Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وكما شاركت المدارس المساجد الجامعة في إقامة الجمع، فإنّ الجوامع استمرّت أيضا في عقد مجالس العلم والتّدريس، وعلى الأخصّ الجامع الأزهر، وجامع الحاكم، وجامع ابن طولون، وجامع عمرو. ف «الجامع الأزهر»، رغم انقطاع الخطبة منه طوال العصر الأيّوبي، لم يفقد أبدا مكانته باعتباره جامع المدينة. وعند ما جدّد المنصور لاجين جامع ابن طولون، سنة ٦٩٦ هـ/ ١٢٩٧ م، «رتّب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة … ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، ودرسا لحديث النّبي ﷺ ، ودرسا للطّبّ» (فيما يلي ٦٩). وفعل الشيء نفسه الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير عند ما انتدب لإصلاح «جامع الحاكم» في أعقاب زلزال سنة ٧٠٢ هـ/ ١٣٠٢ م، «فرتّب فيه دروسا أربعة لإقراء الفقه على مذاهب الأئمّة الأربعة ودرسا لإقراء الحديث النّبوي، وجعل لكلّ درس مدرّسا وعدّة من الطّلبة» (فيما يلي ١١٤). كذلك فقد قام الأمير يلبغا العمري الخاصّكي بتجديد درس بجامع ابن طولون، سنة ٧٦٧ هـ/ ١٣٦٥ م، فيه سبعة مدرّسين للحنفيّة، وقرّر لكلّ فقيه من الطّلبة في الشهر أربعين درهما وأردبّ قمح، الأمر الذي أدّى إلى انتقال جماعة من الشّافعية إلى مذهب الحنفيّة» (فيما يلي ٧٩). وبلغت حلقات العلم في «جامع عمرو»، في أواسط القرن الثّامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي «بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح عنه» (فيما يلي ٣٧).
وبذلك أصبحت بعض المساجد الجامعة مراكز تعليمية مهمّة تعادل أيّة مدرسة مملوكية أخرى.
فقد ظلّت هذه الجوامع مراكز التّعليم في مصر قرونا قبل ظهور المدرسة، حيث كان الجامع هو المكان العامّ الوحيد للتّعليم، وكان العلماء يدرّسون فيه سواء بمقابل أو بدون مقابل، واستمرّ كذلك خلال القرنين السّادس والسّابع للهجرة/ الثاني عشر والثالث عشر للميلاد عند ما بدأت «المدرسة» تستقرّ في العاصمة المصرية.
ولم يكن من الممكن لوظيفة المدرسة أن تستمرّ دون الاعتماد على نظام «الوقف» أو «الأحباس»، فكان ريع الأوقاف هو المصدر المالي الرّئيس للصّرف على وظيفة المدرسة من رواتب للفقهاء والشّيوخ ومعاليم للطّلبة. إضافة إلى ما يقدّم من أشياء عينيّة تعين على إعاشة الطّلبة وشيوخهم، وبالتالي فإنّ النّشاط التّعليمي الواسع الذي عرفته مدارس القاهرة والأقاليم في العصر المملوكي هو في الحقيقة نتاج طبيعيّ لازدهار الأوقاف وانتشارها في هذا العصر (١).
_________
(١) ابن خلدون: المقدمة ١٠٢٥: ٣، التعريف ٢٧٩؛ محمد محمد أمين: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر ٢٤٢.
стр. 2417
وكان انقطاع وصول مغلّ أوقاف المدرسة مدعاة لتوقّف النّشاط التّعليمي للمؤسّسة. فعندما قرّر الأمير آقسنقر النّاصري درسا في جامعه بباب الوزير فيه عدّة من الفقهاء، وقف عليه ضيعة من قرى حلب تغلّ في السنة مائة وخمسين ألف درهم فضّة، فلمّا توقّف وصول مغلّ وقف الجامع بسبب الفتن التي حدثت ببلاد الشّام في أعقاب وفاة الظّاهر برقوق، «تعطّل الجامع من أرباب وظائفه إلاّ الأذان والصّلاة وإقامة الخطبة في الجمع والأعياد» (فيما يلي ٢٤٠).
كانت حجج الوقف التي يصدرها الواقف لصالح المؤسّسة التي ينشئها بمثابة اللاّئحة الأساسية للمؤسّسة، تتضمّن تحديد مكان المؤسّسة ووصفها المعماري، ونوع الدّراسة التي تتم بها والشّروط الواجب توافرها في القائمين بالتّدريس، ومواعيد الدّراسة وخزانة الكتب الملحقة بالمؤسّسة وعدد الموظّفين الملحقين بها من خطباء وقومة ومؤذّنين وفرّاشين … ، وعدد المدرّسين لكلّ مذهب، وعدد الطّلبة الحاضرين لهذه الدّروس، وعدد المعيدين، ونسبة الطّلبة المقيمين بالمدرسة إلى الطّلبة المتردّدين عليها، والمعلوم الذي يصرف لهم والذي لم يكن موحّدا لجميع الطّلبة (١).
شادّ العمائر
ولم تكن هذه المنشآت المهمّة التي شيّدها سلاطين المماليك وكبار أمرائهم لتتمّ دون أن يشرف على إدارتها وتنظيم العمل فيها موظّف مختصّ عرف ب «شادّ العمائر». ووظيفة «شدّ العمائر» هي الوظيفة الرّابعة والعشرون بين وظائف أرباب السّيوف في الدّولة المملوكية، وموضوع هذه الوظيفة - كما يقول القلقشندي - أن يكون صاحبها متكلّما في العمائر السّلطانية ممّا يختار السّلطان إحداثه أو تجديده من القصور والمنازل والأسوار والمساجد وغير ذلك. وكان متولّيها في أوّل الأمر أحد أمراء العشراوات، ثم صار يشغلها قوم بغير إمرة (٢). وربّما عاون شادّ العمائر في إنشاء الأماكن المهمّة موظّف آخر يسمّى «ناظر العمارة» كان له الأمر على المهندسين والحجّارين وصنّاع العمائر ونحوهم (٣).
وعادة ما كان «شادّ العمائر» يختار من بين العارفين بأمور الهندسة والبناء وذوي الأمانة والعفّة، وكان من بين واجباته الإشراف على أرباب الصّناعات المختلفة في العمائر، وحثّهم في
_________
(١) محمد محمد أمين: المرجع السابق ٢٤٢ - ٢٥٠.
(٢) القلقشندي: صبح الأعشى ٢٢: ٤؛ ابن شاهين الظاهري: زبدة كشف الممالك ١١٥.
(٣) van Berchem، M.، CIA Egypte I، p. ٧٤٢؛ حسن الباشا: الفنون الإسلامية والوظائف ٦١٧.
стр. 2418
العمل مع التّرفّق بهم والتّلطّف معهم وتمكينهم من أداء واجباتهم الدّينية كالصّلاة (١). وقد انتقد السّبكي ما يعتمده بعضهم من تسخير البنّائين وإجاعتهم وإعطائهم من الأجرة دون حقّهم، وعدّ استعمالهم فوق طاقتهم من أقبح الحرمات وأشنع الجراءات على اللّه تعالى في خلقه، خاصّة وأنّهم يعتمدونهم في بناء المساجد والمدارس (٢).
ومن بين من تولّوا وظيفة «شادّ العمائر» الذين ذكرهم المقريزي: الوزير علم الدّين سنجر الشّجاعي مدبّر الممالك الإسلامية في أيّام السّلطان المنصور قلاوون، فقد كان هو «الشّاد» على عمارة مجموعة قلاوون ببين القصرين (المدرسة والقبّة والمارستان) (فيما يلي ٥١٣، ٦٩٤، ٦٩٨)، وأنجز كذلك عمارة «تربة الصّالح علي» (أمّ السّلطان فاطمة خاتون) بالقرب من المشهد النّفيسي سنة ٦٨٢ هـ/ ١٢٨٣ م (فيما يلي ٥٨٥)، والأمير آق سنقر شادّ العمائر السّلطانية في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، المتوفى سنة ٧٤٠ هـ/ ١٣٣٩ م، الذي تنسب إليه «قنطرة آق سنقر» على الخليج الكبير أمام قبو الكرماني (فيما تقدم ٤٩٢: ٣) و «الجامع» الذي أنشأه بسويقة السّبّاعين على البركة النّاصرية (فيما يلي ٢٣٨)، فهو الذي أشرف على عمارة الطّبلخاناه تحت القلعة سنة ٧٢٢ هـ/ ١٣٢٢ م (فيما تقدم ٦٩٠: ٣). وعندما ذكر المقريزي «جامع قوصون» (فيما يلي ٢٢٣) أشار إلى أنّه «بناه شادّ العمائر» وترك بياضا محلّ اسمه، والأمير صارم الدّين إبراهيم المعروف بشادّ العمائر السّلطانية أحد أمراء الطّبلخانات وصاحب المدرسة الصّارميّة عند قنطرة آق سنقر وشقّ التعبان (فيما يلي ٦٦٧)، وهذا دليل على أنّ كبار الأمراء كان لهم أيضا مشرفون يتولون أمر منشآتهم الكبيرة، أمّا «المدرسة الظّاهريّة الجديدة» التي أنشأها السّلطان الظّاهر برقوق سنة ٧٨٨ هـ/ ١٣٨٦ م، فقد تولّى أمر عمارتها الأمير جهاركس الخليلي أمير آخور (فيما يلي ٦٧٩).
وكان يتولّى إعداد تصميم هذه العمائر ورسم مخطّاطتها وقطاعاتها وواجهاتها مجموعة من المهندسين المتخصصين، فيذكر المقريزي أنّ المهندس الذي عهد إليه أحمد بن طولون بتصميم جامعه أعدّ تخطيطا للجامع على الجلود ابتكر فيه تصميم الجامع بلا عمد إلاّ عمودي القبلة (فيما يلي ٥٩)، أي أنّه استعاض عن الاستعانة بالأعمدة التي كانت تجلب من الكنائس بعمل الدّعامات المصنوعة من الأجر والتي تحمل سقف المسجد. وعند ما تحدّث المقريزي على بناء مئذنة المدرسة
_________
(١) حسن الباشا: المرجع السابق ٦١٧.
(٢) السبكي: معيد النعم ١٢٩.
стр. 2419
الآقبغاوية الملحقة بالجامع الأزهر قال: «بناها هي والمدرسة، المعلّم ابن السّيوفي رئيس المهندسين في الأيّام النّاصرية، وهو الذي تولّى بناء جامع المارديني خارج باب زويلة وبنى مئذنته أيضا» (فيما يلي ٥٤٢). وليس ببعيد أن يكون المعلّم ابن السّيوفي هو الذي أشرف على بناء الكثير من العمائر المنشأة في دولة النّاصر محمد بن قلاوون.
وتولّى بناء «المدرسة الظّاهرية الجديدة» ببين القصرين المعلّم شهاب الدّين أحمد بن الطّولوني المهندس (فيما يلي ٦٨٦)، وهو مهندس ابن مهندس من أسرة اشتغلت بالعمارة وقامت بأعمال معمارية هامّة في مصر والحجاز، يقول أبو المحاسن: كان معلّم السّلطان ومهندسه وشادّ عمائره، ثم تزوّج السّلطان الظّاهر برقوق بأخته أو بنته، فنال بمصاهرة السّلطان السّعادة وأثرى وصار من ذوي الرّئاسة، وتوجّه إلى عمائر مكة غير مرّة آخرها في سنة ٨٠١ هـ، وتوفي عند عودته في صفر من هذا العام، ودفن بالمعلاة من مكة (١).
ومن خلال الكتابات المنقوشة على قاعدتي مئذنتي جامع المؤيّد شيخ فوق بدنتي باب زويلة نعرف أنّهما من «عمل العبد الفقير إلى اللّه تعالى محمد بن القزّاز» وكان الفراغ من عمل المئذنة الشرقية في أوّل رجب سنة ٨٢٢ هـ، والمئذنة الغربية في شهر شعبان سنة ٨٢٣ هـ (٢) (فيما يلي ٣٤٦ - ٣٤٧ هـ (٢)). وأطلق القلقشندي على من يتولّى ترتيب العمائر وتقديرها ويحكم على أرباب صناعاتها لقب «مهندس العمائر» (٣).
***
ومن أهمّ ما يميّز «المدرسة» وجود «المكتبة»، فقد حلّت «مكتبات المدارس» أو «خزائن الكتب»، وعلى الأخصّ في العصر المملوكي، محلّ خزائن كتب الخلفاء وخزائن دور العلم والحكمة، يقول القلقشندي - وهو يكتب في مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي -: «أمّا الآن فقد قلّت عناية الملوك بخزائن الكتب اكتفاء بخزائن كتب المدارس التي
_________
(١) أبو المحاسن: المنهل الصافي ٢٨٣: ٢ - ٢٨٤، ٢٩٨: ٩؛ وانظر كذلك ابن الفرات: تاريخ الدول والملوك ١١: ٤٧٧: ٩.
(٢) وراجع حول هذا الموضوع مقال حسن عبد الوهاب المهم: «توقيعات الصّنّاع على آثار مصر الإسلامية»، مجلة المجمع العلمي المصري BIE ٣٦ (١٩٥٣ - ١٩٥٤)، ٥٣٣ - ٥٥٨.
(٣) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٦٧: ٥.
стр. 2420
ابتنوها من حيث إنّها بذلك أمسّ» (١). فاشتملت أغلب مدارس القاهرة التي أنشئت في العصر المملوكي على خزائن للكتب مثل: المدرسة الظّاهرية العتيقة والمدرسة النّاصرية محمد بن قلاوون والمدرسة الحجازيّة والمدرسة الطّيبرسيّة والمدرسة المنكوتمريّة والمدرسة الملكية والمدرسة السّابقيّة والمدرسة البشيرية والمدرسة المحمودية ومدرسة ألجاي اليوسفي ومدرسة أمّ السّلطان شعبان والقبّة المنصورية (٢). وقد وصف النّويري، المتوفي سنة ٧٣٣ هـ/ ١٣٣٣ م، خزانة القبّة المنصورية بأنّ بها «من الختمات الشّريفة والرّبعات المنسوبة الخطّ وكتب التّفسير والحديث والفقه واللّغة والطّبّ والأدبيّات ودواوين الشّعراء شيء كثير»؛ وأنّه رتّب لخازن كتبها في كلّ شهر أربعون درهما (٣).
وذكر المقريزي - الذي كتب بعد النّويري بنحو ثلاثة أرباع القرن - أنّه «قد ذهب معظم هذه الكتب وتفرّق في أيدي النّاس» (فيما يلي ٥٢٠).
ووصل إلينا من بين كتب هذه الخزانة: الجزء الأوّل من كتاب «أدب الخواصّ في المختار من بلاغات قبائل العرب وأخبارها وأنسابها وأيّامها» للوزير الحسين بن علي بن الحسين المغربي الكاتب، المتوفى سنة ٤١٨ هـ/ ١٠٢٧ م، وهو محفوظ الآن في المكتبة العامّة بمدينة بورصة التركية، وجاء على ظهريّة النّسخة:
«هذا الكتاب من الكتب الموقوفة المخزونة في خزانة القبّة المنصورية بمصر المحروسة للملك المنصور قلاوون ﵀ سبحانه ورحم اللّه تعالى امراء يوصّل هذا الكتاب لمقرّه المزبور، بعد اندراجي إلى رحمة اللّه تعالى، وأنا المحتاج إليه ويسي عفا اللّه تعالى عنه».
وقطعة من كتاب» جمهرة نسب قريش» للزّبير بن بكّار، محفوظة في مكتبة كوبريلي بإستانبول برقم ١١٤١، كتب في أعلى ظهريتها فوق عنوان الكتاب:
_________
(١) القلقشندي: صبح الأعشى ٤٧٦: ١.
(٢) فيما يلي ٥١٠، ٥٢٠، ٥٣٠، ٥٣١، ٥٣٨، ٥٥٤، ٥٧١، ٥٩٢، ٦١٢، ٦١٦، ٦٣٦، ٦٦٦، وانظر كذلك، عبد اللطيف إبراهيم: «المكتبة المملوكية» بحث في كتاب دراسات في الكتب والمكتبات الإسلامية، القاهرة ١٩٦٢، ١ - ٨٦؛ زبيدة محمد عطا: «مكتبات المدارس «خزانة الكتب» في العصرين الأيوبي والمملوكي» في كتاب: تاريخ المدارس في مصر الإسلامية، تاريخ المصريين - ٥١، القاهرة ١٩٩٢، ٢٠١ - ٢٢٦.
(٣) النويري: نهاية الأرب ١١١: ٣١.
стр. 2421
«وقف للّه سبحانه ومقرّه بالقبّة المنصورية»
ويصف لنا المقريزي ما تخلّف من خزانة كتب «المدرسة الأشرفيّة المستجدّة» بالصّوّة تجاه الطّبلخاناه من قلعة الجبل بعد هدمها، حيث وجد بها «من المصاحف والكتب في الحديث والفقه وغيره من أنواع العلوم جملة»، فاشترى جمال الدّين الأستادّار ذلك من الملك الصّالح المنصور حاجي بن الأشرف بمبلغ ستّ مائة دينار، وكانت قيمتها عشرات أمثال ذلك، ونقلها إلى داره وكان ممّا فيها: «عشرة مصاحف طول كلّ مصحف منها أربعة أشبار إلى خمسة في عرض يقرب من ذلك، أحدها بخطّ ياقوت، وآخر بخطّ ابن البوّاب، وباقيها بخطوط منسوبة، ولها جلود في غاية الحسن معمولة في أكياس الحرير الأطلس، ومن الكتب النّفيسة عشرة أحمال جميعها مكتوب في أوّله الإشهاد على الملك الأشرف بوقف ذلك ومقره في مدرسته» (فيما يلي ٦٣٦).
ولعلّ أهمّ خزائن كتب المدارس المملوكية هي خزانة كتب «مدرسة جمال الدّين محمود الأستادّار» المعروفة أيضا ب «المدرسة المحموديّة» بخطّ الموازينيين بالشّارع الأعظم خارج باب زويلة المعروفة الآن ب «جامع الكردي» الواقع في أوّل الخيميّة على يسار المتّجة إلى المغربلين والسّروجيّة.
يقول المقريزي في وصف خزانتها: «ولا يعرف اليوم بديار مصر ولا الشّام مثلها، وهي باقية إلى اليوم، لا يخرج لأحد منها كتاب إلاّ أن يكون في المدرسة، وبهذه الخزانة كتب الإسلام من كلّ فنّ، وهذه المدرسة من أحسن مدارس مصر» (فيما يلي ٥٩٢ - ٥٩٤). وكانت كتب هذه الخزانة كثيرة جدّا، كما يقول ابن حجر، وعدّها من أنفس الكتب الموجودة في وقته بالقاهرة، وأصلها من جمع القاضي برهان الدّين أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرّحيم بن محمد بن جماعة الكناني الحموي المقدسي، المتوفى سنة ٧٩٠ هـ/ ١٣٨٨ م، في طول عمره، واشتراها محمود الأستادّار من تركته بعد موته ووقفها، وشرط أن لا يخرج منها شيء من مدرسته (١). ويضيف ابن حجر أنّ القاضي برهان الدّين بن جماعة «خلّف من الكتب النّفيسة ما يعزّ اجتماع مثله؛ لأنّه كان مغرما بها، فكان يشتري النّسخة من الكتاب التي إليها المنتهى في الحسن، ثم يقع له هذا الكتاب بخطّ
_________
(١) ابن حجر: إنباء الغمر ٢٩٩: ٣، ٣٥٦.
стр. 2422
مصنّفه فيشتريه ولا يترك الأولى، إلى أن اقتنى بخطوط المصنّفين ما لا يعبّر عنه كثرة» (١).
ونظرا لقيمة وأهميّة هذه الخزانة تولّى أمرها الحافظ ابن حجر العسقلاني، بعد عزل خازنها الفخر عثمان المعروف بالطّاغي في سنة ٨٢٦ هـ/ ١٤٢٣ م؛ لأنّها نقصت بتفريطه العشر - أي أربع مائة مجلّدة - لأنّ كتبها كانت أربعة آلاف مجلّدة. وعمل لها فهرستا على الحروف فيه أسماء التّصانيف، وآخر على الفنون. يقول السّخاوي تلميذ ابن حجر: «وقد انتفع بذلك ونفع اللّه به فإنّه كان يقيم بها في الأسبوع غالبا يوما، وفي مدّة الأسبوع يكتب في قائمة ما يحتاج لمراجعته منها بسببه في تصانيفه وغيرها ليتذكّره في يوم حلوله بها كما شاهدته، وتيسّر على يده عود أشياء ممّا كان ضاع قبله، واستمرّت بيده حتى مات» (٢) [توفي ابن حجر سنة ٨٥٢ هـ].
ورغم أنّ ابن حجر ذكر أنّ مجموع كتب هذه الخزانة كان نحو أربعة آلاف مجلّدة، فلم يتبق منها في نهاية القرن التاسع عشر عند ما جمعت الكتب الموجودة في المدارس والمساجد لتضمّ إلى الكتبخانه الخديوية (دار الكتب المصرية) سوى ثمانية وخمسين كتابا فقط (٣) فقد أخذت أغلب كتب هذه الخزانة مع غيرها من كتب خزائن المدارس الأخرى ونقلت إلى إستانبول - عاصمة الخلافة العثمانية - غداة الفتح العثماني لمصر، يقول ابن إياس عند وصفه حوادث الفتح سنة ٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م: «ثم إنّ الوزراء استدرجوا لأخذ الكتب النّفيسة التي في المدرسة المحمودية والمؤيّدية والصّرغتمشيّة، وغير ذلك من المدارس التي فيها الكتب النّفيسة فنقلوها عندهم ووضعوا أيديهم عليها، ولم يعرفوا الحرام من الحلال في ذلك» (٤).
ومن بين النّسخ التي كانت بهذه الخزانة وتوجد الآن في مكتبات إستانبول المختلفة: نسخة من «تجارب الأمم» لمسكويه كتبت سنة ٥٥٢ هـ [آيا صوفيا ٣١١٦ - ٣١٢١]، وكتاب «الصّناعتين» لأبي هلال العسكري بخطّه [كوبريلي ١٣٣٣ - ١٣٣٤]، و «معجم البلدان» لياقوت الحموي
_________
(١) ابن حجر: إنباء الغمر ٣٥٥: ١؛ وانظر كذلك، فؤاد سيد: «نصّان قديمان في إعارة الكتب»، مجلة معهد المخطوطات ٤ (١٩٥٨)، ١٢٥ - ١٣٦.
(٢) السخاوي: الجواهر والدرر في مقال فؤاد سيد: نصان قديمان ١٢٨.
(٣) فؤاد سيد: المرجع السابق ٢٣.
(٤) ابن إياس: بدائع الزهور ١٧٩: ٥، وانظر لتفاصيل أكثر مقالي: «انتقال المخطوطات العربية إلى تركيا وأثره في توطيد الصّبغة الإسلامية للخلافة العثمانية» في كتاب: بحوث المؤتمر الدولي حول العلم والمعرفة في العالم العثماني، إستانبول - إرسيكا ٢٠٠٠، ٢٩٣ - ٣٠٢.
стр. 2423
[كوبريلي ١١٦١ - ١١٦٥]، و «تاريخ الإسلام» للذّهبي بخطّه، نسخة في عشرة مجلّدات كتبها سنة ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٦ م [آيا صوفيا ٢٠٠٥ - ٢٠٠١٤] ونسخة ناقصة من «سير أعلام النبلاء» للذّهبي أيضا كتبت سنة ٧٣٩ هـ/ ١٣٣٩ م نقلا عن نسخة المؤلّف [أحمد الثالث ٢٩١٠ أ]، و «المعرفة والتاريخ» لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي [روان كشك ١٤٤٥]، و «أبكار الأفكار في أصول الدّين» لسيف الدّين الآمدي [آيا صوفيا ٢١٦٥ - ٢١٦٦]، و «ديوان البحتري»، نسخة كتبها سنة ٤٢٤ هـ/ ١٠٣٣ م علي بن عبيد اللّه الشّيرازي [كوبريلي ١٢٥٢]، وأجزاء من «مسالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري [آيا صوفيا ٣٤٢٥ - ٣٤٢٧].
ودلّنا على أنّ هذه النّسخ كانت من بين كتب خزانة «المدرسة المحمودية» علامة الوقف (١) المثبتة على ظهريّة هذه النّسخ، والتي كان جمال الدّين محمود الأستادّار يثبتها على جميع كتب مكتبته التي وقفها على المدرسة، وهي على المثال التالي:
«الحمد للّه حقّ حمده
وقف وحبس وسبّل المقرّ الأشرف العالي الجمالي محمود أستادّار العالية الملكي الظّاهري - أعزّ اللّه تعالى أنصاره وختم بالصّالحات أعماله - جميع هذا المجلّد وما قبله من المجلّدات من كتاب [اسم الكتاب] لل [اسم المؤلّف] وعدّة ذلك [عدد المجلّدات] وقفا شرعيّا على طلبة العلم الشّريف ينتفعون به على الوجه الشّرعي، وجعل مقرّ ذلك بالخزانة السّعيدة المرصدة لذلك بمدرسته التي أنشأها بخطّ الموازينيين بالشّارع الأعظم بالقاهرة المحروسة، وشرط الواقف المشار إليه أن لا يخرج ذلك ولا شيء منه من المدرسة المذكورة برهن ولا بغيره، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اَللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. بتاريخ الخامس والعشرين من شعبان المكرّم سنة سبع وتسعين وسبع مائة»
وكانت خزانة كتب جامع ومدرسة السّلطان حسن توجد بإيوان المدرسة القبلي «لخزن ما عساه أن يكون بالمكان المذكور من المصاحف والرّبعات الشّريفة والكتب،
_________
(١) راجع حول هذا الموضوع، أيمن فؤاد: الكتاب العربي المخطوط ٤٢١ - ٤٥١.
стр. 2424
على جاري العادة في ذلك» (١). وجاء نصّ وقفيّة السّلطان حسن على أحد أجزاء كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصبهاني - المحفوظ بدار الكتب المصرية برقم ٤٢٧ أدب - بالصّيغة التالية:
«هذا ما أوقف العبد الفقير إلى اللّه تعالى أبو المحاسن الحسن بن محمد ابن قلاوون - عفا اللّه عنه ورحمه - وهو من كتاب «الأغاني»، للّه تعالى على طلبة العلم الشّريف ينتفعون به انتفاع أمثالهم - وقفا صحيحا شرعيّا لا يباع ولا يوهب ولا يورّث، ولا يكون إلاّ ملكا للّه إلى أبد الآبدين، وشرط النّظر في ذلك للإمام محمد بن النّقاش، وشرط على مستعيره برهن مقبوض أن لا يغيب به أكثر من ثلاثة أشهر، ويكون مقرّه بالجامع المنسوب للعمارة، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. وكتب في شهور سنة خمس وخمسين وسبع مائة».
أمّا خزانة «مدرسة صرغتمش» المجاورة لجامع ابن طولون، فقد وصلت إلينا منها بعض نسخ محفوظة الآن في دار الكتب المصرية، بعضها «نسخ خزائنية». فقد جاء على ظهريّة المجلّد الأوّل من كتاب «التّكملة والذّيل والصّلة» للحسن بن محمد الصّغاني:
«برسم الخزانة الشّريفة العالية المولويّة المالكية المخدوميّة السّيفيّة صرغتمش رأس نوبة أعزّ اللّه أنصاره خدمة المملوك عبد الملك ابن عبد الكريم القرشي».
وجاء نصّ وقفيّة مصحفه الذي جعله بمدرسته المجاورة لجامع ابن طولون بالصّيغة التالية:
«وقف وحبس وسبّل وتصدّق العبد الفقير إلى اللّه تعالى صيرغتمش [كذا] جميع هذا الجزء المبارك على المشتغلين بالعلم الشّريف وعلى المقيمين بالمدرسة الحنفيّة المجاورة لجامع طولون لينتفعوا بذلك في الكتابة
_________
(١) كتاب وقف السّلطان النّاصر حسن، حقّقته وعلّقت الشرقية ٢٠٠١، ١٤٩، ١٦٠. عليه هويدا الحارثي، بيروت - المعهد الألماني للأبحاث.
стр. 2425
والاشتغال منه ليلا ونهارا، بحيث لا يخرج من المدرسة المذكورة ولا يباع ولا يرهن ولا يوهب ولا يبدّل ولا يغيّر، وقفا صحيحا شرعيّا، قصد الواقف بهذا الوقف ابتغاء وجه اللّه العظيم تقبّل اللّه منه، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اَللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وهو حسبي ونعم الوكيل».
ولم يقتصر إنشاء خزائن الكتب على المدارس المملوكية فقط، بل ألحقت أيضا بالجوامع والخوانك والرّبط «خزائن للكتب»، فعندما أنشأ الأمير عزّ الدّين أيدمر الخطيري جامعه ببولاق سنة ٧٣٧ هـ/ ١٣٣٦ م «جعل فيه خزانة كتب جليلة نفيسة … ووقف عليها عدّة أوقاف جليلة» (فيما يلي ٢٥٢)، كما كانت هناك خزانة كتب في كلّ من الخانقاه البكتمرية بالقرافة الصّغرى ورباط الآثار الواقع خارج مدينة مصر على النّيل (فيما يلي ٧٧٠، ٨٠٠).
وكانت خزانة الكتب تحتلّ مكانا رئيسا كجزء لا يتجزّأ من المدرسة المملوكية، فهي ليست قائمة بذاتها في مبنى مستقلّ أو ملحق بالمدرسة، بل توجد ضمن عمارة المدرسة نفسها في مكان متوسّط ومناسب من البناء كلّه بين الإيوانات الأربعة التي كانت بها مساكن الطّلبة ليسهل الوصول إليها وليكون موقعها وظيفيّا، وغالبا ما تكون خزانة الكتب في إيوان القبلة بالذّات أو ملحقة بقبّة المدفن، وذلك حتى تكون كتبها في متناول الجميع من العلماء والطّلبة والدّارسين في مختلف الإيوانات؛ فكانت دائما قريبة من مساكن الطّلبة بها وفي مكان مرتفع عن أرضيّة الشّارع وبعيدة في الوقت نفسه عن دورات المياه والرّطوبة، لذلك كان إيوان القبلة الذي به المحراب أو قبّة المدفن خلفه هو أنسب مكان لها (١).
_________
(١) عبد اللطيف إبراهيم: المكتبة المملوكية ٤٠ - ٤٢؛ صالح لمعي: التراث المعماري في مصر ٢٠.
стр. 2426
الخوانك
الخوانك (الخوانق) هي المؤسّسة الدّينية الثّالثة التي انتشرت في القاهرة وظواهرها، على الأخصّ في العصر المملوكي (١). حقيقة أنّ صلاح الدّين يوسف بن أيّوب حوّل أحد الدّور الفاطمية المواجهة لدار الوزارة الفاطمية الكبرى (التي حلّ محلّها الآن خانقاه بيبرس الجاشنكير بشارع الجمالية) إلى دويرة للصّوفيّة عرفت ب «الخانكاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء» (فيما يلي ٧٢٧)، إلاّ أنّ انتشار الخوانك لم يبرز بشكل واسع إلاّ في العصر المملوكي، وتواكب ذلك مع انتشار التّصوّف في مصر في هذا العصر.
وليس هنا مجال الحديث عن التّصوّف وكيفية انتشاره في مصر، ولكن من خلال عبارة للمقريزي يصف فيها وضع المتصوّفة في عصره، نعرف أنّ التّنظيم الصّوفي وصل في مطلع القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي إلى حالة واضحة من التّدهور، يقول المقريزي:
«وتلاشى الآن حال الصّوفيّة ومشايخها حتى صاروا من سقط المتاع لا ينسبون إلى علم ولا ديانة، وإلى اللّه المشتكى!» (فيما يلي ٧٢٦).
وترجع جميع الخوانك التي ذكرها المقريزي، وعددها اثنتان وعشرون خانكاه، إلى العصر المملوكي البحري، فيما عدا «الخانكاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء» التي ترجع إلى العصر الأيّوبي، و «الخانكاه الظّاهريّة برقوق» و «خانكاه يونس الدّودار» و «خانكاه ابن غراب» التي ترجع إلى صدر العصر المملوكي الشّركسي.
كانت «خانكاه سعيد السّعداء» هي أوّل دار خصّصت للصّوفيّة في مصر، حيث جعلها صلاح الدّين بعد استيلائه على السّلطة في مصر «برسم الفقراء الصّوفيّة الواردين من البلاد
_________
(١) انظر أصل الكلمة ومعناها، فيما يلي ٧٢٤. وكان الظهور الأول للخوانك في إيران في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي ونمت في القرن الخامس الهجري. واستلزم تخطيطها وجود قسمين: قسم لاجتماع الشيخ بمريديه أطلق عليه بالفارسية «جماعت خانه»، وقسم آخر يضمّ الخلاوي والحجرات والمطبخ. (دولت عبد اللّه: معاهد تزكية النفوس في مصر ٢٣)؛ وفيما تقدم ٤٩ * حيث أشرت إلى أنّ «الخوانك» كانت جزء أساسيّا من النّظام الدّيني للفرقة الكرّامية، وقد شاهد الجغرافي المقدسي لهم ببيت المقدس «خوانق ومجالس» حول قبر ابن كرّام (أحسن التقاسيم ١٩: ١٧٩).
стр. 2427
الشّاسعة» (فيما يلي ٧٢٧). وتدلّ هذه الإشارة على أنّ النّظام الصّوفي لم يكن قد عرف بعد في مصر الخارجة من ظلّ الدّولة الفاطمية ذات الإيديولوجية الإسماعيلية؛ وولّى صلاح الدّين عليهم شيخا منهم، ووقف عليهم بستان الحبّانيّة بجوار بركة الفيل خارج حدود القاهرة الجنوبية وقيساريّة الشّرب بالقاهرة وناحية دهمرو من البهنساوية. وأطلق على شيخ هذه الخانكاه لقب «شيخ الشّيوخ»، وظلّ كذلك إلى أن بنى النّاصر محمد بن قلاوون «خانكاه سرياقوس» سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م، فأصبح شيخ هذه الخانكاه هو الذي يدعى ب «شيخ الشّيوخ». ولكن المقريزي يضيف أنّه بعد الحوادث والمحن من سنة ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٤ م «اتّضعت الأحوال وتلاشت الرّتب فتلقّب كلّ شيخ خانقاه ب «شيخ الشّيوخ» (فيما يلي ٧٢٩).
وبما أنّ «الخانكاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء» كانت إنشاء أيّوبيّا، فلم يكن بها منبر، وكان أهلها من المتصوّفة يصلّون الجمعة بالجامع الحاكمي وكانت لهم رسوم مميّزة في ذلك، فيذكر المقريزي - نقلا عن من أخبره من شهود العيان - «أنّ النّاس في يوم الجمعة كانوا يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفيّة سعيد السّعداء، وكانوا جميعا من أهل العلم والصّلاح، عند ما يتوجّهون إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكمي كي تحصل لهم البركة والخير» (فيما يلي ٧٢٩)، وظلّ الأمر على ذلك حتى جدّد يلبغا السّالمي الجامع الأقمر في سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٩ م فألزمهم أن يتحوّلوا من الجامع الحاكمي ويصلّوا الجمعة بالجامع الأقمر (فيما يلي ٧٣٢).
وأوّل منشأة أنشئت بالقاهرة بغرض أن تكون خانكاه للصّوفيّة هي «الخانكاه البندقداريّة»، المعروفة ب «زاوية الأبار»، التي أنشأها الأمير علاء الدّين البندقدار سنة ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م بالقرب من الصّليبة، «وجعلها مسجدا للّه تعالى وخانقاه، ورتّب فيها صوفيّة وقرّاء» (فيما يلي ٧٥٤ - ٧٥٦). وما تزال بقايا هذه الخانكاه، وتشتمل على قبّتين للدّفن، باقية إلى الآن في شارع السّيوفيّة بجوار قصر الأمير طاز.
أمّا أوّل خانكاه بمعنى الكلمة أنشئت بالقاهرة ف «خانكاه بيبرس الجاشنكير» التي بناها الأمير بيبرس الجاشنكير بين سنتي ٧٠٦ هـ - ١٣٠٦/ ٧٠٩ - ١٣٠٩ م قبل تولّيه السّلطنة في موضع دار الوزارة الكبرى الفاطمية بالقرب من باب النّصر. وهي الخانكاه الوحيدة الباقية في القاهرة ذات تخطيط متعامد (مثل تخطيط المدارس)، ووصفها المقريزي بأنّها «أجلّ خانكاه في القاهرة بنيانا وأوسعها مقدارا وأتقنها صنعة» (فيما يلي ٧٣٢). ونظرا لحسن بنائها «لم يحتج فيها إلى مرمّة» منذ
стр. 2428
بنيت إلى وقته، وأنّها «مبنيّة بالحجر وكلّها عقود محكمة بدل السّقوف الخشب وأنّه سمع غير واحد يقول إنّه لم تبن خانكاه أحسن من بنائها» (فيما يلي ٧٤٠). وفتح بيبرس الجاشنكير ببناء هذه الخانكاه في قلب القاهرة الفاطمية، الباب أمام الاندماج الكامل لمؤسّسة «الخانكاه» في المجتمع المملوكي وأكّد الأهميّة التاريخية لخانكاهه على الدّوام.
واشتمل هذا المجمّع البنائي على: خانكاه للصّوفية، ومسكن، ورباط وقبّة بها محراب وضريح برسم دفن الواقف؛ وأضاف المقريزي: أنّه لمّا كمل بناؤه سنة ٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ م «قرّر بالخانكاه أربع مائة صوفي، وبالرّباط مائة من الجند وأبناء النّاس الذين قعد بهم الوقت، وجعل بها مطبخا يفرّق على كلّ منهم في كلّ يوم اللّحم والطّعام وثلاثة أرغفة من خبز البرّ وجعل لهم الحلوى، ورتّب بالقبّة درسا للحديث النّبوي له مدرّس وعنده عدّة من المحدّثين، ورتّب القرّاء بالشّبّاك الكبير يتناوبون القراءة فيه ليلا ونهارا، ووقف عليها عدّة ضياع بدمشق وحماه ومنية المخلّص بالجيزة وبالصّعيد والوجه البحري والرّبع والقيساريّة بالقاهرة (فيما يلي ٧٣٤).
وعلى عكس خانكاه بيبرس، فإنّ خانكاه شيخو العمري - التي أنشأها الأمير شيخو سنة ٧٥٦ هـ/ ١٣٥٥ م بخطّ سويقة منعم جنوب القاهرة تجاه جامعه (فيما يلي ٧٦٠ - ٧٦٤) - ذات تخطيط لا نظير له في عمارة المدارس أو الخوانك، حيث تتكوّن من إيوان واحد عريض هو إيوان القبلة وتحتلّ خلاوي الصّوفية جانبين متقابلين في الصّحن، أمّا الجانب الرّابع المواجه لإيوان القبلة فعبارة عن جدار ذي إيوان صغير يقع بين مجموعة من الغرف غير المنتظمة وذلك بسبب تصميم الدّور الأرضي شبه المثلّث في هذه الجهة من الصّحن لالتزام الجدار الخارجي بخطّ تنظيم الطّريق.
وإلى جانب الخلاوي المشرفة على الصّحن توجد مجموعة أخرى من الخلاوي تطلّ على الدّهاليز الدّاخلية (١).
وعلى ذلك فإنّ التّخطيط المتعامد للمدرسة - المشتمل على إيوانات - الذي لا يترك أيّ فراغ داخلي لتطلّ منه الخلاوي على الصّحن، لم يتّبع في عمارة الخوانك التي رأت ضرورة إشراف الخلاوي على الصّحن الدّاخلي للخانقاه (٢).
_________
(١) Behrens-Abouseif، D.، «Change in Function and Form of Mamluk Religious Institutions»، An.Isl.XXI (١٩٨٥)، p. ٨٠.L ٢
(٢) Ibid.، p. ٨١
стр. 2429
وأدّى انتشار التّصوّف في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي واندماجه في الحياة الدّينية الشّعبية إلى التّراجع التّدريجي لدور الخوانك كمكان للانعزال، في الوقت نفسه الذي فتحت فيه الجوامع والمدارس أبوابها للممارسات الصّوفيّة. لذلك جمعت العديد من المنشآت الدّينية التي أنشئت في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي بين وظيفتي المدرسة والخانكاه، وذكر المقريزي خمسا منها تحت المدخلين. وأقدم هذه المؤسّسات «المدرسة الجاوليّة» على جبل يشكر (٧٠٣ هـ/ ١٣٠٣ م)، التي لا يقدّم لنا النّصّ التأسيسي للمبنى أيّ توضيح إضافي لوظيفته، فتخطيط المبنى المكوّن من إيوان مفرد تحيط به من الجهات الأخرى خلاو، تصميم شاذّ عن تصميم المساجد والمدارس ويؤكّد أنّه أقرب إلى تصميم الخوانك وأنّه أضيف إليه فيما بعد دروس في الفقه (١).
ويصدق الشيء نفسه على خانكاه مغلطاي (٧٣٠ هـ/ ١٣٢٩ م)، وهو أيضا ذو تصميم غريب عبارة عن صحن مكشوف مربّع الشّكل يحيط به إيوان مفرد ومن الجهات الأخرى عقود ستّينيّة كبيرة. ومن جهة أخرى فإنّ خانقاه آقبغا الملحق بالجامع الأزهر (٧٤٠ هـ/ ١٣٤٠ م) هو في الأصل مدرسة أضيف إليها حضور الصّوفية؛ مثلما حدث مع «جامع شيخو» (٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م)؛ الذي جعل فيه منشئه «خطبة» وعشرين صوفيّا … ثم لمّا عمّر الخانقاه تجاه الجامع نقل حضور الصّوفيّة إليها وزاد عدّتهم (فيما يلي ٢٥٨) (٢). والخانكاه الرّابعة التي ذكرها المقريزي في المدارس هي: «الخانكاه المهمندارية» (٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م). أمّا الخانكاه الخامسة والأخيرة فهي «الخانكاه الظّاهريّة» التي أنشأها السّلطان الظّاهر برقوق ببين القصرين، ووصفتها حجّة وقف الظّاهر برقوق ب «الخانقاه المدرسة» و «المدرسة الخانقاه» (٣)، ويقول عنها المقريزي: «واستقرّت جامع خطبة لإقامة الجمعة بها، وخانكاه، ودروس علم أربعة للفقه في المذاهب الأربعة ودرس تفسير ودرس حديث ودرس قراءات» (فيما يلي ٦٨٦) كان يحضره كلّ من الطّلبة والمتصوّفة، واشتمل المجمّع البنائي كذلك على قبّة ضريحية لدفن المنشئ (رغم أنّه أوصى بعد ذلك بدفنه في الصّحراء).
_________
(١) Behrens-Abouseif، D.، op.cit.، p. ٨١؛ حسن عبد الوهاب: تاريخ المساجد الأثرية ١٢٥.
(٢) Ibid.، p. ٨١.
(٣) حجّة وقف السّلطان برقوق، نشر أجزاء منها صالح لمعي مصطفى Lamei Mustafa، S.، Madrasa، Hanqah und Mausoleum des Barquq in Kairo، Gluckstadt ١٩٨٢، pp. ١٢٤، ١٢٥، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٥.
стр. 2430
وقد أوضحت حجّة الوقف وظائف المبنى بوضوح، فذكرت «أنّ الإيوان القبلي الذي بصدره المحراب، والإيوان البحري المقابل له، جعلهما مسجدين للّه تعالى تقام بهما الصّلوات وتصلّى فيهما الجماعات، ويعتكف فيهما على الطّاعات والعبادات … وأمّا الإيوانان الشّرقي والغربي اللذان بدور القاعة المذكورة فإنّه وقفهما ليشتغل فيهما بالعلم الشّريف ويصلّى فيهما على العادة، وجعل حكمهما حكم المدارس» (١).
وبما أنّ البناء الذي شيّده الظّاهر برقوق كان جامع خطبة ومدرسة وخانكاه في آن واحد، فإنّ خلاوي (بيوت) الصّوفية لم تكن تشرف على الصّحن ذي التّخطيط المتعامد الذي كان يشغله مكان الصّلاة والمدارس (مثلما كان الحال مثلا مع الخانقاه البيبرسية وخانقاه شيخو)، وإنّما كانت تقع في أركان المبنى وتطلّ على الدّهاليز والممرّات الدّاخلية، كما أنّ ثمانية وأربعين من خلاويها (بيوتها) كانت بغير شبابيك وتستمدّ إضاءتها من أبوابها (٢)؛ ويرجع السّبب في ذلك إلى وقوع هذا المبنى في وسط منطقة مكتظّة في قلب المدينة الفاطمية، الأمر الذي لم يسمح بإيجاد فراغات في واجهاته لهذا الغرض.
ووصفت حجّة الوقف كذلك مكان السّكن بالمدرسة الخانقاه ب «الرّبع»، وهو مصطلح يستخدم أساسا في العمارة للتّعبير عن مبنى سكني، ومع ذلك فقد استخدمت بدلا من مصطلح «طبقة» - الذي يطلق عادة على وحدات الرّبع - مصطلح «بيت» (٣)، وهو مصطلح تستخدمه عادة حجج الأوقاف بالتّبادل مع مصطلح «خلوة» للإشارة إلى أماكن السّكن بالمدارس والخوانك.
وعلاوة على ذلك وجد بالمنشأة غرف أكثر اتّساعا خصّصت للمدرّسين والشّيوخ، حيث ذكرت الحجّة أنّ «القاعة الموجودة بأقصى الدّهليز المتوصّل منه إلى المدرسة قد أرصدت لشيخ الدّرس والصّوفيّة الحنفي المذهب ينتفع بذلك بالسّكن دون الإسكان»، كما خصّص «الرّواق المتوصّل إليه من الدّهليز الأوّل المتوصّل منه إلى قاعة الخدّام وما هو من صفوفه لسكنى من يراه النّاظر من أرباب الوظائف بالمدرسة» (٣)؛ وذلك بالإضافة إلى إسطبلين للخيول: أحدهما لإقامة دوابّ شيخ الصّوفيّة بالمدرسة، والثاني لإقامة ما لعلّه يكون لهذا الوقف من الدّواب (٤).
_________
(١) Lamei Mustafa، S.، op.cit.، ١٢٤
(٢) Ibid.، p. ١٢٣.
(٣) Ibid.، p. ١٢٥
(٤) Ibid.، p. ١٢٦
стр. 2431
وواضح من تحديد عدد الطّلبة إلى المتصوّفة، وهو ١٢٥ طالبا و ٦٠ صوفيّا، أنّ المبنى اعتبر مدرسة أضيفت إليها أنشطة التّصوّف.
ويصدق هذا الوصف كذلك على «المدرسة الأشرفيّة» التي بدأ في إنشائها، سنة ٧٧٧ هـ/ ١٣٧٥ م، السّلطان الشّهيد الملك الأشرف شعبان بن حسين، ولم تكمل عمارتها، على الصّوّة مقابل باب القلعة على رأس سويقة المشبّب والتّبّانة. وأراد أن يضاهي بها مدرسة عمّه السّلطان حسن فبنى بها إيوانا كبيرا جاء عقد قبوه أوسع من قبو مدرسة السّلطان حسن (فيما يلي ٦٦١).
وجاء في وقفيّة المصحف الذي وقفه السّلطان الأشرف شعبان على المدرسة وصفها ب «الخانقاه والمدرسة والجامع الأشرفي» (فيما يلي ٦٦١ هـ ٣)، يؤيّد ذلك ما ذكره المقريزي وأبو المحاسن من أنّ السّلطان الأشرف شعبان «أخلع، وهو نازل بسرياقوس، في شوّال سنة ٧٧٨ هـ/ ١٣٧٦ م، على الشّيخ ضياء الدّين القرمي الحنفي باستقراره شيخ شيوخ المدرسة التي أنشأها بالصّوّة، وقد أشرفت على الفراغ، وأبطل هذا اللّقب من متولّي مشيخة خانكاه سرياقوس» (١). ولكنّ عدم إكمال بناء المدرسة ثم نقضها في أيّام النّاصر فرج وبناء المؤيّد شيخ لمارستانه في موضعها بعد ذلك (فيما يلي ٧٠٢)، أضاع علينا معرفة الشّكل الذي كانت عليه هذه «الخانكاه المدرسة الجامع»، وهي بذلك تسبق المجمّع الذي ضمّ خانكاه ومدرسة وجامع الظّاهر برقوق.
وقيام مثل هذه المنشآت في قلب المدينة الفاطمية يظهر بوضوح مدى اندماج التّصوّف في الحياة المدنية القاهرية، وأنّ المتصوّفة بدأوا يتابعون نظام المدرسة؛ ممّا أكسبهم تعليما دنياويّا مكّنهم من تحسين مجرى نشاطهم؛ وفي الوقت نفسه اكتسب الطّلبة معلومات عن المدخل الصّوفي للدّين من خلال معايشتهم للصّوفيّة. وعن طريق هذا الدّمج تخلّت مؤسسة التّصوّف جزئيّا عن طبيعتها الانعزالية (٢).
وأطلق الرّحّالة المغربي ابن بطّوطة - الذي زار القاهرة في أثناء عهد النّاصر محمد بن قلاوون - على «خوانك» القاهرة اسم «الزّوايا»، باعتباره الاسم الشّائع في شمال أفريقيا للدّلالة على هذه المؤسّسة، وقدّم لنا وصفا غنيّا لما كان يدور بداخلها يقول:
_________
(١) المقريزي: السلوك ٢٧٣: ٧ - ٢٧٤؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٧٠: ١١؛ وانظر فيما يلي ٧٢٨ - ٧٢٩، ٧٦٦.
(٢) Behrens-Abouseif، op.cit.، p. ٨٤.
стр. 2432
«وأمّا الزّوايا فكثيرة، وهم يسمّونها الخوانق - واحدتها خانقاه - والأمراء بمصر يتنافسون في بناء الزّوايا، وكلّ زاوية بمصر معيّنة لطائفة من الفقراء وأكثرهم الأعاجم، وهم أهل أدب ومعرفة بطريقة التّصوّف، ولكلّ زاوية شيخ وحارس، وترتيب أمورهم عجيب. ومن عاداتهم في الطّعام أنّه يأتي خادم الزّاوية إلى الفقراء صباحا فيعيّن له كلّ واحد ما يشتهيه من الطّعام، فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكلّ إنسان خبزه ومرقه في إناء على حدة لا يشاركه فيه أحد. وطعامهم مرّتان في اليوم، ولهم كسوة الشّتاء وكسوة الصّيف، ومرتّب شهري من ثلاثين درهما للواحد في الشّهر إلى عشرين، ولهم الحلاوة من السّكّر في كلّ ليلة جمعة، والصّابون لغسل أثوابهم، والأجرة لدخول الحمّام، والزّيت للاستصباح. وهم أعزاب، وللمتزوّجين زوايا على حدة. ومن المشترط عليهم حضور الصّلوات الخمس والمبيت بالزّاوية واجتماعهم بقبّة داخل الزّاوية.
ومن عاداتهم أن يجلس كلّ واحد منهم على سجّادة مختصّة به. وإذا صلّوا صلاة الصّبح قرأوا «سورة الفتح» و «سورة الملك» و «سورة عمّ»، ثم يؤتى بنسخ من القرآن العظيم مجزّأة فيأخذ كلّ فقير جزءا ويختمون القرآن ويذكرون. ثم يقرأ القرّاء على طريقة أهل المشرق، ومثل ذلك يفعلون بعد صلاة العصر. ومن عاداتهم مع القادم أنّه يأتي باب الزّاوية فيقف به مشدود الوسط وعلى كاهله سجّادة وبيمناه العكّاز وبيسراه الإبريق فيعلم البوّاب خادم الزّاوية بمكانه، فيخرج إليه ويسأله من أي البلاد أتى؟ وبأي الزّوايا نزل في طريقه؟ ومن شيخه؟ فإذا عرف صحّة قوله أدخله الزّاوية وفرش له سجّادته في موضع يليق به، وأراه موضع الطّهارة، فيجدّد الوضوء، ويأتي إلى سجّادته فيحل وسطه ويصلّي ركعتين، ويصافح الشّيخ ومن حضر ويقعد معهم.
ومن عاداتهم أنّه إذا كان يوم الجمعة أخذ الخادم جميع سجاجيدهم فيذهب بها إلى المسجد ويفرشها لهم هنالك. ويخرجون مجتمعين ومعهم شيخهم فيأتون المسجد ويصلّي كلّ واحد على سجّادتهم، فإذا فرغوا من
стр. 2433
الصّلاة قرأوا القرآن على عادتهم ثم ينصرفون مجتمعين إلى الزّاوية ومعهم شيخهم» (١).
***
وارتبط بالخوانك ونشاطها الصّوفي مؤسّستان أخريان هما: الرّبط (م. رباط) والزّوايا (م. زاوية)، حيث ذكر المقريزي - حتى عصره - اثني عشر رباطا وستّا وعشرين زاوية. وقد ذكر النّعيمي صاحب كتاب «الدّارس في تاريخ المدارس» - وهو مؤرّخ شاميّ عاش في نهاية عصر المماليك الشّراكسة - اعتمادا على رواية لكمال الدّين الدّميري - الذي عاش حتى مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي - أنّ العلماء «لم يتعرّضوا للفرق بين [الخانكاه] وبين الزّاوية والرّباط، وهو المكان المسبّل للأفعال الصّالحة والعبادة» (٢). وحقيقة الأمر أنّه توجد فروق جوهرية بين هذه المؤسّسات الثلاثة كما توصّلت إلى ذلك دراسات محمد محمد أمين، وليانور فرنانديز Leonor Fernandes، ودونالد ليتل Donald Little (٣). وتتلخّص هذه الفروق في:
- أنّ الخانكاه عرفت في مصر منذ عصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب مع إنشاء الخانكاه الصّلاحية سعيد السّعداء.
- تطوّرت الخوانك تطوّرا كبيرا في العصر المملوكي مع تطوّر سائر المؤسّسات الوقفيّة التي انتشرت في هذا العصر وأدمجت بذلك في المجتمع المملوكي.
- اعتبرت «الخوانك» مساجد وبيوت للصّوفيّة واشترط فيمن يقيم بها أن يكون متّبعا لطريقة التّصوّف. أمّا «الرّبط» فهي عبارة عن ملجأ يكون مأوى لفقراء المسلمين أو عتقاء الواقف أو الجند البطّالين ولا يكلّفون إثبات استحقاق أو زي الفقر (٤).
_________
(١) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، تحقيق عبد الهادي التازي، الرباط ١٩٩٧، ٢٠٤: ١ - ٢٠٥.
(٢) النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ١٩٥: ٢.
(٣) محمد محمد أمين: الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر ٦٤٨ - ٩٢٣ هـ/ ١٢٥٠ - ١٥١٧ م، القاهرة ١٩٨٠، ٢٠٤ - ٢٢٤؛ Fernandes، L.، The Evolution of Sufi Institution in Mamluk Egypt: The khanqah، L ٢ Berlin ١٩٨٨; little، D.P.، «The Nature of Khanqahs، Ribats and Zawiyas under the Mamluks» in Islamic Studies Presented to Charles Adams، W.B.Hallaq and D.P.Little (eds.)، leiden ١٩٩٢، pp. ٩١ - ١٠٥.
(٤) محمد محمد أمين: المرجع السابق ٢١٩، ٢٢١.
стр. 2434
وكانت أماكن إعاشة المتصوّفة في الغالب جزءا من الخانكاه، ولكن في بعض الحالات كان يطلق عليها «الرّباط» مثلما ورد في حجّة وقف السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون على خانكاه سرياقوس، فقد حدّدت هذه الحجّة بوضوح أنّ الخانكاه هي «مكان اجتماع الصّوفيّة لممارسة وظيفة التّصوّف من تهليل وأذكار وتسبيح واستغفار»، بينما ذكرت أنّ الموضع الذي أطلقت عليه «الرّباط» والمشتمل على ستين بيتا «جعل مأوى للفقراء الواردين إليه، والرّباطات الباقيات المشتمل كلّ منهما على أحد وعشرين بيتا جعلت برسم سكنى الفقراء الصّوفيّة المقيمين بهذا المكان على الدّوام والاستمرار» (١).
وبدأت الخوانك منذ مطلع القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي بإيعاز من طبقة العلماء، المرتابين في الصّوفيّة والتّصوّف، بإفساح مساحة لتدريس العلوم الدّينية، هكذا عيّن شيخ لتدريس علوم الحديث لثلاثين طالبا في خانكاه بيبرس الجاشنكير.
ومع إنشاء «المدرسة المهمنداريّة» سنة ٧٢٥ هـ/ ١٣٢٥ م جمعت المدرسة لأوّل مرّة بين وظيفة المدرسة ووظيفة الخانكاه، بحيث أصبح الطّلبة هم أنفسهم المتصوّفة. وأشير إلى بعض هذه المؤسّسات على أنّها خوانك يدرّس بها الفقه، وإلى بعضها الآخر باعتباره مدارس اشترط على طلبتها حضور وظيفة التّصوّف. وقد اتّضح هذا الأنموذج على الأخصّ مع مدرسة وخانكاه الظّاهر برقوق التي أشرت إليها منذ قليل (فيما تقدم ٨٥ *- ٨٦ *).
وعلى خلاف الخانكاه والرّباط، كانت «الزّاوية» تنشأ في الغالب برسم شخص معيّن ينقطع فيها للعبادة، أو برسم شيخ يمثّل «طريقة صوفيّة» معيّنة؛ وعند وفاة الشّيخ كان يخلفه فيها شيخ من «الطّريقة» نفسها. ومع تراجع دور الخوانك آلت بعض وظائفها إلى الزّوايا، وظهر لذلك نمطان من الزّوايا في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي:
- الزّاوية التّقليدية التي تنشأ من أجل طريقة صوفيّة معيّنة يتمّ تمويلها بواسطة الشّيخ نفسه أو بواسطة أحد المماليك أو الأعيان، وعادة ما ترتبط هذه الزّوايا بالطّبقة الحاكمة.
- الزّاوية التي تؤدّي أيضا دور المسجد أو الرّباط والمستقلّة نسبيّا عن الطّبقة
_________
(١) محمد محمد أمين: المرجع السابق ٢٢١.
стр. 2435
الحاكمة، والتي يمارس فيها التّصوّف السّنّي، وتقام فيها كذلك الصّلوات مثل المساجد، وتوفّر في الوقت نفسه الطّعام والإقامة للفقراء مثل الرّبط (١).
***
وهكذا، فإنّ المدرسة والخانكاه - على عكس المساجد الجامعة ومساجد الصّلوات الخمس - نمط من المؤسّسات الدّينية الإسلامية لم تنشأ في الأساس لاستخدام جمهور المسلمين، وإنّما ليتعامل معها طوائف معيّنة هم الطّلبة والمدرّسون والمتصوّفة؛ لذلك جمع تخطيطها بين عمارة المنشآت الدّينية من ناحية، وعمارة المنشآت المدنية من ناحية أخرى.
فاستمدّت المدارس والخوانك من المساجد الجامعة التّوجّه نحو الكعبة ووجود المحراب ثم وجود المنبر بعد فترة وكذلك وجود المئذنة؛ واستمدّت من العمارة المدنيّة اشتمالها على وحدات سكنية ووجود مطابخ وحمّامات. وفي البداية كانت الوحدات السّكنية متداخلة في نسيج المنشأة مثلما هو الحال مع الخانكاه الرّكنية بيبرس والمدرسة النّاصرية حسن، ولكن مع الوقت انفصلت عنها، ممّا أدّى إلى ضياع كلّ أثر لهذه الوحدات الآن، خاصّة ما كان ملحقا منها بالمؤسّسات التي أنشئت داخل حدود المدينة الفاطمية (مدرسة قلاوون ومدرسة الظّاهر برقوق)؛ بينما فصلت المدارس التي أقيمت في نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي تماما بين مبنى المدرسة ووحدات الإعاشة مثل حال مدرسة أمّ السّلطان شعبان بالتّبّانة ومدرسة ألجاي اليوسفي بسوق السّلاح.
المصاحف المملوكيّة
تدلّ الكتابات الكثيرة الموجودة على مختلف العمائر المملوكية: الجوامع والمدارس والخوانك والدّور والحمّامات، وكذلك المصاحف الضّخمة التي وصلت إلينا من العصر المملوكي والتي كانت موقوفة على هذه الجوامع والمدارس والخوانك، على أنّ القاهرة حلّت محلّ بغداد في فنّ الخطّ العربي وظلّت كذلك حتى العقود الأولى من القرن العاشر الهجري/ السّادس عشر الميلادي، يقول ابن خلدون، في نهاية القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي:
_________
(١) Fernandes، L.، «Some Aspects of the Zawiya in Egypt at the Eve of the Ottoman Conquest»، An.Isl.XIX (١٩٨٣)، pp. ١٢، ١٤; Little، L ٢ D.P.، op.cit.، p. ٩٥.
стр. 2436
«ثمّ لمّا انحلّ نظام الدّولة الإسلامية وتناقصت، تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة، فانتقل شأنها من الخطّ والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة، فلم تزل أسواقه نافقة لهذا العهد، وله بها معلّمون يرسمون للمتعلّم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم، فلا يلبس المتعلّم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع» (١).
وتشهد الأعمال التي أنتجها العصر المملوكي ووصلت إلينا على مدى ما بلغه فنّ الخطّ من تجويد في هذا العصر. فقد وقف أغلب سلاطين المماليك وكبار أمرائهم، على الجوامع والمدارس والخوانك والتّرب التي أنشأوها، مصاحف ضخمة كتبها كبار الخطّاطين في هذه الفترة أمثال:
ابن الوحيد وابن الصّائغ وعلي بن محمد الأشرفي وموسى بن إسماعيل الحجيني، كتبت بخطّ الطّومار وخطّ الثّلث والخطّ الرّيحان والخطّ المحقّق، وتتميّز جميع هذه المصاحف بالتّذهيب الكامل والزّخرفة الكاملة لفاتحة المصحف وخاتمته، وكذلك كثرة نماذج الأرابيسك الموجودة في أوّل المصحف قبل الفاتحة Frontispice.
ويوجد القسم الأكبر من هذه المصاحف الآن في دار الكتب المصرية بالقاهرة، نقل إليها من هذه المساجد والمدارس، ولكن قسما آخر منها عرف طريقه، في تاريخ سابق، إلى بعض المجموعات العالمية وعلى الأخصّ في مكتبة شستربتي بدبلن Chestter Beaty ومجموعة Kheir بلندن ومتحف طوبقبو سراي ومتحف الأوقاف بإستانبول والمكتبة الوطنية في باريس والمكتبة البريطانية في لندن (٢).
ويهمّني هنا الإشارة إلى واحد من أهمّ وأوائل المصاحف المملوكية التي وصلت إلينا، كان موقوفا على أحد أهمّ خوانك القاهرة التي ذكرها المقريزي، هي «الخانكاه الرّكنية بيبرس» بالجمالية؛ فقد وصل إلينا المصحف الذي وقفه بيبرس الجاشنكير على هذه الخانكاه، وهو محفوظ الآن بالمكتبة البريطانية بلندن ويقع في سبعة أجزاء وقياسه ٤٨ * ٣٢ سم، وهو المصحف
_________
(١) ابن خلدون: المقدمة ٩٦٨.
(٢) راجع لتفاصيل أكثر James، D.، Qur'ans of the Mamluks، London-Alexandria Press ١٩٨٨؛ أيمن فؤاد: الكتاب العربي المخطوط ٣١٣ - ٣٢٤؛ يمنى محمد مرتضى: زخرفة المصحف الشّريف في عصر المماليك، رسالة ماجستير بآثار القاهرة ١٩٩٨.
стр. 2437
المملوكي الوحيد المقسّم بهذا الشّكل. وذكر ابن إياس سبب كتابته، يقول في حوادث سنة ٧٠٥ هـ/ ١٣٠٦ م:
«فيها ابتدأ الأتابكي بيبرس الجاشنكير بعمارة خانقاهه التي برحبة باب العيد قبالة الدّرب الأصفر؛ قيل: لمّا كملت عمارة هذه الخانقاه كتب الشّيخ شرف الدّين ابن الوحيد للأتابكي بيبرس «ختمة» في سبعة أجزاء في ورق قطع البغدادي بقلم الشعر، قيل: إنّ الأتابكي بيبرس أصرف على ليقة هذه الأجزاء ألفا وسبع مائة دينار حتى كتبت بالذّهب، ووضعها في الخانقاه فهي من محاسن الزّمان» (١).
ولا جدال في أنّ ما ذكره ابن إياس هو وصف للمصحف المحفوظ الآن في المكتبة البريطانية بلندن برقم Add ٢٢٤٠٦ - ١٣، فكلّ هذه الأوصاف تنطبق عليه. وإشارة ابن إياس ليست الإشارة الوحيدة في المصادر إلى هذا المصحف، فقد سبق أن ذكره - قبل ابن إياس - كلّ من الصّفدي والمقريزي وابن حجر العسقلاني، ولكنّ روايتهم تعارض رواية ابن إياس في أنّ المصحف لم يكن في وقتهم في الخانكاه التي شيّدها بيبرس الجاشنكير وإنّما في جامع الحاكم، يقول ابن حجر في ترجمة بيبرس:
«وهو الذي جدّد الجامع [أي جامع الحاكم عند باب الفتوح] بعد الزّلزلة ووقف له وقفا مختصّا، وعمّر له خزانة كتب فيها أشياء نفيسة من جملتها «المصحف» الذي كتبه ابن الوحيد بماء الذّهب بخطّه المنسوب في سبعة أجزاء» (٢).
وكاتب هذا المصحف الرّائع هو شرف الدّين أبو عبد اللّه محمد بن شريف بن يوسف الذّرعي الدّمشقي المعروف بابن الوحيد الكاتب، المتوفى سنة ٧١١ هـ/ ١٣١١ م، أحد تلاميذ قبلة الخطّاطين ياقوت بن عبد اللّه الرّومي المستعصمي، حيث تتلمذ عليه في بغداد وصار بعد عودته إلى مصر «شيخ التّجويد بها ويضرب بجودة خطّه المثل» كما يقول المقريزي (٣). أمّا خليل بن أيبك الصّفدي فقال عنه:
_________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ٤١٨: ١/ ١ - ٤١٩.
(٢) ابن حجر: الدرر الكامنة ٤٠: ٢.
(٣) المقريزي: المقفى الكبير ٧٢٠: ٥ - ٧٢١.
стр. 2438
«صاحب الخطّ الفائق والنّظم والنّثر، كان تامّ الشّكل حسن البزّة موصوفا بالشّجاعة متكلّما بعدّة ألسن يضرب المثل بحسن كتابته … وكان قد اتّصل بخدمة بيبرس الجاشنكير وأعجبه خطّه فكتب له «ختمة» في سبعة أجزاء بليقة ذهبيّة قلم الأشعار ثلث كبير قطع البغدادي، دخل فيها جملة من الذّهب أعطاه له الجاشنكير برسم اللّيقة لا غير ألفا وستّ مائة دينار أو ألفا وأربع مائة دينار، فدخل الختمة ستّ مائة دينار وأخذ الباقي؛ فقيل له في ذلك، فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب مثل هذه «الختمة»؟ وزمّكها صندل المذهّب رأيتها في جامع الحاكم وفي ديوان الإنشاء بقلعة الجبل غير مرّة. وهي وقف بجامع الحاكم، وما أعتقد أنّ أحدا يكتب مثلها ولا مثل تزميكها فإنّهما كانا فردي زمانهما، وأخذ من الجاشنكير عليها جملة من الأجرة. وكتب الأقلام السّبعة طبقة، وأمّا فصاح النّسخ والمحقّق والرّيحان، فما كتبه أحد أحسن منه» (١).
ويوجد في نهاية كلّ سبع منه حرد متن Colophon يوضّح من أمر بكتابته واسم كاتبه، تختلف صيغته اختلافا يسيرا بين سبع وآخر، نصّه:
«أمر بكتابة هذا السّبع الشّريف وإخوته المقرّ الكريم العالي المولوي المخدومي الرّكني - أعزّ اللّه نصره - أستاذ الدّار العالية. وكتب محمد ابن الوحيد، حامدا للّه ومصلّيا على نبيّه محمّد وآله وصحبه ومسلّما، وفرغ منها بأسرها في سنة خمس وسبع مائة».
كما ورد كذلك اسم المزمّك - الذي ذكره الصّفدي - وهو أبو بكر محمد بن مدبّر الشّهير ب «صندل»، والذي شاركه في ذلك شخص آخر يدعى «أيدغدي بن عبد اللّه البدري»، حيث يوجد توقيعهما على أجزاء المصحف «الختمة» السّبعة، فقد جاء في نهاية السّبع الثّالث: «بتذهيب صندل»؛ وبنهاية السّبع السّابع: «زمّك هذا السّبع الشّريف وإخوته العبد الفقير إلى اللّه تعالى الرّاجي عفو اللّه ورحمته أيدغدي بن عبد اللّه البدري - عفا اللّه عنه - في سنة خمس وسبع مائة» (٢).
_________
(١) الصفدي: الوافي بالوفيات ١٥٠: ٣ - ١٥١.
стр. 2439
القرافة
كانت جبّانة مصر الفسطاط حتى منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي تمتدّ شرق المدينة في سفح جبل المقطّم. وكان أقدم أجزائها يقع بين مسجد الفتح وسفح المقطّم (فيما يلي ٨٥٠)، ويشتمل هذا الجزء المناطق المعروفة الآن ببطن البقرة وجبّانة سيدي عقبة بن عامر والتّونسي وقسم من البساتين. وهذه المنطقة هي التي تعرف في المصادر ب «القرافة الكبرى». ولم تحتو المنطقة المحصورة بين قبّة الإمام الشّافعي وسفح المقطّم شمال القرافة الكبرى على مقابر إلاّ بعد أن دفن السّلطان الكامل محمد الأيّوبي ابنه بجوار قبر الإمام الشّافعي في سنة ٦٠٨ هـ/ ١٢١١ م وبنى القبّة الكبيرة الموجودة الآن على ضريح الإمام الشّافعي (فيما يلي ٨٥١، ٩١١)، فبدأ النّاس ينقلون أبنيتهم من القرافة الكبرى إلى هناك وأنشأوا بها التّرب وعرفت في المصادر ب «القرافة الصّغرى». وفي زمن النّاصر محمد بن قلاوون في النّصف الأوّل للقرن الثّامن الهجري/ الرّابع عشر الميلادي، استجدّ الأمراء المماليك تربا بين قبّة الإمام الشّافعي وباب القرافة حتى صارت العمارة متّصلة من بركة الحبش جنوبا إلى باب القرافة شمالا (فيما يلي ٨٥١).
ووجدت جبّانة أخرى يرجع تأسيسها إلى القرن الثّاني الهجري مع مدينة العسكر، كانت تمتدّ على حدود الطّرف الشّمالي لمصر الفسطاط وتغطّي المنطقة التي تقع الآن جنوب غرب باب القرافة وحتى عين الصّيرة.
ومع بداية القرن الثّالث وجدت جبّانة ثالثة عند سفح المقطّم في المنطقة التي يقع فيها الآن ضريح عمر بن الفارض، والتي كانت تعرف قديما ب «مدافن محمود».
وفي مطلع القرن الرابع الهجري طرأت ظاهرة جديدة حيث وجد حيّ عمرانيّ استمدّ اسمه من «بني قرافة»، أحد بطون قبيلة المعافر، فإلى هذه القبيلة ينسب مجموع جبّانات القاهرة التي عرفت جميعها ب «القرافة» (فيما يلي ٨٤٨). وبناء على ذلك فقد ذكر ابن جبير وابن سعيد المغربي أنّهما باتا بالقرافة ليالي كثيرة، وأضاف ابن سعيد أنّ بها «قبورا عليها مبان معتنى بها … وتربا
_________
= ديفيد جيمس في مقاله James، D.، «Some Observations on the Calligrapher and Ill uminators of the Koran of Rukn al-Din Baybars al-Jashnagir»، MuqarnasL ٢ II (١٩٨٤)، pp. ١٤٧ - ٥٧.
стр. 2440
كثيرة عليها أوقاف للقرّاء ومدرسة كبيرة للشّافعية، ولا تكاد تخلو من طرب ولا سيّما في اللّيالي المقمرة، وهي معظم مجتمعات أهل مصر وأشهر متنزّهاتهم» (١). أمّا ابن بطّوطة - الذي زار مصر في عهد النّاصر محمد بن قلاوون - فوصف قرافة مصر ومزاراتها بقوله: «ولمصر القرافة العظيمة الشّأن، وهم يبنون بها القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدّور، ويبنون بها البيوت، ويرتّبون القرّاء يقرءون ليلا ونهارا بالأصوات الحسان. ومنهم من يبني الزّاوية والمدرسة إلى جانب التّربة، ويخرجون في كلّ ليلة جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم، ويطوفون على المزارات الشّهيرة، ويخرجون أيضا للمبيت بها ليلة النّصف من شعبان، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل» (٢).
ومع الفتح الفاطمي لمصر وتأسيس مدينة القاهرة نشأت جبّانات جديدة لخدمة المدينة النّاشئة، كانت أوّلا جنوب شرق القاهرة وتمتدّ خارج باب زويلة في المنطقة التي يشغلها الآن جامع الصّالح طلائع وشارع الدّرب الأحمر وشارع التّبّانة وشارع باب الوزير والشّوارع المتفرّعة منها، (فيما تقدم ٢٢١: ٢، ٣٥٣: ٣، ٣٦٧، ٤٥٢، وفيما يلي ٢٢٧، ٢٣٩، ٨٤٥) وكثر استخدام هذه الجبّانة على الأخصّ في زمن الشّدّة المستنصريّة منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي (فيما يلي ٨٤٥).
وبعد وفاة أمير الجيوش بدر الجمالي سنة ٤٨٧ هـ/ ١٠٨٥ م أنشئت جبّانة أخرى خارج باب النّصر شمال القاهرة كان هو أوّل من دفن فيها، تشغل مكانها الآن قرافة باب النّصر الواقعة بين حيّ الحسينية وشارع المنصورية (فيما يلي ٩١٦).
أمّا «قرافة المماليك»، الواقعة في الصّحراء شرق طريق صلاح سالم الحالي في المنطقة المعروفة الآن ب «ترب الغفير» حول مقابر الشّهداء، فكانت في الأصل براحا واسعا يعرف بميدان القبق وميدان العيد والميدان الأسود، يمتدّ بين قلعة الجبل وقبّة النّصر (فيما يلي ٧٩٠، ٩٢٠) حيث كان فرسان المماليك يؤدّون فيه تدريباتهم منذ أنشأه السّلطان الظّاهر بيبرس سنة ٦٦٧ هـ/ ١٣٦٥ م (فيما تقدم ٣٦٩: ٣ - ٣٧٦)، وترك السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون النّزول إلى هذا الميدان وهجره ابتداء من عام ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م، يقول المقريزي: «وأوّل من ابتدأ فيه بالعمارة الأمير شمس الدّين
_________
(١) ابن جبير: الرحلة ٢٠٠؛ ابن سعيد: المغرب (قسم مصر) ١٠ - ١١.
(٢) ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة ٢٠٥: ١.
стр. 2441
قراسنقر، فاختطّ تربته التي تجاور اليوم تربة الصّوفيّة وبنى حوض ماء للسّبيل وجعل فوقه مسجدا … ثم عمّر بعده نظام الدّين آدم أخو الأمير سيف الدّين سلار تجاه تربة قراسنقر مدفنا وحوض ماء للسّبيل ومسجدا معلّقا. وتتابع الأمراء والأجناد وسكّان الحسينيّة في عمارة التّرب هناك حتى انسدّت طريق الميدان وعمّروا بجوانبه أيضا. وأخذ صوفيّة الخانقاه الصّلاحيّة سعيد السّعداء قطعة كبيرة قدر فدّانين وأداروا عليها سورا من حجر وجعلوها مقبرة لمن يموت منهم فسمّيت «تربة الصّوفيّة»، وهي باقيّة إلى يومنا هذا وقد وسّعوا فيها بعد سنة تسعين وسبع مائة بقطعة من تربة قراسنقر.
وعمّر أيضا بجوار تربة الصّوفيّة الأمير مسعود بن خطير تربة وعمّر أيضا مجد الدّين السّلامي تربة وعمّر الأمير سيف الدّين كوكاي تربة مقابل تربة الصّوفيّة، وعمّر الأمير طاجار الدّوادار على رأس المطبق مقابل تربة النّصر تربة، وعمّر الأمير سيف الدّين طشتمر السّاقي على الطّريق تربة، وبنى الأمراء إلى جانبه عدّة ترب، وبنى الطّواشي محسن البهائي تربة عظيمة، وبنت خوند طغاي تربة تجاه تربة طشتمر السّاقي وجعلت لها وقفا. وبنى الأمير سيف الدّين طغاي تمر النّجمي الدّوادار تربة وجعلها خانكاه وأنشأ بجوارها حمّاما وحوانيت وأسكنها للصّوفيّة والقرّاء.
وبنى الأمير منكلي بغا الفخري تربة والأمير طشتمر طللية تربة، والأمير أرنان تربة. وبنى كثير من الأمراء وغيرهم التّرب حتى اتّصلت العمارة من ميدان القبق إلى تربة الرّوضة خارج باب البرقيّة، وعمّرت بميدان القبق أيضا عدّة ترب. فما مات الملك النّاصر محمد بن قلاوون حتى بطل من الميدان السّباق بالخيل ومنعت طريقه من كثرة العمائر» (فيما يلي ٩١٩ - ٩٢٠).
يتّضح من هذا العرض أنّ أكثر هذه التّرب التي أنشئت في عهد النّاصر محمد بن قلاوون وأبنائه أقيمت في الصّحراء المواجهة لباب البرقيّة؛ أمّا المنطقة الواقعة إلى الشّمال منها حيث كانت توجد عواميد السّباق التي أدرك المقريزي عدّة منها منصوبة هناك بعد سنة ٧٨٠ هـ/ ٧٧٨ هـ (فيما تقدم ٣٦٧: ٣ وفيما يلي ٧٩٠، ٩٢٠). فكان أوّل ما عمّر فيها تربة الأمير يونس الدّوادار - الواقعة الآن بحري خانكاه فرج بن برقوق - ثم تربة الأمير قجماس ابن عمّ الملك الظّاهر برقوق (فيما يلي ٩٢٠).
كانت تربة يونس الدّودار هي بداية علاقة السّلطان الظّاهر برقوق بهذه المنطقة، لأنّه لمّا توفي والده سنة ٧٨٣ هـ/ ١٣٨١ م - وكان برقوق وقتئذ مازال أميرا - دفن في تربة يونس الدّوادار، وكتب عليها: «لمّا كان بتاريخ يوم السبت ثامن عشر شوّال سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة توفي
стр. 2442
المقرّ المرحوم الشّرقي أنس - تغمّده اللّه برحمته - والد المقرّ الأشرفي العالي السّيفي برقوق أتابك العساكر عزّ نصره» (فيما يلي ٧٨٨ هـ ٢)، ولهذا السّبب عرفت تربة يونس خطأ باسم أنس (أنص) العثماني، وعندما أتمّ الظّاهر برقوق بناء مدرسته ببين القصرين نقل رفاة والده إلى قبّتها.
وبسبب دفن الأمير أنس في تربة يونس في أوّل الأمر، وقع اختيار الظّاهر برقوق على قطعة أرض كبيرة مجاورة لها وأحاط عليها حائطا وقبر فيها من مات من مماليك السّلطان وكذلك بعض كبار مشايخ الصّوفيّة. لذلك عند ما مرض الظّاهر برقوق أوصى أن يدفن تحت أرجل هؤلاء الفقراء وأن يبنى على قبره تربة، يقول المقريزي: «فدفن حيث أوصى وأخذت قطعة مساحتها عشرة آلاف ذراع وجعلت خانقاه، وجعل فيها قبّة على قبر السّلطان وقبور الفقراء المذكورين، وتجدّد من حينئذ هناك عدّة ترب جليلة حتى صار الميدان شوارع وأزقّة» (فيما يلي ٩٢٠ - ٩٢١).
وتوالى بعد ذلك بناء التّرب والخوانك في هذا الموضع حيث شيّد النّاصر فرج خانكاته الضّخمة وملحقاتها هناك (٨٠٣ - ٨١٣ هـ/ ١٤٠٠ - ١٤١٠ م)، وبنيت قبّة الأمير جاني بك الأشرفي (٨٣١ هـ/ ١٤٢٧ م) وقبّة الأشرف برسباي (٨٣٥ هـ/ ١٤٣٢ م)، ومدرسة وخانكاه وتربة الملك الأشرف إينال (٨٥٥ هـ/ ١٤٥١ م)، وقبّة الأمير برسباي البجاسي (٨٦١ هـ/ ١٤٥٦ م)، ثم مسجد السّلطان قايتباي والقبّة التي أنشأها على قبور أولاده سنة ٨٧٩ هـ/ ١٤٧٤ م، ثم قبّة السّلطان قانصوه أبو سعيد (٩٠٤ هـ/ ١٤٩٨ م) ثم قبّة الأمير عصفور (٩١٢ هـ/ ١٥٠٦ م) وهي القبّة الوحيدة التي ألحق بها سبيل بين آثار مصر (١).
وذكر المقريزي في «مسوّدة الخطط» أنّ شيخه ابن خلدون تنبّأ بازدهار هذا المكان واتّساعه، يقول: «قال لي شيخنا أستاذ الزّمان قاضي القضاة أبو زيد عبد الرّحمن بن خلدون غير مرّة: لا بدّ أن يصير هذا المكان مدينة. وكان ﵀ في هذا الباب عجبا يقول أمورا جرّبناها عليه فلم تخطئ، فكنت أرى أنّه محدّث» (فيما يلي ٩٢١).
وبلغ من ازدحام هذه المنطقة بالقباب والتّرب في آخر عصر دولة المماليك الشّراكسة أن انتقد ابن إياس السّلطان الظّاهر أبا سعيد قانصوه على إنشائه تربته بآخر الصّحراء لأنّه «حصل للنّاس منه
_________
(١) حسن عبد الوهاب: خانقاه فرج بن برقوق وما حولها ٣٠٣ - ٣٠٥.
стр. 2443
غاية الضّرر بسبب ذلك» و «ضيّق بها الطّريق على المارّ من هناك، وأعمى ترب النّاس التي بجواره» (١).
وأطلق جومار - أحد العلماء المصاحبين للحملة الفرنسية - على المقابر الموجودة بهذه المنطقة اسم «ترب قايتباي» (٢)، وهي بالرّغم من فقدان الكثير منها فإنّ المتبقي منها الآن يمثّل ثروة معمارية لم يجتمع مثلها في صعيد واحد مثل ما اجتمعت بها.
وتعرف المقابر التي أنشئت بحري قلعة الجبل خارج باب الوزير، حيث قبّة الأمير طراباي الشّريفي، ب «قرافة باب الوزير»، والمقابر التي أنشئت إلى الشّمال منها باسم «قرافة المجاورين».
الوضع الرّاهن للآثار التي ذكرها المقريزي
يقول Mariette عن القاهرة - قبل أكثر من قرن ونصف القرن -: «إنّها لو تركت لنفسها فإنّها ستمزّق وثائق عظمتها» «Il dechire les parchemins de sa propre noblesse»، وعلّق على ذلك إدمون بوتي Edmond Pauty مهندس وخبير لجنة حفظ الآثار العربية - قبل أكثر من سبعين عاما - بأنّ هناك عادة قديمة يصعب مواجهتها تريد أن لا يكون للشّرقيين تجاه ما شيّده أسلافهم، باستثناء المساجد التي يجلّونها لمكانتها المقدّسة هي وأماكن العبادة الأخرى، إلاّ كلّ ازدراء أو عدم اكتراث. فالمصريون لا يقدّرون قيمة ما يمتلكونه ويزيلون بلا اكتراث كلّ ما يتهدّده التّخريب، إذ إنّ عمارة فقيرة جديدة أفضل عندهم من قصر قديم (٣). ورغم قسوة هذا الحكم فإنّه لا شك يحمل قدرا كبيرا من الحقيقة مازال مستمرا حتى الآن.
فحتى عام ١٨٧٠ م لم تكن القاهرة تعاني من هذا الإهمال لآثارها وكانت الأوقاف ما تزال تصرف في أغراضها، فقد كان مركز الحكم ما يزال في قلعة الجبل، ولم يكن تغريب المدينة مع
_________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ٤٢٤: ٣، ٤٣٧.
(٢) جومار: وصف مدينة القاهرة ٢٢٦.
(٣) Pauty، E.، «la defense de l'ancienne ville du Caire et de ses monuments.Urbanisme etL ٢ archeologie»، BIFAO XXXI (١٩٣١)، p. ١٣٥.
стр. 2444
المشروع الحضاري الذي تبنّاه الخديو إسماعيل باشا وأراد به محاكاة الأنموذج الغربي لتنمية المدن قد بدأ (فيما تقدم ٦٠: ٣ *). وإذا كان هذا المشروع قد نجح في إنشاء مدينة جديدة على النّمط الأوروبي ألصقت بالجانب الغربي للمدينة القديمة في المنطقة التي تقع الآن بين الأزبكيّة شرقا وميدان التّحرير غربا، فإنّه أثّر سلبا على المدينة القديمة الواقعة شرق الخليج المصري (شارع بور سعيد الآن). وغيّرت المحاولات المتكرّرة لفتح طرق عرضية تربط غرب المدينة على الخليج بشرقها عند صحراء المماليك والتي بدأت منذ الرّبع الأخير للقرن التاسع عشر، من النّسيج العمراني للمدينة.
فالتّخطيط الأصلي لمدينة القاهرة الفاطمية وظواهرها الجنوبية والشّمالية بني على أساس وجود شوارع رئيسة بالمدينة تمتدّ في اتّجاه الشّمال موازية للخليج: الشّارع الأعظم (شارع المعزّ لدين اللّه الآن وامتداداته الجنوبية حتى شارع السّيوفيّة والتقائه بصليبة ابن طولون)، والشّارع الممتدّ من رحبة باب العيد حتى باب النّصر (شارع الجمالية الآن)، ولم تعرف إطلاقا الطّرق أو الشّوارع العرضية التي تربط شرق المدينة بغربها. فأدّى فتح شوارع مثل السّكّة الجديدة وشارع بيت القاضي وشارع محمد علي، في أواخر القرن التاسع عشر، ثم شارع الأزهر في سنة ١٩٣٠، إلى تغيير النّسيج العمراني للمدينة القديمة وإزالة العديد من نقاط الاستدلال والآثار المملوكية بصفة خاصّة التي كانت تعترض مسير هذه الشّوارع الجديدة: وبالمثل فإنّ فتح محاور جديدة شمال المدينة القديمة (شارع جلال) والمحور الجنوبي المزمع فتحه عند باب الوزير جنوب المدينة القديمة من شأنه أن يغيّر النّسيج العمراني الأصلي لهذه المنطقة.
ونحو سنة ١٨٨٠ م أدرك بعض الفرنسيين المقيمين في مصر ومن بينهم Gabriel Charmes و Aimbroise Baudry و Arthur Rhone أهميّة وجود مؤسّسة عليا تتمتّع بدفع مستمرّ حتى يمكن القيام بجهد حقيقي للمحافظة على المدينة القديمة. فأعلنوا عن ضرورة إنشاء لجنة تعنى بالآثار التاريخية تتوفّر لها السّلطة اللازمة لتتوازن مع سلطات وزارة الأشغال العمومية التي تتولّى أمر المدينة الأوروبية الجديدة. وقد وجد إنشاء هذه اللّجنة مقاومة في البداية، ولكنهم نجحوا أخيرا في استصدار مرسوم من الخديو توفيق في ١٨ ديسمبر سنة ١٨٨١ م بإنشاء اللّجنة على أن تكون ملحقة بوزارة الأوقاف المسئولة حينئذ عن الآثار الإسلامية في مصر، وعقدت اللّجنة أوّل اجتماع لها في وزارة الأوقاف في الأوّل من فبراير سنة ١٨٨٢ م برئاسة سعادة محمد زكي باشا - ناظر الأوقاف حينئذ - وضمّت في عضويتها عددا من الشّخصيات المعنيّة بالآثار من المصريين والأجانب تمّ اختيارهم بعناية.
وكان الواجب الأوّل المنوط باللّجنة - والواضح من اسمها - هو حفظ هذه الآثار لا تجديدها.
стр. 2445
وظهر الجهد الأكبر لهذه اللّجنة على الأخصّ في عهد الخديو عبّاس حلمي الثّاني (١٨٩٢ - ١٩١٤ م) حيث بذلت اللّجنة جهدا كبيرا لضمان تسجيل وحماية الآثار الإسلامية والقبطيّة بالقاهرة ثم ترميم وصيانة القسم الأكبر منها. ويقتضي منّا إرجاع الفضل إلى أهله أن نمتدح بدون تحفّظ ما تحمّلته هذه اللّجنة لتحقيق هذه الغاية. وستظلّ أسماء مثل Julius Franz Pacha و Max Herz Pacha ثم Achille Patricolo و Edmond Pauty مهندسي اللّجنة، وعلي بك بهجت ومحمود باشا أحمد ومحمد بك رمزي خبراء اللّجنة مرتبطة بالنّتائج الرائعة التي تمّ التّوصّل إليها، علما بأنّ العدد الهائل لهذه الآثار والحالة السّيّئة لبعضها جعل مهمّة اللّجنة من الصّعوبة بمكان. ولا شكّ أنّ إعجابنا الآن بآثار القاهرة الإسلامية يرجع الفضل فيه إلى الإرادة القويّة لأعضاء هذه اللّجنة الذين أخذوا على عاتقهم ضرورة استمرار هذه الآثار وبقائها، فلولا تدخّل اللّجنة في الوقت المناسب لضاعت معظم هذه الآثار.
وبالمثل فقد قامت اللّجنة بصيانة وترميم عدد هائل من المنقولات الأثرية وحفظها في حالة جيّدة كان نواة ل «دار الآثار العربية» التي تحوّلت الآن إلى «متحف الفنّ الإسلامي»؛ بحيث نستطيع أن نؤكّد أنّه بدون هذه العناية المثابرة للّجنة فإنّ وثائق نادرة عن الفنّ الإسلامي وعن تاريخ الآثار الإسلامية لم نكن لنصل إليها. فهذه المعالم القائمة والآثار المنقولة الأخرى هي خير شاهد على ماض فنّي رائع، وتقتضي منّا المحافظة الدّائمة عليها، فهي لن تقاوم الخراب والبلى إلاّ إذا دعّمت بعناية ويقظة دائمتين، الأمر الذي يؤكّد أهميّة التّرميم السّليم لها مع ضرورة إحاطتها بنظام حماية قوي يمنع أعمال التّعدّي عليها أو تهديدها.
وتمثّل محاضر لجنة حفظ الآثار العربية بما تضمّه من تقارير ودراسات أثريّة وهندسية وتوثيق لأعمال الصّيانة والتّرميم التي قامت بها، مصدرا من أهمّ مصادر العمارة الإسلامية، فقد رفعت جميع الآثار الإسلامية، سواء بالقاهرة أو الأقاليم، وأخذت لها صورا فوتو غرافية نادرة أوّلا لحالة الأثر كما وجدته، ثم للأثر بعد أعمال التّرميم والصّيانة التي أجرتها به، فخلّفت لنا بذلك أرشيفا نادرا من الصّور الفوتوغرافية لآثار القاهرة الإسلامية كان يقوم بالتقاطها مصوّرون محترفون. ونشرت اللّجنة هذه المحاضر في كرّاسات سنوية باللّغة الفرنسية بلغت، منذ ظهور عددها الأوّل سنة ١٨٨٤ وحتى سنة ١٩٥١، أربعين كرّاسة تخلّلها بعض التّوقّف في فترة الحربين العالميتين، كما ظهرت ترجمة عربية
стр. 2446
للسّتّ والعشرين كراسة الأولى منها فقط وجاري الآن استكمال ترجمة الأجزاء الباقية (١).
ولكن بعد ضمّ الآثار الإسلامية إلى «مصلحة الآثار» التي تحوّلت في ستينيات القرن العشرين إلى «الهيئة العامّة للآثار» ثم في سنة ١٩٩٣ إلى «المجلس الأعلى للآثار» توارت الآثار الإسلامية وتراجع الاهتمام بها، خاصّة بعد أن سمحت الدّولة في عقد السّتّينيات من القرن العشرين باتّخاذ الجوامع الفاطمية والمملوكية المنتشرة في شارع المعزّ لدين اللّه ومنطقة الدّرب الأحمر كأماكن للإيواء لمن هدمت منازلهم أو هجّروا من مدن القناة، الأمر الذي ساعد على تدمير العديد من هذه الآثار، في نفس الوقت الذي أصبح فيه الرّؤساء المتتاليون للهيئة من المتخصّصين في الآثار المصرية القديمة (٢)، فوجّهت الهيئة ثم المجلس كلّ الاهتمام إلى هذه الآثار، ولم تصدر «اللّجنة الدّائمة للآثار الإسلامية والقبطية» التي حلّت محلّ «لجنة حفظ الآثار العربية» طوال هذه الفترة سوى تقرير واحد عن نشاطها، هو الكرّاسة رقم ٤١ لسنة ١٩٥٤ - ١٩٦١ م، التي اشتملت على إخراج بعض الآثار المسجّلة.
وساعد على تفاقم وضع آثار القاهرة الإسلامية ارتفاع منسوب المياه الجوفية الذي تأثّرت به بشدّة أرضيات هذه الآثار وجدرانها، كما أنّ توزّع تبعيّة هذه الآثار بين وزارة الأوقاف - المالك لهذه الآثار باعتبارها أوقافا تقوم بإجارتها للمنتفعين بها، ووزارة الثّقافة - المسئولة عن ترميم هذه الآثار، ومحافظة القاهرة التي تشرف إداريّا على هذه الآثار، جعل مسئولية الحفاظ عليها موزّعة بينها.
وربّ ضارّة نافعة، فقد كان الزّلزال الذي ضرب مدينة القاهرة وضواحيها في الثّاني عشر من أكتوبر سنة ١٩٩٢ م وتأثّرت به أغلب آثار القاهرة الإسلامية، ناقوس خطر نبّه المسئولين في وزارة الثّقافة ومحافظة القاهرة إلى العناية مجدّدا بآثار القاهرة الإسلامية، غير أنّ الجهد الأكبر يتوجّه مرّة
_________
(١) انظر كذلك، ستانلي لين بول: سيرة القاهرة، ٢٥٣ - ٢٦٢ (تقرير هام عن أعمال اللجنة)؛ el- Habashi، cA، Warner، N.، «Recording the Monuments of Cairo: An Introdution and.Overview»، An.Is.XXXII (١٩٩٨)، PP. ٨١ - ٨٢ وعن فلسفة لجنة حفظ الآثار وأسلوبها في الحفظ انظر Alaa al Habashi، Cairo of the Comite De Conservation des Monuments de l'Art Arabe: A Study on the Preservation of the Arab Monuments and the Protection of Arab Architecture from ١٨٨١ to ١٩٦١، ph.D.dissertation.School of Finr Arts، University of Pennsylvania ١٩٩٨ L ٢، كما يعدّ الباحث الجزائري كريم بديك Karim Beddek رسالة دكتوراه في جامعة باريس رقم ٤ (La Sorbonne) بإشراف الأستاذة Mairanne Barrucand حول كراسات لجنة حفظ الآثار العربية، وراجع أيضا Speiser، ph.، Die Geschichte der Erhaltung Arabischer Budenkmaler in Agypten، heidelberg ٢٠٠١، pp. ٤٧ - ٩٤.
(٢) فريد شافعي: العمارة العربية في مصر الإسلامية ٣١١: ١ - ٣١٢.
стр. 2447
أخرى إلى المنشآت الدّينية الكبرى، بينما ترك الكثير من الآثار المدنية المهمّة (قصر قوصون - يشبك خلف جامع السّلطان حسن، بوّابة قصر منجك بسوق السّلاح) تستخدم كمقالب للقمامة.
***
وعلى ذلك فإنّ ترميم الآثار لا يجب أن يكون غاية في ذاته، ولكنّه يجب أن يندرج تحت باب المحافظة على المدينة القديمة وحمايتها وعدم التّعدّي عليها. فترميم الأثر لا يعني تجديده أو تحويل ما حوله وفتح طرق تقود إليه أو تدمير المنازل القديمة المجاورة له. ففي إطار التّطوير العمراني لا يوجد أشقّ من حماية حيّ قديم أو مدينة قديمة؛ فالاختلاف والتّنوّع الكبير للعمائر القائمة، والتي تمتدّ - في حالة القاهرة القديمة - على أكثر من ألف عام منذ بناء جامع ابن طولون أقدم آثارها القائمة، والتي تتفاوت كذلك في أهميتها وقيمتها، يتطلّب سياسة للمحافظة في غاية المرونة والصّرامة في آن واحد. فزائر القاهرة القديمة الذي يخترق العديد من الأزقّة ليكشف في النّهاية أثرا قديما يكون معدّا للإعجاب بجماليّاته الفنّيّة وهو محاط بمنازل قديمة بحيث تصبح نسب المداخل والمآذن مبرّرة وتأخذ العلاقات بينها معناها الحقيقي. وفي هذه الحالة كم هي كثيرة وموزّعة: الجوامع والمدارس والأسبلة في القاهرة القديمة. إنّ فتح طريق جديد في القاهرة القديمة أو بناء دور على الطّرز الحديثة من شأنه أن يدمّر نهائيّا كلّ هذا الانسجام والتّناغم في العلاقات، الأمر الذي يجب أن يحظر فيه نهائيّا أيّة محاولة للمساس بخطوط التّنظيم الأصلية للمدينة القديمة. إنّ هذه الهيئة لمدينة القاهرة التاريخية هي ما يودّ الزّائرون والعلماء والباحثون المحافظة عليه.
إنّ عمليّة ترميم الآثار لا يجب أن تبحث عن البعد الجمالي الذي من شأنه تغيير الأثر تماما وجعله يبدو كمبنى حديث، وإنّما ما يجب هو عدم التّعرّض للمكوّنات الأساسية للأثر، والمحافظة عليه دون أي إضافة من موادّ حديثة قد تغيّر هيئته الموروثة.
خلاصة القول: إنّ الأثر التّاريخي الأوّل للقاهرة هو - بلا جدال - المدينة القديمة نفسها التي تمتدّ على هيئة مستطيل يرتكز ضلعه الغربي على المدينة الحديثة (الأزبكية وباب اللّوق وعابدين)، ويطلّ ضلعه الشّرقي على قرافة المماليك وسفح المقطّم، ويحدّه شمالا أحياء الحسينية والعبّاسية، وجنوبا حيّ السّيّدة زينب. وعلى ذلك فإنّ هذا الاعتبار الأساسي، وهو الحفاظ على هيئة المدينة الموروثة، لا يجب أن يغيب أبدا عن نظر الذين يعهد إليهم المحافظة على المدينة القديمة، ولا أقول تطوير المدينة
стр. 2448
القديمة. ويتطلّب تنفيذ ذلك وجود قانون عامّ لحماية المواقع والآثار يمنع فوضى الإساءات المتفرّقة التي من شأنها تشويه شكل المدينة القديمة وتغيير هيئتها، وأن يعهد بتنفيذ ذلك إلى أهل الاختصاص.
ووضع إدمون بوتي Edmond Pauty، في مقاله السّابق الإشارة إليه، خطّة عامّة لحماية المدينة القديمة والحفاظ عليها من خلال تقسيمها إلى مناطق تبعا للمعطيات التالية:
١ - الأحياء ومفارق الطّرق والدّروب التي يتحتّم المحافظة على هيئتها التي وصلت إلينا، والتي لا يسمح فيها سوى بترميمات أو تقوية أو تعديلات داخلية.
٢ - الأحياء ومفارق الطّرق والدّروب التي لا يمكن القيام بأي تغيير أو أعمال توسيع بها إلاّ بشرط المحافظة على انسجامها مع الوسط المحيط بها مع وضع ضوابط لتحديد ارتفاعات المباني الجديدة وطرزها بهذه الأحياء.
٣ - الأحياء ومفارق الطّرق والدّروب التي يسمح فيها بقسط أكبر من الحرية في التّعامل مع منشآت وطرق حديثة ولكن مع تحديد ارتفاعات هذه المباني أيضا.
٤ - إنشاء مناطق حماية حول الآثار المسجّلة مع تحديد ارتفاعات المباني حتى يمكن مشاهدة مآذن المساجد عن بعد على سبيل المثال.
٥ - إنشاء حزام حول المدينة لحمايتها - ما عدا جانبها الغربي - من أجل المحافظة على هيئتها الخارجية.
وواضح أنّ أحدا لم يتنبّه إلى المقترحات المهمّة التي قدّمها بوتي Pauty قبل أكثر من سبعين عاما، الأمر الذي أدّى إلى تشويه هيئة المدينة القديمة وتفاقم وضع آثار القاهرة الإسلامية.
ولعلّ أبسط شيء يمكن تدارك به هذا الضّرر هو منع دخول السّيارات إلى الدّروب الدّاخلية للمدينة (درب سعادة - الخيميّة والسّروجية - الجماليّة - المعزّ لدين اللّه - الخرنفش) وتحويلها إلى مناطق للمشاة مثل ما هو الحال في المدن التاريخية في أوروبا، فالسّيّارات وسيارات النّقل بصفة خاصّة هي أخطر شيء يهدّد الآثار.
أمر آخر هو ضرورة زيادة الوعي الآثاري لدى القاطنين بهذه الأماكن، فبعد العديد من الزّيارات الميدانية لمواقع الآثار التي ذكرها المقريزي لم أجد أيّة معلومة صحيحة عن هذه الآثار لدى جيران هذه الآثار، سواء من السّكان أو العاملين بالمنشآت التجارية والحرفيّة الملاصقة لها.
стр. 2449
مصادر المجلّد الرّابع
يستكمل المقريزي في هذا المجلّد - كما سبق أن ذكرت - الحديث على ما أدركه من أحوال القاهرة وظواهرها، مخصّصا أغلب هذا المجلّد للحديث عن الجوامع والمدارس والمارستانات والمساجد والخوانك والرّبط والزّوايا والقرافة. ويعتمد في ذلك على مصادره التّقليدية التي سبق واستخدمها في المجلّدات الثلاث السّابقة: ابن عبد الحكم والبلوي والكندي بالنّسبة للفترة المبكّرة من تاريخ مصر الإسلامية، وابن زولاق والمسبّحي وابن المأمون وابن الطّوير وابن ميسّر بالنّسبة للفترة الفاطمية (فيما تقدم ١٩: ٢ *- ٣٨ *)، وابن خلّكان وابن أبي طيّ وابن سعيد وابن واصل وابن عبد الظّاهر وشافع بن علي واليوسفي بالنّسبة للفترتين الأيّوبية والمملوكية المبكّرة (فيما تقدم ٧١: ٣ *- ٧٩ *)، ومؤلّفات القضاعي والشّريف الجوّاني وابن عبد الظّاهر وابن المتوّج فيما يخصّ الخطط والمواضع الطّبوغرافية (فيما تقدم ٣٨: ٢ *- ٤٣ *)؛ أمّا تراجم أمراء المماليك فيستمرّ المقريزي في الاعتماد فيها على كتاب «أعيان العصر وأعوان النّصر» للصّفدي (فيما تقدم ٧٣: ٣ *- ٧٤ *)، ويعتمد في المسائل اللّغوية على كتاب «المحكم» لابن سيده وكتاب «الصّحاح» للجوهري وكتاب «معجم ما استعجم» لأبي عبيد البكري (فيما تقدم ٩٣: ١ *- ٩٤ *) وزاد عليها في هذا المجلّد كتاب «تهذيب اللّغة» للأزهري (فيما يلي ١٠٦٠)، كلّ ذلك إضافة إلى ما أخبره به الرّواة والمشايخ وما شاهده هو بنفسه.
ولكنّ الجديد في مصادر المقريزي في هذا المجلّد الرّابع يتعلّق بالموضوعات الجديدة التي تناولها فيه وعلى الأخصّ: تاريخ الفرق الإسلامية، وتاريخ التّصوّف، وترتيب القرافة وزيارتها، وتاريخ اليهود، وتاريخ النّصارى وأديرتهم وكنائسهم.
كان اعتماد المقريزي في وصفه لل «جامع العتيق» أو «جامع عمرو»، إضافة إلى مؤلّفات ابن عبد الحكم والقضاعي وابن المتوّج، على كتاب «أخبار مسجد أهل الرّاية الأعظم» لأبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي، المتوفى سنة ٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م (فيما يلي ٨)، وهو مؤلّف سبق أن ذكرت حجم استفادة المقريزي من كتابه «أمراء مصر» أو «ولاة مصر» وكتابه الآخر «الموالي» (فيما تقدم ٢٠: ٢ *)، وهذا الكتاب وصف تاريخي لجامع عمرو الذي أنشئ وسط خطّة أهل الرّاية،
стр. 2450
وهم جماعة من قبائل مختلفة اشتركت معا وقت الفتح لتكوين خطّة حول راية القائد الفاتح حيث اختطّ مسجد المدينة الجديدة. ويتّفق نصّ المقريزي في وصف جامع عمرو وزياداته مع النّصّ الذي أورده ابن دقماق في كتاب «الانتصار» (١). وهو ما حدث أيضا بالنسبة لوصف «الجامع الجديد النّاصري» (فيما يلي ٢٠٦ - ٢٠٧)، فإن لم يكن المقريزي قد اعتمد على نصّ معاصره ابن دقماق، فليس أقلّ من اتّفاق مصادرهما التي استمدّا منها معلوماتهما (٢).
وألحق المقريزي بوصفه ل «جامع عمرو» فصلا هامّا ذكر فيه «المحاريب التي بديار مصر وسبب اختلافها وتعيين الصّواب فيها وتبيين الخطأ منها» (فيما يلي ٣٧ - ٥٥)، لم يحدّد فيه المقريزي بوضوح مصادره التي اعتمد عليها فيه. وكتب المقريزي فصلا آخر لا يقلّ أهمية عن «الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف» ألحقه بوصفه ل «جامع ابن طولون» (فيما يلي ٨١ - ٩٠) اعتمد فيه على ما ورد حول هذا الموضوع في مؤلّفات ابن سعد والكندي والواقدي والبلاذري والدّارقطني والشّريف الجوّاني.
أمّا الفصل الذي عقده المقريزي لذكر مذاهب أهل مصر منذ الفتح الإسلامي إلى اعتقادهم المذاهب السّنّيّة الأربعة (فيما يلي ٣٦٢ - ٣٩٧) واستطرد بعده ذكر فرق الخليقة واختلاف عقائدها وتباينها (فيما يلي ٣٩٨ - ٤٣٨) وتناول فيه الفرق الإسلامية المختلفة التي جعلها عشرة فرق رئيسة، ثم ما ذكره عن عقائد أهل الإسلام إلى انتشار مذهب الأشعريّة (فيما يلي ٤٣٩ - ٤٥٠) فيعدّ من أحسن ما قرأت استيعابا وفهما لهذا الموضوع. ولا نستطيع أن نحدّد مصدر معلومات هذا الفصل الهام التي اعتمد فيها المقريزي - دون شك - على كلّ ما كتب في الموضوع مثل كتابات الشّهرستاني وأبي الحسن الأشعري وعبد القادر البغدادي وغيرهم. وقد أدرك المقريزي قيمة العرض الرّائع الذي عرضه في هذا الفصل فكتب يقول:
«فهذا - أعزّك اللّه - بيان ما كانت عليه عقائد الأمّة من ابتداء الأمر إلى وقتنا هذا، قد فصّلت فيه ما أجمله أهل الأخبار وأجملت ما فصّلوا.
فدونك طالب العلم تناول ما قد بذلت فيه جهدي وأطلت بسببه سهري وكدّي في تصفّح دواوين الإسلام وكتب الأخبار، فقد وصل إليك
_________
(١) ابن دقماق: الانتصار ٥٩: ٤ - ٧٥.
(٢) نفسه ٧٦: ٤ - ٧٩.
стр. 2451
صفوا ونلته عفوا بلا تكلّف مشقّة ولا بذل مجهود، ولكنّ اللّه يمنّ على من يشاء من عباده» (فيما يلي ٤٤٢).
وقد سجّلت بخطّي أمام هذا الفصل على نسختي من طبعة بولاق، عند ما طالعت هذا الفصل منذ نحو عشرين عاما مبديا إعجابي بعرض المقريزي: «عرض رائع، رحم اللّه المقريزي».
وفي الفصل الذي عقده المقريزي لذكر الخوانك والرّبط والزّوايا اعتمد في تعريفه للصّوفية ووصفهم وطبيعة خوانكهم وربطهم على كتابين يعدّا من أصول كتب التّصوّف هما: «الرّسالة القشيريّة» لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النّيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٥ هـ/ ١٧٠٢ م (فيما يلي ٧٢٥)، و «عوارف المعارف» لشهاب الدّين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد اللّه السّهروردي، المتوفى سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٤ م، الذي صرّح بالنّقل عنه في موضعين (فيما يلي ٧٢٥، ٧٩٣). كما نقل عنه دون تصريح كلّ وصفه للملامتيّة والقلندرية والفرق بينهما (فيما يلي ٨١٢ - ٨١٣).
وعند ما تحدّث المقريزي عن نسب بعض آل البيت كان مصدره في ذلك كتاب «الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون» للشّريف محمد بن أبي البركات أسعد الحسيني الجوّاني النّسّابة، المتوفى سنة ٥٨٨ هـ/ ١٠٩٢ م، (فيما يلي ٨٢٧، ٨٩٧)، وهو كتاب كبير ذكر المقريزي أنّه جاء في عشر مجلّدات (١)، كما نقل أغلب ترجمة السّيّدة نفيسة من كتاب آخر للشّريف الجوّاني عنوانه «الزّورة الأنيسة بفضل مشهد السّيّدة نفيسة» (فيما يلي ٨٧٧). وقد اشتهر الشّريف الجوّاني - صاحب كتاب «النّقط لعجم ما أشكل من الخطط» (فيما تقدم ٤٠: ٢ *) - بعلم النّسب، وألّف فيه العديد من المؤلّفات كما تولّى نقابة الأشراف بمصر مدّة، ولم يصل إلينا من مؤلّفاته للأسف سوى رسالة صغيرة عنوانها «أصول الأحساب وفصول الأنساب» المسمّى «تحفة الأنساب»، محفوظة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم ٣٧٨ تاريخ (أباظة ٦٦٧١ ع) (منها صورة في معهد المخطوطات العربية برقم ٢١٩٣ تاريخ).
وفي الفصل الذي عقده المقريزي للحديث عن «مقابر مصر والقاهرة المشهورة» اعتمد المقريزي على كتاب «مرشد الزّوّار إلى قبور الأبرار» لموفّق الدّين أبي محمد بن عبد الرّحمن
_________
(١) المقريزي: المقفى الكبير ٣٠٧: ٥ - ٣٠٨؛ وفيما تقدم ٧٨: ٣ *- ٧٩ *.
стр. 2452
ابن أبي الحرم مكيّ بن عثمان الشّارعي الشّافعي، المعروف بموفّق الدّين بن عثمان، المتوفى سنة ٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م، (فيما تقدم ٢٧: ١ *- ٢٨ *). ورغم أنّ المقريزي لا يشير صراحة إلى كتاب ابن عثمان، إلاّ أنّ اتّفاق العديد من نصوص المقريزي مع نصّ كتاب ابن عثمان تجعلنا نؤكّد أنّ المقريزي كانت تحت يده نسخة من كتابه اعتمد عليها (فيما يلي ٨٨٢ - ٨٩١). وقد أشار المقريزي بنفسه إلى وجود مؤلّفات في زيارة القرافة حيث يقول: «وقد صنّف النّاس فيمن قبر بالقرافة، وأكثروا من التأليف في ذلك، ولست بصدد شيء ممّا صنّفوا في ذلك» (فيما يلي ٨٥٢)، وبالتالي فإنّه لم يذكر أي عنوان من هذه المؤلّفات.
ونأتي بعد ذلك إلى الفصل الذي خصّصه المقريزي لذكر «تاريخ اليهود وفرقهم»، حيث نجد المقريزي يعتمد في الأساس عند حديثه عن نبيّ اللّه موسى ﵇ وخروج بني إسرائيل من مصر على «التّوراة» و «القرآن الكريم»، وربّما يكون قد اعتمد كذلك على كتاب «قصص الأنبياء» المعروف ب «عرائس المجالس» لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثّعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ/ ١٠٣٥ م. ولكنّ مصدره الرّئيس عن فرق اليهود واعتقاداتهم وأعيادهم كان «تاريخ يوسفوس» الذي كتبه في الأصل باليونانية المؤرّخ اليهودي فلافيوس يوسفوس Flavius Josephus الذي عاش في القرن الأوّل للميلاد، ولكن بالطّبع اعتمادا على ترجمة عربية لمنتخبات من الكتاب قام بها يوسف بن كريون Joseph Ben Gorion (Josephus Gorionides) الذي صرّح المقريزي باسمه في موضع واحد من الكتاب (فيما يلي ٩٥٩). ويوسف بن كريون مؤلّف يهودي يرجّح أنّه عاش في النصف الأوّل للقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي كتب كتابا اختصر فيه «تاريخ يوسفوس» يعرف ب Sefer Yosippon ولكن عنوانه الأصلي كان «تاريخ وحروب اليهود» أو «تاريخ بيت المقدس»؛ وهو تاريخ لليهود منذ زمن السّبي البابلي (٥٣٩ قبل الميلاد) إلى سقوط دولة اليهود سنة سبعين للميلاد، مع روايات تاريخية عن بابل واليونان وروما وبلاد أخرى. وقد تعرّف ابن حزم الأندلسي، المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م، على ترجمة عربية لهذا الكتاب عملها يهوديّ من أهل اليمن (الفصل في الملل والأهواء والنحل ٩٩: ١)، يبدو أنّها نفس الترجمة التي اعتمدها المقريزي في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي.
وكان كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» للبيروني (فيما تقدم ٩٠: ١ *- ٩١ *) وكذلك كتاب «مروج الذّهب ومعادن الجوهر» للمسعودي (فيما تقدم ٧٣: ١ *- ٧٤ *) مصدرين رئيسين للمقريزي
стр. 2453
عند حديثه عن أعياد اليهود وفرقهم وعلى الأخصّ فرقه السّمرة أو السّامرة (فيما يلي ٩٥٥ - ٩٥٨).
أمّا الفصل المطوّل الذي ختم به المقريزي الكتاب والذي أفرده لذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة ثم دخولهم في دين النّصرانية إلى أن صاروا ذمّة للمسلمين في أعقاب الفتح الإسلامي لمصر وما كان لهم من أديرة وكنائس، فيستمدّ قيمته من اعتماد المقريزي فيه على مصادر مسيحية أصلية ساعدته في رسم لوحة دقيقة لتتابع الأباطرة البيزنطيين وأسماء بطاركة الإسكندرية الذين تولّوا في عهدهم، ومدّة تولّي كلّ منهم وأهمّ الأحداث التي جرت طوال هذه الفترة، وعلى الأخصّ المجامع الدّينية وذكر الخلاف الذي أدّى إلى انعقادها. فمن أجل تحرير الفصل الذي خصّصه المقريزي لذكر بطاركة الإسكندرية قبل الإسلام استخدم المقريزي «تاريخ» المكين جرجس بن العميد بجزأيه، وربّما أيضا تاريخ سعيد بن البطريق (أوتيخيوس Eutychios) أو على الأقلّ نسخة من تاريخ المكين استكملت وعدّلت اعتمادا على تاريخ أوتيخيوس مثل حال نسخة الكتاب المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس برقم ٤٧٢٩.
و «تاريخ» المكين جرجس بن العميد، المتوفى سنة ٦٧٢ هـ/ ١٢٧٩ م (١)، يبدأ كعادة مؤرّخي هذه الفترة من بدء الخليقة ويستمرّ حتى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م، السنة التي تولّى فيها الظّاهر بيبرس الحكم، ويعدّ هذا الكتاب أحد أوائل الحوليّات الشّرقية العربية التي عرفتها أوروبا ولعب بالتالي دورا بارزا في المعرفة الأولى عن الإسلام عند المستشرقين المحدثين.
وعنوان هذا الكتاب الأصلي هو «المجموع المبارك» وينقسم إلى قسمين كبيرين: يتناول الأوّل تاريخ ما قبل الإسلام حتى السنة الحادية عشرة من حكم هرقل Heraclius، والثاني التاريخ الإسلامي حتى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م، قال الصّقاعي في ترجمة مؤلّفه ابن العميد: «جمع تاريخا مليحا من ابتداء العالم إلى أوّل الدّولة الظّاهريّة» (٢). وقال الصّفدي: «وجمع تاريخا في مجلّدين من ابتداء العالم إلى أوّل الدّولة الظّاهرية وعمل الملّة الإسلامية في مجلّد منهما» (٣). وهو
_________
(١) راجع، المكين بن العميد: أخبار الأيوبيين ١٨٤؛ الصقاعي: تالي كتاب وفيات الأعيان ١١٠ - ١١؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٦٦٦: ١٧ - ٦٦٧؛ المقريزي: المقفى الكبير ١٦: ٣ - ١٨؛ Cahen، Cl. & Coquin، R.
C.، El ٢ art.al-Makin b.al-Amid VI، pp. ١٤١ - ٤٢، وذكره الصّقاعي والصّفدي باسم: الشيخ المكين عبد اللّه بن أبي الياسر المعروف بابن العميد الكاتب النّصراني المشهور.
(٢) الصقاعي: تالي كتاب وفيات الأعيان ١١١.
(٣) الصفدي: الوافي بالوفيات ٦٦٧: ١٧.
стр. 2454
عادة ما يفرد، في المجلّد الذي خصّصه للملّة الإسلامية، تاريخ النّصارى ويبدأه بالعبارة التالية:
«وممّا ورد [في] تواريخ النّصارى». ونشر المجلّد الثاني بعنوان: «تاريخ المسلمين» مع ترجمة لاتينية بعناية توماس أربنيوس Th.Erpenius في ليدن سنة ١٦٢٥ م. واستكمل كلود كاهن نشر القسم الباقي والمشتمل على الحوادث من سنة ٦٠٢ - ٦٥٨ هـ بعنوان Cahen، Cl.، «La c Chronique des Ayyubides' d'al-Makin b.al c Amid»، BEOXV (١٩٥٥ - ٥٧)، pp. ١٠٩ - ١٨٤، وظهرت له ترجمة فرنسية في باريس سنة ١٩٩٤ أعدّتها Anne Marie Edde و Francoise Micheau.
أمّا «تاريخ» سعيد بن البطريق «أوتيخيوس» (١) المعروف ب «التاريخ المجموع على التّحقيق والتّصديق» فأحد أهم المصادر المسيحية العربية المبكّرة، يقول المسعودي: «وقد ألّف جماعة من الملكية والنّسطورية واليعقوبية كتبا كثيرة عن من سلف وخلف منهم، وأحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والأنبياء والأمم والبلدان وغير ذلك كتاب محجوب بن قسطنطين المنبجي وكتاب سعيد بن البطريق المعروف بابن الفرّاش المصري بطريرك كرسي مرقص بالإسكندرية، وقد شاهدته بفسطاط مصر انتهى بتصنيفه إلى خلافة الرّاضي» (٢).
ووصلت «حوليات سعيد بن البطريق (أوتيخيوس)» - التي نقلت من الفسطاط منذ وقت مبكّر - إلى الأوساط الملكية والبيزنطية في أنطاكيا، وأخذ المؤرّخون اللاّحقون يهتمون بتحسين كتابه بحجّة استكماله أو إثرائه حيث وجد فيه الملكانيون في القرون التالية عملا تاريخيّا رائعا، خاصّة بعد أن أذاعه في أوروبا مؤرّخ الحروب الصّليبية وليم الصّوري Guillaume de Tyr نحو نهاية القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي.
ويتّضح من خلال نقول المتأخّرين عن هذا الكتاب ومن خلال ما وصل إلينا من نسخه، أنّ ابن البطريق ألّف كتابه تأليفين، فيشير يحيى بن سعيد الأنطاكي - الذي ألّف تاريخا مكمّلا لتاريخ ابن البطريق - إلى النّسخة الثانية من الكتاب التي غيّرها وقرّر الأمر عليها وأنّها تزيد على مقدار النّسخة الأولى التي غيّرها وبدّلها (٣). وقد فعل يحيى بن سعيد مؤلّف «الصّلة» الشيء نفسه، فيذكر في مقدّمة تاريخه أنّ قصده أن يذكر ما انتهى إليه وصحّ عنده من الأخبار السّالفة والحوادث الكائنة «منذ المدّة التي انتهى إليها تاريخ سعيد بن بطريق إلى زماننا هذا» (٤)، وأضاف بعد قليل «ووقع إليّ بعد ذلك تواريخ لم أكن قد وقفت عليها عند شروعي في عمله، فغيّرته بأجمعه وبدّلت نظمه وألّفته تأليفا
_________
(١) انظر عنه فيما يلي ١٠٠٥.
(٢) المسعودي: التنبيه والإشراف ١٥٤.
(٣) يحيى بن سعيد: تاريخ الأنطاكي ٢٧٤.
(٤) نفسه ١٧.
стр. 2455
ثانيا»، وبعد انتقاله إلى مدينة أنطاكيا في سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ م، عند ما سمح الإمام الحاكم بأمر اللّه للنّصارى بالخروج من مصر، تصفّحه تصفّحا ثانيا وتحصّل له تواريخ أخر، يقول: «فخرّجت منها ما ألحقته به وأضفته إليه وغيّرت بعضه وقرّرت الأمر على هذه النّسخة» (١).
ودرس جاستون فيت G.Wiet في هامش مطوّل علّق فيه على عمل Jean Maspero «تاريخ بطاركة الإسكندرية» Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣ مصدر المقريزي الذي اعتمد عليه عند ذكره لتاريخ بطاركة الإسكندرية (٢). وفي رأيه أنّ المصدر المعتاد للمقريزي في هذا الفصل هو «تاريخ المكين جرجس بن العميد» وإن لم يصرّح به، واستدلّ على ذلك باتّفاق رواية المقريزي حول تولّي بعض البطاركة وتاريخ بداية ولايتهم ونهايتها مع نصّ المكين بن العميد ومخالفتها لنصوص مؤرّخين نصارى آخرين وعلى الأخصّ ابن الرّاهب وسعيد بن البطريق (أوتيخيوس) وضرب على ذلك العديد من الأمثلة.
ولكن تطابق نصوص أخرى عند المقريزي مع نصّ تاريخ سعيد بن البطريق، يفيد أنّه قد اطّلع على تاريخه بطريقة أو بأخرى، وربّما كان ذلك - كما رجّح فييت Wiet أيضا - عن طريق نصّ لتاريخ المكين بن العميد استفاد من تاريخ سعيد بن البطريق مثل حالة نسخة «تاريخ ابن العميد» المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس برقم ٤٧٢٩، فتكشف هذه النّسخة عن اهتمامات أدبية ومذهبية لناسخها، فقد تناول مادّة كتاب المكين بحرّيّة تامّة وأدخل تعديلات على صلب أصل التاريخ، ولكن هذه التّعديلات لم تكن من اختراع النّاسخ ولكنّها جاءت من خلال دمجه بين تاريخ ابن العميد وتاريخ ابن البطريق حيث كان ينسخ الكتاب وتحت نظره نسخة من تاريخ ابن البطريق، وقد تثبّت فييت Wiet من ذلك من خلال العديد من الفقرات أورد واحدة منها ذات دلالة معبّرة جاءت عند ذكر ولاية أجابيوس لا توجد في نسخ تاريخ المكين الأخرى، ولكنّها توجد بنصّها في تاريخ ابن البطريق.
وسمح هذا المصدر للمقريزي بالتّعرّف على عدد من البطاركة الملكانيين واليعاقبة المنشقّين في القرن السّادس للميلاد (مثل أثناس ويوحنّا القائم بالحقّ ويوحنّا القائم بالأمر)، لم يذكرهم معاصره القلقشندي، الذي اعتمد في ذكره لتاريخ النّصارى على «تاريخ» المكين ابن العميد فقط وسمّاه «ابن العميد مؤرّخ النّصارى» (٣)، رغم أنّه لا يشير إليه صراحة عند ذكره للبطاركة. وإذا
_________
(١) يحيى بن سعيد: تاريخ الأنطاكي ١٩.
(٢) Maspero، J.، Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣، pp. ٢١٢ - ٢٢ n. ٢.L ٢
(٣) القلقشندي: صبح الأعشى ٢٧٥: ١٣، ٢٧٨، ٢٨٠.
следующие страницы →