← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

آخر جهة الكعبة من مصر، وخارجة عن حدّ الجهة. وهي مع ذلك في مقابلة ما بين البجة والنّوبة، لا في مقابلة الكعبة، فإنها منصوبة على موازاة خطّ نصف النهار. و «محاريب الصّحابة» على موازاة مشرق الشّتاء تجاه مطالع العقرب، مع ميل يسير عنها إلى ناحية الجنوب. فإذا جعلنا مشرق الشّتاء المذكور مقابلة عين الكعبة لأهل مصر، وفرضنا جهة ذلك الجزء ربع دائرة الأفق، صار سمت المحاريب التي هي موازية لخطّ نصف النّهار خارجا عن جهة الكعبة، والذي يستقبلها في الصّلاة يصلّي إلى غير شطر المسجد الحرام. وهو خطر عظيم، فاحذره. واعلم أنّ صعيد مصر واقع في جنوب مدينة مصر، وقوص واقعة في شرقيّ الصّعيد وفيما بين مهبّ ريح الجنوب والصّبا من ديار مصر. فالمتوجّه من مدينة قوص إلى عيذاب يستقبل مشرق الشّتاء سواء، إلى أن يصل إلى عيذاب، ولا يزال كذلك إذا سار من عيذاب حتى ينتهي في البحر إلى جدّة، فإذا سار من جدّة في البرّ استقبل المشرق كذلك حتى يحلّ بمكّة، فإذا عاد من مكّة استقبل المغرب. فاعرف من هذا أنّ مكّة واقعة في النّصف الشّرقيّ من الرّبع الجنوبي بالنسبة إلى أرض مصر. وهذا هو سمت محاريب الصّحابة التي بديار مصر والإسكندرية، وهو الذي يجب أن يكون سمت جميع محاريب إقليم مصر. برهان آخر: وهو أنّ من سار من مكّة يريد مصر على الجادّة، فإنّه يستقبل ما بين القطب الشّمالي - الذي هو الجدي - وبين مغرب الصّيف مدّة يومين وبعض اليوم الثالث، وفي هذه المدّة يكون مهبّ النّكباء - التي بين الشّمال والمغرب - تلقاء وجهه. ثم يستقبل بعد ذلك في مدّة ثلاثة أيّام أوسط الشّمال، بحيث يبقى الجدي تلقاء وجهه، إلى أن يصل إلى بدر. فإذا سار من بدر إلى المدينة النّبويّة، صار مشرق الصّيف تلقاء وجهه تارة، ومشرق الاعتدال تارة، إلى أن ينتهي إلى المدينة. فإذا رجع من المدينة إلى الصّفراء، استقبل مغرب الشّتاء إلى أن يعدل إلى ينبع، فيصير تارة يسير شمالا وتارة يسير مغربا، ويكون ينبع من مكّة على حدّ النّكباء التي بين الشّمال ومغرب الصّيف. فإذا سار من ينبع استقبل ما بين الجدي ومغرب الثّريّا - وهو مغرب الصّيف - وهبّت النّكباء تلقاء وجهه إلى أن يصل إلى مدين. فإذا سار من مدين، استقبل تارة الشّمال وأخرى مغرب الصّيف حتى يدخل أيلة. ومن أيلة لا يزال يستقبل مغرب الاعتدال تارة، ويميل عنه إلى جهة الجنوب مع استقبال مغرب الشّتاء أخرى، إلى أن يصل إلى القاهرة ومصر. فلو

стр. 2522

فرضنا خطّا خرج من محاريب مصر الصّحيحة التي وضعها الصّحابة، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف، لاتّصل بالكعبة ولصق بها. واعلم أنّ أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصّعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقيّة وطرابلس المغرب وصقلّيّة والأندلس وسواحل المغرب إلى السّوس الأقصى والبحر المحيط، وما على/ سمت هذه البلاد، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الرّكن الغربي إلى الميزاب. فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد، فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر، وإذا طلعت على صدغه الأيسر، ويكون الجدي على أذنه اليسرى، ومشرق الشّمس تلقاء وجهه، أو ريح الشّمال خلف أذنه اليسرى، أو ريح الدّبور خلف كتفه الأيمن، أو ريح الجنوب التي تهبّ من ناحية الصّعيد على عينه اليمنى، فإنّه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصّحابة الذين أمرنا اللّه باتّباع سبيلهم، ونهانا عن مخالفتهم بقوله : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اَلرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ اَلْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [الآية ١١٥ سورة النساء]. ألهمنا اللّه بمنّه اتّباع طريقهم، وصيّرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم. إنّه على كلّ شيء قدير. الجامع بالعسكر (¬a) هذا الجامع ظاهر مصر (¬b)، وهو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد ابن طولون وكوم الجارح بظاهر مدينة مصر، وكان إلى جانب الشّرطة والدّار التي يسكنها أمراء مصر، ومن هذه الدّار إلى الجامع باب، وكان يجمع فيه الجمعة، وفيه منبر ومقصورة (١). وهذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس (٢)، في ولايته إمارة مصر، ملاصقا لشرطة العسكر - التي كان يقال لها الشّرطة العليا - في سنة تسع وستين ومائة فكانوا يجمعون فيه.

стр. 2523

وكانت ولاية الفضل إمارة مصر، من قبل المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور، على الصّلاة والخراج. فدخلها سلخ المحرّم سنة تسع وستين ومائة في عسكر من الجند عظيم أتى بهم من الشّام، ومصر تضطرم لما كان في الحوف، ولخروج دحية بن معصّب (¬a) بن الأصبغ بن عبد العزيز ابن مروان. فقام في ذلك، وجهّز الجنود حتى أسر دحية وضرب عنقه في جمادى الآخرة من السنة المذكورة. وكان يقول: أنا أولى النّاس بولاية مصر لقيامي في أمر دحية، وقد عجز عنه غيري حتى كفيت أهل مصر أمره. فعزله موسى الهادي لمّا استخلف بعد موت أبيه المهدي بعد ما أقرّه. فندم الفضل على قتل دحية، وأظهر توبة، وسار إلى بغداد. فمات عن خمسين سنة في سنة اثنتين وسبعين ومائة (١). ولم يزل الجامع بالعسكر إلى أن ولي عبد اللّه بن طاهر بن الحسين بن مصعب مولى خزاعة على صلاة مصر وخراجها، من قبل عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون، في ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة ومائتين، فزاد في عمارته، وكان النّاس يصلّون فيه الجمعة قبل بناء جامع أحمد ابن طولون. ولم يزل هذا الجامع إلى ما بعد الخمس مائة من سني الهجرة (٢). قال ابن المأمون في «تاريخه» من حوادث سنة سبع عشرة وخمس مائة: وكان يطلق في الأربع ليالي الوقود - وهي مستهلّ رجب، ونصفه، ومستهلّ شعبان، ونصفه - برسم الجوامع السّتّة: الأزهر والأنور والأقمر بالقاهرة، والطّولوني والعتيق بمصر، وجامع القرافة، والمشاهد التي تتضمّن الأعضاء الشّريفة، وبعض المساجد التي يكون لأربابها وجاهة؛ جملة كثيرة من الزّيت الطّيّب، ويختصّ بجامع راشدة وجامع ساحل الغلّة بمصر والجامع بالمقس يسير (٣). ويعني بجامع ساحل الغلّة جامع العسكر، فإنّ العسكر حينئذ كان قد خرب وحملت أنقاضه، وصار الجامع بساحل مصر، وهو السّاحل القديم المذكور في موضعه من هذا الكتاب (٤). ذكر العسكر كان مكان العسكر في صدر الإسلام يعرف بعد الفتح بالحمراء القصوى. وهي كما تقدّم خطّة بني الأزرق، وخطّة بني روبيل،

стр. 2524

وخطّة بني يشكر بن جذيلة من لخم. ثم دثرت هذه الحمراء وصارت صحراء (١). فلمّا زالت دولة بني أميّة، ودخلت المسوّدة إلى مصر في طلب مروان بن محمد الجعدي في سنة ثلاث وثلاثين ومائة - وهي خراب فضاء يعرف بعضه بجبل يشكر - نزل صالح بن عليّ ابن عبد اللّه بن عبّاس وأبو عون عبد الملك بن يزيد بعسكرهما في هذا الفضاء، وأمر عبد الملك أبو عون أصحابه بالبناء فيه فبنوا، وسمّي من يومئذ بالعسكر (٢). وصار أمراء مصر إذا قدموا ينزلون فيه من بعد أبي عون، وقال النّاس من عهده: «كنّا بالعسكر»، و «خرجنا إلى العسكر»، و «كتب من (¬a) العسكر». فصارت «مدينة الفسطاط والعسكر»، ونزل الأمراء من عهد أبي عون بالعسكر (٣). فلمّا ولي يزيد بن حاتم إمارة مصر، وقام عليّ بن محمد بن عبد اللّه بن حسن وطرق المسجد، كتب أبو جعفر المنصور إلى يزيد بن حاتم يأمره أن يتحوّل من العسكر إلى الفسطاط، وأن يجعل الدّيوان في كنائس القصر وذلك في سنة ستّ وأربعين ومائة (٤). إلى أن قدم الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون من العراق، أميرا على مصر، فنزل بالعسكر بدار الإمارة التي بناها صالح بن عليّ بعد هزيمة مروان وقتله، وكان لها باب إلى الجامع الذي بالعسكر. وكان الأمراء ينزلون بهذه الدّار إلى أن نزلها أحمد بن طولون، ثم/ تحوّل منها إلى القطائع. وجعلها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، عند إمارته على مصر، ديوانا للخراج. ثم فرّقت حجرا حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر وزوال دولة بني طولون. وسكن محمد بن سليمان أيضا بدار في العسكر عند المصلّى القديم (٥)، ونزلها الأمراء من بعده إلى أن ولي الإخشيد محمد بن طغج، فنزل بالعسكر أيضا.

стр. 2525

ولمّا بنى أحمد بن طولون القطائع اتّصلت مبانيها بالعسكر، وبنى الجامع على جبل يشكر، فعمر ما هنالك عمارة عظيمة، بحيث كانت هناك دار (¬a)) تعرف بدار الفيل (¬a) على بركة قارون أنفق عليها كافور الإخشيدي مائة ألف دينار وسكنها (¬a)) في سنة ستّ وأربعين وثلاث مائة (¬a)، وكان هناك مارستان أحمد بن طولون (١) أنفق عليه وعلى مستغلّه ستين ألف دينار. وقدمت عساكر المعزّ لدين اللّه مع كاتبه وغلامه جوهر القائد، في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، والعسكر عامر. غير أنّه منذ بنى أحمد بن طولون القطائع هجر اسم العسكر، وصار يقال «مدينة الفسطاط والقطائع». فلمّا خرّب محمد بن سليمان الكاتب قصر ابن طولون وميدانه - كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب - صارت القطائع فيها المساكن الجليلة حيث كان العسكر (٢). وأنزل المعزّ لدين اللّه عمّه أبا عليّ في دار الإمارة، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الغلاء الكائن بمصر في خلافة المستنصر أعوام بضع وخمسين وأربع مائة. فيقال إنّه كان هنالك ما ينيف على مائة ألف دار (٣)، ولا ينكر ذلك. فانظر ما بين سفح الجبل - حيث القلعة الآن - وبين ساحل مصر القديم الذي يعرف اليوم بالكبارة، وما بين كوم الجارح من مصر وقناطر السّباع، فهناك كانت القطائع والعسكر. ويخصّ العسكر من ذلك ما بين قناطر السّباع وحدرة ابن قميحة إلى كوم الجارح، حيث الفضاء الذي يتوسّط فيما بين قنطرة السّدّ وباب المجدم من جهة القرافة فهناك كان العسكر. ولمّا استولى الخراب في المحنة زمن المستنصر، أمر الوزير النّاصر للدين [الحسن بن عليّ ابن] (¬b) عبد الرّحمن اليازوري ببناء حائط يستر الخراب إذا توجّه الخليفة إلى مصر فيما بين العسكر والقطائع وبين الطّريق، وأمر فبني حائط آخر عند جامع ابن طولون. فلمّا كان في خلافة الآمر بأحكام اللّه أبي عليّ منصور بن المستعلى باللّه، أمر وزيره أبو عبد اللّه محمد بن فاتك المنعوت بالمأمون البطائحي فنودي مدّة ثلاثة أيّام في القاهرة ومصر بأنّ:

стр. 2526

من كان له دار في الخراب أو مكان يعمره، ومن عجز عن عمارته يبيعه أو يؤجّره من غير نقل شيء من أنقاضه، ومن تأخّر بعد ذلك فلا حقّ له ولا حكر يلزمه. وأباح تعمير جميع ذلك بغير طلب حقّ. فعمّر النّاس ما كان منه ممّا يلي القاهرة، من حيث مشهد السّيّدة نفيسة إلى ظاهر باب زويلة، ونقلت أنقاض العسكر، فصار الفضاء الذي يتوصّل إليه من مشهد السّيّدة نفيسة ومن الجامع الطّولوني ومن قنطرة السّدّ، ويسلك فيه إلى حيث كوم الجارح. والعامر الآن من العسكر جبل يشكر الذي فيه جامع ابن طولون، وما حوله إلى قناطر السّباع (١)، كما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى. جامع ابن طولون [أثر رقم ٢٢٠] هذا الجامع على جبل يقال له جبل يشكر فيما بين القاهرة ومصر (¬a)، قال ابن عبد الظّاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدّعاء، وقيل إنّ موسى ﵇ ناجى ربّه عليه بكلمات (٢). وابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون، بعد بناء القطائع، في سنة ثلاث وستين ومائتين (٣). قال جامع «السّيرة الطّولونية»: كان أحمد بن طولون يصلّي الجمعة في المسجد

стр. 2527

القديم (١) الملاصق للشّرطة، فلمّا ضاق عنه (¬a) بنى الجامع الجديد ممّا أفاء اللّه عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنّور فرعون، ومنه بنى العين. فلمّا أراد بناء الجامع قدّر له ثلاث مائة عمود، فقيل له ما تجدها، أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف والضّياع الخراب فتحمل ذلك. فأنكر ذلك ولم يختاره، وتعذّب قلبه بالفكر في أمره.

стр. 2528

وبلغ النّصرانيّ الذي تولّى له بناء العين - وكان قد غضب عليه وضربه ورماه في المطبق - الخبر. فكتب إليه يقول: أنا أبنيه لك كما تحبّ وتختار بلا عمد إلاّ عمودي القبلة. فأحضره، وقد طال شعره حتى نزل على وجهه، فقال له: ويحك، ما تقول في بناء الجامع! فقال: أنا أصوّره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمد إلاّ عمودي القبلة (١). فأمر بأن تحضر له الجلود، فأحضرت، وصوّره له، فأعجبه واستحسنه، وأطلقه وخلع عليه، وأطلق له للنّفقة عليه مائة ألف دينار، فقال له: أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك. فوضع النّصرانيّ يده في البناء في الموضع الذي هو فيه، وهو جبل يشكر، فكان ينشر منه ويعمل الجير، ويبني إلى أن فرغ من جميعه، وبيّضه وخلّقه، وفرش فيه الحصر، وعلّق فيه القناديل بالسّلاسل الحسان الطّوال، وحمل إليه صناديق المصاحف، وقفل (¬a) إليه القرّاء والفقهاء، وصلّى فيه بكّار بن قتيبة القاضي، وعمل الرّبيع بن سليمان بابا فيما روى عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من بنى للّه مسجدا، ولو كمثل مفحص (¬b) قطاة، بنى اللّه له بيتا في الجنّة». فلمّا كان في أوّل جمعة صلاّها أحمد بن طولون فيه، وفرغت الصّلاة،/ جلس محمد ابن الرّبيع خارج المقصورة، وقام المستملي وفتح باب المقصورة، وجلس أحمد بن طولون ولم ينصرف، والغلمان قيام وسائر الحجّاب، حتى فرغ المجلس. فلمّا فرغ المجلس، خرج إليه غلام بكيس فيه ألف دينار، وقال: يقول لك الأمير: نفعك اللّه بما علّمك، وهذه لأبي طاهر، يعني ابنه. وتصدّق أحمد بن طولون بصدقات عظيمة فيه، وعمل طعاما عظيما للفقراء والمساكين؛ وكان يوما عظيما حسنا. وراح أحمد بن طولون، ونزل في الدّار التي عملها فيه للإمارة - وقد فرشت وعلّقت، وحملت إليها الآلات والأواني وصناديق الأشربة وما شاكلها - فنزل بها أحمد وجدّد طهره وغيّر ثيابه، وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا للّه تعالى على ما أعانه عليه من ذلك ويسّره له. فلمّا أراد الانصراف، خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوّارة، وخرج إلى باب الرّيح. فصعد النّصرانيّ الذي بنى الجامع المنارة (¬c)، ووقف إلى جانب المركب النّحاس وصاح:

стр. 2529

يا أحمد بن طولون يا أمير الأمان، عبدك يريد الجائزة، ويسأل الأمان ألاّ يجري عليه مثل ما جرى في المرّة الأولى. فقال له أحمد بن طولون: انزل فقد أمّنك اللّه، ولك الجائزة. فنزل وخلع عليه، وأمر له بعشرة آلاف دينار، وأجرى عليه الرّزق الواسع إلى أن مات (١). وراح أحمد بن طولون في يوم الجمعة إلى الجامع، فلمّا رقي الخطيب المنبر وخطب أبو يعقوب البلخي، دعا للمعتمد ولولده وأنسي أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن المنبر. (¬a)) قال نسيم الخادم: فأشار إليّ أحمد (¬a) أن اضربه خمس مائة سوط؛ فذكر الخطيب سهوه، وهو على مراقي المنبر، فعاد وقال: الحمد للّه وصلّى اللّه على محمد، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [الآية ١١٥ سورة طه]، اللّهمّ وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين، وزاد في الشّكر والدّعاء له بقدر الخطبة، ثم نزل. (¬b)) قال نسيم: فنظر إليّ مولاي (¬b) أن اجعلها دنانير. ووقف الخطيب على ما كان منه، فحمد اللّه على سلامته، وهنّأه النّاس بالسّلامة. (¬c)) قال: كان أحمد بن طولون في الجامع إذا رأى الصّنّاع عند العشاء يبنون (¬c) - وكان شهر رمضان - قال: متى يشتري هؤلاء الضّعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم؟ اصرفوهم العصر، فصارت سنّة إلى اليوم بمصر. فلمّا فرغ شهر رمضان قيل له: قد انقضى شهر رمضان، فيعودون إلى رسمهم. فقال: قد بلغني دعاؤهم وقد تبرّكت به، وليس هذا ممّا يوفّر العمل علينا. وفرغ منه في شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين (٢)، وتقرّب النّاس إلى ابن طولون بالصّلاة فيه، وألزم أولاده (¬d) كلّهم صلاة الجمعة في فوّارة الجامع، ثم يخرجون بعد الصّلاة إلى مجلس الرّبيع بن سليمان ليكتبوا العلم، مع كلّ واحد منهم ورّاق وعدّة غلمان. وبلغت النّفقة على هذا الجامع في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.

стр. 2530

_________ = ونصّه: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم - الآيات ١٨ سورة التوبة، و ١٠٦ سورة آل عمران، و ٢٩٥ سورة الفتح، و ٢٥٦ سورة البقرة - أمر الأمير أبو العبّاس أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين أدام اللّه له العزّ والكرامة والنّعمة التّامّة في الآخرة والأولى، ببناء هذا المسجد المبارك الميمون من خالص ما أفاء اللّه عليه وطيّبه لجماعة المسلمين ابتغاء رضوان اللّه والدّار الآخرة وإيثار [ا] لما فيه تسنية الدّين وألفة المؤمنين، ورغبة في عمارة بيوت اللّه وأداء فرضه وتلاوة كتابه ومداومة ذكره، إذ يقول اللّه تقدّس وتعالى - الآيات ٣٦ - ٣٨ سورة النور - في شهر رمضان من سنة خمس وستين ومائتين - الآيات ١٨٠ - ١٨٢ سورة الصّافات. اللّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كأفضل ما صلّيت وترحّمت وباركت على إبراهيم … وعلى آل إبراهيم وأنعم، إنّك حميد مجيد». كان أوّل من نشر هذه الكتابة ج. مارسيل في كتاب «وصف مصر» Marcel، J.J.، «Inscriptions، Monnaies et medailles»، Description de i'Egypte، Etat؛ moderne planches t.II (Paris ١٨١٧)، pI.ft g وانظر كذلك van Berhem، M.، CIA Egypte I، n ٠١٠; Salmon، G.، Etudes sur la topographie du Caire، p. ٢٢؛ محمود عكوش: تاريخ ووصف الجامع الطولوني ٢٢ - ٢٤؛ Wiet، G.، CIA Egypte II، pp. ٧٣ - ٨١; id.، RCEA II، n ٠٦٨٢؛ حسن عبد الوهاب: تاريخ المساجد الأثرية ٤٠: ١ - ٤١؛ Grohmann، A.، «Die Bauinschrift der Moschee des Ahmad Ibn Tulun (٢٦٥/ ٨٧٩)»، in Studies in Islamic Arts and Architecture in Honour of Professor K.A.C. Creswell، Cairo AUC ١٩٦٥، pp. ٨٤، ٩٤.

стр. 2531

ويقال إنّ أحمد بن طولون رأى في منامه كأنّ اللّه تعالى قد تجلّى ووقع نوره على المدينة التي حول الجامع، إلاّ الجامع فإنّه لم يقع عليه من النّور شيء. فتألّم وقال: واللّه ما بنيته إلاّ للّه خالصا ومن المال الحلال الذي لا شبهة فيه (١). فقال له معبّر حاذق: هذا الجامع يبقى ويخرب كلّ ما حوله، لأنّ اللّه تعالى قال: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الآية ١٤٣ سورة الأعراف]، فكلّ شيء يقع عليه جلال اللّه لا يثبت. وقد صحّ تعبير هذه الرّؤيا (¬a)، فإنّ جميع ما حول الجامع خرب دهرا طويلا - كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب - وبقي الجامع عامرا، ثم عادت العمارة لما حوله كما هي الآن. وقال القضاعي: وذكر أنّ السّبب في بنائه أنّ أهل مصر شكوا إليه ضيق الجامع يوم الجمعة بجنده وسودانه، فأمر بإنشاء المسجد الجامع بجبل يشكر بن جذيلة من لخم. فابتدأ بنيانه في سنة ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه سنة خمس وستين ومائتين (¬b)؛ (¬c)) وقيل إنّه بناه في صفر سنة تسع وخمسين (¬c) (٢)! وقيل إنّ أحمد بن طولون قال: أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي، وإن غرقت بقي. فقيل له: يبنى بالجير والرّماد والآجرّ الأحمر القوي النّار إلى السّقف، ولا يجعل فيه أساطين رخام، فإنّه لا صبر لها على النّار. فبناه هذا البناء وعمل في مؤخّره ميضأة، وخزانة شراب فيها جميع الشّرابات والأدوية وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث للحاضرين للصّلاة. وبناه على بناء جامع سامرّا، وكذلك المنارة، وعلّق فيه سلاسل النّحاس المفرّغة والقناديل المحكمة، وفرشه بالحصر العبدانية والسّامانية (٣). حديث الكنز قال جامع «السّيرة»: لمّا ورد على أحمد بن طولون كتاب المعتمد بما استدعاه من ردّ الخراج بمصر إليه، وزاده المعتمد - مع ما طلب - الثّغور الشّاميّة، رغب بنفسه عن أدناس المعاون (¬d) ومرافقها، فأمر بتركها وكتب بإسقاطها في سائر

стр. 2532

الأعمال، ومنع المتقبّلين من الفسخ على المزارعين، وحظر (¬a) الارتفاق على العمّال. وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد اللّه بن دشّومة (١) في ذلك - وهو يومئذ أمين على أبي أيّوب متولّي الخراج - فقال: إن أمّنني الأمير تكلّمت بما عندي. فقال له: قد أمّنك اللّه . فقال: أيّها الأمير إنّ الدّنيا والآخرة ضرّتان، والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرّط من خلط بينهما فتتلف أعماله ويبطل سعيه. وأفعال الأمير - أيّده اللّه - الخير، وتوكّله توكّل الزّهّاد، وليس مثله/ من ركب خطّة لم يحكمها. ولو كنّا نثق بالنّصر دائما طول العمر لما كان شيء عندنا آثر من التّضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الإنسان قصير العمر كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات. وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع، ولعلّ الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي من بعده، فيعود ذلك توسعة لغيره بما حرمه هو. ويجتمع للأمير - أيّده اللّه - بما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السّنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار، وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبّلين في هذه السّنة، لأنّها سنة ظمأ توجب الفسخ، زاد مال البلد، وتوفّر توفّرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فيضبط به الأمير - أيّده اللّه - أمر دنياه. وهذه طريقة أمور الدّنيا وإحكام أمور الرّئاسة والسّياسة، وكلّ ما عدل الأمير - أيّده اللّه - إليه من أمر غير هذا فهو مفسد لدنياه. وهذا رأيي، والأمير - أيّده اللّه - على ما عساه يراه. فقال له: ننظر في هذا إن شاء اللّه. وشغل قلبه كلامه، فبات تلك الليلة بعد أن مضى أكثر اللّيل يفكّر في كلام ابن دشّومة، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزّهّاد بطرسوس وهو يقول له: بئس (¬b) ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته فلا تقبله، ومن ترك شيئا للّه عوّضه اللّه عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه (٢). فلمّا أصبح أنفذ الكتب إلى سائر الأعمال بذلك، وتقدّم به في سائر الدّواوين بإمضائه، ودعا بابن دشّومة فعرّفه بذلك. فقال له: قد أشار عليك رجلان، الواحد في اليقظة والآخر ميّت في

стр. 2533

النّوم، وأنت إلى الحيّ أقرب وبضمانه أوثق. فقال: دعنا من هذا، فلست أقبل منك! وركب في غد ذلك اليوم إلى نحو الصّعيد. فلما أمعن في الصّحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه - وهو رمل - فسقط الغلام في الرّمل، فإذا بفتق، ففتح فأصيب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار، وهو المطلب (¬a) الذي شاع خبره. وكتب به إلى العراق أحمد بن طولون يخبر المعتمد به، ويستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البرّ وغيرها، فبنى منه المارستان. ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما، فبنى منه الجامع، ووقف جميع ما بقي من المال في الصّدقات. وكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى كثرة. ولمّا انصرف من الصّحراء، وحمل المال، أحضر ابن دشّومة وأراه المال، وقال له: بئس الصّاحب والمستشار أنت! هذا أوّل بركة مشورة الميّت في النّوم، ولولا أنّني أمّنتك لضربت عنقك. وتغيّر عليه وسقط محلّه عنده. ورفع إليه بعد ذلك أنّه قد أجحف بالنّاس، وألزمهم أشياء ضجّوا منها. فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه، فمات في حبسه (١). وكان ابن دشّومة واسع الحيلة بخيل الكفّ، زاهدا في شكر الشّاكرين، لا يهشّ إلى شيء من أعمال البرّ. وكان أحمد بن طولون من أهل القرآن، إذا جرت منه إساءة استغفر وتضرّع (٢). وقال ابن عبد الظّاهر: سمعت غير واحد يقول: إنّه لمّا فرغ أحمد بن طولون من بناء هذا الجامع، أسرّ للنّاس بسماع ما يقوله النّاس فيه من العيوب. فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليست له ميضأة. فجمع النّاس وقال: أمّا المحراب فإنّي رأيت رسول اللّه ﷺ وقد خطّه لي، فأصبحت فرأيت النّمل قد أطافت بالمكان الذي خطّه لي (٣). وأمّا العمد فإنّي بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إمّا أن تكون من مسجد أو كنيسة فنزّهته عنها. وأمّا الميضأة فإنّي نظرت

стр. 2534

فوجدت ما يكون بها من النّجاسات فطهّرته منها، وها أنا أبنيها خلفه. ثم أمر ببنائها (١). وقيل: إنّه لمّا فرغ من بنائه رأى في منامه كأنّ نارا نزلت من السّماء فأخذت الجامع دون ما حوله. فلمّا أصبح قصّ رؤياه فقيل له: أبشر بقبول الجامع، لأنّ النّار كانت في الزّمان الماضي إذا قبل اللّه قربانا نزلت نار من السّماء أخذته، ودليله قصّة قابيل وهابيل. قال: ورأيت من يقول إنّه عمل به منطقة من عنبر طائفة (¬a) بجميعه. ولم أر مصنّفا ذكره، إلاّ أنّه مستفاض من الأفواه والنّقلة (٢). وسمعت من يقول: إنّ حوله عمّر حتى كانت خلفه مسطبة ذراع في ذراع: أجرتها في كلّ يوم اثنا عشر درهما في بكرة النّهار لشخص يبيع الغزل ويشتريه، والظّهر لخبّاز، والعصر لشخص (¬b) يبيع الحمّص والفول (٣). وقيل عن أحمد بن طولون: إنّه كان لا يعبث بشيء قطّ، فاتّفق أنّه أخذ درجا أبيض بيده وأخرجه ومدّه، واستيقظ لنفسه وعلم أنّه قد فطن به، وأخذ عليه لكونه لم تكن تلك عادته. فطلب المعمار على الجامع، وقال: تبنى المنارة التي للتأذين هكذا؛ فبنيت على تلك الصّورة (٤). والعامّة يقولون: إنّ العشاريّ الذي على المنارة المذكورة يدور مع الشّمس. وليس صحيحا، وإنّما يدور مع دوران الرّياح. وكان الملك الكامل قد اعتنى بوقودها ليلة النّصف من شعبان ثم أبطلها (٥).

стр. 2535

وقال المسبّحيّ: إنّ الحاكم أنزل إلى جامع ابن طولون ثمان مائة مصحف وأربعة عشر مصحفا. وفي سنة ستّ وسبعين وثلاث مائة، في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى، احترقت الفوّارة التي كانت بجامع ابن طولون فلم يبق منها شيء. وكانت في وسط صحنه قبّة مشبّكة من جميع جوانبها وهي مذهّبة، على عشر عمد رخام،/ وستة عشر عمود رخام في جوانبها، مفروشة كلّها بالرّخام. وتحت القبّة قصعة رخام فسحتها أربعة أذرع، في وسطها فوّارة تفور بالماء، وفي وسطها قبّة مزوّقة يؤذّن فيها وفي أخرى على سلّمها، وفي السّطح علامات الزّوال، والسّطح بدرابزين ساج فاحترق جميع هذا في ساعة واحدة. وفي المحرّم سنة خمس وثمانين وثلاث مائة، أمر العزيز باللّه بن المعزّ ببناء فوّارة عوضا عن التي احترقت. فعمل ذلك على يد راشد الحنفي، وتولّى عمارتها ابن الرّوميّة وابن البنّاء. وماتت أمّ العزيز في سلخ ذي القعدة من السّنة. واللّه أعلم. تجديد الجامع وكان من خبر جامع ابن طولون أنّه لمّا كان غلاء مصر في زمان المستنصر، وخربت القطائع والعسكر، عدم السّاكن هناك، وصار ما حول الجامع خرابا (١). وتوالت الأيّام على ذلك، وتشعّث الجامع، وخرب أكثره، وصار أخيرا ينزل فيه المغاربة بأباعرها ومتاعها عند ما تمرّ بمصر أيّام الحجّ (٢).

стр. 2536

فهيّأ اللّه ﷻ لعمارة هذا الجامع أن كان بين الملك الأشرف خليل بن قلاوون وبين الأمير بيدرا (¬a) أمور موحشة تزايدت وتأكّدت. إلى أن جمع بيدرا (¬a) من يثق به، وقتل الأشرف بناحية ترّوجة في سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة - كما سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى عند ذكر مدرسته - وكان ممّن وافق الأمير بيدرا على قتل الأشرف الأمير حسام الدّين لاجين المنصوري والأمير قراسنقر. فلمّا قتل بيدرا (¬a) في محاربة مماليك الأشرف له، فرّ لاجين وقراسنقر من المعركة، فاختفى لاجين بالجامع الطّولوني وقراسنقر في داره بالقاهرة. وصار لاجين يتردّد بمفرده من غير أحد معه في الجامع - وهو حينئذ خراب لا ساكن فيه - وأعطى اللّه عهدا إن سلّمه اللّه من هذه المحنة ومكّنه من الأرض، أن يجدّد عمارة هذا الجامع ويجعل له ما يقوم به. ثم إنّه خرج منه في خفية إلى القرافة، فأقام بها مدّة وراسل قراسنقر، فتحيّل في لحاقه به؛ وعملا أعمالا إلى أن اجتمعا بالأمير زين الدّين كتبغا المنصوري - وهو إذ ذاك نائب السّلطنة في أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، والقائم بأمور الدّولة كلّها - فأحضرهما إلى مجلس السّلطان بقلعة الجبل، بعد أن أتقن أمرهما مع الأمراء ومماليك السّلطان، فخلع عليهما، وصار كلّ منهما إلى داره وهو آمن. فلم تطل أيّام الملك النّاصر في هذه الولاية حتى خلعه الأمير كتبغا، وجلس على تخت الملك، وتلقّب بالملك العادل، فجعل لاجين نائب السّلطنة بديار مصر. وجرت أمور اقتضت قيام لاجين على كتبغا وهم بطريق الشّام، ففرّ كتبغا إلى دمشق، واستولى لاجين على دست المملكة، وصار إلى مصر وجلس على سرير الملك بقلعة الجبل، وتلقّب بالملك المنصور في المحرّم من سنة ستّ وتسعين وستّ مائة. فأقام قراسنقر في نيابة السّلطنة بديار مصر، وأخرج النّاصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل إلى كرك الشّوبك فجعله في قلعتها. وأعانه أهل الشّام على كتبغا حتى قبض عليه، وجعله نائب حماة، فأقام بها مدّة سنين بعد سلطنة مصر والشّام. وخلع على الأمير علم الدّين سنجر الدّواداري، وأقامه في نيابة دار العدل، وجعل إليه شراء الأوقاف على الجامع الطّولوني، وصرف إليه كلّ ما يحتاج إليه في العمارة، وأكّد عليه في ألاّ يسخّر فيه فاعلا ولا صانعا، وألاّ يقيم مستحثّا للصّنّاع، ولا يشتري لعمارته شيئا ممّا يحتاج إليه

стр. 2537

من سائر الأصناف إلاّ بالقيمة التّامّة، وأن يكون ما ينفق على ذلك من ماله. وأشهد عليه بوكالته. فابتاع منية أندونة من أراضي الجيزة - وعرفت هذه القرية بأندونة كاتب بمصر كان نصرانيّا في زمن أحمد بن طولون، وممّن نكبه وأخذ منه خمسين ألف دينار (١) - واشترى أيضا ساحة بجوار جامع أحمد بن طولون - ممّا كان في القديم عامرا ثم خرب - وحكرها. وعمّر الجامع، وأزال كلّ ما كان فيه من تخريب، وبلّطه وبيّضه ورتّب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة التي عمل أهل مصر عليها الآن، ودرسا يلقى فيه تفسير القرآن الكريم، ودرسا لحديث النّبيّ ﷺ ، ودرسا للطّبّ. وقرّر للخطيب معلوما، وجعل له إماما راتبا ومؤذّنين وفرّاشين وقومة، وعمل بجواره مكتبا لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه ، وغير ذلك من أنواع القربات ووجوه البرّ. فبلغت النّفقة على عمارة الجامع وثمن مستغلاّته عشرين ألف دينار (٢). فلمّا شاء اللّه سبحانه أن يهلك لاجين، زيّن له سوء عمله عزل الأمير قراسنقر من نيابة السّلطنة، فعزله، وولّى مملوكه منكوتمر - وكان عسوفا عجولا حادّا، ولاجين مع ذلك يركن إليه، ويعوّل في جميع أموره عليه، ولا يخالف قوله ولا ينقض فعله - فشرع منكوتمر في تأخير

стр. 2538

أمراء الدّولة من الصّالحية والمنصورية، وأعجل في إظهار التّهجّم لهم، والإعلان بما يريده من القبض عليهم وإقامة أمراء غيرهم. فتوحّشت القلوب منه، وتمالأت على بغضه، ومشى القوم بعضهم إلى بعض، وكاتبوا إخوانهم من أهل البلاد الشّامية حتى تمّ لهم ما يريدون. فواعد جماعة منهم إخوانهم على قتل السّلطان لاجين ونائبه منكوتمر، فما هو إلاّ أن صلّى السّلطان العشاء الآخرة من ليلة الجمعة العاشر من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستّ مائة، وإذا بالأمير كرجي - وكان ممّن هو قائم/ بين يده - تقدّم ليصلح الشّمعة، فضربه بسيف قد أخفاه معه أطار به زنده، وانقضّ عليه البقيّة ممّن واعدوهم بالسّيوف والخناجر، فقطّعوه قطعا وهو يقول: اللّه اللّه. وخرجوا من فورهم إلى باب القلّة من قلعة الجبل، فإذا بالأمير طغج قد جلس في انتظارهم ومعه عدّة من الأمراء - وكانوا إذ ذاك يبيتون بالقلعة دائما - فأمروا بإحضار منكوتمر من دار النّيابة بالقلعة، وقتلوه بعد مضيّ نصف ساعة من قتل أستاذه الملك المنصور حسام الدّين لاجين المنصوري، ﵀، فلقد كان مشكور السّيرة (١). وفي سنة سبع وستين وسبع مائة جدّد الأمير يلبغا العمري الخاصّكي درسا بجامع ابن طولون فيه سبعة مدرّسين للحنفيّة، وقرّر لكلّ فقيه من الطّلبة في الشهر أربعين درهما وأردبّ قمح. فانتقل جماعة من الشّافعيّة إلى مذهب الحنفيّة. وأوّل من ولي نظره بعد تجديده الأمير علم الدّين سنجر الجاولي، وهو إذ ذاك دوادار السّلطان الملك المنصور لاجين. ثم ولي نظره قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة، ثم من بعده الأمير مجليس في الأيّام النّاصرية (¬b) محمد بن قلاوون، فجدّد في أوقافه طاحونا وفرنا وحوانيت، فلمّا مات وليه قاضي القضاة عزّ الدّين بن جماعة، ثم ولاّه النّاصر للقاضي كريم الدّين الكبير، فجدّد فيه مئذنتين؛ فلمّا نكبه السّلطان عاد نظره إلى قاضي القضاة الشّافعي. وما برح إلى أيّام النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون، فولاّه للأمير صرغتمش، وتوفّر في مدّة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضّة، وقبض عليه وهي حاصلة. فباشره قاضي القضاة إلى أيّام الأشرف شعبان ابن حسين، ففوّض نظره إلى الأمير ألجاي اليوسفي إلى أن غرق. a بولاق: مكين.

стр. 2539

فتحدّث فيه قاضي القضاة الشّافعيّ، إلى أن فوّض الملك الظّاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلوبغا الصّفوي (١) في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة. وكان الأمير منطاش في (¬a) مدّة تحكّمه في الدّولة فوّضه إلى المذكور في أواخر شوّال سنة إحدى وتسعين وسبع مائة. ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصّفوي، وهو بأيديهم إلى اليوم. وفي سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة، جدّد الرّواق البحري الملاصق للمئذنة الحاج عبيد ابن محمد بن عبد الهادي الهويدي البازدار مقدّم الدّولة، وجدّد ميضأة بجانب الميضأة القديمة (٢). وكان عبيد هذا بازدارا، ثم ترقّى حتى صار مقدّم الدّولة في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة، ثم ترك زيّ المقدّمين وتزيّا بزيّ الأمراء، وحاز نعمة جليلة وسعادة طائلة، حتى مات يوم السبت رابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وسبع مائة (٣). ذكر دار الإمارة وكان بجوار الجامع الطّولوني دار (٤) أنشأها الأمير أحمد ابن طولون عند ما بنى الجامع، وجعلها في الجهة القبليّة، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر، وجعل في هذه الدّار جميع ما يحتاج إليه من الفرش والسّتور والآلات. فكان ينزل بها إذا راح إلى صلاة الجمعة، فإنّها كانت تجاه القصر والميدان، فيجلس فيها ويجدّد وضوءه ويغيّر ثيابه، وكان يقال لها: «دار الإمارة». وموضعها الآن سوق الجامع، حيث البزّازين وغيرهم. ولم تزل هذه الدّار باقية إلى أن قدم الإمام المعزّ لدين اللّه أبو تميم معدّ من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج.

стр. 2540

قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق في كتاب «سيرة المعزّ»: ولستّ عشرة بقيت من المحرّم - يعني من سنة ثلاث وستين وثلاث مائة - قلّد المعزّ لدين اللّه الخراج وجميع وجوه الأعمال والحسبة والسّواحل والأعشار والجوالي والأحباس والمواريث والشّرطتين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك وما يطرأ في مصر وسائر الأعمال، أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلّس وعسلوج ابن الحسن، وكتب لهما سجلاّ بذلك قرئ يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون، وجلسا غد هذا اليوم في دار الإمارة في جامع أحمد بن طولون للنّداء على الضّياع وسائر وجوه الأعمال (١). ثم خربت هذه الدّار فيما خرب من القطائع والعسكر، وصار موضعها ساحة إلى أن حكرها الدّويداري عند تجديد عمارة الجامع كما تقدّم. وقد تقدّم (¬a) ذكر بناء القيساريّة في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر الأسواق (٢). ذكر الأذان بمصر وما كان فيه من الاختلاف (٣). اعلم أنّ أوّل من أذّن لرسول اللّه ﷺ بلال بن رباح، مولى أبي بكر الصّدّيق ﵄ بالمدينة الشّريفة وفي الأسفار. وكان ابن أمّ مكتوم - واسمه عمرو بن قيس بن شريح، من بني عامر بن لؤي، وقيل اسمه عبد اللّه وأمّه أمّ مكتوم، واسمها عاتكة بنت عبد اللّه بن عنكثة من بني مخزوم - ربما أذّن بالمدينة. وأذّن أبو محذورة، واسمه أوس - وقيل سمرة - ابن معير بن لوذان بن ربيعة بن معير بن عريج ابن سعد بن جمح. وكان استأذن رسول اللّه ﷺ في أن يؤذّن مع بلال، فأذن له، وكان يؤذّن في المسجد الحرام، وأقام بمكّة ومات بها، ولم يأت المدينة. وقال:/ ابن الكلبي: كان أبو محذورة لا يؤذّن لرسول اللّه (¬b) ﷺ بمكّة إلاّ في الفجر، ولم يهاجر وأقام بمكّة.

стр. 2541

وقال ابن جريج: علّم النّبيّ ﷺ أبا محذورة الأذان بالجعرانة حين قسم غنائم حنين، ثم جعله مؤذّنا في المسجد الحرام. وقال الشّعبيّ: أذّن لرسول اللّه ﷺ بلال وأبو محذورة وابن أمّ مكتوم. وقد جاء أنّ عثمان ابن عفّان ﵁ كان يؤذّن بين يدي رسول اللّه ﷺ عند المنبر. وقال محمد بن سعد عن الشّعبي: كان لرسول اللّه ﷺ ثلاثة مؤذّنين: بلال وأبو محذورة وعمرو بن أم مكتوم؛ فإذا غاب بلال أذّن أبو محذورة، وإذا غاب أبو محذورة أذّن ابن أم مكتوم (١). قلت (¬a): لعلّ هذا كان بمكّة. وذكر ابن سعد أنّ بلالا أذّن بعد رسول اللّه ﷺ لأبي بكر ﵁، وأنّ عمر ﵁ أراده أن يؤذّن له فأبى عليه، فقال له: إلى من ترى أن أجعل النّداء؟ فقال: إلى سعد القرظ، فإنّه قد أذّن لرسول اللّه ﷺ . فدعاه عمر ﵁ فجعل النّداء إليه وإلى عقبه من بعده (٢). وقد ذكر أنّ سعد القرظ كان يؤذّن لرسول اللّه ﷺ بقباء. وذكر أبو داود في «مراسيله»، والدّارقطني في «سننه»، قال بكير بن عبد اللّه الأشجّ: كانت مساجد المدينة تسعة، سوى مسجد رسول اللّه ﷺ ، كلّهم يصلّون بأذان بلال ﵁ (٣). وقد كان عند فتح مصر الأذان إنّما هو بالمسجد الجامع، المعروف بجامع عمرو، وبه صلاة النّاس بأسرهم. وكان من هدي الصّحابة والتّابعين ﵃ المحافظة على الجماعة، وتشديد النّكير على من تخلّف عن صلاة الجمعة (¬b). قال أبو عمر الكنديّ (٤) في ذكر من عرّف (٥) على المؤذّنين بجامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر: وكان أوّل من عرّف على المؤذّنين أبو مسلم سالم بن عامر بن عبد المرادي - وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ ، وقد أذّن لعمر بن الخطّاب - سار إلى مصر مع عمرو بن العاص يؤذّن

стр. 2542

له حتى افتتحت مصر، فأقام على الأذان، وضمّ إليه عمرو بن العاص تسعة رجال يؤذّنون هو عاشرهم. وكان الأذان في ولده حتى انقرضوا. قال أبو الخير: حدّثني أبو مسلم - وكان مؤذّنا لعمرو بن العاص - أنّ الأذان كان أوّله «لا إله إلاّ اللّه» وآخره «لا إله إلاّ اللّه»، وكان أبو مسلم يوصي بذلك حتى مات، ويقول: هكذا كان الأذان. ثم عرّف عليهم أخوه شرحبيل بن عامر - وكانت له صحبة - وفي عرافته زاد مسلمة بن مخلد في المسجد الجامع، وجعل له المنار ولم يكن قبل ذلك. وكان شرحبيل أوّل من رقي منارة مصر للأذان. وأنّ مسلمة بن مخلد اعتكف في منارة الجامع، فسمع أصوات النّواقيس عالية بالفسطاط، فدعا شرحبيل بن عامر فأخبره بما ساءه من ذلك. فقال شرحبيل: فإنّي أمدّد بالأذان من نصف اللّيل إلى قرب الفجر، فانههم أيّها الأمير أن ينقسوا إذا أذّنت. فنهاهم مسلمة عن ضرب النّواقيس وقت الأذان. ومدّد شرحبيل ومطّط أكثر اللّيل، إلى أن مات شرحبيل سنة خمس وستين (١). وذكر عن عثمان ﵁ أنّه أوّل من رزق المؤذّنين. فلمّا كثرت مساجد الخطبة، أمر مسلمة بن مخلد الأنصاري، في إمارته على مصر، ببناء المنار في جميع المساجد خلا مساجد تجيب وخولان. فكانوا يؤذّنون في الجامع أوّلا، فإذا فرغوا أذّن كلّ مؤذّن في الفسطاط في وقت واحد، فكان لأذانهم دويّ شديد. وكان الأذان أوّلا بمصر كأذان أهل المدينة، وهو: «اللّه أكبر، اللّه أكبر … » وباقيه كما هو اليوم. فلم يزل الأمر بمصر على ذلك في جامع عمرو بالفسطاط، وفي جامع العسكر، وفي جامع أحمد بن طولون وبقيّة المساجد إلى أن قدم القائد جوهر (¬a)) من بلاد المغرب (¬a) بجيوش المعزّ لدين اللّه وبنى القاهرة. فلمّا كان في يوم الجمعة الثّامن من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاث مائة، صلّى القائد جوهر الجمعة في جامع أحمد بن طولون، وخطب به عبد السّميع ابن عمر العبّاسي بقلنسوة وشي (¬b) وطيلسان وشي (¬c)، وأذّن المؤذّنون: «حيّ على خير العمل».

стр. 2543

وهو أوّل ما أذّن به بمصر. وصلّى به عبد السميع الجمعة، فقرأ «سورة الجمعة» و ﴿إِذا جاءَكَ اَلْمُنافِقُونَ﴾ [الآية ١ سورة المنافقون]، وقنت في الرّكعة الثّانية، وانحطّ إلى السّجود ونسي الرّكوع. فصاح به عليّ بن الوليد قاضي عسكر جوهر: بطلت الصّلاة، أعد ظهرا أربع ركعات. ثم أذّن ب «حيّ على خير العمل» في سائر مساجد العسكر، إلى حدود مسجد عبد اللّه. وأنكر جوهر على عبد السّميع أنّه لم يقرأ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» في كلّ سورة، ولا قرأها في الخطبة، (¬a)) فصلّى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان عبد السّميع قد دعا لجوهر في الجمعة الأولى في الخطبة (¬a)، فأنكره جوهر ومنعه من ذلك (١). ولأربع بقين من جمادى الأولى المذكور، أذّن في الجامع العتيق ب «حيّ على خير العمل»، وجهروا في الجامع بالبسملة في الصّلاة. فلم يزل الأمر على ذلك طول مدّة الخلفاء الفاطميين؛ إلاّ أنّ الحاكم بأمر اللّه في سنة أربع مائة، أمر بجمع مؤذّني القصر وسائر الجوامع، وحضر قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي، وقرأ أبو عليّ العبّاسي سجلاّ فيه الأمر بترك «حيّ على خير العمل» في الأذان، وأن يقال في صلاة الصّبح (¬b): «الصّلاة خير من النّوم»، وأن يكون ذلك من/ مؤذّني القصر عند قولهم: «السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه». فامتثل ذلك. ثم عاد المؤذّنون إلى قول «حيّ على خير العمل» في ربيع الآخر سنة إحدى وأربع مائة. ومنع في سنة خمس وأربع مائة مؤذّني جامع القاهرة ومؤذّني القصر من قولهم بعد الأذان: «السّلام على أمير المؤمنين»، وأمرهم أن يقولوا بعد الأذان: «الصّلاة رحمك اللّه» (٢). ولهذا الفعل أصل، قال الواقديّ: كان بلال ﵁ يقف على باب رسول اللّه ﷺ ، فيقول: «السّلام عليك يا رسول اللّه»، وربّما قال: «السّلام عليك بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة، السّلام عليك يا رسول اللّه». قال البلاذري، وقال غيره: كان يقول: «السّلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصّلاة يا رسول اللّه».

стр. 2544

فلمّا ولي أبو بكر ﵁ الخلافة، كان سعد القرظ يقف على بابه فيقول: «السّلام عليك يا خليفة رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصّلاة يا خليفة رسول اللّه» (١). فلمّا استخلف عمر ﵁ كان سعد يقف على بابه فيقول: «السّلام عليك يا خليفة خليفة رسول اللّه ورحمة اللّه، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصّلاة يا خليفة خليفة رسول اللّه». فلمّا قال عمر ﵁ للنّاس: أنتم المؤمنون وأنا أميركم. فدعي «أمير المؤمنين»، استطالة لقول القائل يا خليفة خليفة رسول اللّه، ولمن بعده خليفة خليفة خليفة رسول اللّه، كان المؤذّن يقول: «السّلام عليك، أمير المؤمنين، ورحمة اللّه وبركاته، حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح، الصّلاة يا أمير المؤمنين». ثم إنّ عمر ﵁ أمر المؤذّن فزاد فيها «رحمك اللّه». ويقال إنّ عثمان ﵁ زادها. وما زال المؤذّنون إذا أذّنوا سلّموا على الخلفاء وأمراء الأعمال، ثم يقيمون الصّلاة بعد السّلام. فيخرج الخليفة أو الأمير فيصلّي بالنّاس، هكذا كان العمل مدّة أيّام بني أميّة، ثم مدّة خلافة بني العبّاس، أيّام كانت الخلفاء وأمراء الأعمال تصلّي بالنّاس. فلمّا استولى العجم، وترك خلفاء بني العبّاس الصّلاة بالنّاس، ترك ذلك كما ترك غيره من سنن الإسلام. ولم يكن أحد من الخلفاء الفاطميين يصلّي بالنّاس الصّلوات الخمس في كلّ يوم، فسلّم المؤذّنون في أيّامهم على الخليفة بعد الأذان للفجر فوق المنارات. فلمّا انقضت أيّامهم، وغيّر السّلطان صلاح الدّين رسومهم، لم يتجاسر المؤذّنون على السّلام عليه، احتراما للخليفة العبّاسي ببغداد، فجعلوا عوض السّلام على الخليفة السّلام على رسول اللّه ﷺ ، واستمرّ ذلك قبل الأذان للفجر في كلّ ليلة بمصر والشّام والحجاز، وزيد فيه بأمر المحتسب صلاح الدين عبد اللّه [بن عبد اللّه] (¬a) البرلّسي «الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه». وكان ذلك بعد في (¬b) سنة ستين وسبع مائة، فاستمرّ (¬c)) إلى يومنا، وإنّها لمن جميل العوائد وأحسن الأفعال (¬c) (٢).

стр. 2545

فلمّا (¬a) تغلّب أبو عليّ كتيفات (¬b) بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، على رتبة الوزارة في أيّام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر باللّه، في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وسجن الحافظ وقيّده، واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذّخائر وحملها إلى دار الوزارة - وكان إماميّا متشدّدا في ذلك - خالف ما عليه الدّولة من مذهب الإسماعيلية، وأظهر الدّعاء للإمام المنتظر، وأزال من الأذان قول (¬c): «حيّ على خير العمل»، وقولهم: «محمّد وعليّ خير البشر»، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنسب (¬d) إليه الإسماعيلية. فلمّا قتل في سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمس مائة، عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ، وأعيد إلى الأذان ما كان أسقط منه (١). وأوّل من قال في الأذان باللّيل: «محمد وعليّ خير البشر» الحسين المعروف بأميركا ابن شكنبه، ويقال اشكنبه - وهو اسم أعجمي معناه الكرش - وهو عليّ بن محمد بن عليّ ابن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيّام سيف الدّولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، قاله الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة. ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه «حيّ على خير العمل، ومحمّد وعليّ خير البشر» إلى أيّام نور الدّين محمود. فلمّا فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية، استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن ابن محمد البلخي الحنفي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، وألقى بها الدّروس. فلمّا سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان، وقال لهم: مروهم يؤذّنوا الأذان المشروع، ومن امتنع كبّوه على رأسه؛ فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمرّ الأمر على ذلك (٢).

стр. 2546

وأمّا مصر فلم يزل الأذان بها على مذهب القوم، إلى أن استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف ابن أيّوب بسلطنة ديار مصر، وأزال الدّولة الفاطمية في سنة سبع وستين وخمس مائة - وكان ينتحل مذهب الإمام الشافعيّ ﵁، وعقيدة الشّيخ أبي الحسن الأشعري ﵀ (١) - فأبطل من الأذان قول «حيّ على خير العمل»، وصار يؤذّن في سائر إقليم مصر والشّام بأذان أهل مكّة، وفيه تربيع التّكبير وترجيع الشّهادتين. / فاستمرّ الأمر على ذلك إلى أن بنت الأتراك المدارس بديار مصر، وانتشر مذهب أبي حنيفة ﵁ في ديار (¬a) مصر، فصار يؤذّن في بعض المدارس التي للحنفيّة بأذان أهل الكوفة، وتقام الصّلاة أيضا على رأيهم، وما عدا ذلك فعلى ما قلنا. إلاّ أنّه في ليلة الجمعة إذا فرغ المؤذّنون من التأذين، سلّموا على رسول اللّه ﷺ ، وهو شيء أحدثه محتسب القاهرة صلاح الدّين عبد اللّه بن عبد اللّه البرلّسي بعد سنة ستين وسبع مائة (٢). فاستمرّ إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبع مائة - ومتولّى الأمر بديار مصر الأمير منطاش القائم بدولة الملك الصّالح المنصور أمير حاج، المعروف بحاجي بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون - فسمع بعض الفقراء الخلاّطين سلام المؤذّنين على رسول اللّه ﷺ في ليلة جمعة، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه، فقال لهم: أتحبّون أن يكون هذا السّلام في كلّ أذان؟ قالوا: نعم. فبات تلك الليلة، وأصبح متواجدا يزعم أنّه رأى رسول اللّه ﷺ في منامه، وأنّه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلّغه عنه أن يأمر المؤذّنين بالسّلام على رسول اللّه ﷺ في كلّ أذان. فمضى إلى محتسب القاهرة، وهو يومئذ نجم الدّين محمد الطّنبدي - وكان شيخا جهولا، وبلهانا بهولا (¬b)، سيّئ السّيرة في الحسبة والقضاء، متهافتا على الدّرهم ولولا (¬c) قاده إلى البلاء، لا تحشّم (¬d) من أخذ البراطيل والرّشوة، ولا يرعى (¬e) في مؤمن إلاّ ولا ذمّة، وقد ضري على الآثام، وتجسّد من أكل الحرام يرى أنّ العلم إرخاء العذبة ولبس الجبّة، ويحسب أنّ رضا اللّه سبحانه في ضرب العباد بالدّرّة وولاية الحسبة. لم تحمد النّاس قطّ أياديه، ولا شكرت أبدا مساعيه، بل جهالاته شائعة، وقبائح أفعاله ذائعة. أشخص غير مرّة إلى مجلس المظالم، وأوقف مع من أوقف للمحاكمة بين

стр. 2547

يدي السّلطان من أجل عيوب فوادح، حقّق فيها شكاته عليه القوادح. وما زال في السّيرة مذموما، ومن العامّة والخاصّة ملوما - وقال له: رسول اللّه ﷺ يأمرك أن تتقدّم لسائر المؤذّنين بأن يزيدوا في كلّ أذان قولهم: «الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه»، كما يفعل في ليالي الجمع. فأعجب الجاهل هذا القول، وجهل أنّ رسول اللّه ﷺ لا يأمر بعد وفاته إلاّ بما يوافق ما شرعه اللّه على لسانه في حياته. وقد نهى اللّه في كتابه العزيز عن الزّيادة فيما شرعه حيث يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ اَلدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللّهُ﴾ [الآية ٢١ سورة الشورى]. وقال رسول اللّه ﷺ : «إيّاكم ومحدثات الأمور»؛ فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة (١). وتمّت هذه البدعة، واستمرّت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشّام، وصارت العامّة وأهل الجهالة ترى أنّ ذلك من جملة الأذان الذي لا يحلّ تركه، وأدّى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السّلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا. فلا حول ولا قوّة إلاّ باللّه، وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون! وأمّا «التّسبيح في اللّيل على المآذن»، فإنّه لم يكن من فعل سلف الأمّة. وأوّل ما عرف من ذلك أنّ موسى بن عمران - صلوات اللّه عليه - لمّا كان ببني إسرائيل في التّيه بعد غرق فرعون وقومه، اتّخذ بوقين من فضّة مع رجلين من بني إسرائيل ينفخان فيهما وقت الرّحيل، ووقت النّزول، وفي أيّام الأعياد، وعند ثلث الليل الأخير من كلّ ليلة. فتقوم عند ذلك طائفة من بني لاوي - سبط موسى ﵇ ويقولون نشيدا منزّلا بالوحي، فيه تخويف وتحذير وتعظيم للّه تعالى وتنزيه له تعالى، إلى وقت طلوع الفجر. واستمرّ الحال على هذا كلّ ليلة مدّة حياة موسى ﵇ وبعده أيّام يوشع بن نون ومن قام في بني إسرائيل من القضاة. إلى أن قام بأمرهم داود ﵇ وشرع في عمارة بيت المقدس، فرتّب في كلّ ليلة عدّة من بني لاوي يقومون عند ثلث الليل الآخر: فمنهم من يضرب بالآلات كالعود والسّنطير والبربط والدّفّ والمزمار، ونحو ذلك. ومنهم من يرفع عقيرته بالنّشائد المنزّلة بالوحي على نبيّ اللّه موسى ﵇ والنّشائد المنزّلة بالوحي على داود ﵇. ويقال إنّ عدد بني لاوي هذا كان ثمانية وثلاثين ألف رجل قد ذكر تفصيلهم في كتاب الزّبور. فإذا قام هؤلاء ببيت المقدس، قام في كلّ محلّة من محالّ بيت المقدس رجال يرفعون

стр. 2548

أصواتهم بذكر اللّه سبحانه من غير آلات - فإنّ الآلات كانت ممّا يختصّ ببيت المقدس فقط، وقد نهوا عن ضربها في غير البيت - فيتسامع من في قرى (¬a) بيت المقدس، فيقوم في كلّ قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه تعالى حتى يعمّ الصّوت بالذّكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم. وما زال الأمر على ذلك في كلّ ليلة إلى أن خرّب بخت نصّر بيت المقدس، وجلاّ بني إسرائيل إلى بابل، فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدّة جلائهم في بابل سبعين سنة. فلمّا عاد بنو إسرائيل من بابل وعمّروا البيت العمارة الثّانية، أقاموا شرائعهم، وعاد قيام بني لاوي بالبيت في اللّيل، وقيام أهل محالّ القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل/ عليه أيّام عمارة البيت الأوّل (¬b). واستمرّ ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبيّ اللّه يحيى ابن زكريّا، وقيام اليهود على روح اللّه ورسوله عيسى بن مريم - صلوات اللّه عليهم - على يد طيطش، فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ، وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل. وأمّا في الملّة الإسلامية، فكان ابتداء هذا العمل بمصر وسببه أنّ مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص واعتكف فيه، فسمع أصوات النّواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذّنين. فقال: إنّى أمدّد الأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر، فانههم أيّها الأمير أن ينقسوا إذا أذّنت. فنهاهم مسلمة عن ضرب النّواقيس وقت الأذان، ومدّد شرحبيل ومطّط أكثر اللّيل (١). ثم إنّ الأمير أبا العبّاس أحمد بن طولون كان قد جعل، في حجرة تقرب منه، رجالا تعرف بالمكبّرين، عدّتهم اثنا عشر رجلا، يبيت في هذه الحجرة كلّ ليلة أربعة يجعلون اللّيل بينهم عقبا. فكانوا يكبّرون ويسبّحون ويحمّدون اللّه سبحانه في كلّ وقت، ويقرأون القرآن بألحان، ويتوسّلون ويقولون قصائد زهدية، ويؤذّنون في أوقات الأذان، وجعل لهم أرزاقا واسعة تجرى عليهم.

стр. 2549

فلمّا مات أحمد بن طولون، وقام من بعده ابنه أبو الجيش خمارويه، أقرّهم بحالهم، وأجراهم على رسمهم مع أبيه. ومن حينئذ اتّخذ النّاس قيام المؤذّنين في اللّيل على المآذن، وصار يعرف ذلك ب «التّسبيح». فلمّا ولي السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب سلطنة مصر، وولّى القضاء صدر الدّين عبد الملك بن درباس الهدباني الماراني الشّافعيّ - كان من رأيه ورأي السلطان اعتقاد مذهب الشّيخ أبي الحسن الأشعري في الأصول (١). فحمل النّاس إلى اليوم على اعتقاده حتى يكفّر من يخالفه (¬a)، وتقدّم الأمر إلى المؤذّنين أن يعلنوا - في وقت التّسبيح على المآذن باللّيل - بذكر العقيدة التي تعرف بالمرشدة. فواظب المؤذّنون على ذكرها في كلّ ليلة بسائر جوامع مصر والقاهرة إلى وقتنا هذا. وممّا أحدث أيضا: «التّذكير في يوم الجمعة» من أثناء النّهار بأنواع من الذّكر على المآذن، ليتهيّأ النّاس لصلاة الجمعة. وكان ذلك بعد السبع مائة من سني الهجرة؛ قال ابن كثير، ﵀: في يوم الجمعة سادس ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وسبع مائة، رسم بأن يذكر بالصّلاة يوم الجمعة في سائر مآذن دمشق، كما يذكر في مآذن الجامع الأموي، ففعل ذلك (٢). الجامع الأزهر (¬b) (٣) [أثر رقم ٩٧] هذا الجامع أوّل مسجد أسّس بالقاهرة (٤). والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصّقلبي، مولى الإمام أبي تميم معدّ الخليفة أمير المؤمنين المعزّ لدين اللّه، لمّا اختطّ القاهرة.

стр. 2550

وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لستّ بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاث مائة، وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاث مائة، وجمع فيه (١). (¬a)) قال المؤلّف: رأيت مكتوبا (¬a) بدائر القبّة التي في الرّواق الأوّل - وهي على يمنة المحراب والمنبر - ما نصّه بعد البسملة: «ممّا أمر ببنائه عبد اللّه ووليّه أبو تميم معدّ الإمام المعزّ لدين اللّه أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وأبنائه الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصّقلبي، وذلك في سنة ستين وثلاث مائة» (٢).

стр. 2551

وأوّل جمعة جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى وستين وثلاث مائة. ثم إنّ العزيز باللّه أبا منصور نزار بن المعزّ لدين اللّه جدّد فيه أشياء.

стр. 2552

وفي سنة ثمان وسبعين وثلاث مائة، سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلّس، الخليفة العزيز باللّه، في صلّة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفي كلّ واحد منهم من الرّزق النّاضّ (١)، وأمر لهم بشراء دار وبنائها، فبنيت بجانب الجامع الأزهر. فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع، وتحلّقوا فيه بعد الصّلاة إلى أن يصلّى العصر. وكان لهم أيضا من مال الوزير صلّة في كلّ سنة، وكانت عدّتهم خمسة وثلاثين رجلا. وخلع عليهم العزيز يوم عيد الفطر، وحملهم على بغلات (٢). ويقال إنّ بهذا الجامع طلّسما فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به (٣). (¬a)) وما ذكره ابن عبد الظّاهر من أمر الطّلّسم الذي به فإنّه صحيح وهو باق مستمرّ العمل إلى وقتنا هذا وهو سنة ثمان وتسعين وسبع مائة (¬a)، وليس هو مخصوص بالعصافير فقط بل هو لسائر الطّيور ليس يبيت بشيء من الحمام ولا اليمام ولا العصافير ولا غيرها ولا يفرخون به إلى الآن. ورأيت به (¬b) صور ثلاثة طيور

стр. 2553

منقوشة، كلّ صورة على رأس عمود، فمنها صورتان في مقدّم الجامع بالرّواق الخامس: منهما صورة في الجهة الغربية في العمود، وصورة في أحد العمودين اللذين على يسار من استقبل سدّة المؤذّنين. والصّورة الأخرى في الصّحن في الأعمدة القبلية ممّا يلي الشّرقية. ثم إنّ الحاكم بأمر اللّه جدّده، ووقف على الجامع الأزهر وجامع المقس والجامع الحاكمي ودار العلم بالقاهرة رباعا بمصر، وضمّن ذلك كتابا نسخته: «هذا كتاب أشهد قاضي القضاة مالك بن سعيد بن مالك الفارقي على جميع ما نسب إليه ممّا ذكر ووصف فيه، من حضر من الشّهود في مجلس حكمه وقضائه بفسطاط مصر في شهر رمضان سنة أربع مائة. أشهدهم - وهو يومئذ قاضي عبد اللّه ووليّه المنصور أبي عليّ الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين ابن الإمام العزيز باللّه - صلوات اللّه عليهما -/ على القاهرة المعزّيّة ومصر والإسكندرية والحرمين - حرسهما اللّه - وأجناد الشّام والرّقّة والرّحبة ونواحي المغرب وسائر أعمالهن، وما فتحه اللّه ويفتحه لأمير المؤمنين من بلاد الشّرق والغرب - بمحضر رجل متكلّم أنّه صحّت عنده معرفة المواضع الكاملة والحصص الشّائعة، الذي (¬a) يذكر جميع ذلك ويحدّد في هذا الكتاب، وأنّها كانت من أملاك الإمام الحاكم إلى أن حبسها على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، والجامع براشدة، والجامع بالمقس اللذين أمر بإنشائهما وتأسيس بنائهما، وعلى دار الحكمة بالقاهرة المحروسة التي وقفها والكتب التي فيها قبل تاريخ هذا الكتاب. منها ما يخصّ الجامع الأزهر والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة، مشاعا جميع ذلك غير مقسوم. ومنها ما يخصّ الجامع بالمقس على شرائط يجري ذكرها. فمن ذلك: ما تصدّق به على الجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة، والجامع براشدة ودار الحكمة بالقاهرة المحروسة: جميع الدّار المعروفة بدار الضّرب، وجميع القيساريّة المعروفة بقيساريّة الصّوف، وجميع الدّار

стр. 2554

المعروفة بدار الخرق الجديدة، الذي ذلك (¬a) كلّه بفسطاط مصر. ومن ذلك ما تصدّق به على جامع المقس: جميع الأربعة (¬b) الحوانيت والمنازل التي علوّها والمخزنين، الذي ذلك كلّه بفسطاط مصر بالرّاية في جانب الغرب من الدّار المعروفة كانت بدار الخرق. (¬c)) فيهن الحانوت المعروف بسكن ابن السّوري التي في الجانب الشّرقي من هذه الدّار المعروفة بدار الخرق، ومن ذلك الحانوتان النافذ أحدهما إلى الآخر المعروفان بسكن. ومن ذلك الحانوت الذي في الجانب الغربي من هذه الدّار المعروفة بدار الخرق المذكورة في هذا الكتاب (¬c). وهاتان الدّاران المعروفتان بدار الخرق في الموضع المعروف بحمّام الفار. ومن ذلك: جميع الحصص الشّائعة من الأربعة الحوانيت المتلاصقة التي بفسطاط مصر بالرّاية أيضا بالموضع المعروف بحمّام الفأر، وتعرف هذه الحوانيت بحصص القيسي بحدود ذلك كلّه وأرضه وبنائه وسفله وعلوّه وغرفه ومرتفقاته وحوانيته وساحاته وطرقه وممرّاته ومجاري مياهه، وكلّ حقّ هو له داخل فيه وخارج عنه. وجعل ذلك كلّه صدقة موقوفة محرّمة محبّسة بتّة بتلة، لا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تمليكها، باقية على شروطها جارية على سبلها [المقرّرة] (¬d) المعروفة في هذا الكتاب. لا يوهنها تقادم السّنين، ولا تغيّر بحدوث حدث، ولا يستثنى فيها ولا يتأوّل، ولا يستفتى بتجدّد تحبيسها مدى الأوقات، وتستمرّ شروطها على اختلاف الحالات حتى يرث اللّه الأرض والسّموات؛ على أن يؤجر ذلك في كلّ عصر من ينتهي إليه ولايتها، ويرجع إليه أمرها - بعد مراقبة اللّه واجتلاب ما يوفّر منفعتها من إشهارها - عند ذوي الرّغبة في إجارة أمثالها. فيبتدأ من ذلك بعمارة ذلك، على حسب المصلحة وبقاء العين ومرمّته، من غير إجحاف بما حبس ذلك عليه. وما فضل كان مقسوما على ستين سهما؛ فمن ذلك للجامع الأزهر

стр. 2555

بالقاهرة المحروسة، المذكور في هذا الإشهاد: الخمس والثّمن ونصف السّدس ونصف التّسع يصرف ذلك فيما فيه عمارة له ومصلحة. وهو من العين المعزّي الوازن ألف دينار واحد (¬a) وسبعة وستون دينارا ونصف دينار وثمن دينار، من ذلك: للخطيب بهذا الجامع أربعة وثمانون دينارا، ومن ذلك لثمن ألف ذراع حصر عبدانية تكون عدّة له بحيث لا ينقطع من حصره عند الحاجة إلى ذلك، ومن ذلك لثمن ثلاثة عشر ألف ذراع حصر مظفورة لكسوة هذا الجامع في كلّ سنة عند الحاجة إليها: مائة دينار واحدة وثمانية دنانير. ومن ذلك لثمن ثلاثة قناطير زجاج وفراخها: اثنا عشر دينارا ونصف وربع دينار. ومن ذلك لثمن عود هندي للبخور في شهر رمضان وأيّام الجمع، مع ثمن الكافور والمسك وأجرة الصّانع: خمسة عشر دينارا (¬b)) ومن ذلك لثمن قلّتين زيت مغربي وزن كلّ واحدة منهما مائة رطل واحدة واثنا عشر رطلا بالرّطل الفلفلي (¬b). ومن ذلك لنصف قنطار شمع بالفلفلي: سبعة دنانير. ومن ذلك لكنس هذا الجامع ونقل التّراب، وخياطة الحصر وثمن الخيط وأجرة الخياطة: خمسة دنانير. ومن ذلك لثمن مشاقة لسرج القناديل، عن خمسة وعشرين رطلا بالرّطل الفلفلي: دينار واحد. ومن ذلك لثمن فحم للبخور، عن قنطار واحد بالفلفلي: نصف دينار. ومن ذلك لثمن أردبين ملحا للقناديل: ربع دينار. ومن ذلك ما قدّر لمؤنة النّحاس والسّلاسل والتّنانير والقباب التي فوق سطح الجامع: أربعة وعشرون دينارا. ومن ذلك لثمن سلب ليف وأربعة أحبل وستّ دلاء أدم: نصف دينار. ومن ذلك لثمن قنطارين خرقا لمسح القناديل: نصف دينار. ومن ذلك لثمن عشر قفاف للخدمة وعشرة أرطال قنّب لتعليق القناديل، ولثمن مائتي مكنسة لكنس هذا الجامع: دينار واحد وربع دينار. ومن ذلك لثمن أزيار فخّار تنصب على المصنع ويصبّ فيها الماء، مع أجرة حملها: ثلاثة دنانير.

стр. 2556

ومن ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع، راتب السّنة ألف رطل ومائتا رطل مع أجرة الحمل: سبعة وثلاثون دينارا ونصف. ومن ذلك لأرزاق المصلّين - يعني الأئمّة - وهم ثلاثة، وأربعة قومة وخمسة عشر مؤذّنا: خمس مائة دينار وستة وخمسون دينارا ونصف، منها للمصلّين لكلّ رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كلّ شهر من شهور السّنة، والمؤذّنون والقومة لكلّ رجل منهم ديناران في كلّ شهر. ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كلّ سنة: أربعة وعشرون دينارا. ومن ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع، ونقل ما يخرج منه من الطّين والوسخ: دينار واحد/ ومن ذلك لمرمّة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك ممّا قدّر لكلّ سنة: ستون دينارا. ومن ذلك لثمن مائة وثمانين حمل تبن ونصف حمل جارية، لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع: ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار. ومن ذلك للتّبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة: أربعة دنانير. (¬a)) ومن ذلك لثمن أربعين إردبّا فولا لعلف الرأسين: أربعة وعشرون دينارا وسدس (¬a). ومن ذلك لثمن فدّانين قرط، لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة: سبعة دنانير. ومن ذلك لأجرة متولّي العلف، وأجرة السّقّاء والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك: خمسة عشر دينارا ونصف. ومن ذلك لأجرة قيّم الميضأة إن عملت بهذا الجامع: اثنا عشر دينارا» (١). وإلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر، وأخذ في ذكر جامع راشدة ودار العلم وجامع المقس. ثم ذكر أنّ تنانير الفضّة ثلاثة تنانير وتسعة وثلاثون قنديلا فضّة: فللجامع الأزهر تنّوران

стр. 2557

وسبعة وعشرون قنديلا، ومنها لجامع راشدة تنّور واثنا عشر قنديلا. وشرط أن تعلّق في شهر رمضان، وتعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به. وشرط شروطا كثيرة في الأوقاف: منها أنّه إذا فضل شيء واجتمع يشترى به ملك، فإن عاز شيئا واستهدم ولم يف الرّيع بعمارته بيع وعمّر به، وأشياء كثيرة. وحبس فيه أيضا عدّة آدرّ وقياسر لا فائدة في ذكرها، فإنّها مما خربت بمصر. قال ابن عبد الظّاهر عن هذا الكتاب: ورأيت منه نسخة [عند نجم الدّين بن الحلّي] (¬a)، وانتقلت [هذه النّسخة الآن] (¬a) إلى قاضي القضاة تقيّ الدّين بن رزين (١). وكان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضّة، كما كان في محراب جامع عمرو ابن العاص بمصر، قلع ذلك صلاح الدّين يوسف بن أيّوب في حادي عشر ربيع الأوّل سنة تسع وستين وخمس مائة، لأنّه كان فيها أسماء (¬b) خلفاء الفاطميين، فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة، وقلع أيضا المناطق من بقيّة الجوامع (٢). ثم إنّ المستنصر جدّد هذا الجامع أيضا، وجدّده الحافظ لدين اللّه، وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربي الذي في مقدّم الجامع بداخل الرّواقات - عرفت بمقصورة فاطمة من أجل أنّ فاطمة الزّهراء - رضي اللّه تعالى عنها - رئيت بها في المنام (٣). ثم إنّه جدّد في أيّام الملك الظّاهر بيبرس البندقداري. (¬c)) ذكر تجديده وإعادة الخطبة به - قال جامع «السّيرة للملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس» ومنها نقلت، وذكر ذلك أيضا القاضي ناصر الدّين شافع بن علي الكاتب في كتاب «نظم السّلوك في تواريخ الخلفاء والملوك» (¬c): لمّا كان يوم الجمعة الثّامن عشر من ربيع

стр. 2558

الأوّل (¬a) سنة خمس وستين وستّ مائة، أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة (١). وسبب ذلك أنّ الأمير عزّ الدّين أيدمر الحلّي كان جار هذا الجامع من مدّة سنين، فرعى - وفّقه اللّه - حرمة الجار، ورأى أن يكون كما هو جاره في دار الدّنيا أنّه غدا يكون ثوابه جاره في تلك الدّار، ورسم بالنّظر في أمره، وانتزع له أشياء مغصوبة كان شيء منها في أيدي جماعة وحاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا. وجرى الحديث في ذلك، فتبرّع الأمير عزّ الدّين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل، واستطلق (¬b) له من السّلطان جملة من المال، وشرع في عمارته. فعمّر الواهي من أركانه وجدرانه وبيّضه وأصلح سقوفه، وبلّطه وفرشه وكساه حتى عاد حرما في وسط المدينة، واستجدّ به مقصورة حسنة، وأثر فيه آثارا صالحة يثيبه اللّه عليها. وعمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة، رتّب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشّافعيّ ﵀ ورتّب في هذه المقصورة محدّثا يسمع الحديث النّبويّ والرّقائق، ووقف على ذلك الأوقاف الدّارّة، ورتّب به سبعة

стр. 2559

لقراءة القرآن، ورتّب به مدرّسا أثابه اللّه على ذلك (١). ولمّا تكمّل تجديده تحدّث في إقامة جمعة فيه. فنودي في المدينة بذلك، واستخدم له الفقيه زين الدّين (٢) خطيبا، وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور. وحضر الأتابك فارس الدّين، والصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا، وولده الصّاحب فخر الدّين محمد، وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم على اختلافهم، وكان يوم جمعة مشهودا. ولمّا فرغ من الجمعة، جلس الأمير عزّ الدّين الحلّي والأتابك والصّاحب، وقرئ القرآن، ودعي للسّلطان. وقام الأمير عزّ الدّين ودخل إلى داره، ودخل معه الأمراء، فقدّم لهم كلّ ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وانفصلوا (٣). وكان قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع، وما ورد فيه من أقاويل العلماء، وكتبت (¬a) فتيا أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا الجامع وإقامتها، فكتب جماعة خطوطهم فيها. وأقيمت صلاة الجمعة به واستمرّت، ووجد النّاس به رفقا وراحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكمي (٤). قال: وكان سقف هذا الجامع قد بني قصيرا، فزيد فيه بعد ذلك وعلّي ذراعا. واستمرّت الخطبة فيه حتى بني الجامع الحاكمي (٥) فانتقلت الخطبة إليه بعد ذلك (¬b)، فإنّ الخليفة كان يخطب فيه جمعة (¬c)، وفي الجامع الأزهر جمعة (¬c)، وفي جامع ابن طولون جمعة (¬c)، وفي جامع مصر جمعة (¬c).

стр. 2560

وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لمّا استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بالسّلطنة. فإنّه قلّد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه - وهو امتناع إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، كما هو مذهب الإمام الشّافعيّ ﵀ فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر، وأقرّ الخطبة/ بالجامع الحاكمي من أجل أنّه أوسع. فلم يزل الجامع الأزهر معطّلا من إقامة الخطبة (¬a) فيه مائة عام، من حين استولى السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، إلى أن أعيدت الخطبة في أيّام الملك الظّاهر بيبرس كما تقدّم ذكره (١). ثم لمّا كانت الزّلزلة بديار مصر في ذي الحجّة سنة اثنتين وسبع مائة، سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكمي وجامع مصر وغيره، فتقاسم أمراء الدّولة عمارة الجوامع؛ فتولّى الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع الحاكمي، وتولّى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر، وتولّى الأمير سيف الدّين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصّالح؛ فجدّدوا مبانيها، وأعادوا ما تهدّم منها (٢). ثم جدّدت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدّين محمد بن حسين بن عليّ الأسعردي، محتسب القاهرة، في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. ثم جدّدت عمارته في سنة إحدى وستين وسبع مائة عند ما سكن الأمير الطّواشي سعد الدّين بشير الجامدار النّاصري في دار الأمير فخر الدّين أبان الزّاهدي الصّالحي النّجمي، بخطّ الأبّارين بجوار الجامع الأزهر، بعد ما هدمها وعمّرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار.
следующие страницы →