّه إلى بلاد الأشكري، وقبض على عدّة من الأمراء (١). وسار فأوقع بجمع هولاكو على «عين جالوت» (٢). وهزمهم في يوم الجمعة خامس عشرين رمضان سنة ثمان وخمسين، وقتل منهم وأسر كثيرا بعد ما ملكوا بغداد، وقتلوا الخليفة المستعصم باللّه عبد اللّه، وأزالوا دولة بني العبّاس، وخرّبوا بغداد وديار بكر وحلب، ونازلوا دمشق فملكوها. فكانت هذه الوقعة أوّل هزيمة عرفت للتّتر منذ قاموا. ودخل المظفّر قطز إلى دمشق وعاد منها يريد مصر؛ فقتله الأمير ركن الدّين بيبرس البندقداري، قريبا من المنزلة الصّالحيّة، في يوم السبت نصف ذي القعدة منها، فكانت مدّته سنة تنقص ثلاثة عشر يوما. وقام من بعده «السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين أبو الفتح بيبرس البندقداري الصّالحي» التركي الجنس، أحد المماليك البحريّة، وجلس على تخت السّلطنة بقلعة الجبل في (¬a)) يوم (¬a) سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان وخمسين، فلم يزل حتى مات بدمشق في يوم الخميس سابع عشرين المحرّم سنة ستّ وسبعين وستّ مائة. فكانت مدّته سبع عشرة سنة وشهرين واثني عشر يوما (٣).

стр. 2359

وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك السّعيد ناصر الدّين أبو المعالي محمد بركه قان» وهو يومئذ بقلعة الجبل ينوب عن أبيه، وقد عهد إليه بالسّلطنة، وزوّجه بابنة الأمير سيف الدّين قلاوون الألفي. فجلس على التّخت في يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة ستّ وسبعين، إلى أن خلعه الأمراء في سابع ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين. وكانت مدّته سنتين وشهرين وثمانية أيّام لم يحسن فيها تدبير ملكه، وأوحش ما بينه وبين الأمراء (١). فأقيم بعده أخوه «السّلطان الملك العادل بدر الدّين سلامش بن الظّاهر بيبرس» وعمره سبع سنين وأشهر، وقام بتدبيره الأمير قلاوون أتابك العساكر، ثم خلعه بعد مائة يوم، وبعث به إلى الكرك فسجن مع أخيه بركة بها (٢). وقام من بعده «السّلطان الملك المنصور سيف الدّين أبو (¬a) قلاوون الألفي العلائي الصّالحي» أحد المماليك الأتراك البحريّة. كان قبجاقيّ الجنس من قبيلة يرج أغلي، فجلب صغيرا واشتراه الأمير علاء الدّين آق سنقر السّاقي العادلي بألف دينار، وصار بعد موته إلى الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب في سنة سبع وأربعين وستّ مائة، فجعله من جملة البحريّة. فتنقّلت به الأحوال حتى صار أتابك العساكر في الأيّام العادليّة سلامش، وذكر اسمه مع العادل على المنابر. ثم جلس على التّخت بقلعة الجبل في يوم الأحد العشرين من شهر رجب سنة ثمان وسبعين، وتلقّب ب «الملك المنصور»، وأبطل عدّة مكوس (٣). فثار عليه الأمير شمس الدّين سنقر الأشقر بدمشق،

стр. 2360

وتسلطن ولقّب نفسه بالملك الكامل في يوم الجمعة رابع عشرين ذي الحجّة؛ فبعث إليه وهزمه، واستعاد دمشق. ثم قدمت التّتر إلى بلاد حلب وعاثوا بها، فتوجّه إليهم السّلطان بعساكره، وأوقع بهم على حمص في يوم الخميس رابع عشرين رجب سنة ثمانين وستّ مائة، وهزمهم بعد مقتلة عظيمة، وعاد إلى قلعة الجبل. وتوجّه في سنة أربع وثمانين حتى نازل حصن المرقب ثمانية وثلاثين يوما، وأخذه عنوة من الفرنج، وعاد إلى القلعة. ثم بعث العسكر فغزا بلاد النّوبة في سنة سبع وثمانين وعاد بغنائم كثيرة. ثم سار في سنة ثمان وثمانين لغزو الفرنج بطرابلس (١)، فنازلها أربعة وثلاثين يوما حتى فتحها عنوة في رابع ربيع الآخر، وهدمها جميعها، وأنشأ قريبا منها مدينة طرابلس الموجودة الآن، وعاد إلى قلعة الجبل. وبعث لغزو النّوبة ثانيا عسكرا، فقتلوا وأسروا وعادوا.

стр. 2361

ثم خرج لغزو الفرنج بعكّا وهو مريض، فمات خارج القاهرة ليلة السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين وست مائة. فكانت مدّته إحدى عشرة سنة وشهرين وأربعة وعشرين يوما. وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك الأشرف صلاح الدّين خليل» في يوم الأحد سابع ذي القعدة المذكور (١)، وسار لفتح عكّا في ثالث ربيع الأوّل سنة تسعين وستّ مائة، ونصب عليها اثنين وتسعين منجنيقا، وقاتل من بها من الفرنج أربعة وأربعين يوما حتى فتحها عنوة في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، وهدمها/ كلّها بما فيها وحرقها، وأخذ صور وحيفا وعثليث وأنطرسوس وصيدا وهدمها، وأجلى الفرنج من السّاحل، فلم يبق منهم أحد وللّه الحمد. وتوجّه إلى دمشق، وعاد إلى مصر، فدخل قلعة الجبل يوم الاثنين تاسع شعبان، ثم خرج في ثامن ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وستّ مائة، بعدما نادى بالنّفير للجهاد، فدخل دمشق وعرض العساكر، ومضى منها فمرّ على حلب، ونازل قلعة الرّوم، ونصب عليها عشرين منجنيقا حتى فتحها بعد ثلاثة وثلاثين يوما عنوة، وقتل من بها من النّصارى الأرمن، وسبى نساءهم وأولادهم، وسمّاها «قلعة المسلمين»، فعرفت بذلك. وعاد إلى مصر فدخل قلعة الجبل في يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة، وسار في رابع المحرّم سنة اثنتين وتسعين حتى بلغ مدينة قوص من صعيد مصر، ونادى فيها بالتّجهّز لغزو اليمن وعاد.

стр. 2362

ثم سار مخفّا على الهجن في البرّيّة إلى الكرك، ومضى إلى دمشق، فقدمها في تاسع جمادى الآخرة، وقصد غزو بهسنا (¬a) وأخذها من الأرمن، فقدموا إليه وسلّموها من تلقاء أنفسهم، وسلّموا أيضا مرعش وتلّ حمدون. ومضى من دمشق في ثاني رجب، وعبر من حمص إلى سلميّة، وهجم على الأمير مهنّا بن عيسى وقبضه وإخوته، وحملهم في الحديد إلى قلعة الجبل، ورجع إلى دمشق. وعاد (¬b) إلى مصر، فقدم قلعة الجبل في ثامن عشرين رجب، ثم توجّه للصّيد فبلغ الطّرّانة (١)، وانفرد في نفر يسير ليصطاد. فاقتحم عليه الأمير بيدرا في عدّة معه (٢) وقتلوه في يوم السبت ثاني عشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة. فكانت مدّته ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيّام. ثم حمل ودفن بمدرسته الأشرفيّة (٣).

стр. 2363

وأقيم من بعده أخوه «السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون» وعمره سبع سنين، وقام الأمير زين الدّين كتبغا بتدبيره، ثم خلعه بعد سنة تنقص ثلاثة أيّام (١). وقام من بعده «السّلطان الملك العادل زين الدّين كتبغا المنصوري» أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، وجلس على التّخت بقلعة الجبل في يوم الأربعاء حادي عشر المحرّم سنة أربع وتسعين، وتلقّب ب «الملك العادل» (٢). فكانت أيّامه شرّ أيّام لما فيها من قصور مدّ النّيل وغلاء الأسعار، وكثرة الوباء في النّاس، وقدوم الأويراتية. فقام عليه نائبه الأمير حسام الدّين لاجين، وهو عائد من دمشق بمنزلة العرجاء، في يوم الاثنين ثامن عشرين المحرّم سنة ستّ وتسعين ففرّ إلى دمشق، واستولى لا جين على الأمر، فكانت مدّته سنتين وسبعة عشر يوما. وقدم لا جين بالعسكر إلى مصر. وقام في السّلطنة «السّلطان الملك المنصور حسام الدّين لا جين المنصوري»، أحد مماليك المنصور قلاوون، وجلس على التّخت بقلعة الجبل، وتلقّب ب «الملك المنصور» في يوم الاثنين ثامن عشرين المحرّم المذكور (٣)، واستناب مملوكه منكوتمر. فنفرت القلوب عنه، حتى قتل في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وستّ مائة. فكانت مدّته سنتين وشهرين وثلاثة عشر يوما.

стр. 2364

ودبّر الأمراء بعده أمور الدّولة، حتى قدم من الكرك «السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون»، وأعيد إلى السّلطنة مرّة ثانية في يوم الاثنين سادس جمادى الأولى، وقام بتدبير الأمور الأميران سلار نائب السّلطنة، وبيبرس الجاشنكير أستادّار حتى سار كأنّه يريد الحجّ، فمضى إلى الكرك، وانخلع من السّلطنة. فكانت مدّته تسع سنين وستة أشهر وثلاثة عشر يوما. فقام من بعده «السّلطان الملك المظفّر ركن الدّين بيبرس الجاشنكير» أحد مماليك المنصور قلاوون، في يوم السبت ثالث عشرين ذي الحجّة سنة ثمان وسبع مائة، حتى فرّ من قلعة الجبل في يوم الثلاثاء سادس عشر رمضان سنة تسع وسبع مائة، فكانت مدّته عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما (١). ثم قدم من الشّام في العساكر «السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون»، وأعيد إلى السّلطنة مرّة ثالثة في يوم الخميس ثاني شوّال منها، فاستبدّ بالأمر حتى مات في ليلة الخميس حادي عشرين ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مائة. وكانت مدّته الثّالثة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وخمسة وعشرين يوما، ودفن بالقبّة المنصورية على أبيه (٢). وأقيم بعده ابنه «السّلطان الملك المنصور سيف الدّين أبو بكر» بعهد أبيه، في يوم الخميس حادي عشرين ذي الحجّة، وقام الأمير قوصون بتدبير الدّولة، ثم خلعه بعد تسعة وخمسين يوما في يوم الأحد لعشرين من صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة (٣). وأقام بعده أخاه «السّلطان الملك الأشرف علاء الدّين كجك بن النّاصر محمد بن قلاوون» ولم يكمل له من العمر ثمان سنين. فتنكّرت قلوب الأمراء على قوصون، وحاربوه وقبضوا عليه كما ذكر في ترجمته، وخلعوا الأشرف في يوم الخميس أوّل شعبان. فكانت مدّته خمسة أشهر وعشرة أيّام (٤).

стр. 2365

وقام الأمير أيدغمش بأمر الدّولة، وبعث يستدعي من بلاد الكرك «السّلطان الملك النّاصر شهاب الدّين أحمد بن النّاصر محمد بن قلاوون» - وكان مقيما بقلعة الكرك من أيّام أبيه - فقدم على البرّيّة (¬a) في عشرة من أهل الكرك ليلة الخميس ثامن عشرين شهر رمضان، وعبر الدّور من قلعة/ الجبل بمن قدم معه، واحتجب عن الأمراء، ولم يخرج لصلاة العيد، ولا حضر السّماط على العادة إلى أن لبس شعار السّلطنة وجلس على التّخت في يوم الاثنين عاشر شوّال، وقلوب الأمراء نافرة منه لإعراضه عنهم، فساءت سيرته. ثم خرج إلى الكرك في يوم الأربعاء ثاني ذي القعدة، واستخلف الأمير آق سنقر السّلاري نائب الغيبة (١). فلمّا وصل قبّة النّصر نزل عن فرسه، ولبس ثياب العرب، ومضى مع خواصّه أهل الكرك على البرّيّة (¬a)، وترك الأطلاب فسارت على البرّ حتى وافته بالكرك، فردّ العسكر إلى بلد الخليل، وأقام بقلعة الكرك وتصرّف أقبح تصرّف. فخلعه الأمراء في يوم الأربعاء حادي عشرين المحرّم سنة ثلاث وأربعين. فكانت مدّته ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما (٢). وأقاموا بعده أخاه «السّلطان الملك الصّالح عماد الدّين إسماعيل» في يوم الخميس ثاني عشرين المحرّم المذكور، وقام الأمير أرغون زوج أمّه بتدبير المملكة مع مشاركة عدّة من الأمراء، وسارت الأمراء والعساكر لقتال النّاصر أحمد في الكرك حتى أخذ وقتل. فلمّا أحضرت رأسه إلى السّلطان الصّالح ورآها فزع ولم يزل يعتاده المرض حتى مات ليلة الخميس رابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبع مائة. فكانت مدّته ثلاث سنين وشهرين وأحد عشر يوما (٣).

стр. 2366

وقام بعده أخوه «السّلطان الملك الكامل سيف الدّين شعبان» بعهد أخيه، وجلس على التّخت من غد. فأوحش ما بينه وبين الأمراء حتى ركبوا عليه، فركب لقتالهم فلم يثبت من معه، وعاد إلى القلعة منهزما، فتبعه الأمراء وخلعوه، وذلك في يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وسبع مائة. فكانت مدّته سنة وثمانية وخمسين يوما (١). فأقيم بعده أخوه «السّلطان الملك المظفّر زين الدّين حاجي» من يومه فساءت سيرته، وانهمك في اللّعب. فركب الأمراء عليه، فركب إليهم وحاربهم، فخانه من معه وتركوه حتى أخذ وذبح في يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. وكانت مدّته سنة وثلاثة أشهر واثني عشر يوما (٢). وأقيم من بعده أخوه «السّلطان الملك النّاصر بدر الدّين أبو المعالي حسن بن محمد» في يوم الثلاثاء رابع عشره، وعمره إحدى عشرة سنة، فلم يكن له من الأمر شيء، والقائم بالأمر الأمير شيخو العمري. فلمّا أخذ في الاستبداد بالتّصرّف خلع وسجن في يوم الاثنين ثامن عشرين جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين. فكانت مدّته أربع سنين تنقص خمسة عشر يوما، منها تحت الحجر ثلاث سنين ونيف، ومدّة استبداده نحو من تسعة أشهر (٣). وأقيم من بعده أخوه «السّلطان الملك الصّالح صلاح الدّين صالح» في يوم الاثنين المذكور، فكثر لهوه وخرج عن الحدّ في التّبذّل واللّعب. فثار عليه الأميران شيخو وطاز وقبضا عليه وسجناه بالقلعة في يوم الاثنين ثاني شوّال سنة خمس وخمسين وسبع مائة. فكانت مدّته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيّام (٤).

стр. 2367

وأعيد «السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمّد بن قلاوون» في يوم الاثنين المذكور، فأقام حتّى قام عليه مملوكه الأمير يلبغا الخاصّكي وقتله في ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين. فكانت مدّته هذه ستّ سنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام (١). وأقيم من بعده ابن أخيه «السّلطان الملك المنصور صلاح الدّين محمد بن المظفّر حاجي ابن محمد بن قلاوون» وعمره أربع عشرة سنة في يوم الأربعاء المذكور. وقام بالأمر الأمير يلبغا، ثم خلعه وسجنه بالقلعة في يوم الاثنين رابع عشر شعبان سنة أربع وستين وسبع مائة (٢). وأقام بعده «السّلطان الملك الأشرف زين الدّين أبا المعالي شعبان بن حسين بن النّاصر محمد بن المنصور قلاوون» وعمره عشر سنين، في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان المذكور، ولم يل من بني قلاوون من أبوه لم يتسلطن سواه. فأقام تحت حجر يلبغا حتّى قتل يلبغا (٣) في ليلة الأربعاء عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وسبع مائة. فأخذ يستبدّ بملكه حتى انفرد بتدبيره إلى أن قتل في يوم الثلاثاء سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، بعدما أقيم بدله ابنه في السّلطنة. فكانت مدّته أربع عشرة سنة وشهرين وخمسة عشر يوما (٤). وصار بعده (¬a) ابنه «السّلطان الملك المنصور علاء الدّين عليّ بن شعبان بن حسين» وعمره سبع سنين في يوم السبت ثالث ذي القعدة المذكور، وأبوه حيّ. فلم يكن حظّه من السّلطنة سوى الاسم، حتى مات في يوم الأحد ثالث عشرين صفر سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة. فكانت مدّته خمس سنين وثلاثة أشهر وعشرين يوما (٥).

стр. 2368

فأقيم بعده أخوه «السّلطان الملك الصّالح زين الدّين حاجي» في يوم الاثنين رابع عشرين صفر المذكور. فقام بأمر الملك وتدبير الأمور الأمير الكبير برقوق، حتى خلعه في يوم الأربعاء تاسع شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة. وكانت مدّته سنة وشهرين ينقصان أربعة أيام (١). وبه انقضت «دولة المماليك البحريّة: الأتراك وأولادهم»، ومدّتهم مائة وستّ وثلاثون سنة وسبعة أشهر وتسعة أيّام: أوّلها يوم الخميس عاشر صفر سنة ثمان وأربعين وستّ مائة، وآخرها يوم الثلاثاء/ ثامن عشر شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة. وعدّتهم أربعة وعشرون ذكرا ما بين رجل وصبي، وامرأة واحدة، وأوّلهم امرأة، وآخرهم صبي (٢). (¬a)) ولمّا أقيم النّاصر حسن بعد أخيه المظفّر حاجي، طلبت (¬b) المماليك الجراكسة، الذين قرّبهم المظفّر، لسفارة الأمير أغرلو، فإنّه كان يدّعي أنّه جركسيّ الجنس، وجلبهم من أماكن حتى ظهروا في الدّولة، وكبرت عمائمهم وكلّوتاتهم، فأخرجوا منفيين أنحس خروج، فقدموا على البلاد الشّامية (¬a). ذكر دولة المماليك الجراكسة (٣) (¬c)) الجراكسة جنس (¬c) وهم والآص (¬d) والرّوس في مدائن عامرة، وجبال ذات أشجار، ولهم أغنام وزروع، وكلّهم في مملكة صاحب مدينة سراي قاعدة خوارزم. وملوك هذه الطّوائف لملك

стр. 2369

سراي كالرّعيّة، فإنّ داروه وهادوه كفّ عنهم، وإلاّ غزاهم وحصرهم، وكم مرّة قتلت عساكره منهم خلائق، وسبت نساءهم وأولادهم، وجلبتهم رقيقا إلى الأقطار. فأكثر المنصور قلاوون من شرائهم، وجعلهم وطائفة الآص (¬a) جميعا في أبراج القلعة، وسمّاهم «البرجيّة»، فبلغت عدّتهم ثلاثة آلاف وسبع مائة، وعمل منهم أوشاقيّة وجمقداريّة وجاشنكيريّة وسلاحداريّة. وأوّلهم «السّلطان الملك الظّاهر أبو سعيد برقوق بن آنص»، أخذ من بلاد الجركس، وأبيع ببلاد القرم، فجلبه خواجا فخر الدّين عثمان بن مسافر (١) إلى القاهرة، فاشتراه منه الأمير الكبير يلبغا الخاصّكي وأعتقه، وجعله من جملة مماليكه الأجلاب، فعرف ببرقوق العثماني. فلمّا قتل يلبغا أخرج الملك الأشرف الأجلاب من مصر، فسار منهم برقوق إلى الكرك فأقام في عدّة منهم مسجونا بها عدّة سنين، ثم أفرج عنه وعمّن كان معه فمضوا إلى دمشق وخدموا عند الأمير منجك نائب الشّام، حتى طلب الأشرف اليلبغاوية، فقدم برقوق في جملتهم، واستقرّ في خدمة ولدي السّلطان عليّ وحاجي مع من استقرّ من خشداشيته، فعرفوا باليلبغاويّة إلى أن خرج السّلطان إلى الحجّ. فثاروا بعد سفره، وسلطنوا ابنه عليّا.

стр. 2370

وحكم في الدّولة منهم الأمير قرطاي الشّهابي. فثار عليه خشداشه أينبك البدري، وأخرجه إلى الشّام، وقام بعده بتدبير الدّولة، وخرج إلى الشّام، فثارت عليه اليلبغاويّة - وفيهم برقوق، وقد صار من جملة الأمراء - فعاد قبل وصوله بلبيس، ثم قبض عليه. وقام بتدبير الدّولة غير واحد في أيّام يسيرة. فركب برقوق في يوم الأحد ثالث عشرين ربيع الآخر سنة تسع وسبعين وسبع مائة وقت الظّهيرة في طائفة من خشداشيّته، وهجم على باب السّلسلة، وقبض على الأمير يلبغا النّاصريّ - وهو القائم بتدبير الدّولة - وملك الإسطبل، وما زال به حتى خلع الصّالح حاجي (١). وتسلطن في يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان سنة أربع وثمانين وسبع مائة، وقت الظّهر، فغيّر العوائد وأفنى رجال الدّولة واستكثر من جلب الجراكسة إلى أن ثار عليه الأمير يلبغا النّاصري - وهو يومئذ نائب حلب - وسار إليه. ففرّ من قلعة الجبل في ليلة الثلاثاء خامس جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وملك النّاصري القلعة، وأعاد الصّالح حاجي ولقّبه ب «الملك المنصور»، وقبض على برقوق، وبعثه إلى الكرك فسجنه بها. فثار الأمير منطاش بالنّاصري (¬a)، وقبض عليه وسجنه بالإسكندرية. وخرج يريد محاربة برقوق - وقد خرج من سجن الكرك، وسار إلى دمشق في عسكر - فحاربه برقوق على شقحب ظاهر دمشق، وملك ما معه من الخزائن، وأخذ الخليفة والسّلطان حاجي والقضاة وسار إلى مصر، فقدمها في يوم الثلاثاء رابع عشر صفر سنة اثنتين وتسعين، واستبدّ بالسّلطنة حتى مات ليلة الجمعة للنّصف من شوّال سنة إحدى وثمان مائة. فكانت مدّته أتابكا وسلطانا إحدى وعشرين سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوما، خلع فيها ثمانية أشهر وتسعة أيّام.

стр. 2371

وقام من بعده ابنه «السّلطان الملك النّاصر زين الدّين أبو السّعادات فرج» في يوم الجمعة المذكور، وعمره نحوه العشر سنين، فدبّر أمر الدّولة الأمير الكبير أيتمش، ثم ثار به الأمير يشبك وغيره، ففرّ إلى الشّام، وقتل بها. ولم تزل أيّام النّاصر كلّها كثيرة الفتن والشّرور والغلاء والوباء، وطرق بلاد الشّام فيها الأمير تيمور لنك فخرّبها كلّها وحرّقها، وعمّها بالقتل والنّهب والسّبي (¬a) والأسر، حتى فقد منها جميع أنواع الحيوانات، وتمزّق أهلها في جميع أقطار الأرض. ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء، فاشتدّ بها الغلاء على من تراجع إليها من أهلها، وشنع موتهم. واستمرّت بها مع ذلك الفتن، وقصر مدّ النّيل بمصر حتى شرقت الأراضي إلاّ قليلا، وعظم الغلاء والفناء. فباع أهل الصّعيد أولادهم من الجوع، وصاروا أرقّاء مملوكين وشمل الخراب الشّنيع عامّة أرض مصر وبلاد الشّام، من حيث يصبّ النّيل من الجنادل، إلى حيث مجرى الفرات. وابتلي مع ذلك بكثرة فتن الأميرين نوروز الحافظي وشيخ المحمودي، وخروجهما ببلاد/ الشّام عن طاعته، فتردّد لمحاربتهما مرارا حتى هزماه، ثم قتلاه بدمشق في ليلة السبت سادس عشر صفر سنة خمس عشرة وثمان مائة. فكانت مدّته - منذ مات أبوه إلى أن فرّ في يوم الأحد خامس عشرين ربيع الأوّل سنة ثمان وثمان مائة واختفى، وأقيم بعده أخوه عبد العزيز، ولقّب «الملك المنصور» - ست سنين وخمسة أشهر وأحد عشر يوما. وأقام النّاصر في الاختفاء سبعين يوما، ثم ظهر في يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة، واستولى على قلعة الجبل، واستبدّ بملكه أقبح استبداد إلى أن توجّه لحرب نوروز وشيخ، وقاتلهما على اللّجّون في يوم الاثنين ثالث عشر المحرّم سنة خمس عشرة، فانهزم إلى دمشق وهما في أثره - وقد صار الخليفة المستعين باللّه في قبضتهما ومعه مباشرو الدّولة - فنزلا (¬b) على دمشق وحصراه، ثم ألزما الخليفة بخلعه من السّلطنة، فلم يجد بدّا من ذلك، وخلعه في يوم السبت خامس عشرينه، ونودي بذلك في النّاس، فكانت مدّته الثانية ستّ سنين وعشرة أشهر سواء (١).

стр. 2372

[الخلفاء العبّاسيّون بمصر] (١) - وأقيم من بعده «الخليفة أمير المؤمنين المستعين باللّه أبو الفضل العبّاس بن محمد العبّاسي» (٢). وأصل هؤلاء الخلفاء بمصر أنّ أمير المؤمنين المستعصم باللّه عبد اللّه، آخر خلفاء بني العبّاس، لمّا قتله هولاكو بن تولي بن جنكز خان في صفر سنة ستّ وخمسين وستّ مائة ببغداد، وخلت الدّنيا من خليفة، وصار النّاس بغير إمام قرشيّ إلى سنة تسع وخمسين. فقدم الأمير أبو القاسم أحمد ابن الخليفة الظّاهر أبي نصر محمد ابن الخليفة النّاصر العبّاسي، من بغداد إلى مصر في يوم الخميس تاسع رجب منها. فركب السّلطان الملك الظّاهر بيبرس إلى لقائه وصعد به قلعة الجبل وقام بما يجب من حقّه، وبايعه بالخلافة وبايعه النّاس، وتلقّب ب «المستنصر». ثم توجّه لقتال التّتر ببغداد، فقتل في محاربتهم لأيّام خلت من المحرّم سنة ستين وستّ مائة. فكانت خلافته قريبا من سنة. ثم قدم من بعده الأمير أبو العبّاس أحمد بن أبي عليّ الحسن بن أبي بكر، من ذرّيّة الخليفة الرّاشد باللّه أبي جعفر منصور بن المسترشد، في سابع عشرين ربيع الأوّل، فأنزله السّلطان في برج بقلعة الجبل، وأجرى عليه ما يحتاج إليه، ثم بايعه في يوم الخميس ثامن المحرّم سنة إحدى وستين، بعد ما أثبت نسبه على قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب بن بنت الأعزّ، ولقّبه ب «الحاكم بأمر اللّه»، وبايعه النّاس كافّة.

стр. 2373

ثم خطب من الغد وصلّى بالنّاس الجمعة في جامع القلعة، ودعي له من يومئذ على منابر أراضي مصر كلّها قبل الدّعاء للسّلطان، ثم خطب له على منابر الشّام، واستمرّ الحال على الدّعاء له ولمن جاء من بعده من الخلفاء. وما زال بالبرج إلى أن منعه السّلطان من الاجتماع بالنّاس في المحرّم سنة ثلاث وستين، فاحتجب وصار كالمسجون زيادة على سبع وعشرين سنة بقيّة أيّام الظّاهر بيبرس وأيّام ولديه محمد بركة وسلامش وأيّام قلاوون. فلمّا صارت السّلطنة إلى الأشرف خليل بن قلاوون، أخرجه من سجنه مكرّما في يوم الجمعة العشرين من شهر رمضان سنة تسعين وستّ مائة، وأمّره. فصعد منبر الجامع بالقلعة وخطب وعليه سواده، وقد تقلّد سيفا محلّى، ثم نزل فصلّى بالنّاس صلاة الجمعة قاضي القضاة بدر الدّين بن جماعة، وخطب أيضا خطبة ثالثة في يوم الجمعة تاسع عشرين ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين، وحجّ سنة أربع وتسعين. ثم منع من الاجتماع بالنّاس فامتنع حتى أفرج عنه المنصور لاجين في سنة ستّ وتسعين، وأسكنه بمناظر الكبش (١)، وأنعم عليه بكسوة له ولعياله، وأجرى عليه ما يقوم به. وخطب بجامع القلعة خطبة رابعة، وصلّى بالنّاس الجمعة، ثم حجّ سنة سبع وتسعين، وتوفّي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مائة. فكانت خلافته مدّة أربعين سنة ليس له فيها أمر ولا نهي، إنّما حظّه أن يقال «أمير المؤمنين». وكان قد عهد إلى ابنه الأمير أبي عبد اللّه محمد المستمسك، ثم من بعده لأخيه أبي الرّبيع سليمان المستكفي. فمات المستمسك في حياته، واشتدّ جزعه عليه، فعهد لابنه إبراهيم بن محمد المستمسك. فلمّا مات الحاكم أقيم من بعده ابنه «المستكفى باللّه» أبو الرّبيع سليمان بعهده له، فشهد وقعة شقحب مع الملك النّاصر محمد بن قلاوون وعليه سواده، وقد أرخى له عذبة طويلة، وتقلّد سيفا عربيّا محلّى. ثم تنكّر عليه، وسجنه في برج بالقلعة نحو خمسة أشهر، وأفرج عنه وأنزله إلى داره قريبا من المشهد النّفيسي بتربة شجر الدّرّ (٢)، فأقام نحو ستة أشهر، وأخرجه إلى قوص في سنة سبع وثلاثين

стр. 2374

وسبع مائة، وقطع راتبه، وأجرى له بقوص ما يتقوّت به. فمات بها في خامس شعبان سنة أربعين. وعهد إلى ولده، فلم يمض الملك النّاصر محمد عهده، وبويع ابن أخيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المستمسك بن أحمد الحاكم بيعة خفيّة لم تظهر، في يوم الاثنين خامس عشرين شعبان المذكور، وأقام الخطباء أربعة أشهر لا يذكرون في خطبهم الخليفة، ثم خطب له في يوم الجمعة سابع ذي القعدة منها، ولقّب ب «الواثق باللّه». فلمّا مات النّاصر محمد وأقيم بعده ابنه المنصور أبو بكر، استدعي أبو القاسم أحمد بن/ أبي الرّبيع سليمان وأقيم في الخلافة، ولقّب ب «الحاكم» بعدما كان يلقّب بالمستنصر، وكنّي بأبي العبّاس في يوم السبت سلخ ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبع مائة. فاستمرّ حتى مات في يوم الجمعة رابع شعبان سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. فأقيم بعده أخوه «المعتضد باللّه» أبو بكر، وكنيته أبو الفتح بن أبي الرّبيع سليمان في يوم الخميس سابع عشره، واستقرّ مع ذلك في نظر مشهد السّيّدة نفيسة ليستعين بما يرد إلى ضريحها من نذر العامّة على قيام أوده - فإنّ مرتّب الخلفاء كان على مكس الصّاغة، وحسبه أن يقوم بما لابد منه في قوتهم، فكانوا أبدا في عيش غير موسّع - فحسنت حال المعتضد بما يبيعه من الشّمع المحمول إلى المشهد النّفيسي ونحوه، إلى أن توفّي يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين. وكان يلثغ بالكاف، وحجّ مرّتين: إحداهما سنة أربع وخمسين، والثانية سنة ستين. فأقيم بعده ابنه «المتوكّل على اللّه» أبو عبد اللّه محمد بعهده إليه، في يوم الخميس ثاني عشره، وخلع عليه بين يدي السّلطان الملك المنصور محمد ابن الملك المظفّر حاجي، وفوّض إليه نظر المشهد، ونزل إلى داره. فلم يزل حتى تنكّر له الأمير أينبك في أوّل ذي القعدة سنة ثمان وسبعين، بعد قتل الملك الأشرف شعبان بن حسين، وأخرجه ليسير إلى قوص، وأقام عوضه في الخلافة ابن عمّه زكريا بن إبراهيم بن محمد، في ثالث عشرين صفر سنة تسع وسبعين.

стр. 2375

وكان قد أمر بردّ المتوكّل من نفيه، فردّ إلى منزله من يومه، فأقام به حتى رضي عنه أينبك، وأعاده في العشرين من ربيع الأوّل منها إلى خلافته. ثم سخط عليه الظّاهر برقوق، وسجنه مقيّدا في يوم الاثنين أوّل رجب سنة خمس وثمانين، وقد وشي به أنّه يريد الثّورة وأخذ الملك. وأقام عوضه (¬a) في الخلافة «الواثق باللّه» أبو حفص عمر بن المعتصم أبي إسحاق إبراهيم بن محمد ابن الحاكم في يوم الاثنين المذكور. فما زال خليفتة حتى مات يوم السبت تاسع شوّال سنة ثمان وثمانين. فأقام الظّاهر بعده في الخلافة أخاه زكريّا بن إبراهيم في يوم الخميس ثامن عشرينه، ولقّب ب «المستعصم»، وركب بالخلعة وبين يده القضاة من القلعة إلى منزله. فلمّا أشرف الظّاهر برقوق على زوال ملكه، وقرب الأمير يلبغا النّاصريّ نائب حلب بالعساكر، استدعى المتوكّل على اللّه من محبسه وأعاده إلى الخلافة، وخلع عليه في يوم الأربعاء أوّل جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين، وبالغ في تعظيمه وأنعم عليه. فلم يزل على خلافته حتى توفّي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين رجب سنة ثمان وثمان مائة. وهو أوّل من اتّسعت أحواله من الخلفاء (¬b)) أهل بيته (¬b) بمصر، وصار له إقطاعات ومال. فأقيم بعده في الخلافة ابنه «المستعين باللّه» أبو الفضل العبّاس، وخلع عليه في يوم الاثنين رابع شعبان بالقلعة بين يدي النّاصر فرج (¬c)، ونزل إلى داره، ثم سار مع النّاصر إلى الشّام، وحضر معه وقعة اللّجّون حتى انهزم. فدعاه الأميران شيخ ونوروز، فمضى من موقفه إليهما ومعه مباشرو الدّولة، فأنزلاه ووكّلا به، وسارا به لحصار النّاصر، ثم ألزماه حتى خلعه من السّلطنة وإقامة شيخ في السّلطنة، وبايعه ومن معه في يوم السبت خامس عشرين المحرّم سنة خمس عشرة وثمان مائة، وبعث إلى نوروز وهو بشمالي دمشق حتى بايعه. فنالوا بإقامته أغراضهم من قتل النّاصر وانتظام أمرهم، ثم سار به شيخ إلى مصر، وأقام نوروز بدمشق. فلمّا قدم به أسكنه القلعة، ونزل هو بالحرّاقة من باب السّلسلة (١)، وقام بجميع الأمور، وترك الخليفة في غاية الحصر حتى استبدّ بالسّلطنة. فكانت مدّة الخليفة منذ أقاموه سلطانا سبعة

стр. 2376

أشهر وخمسة أيّام. ونقل الخليفة إلى بعض دور القلعة، ووكّل به من يحفظه وأهله. وقام من بعده بالسّلطنة «السّلطان الملك المؤيّد أبو النّصر شيخ المحمودي»، أحد مماليك الظّاهر برقوق، في يوم الاثنين أوّل شعبان سنة خمس عشرة وثمان مائة. فسجن الخليفة في برج بالقلعة، ثم حمله إلى الإسكندرية فسجنه بها. ولم يزل سلطانا حتى مات في يوم الاثنين ثامن المحرّم سنة أربع وعشرين، فكانت مدّته ثمان سنين وخمسة أشهر وستة أيّام (١). فأقيم بعده ابنه «السّلطان الملك المظفّر شهاب الدّين أبو السّعادات أحمد» وعمره سنة واحدة ونصف. فقام بأمره الأمير ططر، وفرّق ما جمعه المؤيّد من الأموال، وخرج بالمظفّر يريد محاربة الأمراء بالشّام، فظفر بهم وخلع المظفّر، وكانت مدّته ثمانية أشهر تنقص سبعة أيّام (٢). وقام بعده «السّلطان الملك الظّاهر أبو الفتح ططر»، أحد مماليك الظّاهر برقوق، وجلس على التّخت بقلعة دمشق في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان سنة أربع وعشرين. وقدم إلى قلعة الجبل، وهو موعوك البدن، في يوم الخميس رابع شوّال، فثقل في مرضه من يوم الاثنين ثاني عشرينه حتى مات في يوم الأحد رابع (¬a) ذي الحجّة، فكانت مدّته ثلاثة أشهر ويومين (٣). فأقيم بعده ابنه «السّلطان الملك الصّالح ناصر الدّين محمد» وعمره نحو عشر سنين،

стр. 2377

فقام بأمره الأمير برسباي الدّقماقي، ثم خلعه بعد أربعة أشهر/ وأربعة أيّام (١). وقام من بعده «السّلطان الملك الأشرف سيف الدّين أبو النّصر برسباي»، أحد مماليك الظّاهر برقوق، وجلس على تخت الملك في يوم الأربعاء ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمان مائة (¬a) (٢). *** انتهى ما وجدته في هذا الجزء المبارك بخطّ مؤلّفه تغمّده اللّه بالرّحمة والرّضوان. ووافق الفراغ من مشقه في اليوم المبارك الموافق لثاني شهر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وثمان مائة على يد فقير رحمة ربّه الغنيّ أبي الحسن عليّ بن الحسن بن عليّ بن أحمد الأزهري الشّافعي الخطيب المعروف بالسّروي، غفر اللّه له ولوالديه ولإخواته ولكلّ المسلمين أجمعين آمين. أنهاه كاتبه داعيا لمؤلّفه ومالكه ولمن كان السّبب في كتابته، وأصلح ما وجده فيه، والحمد للّه وحده، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. كتب هذا الجزء من أوّله إلى آخره من خطّ المؤلّف غفر اللّه عنّي وعن والده والحمد للّه وحده.

стр. 2378

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير تعدّ المخطوطات الإسلامية السّجلّ الحافل الذي يجمع خلاصة ما أنتجه الفكر العربي والإسلامي على امتداد أربعة عشر قرنا. وكان إحياء هذه المخطوطات في عصر الطّباعة بنشرها نشرا علميّا وتوفيرها لجمهور أكبر من العلماء والباحثين والقرّاء، عملا بدأه المستشرقون ثم قام بعبئه العلماء العرب والمسلمون. ورأت «مؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي» أن تساهم في هذا المجال الهام بنشر بعض المخطوطات القديمة في تحقيقات جديدة تواكب ما وصل إليه علم المخطوطات الحديث، وتدفع بالقديم من تراثنا إلى طريق حضارة إنسانية شاملة. والكتاب الذي تقدّم المؤسّسة اليوم مجلّده الأخير، وهو كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدين أبي العباس أحمد ابن علي بن عبد القادر المقريزي، المتوفى سنة ٨٤٥ هـ/ ١٤٤٢ م، يعدّ أحد مفاخر التّراث العربي وأهمّ مصادر تاريخ مصر الإسلامية، فهو مصدر لا غنى عنه لدراسي تاريخ مصر الإسلامية وآثارها؛ فقد حفظ لنا المقريزي في هذا الكتاب - إضافة إلى ملاحظاته الشّخصيّة - نقولا مهمّة للمؤلّفين القدماء الذين فقدت مؤلّفاتهم اليوم. وكان الدكتور أيمن فؤاد سيّد قد قام بتحقيق مسوّدة هذا الكتاب المحفوظة في متحف طوبقبوسراي بإستانبول ونشرتها له «مؤسّسة الفرقان» سنة ١٩٩٥، وكان للاستقبال الطّيّب الذي قوبلت به هذه النّشرة من جانب المتخصّصين والمعنيين بتاريخ وجغرافية وآثار مصر، دافعا قويّا له للإقدام على تحقيق وإخراج نصّ الكتاب كاملا بعد أن تعرّف على نسخه الأصلية، سواء مسوّدات المقريزي أو النّسخ الكاملة المنسوخة عن أصوله المكتوبة بخطّه والمحفوظة على الأخصّ في مكتبات إستانبول. وقد عهدت المؤسّسة ممثّلة في مجلس الخبراء، إلى الدكتور أيمن فؤاد القيام بعبء إخراج هذا الكتاب، فهو من المتخصّصين في دراسة تاريخ مصر الإسلامية وتاريخ

стр. 2379

القاهرة، حيث كتب أطروحة عن «عاصمة مصر حتى نهاية عصر الفاطميين»، ونشر العديد من مصادر التاريخ المصري في العصر الفاطمي، وكتب تقييما جديدا للدّولة الفاطمية في مصر، كما أنّه من خبراء علم المخطوطات وأصدر فيه كتابه «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات». وقام الدكتور أيمن فؤاد بتحقيق الكتاب اعتمادا على أقدم نسخ الكتاب وأهمّها المنقولة عن خطّ المؤلّف، وأضاف إليه شروحا وتعليقات غنيّة، اعتمادا على ما ظهر من نصوص جديدة ودراسات متخصّصة حديثة، كما قام بربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض، وخرّج معلوماته من مصادرها الأصلية. ولمّا كان موضوع هذا المجلّد الرّئيس هو ذكر جوامع القاهرة ومدارسها وخوانقها ومارستاناتها، فقد قام المحقّق بإضافة مخطّطات وصور لجميع الآثار التي ذكرها المقريزي ووصلت إلينا، وأثبت كذلك نصّ الكتابات التاريخية الموجودة على هذه الآثار، ولا شكّ أنّه سيكون معينا مهمّا للمشتغلين بآثار القاهرة الإسلامية. و «مؤسّسة الفرقان» إذ تسهم بنشر هذا الكتاب، تأمل أن تؤدّي جزءا من واجب كبير يلقى على عاتقها وعاتق المؤسّسات العلمية التي تشاركها أهدافها. واللّه من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السّبيل. أحمد زكي يماني لندن نوفمبر ٢٠٠٣ رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي

стр. 2380

مقدّمة المحقّق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه حقّ حمده، الذي وفّقني إلى استكمال تحقيق المجلّد الرّابع والأخير من عمل المقريزي الخالد «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، وهو المجلّد الذي طالما انتظره المشتغلون بآثار مصر الإسلاميّة. فيشتمل هذا المجلّد على ذكر المساجد الجامعة والمدارس والمساجد والمارستانات والخوانك والرّبط والزّوايا والقرافة وما بها من جواسق وترب وقباب ومساجد ومصليّات، بالإضافة إلى الفصل الذي خصّصه المقريزي لذكر اليهود وكنائسهم والنّصارى وأديرتهم وكنائسهم المختلفة. وتخلّل وصف هذه المنشآت الدّينية المختلفة، سواء الإسلامية أو اليهوديّة أو النّصرانيّة، فصول مركّزة، قدّم لنا فيها المقريزي دراسات مهمّة (synthese) حول «أصل المحاريب واختلافها» (فيما يلي ٣٧ - ٥٥)، و «الأذان وتطوّره» (فيما يلي ٨١ - ٩٠)، وعن «مذاهب أهل مصر وفرق الخليقة واختلاف عقائدها، وفرق الإسلام وعقائد المسلمين منذ ابتداء الملّة الإسلامية إلى سيادة المذهب الأشعري» (فيما يلي ٣٦٢ - ٤٥٠)، وعن «تاريخ اليهود واختلاف اعتقاداتهم وفرقهم» (فيما يلي ٩٢٣ - ٩٦٣) وكذلك عن «قبط مصر ودخولهم في دين النّصرانيّة» و «تاريخ الكنيسة وأسماء البطاركة واختلاف فرق النّصارى» (فيما يلي ٩٦٤ - ١٠٨٦). وهي دراسات غنيّة بالمعلومات المهمّة والدّقيقة، استعان المقريزي في كتابتها بالعديد من المصادر الأصليّة، وتستحقّ أن تنشر نشرة مستقلّة، فالكثير من الباحثين لا يتوقّع وجود دراسات بهذه الدّرجة من التّعمّق في هذه الموضوعات في كتاب موضوعه الرّئيس الخطط والمواضع الأثريّة. وما ورد في هذا المجلّد الرّابع هو تتمّة للجزء الخامس من تقسيم المؤلّف، الذي ذكر فيه «ما أدرك عليه القاهرة وظواهرها من الأحوال» (فيما تقدم ٣: ٣ - ٦٣٦)، رغم أنّه فصل بينهما بالجزء

стр. 2381

السّادس الذي خصّصه ل «ذكر قلعة الجبل» (فيما تقدم ٦٣٧: ٣ - ٧٨٨). فالحديث عن المساجد الجامعة والمدارس والخوانك والقرافة ومعابد اليهود وأديرة وكنائس النّصارى، هو - دون جدال - تتمّة لما ذكره عن دور وقصور وحمّامات وأسواق وقياسر ووكالات وسجون وجسور وميادين القاهرة. وكانت المادّة الغنيّة التي جمعها المقريزي في هذا المجلّد الرّابع، عن جوامع ومدارس وخوانك القاهرة، هي الأساس الذي اعتمدت عليه كلّ الدّراسات التي تناولت آثار القاهرة الإسلامية وعمارتها حتى عصر المقريزي، بدءا من ماكس فان برشم Max van Berchem، وهنري كاسل كاي H.C.Kay، وجاستون فييت G.Wiet، ولويس هوتكور L.Hautecoeur، مرورا بكيبل أرشيبالد كريزويل K.A.C.Creswell، وميشيل ماينكه M.Meinecke، وحتى كارولين وليامز C.Williams، وكريستين كيسلر C.Kessler، ودوريس بهرن أبو سيف D. -B. Abouseif من المستشرقين والأجانب؛ وبدءا من محمود أحمد، ومحمود عكّوش، وزكي محمد حسن، وحسن عبد الوهّاب، ومحمد رمزي، وحسن قاسم، وكمال الدّين سامح، ومرورا بأحمد فكري، وفريد شافعي، وسعاد ماهر، وصالح لمعي، وحتى آمال العمري، ومحمد مصطفى نجيب من الباحثين المصريين. ونظرا لأنّ همّ المقريزي الرّئيس كان تحديد موقع المعلم من القاهرة وما كان مكانه من قبل أو ما حلّ محلّه من بعد وتاريخ إنشائه والتّعريف بمن أنشأه (فيما تقدم ١٥: ٤: ١ - ١٩)، ونادرا ما يقدّم لنا أيّة أوصاف معمارية عن تخطيط الجوامع والمدارس والخوانك التي يذكرها، فقد وجدت ضرورة أن أقدّم لهذا المجلّد بدراسة عن تطوّر الطّرز المعمارية المستخدمة في بناء الجوامع والمدارس والخوانك منذ جامع ابن طولون - أقدم جوامع القاهرة التي احتفظت بتخطيطها الأصلي - وحتى مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي الذي كتب فيه المقريزي كتابه. ولمعاونة القارئ في التّعرّف على هذه الطّرز ألحقت في النّصّ، مع كلّ أثر أو معلم ذكره المقريزي ووصل إلينا، «مخطّط» هذا الأثر Plan، اعتمادا على المخطّطات التي رفعها في الأساس: إمّا كريزويل Creswell وضمّنها في كتابه The Muslim Architecture of Egypt، وإمّا «لجنة حفظ الآثار العربية» - بواسطة Max Herz Pacha و Achille Patricolo - وضمّنتها في كرّاساتها ومحاضرها Proces-verbaux des sceances du Comite de conservation des

стр. 2382

monuments de l'art arabe (١ - ٤٠)، أو ميشيل ماينكه M.Meinecke في كتابه die mamlukische architektur in agypten und syrien. كما أضفت مجموعة من الصّور الفوتوغرافية التي توضّح الكتل العامّة للمعلم، وعلى الأخصّ: الواجهات، والمداخل وأروقة وأواوين القبلة أو بيت الصّلاة، والمحاريب، والمنابر، والمآذن، والقباب؛ فالطّريقة العلمية الوحيدة لوصف الآثار هي المخطّطات والصّور الفوتوغرافية. ونظرا لصعوبة تصوير آثار القاهرة الإسلامية بطريقة مرضية الآن، بسبب الإشغالات والتّعدّيات الموجودة على واجهاتها والإهمال الذي لحق بعدد كبير منها، أو بسبب أعمال التّرميم التي تجرى بعدد آخر منها وحظر الجهات المسئولة الاقتراب منها أو تصويرها؛ لكلّ ذلك اعتمدت على أرشيف الصّور الفوتوغرافية القديمة التي التقطت في النّصف الأوّل للقرن العشرين، والمحفوظة إمّا في أرشيف لجنة حفظ الآثار العربية، أو التي أوردها كلّ من لويس هوتكور وجاستون فييت L.Hautecoeur & Wiet في كتابهما Les Mosquees du Caire، Paris ١٩٣٢، وكريزويل Creswell في كتابه The Muslim Architecuture of Egypt، Oxford ١٩٥٢، ٥٨، ومصلحة المساحة المصرية في كتاب «مساجد مصر» الذي أصدرته وزارة الأوقاف المصرية سنة ١٩٤٩، وكذلك على بعض الكتب الحديثة وعلى الأخصّ كتاب Yves Korbendau، L'architecture sacre de l'Islam، Paris ١٩٩٧، وكتاب «القاهرة» الذي أشرف عليه أندريه ريمون. Andre Raymond (sous la direction de)، Le Caire، Paris-Citadelles & Mazenod ٢٠٠٠ وأوردت أحيانا بعض الرّسوم Gravures التي رسمها - قبل عصر التّصوير الفوتوغرافي - علماء الحملة الفرنسية والفنّانون David Robert و Robert Hay و Pascale Coste، في حالة زوال الأثر أو لمقارنته بالوضع الرّاهن للأثر. ولعلّ أهمّ ميزات هذه الصّور الأرشيفية، أنّها توضّح مدى التّدهور والإهمال الذي لحق بهذه الآثار منذ التّرميمات التي قامت بها «لجنة حفظ الآثار العربية» في نهاية القرن التّاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين (١). _________ (١) انظر كذلك فيما يلي ١٠٤ *- ١٠٥ *.

стр. 2383

المسجد الجامع «المسجد»، هو أهمّ ما يميّز المدينة الإسلامية ويمثّل، مع دار الإمارة والسّوق والحمّام، النّواة الرّئيسة لهذه المدينة، وعادة ما كان «المسجد الجامع» يتوسّط المدينة. و «المسجد» اسم مكان مشتقّ من الفعل «سجد»، أي مكان السّجود عند مباشرة الصّلاة (١). وأهمّ ما يميّز «المساجد الجامعة» هو وجود «المنبر» (٢) الذي يعتليه الخطيب لإلقاء خطبة الجمعة، فيكون الفرق بين «الجامع» و «المسجد» هو وجود المنبر في الأوّل. وفي القرون الإسلامية الأولى لم يكن يوجد في المدينة الإسلامية سوى مسجد جامع واحد تؤدّى فيه صلاة الجمعة، بينما تعدّدت مساجد الأحياء والخطط. ومع تنامي أهل المدينة كانت تتمّ توسعة هذا الجامع (فيما يلي ١٣ - ٢٣)، أو إضافة زيادات إليه حول جدرانه الخارجية، عدا ما وراء جدار القبلة، تضاعف من مساحته. وعلى ذلك كان بالفسطاط - العاصمة الإسلامية الأولى في مصر جامع واحد هو: «جامع عمرو» أو «الجامع العتيق»، وبالعسكر «جامعها» الذي ضاع كلّ أثر له الآن، وبالقطائع: «جامع ابن طولون» الأثر الوحيد الباقي من هذه المدينة الملكيّة. وفي القاهرة كان «جامع القاهرة» - الذي عرف فيما بعد ب «الجامع الأزهر» - هو جامع المدينة الذي استمرّ إلى الآن باعتباره «الجامع الأعظم» أو «الجامع الكبير» للقاهرة. وكان الجامع الوحيد الذي أضيف إلى القاهرة في العصر الفاطمي الأوّل هو «جامع الخطبة»، الذي بدأ في بنائه خارج باب الفتوح الأوّل الخليفة الفاطمي الثّاني العزيز باللّه سنة ٣٨٩ هـ/ ٩٩٠ م، وأتمّه وافتتحه للصّلاة خلفه الحاكم بأمر اللّه بين سنتي _________ (١) راجع حول المسجد بصفة عامّة المقال الشّامل الذي كتبه Johs.Pedersen في دائرة المعارف الإسلامية Pedersen، El ٢ art.Masdjid VI، pp. ٦٢٩ - ٦٤؛ حسين مؤنس: المساجد، عالم المعرفة - ٣٧، الكويت ١٩٨١؛ The Mosque History، Architectural Development and Regional Diversity، Edited by Martin Frishman and Hasan-Uddin Khan، London ٢٠٠٢؛ وفيما يلي ٧ هـ. ١ (٢) راجع Golmohammadi، J.، El ٢ art.Minbar VII، ٧٤ - ٨٠ وانظر كذلك رسالة نعمت محمد أبو بكر: المنابر في مصر في العصرين المملوكي والتركي، رسالة دكتوراة بكلية الآثار - جامعة القاهرة ١٩٨٥؛ وفيما يلي ٦٤ * هـ ٢.

стр. 2384

٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ و ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م (فيما يلي ١٠٧ - ١١٠)، وأصبح يعرف ب «جامع الحاكم»، وب «الجامع الأنور»، وهي تسمية بدأت في الظّهور في العقود الأولى للقرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، حيث أطلق الفاطميون صيغة أفعل التّفضيل على المساجد التي أنشأها الأئمّة الخلفاء؛ فأصبح «جامع القاهرة» يعرف ب «الجامع الأزهر» و «جامع الحاكم» يعرف ب «الجامع الأنور»، إضافة إلى «الجامع الأقمر» الذي أنشئ بين سنتي ٥١٥ هـ/ ١١٢١ و ٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م، و «الجامع الأفخر» الذي أنشئ سنة ٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م. كان الأنموذج الذي خطّطت على أساسه «المساجد الجامعة» بالأمصار هو تخطيط «المسجد النّبوي» بالمدينة المنوّرة: صحن أو فناء أوسط يحيط به ظلّة أو عدد من الظّلاّت اصطلح على تسميتها بالمقدّم والمؤخّر والمجنّبتين، وكان كبر المساحة التي يشغلها المسجد أو صغرها مرتبطا بتعداد أهالي المنطقة التي شيّد فيها المسجد، وكانت تضاف إليه في بعض الأحيان زيادات حول جدرانه الخارجية - عدا ما وراء جدار القبلة - مثلما حدث مع جامع ابن طولون. وكان الشّكل الخارجي للمسجد يتراوح بين الشّكل المربّع والشّكل المستطيل. كذلك كان عدد أروقته يختلف في ظلّة القبلة (المقدّم) وفي الظّلاّت الأخرى على جوانب الصّحن الباقية، كما كان اتجاه صفوف الأعمدة أو البائكات التي تفصل بين الأروقة يختلف بين الموازة للقبلة أو التّعامد عليها (١). وفي مصر لا نعرف على وجه التّدقيق التّخطيط الأوّل لل «جامع العتيق»، ولكن من خلال وصف المؤرّخين له نعرف أنّ سقف الجامع كان محمولا على أعمدة قائمة على هيئة صفوف، لكنّنا لا ندري إن كانت هذه الصّفوف ممتدّة بموازة جدار المحراب أم كانت عموديّة عليه، كذلك فإنّنا لا نعلم أكان الجامع مسقوفا بأكمله، أم كان المسقوف جزأه المقدّم فقط؟ وهل كان له صحن تحيط به الأروقة الأربعة أو كان مسقوفا كلّه (٢)؟ وأقدم «المساجد الجامعة» التي احتفظت بتخطيطها الأصلي وتفاصيلها المعمارية في مصر، «جامع ابن طولون» الذي بني سنة ٢٦٥ هـ/ ٨٧٩ م، على طراز جامع سامرّاء في العراق مع مئذنته الفريدة، وأصبح نظام هذا الجامع هو الأنموذج الذي أثّر فيما بعد في تخطيط وبناء _________ (١) فريد شافعي: العمارة الإسلامية في مصر الإسلامية ٢٤١. (٢) محمود أحمد: جامع عمرو بن العاص بالفسطاط ١٤؛ وانظر فيما يلي ٢٩.

стр. 2385

المساجد الجامعة ذات الأروقة في مصر الإسلامية حتى «جامع المؤيّد شيخ» - الذي بدئ في بنائه سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م - الذي يعدّ آخر هذه النوعية من المساجد في العصر المملوكي. ويعدّ جامع ابن طولون كذلك نقطة تحوّل هامّة في تاريخ العمارة الإسلامية، لأنّه بني من موادّ جديدة تماما وليس من أسلاب الكنائس والمعابد القديمة، حيث استخدم في بناء عقوده ودعائمه الآجر بدلا من استخدام عواميد الرّخام حتى يتمكّن من مقاومة الحريق. ويشبه التّخطيط الأصلي ل «جامع القاهرة» - الذي عرف فيما بعد ب «الجامع الأزهر» - تخطيط جامع ابن طولون وتخطيط جامع المهديّة، أوّل جامع شيّده الفاطميون في شمال أفريقيا. والجامع الذي نراه اليوم ليس كلّه بالجامع الفاطمي الذي وضع أساسه جوهر الصّقلبي سنة ٣٥٩ هـ/ ٩٧٠ م، بل هو مجموعة من المباني ضمّت إليه في أزمنة لاحقة هي من الغرب: الرّواق العبّاسي والمدرسة الطّيبرسيّة ومدخل قايتباي والمدرسة الآقبغاويّة ثم الميضأة والمدرسة الجوهريّة، ثم جميع الإيوان المضاف خلف المحراب الفاطمي والذي أقامه، في القرن الثّاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، عبد الرحمن كتخدا، الذي يوجد ضريحه في الجهة الجنوبية الغربية للجامع. ولم يبق من الجامع الفاطمي سوى المجاز أو الرّواق الأوسط المتّجه إلى المحراب الفاطمي وعقوده، وهي الجزء الوحيد الباقي من العقود القديمة. أمّا «جامع الحاكم» - الذي يعرف أيضا ب «الجامع الأنور» - فقد جمع في تخطيطه بين عناصر إفريقيّة وعناصر مصريّة؛ فتخطيط الجامع - بلا جدال - يماثل تخطيط جامع ابن طولون، ويفتح مدخل الجامع الرّئيس في منتصف جدار مؤخّر الجامع في موضع يقابل المحراب، وهو يتّفق في ذلك مع مدخل جامع المهديّة. ويبرز المدخل الرّئيس خارج سمت جدار المؤخّر، متّخذا هيئة برجين يتوسّطهما ممرّ يؤدّي إلى باب، بحيث أصبح شكل المدخل يماثل البوّابة بالمعنى المصطلح عليه في عمارة الأسوار، بينما كانت المداخل الرّئيسة قبل ذلك تفتح عادة في الجدارين الجانبيين غير جداري القبلة والمؤخّر كما هو واضح في جامع ابن طولون؛ وقد تكرّر هذا الطّراز في الجامع - الأقمر (٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م) وجامع الظّاهر بيبرس (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م)، ولكن بأبعاد مختلفة. ومئذنتا هذا الجامع طراز فريد بين المآذن في مصر الإسلامية وقد بنيتا من الحجارة: واحدة في الرّكن الغربي الشّمالي، والأخرى في الرّكن الشّمالي الشّرقي على شكل محور أسطواني تحيط به كتلة مربّعة الشكل أضيفت في مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ونجد أنموذجا
следующие страницы →