← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

صفوا ونلته عفوا بلا تكلّف مشقّة ولا بذل مجهود، ولكنّ اللّه يمنّ على من يشاء من عباده» (فيما يلي ٤٤٢). وقد سجّلت بخطّي أمام هذا الفصل على نسختي من طبعة بولاق، عند ما طالعت هذا الفصل منذ نحو عشرين عاما مبديا إعجابي بعرض المقريزي: «عرض رائع، رحم اللّه المقريزي». وفي الفصل الذي عقده المقريزي لذكر الخوانك والرّبط والزّوايا اعتمد في تعريفه للصّوفية ووصفهم وطبيعة خوانكهم وربطهم على كتابين يعدّا من أصول كتب التّصوّف هما: «الرّسالة القشيريّة» لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النّيسابوري، المتوفى سنة ٤٦٥ هـ/ ١٧٠٢ م (فيما يلي ٧٢٥)، و «عوارف المعارف» لشهاب الدّين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد اللّه السّهروردي، المتوفى سنة ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٤ م، الذي صرّح بالنّقل عنه في موضعين (فيما يلي ٧٢٥، ٧٩٣). كما نقل عنه دون تصريح كلّ وصفه للملامتيّة والقلندرية والفرق بينهما (فيما يلي ٨١٢ - ٨١٣). وعند ما تحدّث المقريزي عن نسب بعض آل البيت كان مصدره في ذلك كتاب «الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون» للشّريف محمد بن أبي البركات أسعد الحسيني الجوّاني النّسّابة، المتوفى سنة ٥٨٨ هـ/ ١٠٩٢ م، (فيما يلي ٨٢٧، ٨٩٧)، وهو كتاب كبير ذكر المقريزي أنّه جاء في عشر مجلّدات (١)، كما نقل أغلب ترجمة السّيّدة نفيسة من كتاب آخر للشّريف الجوّاني عنوانه «الزّورة الأنيسة بفضل مشهد السّيّدة نفيسة» (فيما يلي ٨٧٧). وقد اشتهر الشّريف الجوّاني - صاحب كتاب «النّقط لعجم ما أشكل من الخطط» (فيما تقدم ٤٠: ٢ *) - بعلم النّسب، وألّف فيه العديد من المؤلّفات كما تولّى نقابة الأشراف بمصر مدّة، ولم يصل إلينا من مؤلّفاته للأسف سوى رسالة صغيرة عنوانها «أصول الأحساب وفصول الأنساب» المسمّى «تحفة الأنساب»، محفوظة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة برقم ٣٧٨ تاريخ (أباظة ٦٦٧١ ع) (منها صورة في معهد المخطوطات العربية برقم ٢١٩٣ تاريخ). وفي الفصل الذي عقده المقريزي للحديث عن «مقابر مصر والقاهرة المشهورة» اعتمد المقريزي على كتاب «مرشد الزّوّار إلى قبور الأبرار» لموفّق الدّين أبي محمد بن عبد الرّحمن _________ (١) المقريزي: المقفى الكبير ٣٠٧: ٥ - ٣٠٨؛ وفيما تقدم ٧٨: ٣ *- ٧٩ *.

стр. 2452

ابن أبي الحرم مكيّ بن عثمان الشّارعي الشّافعي، المعروف بموفّق الدّين بن عثمان، المتوفى سنة ٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م، (فيما تقدم ٢٧: ١ *- ٢٨ *). ورغم أنّ المقريزي لا يشير صراحة إلى كتاب ابن عثمان، إلاّ أنّ اتّفاق العديد من نصوص المقريزي مع نصّ كتاب ابن عثمان تجعلنا نؤكّد أنّ المقريزي كانت تحت يده نسخة من كتابه اعتمد عليها (فيما يلي ٨٨٢ - ٨٩١). وقد أشار المقريزي بنفسه إلى وجود مؤلّفات في زيارة القرافة حيث يقول: «وقد صنّف النّاس فيمن قبر بالقرافة، وأكثروا من التأليف في ذلك، ولست بصدد شيء ممّا صنّفوا في ذلك» (فيما يلي ٨٥٢)، وبالتالي فإنّه لم يذكر أي عنوان من هذه المؤلّفات. ونأتي بعد ذلك إلى الفصل الذي خصّصه المقريزي لذكر «تاريخ اليهود وفرقهم»، حيث نجد المقريزي يعتمد في الأساس عند حديثه عن نبيّ اللّه موسى ﵇ وخروج بني إسرائيل من مصر على «التّوراة» و «القرآن الكريم»، وربّما يكون قد اعتمد كذلك على كتاب «قصص الأنبياء» المعروف ب «عرائس المجالس» لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثّعلبي، المتوفى سنة ٤٢٧ هـ/ ١٠٣٥ م. ولكنّ مصدره الرّئيس عن فرق اليهود واعتقاداتهم وأعيادهم كان «تاريخ يوسفوس» الذي كتبه في الأصل باليونانية المؤرّخ اليهودي فلافيوس يوسفوس Flavius Josephus الذي عاش في القرن الأوّل للميلاد، ولكن بالطّبع اعتمادا على ترجمة عربية لمنتخبات من الكتاب قام بها يوسف بن كريون Joseph Ben Gorion (Josephus Gorionides) الذي صرّح المقريزي باسمه في موضع واحد من الكتاب (فيما يلي ٩٥٩). ويوسف بن كريون مؤلّف يهودي يرجّح أنّه عاش في النصف الأوّل للقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي كتب كتابا اختصر فيه «تاريخ يوسفوس» يعرف ب Sefer Yosippon ولكن عنوانه الأصلي كان «تاريخ وحروب اليهود» أو «تاريخ بيت المقدس»؛ وهو تاريخ لليهود منذ زمن السّبي البابلي (٥٣٩ قبل الميلاد) إلى سقوط دولة اليهود سنة سبعين للميلاد، مع روايات تاريخية عن بابل واليونان وروما وبلاد أخرى. وقد تعرّف ابن حزم الأندلسي، المتوفى سنة ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م، على ترجمة عربية لهذا الكتاب عملها يهوديّ من أهل اليمن (الفصل في الملل والأهواء والنحل ٩٩: ١)، يبدو أنّها نفس الترجمة التي اعتمدها المقريزي في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. وكان كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» للبيروني (فيما تقدم ٩٠: ١ *- ٩١ *) وكذلك كتاب «مروج الذّهب ومعادن الجوهر» للمسعودي (فيما تقدم ٧٣: ١ *- ٧٤ *) مصدرين رئيسين للمقريزي

стр. 2453

عند حديثه عن أعياد اليهود وفرقهم وعلى الأخصّ فرقه السّمرة أو السّامرة (فيما يلي ٩٥٥ - ٩٥٨). أمّا الفصل المطوّل الذي ختم به المقريزي الكتاب والذي أفرده لذكر قبط مصر ودياناتهم القديمة ثم دخولهم في دين النّصرانية إلى أن صاروا ذمّة للمسلمين في أعقاب الفتح الإسلامي لمصر وما كان لهم من أديرة وكنائس، فيستمدّ قيمته من اعتماد المقريزي فيه على مصادر مسيحية أصلية ساعدته في رسم لوحة دقيقة لتتابع الأباطرة البيزنطيين وأسماء بطاركة الإسكندرية الذين تولّوا في عهدهم، ومدّة تولّي كلّ منهم وأهمّ الأحداث التي جرت طوال هذه الفترة، وعلى الأخصّ المجامع الدّينية وذكر الخلاف الذي أدّى إلى انعقادها. فمن أجل تحرير الفصل الذي خصّصه المقريزي لذكر بطاركة الإسكندرية قبل الإسلام استخدم المقريزي «تاريخ» المكين جرجس بن العميد بجزأيه، وربّما أيضا تاريخ سعيد بن البطريق (أوتيخيوس Eutychios) أو على الأقلّ نسخة من تاريخ المكين استكملت وعدّلت اعتمادا على تاريخ أوتيخيوس مثل حال نسخة الكتاب المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس برقم ٤٧٢٩. و «تاريخ» المكين جرجس بن العميد، المتوفى سنة ٦٧٢ هـ/ ١٢٧٩ م (١)، يبدأ كعادة مؤرّخي هذه الفترة من بدء الخليقة ويستمرّ حتى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م، السنة التي تولّى فيها الظّاهر بيبرس الحكم، ويعدّ هذا الكتاب أحد أوائل الحوليّات الشّرقية العربية التي عرفتها أوروبا ولعب بالتالي دورا بارزا في المعرفة الأولى عن الإسلام عند المستشرقين المحدثين. وعنوان هذا الكتاب الأصلي هو «المجموع المبارك» وينقسم إلى قسمين كبيرين: يتناول الأوّل تاريخ ما قبل الإسلام حتى السنة الحادية عشرة من حكم هرقل Heraclius، والثاني التاريخ الإسلامي حتى سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م، قال الصّقاعي في ترجمة مؤلّفه ابن العميد: «جمع تاريخا مليحا من ابتداء العالم إلى أوّل الدّولة الظّاهريّة» (٢). وقال الصّفدي: «وجمع تاريخا في مجلّدين من ابتداء العالم إلى أوّل الدّولة الظّاهرية وعمل الملّة الإسلامية في مجلّد منهما» (٣). وهو _________ (١) راجع، المكين بن العميد: أخبار الأيوبيين ١٨٤؛ الصقاعي: تالي كتاب وفيات الأعيان ١١٠ - ١١؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ٦٦٦: ١٧ - ٦٦٧؛ المقريزي: المقفى الكبير ١٦: ٣ - ١٨؛ Cahen، Cl. & Coquin، R. C.، El ٢ art.al-Makin b.al-Amid VI، pp. ١٤١ - ٤٢، وذكره الصّقاعي والصّفدي باسم: الشيخ المكين عبد اللّه بن أبي الياسر المعروف بابن العميد الكاتب النّصراني المشهور. (٢) الصقاعي: تالي كتاب وفيات الأعيان ١١١. (٣) الصفدي: الوافي بالوفيات ٦٦٧: ١٧.

стр. 2454

عادة ما يفرد، في المجلّد الذي خصّصه للملّة الإسلامية، تاريخ النّصارى ويبدأه بالعبارة التالية: «وممّا ورد [في] تواريخ النّصارى». ونشر المجلّد الثاني بعنوان: «تاريخ المسلمين» مع ترجمة لاتينية بعناية توماس أربنيوس Th.Erpenius في ليدن سنة ١٦٢٥ م. واستكمل كلود كاهن نشر القسم الباقي والمشتمل على الحوادث من سنة ٦٠٢ - ٦٥٨ هـ بعنوان Cahen، Cl.، «La c Chronique des Ayyubides' d'al-Makin b.al c Amid»، BEOXV (١٩٥٥ - ٥٧)، pp. ١٠٩ - ١٨٤، وظهرت له ترجمة فرنسية في باريس سنة ١٩٩٤ أعدّتها Anne Marie Edde و Francoise Micheau. أمّا «تاريخ» سعيد بن البطريق «أوتيخيوس» (١) المعروف ب «التاريخ المجموع على التّحقيق والتّصديق» فأحد أهم المصادر المسيحية العربية المبكّرة، يقول المسعودي: «وقد ألّف جماعة من الملكية والنّسطورية واليعقوبية كتبا كثيرة عن من سلف وخلف منهم، وأحسن كتاب رأيته للملكية في تاريخ الملوك والأنبياء والأمم والبلدان وغير ذلك كتاب محجوب بن قسطنطين المنبجي وكتاب سعيد بن البطريق المعروف بابن الفرّاش المصري بطريرك كرسي مرقص بالإسكندرية، وقد شاهدته بفسطاط مصر انتهى بتصنيفه إلى خلافة الرّاضي» (٢). ووصلت «حوليات سعيد بن البطريق (أوتيخيوس)» - التي نقلت من الفسطاط منذ وقت مبكّر - إلى الأوساط الملكية والبيزنطية في أنطاكيا، وأخذ المؤرّخون اللاّحقون يهتمون بتحسين كتابه بحجّة استكماله أو إثرائه حيث وجد فيه الملكانيون في القرون التالية عملا تاريخيّا رائعا، خاصّة بعد أن أذاعه في أوروبا مؤرّخ الحروب الصّليبية وليم الصّوري Guillaume de Tyr نحو نهاية القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. ويتّضح من خلال نقول المتأخّرين عن هذا الكتاب ومن خلال ما وصل إلينا من نسخه، أنّ ابن البطريق ألّف كتابه تأليفين، فيشير يحيى بن سعيد الأنطاكي - الذي ألّف تاريخا مكمّلا لتاريخ ابن البطريق - إلى النّسخة الثانية من الكتاب التي غيّرها وقرّر الأمر عليها وأنّها تزيد على مقدار النّسخة الأولى التي غيّرها وبدّلها (٣). وقد فعل يحيى بن سعيد مؤلّف «الصّلة» الشيء نفسه، فيذكر في مقدّمة تاريخه أنّ قصده أن يذكر ما انتهى إليه وصحّ عنده من الأخبار السّالفة والحوادث الكائنة «منذ المدّة التي انتهى إليها تاريخ سعيد بن بطريق إلى زماننا هذا» (٤)، وأضاف بعد قليل «ووقع إليّ بعد ذلك تواريخ لم أكن قد وقفت عليها عند شروعي في عمله، فغيّرته بأجمعه وبدّلت نظمه وألّفته تأليفا _________ (١) انظر عنه فيما يلي ١٠٠٥. (٢) المسعودي: التنبيه والإشراف ١٥٤. (٣) يحيى بن سعيد: تاريخ الأنطاكي ٢٧٤. (٤) نفسه ١٧.

стр. 2455

ثانيا»، وبعد انتقاله إلى مدينة أنطاكيا في سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ م، عند ما سمح الإمام الحاكم بأمر اللّه للنّصارى بالخروج من مصر، تصفّحه تصفّحا ثانيا وتحصّل له تواريخ أخر، يقول: «فخرّجت منها ما ألحقته به وأضفته إليه وغيّرت بعضه وقرّرت الأمر على هذه النّسخة» (١). ودرس جاستون فيت G.Wiet في هامش مطوّل علّق فيه على عمل Jean Maspero «تاريخ بطاركة الإسكندرية» Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣ مصدر المقريزي الذي اعتمد عليه عند ذكره لتاريخ بطاركة الإسكندرية (٢). وفي رأيه أنّ المصدر المعتاد للمقريزي في هذا الفصل هو «تاريخ المكين جرجس بن العميد» وإن لم يصرّح به، واستدلّ على ذلك باتّفاق رواية المقريزي حول تولّي بعض البطاركة وتاريخ بداية ولايتهم ونهايتها مع نصّ المكين بن العميد ومخالفتها لنصوص مؤرّخين نصارى آخرين وعلى الأخصّ ابن الرّاهب وسعيد بن البطريق (أوتيخيوس) وضرب على ذلك العديد من الأمثلة. ولكن تطابق نصوص أخرى عند المقريزي مع نصّ تاريخ سعيد بن البطريق، يفيد أنّه قد اطّلع على تاريخه بطريقة أو بأخرى، وربّما كان ذلك - كما رجّح فييت Wiet أيضا - عن طريق نصّ لتاريخ المكين بن العميد استفاد من تاريخ سعيد بن البطريق مثل حالة نسخة «تاريخ ابن العميد» المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس برقم ٤٧٢٩، فتكشف هذه النّسخة عن اهتمامات أدبية ومذهبية لناسخها، فقد تناول مادّة كتاب المكين بحرّيّة تامّة وأدخل تعديلات على صلب أصل التاريخ، ولكن هذه التّعديلات لم تكن من اختراع النّاسخ ولكنّها جاءت من خلال دمجه بين تاريخ ابن العميد وتاريخ ابن البطريق حيث كان ينسخ الكتاب وتحت نظره نسخة من تاريخ ابن البطريق، وقد تثبّت فييت Wiet من ذلك من خلال العديد من الفقرات أورد واحدة منها ذات دلالة معبّرة جاءت عند ذكر ولاية أجابيوس لا توجد في نسخ تاريخ المكين الأخرى، ولكنّها توجد بنصّها في تاريخ ابن البطريق. وسمح هذا المصدر للمقريزي بالتّعرّف على عدد من البطاركة الملكانيين واليعاقبة المنشقّين في القرن السّادس للميلاد (مثل أثناس ويوحنّا القائم بالحقّ ويوحنّا القائم بالأمر)، لم يذكرهم معاصره القلقشندي، الذي اعتمد في ذكره لتاريخ النّصارى على «تاريخ» المكين ابن العميد فقط وسمّاه «ابن العميد مؤرّخ النّصارى» (٣)، رغم أنّه لا يشير إليه صراحة عند ذكره للبطاركة. وإذا _________ (١) يحيى بن سعيد: تاريخ الأنطاكي ١٩. (٢) Maspero، J.، Histoire des Patriarches d'Alexandrie، Paris ١٩٢٣، pp. ٢١٢ - ٢٢ n. ٢.L ٢ (٣) القلقشندي: صبح الأعشى ٢٧٥: ١٣، ٢٧٨، ٢٨٠.

стр. 2456

درسنا من ناحية أخرى الفصول التي خصّصها كلّ من المقريزي والقلقشندي للأعياد القبطيّة، فإنّه سيتأكّد لدينا أنّ المؤلّفين استخدما في الأغلب مصدرا واحدا، هو المكين بن العميد، وأنّ المقريزي لم ينقل عن القلقشندي الذي تفرّد أحيانا بتفصيلات لا توجد في كتاب المقريزي. وعلى ذلك فإنّه إن لم تكن مع المقريزي نسخة من تاريخ ابن البطريق (Eutychios) فليس أقلّ من أن يكون قد اعتمد على نسخة معدّلة من تاريخ المكين بن العميد تماثل نسخة التاريخ المحفوظة في المكتبة الوطنية في باريس. وإذا كان «تاريخ سعيد بن البطريق (أوتيخيوس Eutychios)» و «تاريخ المكين جرجس ابن العميد» هما المصدرين الرّئيسين اللذين اعتمد عليهما المقريزي في حديثه على تاريخ النّصارى، وهما اللذين يعنيهما عندما يقول: «ويذكر علماء الأخبار من النّصارى» (فيما يلي ٩٩٨، ١٠٣٠، ١٠٥٨، وفيما تقدم ٧١٥: ١)؛ فإنّه توجد ثلاثة مصادر مهمّة أخرى تناولت تاريخ النّصارى، وعلى الأخصّ ولاية بطاركتهم وذكر أديرتهم وكنائسهم، لا نعلم إن كان المقريزي قد اعتمد عليها أم لا. أوّلّها «صلة تاريخ سعيد بن البطريق» التي كتبها أبو الفرج يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي (٣٧٠ - ٤٥٨ هـ/ ٩٨٠ - ١٠٦٦ م)، وهو مؤلّف مسيحيّ أمضى الأربعين عاما الأولى من حياته في مصر، واستطاع أن يصوّر في تاريخه الاضطهاد الذي لقيه أهل الذّمّة في مصر على يدي الحاكم بأمر اللّه. وتمكّن من مغادرة مصر بعد العفو الذي منحه الحاكم سنة ٤٠٤ هـ/ ١٠١٣ م، حيث قدم في السنة التالية إلى أنطاكيا في الأراضي البيزنطية. وابتدأ يحيى بن سعيد تاريخه بالسّنة التي انتهى عندها ابن البطريق Eutychios، وهي سنة ٣٢٦ هـ/ ٩٣٨ م. وحرّر يحيى بن سعيد «تاريخه» لأوّل مرّة نحو سنة ٣٩٧ هـ/ ١٠٧٠ م - وكان وقتها بمصر - ثم وقعت له بعد ذلك تواريخ لم يكن قد وقف عليها عند شروعه في تأليفه، فغيّره بأجمعه وألّفه تأليفا ثانيا. وبعد انتقاله إلى أنطاكيا تحصّلت له تواريخ جديدة أخرى فأضاف إليه وغيّر ما ألحقه به وقرّر الأمر على هذه النّسخة الأخيرة (١). ورغم أنّ وفاة يحيى بن سعيد كانت في سنة ٤٥٨ هـ/ ١٠٦٦ م، فإنّ تاريخه لا يتعدّى بحال عام ٤٢٥ هـ/ ١٠٣٤ م، وهو يهتمّ فيه خاصّة بمصر والشّام والدّولة البيزنطية، وقليلا ما يهتمّ بالعراق. وقد اعتمد يحيى في تاريخه - بالإضافة إلى المصادر الإسلامية - على مصادر يونانية _________ (١) انظر فيما تقدم ١٠٧ *.

стр. 2457

ومسيحية وجدها في أنطاكيا. ولكن المؤكّد أنّ «تاريخ يحيى بن سعيد» كان من بين مصادر المكين جرجس بن العميد مصدر المقريزي الرّئيس في حديثه عن تاريخ النّصارى. والمصدر الثّاني هو «تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية» المعروف ب «سير البيعة المقدّسة» المنسوب لساويرس بن المقفّع والذي يعدّ التاريخ الرّئيس للكنيسة المصرية المدوّن باللّغة العربية (١). ويتكوّن هذا التاريخ من سلسلة من سير البطاركة مقسّمة إلى العديد من الأقسام والفصول. وفي خلال هذا العرض نجد وصفا لمختلف الأحداث التي تخصّ التاريخ الكنسي والسّياسي والاجتماعي من وجهة نظر تعكس الموقف الرّسمي للكنيسة المصرية، بما أنّ المؤلّفين الذين تولّوا كتابته كانوا في العموم من الدّائرة القريبة من البطاركة أنفسهم. وهذا النّصّ الذي وصل إلينا هو نتاج تقليد طويل في الكتابة التاريخية، حيث سجّل المؤلّفون الأقباط (نصارى مصر) في فترات مختلفة تاريخ كنيستهم وبلدهم، وكان كلّ منهم يكمل عمل سابقه. وكتب أوّل هؤلاء المؤلّفين باللّغة القبطيّة، ولكنّ متمّمي هذا التاريخ ابتداء من منتصف القرن الرّابع الهجري/ العاشر الميلادي دوّنوا هذا التاريخ باللّغة العربية (٢). ويتكوّن «تاريخ البطاركة» في الشّكل الذي وصل فيه إلينا من قسمين أساسيين: تاريخ باللغة العربية يعتمد في الأساس على السّير التي وجدها موهوب بن منصور بن مفرّج الإسكندراني الشّمّاس، في المحرّم سنة ٤٨٠ هـ/ أبريل سنة ١٠٨٧ م، في كلّ من دير السّيّدة بنهيا (اثنين وأربعين بطركا من ماري مرقص الإنجيلي إلى سيمون)، ودير الشّهيد الجليل تادرس على المنهى بأبلاج (أربعة بطاركة من الإسكندروس إلى خايال)؛ وفي دير نهيا أيضا (تسعة بطاركة من خايال إلى سانوتيوس) فنسخها بخطّه ثم بدأ في التّذييل عليها، مبتدئا بسيرة الأب خريسطودولوس البطرك السّادس والستين الذي جلس على الكرسي البطريركي سنة ٤٣٨ هـ/ ١٠٤٦ م (٣). وتاريخ يتضمّن سير البطاركة التي كتبها بنفسه موهوب من منصور بن مفرّج باللغة العربية _________ (١) راجع، سيدة إسماعيل كاشف: «تاريخ بطاركة الكنيسة المصرية لساويرس بن المقفّع وأهميته لدراسة التاريخ القومي»، المجلة التاريخية المصرية ٩ - ١٠ (١٩٦٠ - ١٩٦٢)، ١ - ٣١؛ Den Heijer، J.، CI art.History of the Patriarchs of Alexandria IV، pp. ١٢٣٨ - ٤٢; Aziz s.atiya، cl art. Sawirus Ibn al-Muqaffa c VII، pp. ٢١٠٠ - ٢. (٢) Den Heijer، J.، «Coptic Historiography in the Fatimid، Ayyubid and Early MamlukL ٢ Periods»، Medieval Encounters ٢/ ١ (١٩٩٦)، pp. ٧٠ - ٧١. (٣) ساويرس بن المقفع: تاريخ بطاركة الكنيسة ١٦٠: ٢/ ٢ - ١٦١، وراجع عن منصور بن موهوب Den Heijer، J.، Mawhub ibn mansur Ibn Mufarrig et I'Historiographie Copoto-arabe، Lovanii ١٩٨٩

стр. 2458

مباشرة، وهي: سيرة البطرك خريسطودولوس والبطرك كيرلّس الثّاني، ثم السّير التي كتبها مؤلّفون متأخّرون في القرنين السّادس والسّابع للهجرة/ الثّاني عشر والثّالث عشر للميلاد بعد أن نسخوا السّير التي كتبها سابقوهم بأنفسهم مضيفين إليها الأحداث التي جرت في زمانهم من أمثال: يوحنّا بن صاعد بن يحيى المعروف بابن القلزمي (١)، والأنبا مرقس بن زرعة البطرك الثالث والسبعين (٢). ويمثّل «تاريخ البطاركة»، إلى جانب موضوعه الأصلي، تاريخا سياسيّا واجتماعيّا مهمّا لمصر، ويتضمّن معلومات غنيّة حولها لا نجدها أحيانا في الحوليّات الإسلامية. أمّا المصدر الثّالث فهو كتاب «النّهج السّديد والدّرّ الفريد فيما بعد تاريخ ابن العميد» لمفضّل بن أبي الفضائل، وكما هو واضح من عنوانه أراد مؤلّفه أن يكمل به تاريخ المكين جرجس ابن العميد - مصدر المقريزي الرّئيس فيما كتبه عن تاريخ النّصارى - وهو في الوقت نفسه خال والد مفضّل. ويبدأ كتاب «النّهج السّديد» من السنة التي توقّف عندها «تاريخ ابن العميد» وهي سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م ويستمرّ إلى نهاية السّلطنة الثالثة للنّاصر محمد بن قلاوون سنة ٧٤١ هـ/ ١٣٤٠ م. ويتّفق الكتاب كثيرا في مادّته مع كتاب «نهاية الأرب» للنّويري، ولكن على العكس من كتاب ابن العميد فإنّ معطياته عن النّصارى في كتابه تنحصر في بعض ملاحظات عن بطاركة العصر وعدد قليل من الموضوعات الأخرى. وواضح أنّ تاريخ ابن أبي الفضائل لم يكن له تأثير كبير على مؤرّخي عصر سلاطين المماليك المتأخّرين، لكن الفقرات التي يظهر فيها ابن أبي الفضائل كمشاهد معاصر للأحداث تعدّ وثيقة ذات أهمية كبيرة للفترة المعنية (٣). أمّا المصدر الرّئيس الذي اعتمد عليه المقريزي في ذكر أديرة مصر فكتاب «الدّيارات» لأبي عبد اللّه محمد بن إسحاق الشّابشتي - بفتح الشين المعجمة وبعد الألف باء موحّدة مضمومة ثم شين معجمة ساكنة وبعدها تاء مثنّاه من فوقها، وهو اسم ديلمي يشبه النّسبة وليس _________ (١) ساويرس بن المقفع: تاريخ البطاركة ١٨٧: ٣/ ٢، ٢٢٩، ٢٣٢، ٧: ١/ ٣. (٢) نفسه ٣٧: ١/ ٣، ١٢١: ٢/ ٣. (٣) Den Heijer، J.، El ٢ art.Mufaddal b.Abil- Fada'il VII، p. ٣٠٧. ونشر Blochet جزء من الكتاب يقف عند سنة ٧١٦ هـ/ ١٣١٦ م في مجلة Part.Or.XII (١٩١٩)، pp. ٣٤٥ - ٥٥٠، XIV (١٩٢٠)، pp. ٣٧٥ - ٦٧٢، XX (١٩٢٩)، pp. ٣ - ٢٧٠، ثم أكملت السيدة كورتانتامر نشر بقية الكتاب بعنوان kortantamer، S.، Agypten und Syrien Zwischen ١٣١٧ und ١٣٤١ in der Chronick des Mufaddal b.Abil-Fada'il، Freiburg ١٩٧٣.

стр. 2459

بنسبة - صاحب خزانة كتب العزيز باللّه الفاطمي والمتولّي عرضها المتوفى سنة ٣٩٠ هـ/ ٩٩٩ م (١). وكتاب «الدّيارات»، «ذكر فيه [الشّابشتي] كلّ دير بالعراق والموصل والشّام والجزيرة والدّيار المصرية، وجميع الأشعار المقولة في كلّ دير وما جرى فيه». وأضاف ابن خلّكان: «وهو على أسلوب «الدّيارات» للخالديين [سعيد بن هاشم ومحمد بن هاشم] وأبي الفرج الأصبهاني والسّريّ الرّفّاء» (فيما يلي ١٠٢٨، ١٠٣١، ١٠٣٣، ١٠٣٦، ١٠٣٧، ١٠٨٥). ووصل إلينا كتاب «الدّيارات» للشّابشتي في نسخة وحيدة محفوظة في مكتبة الدّولة ببرلين برقم ٨٣٢١، ولكنّها نسخة مخرومة من أوّلها ضاع منها جملة من ديارات العراق وكلّ ديارات الشّام، خلا دير البخت. وأديرة مصر التي ذكرها الشّابشتي في كتابه تسعة أديرة هي: دير القصير ودير مرحنّا ودير نهيا ودير طمويه وكنيسة الطّور وبيعة أبي هور ودير يحنّس وبيعة أتريب ودير بنواحي إخميم. ونشر عزيز سوريال عطية خبر هذه الأديرة نقلا عن الشّابشتي في مقال كتبه سنة ١٩٣٩ بعنوان Atiya، A.S.، «Some Egyptian Monasteries accoroting to the Umpublished MS of al-Shabushti's Kitab al-Diyarat»، BSASV (١٩٣٩)، pp. ١ - ٢٨؛ ثم نشر الكتاب كاملا كوركيس عوّاد مع مقدّمة ضافية في بغداد سنة ١٩٥١، وأعاد نشره في بغداد أيضا سنة ١٩٦٦. والمصدر الثّاني الذي اعتمد عليه المقريزي في هذا الباب هو مدخل «الدّير» أو «القول في ذكر الدّيره» كما جاء في كتاب «معجم البلدان» لأبي عبد اللّه ياقوت بن عبد اللّه الحموي الرّومي، المتوفى سنة ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م (فيما تقدم ٧١: ١ *، ٧٨: ٣ *، وفيما يلي ١٠٣٦). ولا شكّ أنّ المقريزي قد طالع ما كتبه عن الأديرة، شهاب الدّين أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمري، المتوفى سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م، في كتابه «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (٣٦٠: ١ - ٣٨٦). فقد سبق أن أثبتّ أنّ المقريزي نقل أكثر عباراته وضوحا في وصف قلعة الجبل وخلع المماليك وأزيائهم حتى عصر النّاصر محمد بن قلاوون عن ابن فضل اللّه العمري دون أن _________ (١) راجع ترجمته عند، ياقوت: معجم الأدباء ١٦: ١٨ - ١٧ وفيه: «وقد اختلف في اسمه فرأيت أنا كتاب الدّيارات من تصنيفه وهو مترجم: محمد بن إسحاق كما ترى. ونقل لي بمصر بعض من اختبرت صحّة نقله أنّه: أبو الحسين علي ابن أحمد»؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٣١٩: ٣ - ٣٢٠ تحت علي بن محمد؛ الصفدي: الوافي بالوفيات ١٩٤: ٢، ١٧٤: ٢٢ (في الموضعين)؛ Bosworth، C.E.، El ٢ art. al-ShabushtiIX، pp. ١٧٠ - ١٧١.

стр. 2460

يشير إليه أو إلى كتابه، رغم أنّه لم يتورّع أن ينسخ وصفه للقلعة وللخلع كلمة كلمة (فيما تقدم ٧٤: ٣ *- ٧٥ *). ولكنّنا لا ندري إذا كان المقريزي قد تعرّف على كتاب «تاريخ الكنائس والأديرة» الذي نشره Evetts في أكسفورد سنة ١٨٩٥ م عن نسخة المكتبة الوطنية في باريس رقم ٣٥٧ منسوبا إلى من يدعى أبا صالح الأرمنيّ. وهو كتاب يشتمل على وصف طبوغرافي لأهمّ كنائس وأديرة مصر ومواضعها موزّعة جغرافيّا حتى أواسط القرن السّادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. ويشتمل كلّ مدخل من مداخله على وصف للموضع وفي بعض الحالات على ذكر لأهمّ الأحداث المرتبطة به. ويمثّل المجلّد الذي نشره Evetts الجزء الثّاني من الكتاب المشتملّ على ذكر أديرة وكنائس الفسطاط ومصر العليا. وتوجد من الكتاب نسخة كاملة، كتبت سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م، كان يملكها جرجس فلتاؤس عوض - أحد أقباط مدينة طنطا - عرفها علي باشا مبارك واطّلع عليها واستفاد منها كثيرا في الجزء السّادس من كتابه «الخطط التّوفيقية الجديدة»، يقول عند حديثه على كنيسة حارة زويلة (وهي غير موجودة في الجزء الذي نشره Evetts): «قد ذكر المؤتمن أبو المكارم سعد اللّه بن جرجس في مجموع له بيّن فيه كنائس القاهرة والجهات البحرية في أواخر الجيل الثّاني عشر للمسيح» (١)، وهي إشارة إلى الجزء الأوّل من الكتاب والذي صرّح فيه المؤلّف باسمه عند حديثه على أحد دور حارة زويلة بالقاهرة بأنّها «كانت سكن الشّيخ المؤتمن أبي المكارم سعد اللّه بن جرجس بن مسعود ناظم هذا الكتاب». وكتب توفيق إسكاروس مقالا مهمّا عرّف فيه بهذه النّسخة، قدّمه إلى المؤتمر الدّولي للجغرافيا الذي عقد في القاهرة في أبريل سنة ١٩٢٥ (٢). _________ (١) علي مبارك: الخطط التوفيقية ٧٤: ٦ (٢١٦)، ٧٥ (٢١٩)، ٧٦ (٢٢٠)، ٧٧ (٢٢٤)، ٧٨ (٢٢٦)، ٧٩ (٢٢٩). (٢) Iscarus، T.، «Un nouveau manuscrit sur les eglises et les monasteres de l'Egpyte au XIIme siecle» dans Actes du Congre? s Internanional de Geographie، Avrill ١٩٢٥، Le Caire ١٩٢٦، v، pp. ٢٠٧ - ٨. وراجع حول الكتاب ومؤلّفه، المكين بن العميد: تاريخ المسلمين ٢٩٩: ١ - ٣٠٠؛ Aziz S.Atiya، CE art. Abu al-Makarim I، p. ٢٣&art.Abu SAlih I، p. ٣٣; Den Heijer، J.، «The Composition of the History of the Churches and Monasteries of Egypt: Some Preliminary Remarks» in S.D.W. Johnson (ed)، Acts of the Fifth International Congress of Coptic Studies، Roma ١٩٩٣، II/ ٢، pp. ٢٠٩ - ١٩; Zanetti، U.، «Abul Makarim et Abu Salih»، BSAC XXXIV (١٩٩٥)، pp. ٨٥ - ١٣٨.

стр. 2461

ووقف الأنبا صموئيل السّرياني - أسقف شبين القناطر وتوابعها - على هذه النّسخة واستنسخ منها نسخة بخطّه نشرها بالتّصوير سنة ١٩٨٤ دون أن يقدّم أيّ وصف كوديكولوجي لأصل النّسخة ولا مكان وجودها. وتبيّن بعد ذلك أنّ أصل هذه النّسخة استقرّ في مكتبة Bayerischen Staasbibliothek بميونخ برقم ٢٥٧٠ (وهي نفس المكتبة التي تحتفظ بنسخة الأصل الذي اعتمدت عليه في نشر هذا المجلّد الرّابع من الخطط). وفي سنة ٢٠٠٠ أعاد الأنبا صموئيل السّرياني نشر الكتاب مطبوعا في أربعة أجزاء بعنوان «تاريخ أبو (كذا) المكارم عن الكنائس والأديرة في القرن ١٢».

стр. 2462

النّسخ المستخدمة في هذا المجلّد اعتمدت في نشر هذا المجلّد الرّابع من «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» للمقريزي على ستّ نسخ، نقلت جميعها من خطّ المؤلّف، إضافة إلى مسوّدة المؤلّف المحفوظة في مكتبة إمانة الملحقة بمتحف طوبقبوسراي بإستانبول، وهذه النّسخ هي: ١ - نسخة مكتبة الدّولة بميونخ بألمانيا Bayerischen Staatsbibliothek Mu? nchen Lichtbildstelle ar. ١٠٧، وهي نسخة ثلاثيّة التّقسيم كتبت بخطّ دقيق لا يوجد منها سوى الثّلث الأخير فقط الذي يبدأ ب «ذكر السّجون» (فيما تقدم ٥٩٦: ٣) وينتهي بنهاية الكتاب. وتقع هذه النّسخة في ٣٠٥ ورقة ومسطرتها ٣١ سطرا، ويبدأ فيها المجلّد الرّابع - الذي ننشره اليوم - من أوّل ورقة ٥٣ و. وهذه النّسخة تمّت كتابة سنة ٨٧٩ هـ/ ١٤٧٤ م حيث جاء في حرد متنها (Colophon): «آخر ما وجد بخطّه ﵀ وأرضاه وجعل الجنّة مقرّه ومثواه. وكان الفراغ من كتابته يوم السّبت المبارك خامس عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثمان مائة أحسن اللّه تعالى عاقبتها. وحسبنا اللّه ونعم الوكيل، وصلّى على سيّدنا محمد وآله وسلّم. غفر اللّه لكاتبه ومالكه والنّاظر فيه والمسلمين». وعلى عكس النّسخ التي استعنت بها في المجلّدات السّابقة، تمتاز هذه النّسخة بأنّ ناسخها قابلها على أصل المؤلّف الذي نقل منه وسجّل ذلك في مواضع متعدّدة من النّسخة بالصّيغ التّالية: «بلغ مقابلة على أصله المنقول منه بخطّ مؤلّفه»، أو «بلغ مقابلة على أصل المصنّف المنقول منه بخطّه»، أو «بلغ مقابلة على حسب الطّاقة على خطّ مؤلّفه»، أو «بلغ مقابلة على الأصل المنقول منه بخطّ مؤلّفه ﵀»، أو «بلغ مقابلة على أصل خطّ المصنّف المنقول منه»، أو «بلغ مقابلة على خطّ مؤلّفه ﵀»، أو «بلغ مقابلة على خطّه ﵀». وضبط ناسخ هذه النّسخة بالشّكل بعض الأعلام والمواضع التي كانت دون شكّ بهذا الضّبط في أصل المؤلّف المكتوب بخطّه، فأعاننا بذلك على الضّبط الصّحيح لعدد من الأعلام والمواضع على خلاف ما شاع خطأ بين الباحثين؛ مثال ذلك أنّ الضّبط الصّحيح لاسم قوصون هو ضمّ

стр. 2463

القاف والصّاد، لا فتح القاف وسكون الواو كما شاع في كتابات بعض الباحثين الغربيين Qawsun الذين كانوا يرون أن هذا هو الضّبط الصّحيح للاسم باعتبار تحريف العامّة له إلى «قيسون» أو «قايسون» (فيما يلي ٢٢٣). ٢ - نسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٨٢، كتب خطأ على صفحة غلافها «الجزء الخامس من المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار»، وصوّب شخص ذلك في الطّرف الأعلى الأيسر للصّفحة «الرّابع من المواعظ والاعتبار … ). ولا يوجد من هذه النّسخة سوى هذا الجزء فقط الذي يبدأ ب «ذكر المساجد الجامعة»، وهي نسخة كتبت بخطّ نسخ جيّد بطريقة متّصلة بدون فصل بين العناوين والفصول المختلفة، وتقع في ٢١٤ ورقة ومسطرتها ٣٢ سطرا، تمّت كتابة سنة ٨٨٢ هـ/ ١٤٧٧ م، وجاء في حرد متنها (colophon): «نجز الجزء الرّابع من كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، تأليف الشّيخ الإمام العالم فقير عفو اللّه، أحمد بن علي بن عبد القادر ابن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصّمد بن أبي الحسن ابن عبد الصّمد بن تميم الشّهير والده بابن المقريزي الشّافعي غفر اللّه له وتغمّد بفضله ذلله بمنّه وكرمه في حادي عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمان مائة، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل». ويوجد في آخر هذه النّسخة فوائد كانت في أصل نسخة المؤلّف هي: «الخبر عن الإفرنجة» و «الخبر عن الإمام الزّيدي القائم بصنعاء اليمن». ورغم أنّ النّاسخ لم ينصّ في حرد المتن على نقله عن نسخة المصنّف إلاّ أنّه سجّل ذلك في أثناء النّصّ حيث أثبت في الهوامش حواشي المؤلّف التي كانت في أصله وكتب أمامها: «بخطّ المصنّف»، وحدّد كذلك أماكن البياض التي تركها المؤلّف في أصله. والنّسخة مقابلة أيضا على نسخة الأصل حيث استدرك ناسخها - الذي لا نعرف اسمه - أثناء المقابلة أسقاطا كثيرة ألحقها على هامش النّسخة. ٣ - نسخة المكتبة الوطنية بباريس رقم ar. ٧٧٥٩، وهي بخطّ العالم والمحدّث المصري المعروف شهاب الدّين أبي العبّاس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد القسطلاّني المصري، المتوفى سنة ٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م، فرغ من كتابتها نقلا عن خطّ المؤلف ليلة الخميس

стр. 2464

سادس عشر جمادى الآخر سنة سبع وثمانين وثمان مائة، وتقع في ٢٧٧ ورقة، ومسطرتها ٣١ سطرا، وبها سقط بين ورقة ٢٠٨ و ٢٠٩ يعادل الصّفحات من ٣٠٢ إلى ٤٦٤ فيما يلي. (انظر وصفها فيما تقدم ٨٣: ٣ *- ٨٤ *). ٤ - نسخة مكتبة حسين جلبي بمدينة بورصة بتركيا - وهي نسخة ثلاثية التّقسيم - وتحمل الأرقام من ٧٩٢ - ٧٩٠؛ فرغ من كتابتها - نقلا عن خطّ المصنّف - يوم الجمعة الثّامن من شهر شعبان المبارك سنة خمس وثمانين وثمان مائة، علي بن عيسى بن علي الشّهير بالمرحومي (انظر وصفها فيما تقدم ٨٧: ٣ *- ٨٨ *). ٥ - نسخة مكتبة الفاتح بإستانبول رقم ٤٥٠١ (٤٥٠٢)، وهي المجلّد الرّابع من النّسخة الكاملة التي تمّت كتابة في رابع عشرين ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين وثمان مائة (فيما تقدم ١١٩: ١ *- ١٢٠ *، ٨٩: ٣ *- ٩٠ *)، وتقع في ٢٦٧ ورقة، ومسطرتها ٢٥ سطرا. ٦ - نسخة مكتبة جامعة ليدن رقم Or. ٣٧٢ b-c - وهي نسخة ثلاثية التّقسيم - يوجد منها فقط الجزءان الثاني والثالث كتبت بخطّ معتاد ويقع الجزء الثّالث منها في ٢١٠ ورقة، ومسطرتها ٣٣ سطرا، فرغ من كتابتها في ثالث صفر الخير سنة ستّ وستين وتسع مائة: عبد اللّه بن محمد ابن عبد اللّه الشّنشوري الفرضي الشّافعي (فيما تقدم ٨٩: ٣ *). ٧ - مسوّدة المؤلّف الثّانية المحفوظة في مكتبة إمانة الملحقة بمتحف طوبقبوسراي تحت رقم ١٤٠٥ (فيما تقدم ١٠٩: ١ *- ١١٢ *، ٩١: ٣ *- ٩٢ *).

стр. 2465

[نماذج من صور النسخة الخطية]

стр. 2466

طريقتي في إخراج النّصّ اتّبعت في إخراج هذا المجلّد المنهج نفسه الذي أخرجت به المجلّدات الثّلاثة الأولى من الكتاب (فيما تقدم ١٢٣: ١ *- ١٢٥ *، ٩٩: ٢ *- ١٠٠ *، ١٣٧: ٣ *- ١٣٨ *). والنّصّ المثبت هنا هو النّصّ الوارد في نسخة مكتبة ميونخ رقم ar. ١٠٧، وهي نسخة مستقلّة بذاتها (فيما تقدم ١١٩ *). وهذه النّسخة كتبت بعد نسخة مكتبة آياصوفيا بإستانبول رقم ٣٤٨٠ و ٣٤٨٣ - التي اعتمدت عليها في إخراج المجلّدين الثّاني والثّالث - بسنة واحدة حيث فرغ من كتابتها في خامس عشر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثمان مائة. وتمتاز هذه النّسخة، إضافة إلى مقابلتها على أصل المؤلّف الذي كتبه بخطّه، وضبط بعض أعلامها ومواضعها، بأنّ ناسخها أثبت كذلك على هوامشها الحواشي التي أضافها المؤلّف على نسخته بخطّه، كما سجّل مواضع البياض الموجودة في أصل المؤلّف وعدد الأسطر التي تركها المؤلّف ليستدركها بعد ذلك، تماما مثلما فعل أبو الحسن علي بن حسن السّروي ناسخ النّسخة المعتمد عليها في إخراج المجلّدين الثّاني والثّالث. ولا يوجد أيّ خلاف بين نصّ هذه النّسخة ونصّ سائر النّسخ التي اعتمدت عليها؛ فيما عدا الفروق الناتجة عن انتقال النّظر بسبب عدم مقابلة هذه النّسخ ومعارضتها بأصل المؤلّف المنقولة عنه. وكانت مسوّدة المقريزي الثّانية المحفوظة في مكتبة إمانة الملحقة بمتحف طوبقبوسراي بإستانبول عظيمة الفائدة لي أثناء تحقيقي لهذا المجلّد، فقد اشتملت على أغلب مادّة هذا المجلّد وضمّت العديد من المداخل التي ذكرها المقريزي في المسوّدة ولم ينقلها في المبيّضة لسبب غير معلوم. وهذه الإضافات هي: المدرسة القيسرانيّة بأوّل الموازنيين، ومدرسة محمود بن علي المؤذّن بخطّ الموازنيين أيضا، ومدرسة قطلوبغا الذّهبي بشارع سوق السّلاح، ومدرسة ابن آقبغا آص بأوّل سويقة العزّي، والمدرسة الدّواداريّة بسويقة المشبّب، والمدرسة الأشرفيّة المستجدّة على الصّوّة، ومدرسة قماري الحموي بالهلاليّة، والمدرسة الصّارميّة عند قنطرة آق سنقر، والمدرسة بميدان القمح خارج باب القنطرة، ومدرسة الحاجب بكتمر خارج باب النّصر، ومدرسة قراجا،

стр. 2467

ومدرسة ابن كراي، والمدرسة الشّميساطية، والمدرسة بخطّ سويقة منعم، ومدرسة أمّ آنوك خارج باب البرقيّة، والمدرسة بالصّوّة تجاه الطّبلخاناه، ومدرسة ابن غلامها ببولاق، ومدرسة إبراهيم الزّويمل بجوار الجامع المارديني، ومدرسة ألطنقش بالتّبّانة، والمدرسة الأشرفيّة قرب المشهد النّفيسي، ومدرسة أبي غالب خارج باب الخوخة، والمدرسة البلقينية بحارة بهاء الدّين، والمدرسة الشّريفيّة بحارة بهاء الدّين أيضا، والمدرسة النّابلسية مقابل خانقاه سعيد السّعداء، والمدرسة الكهارية بالقرب من الجوذرية، ومدرسة مقبل الأشقتمري بخطّ التّبّانة، والمدرسة الظّاهريّة المستجدّة بين القصرين (فيما يلي ٦٥٦ - ٦٨٩). وكذلك مسجد ابن البابا بحكر الخازن، ومسجد مرشد قبالة حمّام الكويك، ومسجد الزّيالعة علوّ باب حارة برجوان (فيما يلي ٧٢٣)، وقبّة كمشبغا خارج الباب المحروق تحت الجبل (فيما يلي ٧٩١)؛ ومدرسة السّنجاري بالقرافة، ومسجد الأشعوب بالقرافة أيضا (فيما يلي ٨٩٢ - ٨٩٣)، ثم فصل عنوانه «من أسباب الخراب» (فيما يلي ١٠٨٧ - ١٠٨٨). لا شكّ أنّه أحد فصول الجزء السّابع الذي خصّصه المقريزي لذكر الأسباب التي نشأ عنها خراب إقليم مصر، والذي طالما أحال عليه في هذا المجلّد. ويدفعنا وجود هذه المداخل في مسوّدة الخطط إلى التّساؤل عن مدى إحاطة المقريزي بجميع معالم القاهرة الموجودة في عصره ولماذا أثبت مداخل في المسوّدة ولم ينقلها إلى المبيّضة؟ فكثير من الباحثين المحدثين عند دراستهم لمعالم القاهرة الموجودة حتى عصر المقريزي، إذا لم يجدوا ذكرا لهذا المعلم في «الخطط» يبدأون أبحاثهم بالقول بأنّ هذا المعلم لم يذكره المقريزي في «خططه» (انظر ما كتبه صالح لمعي عن منشآت الظّاهر برقوق، وآمال العمري عن مدرسة قطلوبغا الذّهبي، وأندريه ريمون في مقاله الأخير Raymond، A.، «Al-Maqri? zi? 's Khitat and the Urban Structure of Mamluk Cairo»، (MSR VII/ ٢ (٢٠٠٣)، pp. ١٤٥ - ١٦٧. والمقريزي نفسه يحيل في ثنايا كتابه إلى مواضع غير موجودة في النّسخة النّهائية للكتاب ولم أجدها في المسوّدة، علما بأنّ المسوّدة مجلّدة تجليدا خاطئا وسقط منها دون شك العديد من الأوراق لأنّها كانت في شكل رزمة، ففي أثناء حديثه على خانقاه ابن غراب يحيل المقريزيّ القارئ «على ما هو مذكور في خبر الملك النّاصر [فرج] عند ذكر الخانقاه النّاصرية من هذا الكتاب» (فيما يلي ٧٥١)، وهو غير موجود فيما وصل إلينا من المسوّدة أو في المبيّضة (١). _________ (١) راجع ما سبق أن كتبته فيما تقدم ٩٢: ٣ *.

стр. 2468

وتبدو قائمة المقريزي التي ذكر فيها آثار القاهرة حتى عصره - في الشّكل الذي وصل إلينا فيه كتاب «الخطط» - غير تامّة. ولكنّ ذلك لا يعني عدم معرفة المقريزي بهذه الآثار، فقد ذكر الآثار التي لم ترد في «الخطط» في كتابه الآخر «السّلوك» الذي ظلّ يضيف إليه حتى قبل وفاته بعام واحد، مثل: «مدرسة (خانكاه) نظام الدّين إسحاق الأصفهاني [أثر رقم ١٤٠] فوق الشّرف على طارف الجبل خارج باب المحروق من القاهرة تحت دار الضّيافة» (السلوك ٣٣٩: ٣، ٤٦١) و «مدرسة ابن غنّام [أثر رقم ٩٦] بالقرب من الجامع الأزهر» (السلوك ٢٥٣: ٣، ٥٤٥)، و «جامع الأمير سودون من زادة [أثر رقم ١٢٧] بخطّ سويقة العزّي خارج باب زويلة» (السلوك ١١٢٢: ٤) و «المدرسة الجوهريّة [أثر رقم ٩٧] بجوار الجماع الأزهر» (السلوك ١٢٣٤: ٤)، و «جامع جوهر الطّواشي [أثر رقم ١٣٤] بالرّميلة تحت القلعة» (السلوك ١٢٣٠: ٢)، و «جامع الأمير تغري بردي البكلمشي الدّوادار المعروف بالمؤذي [أثر رقم ٢٠٩] بخطّ الصّليبة» (السلوك ١٢٣٠: ٤)، و «مصلّى المؤمني [أثر رقم ١٤٨] تحت قلعة الجبل» (السلوك ٤٢٦: ٤، ٦٢٠، ٧٥٧، ٨٢٧). وكما سبق أن أثبتّ فإنّ تاريخ تأليف «الخطط» لا يتعدّى بحال سنتي ٨٢٧ - ٨٣٠ هـ (فيما تقدم ٦٦: ١ * ٦٨ *)، فتكون إشارة المقريزي إلى الآثار التي أنشئت بعد هذا التاريخ في «الخطط» هي إضافات وإلحاقات أضافها على نسخته الخاصّة لتحديث معلوماتها بعد أن فرغ من كتابتها وأدمجها النّسّاخ في مواضعها عند النّقل عنها (فيما يلي ٣٥٤ - ٣٦٠). والمدارس التي استدركتها - وعددها سبع وعشرون مدرسة - أنشئت جميعها قبل هذا التاريخ، بما أنّها وردت في المسوّدة ولم ينقلها المقريزي إلى المبيّضة لسبب غير واضح. ولا شكّ أنّ المسوّدة اشتملت على ذكر مدارس وجوامع وآثار أخرى سقطت من رزمة «المسوّدة» خلال نقلها من مصر وقبل تجليدها في متحف طوبقبوسراي بإستانبول، فتعقيبات النّسخة غير متّصلة ويوجد بها تقديم وتأخير وأوراق كاملة جلّدت بعكس اتّجاه النّسخة. والخبر الذي أوردته في آخر هذا المجلّد بعنوان: «من أسباب الخراب» نقلا عن «المسوّدة» يدلّ على أنّ المقريزي كان بصدد جمع مادّة الجزء السّابع من تقسيمه الذي سمّاه: «ذكر الأسباب الذي نتج عنها خراب إقليم مصر» والذي أحال إليه في مواضع كثيرة من كتابه. ونظرا لأنّ المقريزي لا يقدّم لنا - كما سبق أن ذكرت - على امتداد هذا المجلّد - إلاّ فيما ندر - أيّ أوصاف معماريّة عن تخطيط الجوامع والمدارس وغيرها من المنشآت، وإنّما اهتمّ فقط بتحديد موضع الأثر من القاهرة وما كان عليه موضعه قبل بنائه، وتاريخ إنشائه والآمر به، ثم يترجم ترجمة ثريّة لصاحب الأثر، لذلك حرصت على إحالة القارئ إلى أهمّ المراجع التي تناولت تاريخ وتخطيط هذه

стр. 2469

المنشآت وعلى الأخصّ مؤلّفات كريزويل K.A.C.Creswell وحسن عبد الوهاب وهوتكور وفييت L.Hautecoeur & G.Wiet وأحمد فكري وسعاد ماهر وميشيل ماينكه M.Meinecke، إضافة إلى الدّراسات المتخصّصة عن أثر معيّن، سواء نشرت أو كانت رسائل جامعية لم تنشر بعد. وبفضل الدّراسة الرّائدة التي قام بها عالم الكتابات التاريخية المعروف ماكس فان برشم Max van Berchem واستكملها جاستون فييت G.Wiet ولودفيج كالّوس L.Kallus، فإنّنا نعرف تقريبا جميع الكتابات التاريخية الموجودة على آثار القاهرة والأقاليم والتي أثبتّ - اعتمادا عليها - ما يتعلّق بما أورده المقريزي هنا. *** وفي ختام هذا العمل يطيب لي أن أتوجّه بأصدق آيات العرفان والشّكر إلى الأساتذة والأصدقاء والمؤسّسات، الذين قدّموا لي عن طيب خاطر عونهم ومساعدتهم أثناء تحقيقي لكتاب «المواعظ والاعتبار» للمقريزي. فالشّكر أوّلا إلى مؤسّسة الفرقان للتّراث الإسلامي بلندن التي تبنّت إخراج هذا الكتاب ووفّرت له كلّ الإمكانات ليخرج في هذه الصّورة والشّكل الذي يليق بمصنّف المقريزي الخالد، وعلى الأخصّ الأساتذة أعضاء لجنة خبراء المؤسّسة الذين وافقوا - دون تحفّظ - على نشر المؤسّسة للكتاب: الأستاذ إبراهيم شبّوح، والأستاذ الدكتور أكمل الدّين إحسان أوغلو، والأستاذ الدكتور إيرج أفشار، والأستاذ الدكتور رشدي راشد، والدكتور محمد عيسى ولي، والأستاذ الدكتور يان يوست ويتكام، ومديرا المؤسّسة العالم الرّاحل الدكتور يوسف إبيش ﵀، ومديرها الحالي العالم والمؤرّخ الثّبت الدكتور محمد عدنان البخيت، اللّذين لم يدّخرا وسعا في سبيل تذليل وحلّ الصّعوبات التي واجهت العمل، وأخي الأستاذ محمد دريويش مسئول النّشر بالمؤسّسة، الذي تابع معي هاتفيّا في صبر كلّ خطوات تجهيز الكتاب. أمّا معالي العالم الأديب الشّيخ أحمد زكي يماني رئيس المؤسّسة، فإنّ الكلمات لا تفيه حقّه، وكان لي من دعمه وتشجيعه الدّائمين وحرصه على ظهور الكتاب خير دافع لي على إتمام هذا العمل على هذه الصّورة. وكانت لي مع عالم الآثار الإسلامية المصري المعروف الأستاذ عبد الرّحمن عبد التّوّاب، العارف حقّ المعرفة بدواخل القاهرة وآثارها ومعالمها، مناقشات مطوّلة أوضحت لي أشياء كثيرة عن آثار القاهرة، كانت نعم العون لي في تحقيق ودراسة كتاب المقريزي، فله مني

стр. 2470

خالص شكري ودعواتي بأن يمتّعه اللّه بدوام الصّحّة وموفور العافية. وكانت مكتبة المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشّرقية بالقاهرة، الغنيّة بكلّ ما كتب قديما وحديثا بمختلف اللّغات عن تاريخ القاهرة وآثارها وتاريخ مصر الإسلامية، نعم العون لي في كتابة تعليقاتي وإحالاتي على الدّراسات والبحوث الحديثة عن القاهرة وآثارها، فشكري الجزيل إلى القائمين عليها، وخاصّة الصّديق العزيز كريستيان قيلي Christian Velud مدير الدّراسات بالمعهد، على الظّروف التي وفّرها لي للاستفادة القصوى من ذخائر هذه المكتبة. والشّكر كذلك لأخي الأستاذ محمد أبو العمائم الباحث بالمعهد العلمي الفرنسي للآثار، الغيور على آثار القاهرة وتراثها، الذي صحبني في العديد من الجولات الميدانية لمواقع الجوامع والمدارس والدّور التي ذكرها المقريزي، على معاونته الكريمة في اختيار الصّور الفوتوغرافية والمخطّطات التي ألحقتها بالكتاب. وأودّ كذلك أن أعبّر عن شكري للذين عاونوني على إخراج الصّورة النّهائية للكتاب، السّيّد ياسر محمد العريني، الذي عاونني في قراءة وتصحيح تجارب الطّبع بدقّة وعناية متناهيتين؛ والسّيّد حسام سعيد محمد؛ الذي تولّى رقن الكتاب بصبر وأناة، ملتزما بكلّ متطلّباتي وتعديلاتي الكثيرة التي أدخلتها أثناء العمل؛ وكذلك إلى العاملين بمطبعة المدني بالقاهرة على ما أبدوه من صبر وما بذلوه من عناية كبيرة في إخراج الكتاب. أمّا أخي الخطّاط الموهوب أوس الأنصاري فقد وهب بخطّه كتاب المقريزي وفصوله ديباجة يترقرق فيها الجمال. وأخيرا فإنّ ما أدين به لزوجتي وابنتيّ اللاتي وفّرن لي الجوّ المناسب طوال فترة مصاحبتي لكتاب المقريزي أعظم من أن يقدّر. وبعد، فهذا كتاب «المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار» لشيخ مؤرّخي مصر الإسلامية تقيّ الدّين أحمد بن علي المقريزي، أقدّمه للعلماء والباحثين على هذه الصّورة من التّحقيق والتّعليق والدّراسة، آملا أن أكون قد وفّقت فيما قصدت إليه من بذل الجهد وشدّة العناية؛ فإن كنت قد أسأت في شيء، فأرجو أن يتغمّده بالعفو ما بذلت فيه من جهد، ﴿رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾. ايمن فؤاد سيّد القاهرة في ٢٨ شعبان سنة ١٤٢٤ هـ ٢٤ أكتوبر سنة ٢٠٠٣ م

стр. 2471

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم ذكر المساجد الجامعة اعلم أنّ أرض مصر لمّا فتحت في سنة عشرين من الهجرة، واختطّ الصّحابة ﵃ فسطاط مصر كما تقدّم. لم يكن بالفسطاط غير مسجد واحد وهو الجامع الذي يقال له في مدينة مصر «الجامع العتيق» و «جامع عمرو بن العاص». وما برح الأمر على هذا إلى أن قدم عبد اللّه بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس ﵄ من العراق في طلب مروان بن محمد في سنة ثلاث وثلاثين ومائة. فنزل عسكره في شمالي الفسطاط، وبنوا هناك الأبنية، فسمّي ذلك الموضع ب «العسكر»، وأقيمت هناك الجمعة في مسجد. فصارت الجمعة تقام بمسجد عمرو بن العاص، وبجامع العسكر إلى أن بنى الأمير أحمد ابن طولون جامعه على جبل يشكر في سنة تسع وخمسين ومائتين حين بنى القطائع، فتلاشى من حينئذ جامع العسكر، وصارت الجمعة تقام بجامع عمرو وبجامع ابن طولون، إلى أن قدم جوهر القائد من بلاد القيروان بالمغرب، ومعه عساكر مولاه المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ، فبنى القاهرة، وبنى الجامع الذي يعرف ب «الجامع الأزهر» في سنة ستين وثلاث مائة. فكانت الجمعة تقام في جامع عمرو، وجامع ابن طولون، والجامع الأزهر،/ وجامع القرافة الذي يعرف اليوم ب «جامع الأولياء» (١). ثم إنّ العزيز باللّه أبا منصور نزار بن المعزّ لدين اللّه، بنى في ظاهر القاهرة من جهة باب الفتوح الجامع الذي يعرف اليوم ب «جامع الحاكم»، في سنة ثمانين وثلاث مائة، وأكمله ابنه الحاكم

стр. 2472

بأمر اللّه أبو عليّ منصور، وبنى جامع المقس وجامع راشدة. فكانت الجمعة تقام في هذه الجوامع كلّها إلى أن انقرضت دولة الخلفاء الفاطميّين في سنة سبع وستين وخمس مائة، فبطلت الخطبة من الجامع الأزهر، واستمرّت فيما عداه (١). فلمّا كانت الدّولة التّركيّة، حدث بالقاهرة والقرافة ومصر وما بين ذلك عدّة جوامع أقيمت فيها الجمعة. وما برح الأمر يزداد حتى بلغ عدد المواضع التي تقام بها الجمعة، فيما بين مسجد تبر - من بحري القاهرة (¬a) - إلى دير الطّين - قبلي مدينة مصر - زيادة على مائة موضع. وسيأتي من ذكر ذلك ما فيه كفاية إن شاء اللّه تعالى. وقد بلغت عدّة المساجد التي تقام بها الجمعة: مائة وثلاثين مسجدا (٢)، منها بمدينة مصر: جامع عمرو بن العاص، والجامع الجديد، والمدرسة المعزّيّة، وجامع ابن اللّبّان، وجامع القرّاء، وجامع تقيّ التّمّار، وجامع راشدة، وجامع الفيلة، وجامع دير الطّين، وجامع بساتين الوزير. ومنها بالقرافة: جامع الأولياء، وجامع الأفرم، وخانكاه بكتمر، وجامع ابن عبد الظّاهر، وجامع الحرّاني (¬b)، وجامع الضّرّاب، وجامع قوصون، وجامع الشّافعي، وجامع الدّيلمي، وجامع محمود، وجامع قريبا من (¬c) تربة السّتّ. ومنها بالرّوضة: جامع المقياس، وجامع غبن (¬d)، وجامع الرّيّس، وجامع الأباريقي، وجامع المقسي. ومنها بالحسينيّة خارج القاهرة: جامع أحمد الزّاهد، وجامع آل ملك، وجامع كراي، وجامع الكافري (¬e) بالقرب من السّميساطية، وجامع الخندق، وجامع نائب الكرك، وجامع سويقة الجمّيزة، وجامع قيدان (¬f)، وجامع ابن شرف الدّين، وجامع الظّاهر، وجامع الحاج كمال التّاجر، تجدّد هو وجامع سويقة الجمّيزة في أيّام الظّاهر برقوق.

стр. 2473

ومنها خارج القاهرة ممّا يلي النّيل: جامع كوم الرّيش. جامع جزيرة الفيل. جامع أمين الدّين ابن تاج الدّين موسى. جامع الفخر على النّيل. جامع الأسيوطي. جامع الواسطي. جامع ابن بدر. جامع الخطيري. جامع ابن غازي. جامع المقس. جامع ابن التّركماني. جامع بنت التّركماني. جامع الطّواشي. جامع باب الرّخاء. جامع الزّاهد. جامع ميدان القمح. جامع صاروجا. جامع ابن زيد. جامع بركة الرّطلي. جامع الكيمختي. جامع باب الشّعريّة. جامع ابن ميّالة. جامع ابن المغربي. جامع العجمي بقنطرة الموسكي. الجامع المعلّق بقنطرة الموسكي أيضا. جامع الجاكي بسويقة الرّيش. جامع السّروجي بسويقة الرّيش أيضا. جامع البكجري. جامع ابن حسّون بالدّكّة (١). جامع ابن المغربي على الخليج. جامع الطّبّاخ بخطّ اللّوق. جامع السّتّ نصيرة بخطّ باب اللّوق - حيث كان الكوم فحفر فإذا بقبر عرف بالسّتّ نصيرة، وعمل عليه مسجد، وأقيمت به الجمعة في أيّام الظّاهر برقوق. جامع شاكر بجوار قنطرة قدادار، (¬a)) عمّر سنة ستّ وعشرين وثمان مائة. جامع غيط القاصد خلف قنطرة قدادار (¬a). جامع الجزيرة الوسطى. جامع كريم الدّين بخطّ الزّربيّة (¬b) (٢). جامع ابن غلامها بخطّ الزّربيّة (¬b) أيضا. الجامع الأخضر. جامع سويقة الموفّق. جامع سلطان شاه بباب الخرق (٣). جامع زين الدّين الخشّاب

стр. 2474

خارج باب اللّوق - كان زاوية للفقراء، فأقيمت به الجمعة بعد سنة ثمان مائة. جامع منكلي بسويقة القيمري. ومنها فيما بين القاهرة ومصر: جامع بشتاك. جامع الإسماعيلي على البركة النّاصريّة. جامع السّتّ مسكة. جامع آق سنقر ببحرة (¬a) السّقّائين. جامع الشّيخ محمد بن حسن الحنفي. جامع ستّ حدق بالمريس. جامع الطّيبرسي. جامع الرّحمة عمارة الصّاحب أمين الدّين عبد اللّه ابن غنّام. جامع منشأة المهراني. جامع يونس بالسّبع سقايات على البركة. جامع بركة الأستادّار بحدرة ابن قميحة. جامع ابن طولون. جامع المشهد النّفيسي. جامع البقلي بالقبيبات. جامع شيخو. جامع قانباى برأس سويقة منعم. جامع ألماس. جامع قوصون. جامع الصّالح. المدرسة النّاصرية حسن بسوق الخيل. جامع ألجاي. جامع المارديني. جامع أصلم. جامع (¬b). ومنها بقلعة الجبل: جامع النّاصري. وجامع التّوبة. وجامع الإسطبل. والجامع المؤيّدي (١). ومنها خارج القاهرة بالتّرب وما قرب من القلعة: تربة جوشن (٢)، والتّربة الظّاهرية برقوق، وتربة طشتمر حمّص أخضر بالصّحراء. جامع الخضري. جامع التّوبة. الجامع المؤيّدي. ومنها بالقاهرة: الجامع الأزهر، والجامع الحاكمي، والجامع الأقمر، والمدرسة الظّاهرية برقوق، والمدرسة الصّالحية و [المدرسة] (¬c) الحجازية، والمشهد الحسيني، وجامع الفكّاهين (¬d)، والزّمامية، والصّاحبية، والبوبكرية، والجامع المؤيّدي، والأشرفيّة، وجامع الدّواداري قريبا من البرقيّة، وجامع التّوبة بالبرقيّة، ومدرسة ابن البقري والباسطية.

стр. 2475

ذكر الجوامع اعلم أنّه لمّا اتّصلت مباني القاهرة المعزّيّة بمباني مدينة فسطاط مصر بحيث صارتا كأنّهما مدينة واحدة، واتّخذ أهل القاهرة وأهل مصر القرافتين لدفن أمواتهم، ذكرت ما في هذه المواضع الأربعة من المساجد الجامعة (١)، وأضفت إليها ما في جزيرة فسطاط مصر - التي يقال لها الرّوضة - من الجوامع أيضا، فإنّها متنزّه أهل البلدين، وجمعت إلى ذلك ما في ظواهر القاهرة ومصر من الجوامع مع التّعريف بحال من أسّسها (٢)، واللّه الموفّق (¬a).

стр. 2476

الجامع العتيق [أثر رقم ٣١٩] هذا الجامع بمدينة فسطاط مصر - ويقال له «تاج الجوامع»، و «جامع عمرو بن العاص» - وهو أوّل مسجد أسّس بديار مصر في الملّة الإسلامية بعد الفتح (١). (¬a)) خرّج الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث معاوية بن قرّة، قال: قال عمر بن الخطّاب ﵁: من صلّى صلاة مكتوبة في مسجد مصر من الأمصار كانت له كحجّة متقبّلة، فإن صلّى تطوّعا كانت له كعمرة مبرورة. وعن كعب: من صلّى في مسجد مصر من الأمصار صلاة فريضة عدلت حجّة متقبّلة، ومن صلّى صلاة تطوّع عدلت عمرة متقبّلة، فإن أصيب في وجهه ذلك، حرم لحمه ودمه على النّار أن تطعمه، وذنبه على من قتله. وأوّل مسجد بني في الإسلام مسجد قباء، ثم مسجد رسول اللّه ﷺ (¬a). قال هشام ابن عمّار: حدّثنا المغيرة بن المغيرة، حدّثنا يحيى بن عطاء الخراساني عن أبيه، قال: لمّا افتتح عمر البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة، يأمره أن يتّخذ مسجدا للجماعة ويتّخذ للقبائل

стр. 2477

مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضمّوا إلى مسجد الجماعة. وكتب إلى سعد بن أبي وقّاص، وهو على الكوفة، بمثل ذلك. وكتب إلى عمرو بن العاص، وهو على مصر، بمثل ذلك. وكتب إلى أمراء أجناد الشّام ألاّ يتبدّدوا إلى القرى، وأن ينزلوا المدائن، وأن يتّخذوا في كلّ مدينة مسجدا واحدا، ولا تتّخذ القبائل مساجد. فكان النّاس متمسّكين بأمر عمر وعهده. وقال أبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب بن حفص الكندي في كتاب «أخبار مسجد أهل الرّاية الأعظم وأوّل أمره وبنائه، وزيادة الأمراء فيه وغيرهم، ومجالس الحكّام والفقهاء منه، وغير ذلك»، قال هبيرة بن أبيض عن مشيخة (¬a) تجيب: إنّ قيسبة بن كلثوم التّجيبي، أحد بني سوم، سار من الشّام إلى مصر مع عمرو بن العاص، فدخلها في مائة راحلة وخمسين عبدا وثلاثين فرسا. فلمّا اجتمع (¬b) المسلمون وعمرو بن العاص على حصار الحصن، نظر قيسبة بن كلثوم فرأى جنانا تقرب من الحصن، فعرج إليه في أهله وعبيده فنزل وضرب فيه فسطاطه، وأقام فيها طول حصارهم الحصن حتى فتحه اللّه عليهم (١). ثم خرج قيسبة مع عمرو إلى الإسكندرية وخلّف أهله فيها، ثم فتح اللّه عليهم الإسكندرية، وعاد قيسبة إلى منزله هذا فنزله، واختطّ عمرو بن العاص داره مقابل تلك الجنان التي نزلها قيسبة، وتشاور المسلمون أين يكون المسجد الجامع، فرأوا أن يكون منزل قيسبة. فسأله عمرو فيه وقال: أنا أختطّ لك يا أبا عبد الرّحمن حيث أحببت. فقال قيسبة: لقد علمتم يا معاشر المسلمين أنّي حزت هذا المنزل وملكته، وإنّي أتصدّق به على المسلمين. وارتحل فنزل مع قومه بني سوم واختطّ فيهم (٢). فبني مسجدا في سنة إحدى وعشرين من الهجرة. وفي ذلك يقول أبو قبان بن نعيم بن ربعي (¬c) التّجيبي:

стр. 2478

[الطويل] وبابليون (١) قد سعدنا بفتحها … وحزنا لعمر اللّه فيئا ومغنما وقيسبة الخير بن كلثوم داره … أباح حماها للصّلاة وسلّما فكلّ مصلّ في فناها (¬a) صلاته … تعارف أهل المصر ما قلت فاعلما وقال أبو مصعب قيس بن سلمة الشّاعر في قصيدته التي امتدح فيها عبد الرّحمن بن قيسبة: [الكامل] وأبوك سلّم داره وأباحها … لجباه قوم ركّع وسجود وقال اللّيث بن سعد: كان مسجدنا هذا حدائق وأعنابا. وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني: ومن جملة مزارعها جامع مصر، وقد بقي إلى الآن من جملة الأنشاب التي كانت في البستان في موضع الجامع شجرة زنزلخت، وهي باقية إلى الآن خلف المحراب الكبير والحائط الذي به المنبر. ومن العلماء من قال: إنّ هذه الشّجرة باقية من عهد موسى ﵇ وكان لها نظير شجرة أخرى في الورّاقين احترقت في حريق مصر سنة أربع وستين وخمس مائة. وظهر بالجامع العتيق بئر البستان التي كانت به، وهي اليوم يستقي منها النّاس الماء بموضع حلقة الفقيه ابن الجميزي (¬b) المالكي. قال الكنديّ: وقال يزيد بن أبي حبيب: سمعت أشياخنا ممّن حضر مسجد القتح يقولون: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، فيهم الزّبير ابن/ العوّام، والمقداد، وعبادة بن الصّامت، وأبو الدّرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر ﵃. وفي رواية: أسّس مسجدنا هذا أربعة من الصّحابة: أبو ذرّ، وأبو بصرة، ومحمئة بن جزء الزّبيدي، ونبيه بن صواب (٢).

стр. 2479

وقال عبد اللّه بن أبي جعفر: أقام محرابنا هذا عبادة بن الصّامت، ورافع بن مالك، وهما نقيبان. وقال داود بن عقبة: إنّ عمرو بن العاص بعث ربيعة بن شرحبيل ابن حسنة وعمرو بن علقمة القرشي - ثم العدوي - يقيمان القبلة، وقال لهما: قوما إذا زالت الشّمس - أو قال: انتصفت الشّمس - فاجعلاها على حاجبيكما، ففعلا. وقال اللّيث: إنّ عمرو بن العاص، كان يمدّ (¬a) الحبال حتى أقيمت قبلة المسجد. وقال عمرو ابن العاص: شرّقوا القبلة تصيبوا الحرم، قال: فشرّقت جدّا. فلمّا كان قرّة بن شريك تيامن بها قليلا. وكان عمرو بن العاص إذا صلّى في مسجد الجامع يصلّي ناحية الشّرق إلاّ الشيء اليسير (١). وقال رجل من تجيب: رأيت عمرو بن العاص دخل كنيسة فصلّى فيها، ولم ينصرف عن قبلتهم إلاّ قليلا. وكان اللّيث وابن لهيعة إذا صلّيا تيامنا. وكان عمر بن مروان - عمّ الخلفاء - إذا صلّى في المسجد الجامع تيامن (٢). وقال يزيد بن أبي (¬b) حبيب في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [الآية ١٤٤ سورة البقرة]: هي قبلة رسول اللّه ﷺ التي نصبها اللّه مقابل الميزاب، وهي قبلة أهل مصر وأهل المغرب. وكان يقرأها (فلنولّينّك قبلة نرضاها) بالنون … وقال: هكذا أقرأناها أبو الخير. وقال الخليل بن عبد اللّه الأزدي: حدّثني رجل من الأنصار أنّ رسول اللّه ﷺ أتاه جبريل فقال: «ضع القبلة وأنت تنظر إلى الكعبة»، ثم مال بيده فأماط كلّ جبل بينه وبين الكعبة. فوضع المسجد وهو ينظر إلى الكعبة، وصارت قبلته إلى الميزاب. وقال ابن لهيعة: سمعت أشياخنا يقولون: لم يكن لمسجد عمرو بن العاص محراب مجوّف، ولا أدرى بناه مسلمة أو بناه عبد العزيز. وأوّل من جعل المحراب قرّة بن شريك (٣).

стр. 2480

وقال الواقديّ: حدّثنا محمد بن هلال قال: أوّل من أحدث المحراب المجوّف عمر بن عبد العزيز ليالي بنى (¬a) مسجد النّبيّ ﷺ . وذكر عمر بن شبّة أنّ عثمان بن مظعون تفل في القبلة، فأصبح مكتئبا. فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شيء إلاّ أنّي تفلت في القبلة وأنا أصلّي. فعمدت إلى القبلة فغسلتها، ثم عملت خلوقا فخلّقتها. فكانت أوّل من خلّق القبلة. وقال أبو سعيد سلف الحميري: أدركت مسجد عمرو بن العاص طوله خمسون ذراعا في عرض ثلاثين ذراعا، وجعل الطّريق يطيف به من كلّ جهة، وجعل له بابان يقابلان دار عمرو ابن العاص، وجعل له بابان في بحريه وبابان في غربيه. وكان الخارج إذا خرج من زقاق القناديل وجد ركن المسجد الشّرقي محاذيا لركن دار عمرو بن العاص الغربي، وذلك قبل أن تؤخذ (¬b) من دار عمرو بن العاص ما أخذ؛ وكان طوله من القبلة إلى البحري مثل طول دار عمرو بن العاص، وكان سقفه مطأطأ جدّا ولا صحن له، فإذا كان الصّيف جلس النّاس بفنائه من كلّ ناحية، وبينه وبين دار عمرو سبع أذرع (١). قلت: وأوّل من جلس على منبر أو سرير ذي أعواد ربيعة بن محاسن. وقال القضاعيّ في كتاب «الخطط»: وكان عمرو بن العاص قد اتّخذ منبرا، فكتب إليه عمر ابن الخطّاب ﵁ يعزم عليه في كسره، ويقول: أما بحسبك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك، فكسره (٢). قال كاتبه (¬c): وفي سنة إحدى وستين ومائة، أمر المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور بتقصير المنابر، وجعلها بقدر منبر رسول اللّه (¬d) ﷺ (٣). قال القضاعيّ: وأوّل من صلّي عليه من الموتى داخل الجامع أبو الحسين (¬e) سعيد بن عثمان، صاحب الشّرط، في النّصف من صفر؛ وكانت وفاته فجأة، فأخرج ضحوة يوم الأحد السّادس

стр. 2481

عشر من صفر، وصلّي عليه خلف المقصورة، وكبّر عليه خمسا. ولم يعلم أحد قبله صلّي عليه في الجامع (١). وذكر عمر بن شبّة في «تاريخ المدينة» أنّ أوّل من عمل مقصورة بلبن عثمان بن عفّان وكانت فيها كوي تنظر النّاس منها إلى الإمام، وأنّ عمر بن عبد العزيز عملها بالسّاج. قال القضاعيّ: ولم تكن الجمعة تقام في زمن عمرو بن العاص بشيء من أرض مصر إلاّ في هذا الجامع، قال أبو سعيد عبد الرّحمن بن يونس: جاء نفر من غافق (¬a) إلى عمرو بن العاص، فقالوا: إنّا نكون في الرّيف فنجمع في العيدين الفطر والأضحى، ويؤمّنا رجل منّا؟ قال: نعم. قالوا: فالجمعة؟ قال: لا، ولا يصلّي الجمعة بالنّاس إلاّ من أقام الحدود، وأخذ بالذّنوب، وأعطى الحقوق (٢). وأوّل من زاد في هذا الجامع مسلمة بن مخلد الأنصاري سنة ثلاث وخمسين، وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية (٣). قال الكنديّ في كتاب «أخبار مسجد أهل الرّاية»: ولمّا ضاق المسجد بأهله، شكي ذلك إلى مسلمة بن مخلد - وهو الأمير يومئذ - فكتب فيه إلى معاوية بن أبي سفيان، فكتب إليه يأمره بالزّيادة فيه. فزاد فيه من شرقيه ممّا يلي دار عمرو بن العاص، وزاد فيه من بحريه، ولم يحدث فيه حدثا من القبلي ولا من الغربي،/ وذلك في سنة ثلاث وخمسين، وجعل له رحبة في البحري منه كان النّاس يصيّفون فيها، ولاطه بالنّورة، وزخرف جدرانه وسقوفه - ولم يكن المسجد الذي لعمرو جعل فيه نورة ولا زخرف - وأمر بابتناء منار المسجد الذي في الفسطاط، وأمر أن يؤذّنوا في وقت واحد، وأمر مؤذّني الجامع أن يؤذّنوا للفجر إذا مضى نصف الليل، فإذا فرغوا من أذانهم أذّن كلّ مؤذّن في الفسطاط في وقت واحد، قال ابن لهيعة: فكان لأذانهم دويّ شديد.

стр. 2482

فقال عابد بن هشام الأزدي - ثم السّلاماني - لمسلمة بن مخلد: [الوافر] لقد مدّت لمسلمة اللّيالي … على رغم العداة مع الأمان وساعده الزّمان بكلّ سعد … وبلّغه البعيد من الأماني أمسلم فارتقي لا زلت تعلو … على الأيّام مسلم والزّمان لقد أحكمت مسجدنا فأضحى … كأحسن ما يكون من المباني فباه به البلاد وساكنوها … كما تاهت بزينتها الغواني وكم لك من مناقب صالحات … وأجدل بالصّوامع للآذان كأن تجاوب الأصوات فيها … إذا ما اللّيل ألقى بالجران كصوت الرّعد خالطه دوىّ … وأرعب كلّ مختطف الجنان وقيل إنّ معاوية أمره ببناء الصّوامع للأذان (١). قال: وجعل مسلمة للمسجد الجامع أربع صوامع في أركانه الأربع، وهو أوّل من جعلها فيه، ولم تكن قبل ذلك. قال: وهو أوّل من جعل فيه الحصر، وإنّما كان قبل ذلك مفروشا بالحصباء، وأمر ألاّ يضرب بناقوس عند الأذان - يعني الفجر (٢) - وكان السّلّم الذي يصعد منه المؤذّنون في الطّريق حتى كان خالد بن سعيد فحوّله داخل المسجد. قال القاضي القضاعي: ثم إنّ عبد العزيز بن مروان هدمه في سنة تسع وسبعين من الهجرة - وهو يومئذ أمير مصر من قبل أخيه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان - وزاد فيه من ناحية الغرب، وأدخل فيه الرّحبة التي كانت في بحريه، ولم يجد في شرقيه موضعا يوسّعه به (٣). وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب «الأمراء» أنّه زاد فيه من جوانبه كلّها (٤). ويقال: إنّ عبد العزيز بن مروان لما أكمل بناء المسجد، خرج من دار الذّهب عند طلوع الفجر، فدخل المسجد فرأى في أهله خفّة، فأمر بأخذ الأبواب على من فيه، ثم دعا بهم رجلا رجلا، فيقول للرّجل: ألك زوجة؟ فيقول: لا، فيقول: زوّجوه، ألك خادم؟ فيقول: لا، فيقول: اخدموه؛ أحججت؟ فيقول: لا، فيقول: أحجّوه، أعليك دين؟

стр. 2483

فيقول: نعم، فيقول: اقضوا دينه. فأقام المسجد بعد ذلك دهرا عامرا، ولم يزل إلى اليوم. وذكر أنّ عبد اللّه بن عبد الملك بن مروان - في ولايته على مصر من قبل أخيه الوليد - أمر برفع سقف المسجد الجامع - وكان مطأطأ - وذلك في سنة تسع وثمانين (١). ثم إنّ قرّة بن شريك العبسي هدمه مستهلّ سنة اثنتين وتسعين بأمر الوليد بن عبد الملك - وهو يومئذ أمير مصر من قبله - وابتدأ في بنيانه في شعبان من السنة المذكورة، وجعل على بنائه يحيى ابن حنظلة مولى بني عامر بن لؤيّ، وكانوا يجمعون الجمعة في قيساريّة العسل حتى فرغ من بنائه، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين، ونصب المنبر الجديد في سنة أربع وتسعين (٢). ونزع المنبر الذي كان في المسجد. وذكر أنّ عمرو بن العاص كان جعله فيه، فلعلّه بعد وفاة عمر ابن الخطّاب ﵁ وقيل هو منبر عبد العزيز بن مروان، وذكر أنّه حمل إليه من بعض كنائس مصر. وقيل إنّ زكريا بن برقني (¬a) - ملك النّوبة - أهداه إلى عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، وبعث معه نجّاره حتى ركّبه، واسم هذا النّجّار بقطر من أهل دندرة. ولم يزل هذا المنبر في المسجد حتى زاد قرّة بن شريك في الجامع، فنصب منبرا سواه، على ما تقدّم شرحه (٣). ولم يكن يخطب في القرى إلاّ على العصيّ (¬b)، إلى أن ولي عبد الملك بن موسى بن نصير اللّخمي مصر، من قبل مروان بن محمد، فأمر باتّخاذ المنابر في القرى وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وذكر أنّه لا يعرف منبرا أقدم منه - يعني من منبر قرّة بن شريك - بعد منبر رسول اللّه ﷺ . فلم يزل كذلك إلى أن قلع وكسر في أيّام العزيز باللّه بنظر الوزير يعقوب بن كلّس، في يوم الخميس لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وثلاث مائة، وجعل مكانه منبر مذهّب. ثم أخرج هذا المنبر إلى الإسكندرية، وجعل في جامع عمرو بها، وأنزل إلى الجامع المنبر الكبير الذي هو به الآن، وذلك في أيّام الحاكم بأمر اللّه في شهر ربيع الأوّل سنة خمس وأربع مائة. وصرف بنو عبد السّميع عن الخطابة، وجعلت خطابة الجامع العتيق لجعفر بن الحسن ابن خداع الحسيني، وجعل إلى أخيه الخطابة بالجامع الأزهر. وصرف بنو عبد السّميع بن عمر ابن

стр. 2484

الحسين/ بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العبّاس من جميع المنابر، بعد أن أقاموا هم وسلفهم فيها ستين سنة. وفي شهر ربيع الأوّل من هذه السنة وجد المنبر الجديد الذي نصب في الجامع قد لطّخ بعذرة، فوكّل به من يحفظه، وعمل له غشاء من أدم مذهّب في شعبان من هذه السنة، وخطب عليه ابن خدّاع وهو مغشّى. وزيادة قرّة من القبلي والشّرقي، وأخذ بعض دار عمرو وابنه عبد اللّه بن عمرو فأدخله في المسجد، وأخذ منهما الطّريق الذي بين المسجد وبينهما، وعوّض ولد عمرو ما هو في أيديهم اليوم من الرّباع، وأمر قرّة بعمل المحراب المجوّف على ما تقدّم شرحه؛ وهو المحراب المعروف بعمرو، لأنّه في سمت محراب المسجد القديم الذي بناه عمرو. وكانت قبلة المسجد القديم عند العمد المذهّبة في صفّ التّوابيت اليوم، وهي أربعة عمد: اثنان في مقابلة اثنين، وكان قرّة أذهب رءوسها، وكانت مجالس قيس، ولم يكن في المسجد عمد مذهّبة غيرها، وكانت قديما حلقة أهل المدينة، ثم زوّق أكثر العمد وطوّق في أيّام الإخشيد سنة أربع وعشرين وثلاث مائة (١). ولم يكن للجامع أيّام قرّة بن شريك غير هذا المحراب، فأمّا المحراب الأوسط الموجود اليوم، فعرف بمحراب عمر بن مروان عمّ الخلفاء، وهو أخو عبد الملك وعبد العزيز، ولعلّه أحدثه في الجدار بعد قرّة. وقد ذكر قوم أنّ قرّة عمل هذين المحرابين (٢). وصار للجامع أربعة أبواب، وهي الأبواب الموجودة في شرقيه الآن، وآخرها باب إسرائيل وهو باب النّحّاسين. وفي غربيه أربعة أبواب شارعة في زقاق كان يعرف بزقاق البلاط، وفي بحريه ثلاثة أبواب (٣). وبيت المال الذي في علوّ الفوّارة بالجامع بناه أسامة بن زيد التّنوخي، متولّى الخراج بمصر، سنة سبع وتسعين في أيّام سليمان بن عبد الملك، وأمير مصر يومئذ عبد الملك بن رفاعة الفهمي، وكان مال المسلمين فيه (٤).

стр. 2485

وطرق المسجد في ليلة (¬a) سنة خمس وأربعين ومائة في ولاية يزيد بن حاتم المهلّبي من قبل المنصور، طرقه قوم ممّن كان بايع عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، ﵁ وكان أوّل علويّ قدم مصر - فنهبوا بيت المال، ثم تضاربوا عليه بسيوفهم، فلم يصل إليهم منه إلاّ اليسير، فأنفذ إليهم يزيد من قتل منهم جماعة، وانهزموا (١). وذكر أنّ هذا المكان تسوّر عليه لصّ في إمارة أحمد بن طولون، وسرق منه بدرتي دنانير. فظفر به أحمد بن طولون واصطنعه وعفا عنه. وفي سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، أمر العزيز باللّه بعمل الفوّارة تحت قبّة بيت المال، فعملت. وفرغ منها في شهر رجب سنة تسع وسبعين وثلاث مائة. ثم زاد فيه صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس، ﵄ وهو يومئذ أمير مصر من قبل أبي العبّاس السّفّاح - في مؤخّره أربع أساطين، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وهو أوّل من ولي مصر لبني العبّاس، فيقال: إنه أدخل في الجامع دار الزّبير بن العوّام ﵁ وكانت غربي دار النّحاس. وكان الزّبير تخلّى عنها، ووهبها لمواليه لخصومة جرت بين غلمانه وغلمان عمرو بن العاص، واختطّ الزّبير فيما يلي الدّار المعروفة به الآن. ثم اشترى عبد العزيز ابن مروان دار الزّبير من مواليه، فقسمها بين ابنيه (¬b) الأصبغ وأبي بكر. فلمّا قدم صالح بن عليّ، أخذها عن أمّ عاصم بنت عاصم بن أبي بكر، وعن طفل يتيم - وهو حسّان بن الأصبغ - فأدخلها في المسجد؛ وباب الكحل من هذه الزّيادة، وهو الباب الخامس من أبواب الجامع الشّرقية الآن. وعمّر صالح بن عليّ أيضا مقدّم المسجد الجامع عند الباب الأوّل موضع البلاطة الحمراء (٢). ثم زاد فيه موسى بن عيسى الهاشمي - وهو يومئذ أمير مصر من قبل الرّشيد - في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، الرّحبة التي في مؤخّره، وهي نصف الرّحبة المعروفة بأبي أيّوب (٣). ولمّا ضاق الطّريق بهذه الزّيادة أخذ موسى بن عيسى دار الرّبيع بن سليمان الزّهري، شركة بني مسكين،

стр. 2486

بغير عوض للرّبيع، ووسّع بها الطّريق، وعوّض بني مسكين [الحوانيت الملاصقة لدار خلف الكندي] (¬a) (١). ووصل عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب، مولى خزاعة، أميرا من قبل المأمون، في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجّه إلى الإسكندرية مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأمر بالزّيادة في المسجد الجامع، فزيد فيه مثله من غربيه. وعاد ابن طاهر إلى بغداد لخمس بقين من رجب من السنة المذكورة (٢). وكانت زيادة ابن طاهر المحراب الكبير وما في غربيه إلى حدّ زيادة الخازن. فأدخل فيه الزّقاق المعروف - كان (¬b) - بزقاق البلاط، وقطعة كبيرة من دار الرّمل، [حتى لم يبق منها غير دار الضّرب اليوم وقيساريّة بدر والميضأه وزاد فيه] (¬a) ورحبة كانت بين يدي دار الرّمل (٣)، ودورا ذكرها القضاعي. وذكر بعضهم أنّ موضع فسطاط عمرو بن العاص حيث المحراب والمنبر، قال: وكان الذي تمّم زيادة عبد اللّه بن طاهر، بعد مسيره إلى بغداد، عيسى بن يزيد الجلودي. وتكامل ذرع الجامع، سوى الزّيادتين، مائة وتسعين ذراعا بذراع العمل طولا في مائة وخمسين ذراعا عرضا. ويقال إنّ ذرع جامع ابن طولون مثل ذلك، سوى الرّواق المحيط بجوانبه الثلاثة. ونصب عبد اللّه بن طاهر اللّوح الأخضر، فلمّا احترق/ الجامع احترق ذلك اللّوح. فجعل أحمد بن محمد العجيفي هذا اللّوح مكان ذلك، وهو هذا اللّوح الأخضر الباقي إلى اليوم (٤). ورحبة الحارث هي الرّحبة البحرية من زيادة الخازن، وكانت رحبة يتبايع النّاس فيها يوم الجمعة (٥).

стр. 2487

وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب «الموالي» أنّ أبا عمرو الحارث بن مسكين بن محمد ابن يوسف - مولى محمد بن ريّان بن عبد العزيز بن مروان - لمّا ولي القضاء من قبل المتوكّل على اللّه في سنة سبع وثلاثين ومائتين، أمر ببناء هذه الرّحبة ليتّسع النّاس بها، وحوّل سلّم المؤذّنين إلى غربيّ المسجد وكان عند باب إسرائيل، وبلّط زيادة ابن طاهر، وأصلح بنيان السّقف، وبنى سقاية في الحذّائين، وأمر ببناء الرّحبة الملاصقة لدار الضّرب ليتّسع النّاس بها (١). وزيادة أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع بن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد صاحب الخراج في أيّام المعتصم. كان أبو أيّوب هذا أحد عمّال الخراج زمن أحمد بن طولون، وزيادته في بقيّة الرّحبة المعروفة برحبة أبي أيّوب، والمحراب المنسوب إلى أبي أيّوب هو الغربيّ من هذه الزّيادة عند شبّاك الحذّائين، وكان بناؤها في سنة ثمان وخمسين ومائتين. ويقال: إنّ أبا أيّوب مات في سجن أحمد بن طولون بعد أن نكبه واصطفى أمواله، وذلك في سنة ستّ وستين ومائتين. وأدخل أبو أيّوب في هذه الزّيادة أماكن ذكرها (٢). قال: وكان قد وقع في مؤخّر المسجد الجامع حريق، فعمّر وزيدت هذه الزّيادة في أيّام أحمد ابن طولون. ووقع في الجامع، في ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، حريق أخذ من بعد ثلاث حنايا من باب إسرائيل إلى رحبة الحارث بن مسكين، فهلك فيه أكثر زيادة عبد اللّه بن طاهر، والرّواق الذي عليه اللّوح الأخضر. فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته على يد أحمد بن محمد العجيفي، فأعيد على ما كان عليه، وأنفق فيه ستة آلاف وأربع مائة دينار، وكتب اسم خمارويه في دائر الرّواق الذي عليه اللّوح الأخضر، وهي موجودة الآن، وكانت عمارته في السنة المذكورة (٣). وأمر عيسى النّوشري، في ولايته الثّانية على مصر في سنة أربع وتسعين ومائتين، بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصّلوات. فكان يفتح للصّلاة فقط، وأقام على ذلك أيّاما، فضجّ أهل المسجد ففتح لهم (٤). وزاد أبو حفص العبّاسي، في أيّام نظره في قضاء مصر خلافة لأخيه محمد، الغرفة التي يؤذّن فيها المؤذّنون في السّطح. وكانت ولايته في رجب من سنة ستّ وثلاثين وثلاث مائة، وكان إمام

стр. 2488

مصر والحرمين وإليه إقامة الحجّ. ولم يزل قاضيا بمصر خلافة لأخيه، إلى أن صرف من القضاء بالخصيبي في ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وتوفي في سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة بعد قدومه من الحجّ (١). ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد اللّه الخازن رواقا واحدا من دار الضّرب - وهو الرّواق ذو المحراب والشّبّاكين، المتّصل برحبة الحارث، ومقداره تسع أذرع - وكان ابتداء ذلك في رجب سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، ومات قبل تمام هذه الزّيادة، وتمّمها ابنه عليّ بن محمد، وفرغت في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة (٢). وزاد فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلّس، بأمر العزيز باللّه، الفوّارة التي تحت قبّة بيت المال - وهو أوّل من عمل فيه فوّارة - وزاد فيه أيضا مساقف الخشب المحيطة بها، على يد المعروف بالمقدسي الأطروش متولّي مسجد بيت المقدس، وذلك في سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، ونصب فيها الحباب الرّخام التي للماء (٣). وفي سنة سبع وثمانين وثلاث مائة جدّد بياض المسجد الجامع، وقلع شيء كثير من الفسيفساء الذي كان في أروقته، وبيّض مواضعه، ونقشت خمسة ألواح وذهّبت، ونصبت على أبوابه الخمسة الشّرقية، وهي التي عليها الآن. وكان ذلك على يد برجوان الخادم، وكان اسمه ثابتا في الألواح فقلع بعد قتله (٤). (¬a)) وقال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق: أوّل تنّور عمل في الجامع العتيق، تنّور أبي زرعة محمد بن عثمان بن القاضي، كان يوقد كلّ ليلة جمعة سنة سبع وثمانين ومائتين، ثم تنّور أبي بكر محمد بن علي الماذرائي سنة ثلاث وثلاث مائة، ثم تنّور أخيه أبي الطّيّب أحمد بن علي سنة ثلاث وثلاث مائة، ثم تنّور ذكا أمير مصر سنة خمس وثلاث مائة، ثم تنّور تكين أمير مصر سنة ستّ عشرة وثلاث مائة، ثم تنّور محمد بن عبد اللّه الخازن باسم الأمير أبي القاسم أونجور ابن الإخشيد سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، ثم تنّور الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، ثم تنّور جاريته سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة (¬a).

стр. 2489

وقال المسبّحي في «تاريخه»: وفي سنة ثلاث وأربع مائة أنزل من القصر إلى الجامع العتيق بألف ومائتين وثمانية وتسعين مصحفا ما بين ختمات وربعات، فيها ما هو مكتوب كلّه بالذّهب، ومكّن النّاس من القراءة فيها. وأنزل إليه أيضا بتنّور من فضّة عمله الحاكم بأمر اللّه برسم الجامع، فيه مائة ألف درهم فضّة. فاجتمع النّاس، وعلّق بالجامع بعد أن قلعت عتبتا الباب حتى أدخل به. وكان من اجتماع النّاس لذلك ما يتجاوز الوصف (١). قال القضاعي: وأمر الحاكم بأمر اللّه بعمل الرّواقين اللذين في صحن المسجد الجامع، وقلع العمد الخشب والجسر الخشب التي كانت هناك، وذلك في شعبان سنة ستّ وأربع مائة. وكانت العمد والجسر قد نصبها أبو أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع، في سنة سبع وخمسين ومائتين، زمن أحمد بن طولون. لأن الحرّ اشتدّ على النّاس فشكوا ذلك إلى ابن طولون، فأمر بنصب العمد الخشب، وجعل عليها السّتائر في السنة المذكورة. وكان الحاكم قد أمر بأن تدهن هذه العمد الخشب بدهن أحمر وأخضر فلم يثبت عليها، ثم أمر بقلعها، وجعلها بين الرّواقين، [فكمل بهما عدّة الرّواقات الموجودة الآن، وهي: سبعة في مقدّمه، وسبعة في مؤخّره، وخمسة في شرقيه، وخمسة في غربيه] (¬a) (٢). وأوّل ما عملت المقاصير في الجوامع في أيّام معاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين. ولعلّ قرّة ابن شريك لمّا بنى الجامع بمصر عمل المقصورة. / وفي سنة إحدى وستين ومائة أمر المهدي بنزع المقاصير من مساجد الأمصار، وبتقصير المنابر، فجعلت على مقدار منبر رسول اللّه ﷺ ، ثم أعيدت بعد ذلك. ولمّا ولي مصر موسى بن أبي العبّاس من أهل الشّاش من قبل أبي جعفر أشناس، أمر المعتصم أن يخرج المؤذّنون إلى خارج المقصورة - وهو أوّل من أخرجهم - وكانوا قبل ذلك يؤذّنون داخلها (٣) (¬b). ثم أمر الإمام المستنصر باللّه بن الظّاهر بعمل الحجر المقابل للمحراب، وبالزّيادة في المقصورة في شرقيها وغربيها حتى اتّصلت بالحذّائين (¬c) من جانبيها، وبعمل منطقة فضّة في صدر المحراب

стр. 2490

الكبير أثبت عليها اسم أمير المؤمنين، وجعل لعمودي المحراب أطواق فضّة. وجرى ذلك على يد عبد اللّه بن محمد بن عبدون في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة (١). قال كاتبه (¬a): ولم تزل هذه المنطقة الفضّة إلى أن استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب على مملكة مصر - بعد موت الخليفة العاضد لدين اللّه - في محرّم سنة سبع وستين وخمس مائة. فقلع مناطق الفضّة من الجوامع بالقاهرة ومن جامع عمرو بن العاص بمصر، وذلك في حادي عشر شهر ربيع الأوّل من السنة المذكورة (٢). قال القضاعيّ: وفي شهر رمضان من سنة أربعين وأربع مائة، جدّدت الخزانة التي في ظهر دار الضّرب في طريق الشّرطة مقابلة لظهر المحراب الكبير. وفي شعبان من سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، أذهب بقيّة الجدار القبلي حتى اتّصل الإذهاب من جدار زيادة الخازن إلى المنبر، وجرى ذلك على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي زكريا (٣). وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، عملت لموقف الإمام في زمن الصّيف مقصورة خشب ومحراب ساج منقوش بعمودي صندل. وتقلع هذه المقصورة في الشّتاء إذا صلّى الإمام في المقصورة الكبيرة (٤). وفي شعبان سنة أربع وأربعين وأربع مائة، زيد في الخزانة مجلس من دار الضّرب وطريق المستحم، وزخرف هذا المجلس وحسّن (٥)، وجعل فيه محراب، ورخّم بالرّخام الذي قلع من المحراب الكبير حين نصب عبد اللّه بن محمد بن عبدون منطقة الفضّة في صدر المحراب الكبير (٦). وجرت هذه الزّيادة على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى. وفي ذي الحجّة من سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، عمّر القاضي أبو عبد اللّه أحمد بن محمد ابن أبي زكريا غرفة المؤذّنين بالسّطح وحسّنها، وجعل لها روشنا على صحن الجامع وجعل بعدها
следующие страницы →