بغير عوض للرّبيع، ووسّع بها الطّريق، وعوّض بني مسكين [الحوانيت الملاصقة لدار خلف الكندي] (¬a) (١).
ووصل عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب، مولى خزاعة، أميرا من قبل المأمون، في شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، وتوجّه إلى الإسكندرية مستهلّ صفر سنة اثنتي عشرة ومائتين، ورجع إلى الفسطاط في جمادى الآخرة من السنة المذكورة، وأمر بالزّيادة في المسجد الجامع، فزيد فيه مثله من غربيه. وعاد ابن طاهر إلى بغداد لخمس بقين من رجب من السنة المذكورة (٢).
وكانت زيادة ابن طاهر المحراب الكبير وما في غربيه إلى حدّ زيادة الخازن. فأدخل فيه الزّقاق المعروف - كان (¬b) - بزقاق البلاط، وقطعة كبيرة من دار الرّمل، [حتى لم يبق منها غير دار الضّرب اليوم وقيساريّة بدر والميضأه وزاد فيه] (¬a) ورحبة كانت بين يدي دار الرّمل (٣)، ودورا ذكرها القضاعي.
وذكر بعضهم أنّ موضع فسطاط عمرو بن العاص حيث المحراب والمنبر، قال: وكان الذي تمّم زيادة عبد اللّه بن طاهر، بعد مسيره إلى بغداد، عيسى بن يزيد الجلودي. وتكامل ذرع الجامع، سوى الزّيادتين، مائة وتسعين ذراعا بذراع العمل طولا في مائة وخمسين ذراعا عرضا.
ويقال إنّ ذرع جامع ابن طولون مثل ذلك، سوى الرّواق المحيط بجوانبه الثلاثة.
ونصب عبد اللّه بن طاهر اللّوح الأخضر، فلمّا احترق/ الجامع احترق ذلك اللّوح. فجعل أحمد بن محمد العجيفي هذا اللّوح مكان ذلك، وهو هذا اللّوح الأخضر الباقي إلى اليوم (٤).
ورحبة الحارث هي الرّحبة البحرية من زيادة الخازن، وكانت رحبة يتبايع النّاس فيها يوم الجمعة (٥).
стр. 2487
وذكر أبو عمر الكنديّ في كتاب «الموالي» أنّ أبا عمرو الحارث بن مسكين بن محمد ابن يوسف - مولى محمد بن ريّان بن عبد العزيز بن مروان - لمّا ولي القضاء من قبل المتوكّل على اللّه في سنة سبع وثلاثين ومائتين، أمر ببناء هذه الرّحبة ليتّسع النّاس بها، وحوّل سلّم المؤذّنين إلى غربيّ المسجد وكان عند باب إسرائيل، وبلّط زيادة ابن طاهر، وأصلح بنيان السّقف، وبنى سقاية في الحذّائين، وأمر ببناء الرّحبة الملاصقة لدار الضّرب ليتّسع النّاس بها (١).
وزيادة أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع بن أخت أبي الوزير أحمد بن خالد صاحب الخراج في أيّام المعتصم. كان أبو أيّوب هذا أحد عمّال الخراج زمن أحمد بن طولون، وزيادته في بقيّة الرّحبة المعروفة برحبة أبي أيّوب، والمحراب المنسوب إلى أبي أيّوب هو الغربيّ من هذه الزّيادة عند شبّاك الحذّائين، وكان بناؤها في سنة ثمان وخمسين ومائتين. ويقال: إنّ أبا أيّوب مات في سجن أحمد بن طولون بعد أن نكبه واصطفى أمواله، وذلك في سنة ستّ وستين ومائتين.
وأدخل أبو أيّوب في هذه الزّيادة أماكن ذكرها (٢).
قال: وكان قد وقع في مؤخّر المسجد الجامع حريق، فعمّر وزيدت هذه الزّيادة في أيّام أحمد ابن طولون. ووقع في الجامع، في ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، حريق أخذ من بعد ثلاث حنايا من باب إسرائيل إلى رحبة الحارث بن مسكين، فهلك فيه أكثر زيادة عبد اللّه بن طاهر، والرّواق الذي عليه اللّوح الأخضر. فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته على يد أحمد بن محمد العجيفي، فأعيد على ما كان عليه، وأنفق فيه ستة آلاف وأربع مائة دينار، وكتب اسم خمارويه في دائر الرّواق الذي عليه اللّوح الأخضر، وهي موجودة الآن، وكانت عمارته في السنة المذكورة (٣).
وأمر عيسى النّوشري، في ولايته الثّانية على مصر في سنة أربع وتسعين ومائتين، بإغلاق المسجد الجامع فيما بين الصّلوات. فكان يفتح للصّلاة فقط، وأقام على ذلك أيّاما، فضجّ أهل المسجد ففتح لهم (٤).
وزاد أبو حفص العبّاسي، في أيّام نظره في قضاء مصر خلافة لأخيه محمد، الغرفة التي يؤذّن فيها المؤذّنون في السّطح. وكانت ولايته في رجب من سنة ستّ وثلاثين وثلاث مائة، وكان إمام
стр. 2488
مصر والحرمين وإليه إقامة الحجّ. ولم يزل قاضيا بمصر خلافة لأخيه، إلى أن صرف من القضاء بالخصيبي في ذي الحجّة سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة، وتوفي في سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة بعد قدومه من الحجّ (١).
ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد اللّه الخازن رواقا واحدا من دار الضّرب - وهو الرّواق ذو المحراب والشّبّاكين، المتّصل برحبة الحارث، ومقداره تسع أذرع - وكان ابتداء ذلك في رجب سنة سبع وخمسين وثلاث مائة، ومات قبل تمام هذه الزّيادة، وتمّمها ابنه عليّ بن محمد، وفرغت في العشر الأخر من شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة (٢).
وزاد فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلّس، بأمر العزيز باللّه، الفوّارة التي تحت قبّة بيت المال - وهو أوّل من عمل فيه فوّارة - وزاد فيه أيضا مساقف الخشب المحيطة بها، على يد المعروف بالمقدسي الأطروش متولّي مسجد بيت المقدس، وذلك في سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، ونصب فيها الحباب الرّخام التي للماء (٣).
وفي سنة سبع وثمانين وثلاث مائة جدّد بياض المسجد الجامع، وقلع شيء كثير من الفسيفساء الذي كان في أروقته، وبيّض مواضعه، ونقشت خمسة ألواح وذهّبت، ونصبت على أبوابه الخمسة الشّرقية، وهي التي عليها الآن. وكان ذلك على يد برجوان الخادم، وكان اسمه ثابتا في الألواح فقلع بعد قتله (٤).
(¬a)) وقال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق: أوّل تنّور عمل في الجامع العتيق، تنّور أبي زرعة محمد بن عثمان بن القاضي، كان يوقد كلّ ليلة جمعة سنة سبع وثمانين ومائتين، ثم تنّور أبي بكر محمد بن علي الماذرائي سنة ثلاث وثلاث مائة، ثم تنّور أخيه أبي الطّيّب أحمد بن علي سنة ثلاث وثلاث مائة، ثم تنّور ذكا أمير مصر سنة خمس وثلاث مائة، ثم تنّور تكين أمير مصر سنة ستّ عشرة وثلاث مائة، ثم تنّور محمد بن عبد اللّه الخازن باسم الأمير أبي القاسم أونجور ابن الإخشيد سنة تسع وأربعين وثلاث مائة، ثم تنّور الوزير يعقوب بن يوسف بن كلّس سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، ثم تنّور جاريته سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة (¬a).
стр. 2489
وقال المسبّحي في «تاريخه»: وفي سنة ثلاث وأربع مائة أنزل من القصر إلى الجامع العتيق بألف ومائتين وثمانية وتسعين مصحفا ما بين ختمات وربعات، فيها ما هو مكتوب كلّه بالذّهب، ومكّن النّاس من القراءة فيها. وأنزل إليه أيضا بتنّور من فضّة عمله الحاكم بأمر اللّه برسم الجامع، فيه مائة ألف درهم فضّة. فاجتمع النّاس، وعلّق بالجامع بعد أن قلعت عتبتا الباب حتى أدخل به. وكان من اجتماع النّاس لذلك ما يتجاوز الوصف (١).
قال القضاعي: وأمر الحاكم بأمر اللّه بعمل الرّواقين اللذين في صحن المسجد الجامع، وقلع العمد الخشب والجسر الخشب التي كانت هناك، وذلك في شعبان سنة ستّ وأربع مائة.
وكانت العمد والجسر قد نصبها أبو أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع، في سنة سبع وخمسين ومائتين، زمن أحمد بن طولون. لأن الحرّ اشتدّ على النّاس فشكوا ذلك إلى ابن طولون، فأمر بنصب العمد الخشب، وجعل عليها السّتائر في السنة المذكورة.
وكان الحاكم قد أمر بأن تدهن هذه العمد الخشب بدهن أحمر وأخضر فلم يثبت عليها، ثم أمر بقلعها، وجعلها بين الرّواقين، [فكمل بهما عدّة الرّواقات الموجودة الآن، وهي: سبعة في مقدّمه، وسبعة في مؤخّره، وخمسة في شرقيه، وخمسة في غربيه] (¬a) (٢).
وأوّل ما عملت المقاصير في الجوامع في أيّام معاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين. ولعلّ قرّة ابن شريك لمّا بنى الجامع بمصر عمل المقصورة.
/ وفي سنة إحدى وستين ومائة أمر المهدي بنزع المقاصير من مساجد الأمصار، وبتقصير المنابر، فجعلت على مقدار منبر رسول اللّه ﷺ ، ثم أعيدت بعد ذلك.
ولمّا ولي مصر موسى بن أبي العبّاس من أهل الشّاش من قبل أبي جعفر أشناس، أمر المعتصم أن يخرج المؤذّنون إلى خارج المقصورة - وهو أوّل من أخرجهم - وكانوا قبل ذلك يؤذّنون داخلها (٣) (¬b).
ثم أمر الإمام المستنصر باللّه بن الظّاهر بعمل الحجر المقابل للمحراب، وبالزّيادة في المقصورة في شرقيها وغربيها حتى اتّصلت بالحذّائين (¬c) من جانبيها، وبعمل منطقة فضّة في صدر المحراب
стр. 2490
الكبير أثبت عليها اسم أمير المؤمنين، وجعل لعمودي المحراب أطواق فضّة. وجرى ذلك على يد عبد اللّه بن محمد بن عبدون في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة (١).
قال كاتبه (¬a): ولم تزل هذه المنطقة الفضّة إلى أن استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب على مملكة مصر - بعد موت الخليفة العاضد لدين اللّه - في محرّم سنة سبع وستين وخمس مائة. فقلع مناطق الفضّة من الجوامع بالقاهرة ومن جامع عمرو بن العاص بمصر، وذلك في حادي عشر شهر ربيع الأوّل من السنة المذكورة (٢).
قال القضاعيّ: وفي شهر رمضان من سنة أربعين وأربع مائة، جدّدت الخزانة التي في ظهر دار الضّرب في طريق الشّرطة مقابلة لظهر المحراب الكبير. وفي شعبان من سنة إحدى وأربعين وأربع مائة، أذهب بقيّة الجدار القبلي حتى اتّصل الإذهاب من جدار زيادة الخازن إلى المنبر، وجرى ذلك على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى بن أبي زكريا (٣).
وفي شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، عملت لموقف الإمام في زمن الصّيف مقصورة خشب ومحراب ساج منقوش بعمودي صندل. وتقلع هذه المقصورة في الشّتاء إذا صلّى الإمام في المقصورة الكبيرة (٤).
وفي شعبان سنة أربع وأربعين وأربع مائة، زيد في الخزانة مجلس من دار الضّرب وطريق المستحم، وزخرف هذا المجلس وحسّن (٥)، وجعل فيه محراب، ورخّم بالرّخام الذي قلع من المحراب الكبير حين نصب عبد اللّه بن محمد بن عبدون منطقة الفضّة في صدر المحراب الكبير (٦).
وجرت هذه الزّيادة على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن محمد بن يحيى.
وفي ذي الحجّة من سنة اثنتين وأربعين وأربع مائة، عمّر القاضي أبو عبد اللّه أحمد بن محمد ابن أبي زكريا غرفة المؤذّنين بالسّطح وحسّنها، وجعل لها روشنا على صحن الجامع وجعل بعدها
стр. 2491
ممرقا ينزل منه إلى بيت المال، وجعل للسّطح مطلعا (١) من الخزانة المستجدّة في ظهر المحراب الكبير، وجعل له مطلعا آخر من الدّيوان الذي في رحبة أبي أيّوب.
وفي شعبان من سنة خمس وأربعين وأربع مائة، بنيت المئذنة التي فيما بين مئذنة عرفة والمئذنة الكبيرة، على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن أبي زكريا (٢). انتهى ما ذكره القضاعي.
وفي سنة أربع وستين وخمس مائة تمكّن الفرنج من ديار مصر وحكموا في القاهرة حكما جائرا، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم، وتيقّنوا أنّه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدّولة، وانكشفت لهم عورات النّاس. فجمع مرّى [Amaury] - ملك الفرنج - بالسّاحل جموعه، واستجدّ قوما قوّى بهم عساكره، وسار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذها، وقتل كثيرا من أهلها. فأمر شاور بن مجير السّعدي - وهو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد - بإحراق مدينة مصر. فخرّج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران، وفرّقت فيها. ونزل مرّى [Amaury] بجموع الفرنج على بركة الحبش، فلمّا رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش، ونزل على القاهرة ممّا يلي باب البرقيّة، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر النّاس فيها.
واستمرّت النّار في مصر أربعة وخمسين يوما، والنّهّابة تهدم ما بها من المباني، وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مرّى [Amaury] قدوم أسد الدّين شير كوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي صاحب الشّام، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر، وتشعّث الجامع (٣).
فلمّا استبدّ السّلطان صلاح الدّين بمملكة مصر، بعد موت العاضد، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مائة، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير، ورخّمه ورسم عليه اسمه، وجعل من (¬a) سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السّطح يرتفق بها أهل السّطح، وعمّر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة وجعل لها سقاية، وعمّر في كتف دار عمرو الصّغرى البحري ممّا يلي
стр. 2492
الغربي قصبة أخرى إلى محاذاة السّطح، وجعل لها ممشاة من السّطح إليها يرتفق بها أهل السّطح، وعمّر غرفة السّاعات وحرّرت؛ فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيّام الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني، أوّل من ملك من المماليك، وجدّد بياض الجامع، وأزال شعثه، وجلّى عمده، وأصلح رخامه حتى صار جميعه مفروشا بالرّخام، وليس في سائر أرضه شيء بغير رخام حتى تحت الحصر (١).
ولمّا تقلّد قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب بن الأعزّ أبي القاسم خلف بن رشيد/ الدّين محمود بن بدر المعروف بابن بنت الأعزّ العلائي الشّافعي (٢)، قضاء القضاة بالدّيار المصرية ونظر الأحباس في ولايته الثّانية أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، كشف الجامع بنفسه فوجد مؤخّره قد مال إلى بحريه، ووجد سوره البحري قد مال، وانقلب علوّه عن سمت سفله، ورأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة، وبعضها مزخرف. فهدم الجميع، ولم يدع بالسّطح سوى غرفة المؤذّنين القديمة وثلاث خزائن لرؤساء المؤذّنين لا غير. وجمع أرباب الخيرة، فاتّفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقيّة - وكان الماء يصل إليها من بحر النّيل - فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضّرر على جدر الجامع، وعمّر بغلات بالزّيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحري، وزاد في عمد الزّيادة ما قوّى به البغلات المذكورة، وسدّ شبّاكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك، وأنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس (٣).
وخشي أن يتداعى الجامع كلّه إلى السّقوط، فحدّث الصّاحب الوزير بهاء الدّين عليّ ابن محمد بن سليم بن حنّا في مفاوضة السّلطان في عمارة ذلك من بيت المال. فاجتمعا معا بالسّلطان الملك الظّاهر بيبرس، وسألاه في ذلك، فرسم بعمارة الجامع. فهدم الجدار البحري من مقدّم الجامع - وهو الجدار الذي فيه اللّوح الأخضر - وحطّ اللّوح، وأزيلت العمد والقواصر العشر، وعمّر الجدار المذكور، وأعيدت العمد والقواصر كما كانت، وزيد في العمد أربعة، قرن بها أربعة ممّا هو تحت اللّوح الأخضر والصّفّ الثّاني منه، وفصل اللّوح الأخضر أجزاء، وجدّد غيره وأذهب، وكتب عليه اسم السّلطان الملك الظّاهر، وجلّيت العمد كلّها، وبيّض الجامع بأسره - وذلك في شهر رجب سنة ستّ وستين وستّ مائة -
стр. 2493
وصلّي فيه شهر رمضان بعد فراغه، ولم تتعطّل الصّلاة فيه لأجل العمارة (١).
ولمّا كان في شهور سنة سبع وثمانين وستّ مائة، شكا قاضي القضاة [وناظر الأحباس] (¬a) تقيّ الدّين أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد الوهّاب بن بنت الأعزّ للسّلطان الملك المنصور قلاوون، سوء حال جامع عمرو بمصر، وسوء حال الجامع الأزهر بالقاهرة، وأنّ الأحباس على أسوأ الأحوال، وأنّ مجد الدّين بن الحبّاب أخرب هذه الجهة لمّا كان يتحدّث فيها، وتقرّب بجزيرة الفيل - الوقف الصّلاحي على مدرسة الشّافعية - إلى الأمير علم الدّين الشّجاعي، وذكر له بأنّ في أطيانها زيادة، فقاسوا ما تجدّد بها من الرّمال وجعلوه للوقف، وأقطعوا الأطيان القديمة الجارية في الوقف. وتقرّب أيضا إليه بأنّ في الأحباس زيادة، من جملتها بالأعمال الغربية ما مبلغه في السنة ثلاثون ألف درهم، وأنّ ذلك لجهة عمارة الجامعين، وسأل السّلطان في إعادة ذلك وإبطال ما أقطع منه. فلم يجب إلى ذلك وأمر الأمير حسام الدّين طرنطاي بعمارة الجامع الأزهر، والأمير عزّ الدّين الأفرم بعمارة جامع عمرو. فحضر الأفرم إلى الجامع بمصر ورسم على مباشري الأحباس، وكشف المساجد لغرض كان في نفسه، وبيّض الجامع وجرّد نصف العمد التي فيه، فصار العمود نصفه الأسفل أبيض وباقيه بحاله، ودهن واجهة غرفة السّاعات بالسّيلقون، وأجرى الماء من البئر التي بزقاق الأقفال إلى فسقيّة الجامع، ورمى ما كان بالزّيادات من الأتربة (٢).
ونظر العوامّ به فيما فعله بالجامع، فصاروا يقولون: «نقل الدّيماس من البحر إلى الجامع» لكونه دهن الغرفة بالسّيلقون، «وألبس العواميد للشّيخ العريان» لكونه جرّد نصفها التّحتاني، فصار أبيض الأسفل أسمر الأعلى، كما كان الشّيخ العريان، فإنّ نصفه الأسفل كان مستورا بمئزر أبيض وأعلاه عريان، ولم يفعل بالجامع سوى ما ذكر.
ولمّا حدثت الزّلزلة في سنة اثنتين وسبع مائة (٣) تشعّث الجامع، فاتّفق الأميران بيبرس الجاشنكير - وهو يومئذ أستادّار الملك النّاصر محمد بن قلاوون - والأمير سلار وهو نائب السّلطنة، وإليهما تدبير الدّولة، على عمارة الجامعين بمصر والقاهرة. فتولّى الأمير ركن الدّين بيبرس عمارة الجامع الحاكمي بالقاهرة، وتولّى الأمير سلار عمارة جامع عمرو بمصر.
стр. 2494
فاعتمد سلار على كاتبه بدر الدّين بن خطّاب، فهدم الحدّ البحري من سلّم السّطح إلى باب الزّيادة البحرية والشّرقية، وأعاده على ما كان عليه، وعمل بابين جديدين للزّيادة البحرية والغربية، وأضاف إلى كلّ عمود من الصّفّ الأخير المقابل للجدار الذي هدمه عمودا آخر تقوية له، وجرّد عمد الجامع كلّها، وبيّض الجامع بأسره، وزاد في سقف الزّيادة الغربية رواقين، وبلّط سفل ما أسقف منها. وخرّب بظاهر مصر وبالقرافتين عدّة مساجد وأخذ عمدها ليرخّم بها صحن الجامع، وقلع من رخام الجامع الذي كان تحت الحصر كثيرا من الألواح الطّوال، ورضّ الجميع عند باب الجامع المعروف بباب الشّرابيين، فنقل من هناك إلى حيث شاءوا، ولم يعمل منه في صحن الجامع شيء ألبتّة، وكان فيما نقل من ألواح الرّخام ما طوله أربعة أذرع في عرض ذراع وسدس، ذهب بجميع ذلك (١).
ولمّا ولي علاء الدّين بن بروانة (¬a) نيابة دار العدل، قسّم جامعي مصر والقاهرة، فجعل جامع القاهرة مع نبيه الدّين بن السّعرتي، وجامع عمرو مع بهاء/ الدّين بن السّكّري، فسقّفت الزّيادة البحرية الشّرقية - وكانت قد جعلت حاصلا للحصر - وجعل لها درابزين بين البابين يمنع الجانبين من المارّ من باب الجامع إلى باب الزّيادة المسلوك منه إلى سوق النّحّاسين، وبلّط أرضها، ورقع (¬b) بعض رخام صحن الجامع، وبلّط بعض المجازات، وعمل عضائد أعتاب تحوز الصّحن عن مواضع الصّلاة (٢).
ولمّا كان في شهور سنة ستّ وتسعين وستّ مائة اشترى الصّاحب تاج الدّين دارا بسوق الأكفانيين وهدمها، وجعل مكانها سقاية كبيرة ورفعها إلى محاذاة سطح الجامع، وجعل لها ممشى يتوصّل إليها من سطح الجامع، وعمل في أعلاها أربعة بيوت يرتفق بهم في الخلاء ومكانا برسم أزيار الماء العذب، وهدم سقاية الغرفة التي تحت المئذنة المعروفة بالمنظرة وبناها برجا كبيرا من الأرض إلى العلوّ حيث كان أوّلا، وجعل بأعلى هذا البرج بيتا مرتفعا يختصّ بالغرفة المذكورة كما كان أوّلا، وبيتا ثانيا من خارج الغرفة يرتفق به من هو خارج الغرفة ممّن يقرب منها (٣).
стр. 2495
وعمّر القاضي صدر الدّين أبو عبد اللّه محمد بن البارنباري سقاية في ركن دار عمرو البحريّ الغربيّ من داره الصّغرى بعد ما كانت قد تهدّمت، فأعادها كأحسن ما كانت [وجعل بجوارها مزيرة برسم الأزيار، وانتفع النّاس بذلك كلّه] (¬a). ثم إنّ الجامع تشعّث ومالت قواصره ولم يبق إلاّ أن يسقط (١)؛ وأهل الدّولة - بعد موت الملك الظّاهر برقوق - في شغل من اللّهو عن عمل ذلك؛ فانتدب الرّئيس برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن عليّ المحلّي، رئيس التّجّار يومئذ بديار مصر، لعمارة الجامع بنفسه وذويه، وهدم صدر الجامع بأسره فيما بين المحراب الكبير إلى الصّحن طولا وعرضا، وأزال اللّوح الأخضر وأعاد البناء كما كان أوّلا، وجدّد لوحا أخضر بدل الأوّل ونصبه كما كان - وهو الموجود الآن - وجرّد العمد كلّها، وتتبّع جدر الجامع فرمّ شعثها كلّه، وأصلح من رخام الصّحن ما كان قد فسد، ومن السّقوف ما كان قد وهى، وبيّض الجامع كلّه. فجاء كما كان، وعاد جديدا بعد ما كاد أن يسقط لولا أقام اللّه هذا الرّجل - مع ما عرف من شحّه وكثرة ضنّته بالمال - حتى عمّره. فشكر اللّه سعيه، وبيّض محيّاه. وكان انتهاء هذا العمل في سنة أربع وثمان مائة، ولم يتعطّل منه صلاة جمعة ولا جماعة في مدّة عمارته (٢).
(¬b)) وذكر ابن جبير في «رحلته» أنّ جامع عمرو بن العاص ينفق عليه كلّ يوم نحو الثلاثين دينارا مصرية في مصالحه، وذلك في سنة ثمان وسبعين وخمس مائة (¬b) (٣).
قال ابن المتوّج: إنّ ذرع هذا الجامع اثنان وأربعون ألف ذراع بذراع [عمل] (¬a) البزّ المصري القديم - وهو ذراع الحصر [العبداني] (¬a) المستمرّ إلى الآن - فمن ذلك مقدّمه ثلاثة عشر ألف ذراع وأربع مائة وخمسة وعشرون ذراعا، ومؤخّره مثل ذلك، وصحنه سبعة آلاف وخمس مائة ذراع، وكلّ من جانبيه الشّرقي والغربي ثلاثة آلاف وثمان مائة وخمسة وعشرون ذراعا. وذرعه كلّه بذراع العمل [المحرّر على القصبة الحاكمية] (¬a) ثمانية وعشرون ألف ذراع.
وعدد أبوابه ثلاثة عشر بابا: منها في القبلي باب الزّيزلختة الذي يدخل منه الخطيب - كان به شجرة زيزلخت عظيمة قطعت في سنة ستّ وستين وسبع مائة - وفي البحري ثلاثة أبواب، وفي
стр. 2496
الشّرقي خمسة، وفي الغربي أربعة. وعدد عمده ثلاث مائة وثمانية وسبعون عمودا، (¬a)) وعدد مآذنه خمس وبه ثلاث زيادات (¬a)، فالبحرية الشّرقيّة كانت لجلوس قاضي القضاة بها في كلّ أسبوع يومين (١).
وكان بهذا الجامع «القصص»، قال القضاعي: روى نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لم يقصّ في زمن رسول اللّه ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃ وإنّما كان القصص في زمن معاوية ﵁ (٢).
وذكر عمر بن شبّة قال: قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان ابن عفّان. قيل: من أوّل من قصّ؟ قال: تميم الدّارى. وذكر عن ابن شهاب قال: أوّل من قصّ في مسجد رسول اللّه ﷺ تميم الدّاري استأذن عمر أن يذكّر النّاس فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يذكّر في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر. فاستأذن تميم عثمان بن عفّان ﵁ في ذلك، فأذن له أن يذكّر يومين في الجمعة. فكان تميم يفعل ذلك.
وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أنّ عليّا ﵁ قنت فدعا على قوم من أهل حربه؛ فبلغ ذلك معاوية فأمر رجلا يقص بعد الصّبح وبعد المغرب يدعو له ولأهل الشّام، قال يزيد: وكان ذلك أوّل القصص.
وروي عن عبد اللّه بن مغفّل قال: أمّنا عليّ ﵁ في المغرب، فلمّا رفع رأسه من الرّكعة الثّالثة ذكر معاوية أوّلا، وعمرو بن العاص ثانيا، وأبا الأعور - يعني السّلمي - ثالثا، وكان أبو موسى الرّابع.
وقال اللّيث بن سعد: هما قصصان: قصص العامّة، وقصص الخاصّة. فأمّا «قصص العامّة» فهو الذي يجتمع إليه النّفر من النّاس يعظهم ويذكّرهم، فذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه. وأمّا «قصص الخاصّة» فهو الذي جعله معاوية ولّى رجلا على القصص، فإذا سلّم من صلاة الصّبح، جلس وذكر اللّه وحمده ومجّده، وصلّى على النبيّ ﷺ ، ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه وجنوده، ودعا على أهل حربه وعلى المشركين كافّة (٣).
стр. 2497
ويقال أوّل (¬a) من قصّ بمصر سليمان بن عتر التّجيبي في سنة ثمان وثلاثين، وجمع له القضاء إلى القصص، ثم عزل عن القضاء وأفرد/ بالقصص (١). وكانت ولايته على القصص والقضاء سبعا وثلاثين سنة: منها سنتان قبل القضاء. ويقال: إنّه كان يختم القرآن في كلّ ليلة ثلاث مرّات، وكان يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، ويسجد في المفصّل، ويسلّم تسليمة واحدة، ويقرأ في الرّكعة الأولى بالبقرة وفي الثانية ب ﴿قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ﴾ [الآية ١ سورة الإخلاص]، ويرفع يديه في القصص إذا دعا.
وكان عبد الملك بن مروان شكا إلى العلماء ما انتشر عليه من أمر رعيّته، وشخوصه في (¬b) كلّ وجه. فأشار عليه أبو حبيب الحمصي القاضي بأن يستنصر عليهم برفع يديه إلى اللّه تعالى. فكان عبد الملك يدعو ويرفع يديه، وكتب بذلك إلى القصّاص، فكانوا يرفعون أيديهم بالغداة والعشيّ (٢).
(¬c)) قال ابن شهاب عن عبد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود: أوّل من جمع القرآن في مصحف وكتبه عثمان بن عفّان ثم وضعه في المسجد فأمر به يقرأ كلّ غداة (¬c).
وفي هذا الجامع «مصحف أسماء»، وهو الذي تجاه المحراب الكبير. قال القضاعي: كان السّبب في كتب هذا المصحف أنّ الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ كتب مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، ووجّه إلى مصر بمصحف منها. فغضب عبد العزيز بن مروان من ذلك - وكان الوالي يومئذ من قبل أخيه عبد الملك - وقال: يبعث إلى جند أنا فيه بمصحف؛ فأمر فكتب له هذا المصحف الذي في المسجد الجامع اليوم.
стр. 2498
فلمّا فرغ منه قال: من وجد فيه حرفا خطأ فله رأس أحمر وثلاثون دينارا. فتداوله القرّاء، فأتى رجل من حمراء (¬a) الكوفة اسمه زرعة بن سهيل (¬b) الثّقفي، فقرأه تهجّيا، ثم جاء إلى عبد العزيز بن مروان فقال له: إنّي قد وجدت في المصحف حرفا خطأ. فقال: مصحفي؟ قال:
نعم. فنظر فإذا فيه ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [الآية ٢٣ سورة ص]، فإذا هي مكتوبة «نجعة» قد قدّمت الجيم قبل العين. فأمر بالمصحف فأصلح ما كان فيه وأبدلت الورقة، ثم أمر له بثلاثين دينارا وبرأس أحمر (١).
ولمّا فرغ من هذا المصحف، كان يحمل إلى المسجد الجامع غداة كلّ جمعة من دار عبد العزيز، فيقرأ فيه ثم يقصّ، ثم يردّ إلى موضعه. فكان أوّل من قرأ فيه عبد الرّحمن بن حجيرة الخولاني، لأنّه كان يتولّى القصص والقضاء يومئذ وذلك في سنة ستّ وسبعين (٢). ثم تولّى بعده القصص أبو الخير مرثد بن عبد اللّه اليزني، وكان قاضيا بالإسكندرية قبل ذلك.
ثم توفّي عبد العزيز في سنة ستّ وثمانين فبيع هذا المصحف في ميراثه، فاشتراه ابنه أبو بكر بألف دينار، ثم توفّي أبو بكر فاشترته أسماء ابنة أبي بكر بن عبد العزيز بسبع مائة دينار، فأمكنت النّاس منه، وشهرته فنسب إليها. ثم (¬c) توفّيت أسماء فاشتراه أخوها الحكم بن عبد العزيز ابن مروان من ميراثها بخمس مائة دينار. فأشار عليه توبة بن نمر الحضرمي القاضي - وهو متولّي القصص يومئذ بالمسجد الجامع بعد عقبة بن مسلم الهمداني وإليه القضاء، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائة - فجعله في المسجد الجامع، وأجرى على الذي يقرأ فيه ثلاثة دنانير في كلّ شهر من غلّة الإسطبل. فكان توبة أوّل من قرأ فيه بعد أن أقرّ في الجامع (٣).
وتولّى القصص بعد توبة أبو إسماعيل خير بن نعيم الحضرمي القاضي في سنة عشرين ومائة، وجمع له القضاء والقصص (٤). فكان يقرأ في المصحف قائما، ثم يقصّ وهو جالس، فهو أوّل من
стр. 2499
قرأ في المصحف قائما. ولم تزل الأئمة يقرأون في المسجد الجامع في هذا المصحف في كلّ يوم جمعة، إلى أن ولي القصص أبو رجب العلاء بن عاصم الخولاني في سنة اثنتين وثمانين ومائة، فقرأ فيه يوم الاثنين. وكان قد جعل المطّلب الخزاعي، أمير مصر من قبل المأمون، رزق أبي رجب العلاء عشرة دنانير على القصص، وهو أوّل من سلّم في الجامع تسليمتين بكتاب ورد من المأمون يأمر فيه بذلك. وصلّى خلفه محمد بن إدريس الشّافعيّ حين قدم إلى مصر، فقال: هكذا تكون الصّلاة، ما صلّيت خلف أحد أتمّ صلاة من أبي رجب ولا أحسن (١).
ولمّا ولي القصص حسن بن الرّبيع بن سليمان من قبل عنبسة بن إسحاق - أمير مصر من قبل المتوكّل - في سنة أربعين ومائتين، أمر أن تترك قراءة «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» في الصّلاة فتركها النّاس، وأمر أن تصلّى التّراويح خمس تراويح، وكانت تصلّى قبل ذلك ستّ تراويح، وزاد في قراءة المصحف يوما. فكان يقرأ يوم الاثنين ويوم الخميس فيوم الجمعة (٢).
ولمّا ولّي حمزة بن إبراهيم بن أيّوب (¬a) الهاشمي القصص - بكتاب من المكتفي - في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، صلّى في مؤخّر المسجد حين نكّس، وأمر أن يحمل إليه المصحف ليقرأ فيه.
فقيل له: إنّه لم يحمل المصحف إلى أحد قبلك، فلو قمت وقرأت فيه في مكانه؟ فقال: لا أفعل، ولكن ائتوني به، فإنّ القرآن علينا أنزل، وإلينا أتى. فأتي به فقرأ فيه في المؤخّر. وهو أوّل من قرأ في المصحف في المؤخّر، ولم يقرأ في المصحف بعد ذلك في المؤخّر، إلى أن تولّى أبو بكر محمد بن الحسن السّوسي الصّلاة والقصص في اليوم العشرين من شعبان سنة ثلاث وأربع مائة، فنصب المصحف في مؤخّر الجامع حيال الفوّارة، وقرأ فيه أيّام نكّس الجامع (٣). فاستمرّ الأمر على ذلك إلى الآن (٤).
ولمّا تولّى القصص أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن مسلم الملطي في سنة إحدى وثلاث مائة، عزم على القراءة في المصحف في كلّ يوم. فتكلّم عليّ بن قديد في ذلك ومنع منه (٥)، وقال: أعزم
стр. 2500
على أن يخلّق المصحف ويقطّعه؟ أيرى عبد العزيز بن مروان حيّا فيكتب له مثله؟ فرجع إلى القراءة ثلاثة/ أيّام.
وكان قد حضر إلى مصر رجل من أهل العراق، وأحضر مصحفا ذكر أنّه مصحف عثمان ابن عفّان ﵁ وأنّه الذي كان بين يديه يوم الدّار - وكان فيه أثر الدّم - وذكر أنّه استخرج من خزائن المقتدر. ودفع المصحف إلى عبد اللّه بن شعيب المعروف بابن بنت وليد القاضي، فأخذه أبو بكر الخازن وجعله في الجامع وشهره، وجعل عليه خشبا منقوشا. وكان الإمام يقرأ فيه يوما وفي مصحف أسماء يوما. ولم يزل على ذلك إلى أن رفع هذا المصحف، واقتصر على القراءة في مصحف أسماء، وذلك في أيّام العزيز باللّه لخمس خلون من المحرّم سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة.
وقد أنكر قوم أن يكون هذا المصحف مصحف عثمان ﵁ لأنّ نقله لم يصحّ ولا (¬a) يثبت بحكاية رجل واحد (١).
ورأيت أنا هذا المصحف، وعلى ظهره ما نسخته:
стр. 2501
«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين. هذا المصحف الجامع لكتاب اللّه، جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه، حمله المبارك مسعود بن سعيد (¬a) الهيتي لجماعة المسلمين القرّاء للقرآن التّالين له، المتقرّبين إلى اللّه جلّ ذكره بقراءته والمتعلّمين له، ليكون محفوظا أبدا ما بقي ورقه ولم يذهب رسمه (¬b) ابتغاء ثواب اللّه ، ورجاء غفرانه. وجعله عمدته (¬c) ليوم فقره وفاقته وحاجته إليه. أناله اللّه ذلك برأفته، وجعل ثوابه بينه وبين جماعة من نظر فيه».
وقد درس ما بعد هذا الكلام من ظهر المصحف. والمندرس يشبه أن يكون:
«(¬d) وتبصّر في ورقه، وقصد بإيداعه فسطاط مصر في المسجد الجامع، جامع المسلمين العتيق، ليحفظ حفظ مثله مع سائر مصاحف المسلمين، فرحم اللّه من حفظه ومن قرأ فيه ومن عني به. وكان ذلك في يوم الثلاثاء مستهلّ ذي القعدة سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، وصلّى اللّه على محمد سيّد المرسلين وعلى آله وسلّم تسليما كثيرا، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل» (١).
قال ابن المتوّج: ودليل بطلان ما قاله هذا المعترض - ظهور التّعصّب على عثمان ﵁ من تجيب وحلفائهم (¬e) - أنّ النّاس قد جرّبوا هذا المصحف، وهو الذي على الكرسي الغربي من مصحف أسماء، أنّه ما فتح قطّ إلاّ وحدث حادث في الوجود لتحقيق ما حدث أوّلا. واللّه أعلم (٢).
قال القضاعيّ: «ذكر المواضع المعروفة بالبركة من الجامع يستحبّ الصّلاة والدّعاء عندها (¬f)»: منها البلاطة التي خلف الباب الأوّل في مجلس ابن عبد الحكم. ومنها باب
стр. 2502
البرادع، روي عن رجل من صلحاء المصريين - يقال له أبو هارون الخرقي - قال: رأيت اللّه في منامي، فقلت له: يا ربّ أنت تراني وتسمع كلامي؟ قال: نعم. ثم قال: أتريد أن أريك بابا من أبواب الجنّة؟ قلت: نعم يا ربّ. فأشار إلى باب أصحاب البرادع، أو الباب الأقصى ممّا يلي رحبة حارث. وكان أبو هارون هذا يصلّي الظّهر والعصر فيما بينهما (١).
وقال ابن المتوّج: وعند المحراب الصّغير، الذي في جدار الجامع الغربي ظاهر المقصورة فيما بين بابي الزّيادة الغربية، [الصّلاة عنده مستحبّة و] (¬a) الدّعاء عنده مستجاب (٢). قال: ومن ذلك باب مقصورة عرفة، ومنها عند خرزة البئر التي بالجامع، ومنها قبال اللّوح الأخضر، ومنها زاوية فاطمة. ويقال إنّها فاطمة ابنة عفّان لمّا وصّى والدها أن تترك للّه في الجامع، فتركت في هذا المكان فعرف بها. ومنها سطح الجامع، والطّواف به سبع مرّات: يبدأ بالأولى من باب الخزانة الأولى التي يستقبلها الدّاخل من باب السّطح وهو يتلو إلى أن يصل إلى زاوية السّطح اليسرى (¬b) التي عند المئذنة المعروفة بعرفة، يقف عندها ثم يدعو بما أراد، ثم يمرّ وهو يتلو إلى أن يصل إلى الرّكن الشّرقي - عند المئذنة المشهورة باليسرة (¬c) - ثم يدعو بما أراد. ويمرّ إلى الرّكن البحري للشّرقي، فيقف محاذيا لغرفة المؤذّنين ويدعو. ثم يمرّ وهو يتلو إلى المكان الذي ابتدأ منه، يفعل ذلك سبع مرّات فإنّ حاجته تقضى (٣).
قال القضاعيّ: ولم يكن النّاس يصلّون بالجامع بمصر صلاة العيد، حتى كانت سنة ستّ - ويقال سنة ثمان - وثلاث مائة، فصلّى فيه رجل يعرف بعليّ بن أحمد بن عبد الملك الفهمي - يعرف بابن أبي شيخة - صلاة الفطر. ويقال إنّه خطب من دفتر نظرا، وحفظ عنه: اتّقوا اللّه حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلاّ وأنتم «مشركون»! فقال بعض الشّعراء:
[السريع]
وقام في العيد لنا خاطب … فحرّض النّاس على الكفر
وتوفي سنة تسع وثلاث مائة.
стр. 2503
وبالجامع زوايا يدرّس فيها الفقه (١) منها: «زاوية الإمام الشّافعي» فعرفت به، يقال إنّه درّس بها الشّافعيّ فعرفت به، وعليها أرض بناحية سندبيس وقفها السّلطان الملك العزيز عثمان ابن السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، ولم يزل يتولّى تدريسها أعيان الفقهاء وجلّة العلماء.
ومنها «الزّاوية المجديّة» بصدر الجامع، فيما بين المحراب الكبير ومحراب الخمس، داخل المقصورة الوسطى، بجوار المحراب الكبير. رتّبها مجد الدّين أبو الأشبال الحارث بن مهذّب الدّين أبي المحاسن مهلّب بن حسن بن بركات بن عليّ بن/ غيّاث المهلّبي الأزدي البهنسي الشّافعيّ، وزير الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيّوب بحرّان، وقرّر في تدريسها قريبه قاضي القضاة وجيه الدّين عبد الوهّاب البهنسي، وعمل على هذه الزّاوية عدّة أوقاف بمصر والقاهرة. ويعدّ تدريسها من المناصب الجليلة، وتوفّي المجد في صفر سنة ثمان وعشرين وستّ مائة بدمشق عن ثلاث وستين سنة.
ومنها «الزّاوية الصّاحبيّة» حول عرفة، رتّبها الصّاحب تاج الدّين محمد بن فخر الدّين محمد ابن بهاء الدّين بن حنّا، وجعل لها مدرّسين: أحدهما مالكيّ، والآخر شافعيّ، وجعل عليها وقفا بظاهر القاهرة بخطّ البرادعيين.
ومنها «الزّاوية الكمالية» بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل.
رتّبها كمال الدّين السّمنّودي، وعليها فندق بمصر موقوف عليها.
ومنها «الزّاوية التّاجيّة» أمام المحراب الخشب. رتّبها تاج الدّين السّطحي، وجعل عليها دورا بمصر موقوفة عليها.
ومنها «الزّاوية المعينية» في الجانب الشّرقي من الجامع. رتّبها معين الدّين الدّهروطي، وعليها وقف بمصر.
ومنها «الزّاوية العلائيّة» - تنسب لعلاء الدّين الضّرير - وهي في صحن الجامع، وهي لقراءة ميعاد.
ومنها «الزّاوية الزّينيّة». رتّبها الصّاحب زين الدّين لقراءة ميعاد أيضا.
ذكر ذلك ابن المتوّج.
وأخبرني المقرئ الأديب المؤرّخ الضّابط شهاب الدّين أحمد بن عبد اللّه بن الحسن الأوحدي ﵀ قال: أخبرني المؤرّخ ناصر الدّين محمد بن عبد الرّحيم بن الفرات (٢)، قال: أخبرني
стр. 2504
العلاّمة شمس الدّين محمد بن عبد الرّحمن بن الصّائغ الحنفي، أنّه أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر - قبل الوباء الكائن في سنة تسع وأربعين وسبع مائة - بضعا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه (١).
وقال ابن المأمون: حدّثني القاضي المكين ابن حيدرة - وهو من أعيان الشّهود بمصر - أنّ من جملة الخدم التي كانت بيد والده مشارفة الجامع العتيق، وأنّ القومة بأجمعهم كانوا يجتمعون قبل ليلة الوقود بمدّة (¬a) إلى أن يكملوا ثمانية عشر ألف فتيلة، وأنّ المطلق برسمه خاصّة في كلّ ليلة برسم وقوده أحد عشر قنطارا ونصف زيتا طيّبا (٢).
ذكر المحاريب
التي بديار مصر وسبب اختلافها وتعيين الصّواب فيها، وتبيين الخطأ منها (٣). اعلم أنّ محاريب ديار مصر التي يستقبلها المسلمون في صلواتهم أربعة محاريب:
стр. 2505
أحدها محراب الصّحابة ﵃ الذي أسّسوه في البلاد التي استوطنوها والبلاد التي كثر ممرّهم بها من إقليم مصر. وهو محراب المسجد الجامع بمصر - المعروف بجامع عمرو - ومحراب المسجد الجامع بالجيزة، وبمدينة بلبيس، وبالإسكندرية، وقوص، وأسوان. وهذه المحاريب المذكورة على سمت واحد، غير أنّ محاريب ثغر أسوان أشدّ تشريقا من غيرها؛ وذلك أنّ أسوان مع مكّة - شرّفها اللّه تعالى - في الإقليم الثّاني، وهو الحدّ الغربي من مكّة بغير ميل إلى الشّمال - ومحراب بلبيس مغرّب قليلا.
والمحراب الثّاني محراب مسجد أحمد بن طولون، وهو منحرف عن سمت محراب الصّحابة. وقد ذكر في سبب انحرافه أقوال: منها أنّ أحمد بن طولون، لمّا عزم على بناء هذا المسجد، بعث إلى محراب مدينة رسول اللّه ﷺ من أخذ سمته، فإذا هو مائل عن خطّ سمت القبلة المستخرج بالصّناعة نحو العشر درج إلى جهة الجنوب. فوضع حينئذ محراب مسجده هذا مائلا عن خطّ سمت القبلة إلى جهة الجنوب بنحو ذلك، اقتداء منه بمحراب مسجد رسول اللّه ﷺ . وقيل: إنّه رأى رسول اللّه ﷺ في منامه، وخطّ له المحراب. فلمّا أصبح وجد النّمل قد أطاف بالمكان الذي خطّه له رسول اللّه ﷺ في المنام (١). وقيل غير ذلك.
وأنت إن صعدت إلى سطح جامع ابن طولون، رأيت محرابه مائلا عن محراب جامع عمرو ابن العاص إلى الجنوب، ورأيت محراب المدارس التي حدثت إلى جانبه قد انحرفت عن محرابه إلى جهة الشّرق، وصار محراب جامع عمرو فيما بين محراب ابن طولون والمحاريب الأخر. وقد عقد مجلس بجامع ابن طولون، في ولاية قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز بن محمد ابن جماعة، حضره علماء الميقات - منهم الشّيخ تقيّ الدّين محمد بن محمد بن موسى الغزولي، والشّيخ أبو الطّاهر محمد بن محمد - ونظروا في محرابه، فأجمعوا على أنّه منحرف عن خطّ
стр. 2506
سمت القبلة إلى جهة الجنوب، مغرّبا بقدر أربع عشرة درجة. وكتب بذلك محضر، وأثبت على ابن جماعة.
والمحراب الثّالث محراب جامع القاهرة - المعروف بالجامع الأزهر - وما في سمته من بقيّة محاريب القاهرة. وهي محاريب يشهد الامتحان بتقدّم واضعها في معرفة استخراج القبلة، فإنّها على خطّ سمت القبلة من غير ميل عنه ولا انحراف ألبتّة.
والمحراب الرّابع محاريب المساجد التي في قرى بلاد السّاحل، فإنّها تخالف محاريب الصّحابة؛ إلاّ أنّ محراب جامع منية غمر قريب من سمت محاريب الصّحابة. فإنّ الوزير أبا/ عبد اللّه محمد بن فاتك، المنعوت بالمأمون البطائحيّ - وزير الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلي باللّه - أنشأ جامعا بمنية زفتا في سنة ستّ عشرة وخمس مائة، فجعل محرابه على سمت المحاريب الصّحيحة.
وفي قرافة مصر بجوار مسجد الفتح عدّة مساجد تخالف محاريب الصّحابة مخالفة فاحشة.
وكذلك بمدينة مصر الفسطاط غير مسجد على هذا الحكم.
فأمّا محاريب الصّحابة التي بفسطاط مصر والإسكندرية فإنّ سمتها يقابل مشرق الشّتاء - وهو مطالع برج العقرب - مع ميل قليل إلى ناحية الجنوب. ومحاريب مساجد القرى، وما حول مسجد الفتح بالقرافة، فإنّها تستقبل خطّ نصف النّهار - الذي يقال له خطّ الزّوال - وتميل عنه إلى جهة المغرب. وهذا الاختلاف بين هذين المحرابين اختلاف فاحش يفضي إلى إبطال الصّلاة.
وقد قال ابن عبد الحكم: قبلة أهل مصر أن يكون القطب الشّمالي على الكتف الأيسر.
وهذا سمت محاريب الصّحابة. قال: وإذا طلعت منازل العقرب، وتكمّلت صورته، فمحاذاته سمت القبلة لديار مصر وبرقة وإفريقيّة وما والاها.
وفي الفرقدين والقطب الشّمالي كفاية للمستدلّين: فإنّهم إن كانوا مستقبلين في مسيرهم من الجنوب جهة الشّمال استقبلوا القطب والفرقدين، وإن كانوا سائرين إلى الجنوب من الشّمال استدبروها، وإن كانوا سائرين إلى الشّرق من المغرب جعلوها على الأذن اليسرى، وإن كانوا سائرين من الشّرق إلى المغرب جعلوها على الأذن اليمنى، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الجنوب والدّبور جعلوها على الكتف الأيمن، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الشّمال والدّبور وجعلوها على الحاجب الأيمن، وإن كان مسيرهم إلى النّكباء التي بين الشّمال والصّبا جعلوها على الحاجب الأيسر.
стр. 2507
وإذا عرف ذلك، فإنّه يستحيل تصويب محرابين مختلفين في قطر واحد إذا زاد اختلافهما على مقدار ما يتسامح به في التّيامن والتّياسر. وبيان ذلك أنّ كلّ قطر من أقطار الأرض، كبلاد الشّام وديار مصر ونحوهما من الأقطار، قطعة من الأرض واقعة في مقابلة جزء من الكعبة، والكعبة تكون في جهة من جهات ذلك القطر. فإذا اختلف محرابان في قطر واحد، فإنّا نتيقّن أنّ أحدهما صواب والآخر خطأ؛ إلاّ أن يكون القطر قريبا من مكّة، وخطّته التي هو محدود بها متّسعة اتّساعا كثيرا يزيد على الجزء الذي يخصّه لو وزّعت الكعبة أجزاء متماثلة، فإنّه حينئذ يجوز التّيامن والتّياسر في محاريبه. وذلك مثل بلاد البجة، فإنّها على السّاحل الغربي من بحر القلزم، ومكّة واقعة في شرقيها، ليس بينهما إلاّ مسافة البحر فقط وما بين جدّة ومكّة من البرّ.
وخطّة بلاد البجة مع ذلك واسعة مستطيلة على السّاحل: أوّلها عيذاب، وهي محاذية لمدينة رسول اللّه ﷺ ، وتميل عنها في الجنوب ميلا قليلا، والمدينة شاميّة عن مكّة بنحو عشرة أيّام.
وآخر بلاد البجة من ناحية الجنوب سواكن، وهي مائلة في ناحية الجنوب عن مكّة ميلا كثيرا.
وهذا المقدار من طول بلاد البجة يزيد على الجزء الذي يخصّ هذه الخطّة من الأرض، لو وزّعت الأرض أجزاء متساوية إلى الكعبة، فيتعيّن - والحالة هذه - التّيامن أو التّياسر في طرفي هذه البلاد لطلب جهة الكعبة.
وأمّا إذا بعد القطر عن الكعبة بعدا كثيرا، فإنّه لا يضرّ اتّساع خطّته، ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر لاتّساع الجزء الذي يخصّه من الأرض. فإنّ كلّ قطر منها له جزء يخصّه من الكعبة، من أجل أنّ الكعبة من البلاد المعمورة كالكرة من الدّائرة، فالأقطار كلّها في استقبال الكعبة محيطة بها كإحاطة الدّائرة بمركزها.
وكلّ قطر فإنّه يتوجّه إلى الكعبة في جزء يخصّه. والأجزاء المنقسمة - إذا قدّرت الأرض كالدّائرة - فإنّها تتّسع عند المحيط، وتتضايق عند المركز. فإذا كان القطر بعيدا عن الكعبة، فإنّه يقع في متّسع الحدّ، ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر، بخلاف ما إذا قرب القطر من الكعبة فإنّه يقع في متضايق الجزء، ويحتاج عند ذلك إلى تيامن أو تياسر.
فإن فرضنا أنّ الواجب إصابة عين الكعبة في استقبال الصّلاة لمن بعد عن مكّة - وقد علمت ما في هذه المسألة من الاختلاف بين العلماء - فإنّه لا يتسامح في اختلاف المحاريب بأكثر من قدر التّيامن والتّياسر الذي لا يخرج عن حدّ الجهة، فلو زاد الاختلاف حكم ببطلان أحد المحرابين ولابد؛ اللّهمّ إلاّ أن يكونا في قطرين بعيدين بعضهما من بعض، وليسا على خطّ واحد من
стр. 2508
مسامتة الكعبة، وذلك كبلاد الشّام وديار مصر. فإنّ البلاد الشّاميّة لها جانبان، وخطّتها متّسعة مستطيلة في شمال مكّة، وتمتدّ أكثر من الجزء الخاصّ بها بالنسبة إلى مقدار بعدها عن الكعبة.
وفي هذين القطرين يجري ما تقدّم ذكره في أرض البجة. إلاّ أن التّيامن والتّياسر ظهوره في البلاد الشّامية أقلّ من ظهوره في أرض البجة، من أجل بعد البلاد الشّاميّة عن الكعبة وقرب أرض البجة./ وذلك أنّ البلاد الشّاميّة وقعت في متّسع الجزء الخاصّ بها، فلم يظهر أثر التّيامن والتّياسر ظهورا كثيرا كظهوره في أرض البجة، لأنّ البلاد الشّاميّة لها جانب شرقيّ وجانب غربيّ ووسط.
فجانبها الغربيّ هو أرض بيت المقدس وفلسطين إلى العريش أوّل حدّ مصر، وهذا الجانب من البلاد الشّاميّة يقابل الكعبة على حدّ مهبّ النّكباء التي بين الجنوب والصّبا. وأمّا جانب البلاد الشّاميّة الشّرقي فإنّه ما كان مشرقا من مدينة دمشق إلى حلب والفرات، وما يسامت ذلك من بلاد السّاحل، وهذه الجهة تقابل الكعبة مشرقا عن أوسط مهبّ الجنوب قليلا. وأمّا وسط بلاد الشّام فإنّها دمشق وما قاربها، وتقابل الكعبة على وسط مهبّ الجنوب، وهذا هو سمت مدينة رسول اللّه ﷺ مع ميل يسير عنه إلى ناحية المشرق.
وأمّا مصر فإنّها تقابل الكعبة فيما بين الصّبا ومهبّ النّكباء التي بين الصّبا والجنوب. ولذلك لمّا اختلف هذان القطران - أعني مصر والشّام - في محاذاة الكعبة، اختلفت محاريبهما. وعلى ذلك وضع الصّحابة ﵃ محاريب الشّام ومصر على اختلاف السّمتين. فأمّا مصر بعينها وضواحيها، وما هو في حدّها أو على سمتها، أو في البلاد الشّاميّة، وما في حدّها أو على سمتها، فإنّه لا يجوز فيها تصويب محرابين مختلفين اختلافا بيّنا.
فإن تباعد القطر عن القطر بمسافة قريبة أو بعيدة، وكان القطران على سمت واحد في محاذاة الكعبة، لم يضرّ حينئذ تباعدهما، ولا تختلف محاريبهما، بل تكون محاريب كلّ قطر منهما على حدّ واحد وسمت واحد، وذلك كمصر وبرقة وإفريقيّة وصقلّيّة والأندلس. فإنّ هذه البلاد، وإن تباعد بعضها عن بعض، فإنّها كلّها تقابل الكعبة على حدّ واحد، وسمتها جميعها سمت مصر من غير اختلاف ألبتّة. وقد تبيّن بما تقرّر حال الأقطار المختلفة من الكعبة في وقوعها منها.
وأمّا اختلاف محاريب مصر فإنّ له أسبابا: أحدها حمل كثير من النّاس قوله ﷺ الذي رواه الحافظ أبو عيسى التّرمذي، من حديث أبي هريرة ﵁ «ما بين المشرق والمغرب
стр. 2509
قبلة»؛ على العموم. وهذا الحديث قد روي موقوفا على عمر وعثمان وعليّ وابن عبّاس ومحمد ابن الحنفيّة ﵃ وروي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا. قال أحمد ابن حنبل: هذا في كلّ البلدان، قال: هذا المشرق وهذا المغرب وما بينهما قبلة. قيل له: فصلاة من صلّى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغي أن يتحرّى الوسط. وقال أحمد بن خالد: قول عمر «ما بين المشرق والمغرب قبلة» قاله بالمدينة. فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة، فهو في سعة ممّا بين المشرق والمغرب. ولسائر البلدان من السّعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشّمال. وقال أبو عمر بن عبد البرّ: لا خلاف بين أهل العلم فيه.
قال كاتبه (¬a): إذا تأمّلت وجدت هذا الحديث يختصّ بأهل الشّام والمدينة، وما على سمت تلك البلاد شمالا وجنوبا فقط. والدّليل على ذلك أنّه يلزم من حمله على العموم إبطال التّوجّه إلى الكعبة في بعض الأقطار، واللّه سبحانه قد افترض على الكافّة أن يتوجّهوا إلى الكعبة في الصّلاة حيثما كانوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [الآية ١٥٠ سورة البقرة].
وقد عرفت - إن كنت تمهّرت في معرفة البلدان وحدود الأقاليم - أنّ النّاس في توجّههم إلى الكعبة كالدّائرة حول المركز: فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة، فإنّ جهة قبلة صلاته إلى المشرق. ومن كان في الجهة الشّرقية من الكعبة، فإنّه يستقبل في صلاته جهة المغرب. ومن كان في الجهة الشّمالية من الكعبة، فإنّه يتوجّه في صلاته إلى جهة الجنوب: ومن كان في الجهة الجنوبية من الكعبة، كانت صلاته إلى جهة الشّمال.
ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والجنوب، فإنّ قبلته فيما بين الشّمال والمغرب. ومن كان من الكعبة فيما بين الجنوب والمغرب، فإنّ قبلته فيما بين الشّمال والمشرق. ومن كان من الكعبة فيما بين المشرق والشّمال، فقبلته فيما بين الجنوب والمغرب. ومن كان من الكعبة فيما بين الشّمال والمغرب، فقبلته فيما بين الجنوب والمشرق.
فقد ظهر ما يلزم، من القول بعموم هذا الحديث، من خروج أهل المشرق السّاكنين به وأهل المغرب أيضا؛ عن التوجّه إلى الكعبة في الصّلاة عينا وجهة. لأنّ من كان مسكنه من البلاد ما هو في أقصى المشرق من الكعبة، لو جعل المشرق عن يساره والمغرب عن
стр. 2510
يمينه، لكان إنّما يستقبل حينئذ جنوب أرضه، ولم يستقبل قطّ عين الكعبة ولا جهتها.
فوجب - ولابدّ - حمل الحديث على أنّه خاصّ بأهل المدينة والشّام وما على سمت ذلك من البلاد. بدليل أنّ المدينة النّبويّة واقعة بين مكّة وبين أوسط الشّام على خطّ مستقيم، والجانب الغربي من بلاد الشّام - التي هي أرض المقدس وفلسطين - يكون عن يمين من يستقبل بالمدينة الكعبة، والجانب الشّرقي - الذي هو حمص وحلب وما والى ذلك - واقع عن يسار من استقبل/ الكعبة بالمدينة.
والمدينة واقعة في أوسط جهة الشّام على جهة مستقيمة. بحيث لو خرج خطّ من الكعبة ومرّ على استقامة إلى المدينة النّبويّة، لنفذ منها إلى أوسط جهة الشّام سواء. وكذلك لو خرج خطّ من مصلّى رسول اللّه ﷺ ، وتوجّه على استقامة، لوقع فيما بين الميزاب من الكعبة وبين الرّكن الشّامي.
فلو فرضنا أنّ هذا الخطّ خرق الموضع الذي وقع فيه من الكعبة ومرّ، لنفذ إلى بيت المقدس على استواء من غير ميل ولا انحراف ألبتّة. وصار موقع هذا الخطّ فيما بين نكباء الشّمال والدّبور وبين القطب الشّمالي، وهو إلى القطب الشّمالي أقرب وأميل، ومقابلته ما بين أوسط الجنوب ونكباء الصّبا والجنوب، وهو إلى الجنوب أقرب.
والمدينة النّبويّة مشرّقة عن هذا السّمت، ومغرّبة عن سمت الجانب الآخر من بلاد الشّام - وهو الجانب الغربي - تغريبا يسيرا. فمن يستقبل مكّة بالمدينة يصير المشرق عن يساره، والمغرب عن يمينه، وما بينهما فهو قبلته، وتكون حينئذ الشّام بأسرها وجملة بلادها خلفه. فالمدينة على هذا في أوسط جهات البلاد الشّاميّة.
ويشهد بصدق ذلك ما رويناه من طريق مسلم ﵀ عن عبد اللّه بن عمر ﵄ قال: رقيت على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول اللّه ﷺ قاعدا لحاجته، مستقبل الشّام مستدبر القبلة. وله أيضا من حديث ابن عمر: بينا النّاس في صلاة الصّبح، إذ جاءهم آت فقال: إنّ رسول اللّه ﷺ قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستدار إلى الكعبة.
فهذا - أعزّك اللّه - أوضح دليل أنّ المدينة بين مكّة والشّام على حدّ واحد، وأنّها في أوسط جهة بلاد الشّام. فمن استقبل بالمدينة الكعبة، فقد استدبر الشّام. ومن استدبر بالمدينة الكعبة، فقد استقبل الشّام. ويكون حينئذ الجانب الغربي من بلاد الشّام، وما على سمته من البلاد، جهة
стр. 2511
القبلة عندهم أن يجعل الواقف مشرق الصّيف عن يساره، ومغرب الشّتاء عن يمينه، فيكون ما بين ذلك قبلته. وتكون قبلة الجانب الشّرقي من بلاد الشّام وما على سمت ذلك من البلدان، أنّ يجعل المصلّي مغرب الصّيف عن يمينه، ومشرق الشّتاء عن يساره، وما بينهما قبلته. ويكون أوسط البلاد الشّامية - التي هي حدّ المدينة النّبويّة - قبلة المصلّي بها أن يجعل مشرق الاعتدال عن يساره، ومغرب الاعتدال عن يمينه، وما بينهما قبلة له. فهذا أوضح استدلال على أنّ الحديث خاصّ بأهل المدينة، وما على سمتها من البلاد الشّامية، وما وراءها من البلدان المسامتة لها.
وهكذا أهل اليمن وما على سمت اليمن من البلاد. فإنّ القبلة واقعة فيما هنالك بين المشرق والمغرب، لكن على عكس وقوعها في البلاد الشّامية. فإنّه تصير مشارق الكواكب في البلاد الشّاميّة، التي على يسار المصلّي، واقعة عن يمين المصلّي في بلاد اليمن. وكذلك كلّ ما كان من المغارب عن يمين المصلّي بالشّام، فإنّه ينقلب عن يسار المصلّي باليمن. وكلّ من قام ببلاد اليمن مستقبلا الكعبة، فإنه يتوجّه إلى بلاد الشّام فيما بين المشرق والمغرب.
وهذه الأقطار سكّانها هم المخاطبون بهذا الحديث، وحكمه لازم لهم، وهم خاصّ بهم دون من سواهم من أهل الأقطار الأخر. ومن أجل حمل هذا الحديث على العموم، كان السّبب في اختلاف محاريب مصر.
السّبب الثّاني في اختلاف محاريب مصر: أنّ الدّيار المصرية لمّا افتتحها المسلمون، كانت غاصّة (¬a) بالقبط والرّوم مشحونة بهم، ونزل الصّحابة ﵃ من أرض مصر في موضع الفسطاط - الذي يعرف اليوم بمدينة مصر - وبالإسكندرية، وتركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب (١). ولم يسكن أحد من المسلمين بالقرى، وإنّما كانت رابطة تخرج إلى الصّعيد، حتى إذا جاء أوان الرّبيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدّواب ومعهم طوائف من السّادات. ومع ذلك فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ ينهى الجند عن الزّرع، ويبعث إلى أمراء الأجناد بإعطاء الرّعيّة أعطياتهم وأرزاق عيالهم، وينهاهم عن الزّرع.
روى الإمام أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب «فتوح مصر» من طريق ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد اللّه بن هبيرة: أنّ عمر ابن
стр. 2512
الخطّاب أمر بناذره (¬a) أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدّمون إلى الرّعيّة: أنّ عطاءهم قائم، وأنّ أرزاق عيالهم سابل، فلا يزرعون ولا يزارعون.
قال ابن وهب: وأخبرني شريك بن عبد الرّحمن المرادي، قال: بلغنا أنّ شريك بن سمّي الغطيفي (¬b)، أتى إلى عمرو بن العاص، فقال: إنّكم لا تعطونا ما يحسبنا أفتأذن لي بالزّرع؟ فقال له عمرو: ما أقدر على ذلك. فزرع شريك من غير إذن عمرو. فلمّا بلغ ذلك عمرا، كتب إلى عمر بن الخطّاب يخبره أنّ شريك بن سميّ الغطيفي (¬b) حرث بأرض مصر. فكتب إليه عمر «أن ابعث إليّ به».
فلمّا انتهى كتاب عمر إلى عمرو أقرأه شريكا فقال شريك لعمرو: قتلتني يا عمرو؛ فقال عمرو: ما أنا بالذي قتلتك، أنت صنعت هذا بنفسك؛ فقال له: إذا كان هذا من رأيك فأذن لي بالخروج من غير/ كتاب، ولك عليّ عهد اللّه أن أجعل يدي في يده.
فأذن له بالخروج، فلمّا وقف على عمر قال: تؤمّنني يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن أيّ الأجناد أنت؟ قال: من جند مصر؛ قال: فلعلّك شريك بن سميّ الغطيفي (¬b)؛ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: لأجعلنّك نكالا لمن خلفك؛ قال: أو تقبل منّي ما قبل اللّه تعالى من العباد؟ قال:
وتفعل؟ قال: نعم.
فكتب إلى عمرو بن العاص أنّ شريك بن سميّ جاءني تائبا فقبلت منه (١).
قال: وحدّثنا عبد اللّه بن صالح عن عبد الرّحمن بن شريح، عن أبي قبيل، قال: كان النّاس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا، فإذا حضر مرافق الرّيف خطب عمرو بن العاص النّاس فقال: قد حضر مرافق ريفكم (¬c) فانصرفوا. فإذا حمض اللّبن، واشتدّ العود، وكثر الذّباب، فحيّ على فسطاطكم، ولا أعلمنّ ما جاء أحد (¬d) قد أسمن نفسه وأهزل جواده.
وقال ابن لهيعة: عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كان عمرو يقول للنّاس إذا قفلوا من غزوهم:
إنّه قد حضر الرّبيع، فمن أحبّ منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل، ولا أعلمنّ ما جاء رجل (¬e)
стр. 2513
قد أسمن نفسه وأهزل فرسه. فإذا حمض اللّبن، وكثر الذّباب، ولوى العود، فارجعوا إلى قيروانكم (١).
وعن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري، عن بحير بن ذاخر المعافري، قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة تهجيرا - وذلك بعد حميم النّصاري بأيّام يسيرة - فأطلنا الرّكوع، إذ أقبل رجال بأيديهم السّياط يزجرون النّاس، فذعرت؛ فقلت: يا أبت من هؤلاء؟ فقال: يا بنيّ هؤلاء الشّرط. فأقام المؤذّنون الصّلاة، فقام عمرو بن العاص على المنبر. فرأيت رجلا ربعة، قصد (¬a) القامة، وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشّاة كأنّ به العقيان تأتلق، عليه حلّة وعمامة وجبّة، فحمد اللّه وأثنى عليه حمدا موجزا، وصلّى على النّبي ﷺ ، ووعظ النّاس وأمرهم ونهاهم؛ فسمعته يحضّ على الزّكاة وصلة الأرحام، ويأمر بالاقتصاد، وينهى عن الفضول وكثرة العيال، وإخفاض الحال في ذلك، فقال:
«يا معشر النّاس إيّاكم وخلالا أربعا، فإنّها تدعو إلى النّصب بعد الرّاحة، وإلى الضّيق بعد السّعة، وإلى الذّلّة بعد العزّة. إيّاكم وكثرة العيال، وإخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل بعد القال في غير درك ولا نوال. ثم إنّه لا بد من فراغ يؤول إليه المرء في توديع جسمه، والتّدبير لشأنه، وتخليته بين نفسه وبين شهواتها. ومن صار إلى ذلك، فليأخذ بالقصد والنّصيب الأقلّ، ولا يضع (¬b) المرء في فراغه نصيب العلم من نفسه، فيحوز (¬c) من الخير عاطلا، وعن حلال اللّه وحرامه غافلا.
يا معشر النّاس إنّه قد تدلّت الجوزاء، وذكت (¬d) الشّعرى، وأقلعت السّماء، وارتفع الوباء، وقلّ النّدى، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السّخائل، وعلى الراعي بحسن رعيّته حسن النّظر. فحيّ لكم - على بركة اللّه تعالى - إلى ريفكم، فنولوا (¬e) من خيره ولبنه وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنّها جنّتكم من عدوّكم،
стр. 2514
وبها مغانمكم وأنفالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا، وإيّاي (¬a) والمسوّمات (¬b) المعسولات، فإنّهن يفسدن الدّين، ويقصّرن الهمم.
حدّثني عمر أمير المؤمنين أنّه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إنّ اللّه سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإنّ لهم فيكم صهرا وذمّة». فكفّوا أيديكم، وعفّوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم. ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه وأهزل فرسه، واعلموا أنّي معترض الخيل كاعتراض الرّجال، فمن أهزل فرسه من غير علّة، حططته من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنّكم في رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حولكم، وتشوّف قلوبهم إليكم، وإلى داركم معدن الزّرع والمال والخير الواسع والبركة النامية.
وحدّثني عمر أمير المؤمنين أنّه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: «إذا فتح اللّه عليكم مصر، فاتّخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض».
فقال له أبو بكر ﵁: ولم يا رسول اللّه؟ قال: «لأنّهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» (١).
فاحمدوا اللّه معشر النّاس على ما أولاكم، فتمتّعوا في ريفكم ما طاب لكم. فإذا يبس العود، وسخن الماء، وكثر الذّباب، وحمض اللّبن، وصوّح البقل، وانقطع الورد من الشّجر، فحيّ إلى فسطاطكم على بركة اللّه، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال إلاّ ومعه تحفة لعياله، على ما أطلق من سعته أو عسرته. أقول قولي هذا، وأستحفظ اللّه عليكم».
قال: فحفظت ذلك عنه. فقال والدي، بعد انصرافنا إلى المنزل، لمّا حكيت له خطبته: إنّه يا بنيّ يحدو (¬c) النّاس إذا انصرفوا إليه على الرّباط كما حداهم (¬d) على الرّيف والدّعة (٢).
стр. 2515
قال: وكان إذا جاء وقت الرّبيع واللبن (¬a) كتب لكلّ قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبّوا.
وكانت القرى التي يأخذ فيها معظمهم: منوف ودسبندس (¬b) وأهناس وطحا. وكان أهل الرّاية متفرّقين: فكان آل عمرو بن العاص وآل عبد اللّه بن سعد يأخذون في منف (¬c) ووسيم، وكانت هذيل تأخذ في بنا وبوصير، وكانت عدوان تأخذ في بوصير، وقرى عكّ التي تأخذ فيها معظمهم بوصير ومنوف ودسبندس (¬d) وأتريب.
وكانت بلي تأخذ في منف وطرابية (¬e)، وكانت فهم تأخذ في أتريب وعين/ شمس ومنوف، وكانت مهرة تأخذ في منا ونمىّ وبسطة ووسيم، وكانت لخم تأخذ في الفيّوم وطرابية (¬f) وفربيط (¬f)، وكانت جذام تأخذ في فربيط (¬f) وطرابية (¬g)، وكانت حضرموت تأخذ في بنا وعين شمس وأتريب، وكانت مراد تأخذ في منف والفيّوم ومعهم عبس بن زوف، وكانت حمير تأخذ في بوصير وقرى أهناس، وكانت خولان تأخذ في قرى أهناس والقيس والبهنسا.
وآل وعلة يأخذون في سفط من بوصير، وآل أبرهة يأخذون في منف، وغفار وأسلم يأخذون مع وائل من جذام وسعد في بسطة وفربيط وطرابية، وآل يسار بن ضبّة في أتريب. وكانت المعافر تأخذ في أتريب وسخا ومنوف، وكانت طائفة من تجيب ومراد يأخذون باليدقون.
وكان بعض هذه القبائل ربّما جاور بعضا في الرّبيع، ولا يوقف في معرفة ذلك على أحد؛ إلاّ أنّ معظم القبائل كانوا يأخذون حيث وصفنا. وكان يكتب لهم بالرّبيع فيربّعون وباللّبن ما أقاموا، وكان لغفار وليث أيضا مرتبع (¬g) بأتريب.
قال: وأقامت مدلج بخربتا فاتّخذوها منزلا وكان معهم نفر من حمير حالفوهم فيها فهي منازلهم، ورجعت خشين وطائفة من لخم وجذام فنزلوا أكناف صان وإبليل وطرابية (¬g). ولم تكن قيس بالحوف الشّرقي قديما، وإنّما أنزلهم به ابن الحبحاب. وذلك أنّه وفد إلى هشام ابن
стр. 2516
عبد الملك، فأمر له بفريضة خمسة آلاف رجل، فجعل ابن الحبحاب الفريضة في قيس، وقدم بهم فأنزلهم الحوف الشّرقي بمصر (١).
فانظر - أعزّك اللّه - ما كان عليه الصّحابة وتابعوهم عند فتح مصر من قلّة السّكنى بالرّيف.
ومع ذلك فكانت القرى كلّها في جميع الإقليم، أعلاه وأسفله، مملوءة بالقبط والرّوم. ولم ينتشر الإسلام في قرى مصر إلاّ بعد المائة من تاريخ الهجرة، عند ما أنزل عبيد اللّه بن الحبحاب - مولى سلول - قيسا بالحوف الشّرقي. فلمّا كان في المائة الثّانية من سني الهجرة، كثر انتشار المسلمين بقرى مصر ونواحيها. وما برحت القبط تنقض وتحارب المسلمين إلى ما بعد المائتين من سني الهجرة (٢).
قال أبو عمر (¬a) محمد بن يوسف الكندي في كتاب «أمراء مصر»: وفي إمرة الحرّ بن يوسف أمير مصر، كتب عبيد اللّه بن الحبحاب - صاحب خراج مصر - إلى هشام بن عبد الملك بأنّ أرض مصر تحتمل الزّيادة. فزاد على كلّ دينار قيراطا، فانتقضت (¬b) كورة نتو ونميّ وفربيط وطرابية وعامّة الحوف الشّرقي. فبعث إليهم الحرّ بأهل الدّيوان فحاربوهم، فقتل منهم بشر (¬c) كثير. وذلك أوّل نقض القبط بمصر، وكان نقضهم في سنة سبع (¬d) ومائة، ورابط الحرّ بن يوسف بدمياط ثلاثة أشهر (٣).
ثم نقض أهل الصّعيد، وحارب القبط عمّالهم في سنة إحدى وعشرين ومائة. فبعث إليهم حنظلة بن صفوان أمير مصر، أهل الدّيوان، فقتلوا من القبط ناسا كثيرا فظفر بهم (٤).
وخرج يحنّس (¬e) - وهو رجل من القبط - من سمنّود، فبعث إليه عبد الملك بن مروان ابن موسى بن نصير أمير مصر، فقتل يحنّس (¬e) في كثير من أصحابه، وذلك في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (٥).
стр. 2517
وخالفت القبط أيضا برشيد، فبعث إليهم مروان بن محمد الحمار - لمّا دخل مصر فارّا من بني العبّاس - عثمان بن أبي نسعة (¬a) فهزمهم (١).
وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا، ونابذوا العمّال، وأخرجوهم في سنة خمسين ومائة، وصاروا إلى شبرا سنباط، وانضمّ إليهم أهل البشرود والأوسيّة والبجوم (¬b). فأتى الخبر يزيد بن حاتم، فعقد لنصر بن حبيب المهلّبي على أهل الدّيوان ووجوه أهل مصر، فخرجوا إليهم، فبيّتهم (¬c) القبط وقتلوا من المسلمين، فألقى المسلمون النّار في عسكر القبط، وانصرف العسكر إلى مصر منهزما (٢).
وفي ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر، خرج القبط ببلهيب في سنة ستّ وخمسين ومائة، فخرج إليهم عسكر فهزمهم (٣). ثم نقضت القبط في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة ومائتين، مع من نقض من أهل أسفل الأرض من العرب، وأخرجوا العمّال، وخلعوا الطّاعة لسوء سيرة العمّال فيهم (٤). فكانت بينهم وبين الجيوش حروب امتدّت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر، لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين، فعقد على جيش بعث به إلى الصّعيد، وارتحل هو إلى سخا.
وأوقع الأفشين بالقبط في ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين، فحكم بقتل الرّجال وبيع النّساء والأطفال، فبيعوا وسبي أكثرهم. وتتبّع كلّ من يومأ إليه بخلاف، فقتل ناسا كثيرا، ورجع إلى الفسطاط في صفر، ومضى إلى حلوان، وعاد لثمان عشرة خلت من صفر.
فكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما (٥).
فانظر - أعزّك اللّه - كيف كانت إقامة الصّحابة إنّما هي بالفسطاط والإسكندرية، وأنّه لم يكن لهم كثير إقامة بالقرى، وأنّ النّصارى كانوا متمكّنين من القرى والمسلمون بها قليل، وأنّهم لم ينتشروا بالنّواحي إلاّ بعد عصر الصّحابة والتّابعين، يتبيّن لك أنّهم لم يؤسّسوا في القرى والنّواحي مساجد.
стр. 2518
وتفطّن لشيء آخر، وهو أنّ القبط ما برحوا، كما تقدّم، يثبون (¬a) لمحاربة المسلمين دالّة منهم بما هم عليه من القوّة والكثرة. فلمّا أوقع بهم المأمون الوقعة التي قلنا،/ غلب المسلمون على أماكنهم من القرى لما قتلوا منهم وسبوا، وجعلوا عدّة من كنائس النّصارى مساجد.
وكنائس النّصارى مؤسّسة على استقبال المشرق واستدبار المغرب، زعما منهم أنّهم أمروا باستقبال مشرق الاعتدال، وأنّه الجنّة لطلوع الشّمس منه. فجعل المسلمون أبواب الكنائس محاريب عندما غلبوا عليها وصيّروها مساجد، فجاءت موازية لخطّ نصف النّهار، وصارت منحرفة عن محاريب الصّحابة انحرافا كثيرا يحكم بخطئها وبعدها عن الصّواب كما تقدّم.
السّبب الثّالث: تساهل كثير من النّاس في معرفة أدلّة القبلة، حتى إنّك لتجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون منازل القمر صورة وحسابا، وقد علم من له ممارسة بالرّياضيات أنّ بمنازل القمر يعرف وقت السّحر وانتقال الفجر في المنازل، وناهيك بما يترتّب على معرفة ذلك من أحكام الصّلاة والصّيام. وهذه المنازل التي للقمر من بعض ما يستدلّ به على القبلة والطّرقات، وهي من مبادئ العلم وقد جهلوه، فمن أعوزه الأدنى أحر به (¬b) أن يجهل ما هو أعلى منه وأدقّ.
السّبب الرّابع: الاعتذار بنجم سهيل، فإنّ كثيرا ما يقع الاعتذار عن مخالفة محاريب المتأخّرين بأنّها بنيت على مقابلة سهيل، ومن هنا يقع الخطأ. فإنّ هذا أمر يحتاج فيه إلى تحرير، وهو أنّ دائرة سهيل مطلعها جنوب مشرق الشّتاء قليلا، وتوسّطها في أوسط الجنوب، وغروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلا. فلعلّ من تقدّم من السّلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سهيل - ومطلعه في سمت قبلة مصر تقريبا - فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سهيل وتوسّطه وغروبه، وتساهل فوضع المحراب على مقابلة توسّط سهيل - وهو أوسط الجنوب - فجاء المحراب حينئذ منحرفا عن السّمت الصّحيح انحرافا لا يسوّغ التّوجّه إليه ألبتّة.
السّبب الخامس: أنّ المحاريب الفاسدة بديار مصر أكثرها في البلاد الشّمالية التي تعرف بالوجه البحري. والذي يظهر أنّ الغلط دخل على من وضعها من جهة ظنّه أنّ هذه البلاد لها حكم بلاد الشّام. وذلك أنّ بلاد مصر التي في السّاحل كثيرة الشّبه ببلاد الشّام في كثرة أمطارها وشدّة بردها وحسن فواكهها، فاستطرد الشّبه حتى في المحاريب ووضعها على سمت المحاريب الشّامية، فجاء شيئا خطأ.
стр. 2519
وبيان ذلك أنّ هذه البلاد ليست بشمالية عن الشّام، حتى يكون حكمها في استقبال الكعبة كالحكم في البلاد الشّاميّة، بل هي مغرّبة عن الجانب الغربي من الشّام بعدّة أيّام، وسمتاهما مختلفان في استقبال الكعبة لاختلاف القطرين. فإنّ الجانب الغربي من الشّام كما تقدّم مقابل ميزاب الكعبة على خطّ مستقيم، وهو حيث مهبّ النّكباء التي بين الشّمال والدّبور؛ ووسط الشّام كدمشق وما والاها شمال مكّة من غير ميل، وهم يستقبلون أوسط الجنوب في صلاتهم، بحيث يكون القطب الشّمالي المسمّى بالجدي وراء ظهورهم.
والمدينة النّبويّة بين هذا الحدّ من الشّام وبين مكّة مشرّقة عن هذا الحدّ قليلا، فإذا كانت مصر مغرّبة عن الجانب الغربي من الشّام بأيّام عديدة، تعيّن ووجب أن تكون محاربيها - ولابد - مائلة إلى جهة المشرق بقدر بعد مصر وتغريبها عن أوسط الشّام، وهذا أمر يدركه الحسّ، ويشهد لصحّته العيان. وعلى ذلك أسّس الصّحابة ﵃ المحاريب بدمشق وبيت المقدس مستقبلة ناحية الجنوب وأسّسوا المحاريب بمصر مستقبلة المشرق مع ميل يسير عنه إلى ناحية الجنوب. فدرّب (¬a) - رحمك اللّه - نفسك في التّمييز، وعوّد نظرك التأمّل، واربأ بنفسك أن تقاد، كما تقاد البهيمة، بتقليدك من لا يؤمن عليه الخطأ. فقد نهجت لك السّبيل في هذه المسألة وألنت لك من القول، وقرّبت لك حتى كأنّك تعاين الأقطار وكيف موقعها من مكّة.
ولي هنا مزيد بيان فيه الفرق بين إصابة العين وإصابة الجهة. وهو أنّ المكلّف لو وقف، وفرضنا أنّه خرج خطّ مستقيم من بين عينيه، ومرّ حتى اتّصل بجدار الكعبة من غير ميل عنها إلى جهة من الجهات، فإنّه لابد أن ينكشف لبصره مدى عن يمينه وشماله لا ينتهي بصره إلى غيره إن كان لا ينحرف عن مقابلته. فلو فرضنا امتداد خطّين من كلا عيني الوقف - بحيث يلتقيان في باطن الرأس على زاوية مثلّثة، ويتّصلان بما انتهى إليه البصر من كلا الجانبين - لكان ذلك شكلا مثلّثا، بقسمة الخطّ الخارج من بين العينين إلى الكعبة بنصفين، حتى يصير ذلك الشّكل بين مثلّثين متساويين.
فالخطّ الخارج من بين عيني مستقبل الكعبة، الذي فرّق بين الزّاويتين، هو مقابلة العين التي اشترط الشّافعيّ ﵀ وجوب استقباله من الكعبة عند الصّلاة. ومنتهى ما يكشف بصر
стр. 2520
المستقبل من الجانبين، هو حدّ مقابلة الجهة التي قال جماعة من علماء الشّريعة بصحّة استقباله في الصّلاة.
والخطّان الخارجان من العينين إلى طرفيه هما آخر الجهة من اليمين والشّمال. فمهما وقعت صلاة المستقبل على الخطّ الفاصل بين الزّاويتين كان قد استقبل عين الكعبة، ومهما وقعت صلاته منحرفة عن يمين الخطّ أو يساره - بحيث لا يخرج/ استقباله عن منتهى حدّ الزّاويتين المحدودتين بما يكشف بصره من الجانبين - فإنّه مستقبل جهة الكعبة. وإن خرج استقباله عن حدّ الزّاويتين من أحد الجانبين، فإنّه يخرج في استقباله عن حدّ جهة الكعبة.
وهذا الحدّ في الجهة يتّسع ببعد المدى ويضيق بقربه، فأقصى ما ينتهي إليه اتّساعه ربع دائرة الأفق، وذلك أنّ الجهات المعتبرة في الاستقبال أربع: المشرق، والمغرب، والجنوب، والشّمال.
فمن استقبل جهة من هذه الجهات، كان أقصى ما ينتهي إليه سعة تلك الجهة ربع دائرة الأفق.
وإن انكشف لبصره أكثر من ذلك، فلا عبرة به من أجل ضرورة تساوي الجهات. فإنّا لو فرضنا إنسانا وقف في مركز دائرة، واستقبل جزءا من محيط الدّائرة، لكانت كلّ جهة من جهاته الأربع - التي هي وراءه وأمامه ويمينه وشماله - تقابل ربعا من أرباع الدّائرة.
فتبيّن بما قلنا أنّ أقصى ما ينتهي إليه اتّساع الجهة قدر ربع دائرة الأفق. فأيّ جزء من أجزاء دائرة الأفق قصده الواقف بالاستقبال في بلد من البلدان، كانت جهة ذلك الجزء المستقبل ربع دائرة الأفق، وكان الخطّ الخارج من بين عيني الواقف إلى وسط تلك الجهة هو مقابلة العين، ومنتهى الرّبع من جانبيه يمنة ويسرة هو منتهى الجهة التي قد استقبلها.
فما خرج من محاريب بلد من البلدان عن حدّ جهة الكعبة، لا تصحّ الصّلاة لذلك المحراب بوجه من الوجوه. وما وقع في جهة الكعبة، صحّت الصّلاة إليه عند من يرى أنّ الفرض في استقبال الكعبة إصابة جهتها. وما وقع في مقابلة عين الكعبة، فهو الأسدّ الأفضل الأولى عند الجمهور.
وإن أنصفت علمت أنّه مهما وقع الاستقبال في مقابلة جهة الكعبة، فإنّه يكون سديدا. وأقرب منه إلى الصّواب ما وقع قريبا من مقابلة العين يمنة أو يسرة، بخلاف ما وقع بعيدا عن مقابلة العين فإنّه بعيد من الصّواب، ولعلّه هو الذي يجري فيه الخلاف بين علماء الشّريعة، واللّه أعلم.
وحيث تقرّر الحكم الشّرعي بالأدلّة السّمعيّة والبراهين العقلية في هذه المسألة، فاعلم أنّ المحاريب المخالفة لمحاريب الصّحابة، التي بقرافة مصر وبالوجه البحري من ديار مصر، واقعة في
стр. 2521
آخر جهة الكعبة من مصر، وخارجة عن حدّ الجهة. وهي مع ذلك في مقابلة ما بين البجة والنّوبة، لا في مقابلة الكعبة، فإنها منصوبة على موازاة خطّ نصف النهار.
و «محاريب الصّحابة» على موازاة مشرق الشّتاء تجاه مطالع العقرب، مع ميل يسير عنها إلى ناحية الجنوب. فإذا جعلنا مشرق الشّتاء المذكور مقابلة عين الكعبة لأهل مصر، وفرضنا جهة ذلك الجزء ربع دائرة الأفق، صار سمت المحاريب التي هي موازية لخطّ نصف النّهار خارجا عن جهة الكعبة، والذي يستقبلها في الصّلاة يصلّي إلى غير شطر المسجد الحرام. وهو خطر عظيم، فاحذره.
واعلم أنّ صعيد مصر واقع في جنوب مدينة مصر، وقوص واقعة في شرقيّ الصّعيد وفيما بين مهبّ ريح الجنوب والصّبا من ديار مصر. فالمتوجّه من مدينة قوص إلى عيذاب يستقبل مشرق الشّتاء سواء، إلى أن يصل إلى عيذاب، ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحلّ بمكّة، فإذا عاد من مكّة استقبل المغرب.
فاعرف من هذا أنّ مكّة واقعة في النّصف الشّرقيّ من الرّبع الجنوبي بالنسبة إلى أرض مصر.
وهذا هو سمت محاريب الصّحابة التي بديار مصر والإسكندرية، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر.
برهان آخر: وهو أنّ من سار من مكّة يريد مصر على الجادّة، فإنّه يستقبل ما بين القطب الشّمالي - الذي هو الجدي - وبين مغرب الصّيف مدّة يومين وبعض اليوم الثالث، وفي هذه المدّة يكون مهبّ النّكباء - التي بين الشّمال والمغرب - تلقاء وجهه. ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيّام أوسط الشّمال، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه، إلى أن يصل إلى بدر. فإذا سار من بدر إلى المدينة النّبويّة، صار مشرق الصّيف تلقاء وجهه تارة، ومشرق الاعتدال تارة، إلى أن ينتهي إلى المدينة. فإذا رجع من المدينة إلى الصّفراء، استقبل مغرب الشّتاء إلى أن يعدل إلى ينبع، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا، ويكون ينبع من مكّة على حدّ النّكباء التي بين الشّمال ومغرب الصّيف. فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثّريّا - وهو مغرب الصّيف - وهبّت النّكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين. فإذا سار من مدين، استقبل تارة الشّمال وأخرى مغرب الصّيف حتى يدخل أيلة. ومن أيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة، ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشّتاء أخرى، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر. فلو
стр. 2522
فرضنا خطّا خرج من محاريب مصر الصّحيحة التي وضعها الصّحابة، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف، لاتّصل بالكعبة ولصق بها.
واعلم أنّ أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصّعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقيّة وطرابلس المغرب وصقلّيّة والأندلس وسواحل المغرب إلى السّوس الأقصى والبحر المحيط، وما على/ سمت هذه البلاد، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الرّكن الغربي إلى الميزاب.
فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد، فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على صدغه الأيسر، ويكون الجدي على أذنه اليسرى، ومشرق الشّمس تلقاء وجهه، أو ريح الشّمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الدّبور خلف كتفه الأيمن، أو ريح الجنوب التي تهبّ من ناحية الصّعيد على عينه اليمنى، فإنّه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصّحابة الذين أمرنا اللّه باتّباع سبيلهم، ونهانا عن مخالفتهم بقوله :
﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [الآية ١١٥ سورة النساء]. ألهمنا اللّه بمنّه اتّباع طريقهم، وصيّرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم. إنّه على كلّ شيء قدير.
الجامع بالعسكر (¬a)
هذا الجامع ظاهر مصر (¬b)، وهو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد ابن طولون وكوم الجارح بظاهر مدينة مصر، وكان إلى جانب الشّرطة والدّار التي يسكنها أمراء مصر، ومن هذه الدّار إلى الجامع باب، وكان يجمع فيه الجمعة، وفيه منبر ومقصورة (١).
وهذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس (٢)، في ولايته إمارة مصر، ملاصقا لشرطة العسكر - التي كان يقال لها الشّرطة العليا - في سنة تسع وستين ومائة فكانوا يجمعون فيه.
стр. 2523
وكانت ولاية الفضل إمارة مصر، من قبل المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، على الصّلاة والخراج. فدخلها سلخ المحرّم سنة تسع وستين ومائة في عسكر من الجند عظيم أتى بهم من الشّام، ومصر تضطرم لما كان في الحوف، ولخروج دحية بن معصّب (¬a) بن الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان. فقام في ذلك، وجهّز الجنود حتى أسر دحية وضرب عنقه في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وكان يقول: أنا أولى النّاس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية، وقد عجز عنه غيري حتى كفيت أهل مصر أمره. فعزله موسى الهادي لمّا استخلف بعد موت أبيه المهدي بعد ما أقرّه. فندم الفضل على قتل دحية، وأظهر توبة، وسار إلى بغداد. فمات عن خمسين سنة في سنة اثنتين وسبعين ومائة (١).
ولم يزل الجامع بالعسكر إلى أن ولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خزاعة على صلاة مصر وخراجها، من قبل عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون، في ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، فزاد في عمارته، وكان النّاس يصلّون فيه الجمعة قبل بناء جامع أحمد ابن طولون. ولم يزل هذا الجامع إلى ما بعد الخمس مائة من سني الهجرة (٢).
قال ابن المأمون في «تاريخه» من حوادث سنة سبع عشرة وخمس مائة: وكان يطلق في الأربع ليالي الوقود - وهي مستهلّ رجب، ونصفه، ومستهلّ شعبان، ونصفه - برسم الجوامع السّتّة:
الأزهر والأنور والأقمر بالقاهرة، والطّولوني والعتيق بمصر، وجامع القرافة، والمشاهد التي تتضمّن الأعضاء الشّريفة، وبعض المساجد التي يكون لأربابها وجاهة؛ جملة كثيرة من الزّيت الطّيّب، ويختصّ بجامع راشدة وجامع ساحل الغلّة بمصر والجامع بالمقس يسير (٣).
ويعني بجامع ساحل الغلّة جامع العسكر، فإنّ العسكر حينئذ كان قد خرب وحملت أنقاضه، وصار الجامع بساحل مصر، وهو السّاحل القديم المذكور في موضعه من هذا الكتاب (٤).
ذكر العسكر
كان مكان العسكر في صدر الإسلام يعرف بعد الفتح بالحمراء القصوى. وهي كما تقدّم خطّة بني الأزرق، وخطّة بني روبيل،
стр. 2524
وخطّة بني يشكر بن جذيلة من لخم. ثم دثرت هذه الحمراء وصارت صحراء (١).
فلمّا زالت دولة بني أميّة، ودخلت المسوّدة إلى مصر في طلب مروان بن محمد الجعدي في سنة ثلاث وثلاثين ومائة - وهي خراب فضاء يعرف بعضه بجبل يشكر - نزل صالح بن عليّ ابن عبد اللّه بن عبّاس وأبو عون عبد الملك بن يزيد بعسكرهما في هذا الفضاء، وأمر عبد الملك أبو عون أصحابه بالبناء فيه فبنوا، وسمّي من يومئذ بالعسكر (٢).
وصار أمراء مصر إذا قدموا ينزلون فيه من بعد أبي عون، وقال النّاس من عهده: «كنّا بالعسكر»، و «خرجنا إلى العسكر»، و «كتب من (¬a) العسكر». فصارت «مدينة الفسطاط والعسكر»، ونزل الأمراء من عهد أبي عون بالعسكر (٣).
فلمّا ولي يزيد بن حاتم إمارة مصر، وقام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن وطرق المسجد، كتب أبو جعفر المنصور إلى يزيد بن حاتم يأمره أن يتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الدّيوان في كنائس القصر وذلك في سنة ستّ وأربعين ومائة (٤).
إلى أن قدم الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون من العراق، أميرا على مصر، فنزل بالعسكر بدار الإمارة التي بناها صالح بن عليّ بعد هزيمة مروان وقتله، وكان لها باب إلى الجامع الذي بالعسكر.
وكان الأمراء ينزلون بهذه الدّار إلى أن نزلها أحمد بن طولون، ثم/ تحوّل منها إلى القطائع.
وجعلها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، عند إمارته على مصر، ديوانا للخراج. ثم فرّقت حجرا حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر وزوال دولة بني طولون.
وسكن محمد بن سليمان أيضا بدار في العسكر عند المصلّى القديم (٥)، ونزلها الأمراء من بعده إلى أن ولي الإخشيد محمد بن طغج، فنزل بالعسكر أيضا.
стр. 2525
ولمّا بنى أحمد بن طولون القطائع اتّصلت مبانيها بالعسكر، وبنى الجامع على جبل يشكر، فعمر ما هنالك عمارة عظيمة، بحيث كانت هناك دار (¬a)) تعرف بدار الفيل (¬a) على بركة قارون أنفق عليها كافور الإخشيدي مائة ألف دينار وسكنها (¬a)) في سنة ستّ وأربعين وثلاث مائة (¬a)، وكان هناك مارستان أحمد بن طولون (١) أنفق عليه وعلى مستغلّه ستين ألف دينار.
وقدمت عساكر المعزّ لدين اللّه مع كاتبه وغلامه جوهر القائد، في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، والعسكر عامر. غير أنّه منذ بنى أحمد بن طولون القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال «مدينة الفسطاط والقطائع». فلمّا خرّب محمد بن سليمان الكاتب قصر ابن طولون وميدانه - كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب - صارت القطائع فيها المساكن الجليلة حيث كان العسكر (٢).
وأنزل المعزّ لدين اللّه عمّه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الغلاء الكائن بمصر في خلافة المستنصر أعوام بضع وخمسين وأربع مائة. فيقال إنّه كان هنالك ما ينيف على مائة ألف دار (٣)، ولا ينكر ذلك. فانظر ما بين سفح الجبل - حيث القلعة الآن - وبين ساحل مصر القديم الذي يعرف اليوم بالكبارة، وما بين كوم الجارح من مصر وقناطر السّباع، فهناك كانت القطائع والعسكر. ويخصّ العسكر من ذلك ما بين قناطر السّباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسّط فيما بين قنطرة السّدّ وباب المجدم من جهة القرافة فهناك كان العسكر.
ولمّا استولى الخراب في المحنة زمن المستنصر، أمر الوزير النّاصر للدين [الحسن بن عليّ ابن] (¬b) عبد الرّحمن اليازوري ببناء حائط يستر الخراب إذا توجّه الخليفة إلى مصر فيما بين العسكر والقطائع وبين الطّريق، وأمر فبني حائط آخر عند جامع ابن طولون.
فلمّا كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلى باللّه، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحي فنودي مدّة ثلاثة أيّام في القاهرة ومصر بأنّ: