← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

السّادس الذي خصّصه ل «ذكر قلعة الجبل» (فيما تقدم ٦٣٧: ٣ - ٧٨٨). فالحديث عن المساجد الجامعة والمدارس والخوانك والقرافة ومعابد اليهود وأديرة وكنائس النّصارى، هو - دون جدال - تتمّة لما ذكره عن دور وقصور وحمّامات وأسواق وقياسر ووكالات وسجون وجسور وميادين القاهرة. وكانت المادّة الغنيّة التي جمعها المقريزي في هذا المجلّد الرّابع، عن جوامع ومدارس وخوانك القاهرة، هي الأساس الذي اعتمدت عليه كلّ الدّراسات التي تناولت آثار القاهرة الإسلامية وعمارتها حتى عصر المقريزي، بدءا من ماكس فان برشم Max van Berchem، وهنري كاسل كاي H.C.Kay، وجاستون فييت G.Wiet، ولويس هوتكور L.Hautecoeur، مرورا بكيبل أرشيبالد كريزويل K.A.C.Creswell، وميشيل ماينكه M.Meinecke، وحتى كارولين وليامز C.Williams، وكريستين كيسلر C.Kessler، ودوريس بهرن أبو سيف D. -B. Abouseif من المستشرقين والأجانب؛ وبدءا من محمود أحمد، ومحمود عكّوش، وزكي محمد حسن، وحسن عبد الوهّاب، ومحمد رمزي، وحسن قاسم، وكمال الدّين سامح، ومرورا بأحمد فكري، وفريد شافعي، وسعاد ماهر، وصالح لمعي، وحتى آمال العمري، ومحمد مصطفى نجيب من الباحثين المصريين. ونظرا لأنّ همّ المقريزي الرّئيس كان تحديد موقع المعلم من القاهرة وما كان مكانه من قبل أو ما حلّ محلّه من بعد وتاريخ إنشائه والتّعريف بمن أنشأه (فيما تقدم ١٥: ٤: ١ - ١٩)، ونادرا ما يقدّم لنا أيّة أوصاف معمارية عن تخطيط الجوامع والمدارس والخوانك التي يذكرها، فقد وجدت ضرورة أن أقدّم لهذا المجلّد بدراسة عن تطوّر الطّرز المعمارية المستخدمة في بناء الجوامع والمدارس والخوانك منذ جامع ابن طولون - أقدم جوامع القاهرة التي احتفظت بتخطيطها الأصلي - وحتى مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي الذي كتب فيه المقريزي كتابه. ولمعاونة القارئ في التّعرّف على هذه الطّرز ألحقت في النّصّ، مع كلّ أثر أو معلم ذكره المقريزي ووصل إلينا، «مخطّط» هذا الأثر Plan، اعتمادا على المخطّطات التي رفعها في الأساس: إمّا كريزويل Creswell وضمّنها في كتابه The Muslim Architecture of Egypt، وإمّا «لجنة حفظ الآثار العربية» - بواسطة Max Herz Pacha و Achille Patricolo - وضمّنتها في كرّاساتها ومحاضرها Proces-verbaux des sceances du Comite de conservation des

стр. 2382

monuments de l'art arabe (١ - ٤٠)، أو ميشيل ماينكه M.Meinecke في كتابه die mamlukische architektur in agypten und syrien. كما أضفت مجموعة من الصّور الفوتوغرافية التي توضّح الكتل العامّة للمعلم، وعلى الأخصّ: الواجهات، والمداخل وأروقة وأواوين القبلة أو بيت الصّلاة، والمحاريب، والمنابر، والمآذن، والقباب؛ فالطّريقة العلمية الوحيدة لوصف الآثار هي المخطّطات والصّور الفوتوغرافية. ونظرا لصعوبة تصوير آثار القاهرة الإسلامية بطريقة مرضية الآن، بسبب الإشغالات والتّعدّيات الموجودة على واجهاتها والإهمال الذي لحق بعدد كبير منها، أو بسبب أعمال التّرميم التي تجرى بعدد آخر منها وحظر الجهات المسئولة الاقتراب منها أو تصويرها؛ لكلّ ذلك اعتمدت على أرشيف الصّور الفوتوغرافية القديمة التي التقطت في النّصف الأوّل للقرن العشرين، والمحفوظة إمّا في أرشيف لجنة حفظ الآثار العربية، أو التي أوردها كلّ من لويس هوتكور وجاستون فييت L.Hautecoeur & Wiet في كتابهما Les Mosquees du Caire، Paris ١٩٣٢، وكريزويل Creswell في كتابه The Muslim Architecuture of Egypt، Oxford ١٩٥٢، ٥٨، ومصلحة المساحة المصرية في كتاب «مساجد مصر» الذي أصدرته وزارة الأوقاف المصرية سنة ١٩٤٩، وكذلك على بعض الكتب الحديثة وعلى الأخصّ كتاب Yves Korbendau، L'architecture sacre de l'Islam، Paris ١٩٩٧، وكتاب «القاهرة» الذي أشرف عليه أندريه ريمون. Andre Raymond (sous la direction de)، Le Caire، Paris-Citadelles & Mazenod ٢٠٠٠ وأوردت أحيانا بعض الرّسوم Gravures التي رسمها - قبل عصر التّصوير الفوتوغرافي - علماء الحملة الفرنسية والفنّانون David Robert و Robert Hay و Pascale Coste، في حالة زوال الأثر أو لمقارنته بالوضع الرّاهن للأثر. ولعلّ أهمّ ميزات هذه الصّور الأرشيفية، أنّها توضّح مدى التّدهور والإهمال الذي لحق بهذه الآثار منذ التّرميمات التي قامت بها «لجنة حفظ الآثار العربية» في نهاية القرن التّاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين (١). _________ (١) انظر كذلك فيما يلي ١٠٤ *- ١٠٥ *.

стр. 2383

المسجد الجامع «المسجد»، هو أهمّ ما يميّز المدينة الإسلامية ويمثّل، مع دار الإمارة والسّوق والحمّام، النّواة الرّئيسة لهذه المدينة، وعادة ما كان «المسجد الجامع» يتوسّط المدينة. و «المسجد» اسم مكان مشتقّ من الفعل «سجد»، أي مكان السّجود عند مباشرة الصّلاة (١). وأهمّ ما يميّز «المساجد الجامعة» هو وجود «المنبر» (٢) الذي يعتليه الخطيب لإلقاء خطبة الجمعة، فيكون الفرق بين «الجامع» و «المسجد» هو وجود المنبر في الأوّل. وفي القرون الإسلامية الأولى لم يكن يوجد في المدينة الإسلامية سوى مسجد جامع واحد تؤدّى فيه صلاة الجمعة، بينما تعدّدت مساجد الأحياء والخطط. ومع تنامي أهل المدينة كانت تتمّ توسعة هذا الجامع (فيما يلي ١٣ - ٢٣)، أو إضافة زيادات إليه حول جدرانه الخارجية، عدا ما وراء جدار القبلة، تضاعف من مساحته. وعلى ذلك كان بالفسطاط - العاصمة الإسلامية الأولى في مصر جامع واحد هو: «جامع عمرو» أو «الجامع العتيق»، وبالعسكر «جامعها» الذي ضاع كلّ أثر له الآن، وبالقطائع: «جامع ابن طولون» الأثر الوحيد الباقي من هذه المدينة الملكيّة. وفي القاهرة كان «جامع القاهرة» - الذي عرف فيما بعد ب «الجامع الأزهر» - هو جامع المدينة الذي استمرّ إلى الآن باعتباره «الجامع الأعظم» أو «الجامع الكبير» للقاهرة. وكان الجامع الوحيد الذي أضيف إلى القاهرة في العصر الفاطمي الأوّل هو «جامع الخطبة»، الذي بدأ في بنائه خارج باب الفتوح الأوّل الخليفة الفاطمي الثّاني العزيز باللّه سنة ٣٨٩ هـ/ ٩٩٠ م، وأتمّه وافتتحه للصّلاة خلفه الحاكم بأمر اللّه بين سنتي _________ (١) راجع حول المسجد بصفة عامّة المقال الشّامل الذي كتبه Johs.Pedersen في دائرة المعارف الإسلامية Pedersen، El ٢ art.Masdjid VI، pp. ٦٢٩ - ٦٤؛ حسين مؤنس: المساجد، عالم المعرفة - ٣٧، الكويت ١٩٨١؛ The Mosque History، Architectural Development and Regional Diversity، Edited by Martin Frishman and Hasan-Uddin Khan، London ٢٠٠٢؛ وفيما يلي ٧ هـ. ١ (٢) راجع Golmohammadi، J.، El ٢ art.Minbar VII، ٧٤ - ٨٠ وانظر كذلك رسالة نعمت محمد أبو بكر: المنابر في مصر في العصرين المملوكي والتركي، رسالة دكتوراة بكلية الآثار - جامعة القاهرة ١٩٨٥؛ وفيما يلي ٦٤ * هـ ٢.

стр. 2384

٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ و ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م (فيما يلي ١٠٧ - ١١٠)، وأصبح يعرف ب «جامع الحاكم»، وب «الجامع الأنور»، وهي تسمية بدأت في الظّهور في العقود الأولى للقرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، حيث أطلق الفاطميون صيغة أفعل التّفضيل على المساجد التي أنشأها الأئمّة الخلفاء؛ فأصبح «جامع القاهرة» يعرف ب «الجامع الأزهر» و «جامع الحاكم» يعرف ب «الجامع الأنور»، إضافة إلى «الجامع الأقمر» الذي أنشئ بين سنتي ٥١٥ هـ/ ١١٢١ و ٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م، و «الجامع الأفخر» الذي أنشئ سنة ٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م. كان الأنموذج الذي خطّطت على أساسه «المساجد الجامعة» بالأمصار هو تخطيط «المسجد النّبوي» بالمدينة المنوّرة: صحن أو فناء أوسط يحيط به ظلّة أو عدد من الظّلاّت اصطلح على تسميتها بالمقدّم والمؤخّر والمجنّبتين، وكان كبر المساحة التي يشغلها المسجد أو صغرها مرتبطا بتعداد أهالي المنطقة التي شيّد فيها المسجد، وكانت تضاف إليه في بعض الأحيان زيادات حول جدرانه الخارجية - عدا ما وراء جدار القبلة - مثلما حدث مع جامع ابن طولون. وكان الشّكل الخارجي للمسجد يتراوح بين الشّكل المربّع والشّكل المستطيل. كذلك كان عدد أروقته يختلف في ظلّة القبلة (المقدّم) وفي الظّلاّت الأخرى على جوانب الصّحن الباقية، كما كان اتجاه صفوف الأعمدة أو البائكات التي تفصل بين الأروقة يختلف بين الموازة للقبلة أو التّعامد عليها (١). وفي مصر لا نعرف على وجه التّدقيق التّخطيط الأوّل لل «جامع العتيق»، ولكن من خلال وصف المؤرّخين له نعرف أنّ سقف الجامع كان محمولا على أعمدة قائمة على هيئة صفوف، لكنّنا لا ندري إن كانت هذه الصّفوف ممتدّة بموازة جدار المحراب أم كانت عموديّة عليه، كذلك فإنّنا لا نعلم أكان الجامع مسقوفا بأكمله، أم كان المسقوف جزأه المقدّم فقط؟ وهل كان له صحن تحيط به الأروقة الأربعة أو كان مسقوفا كلّه (٢)؟ وأقدم «المساجد الجامعة» التي احتفظت بتخطيطها الأصلي وتفاصيلها المعمارية في مصر، «جامع ابن طولون» الذي بني سنة ٢٦٥ هـ/ ٨٧٩ م، على طراز جامع سامرّاء في العراق مع مئذنته الفريدة، وأصبح نظام هذا الجامع هو الأنموذج الذي أثّر فيما بعد في تخطيط وبناء _________ (١) فريد شافعي: العمارة الإسلامية في مصر الإسلامية ٢٤١. (٢) محمود أحمد: جامع عمرو بن العاص بالفسطاط ١٤؛ وانظر فيما يلي ٢٩.

стр. 2385

المساجد الجامعة ذات الأروقة في مصر الإسلامية حتى «جامع المؤيّد شيخ» - الذي بدئ في بنائه سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م - الذي يعدّ آخر هذه النوعية من المساجد في العصر المملوكي. ويعدّ جامع ابن طولون كذلك نقطة تحوّل هامّة في تاريخ العمارة الإسلامية، لأنّه بني من موادّ جديدة تماما وليس من أسلاب الكنائس والمعابد القديمة، حيث استخدم في بناء عقوده ودعائمه الآجر بدلا من استخدام عواميد الرّخام حتى يتمكّن من مقاومة الحريق. ويشبه التّخطيط الأصلي ل «جامع القاهرة» - الذي عرف فيما بعد ب «الجامع الأزهر» - تخطيط جامع ابن طولون وتخطيط جامع المهديّة، أوّل جامع شيّده الفاطميون في شمال أفريقيا. والجامع الذي نراه اليوم ليس كلّه بالجامع الفاطمي الذي وضع أساسه جوهر الصّقلبي سنة ٣٥٩ هـ/ ٩٧٠ م، بل هو مجموعة من المباني ضمّت إليه في أزمنة لاحقة هي من الغرب: الرّواق العبّاسي والمدرسة الطّيبرسيّة ومدخل قايتباي والمدرسة الآقبغاويّة ثم الميضأة والمدرسة الجوهريّة، ثم جميع الإيوان المضاف خلف المحراب الفاطمي والذي أقامه، في القرن الثّاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، عبد الرحمن كتخدا، الذي يوجد ضريحه في الجهة الجنوبية الغربية للجامع. ولم يبق من الجامع الفاطمي سوى المجاز أو الرّواق الأوسط المتّجه إلى المحراب الفاطمي وعقوده، وهي الجزء الوحيد الباقي من العقود القديمة. أمّا «جامع الحاكم» - الذي يعرف أيضا ب «الجامع الأنور» - فقد جمع في تخطيطه بين عناصر إفريقيّة وعناصر مصريّة؛ فتخطيط الجامع - بلا جدال - يماثل تخطيط جامع ابن طولون، ويفتح مدخل الجامع الرّئيس في منتصف جدار مؤخّر الجامع في موضع يقابل المحراب، وهو يتّفق في ذلك مع مدخل جامع المهديّة. ويبرز المدخل الرّئيس خارج سمت جدار المؤخّر، متّخذا هيئة برجين يتوسّطهما ممرّ يؤدّي إلى باب، بحيث أصبح شكل المدخل يماثل البوّابة بالمعنى المصطلح عليه في عمارة الأسوار، بينما كانت المداخل الرّئيسة قبل ذلك تفتح عادة في الجدارين الجانبيين غير جداري القبلة والمؤخّر كما هو واضح في جامع ابن طولون؛ وقد تكرّر هذا الطّراز في الجامع - الأقمر (٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م) وجامع الظّاهر بيبرس (٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م)، ولكن بأبعاد مختلفة. ومئذنتا هذا الجامع طراز فريد بين المآذن في مصر الإسلامية وقد بنيتا من الحجارة: واحدة في الرّكن الغربي الشّمالي، والأخرى في الرّكن الشّمالي الشّرقي على شكل محور أسطواني تحيط به كتلة مربّعة الشكل أضيفت في مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، ونجد أنموذجا

стр. 2386

متكرّرا لهذه المئذنة في مدرسة الصّالح نجم الدّين أيّوب (٦٤١ هـ/ ١٢٤٣ م)، وزاوية الهنود (٦٣٨ هـ/ ١٢٥٠ م)، وخانقاه بيبرس الجاشنكير (٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ م)، وهو الطّراز الذي عرف باسم «المبخرة» (١). وتمثّل الزّخرفة ذات الأشكال الهندسيّة والنّباتية على قاعدة هاتين المئذنتين وعلى المدخل الرّئيس للجامع مرحلة حاسمة في شكل الزّخرفة الإسلامية (٢). ولم تظهر الحجارة في العمارة القاهرية إلاّ عند بناء جامع الحاكم، وبذلك أصبح من الممكن الاستغناء عن الاستعاضة بالطّلاء الجصّي في غطاء المسطّحات الجداريّة وتسويتها؛ وقد أضافت الزّخرفة المنحوتة على الحجارة أهميّة إلى واجهات المساجد الفاطمية تظهر بوضوح في الجامع الأقمر وجامع الصّالح طلائع، وبعد ذلك في واجهة المدرسة الصّالحية التي أنشئت في نهاية العصر الأيّوبي. ويعدّ «الجامع الأقمر» - الذي شيّد في آخر عام ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م وافتتح للصّلاة في عام ٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م في أيّام الخليفة الآمر بأحكام اللّه ووزارة المأمون البطائحي - أحد أهمّ آثار مصر الإسلامية، ورغم صغر مساحة هذا الجامع فإنّه يستمدّ أهميّته من واجهته التي تميّزت أوّلا بتوافقها مع استقامة الطّريق المقامة عليه، بخلاف المسجد نفسه الذي احتفظ بتوجّهه نحو القبلة (فيما يلي ١٥٦)؛ ثانيا أنّها أقدم واجهة حجريّة باقية في عمائر القاهرة عني ببنائها وزخرفتها بسخاء، ولا تقتصر هذه الزّخرفة على بوّابتها فقط بل تشمل واجهة المسجد كلّها، وهي واجهة كانت تحوي في الأصل جناحين متماثلين على يمين ويسار المدخل البارز عن سمت الجدار تظهر فيها أشكال «المقرنصات» لأوّل مرّة في عمارة القاهرة. وأملى توافق واجهة الجامع مع استقامة الطّريق الوضع _________ (١) عن مآذن القاهرة عموما راجع، Creswell K.A.C.، «the evolution of the minaret with special refernce to egypt»، the burlington magazin xlviii (١٩٢٦)، pp. ١٣٤ - ٤٠، ٢٥٢ - ٥٨، ٢٩٠ - ٩٨; samuel hassid، the sultan's turrets.A study of the origin and evolution of the minaret in cairo، cairo ١٩٣٩، وهي في الأصل رسالة مقدّمة إلى جامعة لندن سنة ١٩٣٥ بعنوان: The Evolution of Minarets Design in the Mosques of Cairo؛ السيد عبد العزيز سالم: المآذن المصرية - نظرة عامّة عن أصلها وتطوّرها من الفتح العربي حتى الفتح العثماني، الإسكندرية د. ت؛ Behrens-Abouseif، D.، The Minarets of Cairo، AUC Cairo ١٩٨٥؛ عبد اللّه كامل موسى: تطور المئذنة المصرية بمدينة القاهرة من الفتح العربي وحتى نهاية العصر المملوكي - دراسة معمارية زخرفية مقارنة مع مآذن العالم الإسلامي، رسالة دكتوراه بآثار القاهرة ١٩٩٤. (٢) Creswell، K.A.C.، MAE I، pp. ٦٥ - ٦٦؛ أحمد فكري: مساجد القاهرة ٨٣: ١ - ٨٥؛ bloom، j.m.، «the mosque of al-hakim in cairo»، muqarnas i (١٩٨٣)، pp. ١٥ - ٣٦; fu'ad sayyid، a.، la capitale del'egypte، pp. ٣٣٤ - ٤٦.

стр. 2387

الخاصّ للمنطقة التي تحيط بموقع الجامع والتي فرضت كذلك الزّخرفة الشّاملة الرّائعة للواجهة نفسها، فقد كان الجامع ملاصقا تماما للقصر الفاطمي الكبير لا يفصله عنه سوى ممرّ ضيّق، فأصبح بذلك في قلب الطّقوس الاحتفالية للمدينة في العصر الفاطمي (١). وللأسف الشّديد فإنّه - باستثناء مئذنة جامع الحاكم ومئذنة مشهد الجيوشي أعلى المقطّم - لم تبق أيّ مآذن ترجع إلى القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، كما أنّ المئذنة القائمة عند مدخل الجامع الأقمر قد فقدت واستبدلت بأخرى من عمل يلبغا السّالمي في نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي: والمئذنة الوحيدة الباقية من هذا القرن هي مئذنة أبي الغضنفر (زاوية سيدي معاذ) الواقعة في نهاية شارع جوهر القائد من الجهة الشرقية (أثر رقم ٣) وهو مسجد لم يذكره المقريزي. والملاحظ على تخطيط الجوامع الفاطمية صغر حجم الجوامع التي شيّدت في القرن السّادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي: «الجامع الأقمر» و «الجامع الأفخر» و «جامع الصّالح طلائع» خارج باب زويلة، وكذلك اتّساع أسكوب المحراب وبلاطته، وذلك لتمهيد قاعدة مربّعة للقبّة التي تقام أمام المحراب على تقاطع أسكوبه ببلاطته. وقد استوجبت قاعدة القبّة المربّعة تساوي ضلوع هذه القاعدة وأصبحت بذلك عنصرا جديدا في تخطيط المساجد (٢). وعرف العصر الفاطمي كذلك ظهور المساجد المعلّقة المبنيّة فوق صفّ دكاكين وحواصل، والتي يمثّلها الجامع الأقمر داخل المدينة وجامع الصّالح طلائع خارج المدينة الفاطمية. وإذا كان عدد «المساجد الجامعة» التي شيّدت في العصر الفاطمي لا يتعدّى الخمسة جوامع، فإنّ عدد «مساجد» الصّلوات الخمس، أي مساجد الأحياء التي لا يوجد بها منبر وبالتالي لا تقام بها الجمع، بلغ عددا ضخما، يقول المسبّحي في حوادث سنة ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م: «وأحصى أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه المساجد التي لا غلّة لها فكانت ثمان مائة وثلاثين مسجدا، فأطلق _________ (١) راجع على الأخصّ، Wiliams، c.، «The Cult of alid saints in the Fatimid Monuments of Cairo، Part I «The Mosque of al-aqmar»، Muqarnas i (١٩٨٣)، PP. ٣٧ - ٥٢; Behrens- Mosque in the Context of Fatimid Ceremonial» L ٢ Abouseif، D.، «The Facade of al-Aqmar Muqarnas ix (١٩٩٢)، pp. ٢٩ - ٣٨؛ أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية في مصر ٦١٨ - ٦٢٠؛ وفيما يلي ١٥٠. (٢) أحمد فكري: المرجع السابق ١٢٦: ١، ١٣٧.

стр. 2388

لها في كلّ شهر من بيت المال تسعة آلاف ومائتين وعشرين درهما، على أنّ لكلّ مسجد في كلّ شهر اثني عشر درهما» (فيما يلي ١٧٥، ٧٠٧). وذكر القضاعي أنّه كان بمصر الفسطاط من المساجد ستة وثلاثون ألف مسجد (فيما يلي ٧٠٧) وهو رقم غير واقعي - رغم أنّه تكرّر عند ياقوت الحموي والشّريف الجوّاني وابن دقماق (١) - ويبدو أنّه سقط منه حرف «واو» قبل ألف، أي أنّ صوابه ١٠٣٦ مسجدا (؟) وأضاف المقريزي أنّ ابن المتوّج ذكر أنّ عدّة المساجد بمصر في زمنه - أي في النّصف الأوّل للقرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي (٢) - أربع مائة وثمانون مسجدا ذكرها (فيما يلي ٧٠٧)؛ بينما لم يذكر المقريزي في الفصل الذي عقده لذكر المساجد سوى اثنين وعشرين مسجدا فقط (فيما يلي ٧٠٦ - ٧٢٣). وقد لفت ضخامة عدد مساجد الصّلوات الخمس في المدن الإسلامية المختلفة انتباه العديد من المؤرّخين والرّحّالة، فاليعقوبي، في نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، يذكر أنّه كان ببغداد وحدها ثلاثون ألف مسجد (٣) (؟) كما يذكر الرّحّالة الأندلسي ابن جبير الذي زار الإسكندرية في زمن صلاح الدّين، أنّها أكثر بلاد اللّه مساجد وقدّر ما بها من المساجد بين اثني عشر ألف مسجد وثمانية آلاف مسجد (٤)، وهو أيضا رقم مبالغ فيه؛ ولكن كثرة عدد هذه المساجد كان ظاهرة واضحة حتى قال عنها القلقشندي إنّها: «أكثر من أن تحصى وأعزّ من أن تستقصى» (٥). ويدلّ هذا على أنّه في القرون الإسلامية الأولى كانت جميع الصّلوات تؤدّى في المساجد، وأنّ كلّ حارة أو خطّة كان لها مسجدها الخاصّ الذي يجتمع فيه أهل الحارة أو الخطّة لصلاة الصّلوات الخمس جماعة. وعرفت مصر في العصر الفاطمي نوعا آخر من المنشآت الدّينية هو «المسجد ذو الضّريح» أو «المشاهد»، وهي مشاهد أقيمت لإحياء ذكرى آل البيت، ويقع أغلبها في المنطقة المعروفة ب «المشاهد» بين القاهرة والفسطاط. وعادة ما يحتفظ المشهد، أو المسجد المستخدم ضريحا، _________ (١) ياقوت: معجم البلدان ٢٦٦: ٤؛ ابن دقماق: الانتصار ٩٢: ٤. (٢) هي التي ذكرها ابن دقماق في الانتصار ٧٩: ٤ - ٩٢. (٣) اليعقوبي: البلدان ٢٥٠. (٤) ابن جبير: الرحلة ١٧. (٥) القلقشندي: صبح الأعشى ٣٦٥: ٣.

стр. 2389

بجميع العناصر التّخطيطية للمسجد، ويمكن أن نضيف إلى هذه المشاهد المسجد الذي شيّده بدر الجمالي فوق جبل المقطّم، وهو أوّل مسجد يحمل في نصّه التّأسيسي كلمة «مشهد» (فيما يلي ٨٨١). وسيشهد نمط القبّة الضّريحية تطوّرا كبيرا في نهاية العصر الأيّوبي وفي العصر المملوكي مع إنشاء المدارس (١). *** وبما أنّ الأيّوبيين - الذين خلفوا الفاطميين - كانوا شافعييّ المذهب، فإنّهم كانوا يرون امتناع إقامة خطبتين للجمعة في بلد (مدينة) واحد، فأفتى القاضي صدر الدّين عبد الملك بن درباس الماراني، قاضي القضاة الشّافعي، بإبطال الخطبة من الجامع الأزهر - رمز الدّعوة الإسماعيلية - وإقرارها بالجامع الحاكمي من أجل أنّه أوسع (فيما يلي ١٠٣). وعلى ذلك فإنّه من الطّبيعي أن لا يستجدّ الأيّوبيّون مساجد جامعة بالقاهرة، ولكنّهم أدخلوا إلى مصر نمطا آخر من المؤسّسات الدّينية هو «المدرسة» التي بلغ عدد ما أنشئ منها بالقاهرة والفسطاط في العصر الأيّوبي اثنتين وعشرين مدرسة (٢). وإن كان صاحب كتاب «تاريخ بطاركة كنيسة الإسكندرية» قد ذكر أنّ السّلطان الصّالح نجم الدّين أيّوب - آخر سلاطين الأيّوبيين بمصر - «أخرج مالا جزيلا وسلّمه للفقيه بهاء الدّين بن الجمّيزي برسم مرمّة المساجد التي بالقاهرة ومصر المحروستين وما بينهما، واهتمّ بها وعمّرت أحسن عمارة وبيّضت ونقش على أبوابها اسم المولى السّلطان الملك الصّالح أيّوب وتاريخ تجديدها وعمارتها، وهو سنة ثمان وثلاثين وستّ مائة» (٣). وكان أوّل مسجد جامع يبنى في القاهرة منذ سقوط الفاطميين، سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧٢ م، هو «جامع الظّاهر بيبرس» بالحسينيّة خارج باب الفتوح سنة ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٦ م. ومرّة أخرى نجد أنّ تخطيط هذا الجامع - الذي يعدّ من أكبر جوامع القاهرة مساحة لأنّه شيّد في منطقة خالية لم يسبق إعمارها خارج أسوار المدينة الشمالية - يماثل تخطيط «جامع الحاكم»، مع مدخله _________ (١) انظر فيما يلي ٦٠ *. ودراسة محمد حمزة الحدّاد: القباب في العمارة المصرية الإسلامية - القبّة المدفن حتى نهاية العصر المملوكي، القاهرة ١٩٩٣. (٢) انظر فيما يلي ٤٥٤ - ٥٠٣. (٣) ساويرس بن المقفع: تاريخ البطاركة ٤/ ١٠٨: ٢.

стр. 2390

التّذكاري البارز عن سمت جدار المؤخّر، ولكن في هذه المرّة بأبعاد ضخمة ٨٣، ١١ مترا * ٨٦، ٨ مترا، ويزيّن واجهتا المدخل الجانبيتين ثلاث حنيات مستطيلة يعلوها عقد منكسر، بينما لم يوجد سوى عقدين في جامع الحاكم وعقد واحد في جامع المهديّة، وامتاز جامع الظّاهر بمدخلين تذكاريين آخرين، يتوسّط أحدهما الضّلع البحري والثّاني الضّلع الجنوبي (١) ولكن بأبعاد أقلّ، يتوسّطان صحن الجامع فقط، بسبب كبر مساحته ولسهولة الدّخول إليه. ويحيط بالصّحن الأوسط للجامع أربعة أروقة يحتوي رواق القبلة منها على ستة بوائك، والرّواقان البحري والجنوبي على ثلاث بوائك، بينما يحتوي الرّواق الغربي على بائكتين فقط. وترتكز جميع بوائك الجامع المطلّة على الصّحن، مثل جامعي ابن طولون والحاكم، على دعائم؛ كما ترتكز بائكتان من بوائك رواق القبلة السّتّ على دعائم، وترتكز أيضا جميع المجازات التي تتوسّط بوائك الأضلاع الأربعة والتي تؤدّي ثلاث منها إلى المداخل الخارجية الثّلاث للجامع على دعائم. ولعلّ أهمّ ما يميّز جامع الظّاهر هو احتواؤه على مقصورة تتقدّم المحراب تشغل تسعة أروقة يتكوّن كلّ ضلع من أضلاعها الثلاثة من ثلاثة عقود وتبلغ مساحتها ٥، ١٥ مترا مربّعا. ويتوسّط الضّلع الرابع من المقصورة محراب كبير مجوّف على جانبيه حنيتان مسطّحتان يعلوهما نافذتان، وكانت المقصورة في الأصل مغطّاة بقبّة من الآجرّ ضاعت الآن (٢). ورغم أنّ المدارس ذات الأواوين أصبحت هي الطّابع المميّز للعمارة الدّينية منذ العصر الأيّوبي، فقد استمرّ مع ذلك بناء الجوامع ذات الأروقة في دولة المماليك البحرية وصدر دولة المماليك الشّراكسة في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي. وجميع هذه الجوامع - فيما عدا ما شيّده النّاصر محمد بن قلاوون: الجامع النّاصري الجديد (٧١٢ هـ/ ١٣١٢ م) وجامع القلعة (٧١٨ هـ/ ١٣١٨ م) - بناها كبار الأمراء المماليك لا السّلاطين، ووجدت في شوارع المدينة الرّئيسة، جنوب وجنوب شرق السّور الجنوبي للمدينة الفاطمية، وهي: جامع قوصون (٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م) وجامع ألماس (٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م) وجامع بشتاك (٧٣٥ هـ/ ١٣٣٥ م) _________ (١) Creswell، K.A.C.، El ٢ art.Bab I، p. ٨٥٣ (٢) Hautecoeur & Wiet، Les Mosquees du Caire، pp. ٢٦١ - ٦٢ L ٢؛ سعاد ماهر: مساجد مصر ٣٥: ٣ - ٣٧.

стр. 2391

وجامع المارديني (المارداني) (٧٣٩ هـ/ ١٣٤٠ م) وجامع أصلم البهائي (٧٤٥ هـ/ ١٣٤٤ م) - داخل الباب المحروق - وجامع آقسنقر (٧٤٧ هـ/ ١٣٤٦ م) ثم جامع شيخو (٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م) (١) إضافة إلى جامع آل ملك الجوكندار بالحسينيّة (٧١٩ هـ/ ١٣١٩ م)، وجامع الخطيري ببولاق (٧٣٧ هـ/ ١٣٣٧ م)؛ أمّا آخر الجوامع المملوكية ذات الأروقة فهو من بناء السّلاطين، وهو «جامع المؤيّد» الذي شيّده السّلطان المؤيّد شيخ سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م داخل باب زويلة. وجاءت جميع هذه الجوامع - بنسب متفاوتة - أقلّ بكثير من مساحة «جامع الظّاهر بيبرس»، أوّل الجوامع المملوكية، باستثناء الجامع النّاصري الجديد شمال الفسطاط الذي ضاع كلّ أثر له الآن. ويرجع ذلك إلى تعدّد المساجد الجامعة في المدينة وظواهرها ممّا انتفت معه الحاجة إلى بناء مساجد جامعة فسيحة. وجاءت كذلك واجهات جميع هذه الجوامع دائما موازية لخطّ تنظيم الطّريق الذي أقيمت عليه، وإذا نتج عن ذلك خلاف في توجيه القبلة فإنّ الفرق يستعاض عنه بانحراف المخطّط الدّاخلي (فيما يلي ١٥٦)، كما أنّ أحدا من هذه الجوامع لم يستخدم أبدا كقبّة ضريحية. ولكن الذي يجمع بين جميع جوامع القاهرة ذات الأروقة، هو اتّساع مسطّح صحن هذه الجوامع بالنّسبة للمسطّح المغطّى، وسنلاحظ تكرار هذه الظّاهرة كذلك مع المدارس المملوكية. المدرسة تعدّ المدرسة - دون جدال - ابتكارا سنّيّا، وهي أحد أهمّ مؤسّسات الحضارة الإسلامية اعتبارا من مطلع القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. وغطّت أهميّتها الدّينيّة والتّعليمية والسّياسية والاجتماعية - على الأخصّ في عصر المماليك - على أيّة مؤسّسة إسلامية مشابهة أخرى مثل: دار العلم ودار الحديث ودار القرآن. ولم يحتفظ بأهميّته ومكانته الخاصّة بين مؤسّسات الحضارة الإسلامية سوى «المسجد الجامع» فقط. _________ (١) انظر فيما تقدم ٥٧: ٣ *- ٥٨ *.

стр. 2392

ويختلف العلماء والدّارسون حول أصل «المدرسة» ونشأتها، فيفترض بارتولد Barthold - بما أنّ المدارس الأولى ظهرت في نيسابور ومرو وبخارى في فترة حكم السّلطان محمود الغزنوي (٣٩١ - ٤٢١ هـ/ ٩٩٩ - ١٠٣٠ م) - أنّها استوحيت من الأديرة البوذيّة في آسيا الوسطى (١) (الفيهارا) (؟) ويرى أحمد فكري أنّ المدرسة هي التّطوّر المنطقي لوظيفة المسجد، وأنّ تعريفها مستمدّ من البيوت المخصّصة فيها لسكنى الشّيوخ والفقهاء لا من قاعات التّدريس والمدرّسين (٢). أمّا جورج مقدسي George Makdisi فيعتقد أنّ المدرسة هي تطوّر لل «خانات» التي كان يقيم بها الطّلبة الغرباء عند تردّدهم على كبار العلماء والشّيوخ في بغداد في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (٣). فالمدرسة عنده هي نتاج مراحل ثلاث تطوّرت خلالها المؤسّسة التّعليمية في الإسلام: مرحلة «المسجد الجامع» في القرون الأولى للإسلام حيث كانت تعقد به حلقات العلم ودروس الفقه والحديث (٤). ومرحلة «الخان» القريب من المسجد الذي كان يخصّص لإقامة الطّلبة الغرباء عن المدينة، والذي انتشر في شرق العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي (٥). ثم مرحلة «المدرسة» بمعنى الكلمة - التي تعدّ مؤسّسة التّعليم الإسلامية الحقيقية. ففي القرون الإسلامية الأولى كان «المسجد الجامع» هو مكان تلقّي العلم، حيث إنّ العلوم التي أحدثها الإسلام كانت بطبيعتها لا يمكن فصلها عن المسجد، وحتى العلوم الجديدة كاللّغة والفلسفة والمنطق، لم تنفصل عن علوم الإسلام الأساسية، وظلّ «المسجد الجامع» بذلك - ولفترة غير قصيرة - هو المركز الرّئيس للتّعليم، فكان العلماء يعقدون فيه «حلقات» الدّرس، وتعدّدت «الحلقات» في المسجد الواحد، ولم تقتصر على علوم الدّين: كالفقه والحديث والكلام، بل كان يدرّس بها كذلك علوم اللّغة والنّحو والتّاريخ، وغيرها من العلوم النّقليّة (٦). _________ (١) Barthold ct.Leiser، G.، Notes on the Madrasa in Medieval Islamic Society»، MW LXXVI (١٩٨٦)، p. ١٦ (٢) أحمد فكري: مساجد القاهرة ومدارسها ٧٢: ٢، ١٣١، ١٦٠، ١٦٣. (٣) Makdisi، G.، The Rise of Colleges Institutions of Learning in Islam and the West، L ٢ Edinburgh ١٩٨١، p. ٢٧، ٢٩ - ٣٠ (٤) Pedersen، I. & Makdisi، G.، El ٢ art. Madrasa V، p. ١١٢٠. (٥) Makdisi، G.، op.cit.، pp. ٢٤، ٢٨، ٢٩ (٦) أحمد فكري: المرجع السابق ١٤٤: ٢.

стр. 2393

وفي مصر كان جامع عمرو «الجامع العتيق» والمساجد الجامعة التي أنشئت بعده، وعلى الأخصّ جامعا ابن طولون والأزهر، مراكز حلقات العلم ومجالسه، وأطلق المقريزي - نقلا عن ابن المتوّج - على مواضع التّدريس بالجامع العتيق اسم «الزّوايا»، وأقدمها «زاوية الإمام الشّافعي»، وهي الموضع الذي كان يدرّس به وتولّى التّدريس فيه بعده «أعيان الفقهاء وجلّة العلماء» (فيما يلي ٣٥)، وكان الشّافعيّ يجلس للتّدريس بها كلّ يوم بعد صلاة الصّبح حتى وفاته سنة ٢٠٤ هـ/ ٨٠٩ م (١). ويذكر ابن زولاق أنّه كان للفقهاء المالكيين في جامع عمرو، سنة ٣٢٦ هـ/ ٩٣٨ م، خمس عشرة حلقة ومثلها للشّافعيين، بينما لم يكن لأصحاب أبي حنيفة سوى ثلاث حلقات (٢). وكان يحضر حلقة إمام المالكية في وقته أبي بكر النّعّال، المتوفى سنة ٣٨٠ هـ/ ٩٩٠ م، حشد كبير في الجامع العتيق، حتى إنّها كانت تدور على سبعة عشر عمودا في الجامع (٣). وبلغت «حلقات» العلم في الجامع، قرب نهاية القرن الرّابع الهجري/ العاشر الميلادي، مائة وعشرة مجالس، كما في رواية المقدسي (٤). وكان جامع عمرو في أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وقت زيارة ناصر خسرو لمصر، مكان اجتماع سكّان المدينة الكبيرة مصر - الفسطاط، وكان المدرّسون والمقرئون يقيمون فيه ولم يكن عدد من فيه يقلّ في أي وقت عن خمسة آلاف من طلاّب العلم والغرباء والكتّاب الذين يحرّرون العقود وغيرها (٥). وشارك جامع ابن طولون الجامع العتيق النّشاط نفسه، فقام الرّبيع بن سليمان الجيزي بإملاء الحديث في الجامع فور أن كمل بناؤه (فيما يلي ٦٠). ولم يفقد المسجد الجامع أبدا مكانته التّعليمية، حتى بعد انتشار المدارس، فيذكر المقريزي أنّ السّلطان المنصور لاجين لمّا جدّد جامع ابن طولون، سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م، رتّب فيه دروسا للفقه على المذاهب الأربعة ودرسا للتّفسير وآخر للحديث وثالثا للطّب (فيما يلي ٦٩)، كما بلغت _________ (١) ياقوت: معجم الأدباء ٣٠٤: ١٧؛ السيوطي: حسن المحاضرة ٣٠٤: ١. (٢) ابن زولاق في ابن سعيد: المغرب في حلى المغرب (قسم مصر) ١٧٣. (٣) السيوطي: حسن المحاضرة ٤٥١: ١. (٤) المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ٢٠٥. (٥) ناصر خسرو: سفرنامه ١٠٢.

стр. 2394

حلقات العلم في جامع عمرو في أواسط القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي «بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه» (فيما يلي ٣٦). أمّا «الخان» فقد استخدم في العصور الإسلامية في الأساس، كمكان لاستضافة التّجّار والأجانب وإيوائهم داخل المدن وعلى الطّرق والمفاوز (١)، وإضافة إلى ذلك فقد استخدم «الخان» كذلك كمكان تقيم فيه طلبة العلم الغرباء عن المدينة والمتردّدين على دروس الفقه وغيره من العلوم بمساجدها الجامعة. وأوّل إشارة نصادفها في المصادر، إلى هذه النّوعيّة من الخانات تعود إلى النّصف الأوّل من القرن الرّابع الهجري/ العاشر الميلادي، عند ما أنشأ أبو محمد دعلج ابن أحمد بن دعلج السّجزي، المتوفى سنة ٣٥١ هـ/ ٩٦٢ م، «خانا» بسويقة غالب عند قبر ابن سريج ببغداد ووقفه على أصحاب الشّافعي (٢)؛ فقد بدئ منذ هذه الفترة بإلحاق «خانات» بالمساجد الجامعة أو بالقرب منها معدّة لسكنى طالبي العلم الغرباء عن المدينة. والأنموذج الواضح لهذا الشّكل هو السّلسلة الواسعة من مجموعة «المسجد الخان» التي أقامها، في الجيل والدّيلم وهمذان ودينور وبروجرد ونهاوند وأسد آباد، ناصر الدّولة أبو النّجم بدر بن حسنويه بن الحسين الكردي، المتوفى سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ م، والذي تولّى العديد من الولايات الشّرقيّة للبويهيين، فقد» استحدث - هذا الوالي - في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء» (٣). ويشير ابن الجوزي كذلك إلى أنّه في أثناء الفتنة التي نشبت، سنة ٤٤٣ هـ/ ١٠٥١ م، بين السّنّة والشّيعة صار أهل الكرخ إلى «خان» الفقهاء الحنفيين بقطيعة الرّبيع فأخذوا ما وجدوا وأحرقوا الخان وكبسوا دور الفقهاء (٤). ويشير نصّ ثالث لابن الجوزي إلى طبيعة هذه الخانات وطبيعة التّدريس بها، وذلك بمناسبة قصد أبي عليّ الحسن بن إبراهيم بن عليّ بن برهون الفارقي، المتوفى سنة ٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م، _________ (١) استخدم «الخان» الواقع على الطّرق كمكان للمبيت في المراحل المختلفة للسّفر، بينما خصّصت الخانات الموجودة داخل المدن كمخزن للبضائع ومكان لإجراء المعاملات التجارية وللإقامة المحدودة. ولم يدلّ مصطلح «خان» على الفندق أو مخزن البضائع في الشّرق الأدنى إلاّ ابتداء من العصر المملوكي ثم ذاع استخدامه بهذا المعنى في العصر العثماني. Elisseeff،) (N.El ٢ art.Khan IV، pp. ١٠٤٣ - ٤٩ L ٢ (٢) الهمداني: تكملة تاريخ الطبري، تحقيق ألبير يوسف كنعان، بيروت ١٩٦١، ١٨٢؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١٧: ١٤. (٣) ابن الجوزي: المنتظم ٢٧٢: ٧. (٤) نفسه ١٥: ٨.

стр. 2395

لأبي إسحاق الشّيرازي ببغداد سنة ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م ليتفقّه عليه، وذلك قبل ثلاث سنوات من إنشاء المدرسة النّظاميّة، يقول ابن الجوزي على لسانه: «فنزلت في خان حذاء مسجد أبي إسحاق بباب المراتب - وكان يسكنه أصحاب الشّيخ ومن يتفقّه عليه - فإذا كثرنا كنّا حوالي العشرين وإذا قلّ عددنا كنّا حوالي العشرة. وكان الشّيخ أبو إسحاق يذكر «التّعليقة» في أربع سنين، فيصير المتفقّه في هذه الأربع سنين فيها مستغنيا عن الجلوس بين يدي أحد، وكان يذكر درسا بالغداء ودرسا بالعشي. فلمّا كانت سنة ستين [وأربع مائة] عبرت إلى الجانب الغربي إلى الشّيخ أبي نصر بن الصّبّاغ قرأت عليه «الشّامل»، ثم عدت إلى أبي إسحاق فلازمته إلى حين وفاته» (١). ويتّفق الباحثون في العموم على أنّ «المدرسة» بمعنى الكلمة نشأت تلبية لثلاثة اعتبارات أساسية: أوّلا: لدعم الإسلام السّنّي في مواجهة التّحدي الشّيعي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، الذي يحقّ لنا أن نسمّيه «عصر انتصار الشّيعة»، ففيه تحكّم البويهيّون الشّيعة في إمبراطورية عريضة كان مركزها العراق وفرضوا سيطرتهم على الخليفة العبّاسي السّنّي في بغداد، ومدّ الفاطميون الإسماعيليّون نفوذهم على مصر والشّام وشمال إفريقيا وجزيرة صقلّيّة، وقام دعاتهم بدور نشط في طول الأراضي العبّاسية وعرضها تدعمهم العديد من المؤسّسات الشّيعية مثل: الجامع الأزهر ودور العلم التي كانوا يتلقّون فيها تدريبات خاصّة. في هذا الوقت كان السّلطان محمود الغزنوي وأخوه الأمير نصر بن سبكتكين هما المدافعين عن السّنّة، وبدأا في إنشاء المدارس الأولى في مشرق العالم الإسلامي في نيسابور ومرو وبخارى، كالمدرسة البيهقيّة والمدرسة السّعديّة ومدرسة ابن فورك. ثانيا: إعداد كوادر موالية للدّولة عن طريق تأييد المذاهب الفقهيّة الأربعة، بحيث أصبحت هذه المدارس بمثابة مؤسّسات رسمية لتخريج القضاة وكتّاب بيت المال والوزراء وغيرهم من الموظّفين الرّسميين. _________ (١) ابن الجوزي: المنتظم ٣٧: ١٠، Makdisi، G.، op.cit.، p. ٣٠

стр. 2396

ثالثا: لتلبية رغبة السّلاطين والحكّام في إحكام سيطرتهم على رجال الدّين الذين درسوا المذاهب الفقهيّة المعتمدة في الدّول السّنّيّة في هذه المدارس (١). كانت المدارس الأولى التي أنشئت في عصر الغزنويين موجّهة ضدّ المخالفين في الرأي من الكرّاميّة الذين أنشأوا «خانقاوات» كمراكز للتعليم والدّعوة وحياة التّقشّف (٢)، خاصّة في مناطق خراسان وما وراء النّهر وفي جرجان وطبرستان، وأصبحت هذه «الخانقاوات» - في رأي بوزورث Bosworth - الأنموذج والمحرّك لحركة إنشاء المدارس في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي على أيدي الأشاعرة (٣). ولكنّ هذه الصّلة تظلّ مع ذلك في حاجة إلى إثبات. وعندما خلف السّلاجقة الغزنويين بعد هزيمتهم في موقعة داندنقان سنة ٤٣٢ هـ/ ١٠٤٠ م، أخذوا في فتح أراضي المشرق الإسلامي، ودخل زعيمهم طغرلبك إلى بغداد في سنة ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥ م، وبلغت إمبراطوريتهم أقصى اتّساع لها في عهد خليفتيه ألب أرسلان وملك شاه، حيث امتدّت من وسط آسيا حتى حدود بيزنطة. كان السّلاجقة، في هذا الوقت، هم القوّة الفتيّة في الإسلام الآخذة في النّماء والقوّة المدافعة عن مذهب أهل السّنّة في مواجهة الفاطميين الشّيعة والتي وضعت نهاية لحكم البويهيين الشّيعة في بغداد مركز الخلافة العبّاسية. وكان وصول السّلاجقة إلى قمّة السّلطة يمثّل انتصارا للمذهب الأشعري ممثّل علم الكلام السّنّي الذي حلّ محلّ آراء المعتزلة الكلاميّة التي أخذت في الانزواء (فيما يلي ٤٣٩ - ٤٤٣). وحقّق المذهب الأشعري انتصاره في بغداد في منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي بفضل «المدارس النّظاميّة» وخاصّة «نظاميّة بغداد»، بحيث نستطيع أن نعدّ بحقّ القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي «عصر ازدهار المدارس»؛ فقد تولّى السّلاجقة - مع تولّي نظام الملك رتبة الوزارة للسّلاجقة - محاربة الفاطميين عن طريق المدارس لتأييد المذاهب الفقهيّة السّنّيّة، وعلى الأخصّ المذهب الأشعري (٤). _________ (١) leiser، g.، «Notes on the Madrasa in Medieval Islamic Society،» MWLXXVI (١٩٨٦)، p. ١٦. (٢) Massignon، L.، «Les Medresehs de Bagdad»، BIFAOVII (١٩١٠)، pp. ٧٧ - ٧٨. (٣) Bosworth، C.E.، El ٢ art.Karrqmiyya tv، pp. ٦٩٤ - ٩٦. (٤) Makdisi، G.، «Muslim Institutions of Learning Eleventh-Century Baghdad»، bsoas XXIV (١٩٦١)، p. ٣.

стр. 2397

وزعم الذّهبيّ، في النّصف الأوّل للقرن الثّامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، أنّ نظام الملك - وزير السّلاجقة الشّهير - هو أوّل من بنى المدارس، ولكنّنا رأينا - فيما سبق - أنّ الغزنويين سبقوا السّلاجقة في ذلك بالمدارس التي أنشأوها في نيسابور ومرو، ويعلّق السّبكي على ذلك بقوله: «ويغلب على ظنّي أنّ نظام الملك هو أوّل من قدّر المعاليم للطّلبة» (١) - أي الجرايات والرّواتب لمن يدرس فيها، وإن كان العزيز باللّه الفاطمي قد سبقه إلى ذلك - في أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي - مع الفقهاء الذين كانوا يتحلّقون في الجامع الأزهر بالقاهرة (فيما يلي ٢٩٤، ٤٥٢). ويرجع تاريخ أوّل مدرسة أنشأها نظام الملك، وهي «نظاميّة بغداد»، إلى سنة ٤٥٩ هـ/ ١٠٦٦ م (٢)، ثم توالى بناؤه للمدارس حتى قيل إنّ له في كلّ مدينة بالعراق وخراسان مدرسة عرفت جميعها ب «النّظاميّة» (٣). وهكذا أصبحت «المدارس النّظاميّة» مؤسّسة سياسيّة تخضع للإشراف الرّسمي للدّولة لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة مع إفساح مساحة كبيرة للمذهب الأشعري. ولم يرتبط هذا الانتصار وهذه المدارس فقط باسم نظام الملك، ولكن أيضا بأعلام المذهب الأشعري كأبي إسحاق الشّيرازي وأبي بكر الباقلاّني وإمام الحرمين الجويني وحجّة الإسلام الغزالي، الذين كان لهم دور كبير في قبول جمهور أهل السّنّة للمذهب الأشعري. وانتشرت المدارس السّنّيّة وذاعت في العراق في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، حتى إنّ ابن جبير - الذي زار العراق نحو سنة ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م - يشير إلى وجود نحو ثلاثين مدرسة تقع جميعها في الجانب الشّرقي لبغداد (٤). وفي هذا الإطار أدخل السّلاجقة عن طريق الزّنكيين المدارس إلى الشّام في القرن السّادس الهجري/ الثّاني عشر الميلادي كمؤسّسة قويّة للدّعاية الدّينية والسّياسية لنشر المذهب الأشعري، _________ (١) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٣١٤: ٤؛ السيوطي: حسن المحاضرة ٢٥٥: ٢ - ٢٥٦. (٢) ابن الجوزي: المنتظم ٢٣٨: ٨، ٢٤٦ - ٢٤٧؛ ابن الأثير: الكامل ٥٥: ١٠؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٢٩: ٢. (٣) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٣١٤: ٤. وبلغت المدارس النّظاميّة تسع مدارس في الموصل والبصرة وأصبهان وآمل وطبرستان ومرو ونيسابور وهراة وبلخ، بالإضافة إلى نظامية بغداد. (Makdisi، G.، op.cit.، p. ٤). (٤) ابن جبير: الرحلة ٢٠٥.

стр. 2398

ووجدت هذه السّياسة تأييدا واضحا من نور الدّين محمود خلال مواجهته للفرنج الصّليبيين في أواسط هذا القرن، حيث أنشأ العديد من المدارس للفقهاء الشّافعيّة «في دمشق وحلب وحماه وحمص وبعلبك ومنبج والرّحبة» (١)، رغم كونه حنفيّا، كما أسّس أوّل «دار للحديث» في دمشق سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م. وتبنّى هذه السّياسة بعد ذلك صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بعد نجاحه في القضاء على الدّولة الفاطمية ووضعه نهاية لها، حيث أدخل إلى مصر المذهب الأشعري، ثم تبعه خلفاؤه في إنشاء المدارس بمعنى الكلمة (فيما يلي ٥٥ *- ٥٦ *، و ٤٨٤ هـ (٢)). وقد أبان المقريزيّ في نصّ جامع أورده في بداية الفصل الذي خصّصه لذكر المدارس عن نشأة المدارس وتطوّرها، ولماذا لم تعرف مصر نظام المدرسة قبل العصر الأيّوبي، يقول: «والمدارس ممّا حدث في الإسلام، ولم تكن تعرف في زمن الصّحابة ولا التّابعين، وإنّما حدث عملها بعد الأربع مائة من سني الهجرة. وأوّل من حفظ عنه أنّه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور فبنيت بها المدرسة البيهقيّة، وبنى بها أيضا الأمير نصر بن سبكتكين مدرسة، وبنى بها أخوه السّلطان محمود بن سبكتكين مدرسة، وبنى بها أيضا المدرسة السّعديّة، وبنى بها أيضا مدرسة رابعة. وأشهر ما بني في القديم المدرسة النّظاميّة ببغداد لأنّها أوّل مدرسة قرّر بها للفقهاء معاليم، وهي منسوبة إلى الوزير نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق بن العبّاس الطّوسي وزير ملكشاه ابن ألب أرسلان بن داود بن ميكال بن سلجوق في مدينة بغداد، وشرع في بنائها في سنة سبع وخمسين وأربع مائة، وفرغت في ذي القعدة _________ (١) ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٨٥: ٥. (٢) هذا نصّ المقريزي في المبيّضة، أمّا نصّ المسوّدة فجاء بالصّيغة التالية: «اعلم أنّه لم يكن في زمن الخلفاء الفاطميين مدارس ولا يعرفونها، وكان فقهاؤهم ينتحلون مذاهب الإسماعيلية من جملة مذاهب الشّيعة. وأوّل ما عرف بالقاهرة درس عمل للفقهاء؛ الدّرس الذي رتّبه الوزير أبو الفرج بن كلّس بالجامع الأزهر كما تقدّم ذكره. وأوّل من بنى المدارس في دولة الإسلام الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن إسحاق وزير السّلطان ألب أرسلان السّلجوقيّ ووزير ولده ملكشاه من بعده، فإنّه بنى المدرسة النّظاميّة ببغداد في سنة [سبع وخمسين] وأربع مائة، ورتّب في تدريسها الشّيخ أبا إسحاق الشّيرازي مؤلّف كتاب «التّنبيه» و «المهذّب» في الفقه وغير ذلك ممّا هو معروف في التّواريخ». (مسوّدة الخطط ٨٢ و).

стр. 2399

سنة تسع وخمسين وأربع مائة؛ ودرّس فيها الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازي الفيروزآبادي صاحب كتاب «التّنبيه في الفقه» على مذهب الإمام الشّافعي ﵁ ورحمه - فافتدى النّاس به من حينئذ في بلاد العراق وخراسان وما وراء النّهر وفي بلاد الجزيرة وديار بكر. وأمّا في مصر فإنّها كانت حينئذ بيد الخلفاء الفاطميين، ومذهبهم مخالف لهذه الطّريقة، وإنّما هم شيعة إسماعيلية» (فيما يلي ٤٥١ - ٤٥٢). ورغم أنّ المقريزي يذكر أنّ بداية معرفة مصر ب «المدارس» جاءت مع استيلاء صلاح الدّين على السّلطة في مصر وعودتها إلى دائرة الأقاليم التي يحكمها أهل السّنّة، فقد عرفت مصر - وعلى الأخصّ مدينة الإسكندرية - المدارس في العقود الأخيرة لعصر الدّولة الفاطمية. فعندما اضطرّ الخليفة الفاطمي الحافظ لدين اللّه إلى الاستعانة ببهرام الأرمنيّ، والي الغربية، وولاّه الوزارة سنة ٥٢٩ هـ/ ١١٣٥ م ونعته ب «سيف الإسلام تاج الملوك» (١)، رغم كونه نصرانيّا، عمل بهرام على توطيد أركان دولته بالاستعانة بالأرمن الذين استقدمهم من تلّ باشر ووصل منهم إلى مصر نحو ثلاثين ألف إنسان، «فاستطالوا على المسلمين وأصاب المسلمين منهم جور عظيم» كما يقول ابن ميسّر. وعمل بهرام على بناء الكنائس بمصر حتى صار كلّ رئيس من أهله يبني له كنيسة، فخاف أهل مصر منهم أن يغيّروا ملّة الإسلام، وكثرت الشّكايات فيه وفي أهله (٢). أثار هذا الموقف وسكوت الخليفة الفاطمي عليه رؤساء المصريين من أهل السّنّة، فبعثوا إلى والي الغربيّة رضوان بن ولخشي - وهو سنّي - يستحثّونه على تصويب هذا الوضع، فاستجاب لدعوتهم وخطب في النّاس خطبة بليغة حرّضهم فيها على «الجهاد»، وحشد نحو ثلاثين ألفا من العربان وغيرهم، سار بهم قاصدا القاهرة لمحاربة بهرام، وما أن تقارب الجمعان حتى رفع رضوان ومن معه المصاحف على أسنّة الرّماح فترك العسكر المسلمون بهرام والتجأوا إلى صفوف رضوان باتّفاق منهم مع رضوان قبل قدومه. أمّا بهرام فإنّه خاف من عاقبة ذلك وفرّ بإشارة من الخليفة _________ (١) ابن ميسر: أخبار مصر ١٢٢؛ ساويرس بن المقفع: تاريخ بطاركة الكنيسة ٢٨: ١/ ٣ - ٢٩؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٥٦: ٣. (٢) نفسه ١٢٤؛ نفسه ٣١: ١/ ٣. (٣) نفسه ١٢٤ - ١٢٥؛ المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٥٨: ٣.

стр. 2400

الحافظ إلى أخيه الباساك والي قوص - ليحتمي به، ونهب العامّة سائر ديار الأرمن بالحسينية ونهبوا كذلك كنيسة الزّهري (١). هكذا كان الوضع في مصر في العقد الرابع من القرن السّادس الهجري: مواجهة بين المسلمين والنّصارى الأرمن، ومواجهة بين أهل السّنّة والسّلطة الفاطمية الحاكمة. وكان وصول رضوان إلى منصب الوزارة كأوّل وزير سنّي للفاطميين، بداية تحوّل سنّي بطيء، فتح الطّريق إلى انتصار السّنّة النّهائي في مصر بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما مع انقلاب صلاح الدّين. كان من أهمّ ما ميّز هذا التّحوّل السّنّي إنشاء مدرستين لتدريس الفقه السّنّي في الإسكندرية: الأولى أنشأها الوزير رضوان بن ولخشي لتدريس المذهب المالكي، سنة ٥٣٢ هـ/ ١١٣٨ م، وقرّر في تدريسها الفقيه المالكي المعروف أبا الطّاهر بن عوف، إسماعيل بن مكي بن إسماعيل ابن عيسى (٢)؛ والثّانية أنشأها، في سنة ٥٤٦ هـ/ ١١٥٠ م، وزير سنّيّ آخر هو العادل بن السّلار، ولكن في هذه المرّة كانت لتدريس المذهب الشّافعي، وقرّر في تدريسها الحافظ الشّهير أبا الطّاهر أحمد بن محمد السّلفي (٣). ولكن لماذا أنشأ رضوان مدرسته في الإسكندرية وتبعه في ذلك العادل بن السّلار؟ الإجابة على ذلك أنّ القاهرة كانت في ذلك الوقت مركز النّشاط الشّيعي في العالم الإسلامي، والمدرسة ظاهرة جديدة في مصر، فكان من شأن إقامة مؤسّسة سنّيّة مهمّة كالمدرسة في العاصمة الشّيعية قلب ميزان القوّة بين الخليفة ووزيره. وبما أنّ الإسكندرية كان كلّ سكّانها من أهل السّنّة، فقد كان طبيعيّا أن يبني رضوان مدرسته بها ليقاوم بها مذهب الدّولة وليعلي كلمة الإسلام في مواجهة اتّساع نفوذ أهل الذّمّة من النّصارى الأرمن الوافدين. ومع ذلك فقد استصدر رضوان سجلاّ من الخليفة ببناء المدرسة في الإسكندرية نسبت فيه المدرسة إلى الخليفة، حيث أطلق عليها «المدرسة الحافظيّة» ولم تنسب إلى الوزير الذي بناها، وذلك لأنّ الخليفة لا الوزير هو الذي كان _________ (١) أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية في مصر ٢٥٨ - ٢٦٦. (٢) ابن ميسر: أخبار مصر ١٢٠؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٤٥٨: ١٠ - ٤٥٩، المقريزي: اتعاظ الحنفا ١٦٧: ٣؛ أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية ٥٩١ - ٥٩٢؛ وانظر ترجمة أبي الطاهر بن عوف عند ابن فرحون: الديباج المذهب ٢٩٢: ١ - ٢٩٥؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٢٢٨: ٩؛ المقريزي: المقفى الكبير ١٨٣: ٢ - ١٨٤؛ أبي المحاسن: النجوم الزاهرة ١٠٠: ٦. (٣) ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٠٥: ١، ٤١٧: ٣؛ السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٣٧: ٦.

стр. 2401

يصدر الأمر بتعيين مدرّسيها بناء على اقتراح الوزير. ونظرا لأنّ الذي تولّى التّدريس بها هو الفقيه أبو الطّاهر بن عوف المالكي فقد عرفت في المصادر أيضا باسم «المدرسة العوفيّة». وحفظ لنا القلقشندي نصّ السّجلّ الخاصّ بإنشاء هذه المدرسة (١)، الذي نصّ على أن تكون مأوى للطّلاّب وسكنا لهم، وأن يطلق لهم من ديوان الخليفة مؤنتهم وما يقوم بأودهم ويعينهم على التّفرّغ للدّراسة بالمدرسة وهي: علوم الشّريعة، وأن يتولّى مقدّم المدرسة، وهو الفقيه أبو الطّاهر بن عوف، الإشراف التّام على شئون الطّلبة (٢). ولا شكّ أنّ الظّروف السّياسيّة والدّينيّة والاجتماعية لم تكن واحدة في كلّ العالم الإسلامي في القرنين الخامس والسّادس للهجرة/ الحادي عشر والثاني عشر للميلاد. وهو الوقت الذي بدأت فيه المدارس في الازدهار. فالوسط الاجتماعي لبغداد عند تأسيس النّظامية سنة ٤٥٧ هـ/ ١٠٦٥ م لم يكن كمجتمع الإسكندرية أو قونية في آسيا الوسطى عند ما ظهرت المدارس لأوّل مرّة بهذه المدن في النّصف الأوّل للقرن السّادس الهجري. وبالتالي فلم يكن للمدرسة نفس الدّور أو الوظيفة في هذه المجتمعات، وبالتّحديد لم يكن دور مدارس الإسكندرية مشابها لدور مدارس بغداد. فقد نشأت مدارس بغداد في مجتمع سنّي بهدف تأييد المذهب الأشعري ولمواجهة مذاهب الشّيعة، وللمساهمة في إعداد رجال الدّين والموظّفين الرّسميين، ولتمكين الحكّام بصفة خاصّة من احتكار طبقة «العلماء» والتأثير عليهم. أمّا في مصر فقد كان غرضها تدعيم الإسلام ضدّ تحدّي أو استفزاز أهل الذّمّة من النّصارى، ثم إمداد الإسلام بوسائل إضعاف قوّتهم وإجبارهم على التّحوّل إليه. فرغم كون الإسلام دين الدّولة الرّسمي وهو الأعلى، إلاّ أنّه كان يواجه أقلّيّة نصرانية عريضة وقويّة تتركّز في غرب الدّلتا وأجزاء من مصر العليا والواحات، بدأ نفوذها في التّسلّط مع وصول بدر الجمالي إلى قمّة السّلطة في مصر سنة ٤٦٦ هـ/ ١٠٧٣ م، والذي كان أرمني الأصل واستصحب معه عندما قدم إلى مصر جيشا قوامه من الأرمن النّصارى الذين اصطحبوا عائلاتهم واستقرّوا في مصر في ظواهر القاهرة، وتزايد عددهم مع قدوم مهاجرين جدد لحقوا بهم، وكان لهم _________ (١) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٥٨: ١٠ - ٤٥٩؛ وانظر كذلك مقال جمال الدّين الشّيّال: «أوّل أستاذ لأوّل مدرسة في الإسكندرية الإسلامية»، مجلة كلية الآداب - جامعة الإسكندرية ١١ (١٩٥٧)، ٣ - ٢٩. (٢) نفسه ٤٥٩: ١٠.

стр. 2402

بطركهم وكنيستهم المستقلّة، حتى بلغ الأمر مداه مع تولّي بهرام الأرمنيّ النّصراني رتبة الوزارة للخليفة الحافظ لدين اللّه سنة ٥٢٩ هـ/ ١١٣٥ م (١). *** عند ما ترجم ابن خلّكان للحافظ السّلفي ذكر وجود المدرسة التي أنشأها ابن السّلار بالإسكندرية والتي كان السّلفي مدرّسها الوحيد عشرين عاما قبل أن يصبح صلاح الدّين وزيرا للفاطميين (٢)؛ ولكنه عندما ترجم لصلاح الدّين ذكر أنّه لم تكن في مصر مدارس قبله (٣)، وقد أخذ بهذا الرأي أيضا المقريزي (٤)، وهي ملاحظة غير صحيحة كما رأينا. ولكنّنا نستطيع القول بأنّ «المدرسة» كمؤسّسة سنّيّة رسمية لم تعرف على مستوي واسع في مصر إلاّ بعد تولّي صلاح الدّين الوزارة للعاضد آخر خلفاء الفاطميين. فقد هدم صلاح الدّين، في عام ٥٦٦ هـ/ ١١٧١ م، دار المعونة بمصر وعمّرها مدرسة للشّافعية، يقول المقريزي: «وهي أوّل مدرسة عمّرت بمصر لإلقاء العلم» (فيما يلي ٤٥٤)، كما حوّل دار الغزل بجوار جامع عمرو «مدرسة للمالكية»، عرفت فيما بعد ب «المدرسة القمحيّة» (فيما يلي ٤٥٥)، كذلك اشترى ابن عمّه الملك المظفّر تقيّ الدّين عمر ابن شاهنشاه بن أيّوب «منازل العزّ» بالفسطاط وجعلها مدرسة للشّافعية، وقف عليها عدّة أوقاف وعرفت ب «المدرسة التّقويّة» (فيما يلي ٤٥٧). وتعبّر الكتابة التاريخية التي كانت توجد بالمدرسة المجاورة لضريح الإمام الشّافعي، ونقلت الآن إلى متحف الفنّ الإسلامي بالقاهرة برقم ١١٨، بوضوح عن ردّ الفعل الأيّوبي السّنّي الذي كان وراء إنشاء المدارس في مصر، يقول نصّ الكتابة: «بنيت هذه المدرسة باستدعاء الشيخ الفقيه الإمام [كلمة ساقطة] الزّاهد نجم الدّين ركن الإسلام قدوة الأنام مفتي الفرق أبو الب [ركات بن] الموفّق الخبوشاني - أدام اللّه توفيقه - لفقهاء أصحاب الشّا [فعي]- رضوان اللّه عليه _________ (١) أيمن فؤاد: الدولة الفاطمية في مصر ٥٩٠ - ٥٩١. (٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان ١٠٥: ١. (٣) نفسه ٢٠٦: ٧، وقارن أبا المحاسن: النجوم الزاهرة ٥٤: ٦ - ٥٥. (٤) المقريزي: اتعاظ الحنفا ٣١٩: ٣.

стр. 2403

- الموصوفين بالأصوليّة الموحّده: الأشعريّة [على] الحشويّة وغيرهم من المبتدعة، وذلك في شهر رمضان سنة خمس وس [بعين وخمس مائة] (١). وقد زالت كلّ آثار هذه المدارس المبكّرة، سواء التي أقيمت في الإسكندرية أو في الفسطاط. وكلّ ما نعرفه عنها أنّها كانت مخصّصة لتدريس مذهب واحد (٢)، حيث إنّ أوّل مدرسة جمع فيها تدريس المذاهب الفقهيّة الأربعة هي «المدرسة المستنصرية» في بغداد التي أنشئت فيما بين سنتي ٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م و ٦٣١ هـ/ ١٢٣٤ م، كما أنّنا نجهل كلّ شيء عن تخطيط هذه المدارس. وعرفت القاهرة كذلك في العصر الأيّوبي نوعا آخر من المؤسّسات التّعليمية هو «دار الحديث»، وهي مؤسّسة اختصّت فقط بتدريس علوم الحديث. وأوّل دار أنشئت من هذا النّوع هي «دار الحديث النّوريّة» التي أنشأها نور الدّين محمود في دمشق سنة ٥٦٧ هـ/ ١١٧١ م (٣). ثم تتابع إنشاء دور الحديث وعلى الأخصّ في دمشق وضواحيها، حيث يذكر النّعيمي أسماء ستة عشر دارا للحديث (٤)، إلى أن أنشأ السّلطان الملك الكامل محمد «دار الحديث الكامليّة» في القاهرة سنة ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م (فيما يلي ٤٩٤)، وهي - إضافة إلى «دار الحديث المراغيّة» التي عمّرها الشيخ شمس الدّين المراغي على شاطئ النيل، والتي ذكرها ابن دقماق (٥) - دار الحديث الوحيدة المعروفة بالقاهرة. *** ومع اختصاص المدارس بتدريس المذاهب الفقهيّة الأربعة، كان التّخطيط المتعامد على صحن مربّع Cruciform Plan يتّفق تماما مع وظيفة المدرسة الجديدة، ومع ذلك فإنّ تخطيط المدارس _________ (١) Hautecoeur & Wiet، Les Mosquees du Caire، p. ١٠١; Wiet، G.، RCEAIX، n ٠٣٣٣٩. (٢) لا شكّ أنّ هذه المدارس كانت تشبه في تخطيطها تخطيط المدارس الشّامية التي وصلت إلينا، وهي تتألّف من مصلّى وبهو مستطيل، وفي حالة تدريسها لمذهبين كانت تشتمل على إيوانين متقابلين بينهما فناء مربّع التّخطيط ويحفّ به من الجانبين حجرات لسكنى الطّلبة، ونادرا ما كانت تزوّد بمئذنة. (٣) النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ٩٩: ١. (٤) نفسه ١٩: ١ - ١٢٢. (٥) ابن دقماق: الانتصار ٩٩: ٤.

стр. 2404

الأولى التي درّست المذاهب الفقهية الأربعة والتي وصلت إلينا آثارها، وهي: المدرسة المستنصرية في بغداد (٦٣١ هـ/ ١٢٣٤ م)، والمدرسة الصّالحيّة في القاهرة (٦٤١ هـ/ ١٢٣٤ م) لم يكن متعامدا. فالأولى كانت تتألّف من أربعة إيوانات غير متجانسة تحيط بصحن مستطيل (١). بينما تكوّنت الثّانية من كتلتين من المباني كلّ منها عبارة عن صحن وإيوانين معقودين بقبو دائري مدبّب يفصلهما دهليز بطول ٢٨ مترا وعرض ٢١ مترا من وسط الواجهة. فكانت الظّاهرة التي ميّزت العمارة الأيّوبية في القاهرة، إضافة إلى استحداث نظام المدرسة، هي ظهور «الأواوين» في تخطيط العمارة الدّينية (٢) ولم يجتمع تدريس المذاهب الفقهيّة السّنّيّة الأربعة في مصر في مبنى واحد، بعد المدرسة الصّالحيّة، إلاّ عند ظهور المدرسة ذات التّخطيط المتعامد Cruciform Plan. وتعدّ «المدرسة النّاصريّة محمد بن قلاوون»، التي افتتحت سنة ٧٠٣ هـ/ ١٣٠٣ م، أوّل مدرسة في مصر ذات تخطيط متعامد درّس بها الفقه على المذاهب الأربعة (المالكي بالإيوان القبلي الكبير، والحنبلي بالإيوان الغربي، والحنفي بالإيوان الشّرقي، والشّافعي بالإيوان البحري) (فيما يلي ٥٣٠)، أي أنّها جمعت بين التّخطيط المتعامد شكلا والمذاهب الأربعة وظيفة. أمّا «المدرسة الظّاهريّة العتيقة» التي شيّدها السّلطان الظّاهر بيبرس وافتتحت قبل ذلك بنحو أربعين عاما، سنة ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٣ م، فتعدّ أوّل مدرسة ذات تخطيط متعامد في مصر، لكنّها لم تدرّس الفقه فقط، إذ خصّص إيوانها القبلي لتدريس الفقه على المذهب الشّافعي، وإيوانها البحري لتدريس الفقه على المذهب الحنفي، بينما خصّص إيوانها الشّرقي لتدريس علوم الحديث، وإيوانها الغربي لإقراء القراءات السّبع. (فيما يلي ٥٠٦ - ٥٠٨). وذهب كريزويل Creswell إلى أنّه إذا كانت أوّل مدرسة لتدريس المذاهب الفقهيّة الأربعة هي: مستنصريّة بغداد، فإنّ أوّل مدرسة ذات تخطيط متعامد - وهي «المدرسة الظّاهريّة العتيقة» - _________ (١) ابن الفوطي: كتاب الحوادث، حققه وضبط نصّه بشّار عوّاد معروف وعماد عبد السلام رؤوف، بيروت - دار الغرب الإسلامي ١٩٩٧، ٨٠ - ٨٦؛ كوركيس عواد: «المدرسة المستنصرية ببغداد»، مجلة سومر ١ (١٩٤٥)، ٧٦ - ١٢٠؛ ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، بغداد ١٩٦٥؛ أحمد فكري: مساجد القاهرة ١١٥: ٢ - ١١٦، ١٥٦ - ١٦٠. (٢) أحمد فكري: «خصائص عمارة القاهرة في العصر الأيوبي»، أبحاث الندوة الدولية لتاريخ القاهرة ١٦٧: ١ - ١٦٨؛ صالح لمعي: التراث المعماري في مصر ١٧.

стр. 2405

أسّست في القاهرة، واستند كريزويل Creswell في ذلك على أنّ التّخطيط المتعامد القائم على تخطيط القاعة مصري الأصل ولم يعرف عمليّا خارجها (١). وهو يخالف في ذلك رأي فان برشم Van Berchem الذي يرى أنّ هذا النّظام انتقل إلى مصر من الشّام وأنّه مشتقّ من الكنائس البيزنطية ذات الشّكل الصّليبي المنتشرة بالشّام (٢). وقد اعترض أندريه جودار A.Godard على الرأيين معا، معتمدا على أنّ الحفائر التي أجريت في إيران أظهرت آثارا لعدد كبير من المباني ذات صحن أوسط تحيط به أواوين أربعة يرجع تاريخها - حسب تقديره لها - إلى قرن أو أكثر قبل ظهور ظاهريّة القاهرة؛ وأنّ هذا النّظام كان شائعا في بلاد فارس وتبنّته بعض المساجد الجامعة هناك ك «جامع أصفهان» الذي أنشئ سنة ٥١٥ هـ/ ١١٢٠ م؛ إلاّ أنّه أضاف أنّ المدارس التي أنشئت في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي اتّخذت هذا النّظام لأنّه يلائم فقط وظيفتها في تدريس المذاهب الأربعة (٣). ولكنّ كريزويل Creswell عاد وتشكّك في الآثار التي استند إليها جودار Godard؛ سواء من حيث تاريخها أو من حيث موضوعها، وتمسّك بنظرية القاعة المصرية (٤). والذي لا شكّ فيه أنّ المنشآت الإسلامية على اختلافها تأثّرت بتصميم المسجد الجامع المتألّف من صحن أو فناء أوسط مربّع أو مستطيل تحيط به في جوانبه أروقة أربعة مثل ما هو الحال في المدارس والخوانق (الخوانك) والوكالات والخانات وحتى القصور والدّور، إلاّ أنّه استبدل بالأروقة في كلّ منها كتل بنائية مناسبة لوظيفتها (٥). وبما أنّ أقدم المدارس ظهرت في شرق إيران ثم أخذت تتّجه غربا وخاصّة مع السّلاجقة، فيفترض أنّ تخطيطها تأثّر بالأساليب المعمارية السّائدة في إيران وبخاصّة استخدام «الإيوانات» _________ (١) Creswell، K.A.C.، «The Origin of the Cruciform Plan of Cairene Madrasa، BIFAO XXI (١٩٢٢)، p ٤٣.؛ وفيما تقدم ٤٤: ٣ *- ٤٧ *. (٢) Van Berchem، M.، CIA Egypte I، p. ٢٦٨. (٣) Godard، A.، «L'Origine de la Madrasa، de la Mosque? e et du Caravanserail a quatie Iwans»، Ars Islamica XV-XVI (١٩٥١)، pp. ٢ - ٩. (٤) Creswell، K.A.C.، MAEII، p. ١٢٣. (٥) فريد شافعي: العمارة العربية في مصر الإسلامية ٢٨ - ٢٩؛ حسن الباشا: «دراسة جديدة في نشأة الطّراز المعماري للمدرسة المصرية ذات التخطيط المتعامد»، مجلة كلية الآثار - جامعة القاهرة ٣ (١٩٨٩)، ٥١.

стр. 2406

كما سبق ولاحظ جودار Godard، ثم انتقل هذا التّصميم إلى المدارس السّلجوقية، ومنها إلى مدارس الشّام ومصر، مع خضوع كلّ منها للتّقاليد المعمارية المحلّيّة في بعض عناصره (١)، حيث تأثّر تخطيط المدارس في مصر بنظام تخطيط القاعة (فيما تقدم ٤٩٩: ٢). وساعد على تعميم فكرة «الأواوين» في تخطيط المنشآت الدّينية شيوع استخدام الحجارة في البناء، ممّا أدّى إلى الاستغناء عن الأعمدة واستبدال الدّعامات بها، وإقامة الأسقف المبنية المعقودة بدلا من الأسقف المسطّحة الخشبية؛ فأصبح بيت الصّلاة قاعة واحدة فسيحة بعد أن كان مجموعة من الأساكيب والبلاطات. وساعد هذا النّظام الجديد كذلك على إضفاء جوّ من الفخامة على واجهات بيوت الصّلاة، وأدّى إلى إحلال فكرة العلوّ والعظمة والتركيز، محلّ الفكرة الأولى في العمارة الإسلامية الدّينية التي كان قوامها الفسحة والامتداد (٢). ولوحظ في تخطيط المدرسة - ابتداء من العصر المملوكي - صلاحيتها لإقامة الصّلوات الجامعة حيث اشتملت على مكان رحب مربّع أو مستطيل التّخطيط موجّه نحو القبلة ومزوّد بمحراب ومنبر، ودائما ما كان هذا المكان أكبر أواوين المدرسة واصطلح على تسميته ب «إيوان القبلة». وتأكيد الصلاحيّة المدرسة لوظيفة الصّلاة كانت تشتمل على مآذن أو منارات، كما هو الحال مع المدارس المصرية ومدارس السّلاجقة بآسيا الوسطى التي كانت تشتمل في بعض الأحيان على منارتين (٣)، وتميّزت المآذن الأيّوبية بأنّها ارتقت على البوّابات وأضفت بذلك أهمية خاصّة على هذه البوّابات (المدرسة الصّالحية) (٤). أمّا الوظيفة الأساسية للمدرسة، والتي اشتقّ اسمها منها، فهي: التّدريس؛ حيث خصّصت أواوينها الأربعة لتدريس المذاهب الفقهية السّنّيّة الأربعة، ودائما ما كان يخصّص إيوان القبلة - وهو الإيوان الأكثر اتّساعا - لتدريس المذهب الأكبر أو المذهب الذي يأخذ به أو اشترطه منشئ المدرسة (٥). _________ (١) حسن الباشا: المرجع السابق ٥٥ - ٥٦. (٢) أحمد فكري: المرجع السابق ١٧٠: ١ - ١٧١. (٣) حسن الباشا: المرجع السابق ٥١ - ٥٢. (٤) أحمد فكري: المرجع السابق ١٦٦: ١ - ١٦٧. (٥) حسن الباشا: المرجع السابق ٥٢.

стр. 2407

وما يميّز المدرسة عن الجامع هو توفير أماكن لإقامة الطّلبة وإعاشتهم؛ ويرى أحمد فكري أنّ المدرسة اتّخذت وظيفتها الرّئيسة من كونها أعدّت لسكنى الفقهاء لا من قاعات التّدريس والمدرّسين (١). وقد ساعدت هذه الوظيفة في رأي حسن الباشا على ظهور الطّراز المحوري وعلى إبدال أروقة المساجد بأواوين المدرسة؛ لأنّ الإيوان لا يشغل جانب الفناء كلّه، ومن ثم كان من الممكن بناء مساكن الطّلبة بين الأواوين وحول أركان الفناء. كما أنّ الإيوان، على عكس سقف رواق الجامع المسقوف، كان مرتفعا بحيث يمكن أن يعادل ارتفاع عدّة طوابق من المساكن، وخير مثال على ذلك هو جامع ومدرسة السّلطان حسن بالرّميلة التي احتفظت بجميع معالمها الأصلية تقريبا (٢). وإلى أن ظهرت المدرسة في العمارة القاهرية كان الجامع لا يلحق به مدفن، لا للمنشئ ولا لغيره (٣)، ثم بدأت القباب تلحق بالمدارس وأقدم أنموذج لها هو «القبّة المنصورية» الملحقة بمدرسة المنصور قلاوون بالنّحّاسين بشارع المعزّ لدين اللّه (فيما يلي ٥١٦). وكما رأينا فإنّ المقابر التي تعلوها «قبّة» عرفت في مصر قبل هذا التاريخ، ويرجع أقدمها إلى العصرين الإخشيدي والفاطمي: «مشهد آل طباطبا (٣٣٤ هـ/ ٩٤٣ م) و «القباب السّبع» (٤٠٠ هـ/ ١٠٠٩ م) و «المشهد الجيوشي» (٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م)، و «قبّة يونس السّعدي (قبّة بدر الجمالي)» (٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م). وأخذ نمط القبّة التي تعلو القبر في الانتشار في العصر الأيّوبي مع «قبّة الإمام الشّافعي» (٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م)، و «قبّة الصّالح نجم الدّين أيّوب» (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م)، و «قبّة شجر الدّرّ» (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م). وهي عبارة عن منشآت مربّعة الشّكل تعلوها رقبة مثمّنة ترتكز عليها قبّة بيضويّة الشّكل ذات جدار رقيق تفتح فيه ثمانية شبابيك مستطيلة. أمّا في العصر المملوكي فألحقت هذه القباب بالمدارس، وكانت تتّجه دائما تجاه القبلة - الأمر الذي يفسّر سبب بناء أغلب هذه المدارس على الجانب الغربي للشّارع الأعظم أو القصبة (القبّة المنصورية - المدرسة النّاصرية - المدرسة الظّاهرية الجديدة) وزاد ارتفاعها عن _________ (١) أحمد فكري: مساجد القاهرة ١٦٠: ٢، ١٦٣، وخصائص عمارة القاهرة في العصر الأيوبي ١٨٣ - ١٨٧. (٢) حسن الباشا: المرجع السابق ٥٥. (٣) انظر فيما تقدم ٤٢ *.

стр. 2408

طريق رفع الرّقبة المثمّنة وأصبحت كلّ مدرسة أو خانقاه ملحقا بها قبّة لدفن منشئها وأحيانا عائلته (١) (فيما يلي ٦٧٣، ٦٨٠، ٧٣٢). وامتازت مدارس العصر المملوكي البحري بضخامة البناء وارتفاعه ومساحته الكبيرة؛ أمّا في العصر الشّركسي فاعتمد المهندسون أيضا النّظام المتعامد Cruciform Plan في بناء المدارس ولكنّهم لجأوا - نظرا لظروف المكان - إلى تصغير مساحة الصّحن وتغطيته، ونتج عن ذلك صغر واجهاته واتّساع فتحات الإيوانات المطلّة عليه. وللاحتفاظ بمساحة مناسبة للمدرسة قام المهندسون بتوسيع إيوان القبلة والإيوان المقابل له فقط بالامتداد بهما من جانبيهما بشكل لا يتّضح من الصّحن ولكن يدركه فقط من يدخل إلى هذين الإيوانين لأنّ واجهتيهما المطلّتين عليه لا تنبئان باتّساعهما الحقيقي (٢). وأدّى هذا التّطوّر الذي لحق تلك الكتل المعمارية إلى تغيير الأسماء المطلقة عليها والتي عبّرت عنه «حجج الأوقاف» التي تصف هذه المدارس. فأطلقت الحجج على الإيوانين الجانبيين لفظ «السّدلّة» (٣) أو «المرتبة»، كما أطلق على الصّحن - الذي جاء منخفضا عن الإيوانات بمقدار ٠، ٢٥ من المتر - لفظ «الدّورقاعة» (وهو تعبير فارسي معناه الجزء المنخفض من القاعة)، وهي نفس المصطلحات التي أطلقت على تنظيم القاعة في الدّور المملوكية. وعلى ذلك فقد أصبح النّظام المتعامد للمدارس في العصر المملوكي الشّركسي يتكوّن من دور قاعة وسطى مغطّاة، وبكلّ من جانبيها الجنوبي الشّرقي والشّمالي الغربي إيوان كبير، وبجانبيها الشّمالي الشّرقي والجنوبي الغربي سدلّتان أو مرتبتان (٤). _________ (١) راجع، Kessler، Chr.، «Funerary Architecture Within the City»، cihc، pp. ٢٥٧ - ٦٧; id.، The Carved Masonry Domes of Mediaeval Cairo، AUC ١٩٧٦; Diez، E.، El ٢ art. Kubbav، pp. ٢٨٨ - ٩٦؛ محمد حمزة الحداد: القباب في العمارة المصرية الإسلامية، القاهرة ١٩٩٣. (٢) Hautecoeur&Wiet، Les Mosquees du Caire، p. ١٠٣؛ محمد حمزة الحداد: القباب في العمارة المصرية الإسلامية، القاهرة ١٩٩٣. (٢) Hautecoeur & Wiet، Les Mosquees du Caire، p. ١٠٣؛ محمد مصطفى نجيب: «نظرة جديدة على النظام المعماري للمدارس المتعامدة وتطوره خلال العصر المملوكي الجركسي»، مجلة كلية الآثار - جامعة القاهرة ٢ (١٩٧٨)، ١٩؛ سعاد ماهر: مساجد مصر ١٩: ٤. (٣) السّدلّة أو السّدلاّ. لفظ فارسي معرّب، أصله بالفارسية: سهدله. عبارة عن بناء مغلق من ثلاثة جوانب ومفتوح من الجانب الرابع. وورد هذا المصطلح في أوراق الجنيزة وحجج الأوقاف كذلك بمعنى مصطبة من الحجر بارتفاع نصف قدم، أو موضع استراحة ترتفع فيه الأرض بانتظام ومتساوية العمق والعرض، مفروشة بمساند وملاءات على جانب أو اثنين متقابلين من جوانبها، وعادة ما ينطبق هذا الوصف على قاعات الدّور والقصور. (مقدّمة كتاب نزهة المقلتين لابن الطّوير ٩٧ *- ٩٨ *). (٤) مصطفى نجيب: المرجع السابق ٢٠؛ سعاد ماهر: -

стр. 2409

ووجدت في العصر المملوكي منشآت اتّبع في تخطيطها التّخطيط المتعامد ذو الإيوانات، ومع ذلك وصفت في نقوشها الإنشائية بأنّها جوامع، مثل جامع جاني بك (فيما يلي ٣٥٦) الذي يرى فان برشم أنّ إطلاق اسم الجامع في نصّ إنشائي على هذا التّخطيط تطوّر مهمّ يدلّ على أنّ الأسماء كانت تحدّد وظيفة البناء لا طرازه المعماري الذي بني عليه (١). كذلك لم يكن وجود أربعة إيوانات ببناء المدرسة دليلا على أنّه يدرّس بها أربعة دروس مختلفة، سواء الفقه بمذاهبه الأربعة أو الفقه إلى جانب علوم الحديث والقراءات، ف «المدرسة الملكيّة» التي أنشأها الأمير آل ملك الجوكندار تجاه داره بخطّ المشهد الحسيني كانت مخصّصة فقط للفقهاء الشّافعية (فيما يلي ٥٧١)، كما خصّصت «المدرسة المهمنداريّة» الموجودة بشارع التّبّانة لتدريس المذهب الحنفي فقط (فيما يلي ٦١٢)، أمّا «المدرسة السّابقيّة» الموجودة بدرب قرمز فكان بها فقط درس للشّافعية وتصدير قراءات (فيما يلي ٥٨٠). ويؤيّد رأي كريزويل Creswell في تأثّر عمارة المدارس القاهريّة ذات الأواوين بنظام القاعة المصرية، سهولة تحويل بعض القاعات القديمة إلى مدارس. فتوجد في القاهرة مدرستان تحملان نقوشا تاريخية تدلّ على أنّها كانت في الأصل «قاعات»، هي: المدرسة الغنّاميّة [أثر رقم ٩٦] التي كانت في الأصل قاعة تعرف ب «قاعة شاكر بن الغنّام» أنشئت سنة ٧٧٤ هـ/ ١٣٧٢ م (٢)، ومدرسة خشقدم الأحمدي [أثر رقم ١٥٣]، التي كانت في الأصل قصر طشتمر الدّوادار الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى سنة ٧٦٨ هـ/ ١٣٦٧ م، ولكن تاريخ تحويلهما إلى مدرسة تاريخ متأخّر، فقد تحوّلت الأولى نحو سنة ٨٢٧ هـ/ ١٤٢٣ م، والثانية نحو سنة ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م، وكان التّحويل بالطّبع سهلا، حيث اكتفي بنقب محراب في إيوان القبلة وبناء مئذنة، وهما أهمّ خاصّيّتين تميّزان المدرسة القاهرية. وأشار المقريزي نفسه إلى أنّ «المدرسة الشّريفيّة» بحارة بهاء الدّين، كانت في الأصل قاعة يسكنها الشّريف شهاب الدّين الحسن بن محمد المعروف بابن قاضي العسكر، ثم جعلها مدرسة للشّافعية وجعل بها تصدير قراءات (فيما يلي ٦٧٧). وتميّزت المدارس التي أنشئت في العصر المملوكي البحري وصدر العصر الشّركسي، ب «المداخل التّذكارية» الضّخمة، والتي من أهمّها: مدخل جامع ومدرسة السّلطان حسن _________ = المرجع السابق ١٩ - ٢٠. (١) van Berchem، M.، CIA Egypte I، n ٠٢٤٨؛ حسن عبد الوهاب: تاريخ المساجد الأثرية ٢٢٠. (٢) فيوجد بدائر إيوان القاعة كتابة تاريخية تحمل -

стр. 2410

بالرّميلة (فيما يلي ٢٧٣ - ٢٧٥) الذي يعدّ بمقرنصاته التي تحلّي أعلى المدخل طرفة أثريّة رائعة، رغم أنّ أكثر زخارفه وتلبيسات الرّخام التي كان مزمعا إضافتها لم تتمّ بسبب وفاة منشئه قبل إتمام بنائه؛ ومدخل مدرسة أمّ السّلطان شعبان بشارع باب الوزير (فيما يلي ٦٢٣) ويظهر فيه تأثّر مهندسه بالعمائر السّلجوقية التي تعنى بزخرفة المداخل؛ ومدخل مدرسة وخانقاه الظّاهر برقوق ببين القصرين (فيما يلي ٦٨٣)، وهو مدخل مكسو بالرّخام الملوّن الملبّس بطريقة فنّيّة وبه شبّاك مستدير مفرّغ بالنّحاس يعلوه المقرنص تتخلّله فروع زخرفية؛ ومدخل جامع المؤيّد شيخ داخل باب زويلة (فيما يلي ٣٣٥)، وهو مدخل شاهقّ كسي بالرّخام الملوّن وغطّي بالمقرنصات (١). كما امتازت «منابر» هذه الفترة، سواء الخشبيّة أو الحجريّة (الرّخامية)، بدقّة صناعتها ودقّ حشواتها وقوائمها وجانبا سلّمها بالأويمة الدّقيقة البالغة الإتقان التي انتشرت بها أشكال الأرابيسك والأطباق النّجميّة، واستخدام المقرنصات في أعلى مدخل الباب المؤدّي إلى سلالم المنبر. وتعدّ منابر العصر المملوكي البحري أقدم المنابر التي وصلت إلينا في مصر الإسلامية - بإستثناء منبر جامع قوص الذي شيّده الصّالح طلائع سنة ٥٥٠ هـ/ ١١٥٥ م (٢) - وأصبحت هي الأنموذج الذي اتّبعته سائر منابر المساجد الجامعة في مصر بعد ذلك. وأقدم هذه المنابر التي وصلت إلينا: المنبر الذي عمله المنصور حسام الدّين لاجين لجامع ابن طولون سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م (فيما يلي ٦٩). وقد ظلّ هذا المنبر حتى سنة ١٨٤٥ م حين شاهده المستر جيمس ويلد، أمين متحف سوان بلندن، ورسمه رسما دقيقا يتّضح منه أنّه كان يحتوي في كلّ جانب على شكل هندسي دائري كبير في وسطه نجمة تحيط به ثمان حشوات كبيرة مثمّنة تتبادل بين نجوم وأشكال عربية، وعلى السّلّم وأسفله أنصاف من أربعة أشكال من الرّسم _________ = النّصّ الآتي: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم - الآيات ٢٥٦ - ٢٥٨، ٢٨٤، سورة البقرة - أمر بإنشاء هذه القاعة المباركة العبد الفقير إلى اللّه شاكر بن الغنّام - غفر اللّه له - بتأريخ شهور سنة أربع وسبعين وسبع مائة» Kallus، L.، RCEA n ٠) (٧٧٤ ٠٠٣، ٧٧٤ ٠٠٤. (١) راجع لتفاصيل أكثر رسالة هيلاري روي Roe، H.، The Bahri Mamluk Monumental Entrances of Cairo، Ph.D.Thesis AUC ١٩٧٩ L ٢؛ ورسالة داد عبد الرازق Abdel Razik، D.، The Circassian Mamluk Monumental Entrances of Cairo، Ph.D.Thesis AUC ١٩٩٠؛ ورسالة محمد سيف النصر أبو الفتوح: مداخل العمائر المملوكية الدينية والمدنية بالقاهرة من ١٢٥٠ - ١٣٨٢، رسالة ماجستير بآداب القاهرة ١٩٧٥. (٢) انظر Pauty، E.، «Minbar de Qus»، Melanges Maspero، Le Caire ١٩٤٠، III، pp. ٤١ - ٤٨.

стр. 2411

نفسه؛ ثم امتدّت إليه الأيدي ونزعت منه حشواته المتّخذة من السّاج الهندي (التك) والعظم والأبنوس، اشترى منها متحف سوث كينسينجتون (متحف فكتوريا وألبرت بلندن الآن) ستّ حشوات مستطيلة من الخشب وتوزّع الباقي على سائر متاحف أوروبا إلى أن تمكّن هرتز باشا Herz Pacha من الحصول على بعضها وصنع نماذج لبعضها الآخر من صور حصل عليها، وأعاد المنبر إلى أصله بمساعدة الرّسم الذي وضعه المستر جيمس ويلد (١). والثّاني هو منبر معاصر عمله الأمير بكتمر الجو كندار سنة ٦٩٩ هـ/ ١٢٩٩ م لجامع الصّالح طلائع خارج باب زويلة (فيما يلي ١٧١). ثم منبر جامع قوصون بالشّارع خارج باب زويلة ويرجع تاريخه إلى سنة ٧٢٩ هـ/ ١٣٢٩ م، وهو محفوظ الآن بمتحف الفنّ الإسلامي بالقاهرة برقم ١٠٩٢. ويحتفظ المتحف نفسه تحت رقم ٢٩٨٣ بالقسم العلوي من مدخل المنبر الحجري لجامع الخطيري ببولاق، الذي شيّد سنة ٧٣٧ هـ/ ١٣٣٧ م (فيما يلي ٢٥٢). أمّا أقدم منبر رخامي ما زال موجودا من هذه الفترة فمنبر جامع آقسنقر بباب الوزير وهو مؤرّخ في سنة ٧٤٨ هـ/ ١٣٤٧ م (فيما يلي ٢٤٥)، ويليه منبر جامع ومدرسة السّلطان حسن وتاريخه سنة ٧٥٧ - ٧٦٤ هـ/ ١٣٥٦ - ١٣٦٣ م (فيما يلي ٢٨٥) (٢). أمّا «محاريب» مساجد القاهرة ومدارسها فإنّ أقدم أنموذج مؤكّد لها هو المحراب المجوّف الموجود بجامع أحمد بن طولون (فيما يلي ٦٩)، ما عدا كسوة طاقيته الخشبيّة والمزخرفة بالألوان، وكذلك الشّريط المزخرف بالفسيفساء والحشوات والأشرطة الرّخامية التي تغطّي سطح تجويف المحراب، فإنّها من عمل السّلطان المنصور لاجين سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٦ م. ووصل إلينا أيضا المحراب الفاطمي للجامع الأزهر (فيما يلي ٩٢) والمحراب الأصلي لجامع الحاكم بأمر اللّه (فيما يلي ١١٣). وانتشر في العصر الفاطمي كذلك نوعان آخران من المحاريب: المحاريب المسطّحة من الجصّ، والتي نجد نماذج لها في جامع ابن طولون (فيما يلي ٧٣)، والمحاريب الخشبية المتنقّلة التي يحتفظ متحف الفنّ الإسلامي بالقاهرة بنماذج لها استقدمت من الجامع الأزهر ومشهد السّيّدة _________ (١) محمود عكوش: تاريخ ووصف الجامع الطولوني، القاهرة ١٩٢٧، ٩٥ - ٩٨. (٢) راجع لتفاصيل أكثر رسالة جلوريا كارنوك Karnouk، G.، Cairene Bahri Mamluk Minbars with a Provisional Typology and a Catalogue، AUC Thesis ١٩٧٧؛ وقدّمت لها عرضا موجزا في مقال بعنوان Karnouk، G.S.، «Form and Ornament of the Cairene Bahri? Minbar»، An.Isl.XVII (١٩٨١)، pp. ١١٣ - ٣٩؛ نعمت محمد أبو بكر: المنابر الخشبية في مصر حتى نهاية العصر المملوكي، رسالة ماجستير بكلية الآداب - جامعة القاهرة ١٩٦٨، نفسه: المنابر في مصر في العصرين المملوكي والتركي - دراسة أثرية فنية، رسالة دكتوراه بآثار القاهرة ١٩٨٦.

стр. 2412

نفيسة ومشهد السّيّدة رقيّة (فيما يلي ٨٤١، ٨٦٢). ولكن المحاريب التي خلّفها لنا العصر المملوكي هي دون شكّ أروع محاريب مساجد ومدارس القاهرة التي استخدم فيها الرّخام الملوّن والصّدف بأسلوب فنّي رائع. وأقدم وأفخم هذه المحاريب - التي وصلت إلينا - محراب القبّة المنصوريّة ببين القصرين (فيما يلي ٥٢١)، ومحراب المدرسة الطّيبرسية بجوار الجامع الأزهر الذي لفت انتباه المقريزي وذكر أنّه من الرّخام المذهّب وجميعه شكل المحاريب، وبالفعل فإنّ صناعة الرّخام في محراب هذه المدرسة من أدقّ ما وجد من نوعها وأندره، فالجزء الأسفل منه مكوّن من طاقات مقرنصة محمولة على عمد رخامية صغيرة لها تيجان رخامية أيضا وتواشيحها من رخام مدقوق به فروع زخرفية بارزة، وباقي المحراب من رخام أبيض لبّست فيه ألوان الرّخام بأشكال زخرفية وخلّيت تواشيحه وأعلاه بفسيفساء مذهّبة (فيما يلي ٥٣٩). ولا يقلّ عنها فخامة محراب المدرسة الآقبغاوية (فيما يلي ٥٤٣) ومحراب جامع ومدرسة النّاصر حسن (فيما يلي ٢٨٧) ومحراب جامع آقسنقر (فيما يلي ٢٤٥) ومحراب جامع المارديني (فيما يلي ٢٣١) ومحراب المدرسة الظّاهرية برقوق (فيما يلي ٦٨٧) ومحراب الجامع المؤيّدي (فيما يلي ٣٣٩) (١). *** كانت القاهرة خلال القرنين الثّامن والتّاسع للهجرة/ الرابع عشر والخامس عشر للميلاد مدينة عامرة بالمنشآت المتنوّعة مثل الدّور والقصور والوكالات والحمّامات، ولكنّ أهمّ هذه المنشآت كان دون شك المنشآت الدّينية؛ من جوامع ومدارس وخوانك وربط، التي اختصّت باستضافة الطّلبة والمدرّسين والمتصوّفة، ولتكون منتدى لفصول العلم ومكانا لنقل المعرفة من جيل إلى جيل. كانت القاهرة في حقيقة الأمر - كما سبق أن ذكرت - أشبه بمدينة جامعيّة (فيما تقدم ٣: ٦٣ *) أو مدينة للمدارس والخوانك؛ وقد عبّر عن ذلك بوضوح العلاّمة عبد الرّحمن بن خلدون في «المقدّمة» وفي «التّعريف»، يقول في «المقدّمة» وهو يذكر تراجع دور مراكز العلم القديمة في بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة: _________ (١) راجع كذلك حسين مصطفى رمضان: المحاريب الرّخامية في قاهرة المماليك البحرية - دراسة أثرية فنية، رسالة ماجستير بآثار القاهرة ١٩٨٢.

стр. 2413

«ونحن لهذا العهد نرى أنّ العلم والتّعليم إنّما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أنّ عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف من السّنين فاستحكمت فيها الصّنايع وتفنّنت، ومن جملتها تعليم العلم. وأكّد ذلك فيها وحفظه ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السّنين في دولة التّرك من أيّام صلاح الدّين بن أيّوب وهلم جرّا … فاستكثروا من بناء المدارس والزّوايا والرّبط ووقفوا عليها الأوقاف المغلّة … فكثرت الأوقاف لذلك وعظمت الغلاّت والفوائد وكثر طالب العلم ومعلّمه بكثرة جرايتهم منها؛ وارتحل إليها النّاس في طلب العلم من العراق والمغرب ونفقت بها أسواق العلوم وزخرت بحارها» (١). وأكدّ ذلك في «التّعريف»، يقول في وصف المماليك حكّام مصر والشّام: «أهل هذه الدّولة التّركية بمصر والشّام معنيّون - على القدم منذ عهد مواليهم ملوك بني أيّوب - بإنشاء المدارس لتدريس العلم، والخوانق لإقامة رسوم الفقراء في التّخلّق بآداب الصّوفيّة السّنّيّة في مطارحة الأذكار ونوافل الصّلوات، أخذوا ذلك عمّن قبلهم من الدّول الخلافيّة فيختطّون مبانيها ويقفون الأراضي المغلّة للإنفاق منها على طلبة العلم ومتدرّبي الفقراء … واقتدى بسنّتهم في ذلك من تحت أيديهم من أهل الرّياسة والثّروة، فكثرت المدارس والخوانق بمدينة القاهرة وأصبحت معاشا للفقراء من الفقهاء والصّوفيّة، وكان ذلك من محاسن هذه الدّولة التّركية وآثارها الجميلة الخالدة» (٢). ويصف لنا المقريزي - في الفصل الذي عقده لذكر المدارس مئة مدرسة يعمل بعضها منذ القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وبعضها الآخر كان معطّلا وقت تدوينه لكتابه أو أنهي دوره قصدا مثل «المدرسة الأشرفيّة المستجدّة» التي بناها السّلطان الأشرف شعبان فوق _________ (١) ابن خلدون: المقدمة، تحقيق علي عبد الواحد وافي، القاهرة، ١٠٢٥: ٣. (٢) ابن خلدون: التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة ١٩٥١، ٢٧٩.

стр. 2414

الصّوّة في مواجهة القلعة (فيما يلي ٦٦١) والتي حلّ محلّها الآن أطلال المارستان المؤيّدي (فيما يلي ٧٠٢)، والتي هدمت بسبب تحصّن المتمرّدين بها ضد مركز الحكم في القلعة. ومع ذلك فقد تجاهل المقريزي ذكر بعض المدارس المهمّة التي عاصر إنشاءها مثل: المدرسة التي شيّدها منافسه المؤرّخ المحدّث بدر الدّين محمود بن أحمد العيني، المتوفى سنة ٨٥٥ هـ/ ١٤٥١ م، بجوار داره ودار ابن الغنّام خلف الجامع الأزهر، والتي افتتحت سنة ٨١٤ هـ/ ١٤١٢ م (١)، ومدرسة الأمير بكتمر الحاجب النّاصري، المتوفى سنة ٧٢٩ هـ/ ١٣٢٩ م (٢)، وبعض مدارس الفسطاط التي ذكرها ابن دقماق. ولاحظ Jonathan Berkey، في دراسته المهمّة عن «نقل المعرفة في القاهرة الإسلامية»، أنّ مثل هذه الثّغرات الواقعة في عمل المقريزي تمثّل عقبة أوّليّة لأيّة محاولة لرسم لوحة تفصيلية للمؤسّسات التّعليمية في القاهرة، على الأخصّ في القرنين الثامن والتاسع للهجرة/ الرابع عشر والخامس عشر للميلاد (٣). كما أنّ المقريزي نفسه ذكر في الباب الذي خصّصه لذكر الجوامع عددا من المدارس مثل «المدرسة الفخريّة» التي ذكرها باسم «جامع الفخري» (فيما يلي ٣٣١)، و «المدرسة الأشرفيّة» التي ذكرها باسم «الجامع الأشرفي» (فيما يلي ٤٣٨). وواضح من خلال ما ورد في «كتب الحوليّات» أنّ مدارس القاهرة المبكّرة لم يكن بها منابر ولا تقام بها الجمع، خاصّة وأنّ المذهب الشّافعي الذي أخذ به الأيّوبيّون لم يكن يجيز إقامة خطبة الجمعة إلاّ في جامع واحد في المدينة، كان طوال العصر الأيّوبي هو «جامع الحاكم» عند باب الفتوح، واستمرّ الأمر كذلك حتى العقود الأولى من القرن الثّامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي (فيما تقدم ٥٧: ٣). فيذكر المقريزي في حوادث سنة ٧٣٠ هـ/ ١٣٣٠ م أنّ الأمير جمال الدّين آقوش نائب الكرك جمع القضاة والفقهاء ليستفتيهم في جواز عمل منبر بالمدرسة الصّالحيّة بين القصرين لإقامة الجمعة بها، فأفتوه بجواز ذلك، فرتّب بها خطيبا _________ (١) الصيرفي: نزهة النفوس والأبدان ٢٩٠: ٢؛ Ibrahim، L & O'Kane، B.، «The Madrasa of Badr al-Din al-Ayni and its Tiled Mihrab»، An.Isl.XXIV (١٩٨٨)، pp. (٢) ابن حبيب: تذكرة النبيه ١٩٨: ٢. (٣) Berkey، J.، The Transmission of Knowledge in Medieval Cairo.A Social History of IslamicL ٢ Education، Princeton ١٩٩٢، p. ٤٦؛ وقد لاحظ Berkey أيضا أن المقريزي لم يشر إلى عدد من المدارس المعروفة في وقته أو أشار إليها عرضا في أثناء كتابه، ولكني وجدت أن أغلب هذه المدارس أوردها المقريزي في المسوّدة، وأثبّتها بدوري في هذه النّشرة؛ وانظر فيما يلي ١٤٩ *- ١٥٠ *.

стр. 2415

وستة مؤذّنين وقارئا يقرأ القرآن ووقف على ذلك وقفا من ماله على الحكر الذي بالحسينية المعروف به. وأقيمت الخطبة بالمدرسة يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الأوّل من السنة المذكورة (١) (فيما يلي ٤٩٠). ولكن عند ما قصد الأمير ألجاي اليوسفي، سنة ٧٧٤ هـ/ ١٣٧٢ م، أن يجدّد ب «المدرسة المنصورية» بين القصرين منبرا ويقرّر بها خطيبا لتقام بها الجمعة، أفتى القاضي سراج الدّين البلقيني الشّافعي والقاضي شمس الدّين محمد بن الصّائغ الحنفي بجواز ذلك، وأنكره من عداهما من الفقهاء؛ «لقرب المدرسة الصّالحيّة وبها خطبة للجمعة بحيث يرى من المنصوريّة منبر الصّالحيّة». وأضاف المقريزي أنّ الكلام كثر في ذلك، ممّا أدّى إلى عقد مجلس يوم السبت ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤ هـ، اجتمع فيه القضاة والفقهاء بالمدرسة المنصوريّة لمناقشة هذا الأمر، فجرى بينهم نزاع طويل آل أمره إلى المنع من تجديد الخطبة (٢). كذلك فقد استجدّ القاضي علم الدّين إبراهيم بن الزّبير ناظر الدّولة في أيّام الملك النّاصر حسن، في سنة ٧٥٨ هـ/ ١٣٥٧ م، منبرا ب «المدرسة الصّاحبيّة» بسويقة الصّاحب، «فصار يصلّى بها الجمعة … ولم يكن قبل ذلك بها منبر ولا تصلّى فيها الجمعة» (فيما يلي ٤٧٧). وعند ما أنشأت خوند تتر الحجازية المدرسة الحجازية برحبة باب العيد «جعلت بها منبرا يخطب عليه يوم الجمعة» (فيما يلي ٥٣١). ومع ذلك فإنّه مع إنشاء «المدرسة الزّماميّة» فيما بين البندقانيين وسويقة الصّاحب سنة ٧٩٧ هـ/ ١٣٩٤ م «جعل بها منبر يخطب عليه في كلّ يوم جمعة» رغم أنّ «بينها وبين المدرسة الصّاحبيّة دون مدى الصّوت فيسمع كلّ من صلّى بالموضعين تكبير الآخر»؛ وعلّق المقريزي على ذلك بقوله: «وهذا وأنظاره بالقاهرة من شنيع ما حدث في غير موضع، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم على إزالة هذه المبتدعات!» (فيما يلي ٥٨٥). وتكرّر الشيء نفسه في مطلع القرن التاسع الهجري، ففي سنة ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م «جدّد بمدرسة أسنبغا منبرا وصار يقام بها الجمعة» (فيما يلي ٥٦٤)، ونصب بمدرسة قاني باي المحمّدي بخطّ سويقة منعم منبر للخطبة في يوم الجمعة (فيما يلي ٦٧٠). _________ (١) مجهول المؤلف: تاريخ سلاطين المماليك ٢٢٦؛ النويري: نهاية الأرب ٣٠١: ٣٣ - ٣٠٢؛ المقريزي: السلوك ٣١٧: ٢. (٢) المقريزي: السلوك ٢٠٦: ٣.

стр. 2416

وكما شاركت المدارس المساجد الجامعة في إقامة الجمع، فإنّ الجوامع استمرّت أيضا في عقد مجالس العلم والتّدريس، وعلى الأخصّ الجامع الأزهر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون، وجامع عمرو. ف «الجامع الأزهر»، رغم انقطاع الخطبة منه طوال العصر الأيّوبي، لم يفقد أبدا مكانته باعتباره جامع المدينة. وعند ما جدّد المنصور لاجين جامع ابن طولون، سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٧ م، «رتّب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة … ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، ودرسا لحديث النّبي ﷺ ، ودرسا للطّبّ» (فيما يلي ٦٩). وفعل الشيء نفسه الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير عند ما انتدب لإصلاح «جامع الحاكم» في أعقاب زلزال سنة ٧٠٢ هـ/ ١٣٠٢ م، «فرتّب فيه دروسا أربعة لإقراء الفقه على مذاهب الأئمّة الأربعة ودرسا لإقراء الحديث النّبوي، وجعل لكلّ درس مدرّسا وعدّة من الطّلبة» (فيما يلي ١١٤). كذلك فقد قام الأمير يلبغا العمري الخاصّكي بتجديد درس بجامع ابن طولون، سنة ٧٦٧ هـ/ ١٣٦٥ م، فيه سبعة مدرّسين للحنفيّة، وقرّر لكلّ فقيه من الطّلبة في الشهر أربعين درهما وأردبّ قمح، الأمر الذي أدّى إلى انتقال جماعة من الشّافعية إلى مذهب الحنفيّة» (فيما يلي ٧٩). وبلغت حلقات العلم في «جامع عمرو»، في أواسط القرن الثّامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي «بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح عنه» (فيما يلي ٣٧). وبذلك أصبحت بعض المساجد الجامعة مراكز تعليمية مهمّة تعادل أيّة مدرسة مملوكية أخرى. فقد ظلّت هذه الجوامع مراكز التّعليم في مصر قرونا قبل ظهور المدرسة، حيث كان الجامع هو المكان العامّ الوحيد للتّعليم، وكان العلماء يدرّسون فيه سواء بمقابل أو بدون مقابل، واستمرّ كذلك خلال القرنين السّادس والسّابع للهجرة/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد عند ما بدأت «المدرسة» تستقرّ في العاصمة المصرية. ولم يكن من الممكن لوظيفة المدرسة أن تستمرّ دون الاعتماد على نظام «الوقف» أو «الأحباس»، فكان ريع الأوقاف هو المصدر المالي الرّئيس للصّرف على وظيفة المدرسة من رواتب للفقهاء والشّيوخ ومعاليم للطّلبة. إضافة إلى ما يقدّم من أشياء عينيّة تعين على إعاشة الطّلبة وشيوخهم، وبالتالي فإنّ النّشاط التّعليمي الواسع الذي عرفته مدارس القاهرة والأقاليم في العصر المملوكي هو في الحقيقة نتاج طبيعيّ لازدهار الأوقاف وانتشارها في هذا العصر (١). _________ (١) ابن خلدون: المقدمة ١٠٢٥: ٣، التعريف ٢٧٩؛ محمد محمد أمين: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر ٢٤٢.

стр. 2417

وكان انقطاع وصول مغلّ أوقاف المدرسة مدعاة لتوقّف النّشاط التّعليمي للمؤسّسة. فعندما قرّر الأمير آقسنقر النّاصري درسا في جامعه بباب الوزير فيه عدّة من الفقهاء، وقف عليه ضيعة من قرى حلب تغلّ في السنة مائة وخمسين ألف درهم فضّة، فلمّا توقّف وصول مغلّ وقف الجامع بسبب الفتن التي حدثت ببلاد الشّام في أعقاب وفاة الظّاهر برقوق، «تعطّل الجامع من أرباب وظائفه إلاّ الأذان والصّلاة وإقامة الخطبة في الجمع والأعياد» (فيما يلي ٢٤٠). كانت حجج الوقف التي يصدرها الواقف لصالح المؤسّسة التي ينشئها بمثابة اللاّئحة الأساسية للمؤسّسة، تتضمّن تحديد مكان المؤسّسة ووصفها المعماري، ونوع الدّراسة التي تتم بها والشّروط الواجب توافرها في القائمين بالتّدريس، ومواعيد الدّراسة وخزانة الكتب الملحقة بالمؤسّسة وعدد الموظّفين الملحقين بها من خطباء وقومة ومؤذّنين وفرّاشين … ، وعدد المدرّسين لكلّ مذهب، وعدد الطّلبة الحاضرين لهذه الدّروس، وعدد المعيدين، ونسبة الطّلبة المقيمين بالمدرسة إلى الطّلبة المتردّدين عليها، والمعلوم الذي يصرف لهم والذي لم يكن موحّدا لجميع الطّلبة (١). شادّ العمائر ولم تكن هذه المنشآت المهمّة التي شيّدها سلاطين المماليك وكبار أمرائهم لتتمّ دون أن يشرف على إدارتها وتنظيم العمل فيها موظّف مختصّ عرف ب «شادّ العمائر». ووظيفة «شدّ العمائر» هي الوظيفة الرّابعة والعشرون بين وظائف أرباب السّيوف في الدّولة المملوكية، وموضوع هذه الوظيفة - كما يقول القلقشندي - أن يكون صاحبها متكلّما في العمائر السّلطانية ممّا يختار السّلطان إحداثه أو تجديده من القصور والمنازل والأسوار والمساجد وغير ذلك. وكان متولّيها في أوّل الأمر أحد أمراء العشراوات، ثم صار يشغلها قوم بغير إمرة (٢). وربّما عاون شادّ العمائر في إنشاء الأماكن المهمّة موظّف آخر يسمّى «ناظر العمارة» كان له الأمر على المهندسين والحجّارين وصنّاع العمائر ونحوهم (٣). وعادة ما كان «شادّ العمائر» يختار من بين العارفين بأمور الهندسة والبناء وذوي الأمانة والعفّة، وكان من بين واجباته الإشراف على أرباب الصّناعات المختلفة في العمائر، وحثّهم في _________ (١) محمد محمد أمين: المرجع السابق ٢٤٢ - ٢٥٠. (٢) القلقشندي: صبح الأعشى ٢٢: ٤؛ ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ١١٥. (٣) van Berchem، M.، CIA Egypte I، p. ٧٤٢؛ حسن الباشا: الفنون الإسلامية والوظائف ٦١٧.

стр. 2418

العمل مع التّرفّق بهم والتّلطّف معهم وتمكينهم من أداء واجباتهم الدّينية كالصّلاة (١). وقد انتقد السّبكي ما يعتمده بعضهم من تسخير البنّائين وإجاعتهم وإعطائهم من الأجرة دون حقّهم، وعدّ استعمالهم فوق طاقتهم من أقبح الحرمات وأشنع الجراءات على اللّه تعالى في خلقه، خاصّة وأنّهم يعتمدونهم في بناء المساجد والمدارس (٢). ومن بين من تولّوا وظيفة «شادّ العمائر» الذين ذكرهم المقريزي: الوزير علم الدّين سنجر الشّجاعي مدبّر الممالك الإسلامية في أيّام السّلطان المنصور قلاوون، فقد كان هو «الشّاد» على عمارة مجموعة قلاوون ببين القصرين (المدرسة والقبّة والمارستان) (فيما يلي ٥١٣، ٦٩٤، ٦٩٨)، وأنجز كذلك عمارة «تربة الصّالح علي» (أمّ السّلطان فاطمة خاتون) بالقرب من المشهد النّفيسي سنة ٦٨٢ هـ/ ١٢٨٣ م (فيما يلي ٥٨٥)، والأمير آق سنقر شادّ العمائر السّلطانية في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، المتوفى سنة ٧٤٠ هـ/ ١٣٣٩ م، الذي تنسب إليه «قنطرة آق سنقر» على الخليج الكبير أمام قبو الكرماني (فيما تقدم ٤٩٢: ٣) و «الجامع» الذي أنشأه بسويقة السّبّاعين على البركة النّاصرية (فيما يلي ٢٣٨)، فهو الذي أشرف على عمارة الطّبلخاناه تحت القلعة سنة ٧٢٢ هـ/ ١٣٢٢ م (فيما تقدم ٦٩٠: ٣). وعندما ذكر المقريزي «جامع قوصون» (فيما يلي ٢٢٣) أشار إلى أنّه «بناه شادّ العمائر» وترك بياضا محلّ اسمه، والأمير صارم الدّين إبراهيم المعروف بشادّ العمائر السّلطانية أحد أمراء الطّبلخانات وصاحب المدرسة الصّارميّة عند قنطرة آق سنقر وشقّ التعبان (فيما يلي ٦٦٧)، وهذا دليل على أنّ كبار الأمراء كان لهم أيضا مشرفون يتولون أمر منشآتهم الكبيرة، أمّا «المدرسة الظّاهريّة الجديدة» التي أنشأها السّلطان الظّاهر برقوق سنة ٧٨٨ هـ/ ١٣٨٦ م، فقد تولّى أمر عمارتها الأمير جهاركس الخليلي أمير آخور (فيما يلي ٦٧٩). وكان يتولّى إعداد تصميم هذه العمائر ورسم مخطّاطتها وقطاعاتها وواجهاتها مجموعة من المهندسين المتخصصين، فيذكر المقريزي أنّ المهندس الذي عهد إليه أحمد بن طولون بتصميم جامعه أعدّ تخطيطا للجامع على الجلود ابتكر فيه تصميم الجامع بلا عمد إلاّ عمودي القبلة (فيما يلي ٥٩)، أي أنّه استعاض عن الاستعانة بالأعمدة التي كانت تجلب من الكنائس بعمل الدّعامات المصنوعة من الأجر والتي تحمل سقف المسجد. وعند ما تحدّث المقريزي على بناء مئذنة المدرسة _________ (١) حسن الباشا: المرجع السابق ٦١٧. (٢) السبكي: معيد النعم ١٢٩.

стр. 2419

الآقبغاوية الملحقة بالجامع الأزهر قال: «بناها هي والمدرسة، المعلّم ابن السّيوفي رئيس المهندسين في الأيّام النّاصرية، وهو الذي تولّى بناء جامع المارديني خارج باب زويلة وبنى مئذنته أيضا» (فيما يلي ٥٤٢). وليس ببعيد أن يكون المعلّم ابن السّيوفي هو الذي أشرف على بناء الكثير من العمائر المنشأة في دولة النّاصر محمد بن قلاوون. وتولّى بناء «المدرسة الظّاهرية الجديدة» ببين القصرين المعلّم شهاب الدّين أحمد بن الطّولوني المهندس (فيما يلي ٦٨٦)، وهو مهندس ابن مهندس من أسرة اشتغلت بالعمارة وقامت بأعمال معمارية هامّة في مصر والحجاز، يقول أبو المحاسن: كان معلّم السّلطان ومهندسه وشادّ عمائره، ثم تزوّج السّلطان الظّاهر برقوق بأخته أو بنته، فنال بمصاهرة السّلطان السّعادة وأثرى وصار من ذوي الرّئاسة، وتوجّه إلى عمائر مكة غير مرّة آخرها في سنة ٨٠١ هـ، وتوفي عند عودته في صفر من هذا العام، ودفن بالمعلاة من مكة (١). ومن خلال الكتابات المنقوشة على قاعدتي مئذنتي جامع المؤيّد شيخ فوق بدنتي باب زويلة نعرف أنّهما من «عمل العبد الفقير إلى اللّه تعالى محمد بن القزّاز» وكان الفراغ من عمل المئذنة الشرقية في أوّل رجب سنة ٨٢٢ هـ، والمئذنة الغربية في شهر شعبان سنة ٨٢٣ هـ (٢) (فيما يلي ٣٤٦ - ٣٤٧ هـ (٢)). وأطلق القلقشندي على من يتولّى ترتيب العمائر وتقديرها ويحكم على أرباب صناعاتها لقب «مهندس العمائر» (٣). *** ومن أهمّ ما يميّز «المدرسة» وجود «المكتبة»، فقد حلّت «مكتبات المدارس» أو «خزائن الكتب»، وعلى الأخصّ في العصر المملوكي، محلّ خزائن كتب الخلفاء وخزائن دور العلم والحكمة، يقول القلقشندي - وهو يكتب في مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي -: «أمّا الآن فقد قلّت عناية الملوك بخزائن الكتب اكتفاء بخزائن كتب المدارس التي _________ (١) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٢٨٣: ٢ - ٢٨٤، ٢٩٨: ٩؛ وانظر كذلك ابن الفرات: تاريخ الدول والملوك ١١: ٤٧٧: ٩. (٢) وراجع حول هذا الموضوع مقال حسن عبد الوهاب المهم: «توقيعات الصّنّاع على آثار مصر الإسلامية»، مجلة المجمع العلمي المصري BIE ٣٦ (١٩٥٣ - ١٩٥٤)، ٥٣٣ - ٥٥٨. (٣) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٦٧: ٥.

стр. 2420

ابتنوها من حيث إنّها بذلك أمسّ» (١). فاشتملت أغلب مدارس القاهرة التي أنشئت في العصر المملوكي على خزائن للكتب مثل: المدرسة الظّاهرية العتيقة والمدرسة النّاصرية محمد بن قلاوون والمدرسة الحجازيّة والمدرسة الطّيبرسيّة والمدرسة المنكوتمريّة والمدرسة الملكية والمدرسة السّابقيّة والمدرسة البشيرية والمدرسة المحمودية ومدرسة ألجاي اليوسفي ومدرسة أمّ السّلطان شعبان والقبّة المنصورية (٢). وقد وصف النّويري، المتوفي سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٣ م، خزانة القبّة المنصورية بأنّ بها «من الختمات الشّريفة والرّبعات المنسوبة الخطّ وكتب التّفسير والحديث والفقه واللّغة والطّبّ والأدبيّات ودواوين الشّعراء شيء كثير»؛ وأنّه رتّب لخازن كتبها في كلّ شهر أربعون درهما (٣). وذكر المقريزي - الذي كتب بعد النّويري بنحو ثلاثة أرباع القرن - أنّه «قد ذهب معظم هذه الكتب وتفرّق في أيدي النّاس» (فيما يلي ٥٢٠). ووصل إلينا من بين كتب هذه الخزانة: الجزء الأوّل من كتاب «أدب الخواصّ في المختار من بلاغات قبائل العرب وأخبارها وأنسابها وأيّامها» للوزير الحسين بن علي بن الحسين المغربي الكاتب، المتوفى سنة ٤١٨ هـ/ ١٠٢٧ م، وهو محفوظ الآن في المكتبة العامّة بمدينة بورصة التركية، وجاء على ظهريّة النّسخة: «هذا الكتاب من الكتب الموقوفة المخزونة في خزانة القبّة المنصورية بمصر المحروسة للملك المنصور قلاوون ﵀ سبحانه ورحم اللّه تعالى امراء يوصّل هذا الكتاب لمقرّه المزبور، بعد اندراجي إلى رحمة اللّه تعالى، وأنا المحتاج إليه ويسي عفا اللّه تعالى عنه». وقطعة من كتاب» جمهرة نسب قريش» للزّبير بن بكّار، محفوظة في مكتبة كوبريلي بإستانبول برقم ١١٤١، كتب في أعلى ظهريتها فوق عنوان الكتاب: _________ (١) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٧٦: ١. (٢) فيما يلي ٥١٠، ٥٢٠، ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٨، ٥٥٤، ٥٧١، ٥٩٢، ٦١٢، ٦١٦، ٦٣٦، ٦٦٦، وانظر كذلك، عبد اللطيف إبراهيم: «المكتبة المملوكية» بحث في كتاب دراسات في الكتب والمكتبات الإسلامية، القاهرة ١٩٦٢، ١ - ٨٦؛ زبيدة محمد عطا: «مكتبات المدارس «خزانة الكتب» في العصرين الأيوبي والمملوكي» في كتاب: تاريخ المدارس في مصر الإسلامية، تاريخ المصريين - ٥١، القاهرة ١٩٩٢، ٢٠١ - ٢٢٦. (٣) النويري: نهاية الأرب ١١١: ٣١.
следующие страницы →