← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فالنّيل ذو فضل ولكنّه … الشّكر في ذلك للملثن (¬a) (١) ويبتدئ النّيل بالتنفّس والزيادة بقيّة بئونة - وهو حزيران - وأبيب - وهو تموز - ومسرى - وهو آب - فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت كلّه - وهو أيلول - إلى انقضائه، فإذا انتهت الزيادة إلى الذّراع الثامن عشر ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض، وهو ضارّ بالبهائم لعدم الرّعي والكلأ. وأتمّ الزّيادات كلّها، العامّة النّفع (¬b) للبلد كلّه سبعة عشر ذراعا، وفي ذلك كفايتها وريّ جميع أرضها. وإذا زاد على ذلك وبلغ ثمانية عشر ذراعا وغلّقها، استبحر من أرض مصر الرّبع، وفي ذلك ضرر لبعض الضّياع لما ذكرنا من الاستبحار. وإذا كانت الزيادة على ثمانية عشر ذراعا، كانت العاقبة في انصرافه حدوث وباء. وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا. وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز/ تسع عشرة (¬c) ذراعا، ومساحة الذّراع إلى أن تبلغ اثنتي عشرة ذراعا ثمان وعشرون أصبعا، ومن اثنتي عشرة ذراعا إلى ما فوق ذلك يكون الذّراع أربعا وعشرين أصبعا. وأقلّ ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا. والأذرع التي يستسقى عليها بمصر هي ذراعان تسمّيان منكرا ونكيرا، وهي الذّراع الثالث عشر والذراع الرابع عشر؛ فإذا انصرف الماء عن هذين الذّراعين وزيادة نصف ذراع من الخمس عشرة، استسقى الناس بمصر، فكان الضّرر الشّامل لكلّ البلدان؛ وإذا تمّ خمس عشرة ودخل في ستّ عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه، وكان ذلك نقصا من خراج السّلطان (٢). والنّبيذ يتّخذ بمصر من ماء طوبة - وهو كانون الثاني - بعد الغطاس، وهو لعشرة تمضي من طوبة، وأصفى ما يكون ماء النّيل في ذلك الوقت. وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النّيل في هذا الوقت، وفيه يخزّن الماء أهل تنّيس ودمياط وتونة وسائر قرايا (¬d) البحيرة. وقد كانت مصر كلّها تروى من ستّ عشرة ذراعا، غامرها وعامرها، لما أحكموا من جسورها، وبناء قناطرها، وتنقية خلجانها. وكان الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل

стр. 282

خليج المنهى وخليج الفيّوم وخليج سردوس وخليج سخا (١). قال: والمعمول عليه في وقتنا هذا - وهو سنة خمس وأربعين وثلاث مائة - أنّه إن زاد على الستّ عشرة ذراعا أو نقص عنها، نقص من خراج السّلطان (٢). وقد تغيّر في زماننا هذا عامّة ما تقدّم ذكره، لفساد حال الجسور والتّرع والخلجان؛ وقانونه اليوم أنّه يزيد في القيظ إذا حلّت الشّمس برج السّرطان والأسد والسّنبلة حين تنقص عامّة الأنهار التي في المعمور، ولذلك قيل إنّ الأنهار تمدّه بمائها عند غيضها فتكون زيادته. وتبتدئ الزّيادة من خامس بئونة، وتظهر في ثاني عشره، وأوّل دفعه في الثاني من أبيب، وتنتهي زيادته في ثامن بابة، ويأخذ في النّقصان من العشرين منه، فتكون مدّة زيادته - من ابتدائها إلى أن ينقص - ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما، وهي أبيب ومسرى وتوت وعشرون يوما من بابة، ومدّة مكثه بعد انتهاء زيادته اثنا عشر يوما، ثم يأخذ في النّقصان. ومن العادة أن ينادى عليه دائما في اليوم السابع والعشرين من بئونة بعدما يؤخذ قاعه، وهو ما بقي من الماء القديم، في ثالث عشر بئونة، ويفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا. وأدركت الناس يقولون: نعوذ باللّه من أصبع من عشرين. وكنّا نعهد الماء إذا بلغ أصابع من عشرين ذراعا، فاض ماء النّيل، وغرّق الضّياع والبساتين، وفارت البلاليع. وها نحن في زمن، منذ كانت الحوادث بعد سنة ستّ وثمان مائة، إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يعمّ الأرض كلّها لما قد فسد من الجسور، وكان إلى ما بعد الخمس مائة من الهجرة قانون النّيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهي في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا. وكانوا يقولون: إذا زاد على ذلك ذراعا واحدة زاد خراج مصر مائة ألف دينار لما يروي من الأراضي العالية، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية القصوى، فإنّ الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة اثنان وعشرون ذراعا في الصّعيد الأعلى، فإن زاد على الثمانية عشر ذراعا واحدا، نقص من الخراج مائة ألف دينار، لما يستبحر من الأرض المنخفضة. قال ابن ميسّر (٣) في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة: وفيها بلغت زيادة ماء النّيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وبلغ الماء الباب الجديد أوّل الشّارع خارج القاهرة، وكان الناس

стр. 283

يتوجّهون إلى القاهرة من مصر من ناحية المقابر. فلمّا بلغ الخليفة الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد بن محمد أنّ الماء وصل إلى الباب الجديد، أظهر الحزن والانقطاع. فدخل إليه بعض خواصّه وسأله عن السّبب، فأخرج له كتابا فإذا فيه «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد» ثم قال: هذا الكتاب الذي نعلم منه أحوالنا وأحوال دولتنا وما يأتي بعدها. فمرض الحافظ في آخر هذه السنة، ومات في (¬a) سنة أربع وأربعين وخمس مائة (١). وقال القاضي الفاضل (٢) في «متجدّدات» سنة ستّ وسبعين وخمس مائة: وفي يوم الاثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وهو السادس عشر من مسرى، وفّى النّيل (¬b) على ستة

стр. 284

عشر ذراعا، وهو الوفاء، ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدّم (١). وهذا أيضا ممّا تغيّر فيه قانون النّيل في زماننا، فإنّه صار يوفّي في أوائل مسرى، ولقد كان الوفاء في سنة اثنتي عشرة وثمان مائة في اليوم التاسع والعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم/ وهذا من أعجب ما يؤرّخ في زيادات النّيل. واتّفق وفاء النّيل (¬a) أنّ حادي عشر من جمادى الأولى سنة تسع وسبع مائة، وفّى النّيل، وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من بابة بعد النّوروز بتسعة وأربعين يوما (٢). قال: وفي تاسع عشرة - يعني شوّال سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة - كسر بحر أبي المنجّا، وباشر الملك العزيز عثمان كسره، وزاد النّيل فيه أصبعا، وهي الأصبع الثامنة عشرة من ثمان عشرة ذراعا، وهذا الحدّ يسمّى عند أهل/ مصر اللّجّة الكبرى (٣). فانظر كيف يسمّي القاضي الفاضل هذا القدر اللّجّة الكبرى، وإنّه - والعياذ باللّه - لو بلغ ماء النّيل في سنة هذا القدر فقط لحلّ بالبلاد غلاء يخاف منه أن يهلك فيه الناس، وما ذاك إلا لما أهمل من عمل الجسور. ويحصل لأهل مصر بوفاء النّيل ستّ عشرة ذراعا فرح عظيم، فإنّ ذلك كان قانون الرّيّ في القديم واستمرّ ذلك إلى يومنا هذا. ويتخّذ ذلك اليوم عيدا يركب فيه السّلطان بعساكره، وينزل في المراكب لتخليق المقياس. وقد ذكرنا ما كان في الدّولة الفاطمية، من الاهتمام بفتح الخليج، عند ذكر مناظر اللّؤلؤة (٤). وقال بعض المفسّرين: إنّ يوم الوفاء هو اليوم الذي وعد فرعون موسى ﵇ بالاجتماع في قوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ اَلنّاسُ ضُحًى﴾ [الآية ٥٩ سورة طه]، وقد جرت العادة أنّ اجتماع الناس للتّخليق يكون في هذا الوقت. ومن أحسن السّياسات في أمر النّداء على النّيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق (٥)، في «سيرة المعزّ لدين الله»، قال: وفي هذا الشهر - يعني شوّال سنة اثنتين وستين وثلاث مائة - منع المعزّ لدين اللّه

стр. 285

من النّداء بزيادة النّيل، وألاّ يكتب بذلك إلاّ إليه وإلى القائد جوهر، فلمّا تمّ أباح النّداء - يعني لمّا تمّ ستّ عشرة ذراعا - وكسر الخليج (١). فتأمّل ما أبدع هذه السّياسة، فإنّ الناس دائما إذا توقّف النّيل في أيام زيادته أو زاد قليلا يقلقون وتتحدّث (¬a) أنفسهم بعدم طلوع النّيل، فيقبضون أيديهم على الغلال، ويمتنعون من بيعها رجاء ارتفاع السّعر، ويجتهد من عنده مال في اختزان الغلال (¬b)، إمّا لطلب السّعر، أو لطلب إدّخار قوت عياله، فيحدث بهذا الغلاء، فإن زاد الماء انحلّ السّعر، وإلاّ كان الجدب والقحط. ففي كتمان الزّيادة عن العامّة أعظم فائدة وأجلّ عائدة. وقال المسبّحيّ (٢) في «تاريخ مصر»: وخرج أمر صاحب القصر إلى ابن خيران بتحرير ما يستفتح به القيّاسون كلامهم إذا نادوا على النّيل، فقال: «نعم لا تحصى، من خزائن اللّه لا تفنى، زاد اللّه في النّيل المبارك كذا». ومن عادة نيل مصر إذا كان عند ابتداء زيادته اخضرّ ماؤه، فتقول عامّة أهل مصر: قد توحّم النّيل. ويرون أنّ الشّرب منه حينئذ مضر. ويقال في سبب اخضراره أنّ الوحوش - سيّما الفيلة - ترد البطيحات التي في أعالي النّيل، وتستنقع فيها مع كثرة عددها لشدّة الحرّ هناك، فيتغيّر ماء تلك البطيحات. فإذا وقع المطر في الجهة الجنوبية في أوقاته عندهم، تكاثرت السّيول حينئذ في

стр. 286

البطيحات، فخرج ما كان فيها من الماء الذي قد تغيّر ومرّ إلى مصر، وجاء عقيبه الماء الجديد، وهو الزيادة بمصر، وحينئذ يكون الماء محمرّا لما يخالطه من الطّين الحرّ الذي تأتي به السّيول (١). فإذا تناهت زيادته غشى أرض مصر، فتصير القرى التي في الأقاليم فوق التّلال (¬a) والرّوابي وقد أحاط بها الماء، فلا يتوصّل إليها إلاّ في المراكب، أو من فوق الجسور الممتدّة التي يصرف عليها - إذا عملت كما ينبغي - ربع الخراج، ليحفظ عند ذلك ماء النّيل حتى ينتهي ريّ كلّ مكان إلى الحدّ المحتاج إليه. فإذا تكامل ريّ ناحية من النّواحي، قطع أهلها الجسور المحيطة بها من أمكنة معروفة عند خولة البلاد ومشايخها في أوقات محدودة لا تتقدّم ولا تتأخّر عن أوقاتها المعتادة، على حسب ما يشهد به قوانين كلّ ناحية من النّواحي، فتروى كلّ جهة ممّا يليها، مع ما يجتمع فيها من الماء المختصّ. ولولا إتقان ما هنالك من الجسور وحفر التّرع والخلجان، لقلّ الانتفاع بماء النّيل، كما قد جرى في زماننا هذا. وقد حكي أنّه كان يرصد لعمارة جسور أراضي مصر في كلّ سنة ثلث الخراج، لعنايتهم في القديم بها من أجل أنّه يترتّب على عملها ريّ البلاد الذي به مصالح العباد. وستقف - إن شاء اللّه تعالى - عن قريب على ما كان من أعمال القدماء ومن بعدهم في ذلك. وكان للمقياس في الدّول المعاصرة (¬b) رسوم لكنس مجاري الماء، خمسون دينارا في كلّ سنة، تطلق لابن أبي الرّدّاد. ذكر الجسر الذي كان يعبر عليه في النّيل اعلم أنّه كان في النّيل جسر من سفن فيما بين الفسطاط والجزيرة التي تعرف اليوم بالرّوضة، وكان فيما بين الجزيرة والجيزة أيضا جسر، في كلّ جسر منهما ثلاثون سفينة (٢).

стр. 287

ذكر ما قيل في ماء النّيل من مدح وذمّ قال الرّئيس أبو عليّ بن سينا (١) عفا اللّه عنه: وقوم يفرطون في مدح النّيل إفراطا شديدا، ويجمعون محامده في أربعة: بعد منبعه، وطيب مسلكه، وغمورته، وأخذه إلى الشّمال عن الجنوب؛ فأخذه إلى الشّمال عن الجنوب ملطّف لما يجري فيه من المياه، وأمّا غمورته فيشاركه فيها غيره (٢). قال: فأفضل المياه مياه العيون، ولا كلّ العيون، ولكن مياه العيون الحرّة الأرض، التي لا يغلب على تربتها شيء من الأحوال والكيفيّات الغريبة، أو تكون حجريّة/ فتكون أولى بألاّ تعفن العفونة الأرضية، لكن التي هي من طينة حرّة خير من الحجريّة ولا كلّ عين حرّة، بل التي هي مع ذلك جارية، ولا كلّ جارية، بل الجارية المكشوفة للشّمس والرّياح، وأنّ هذا ممّا يكسب الجارية فضيلة، وأمّا الرّاكدة فربّما اكتسبت بالكشف رداءة لا تكسبها بالغور والسّتر. واعلم أنّ المياه التي تكون طينيّة المسيل خير من التي تجري على الأحجار، فإنّ الطّين ينقّي الماء ويأخذ منه الممزوجات الغريبة ويروّقه، والحجارة لا تفعل ذلك، لكنّه يجب أن يكون طين مسيله حرّا، لا حمأة ولا سبخة، ولا غير ذلك. فإن اتّفق أن كان هذا الماء غمرا شديد الجرية، تحيّل بكثرة ما يخالطه إلى طبيعته، فإن كان يأخذ إلى الشّمس في جريانه فيجري إلى المشرق وخصوصا إلى الصّيفي منه، فهو أفضل، لا سيّما إذا بعد جدّا من مبدئه (¬a). ثم ماء يتوجّه إلى الشّمال، والمتوجّه إلى المغرب والجنوب رديء، خصوصا عند هبوب ريح الجنوب. والذي

стр. 288

ينحدر من مواضع عالية مع سائر الفضل أفضل، وما كان بهذه الصّفة كان عذبا يخيّل أنّه حلو، ولا يحتمل الخمر إذا مزج به منه إلاّ قليلا، وكان خفيف الوزن سريع البرد والتّسخين لتخلخله، باردا في الشّتاء، حارّا في الصّيف، لا يغلب عليه طعم ألبتّة ولا رائحة، ويكون سريع الانحدار من الشّراسيف (١)، سريعا لهري ما يهرى فيه، وطبخ ما يطبخ فيه (٢). قال الرّئيس علاء الدين عليّ بن أبي الحرم بن نفيس (٣) في «شرح القانون»: هذه المحامد التي ذكرها ليست علامات للحمد، بل هي من الأشياء الموجبة لكونه محمودا. وأحد هذه الأربعة بعد منبعه، وقد بيّنا أنّ ذلك يوجب لطافة الماء بسبب كثرة حركته (٤). واعلم أنّ منبع النّيل من جبل يقال له جبل القمر، وهذا الجبل وراء خطّ الاستواء بإحدى عشرة درجة وثلاثين دقيقة ممّا به أعظم دائرة في الأرض بثلاث مائة درجة وستين. وابتداء هذا الجبل من السادسة والأربعين درجة وثلاثين دقيقة من أوّل العمارة من جهة المغرب، وآخره عند آخر إحدى وستين درجة وخمسين دقيقة، فيكون امتداد هذا الجبل مقدار خمس عشرة درجة وعشرين دقيقة ممّا به أعظم دائرة في الأرض ثلاث مائة وستون درجة. ويخرج من هذا الجبل عشرة أنهار من أعين فيه، ترمي كلّ خمسة منها إلى بحيرة عظيمة مدوّرة؛ وإحدى هاتين البحيرتين مركزها، حيث البعد من ابتداء العمارة بالمغرب، خمسون درجة، والبعد من خطّ الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة. ومركز الثانية حيث البعد عن أوّل العمارة بالمغرب سبع وخمسون درجة، وحيث البعد من خطّ الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة.

стр. 289

وهاتان البحيرتان متساويتان، وقطر كلّ واحدة منهما مقدار خمس درج، ويخرج من كلّ واحدة من البحيرتين أربعة أنهار، ترمي إلى بحيرة صغيرة مدوّرة في الإقليم الأوّل، بعد مركزها عن أوّل العمارة بالمغرب ثلاث وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعن خطّ الاستواء من الشّمال درجتان من الإقليم الأوّل، ومقدار قطرها درجتان. ويصبّ كلّ واحد من الأنهار الثمانية في هذه البحيرة نهرا واحدا منها (¬a) وهو نيل مصر، ويمرّ ببلاد النّوبة (¬b) ويصب إليه (¬b) نهر آخر، ابتداؤه من غير مركزها على خطّ الاستواء كبيرة مستديرة، مقدار قطرها ثلاث درج، وبعد مركزها من أوّل العمارة بالمغرب إحدى وسبعون درجة. ويلقي نهر هذه العين لنهر النّيل حيث البعد من أوّل العمارة بالمغرب ثلاث وأربعون (¬b)) درجة وأربعون (¬b) دقيقة. وإذا تعدّى النّيل مدينة مصر إلى بلد يقال له شطنوف (١)، يفرّق هناك إلى نهرين يرميان إلى البحر المالح: أحدهما يعرف ببحر رشيد، ومنه يكون خليج الإسكندرية. وثانيهما يعرف ببحر دمياط، وهذا البحر إذا وصل إلى المنصورة تفرّع منه نهر يعرف ببحر أشمون يرمي إلى بحيرة هناك، وباقيه يرمي إلى البحر المالح عند دمياط (٢). وزيادة ماء (¬a) النّيل هي من أمطار كثيرة ببلاد الحبشة، واللّه أعلم. واعلم أنّ الوزن من الدّستورات المنجّحه (¬c) من حال الماء، فإنّ الأخفّ في أكثر الأحوال أفضل. فهذا ما ذكره الرّئيس ابن سينا من صفات المياه الفاضلة، واعتبر ما قاله تجد ذلك قد اجتمع في ماء النّيل.

стр. 290

فأوّله أنّ ماء النّيل عين تمرّ على أراضي حرّة، ولا يغلب على تربة ما يمرّ به شيء من الأحوال والكيفيات الرديّة، كمعادن النّفط والشّبّ والأملاح والكباريت ونحوها، بل يمرّ على الأراضي التي تنبت الذّهب، بدليل ما يظهر في الشّطوط من قراضات الذّهب. وقد عانى جماعة تصويل الذّهب من الرّمل المأخوذ من شطوط النّيل، فربحوا منه مالا. وفضيلة كون الذّهب في الماء لا تنكر. الثّاني: أنّ النّيل في جريانه أبدا مكشوف للشّمس والرّياح. الثّالث: أنّ طينه من طين مسيل من مياه مجتمعة من أمطار تمرّ على أراض حرّة، ويظهر ذلك من عطريّة روائح الطّين إذا ندّيته بماء. الرّابع: غمورة ماء النّيل وشدّة جريته التي تكاد تقصف العمد إذا اعترضتها، وتدفع الأثقال العظيمة إذا عارضتها. الخامس: بعد مبدأ خروجه من مصبّه في البحر المالح، وقد تقدّم/ من طول مسافته ما لا نجده في نهر غيره من أنهار المعمور. السّادس: انحداره من علوّ، فإنّ الجنوب مرتفع عن الشّمال، لا سيّما إذا صار إلى الجنادل انحطّ من أعلى جبل مرتفع إلى وادي مصر. وذكر ابن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» من حديث جرير بن عبد اللّه البجلي، حين سأله رسول اللّه ﷺ عن منزله ببيشة (¬a) (١)، فذكره إلى أن قال: وماؤنا يميع (¬b)، أي يجري من علوّ (¬c)، فقال النّبيّ ﷺ : «خير الماء السّنم» أي ما كان ظاهرا على وجه الأرض. والسّنم الماء على وجه الأرض، وكلّ شيء علا شيئا فقد تسنّمه، مأخوذ من سنام البعير لعلوّه. وقال بعض المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [الآية ٢٧ سورة المطففين]: أي يمزج بما ينزل من علوّ (¬d) (٢). السّابع: أنّه يمرّ من الجنوب إلى الشّمال، فتستقبله ريح الشّمال الطّيّبة دائما. الثّامن: خفّته في الوزن، وقد اعتبر ذلك غير مرّة مع غيره من المياه فخفّ عنها في الوزن. التّاسع: عذوبة طعمه، وحسن أثره في هضم الغذاء، وإحداره عن المعدة، بحيث إنّه يحدث بعد شربه جشاء. وهذه صفات، إن كنت ممّن مارس العلم الطّبيعي وعرف الطّبّ، فإنّه يعظم عندك قدر ماء النّيل، وتبيّن لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه.

стр. 291

ويقال: إنّ ذا القرنين كتب كتابا فيه ما شاهده من عجائب الدّنيا، فضمّنه كلّ أعجوبة، ثم قال في آخره: «وليس ذلك بعجب، بل العجب نيل مصر». وقال بعض الحكماء: لولا ما جعل اللّه في نيل مصر من حكمة الزيادة في زمن الصّيف على التّدريج، حتى يتكامل ريّ البلاد وهبوط الماء عنها عند بدء الزّراعة، لفسد إقليم مصر وتعذّر سكناه، لأنّه ليس فيه أمطار كافية، ولا عيون جارية تعمّ أرضه، إلاّ بعض إقليم الفيّوم. وللّه درّ القائل: [الكامل] واها لهذا النّيل أيّ عجيبة … بكر بمثل حديثها لا يسمع يلقى الثّرى في العام وهو مسلّم … حتّى إذا ما ملّ عاد يودّع مستقبل مثل الهلال فدهره … أبدا يزيد كما يريد ويرجع وقال آخر: [الوافر] كأنّ النّيل ذو فهم ولبّ … لما يبدو لعين النّاس منه فيأتي حين حاجتهم إليه … ويمضي حين يستغنون عنه وقال تميم بن المعزّ (١): [الكامل] يوم لنا بالنّيل مختصر … ولكلّ يوم مسرّة قصر والسّفن تجري كالخيول بنا … صعدا وجيش الماء منحدر فكأنّما أمواجه عكن … وكأنّما داراته سرر وقال أيضا (٢): [المجتث] أما ترى الرّعد بكى واشتكى … والبرق قد أومض واستضحكا فاشرب على غيم كصبغ الدّجى … أضحك وجه الأرض لمّا بكى وانظر لماء النّيل في مدّه … كأنّما صندل أو مسّكا وقال آخر: [الطويل] واللّه مجري النّيل منه إذا الصّبا … أرتنا به من برّها عسكرا بحرا

стр. 292

فشطّ نهر السّمهرية ذبلا … وموج نهر البيض هندية بترا إذا مرّ حاكى الورد غضّا وإن صفا … حكى ماءه لونا ولو بعده مرّا وقال أبو الحسن محمد بن الوزير في تدريج زيادة النّيل وعظم منفعته: [الوافر] أرى أبدا كثيرا من قليل … وبدرا في الحقيقة من هلال فلا تعجب فكلّ خليج ماء … بمصر مسيب بخليج مال زيادة أصبع في كلّ يوم … زيادة أذرع في حسن حال وقال الشّهاب أحمد بن علي بن فضل اللّه العمريّ (١): [الرجز] لمصر فضل باهر … لعيشها الرّغد النّضر في سفح روض يلتقي … ماء الحياة والخضر وقال ابن قلاقس (٢): [البسيط] انظر إلى الشّمس فوق النّيل غاربة … وانظر (¬a) لما بعدها من حمرة الشّفق غابت وألقت شعاعا منه يخلفها … كأنّما (¬b) احترقت بالماء في الغرق وللهلال فها (¬c) وافى لينقذها … في إثرها زورق قد صيغ من ورق وقال نشؤ (¬d) الملك ابن المنجّم: [البسيط] يا ربّ سامية في الجوّ قمت بها … أمدّ طرفي في أرض من الأفق حيث العشيّة في التّمثيل معترك … إذا رآها جبان مات للفرق للشّمس غاربة، للغرب ذاهبة، … بالنّيل مصفرّة، من هجمة الغسق وللهلال انعطاف كالسّنان بدا … من سورة الطّعن ملقى في دم الشّفق قال القاضي الفاضل: وأمّا النّيل فقد ملأ البقاع، وانتقل من الأصبع إلى الذّراع، فكأنّما غار على الأرض فغطّاها، وأعار عليها فاستقعدها وما تخطّاها، فما يوجد بمصر

стр. 293

قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلاّ إيّاه. ونيل مصر مخالف في جريه لغالب الأنهار، فإنّه يجري من الجنوب إلى الشّمال، وغيره ليس كذلك، إلاّ نهران فإنّهما يجريان كما يجري النّيل، وهما نهر مهران بالسّند، ونهر الأريط - وهو الذي يعرف اليوم بنهر العاصي - في حماة؛ إحدى مدائن الشّام. وقد عاب ماء النّيل قوم، قال أبو بكر بن وحشيّة (١) في كتاب «الفلاحة النّبطيّة»: وأمّا ماء النّيل، فمخرجه من جبال وراء بلاد السّودان يقال لها جبال القمر؛ وحلاوته وزيادته يدلاّن على موقعه من الشّمس أنّها أحرقته لا كلّ الإحراق، بل أسخنته إسخانا طويلا ليّنا، لا تزعجه الحرارة ولا تقوى عليه، بحيث تبرّد أجزاءه الرّطبة وتبقى أجزاءه الرّاسخة، بل يعتدل عليه؛ فصار ماؤه لذلك حلوا جدّا، وصار كثرة شربه يعفن البدن ويحدث البثور والدّماميل والقروح، وصار أهل مصر الشّاربون منه دمويّين محتاجين إلى استفراغ الدّمّ عن أبدانهم في كلّ مدّة قصيرة. فمن كان عالما منهم بالطّبيعة، فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النّيل، وإلاّ فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وانتشار البثر والدّماميل [على البدن] (¬a). وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه، قد صيّر له الطّبخ قواما هو أثخن من قوام الماء، فصار إذا خالط الطّعام في الأبدان كثّر فيها الفضول الرّديّة العفنة، فيحدث من ذلك ما ذكرناه. ودواء أهل مصر الذي يدفع عنهم ضرر ماء النّيل إدمان شرب ربوب الفاكهة الحامضة القابضة، وأخذ الأدوية المستفرغة للفضول. ولو زادت حرارة الشّمس على ماء النّيل وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماء البحار الراكدة التي لا حركة لها إلاّ وقت جزر البحر وهبوب الرّياح. وهو أوفق للزّروع والمنابت من الحيوان (٢).

стр. 294

وقال ابن رضوان: والنّيل يمرّ بأمم كثيرة من السّودان، ثم يصير إلى أرض مصر وقد غسل ما في بلاد السّودان من العفونات والأوساخ، ويشقّ مارّا بوسط أرض مصر من الجنوب إلى الشّمال، إلى أن يصبّ في بحر الرّوم. ومبدأ زيادة هذا النهر (¬a) في فصل الصّيف، وتنتهي زيادته في فصل الخريف ويرتقي في الجو منه في أوقات مدّه رطوبات كثيرة بالتحلّل الخفيّ، فيرطّب ذلك يبس الصّيف والخريف. وإذا مدّ النهر فاض على أرض مصر فغسل ما فيها من الأوساخ - نحو جيف الحيوانات وأزبالها، وفضول الآجام والنّبات ومياه النّقائع (¬b) - وأحدر جميع ذلك معه، وخالطه من تراب هذه الأرض وطينها مقدار كثير من أجل سخافتها، وباض فيه من السّمك الذي تربّى فيه وفي مياه النّقائع. ومن قبل ذلك تراه في أوّل مدّه يخضرّ لونه بكثرة ما يخالطه من مياه النقائع العفنة التي قد اجتمع فيها العرمض والطّحلب، واخضرّ لونها من عفنها، ثم يتعكّر حتى يصير آخر أمره مثل الحمأة، وإذا صفا اجتمع منه في الإناء طين كثير ورطوبة لزجة لها سهوكة ورائحة منكرة، وهذا من أوكد الأشياء في ظهور رداءة هذا الماء وعفنه. وقد بيّن أبقراط وجالينوس أنّ أسرع المياه إلى العفن ما لطّفته الشّمس بمياه الأمطار. ومن شأن هذا الماء أن يصل إلى أرض مصر وهو في الغاية من اللّطافة من شدّة حرارة بلاد السّودان، فإذا اختلط به عفونات أرض مصر زاد ذلك في استحالته، ولذلك يتولّد فيه من أنواع السّمك شيء كثير جدّا، فإنّ فضول الحيوانات والنّبات وعفونة هذا الماء وبيض السّمك يصير جميعها مواد في تكوّن هذه الأسماك كما قال أرسطاطاليس في كتاب «الحيوان». وذلك شيء ظاهر للحسّ، فإنّ كلّ شيء يتعفّن يتولّد من عفونته الحيوان، ولهذا صار ما يتولّد من الدّود والفأر والثّعابين والعقارب والزّنابير والذّباب وغيرها بأرض مصر كثيرا. فقد استبان أنّ المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة/ والرّطوبة الفضليّة، وأنّها ذات أجزاء كثيرة، وأنّ هواءها وماءها رديئان (١).

стр. 295

وربّما انقطع النّيل في آخر الرّبيع وأوّل الصّيف من جهة الفسطاط، فيعفن بكثرة ما يلقى فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن يصير له رائحة منكرة محسوسة. وظاهر أنّ هذا الماء إذا صار على هذه الحالة غيّر مزاج الناس تغيّرا محسوسا. وينبغي أن يستقى ماء النّيل من الموضع الذي فيه جريه أشدّ والعفونة فيه أقلّ (١). ويصفّي كلّ إنسان هذا الماء بحسب ما يوافق مزاجه: أما المحرورون في أيام الصيف فبالطّباشير والطّين الأرمنيّ والمغرة والنّبق المرضوض والزّعرور المرضوض والخلّ، وأما المبرودون في أيام الشّتاء فباللّوز المرّ وداخل نوى المشمش والصّعتر والشّب. وينبغي أن يقطف (¬a) ما يروّق ويشرب، وإن شئت أن تصفّيه بأن تجعله في آنية الخزف والفخّار والجلود و [تأخذ] (¬b) ما يمصل من ذلك بالرّشح، وإن شئت طبخته بالنار وجعلته في هواء الليل حتى يروق، ثم قطفت (¬c) منه ما يروّق واستعملته. وإذا ظهرت فيه كيفيات رديئات فاطبخه بالنار، ثم برّده تحت السّماء في برودة الليل، وصفّه بأخلاط الأدوية التي ذكرتها. وأجود ما اتّخذ هذا الماء أن يصفّى مرارا، وذلك بأن تسخّنه أو تطبخه، ثم تبرّده في هواء الليل، وتقطف ما يروق منه، فتصفّيه أيضا ببعض الأدوية، ثم تأخذ ما يروّق فتجعله في آنية تمصل في برد الليل، وتأخذ الرّشح فتشربه. واجعل آنية هذا الماء في الصّيف الخزف والفخّار المعمولين في طوبة، والظّروف الحجرية والقرب ونحوها ممّا يبرّد، وفي الشّتاء الآنية الزّجاج والمدهون وما يعمل في الصّيف من الفخّار والخزف. ويكون موضعه في الصّيف تحت الأسراب وفي مخاريق ريح الشّمال، وفي الشّتاء بالمواضع الحارّة. ويبرّد في الصيف بأن يخلط معه ماء الورد، وتؤخذ خرقة نظيفة، ويشدّ فيها طباشير أو بزر (¬d) رجلة أو خشخاش أبيض أو طين أرمنيّ أو مغرة، ويلقى فيه كيما يأخذ من بردها ولا يخالطه جسمها، وتغسل ظروفه (¬e) في الصيف بالخزف المدقوق وبدقيق الشّعير والباقلاّء والصّندل، وفي الشّتاء بالأشنان والسّعد، ويبخّر بالمصطكى والعود.

стр. 296

وأردأ ما يكون ماء النّيل بمصر عند فيضه، وعند وقوف حركته، فعند ذلك ينبغي أن يطبخ ويبالغ في تصفيته بقلوب نوى المشمش، وسائر ما يقطع لزوجته. وأجود ما يكون في طوبة عند تكامل البرد، ومن أجل هذا عرف (¬a) المصريون بالتّجربة أنّ ماء طوبة أجود المياه، حتى صار كثير منهم يخزّنه في القوارير الزّجاج والصّيني، ويشربه السّنة كلها، ويزعم أنّه لا يتغيّر، وصاروا أيضا لا يصفّونه في هذا الزمان لظنّهم أنّه على غاية الخلاص. وأمّا أنت فلا تسكن إلى ذلك، وصفّه على أي حالة كان، فالماء المخزون لابد أن يتغيّر (١). فهذا ما عندي من ذمّ ماء النّيل، وحاصله أنّ الماء تتغيّر كيفيته بما يمرّ عليه لا أنّ ذاته رديّة. فلا يهولنّك ما تسمع، فما الأمر إلاّ ما قلت لك. وإذا كان الضّرر بحسب ما تغيّر من كيفيته لا من كميته، فقد عرفت ما تعالجه به كي يزول ما يخالطه من الكيفيات الرّديّة. واللّه الموفّق بمنّه وكرمه. ذكر عجائب النّيل / (¬b) قال المسعوديّ: وفي نيل مصر وأرضها عجائب كثيرة من الحيوانات، فمن ذلك السّمك المعروف بالرّعّاد، والواحدة نحو الذّراع، إذا وقعت في شبكة الصّيّاد ارتعدت يده وعضده فيعلم بوقوعها، فيبادر إلى أخذها وإخراجها من شبكته، ولو أمسكها بخشب أو قصب فعلت ذلك؛ وقد ذكرها جالينوس، وأنّها إن جعلت على رأس من به صداع شديد أو شقيقة - وهي في الحياة - هدأ من ساعته (٢). قال ابن البيطار (٣) عن جالينوس: هو الحيوان البحري الذي يحدث الخدر؛ وزعم (¬c) قوم أنّه إذا أدني من رأس من يشتكي الصّداع سكن صداعه، وإن أدني من مقعدة من انقلبت مقعدته

стр. 297

أصلحتها. ولكني أنا جرّبت الأمرين جميعا فلم أجده يفعل ولا واحدا منهما، ففكّرت أني أدنيه من رأس صاحب الصّداع (¬a) والحيوان و (¬b) هو حيّ، لأنّني ظننت أنّه على هذه الحال يكون دواء يمكن أن يسكّن الصّداع بمنزلة الأدوية الأخر (¬c) [التي تحدر الحمّى] (¬d)، فوجدته ينفع ما دام حيّا. قال ديسقوريدس (١): هو سمكة بحرية مخدّرة إذا وضعت على الرأس الذي عرض له الصّداع المزمن سكّن شدّة وجعه، وإذا احتمله ذو المقعدة التي تبرز إلى خارج أصلحها. وقال يونس (¬e): الزّيت الذي يطبخ فيه يسكّن أوجاع المفاصل الحرّيفة إذا دهنت به. قال ابن البيطار: رأيت بساحل مدينة مالقة من بلاد الأندلس سمكة عريضة، لون ظاهرها لون رعّاد مصر سواء، وباطنها أبيض، وفعلها في تخدير ماسكها كفعل رعّاد مصر أو أشدّ، إلاّ إنّها لا تؤكل ألبتّة (٢).

стр. 298

وقال بعضهم: إذا علّقت المرأة شيئا من الرّعّاد عليها، لم يطق زوجها البعد عنها، وكذلك إن علّق منها الرجل عليه لم تكد المرأة أن تفارقه. والسّقنقور وهو صنف يتوالد من السّمك والتّمساح، فلا يشاكل السّمك لأنّ له يدين ورجلين، ولا يشاكل التّمساح لأنّ ذنبه أجرد أملس عريض غير مضرّس، وذنب التّمساح مسيّف مضرّس؛ ويتعالج بشحم السّقنقور للجماع. ولا يكون بمكان إلاّ في النّيل وفي نهر مهران من أرض الهند. ولقد بلغني أنّ أقواما شووها وأكلوا منها فماتوا كلّهم في ساعة واحدة (١). والسّقنقور، قال ابن سينا: هو ورل مائي (¬a) يصاد من نيل مصر، يقولون إنّه من نسل التّمساح، وأجود ما يصطاد في الرّبيع (٢). وقال آخر: إنّه فرخ التّمساح، فإذا خرج من البيض: فما قصد الماء صار تمساحا، وما قصد الرّمل صار سقنقورا. وقال ابن البيطار: هو جنس من الحراذين (¬b) يجفّف في الخريف، إذا شرب منه وزن درهمين من الموضع الذي يلي كلاه بشراب أنهض شهوة (¬a) الجماع؛ وهو شديد الشّبه بالورل يوجد بالرّمال التي تلي نيل مصر في نواحي صعيدها، وهو ممّا يسعى في البرّ ويدخل في الماء - يعني النّيل - ولهذا قيل له الورل المائي لشبهه به ولدخوله في الماء. وهو يتولّد من ذكر وأنثى، ويوجد للذكر خصيتان كخصيتي الدّيك في خلقتهما وموضعهما، وإناثه تبيض فوق العشرين بيضة وتدفنها في الرمل؛ وللذّكر من السّقنقور إحليلان، وللأنثى فرجان. والسّقنقور يعضّ الإنسان ويطلب الماء، فإن وجده دخل فيه وإن لم يجده بال وتمرّغ في بوله، فإذا فعل ذلك مات المعضوض لوقته وسلم السّقنقور، فإن اتّفق أن سبق المعضوض إلى الماء، فدخله قبل دخول السّقنقور الماء وتمرّغه في بوله، مات السّقنقور لوقته وسلم المعضوض. والأفضل الذّكر منه، والأبلغ في نفع الباه، بل هو المخصوص بذلك دون الأنثى. والمختار من أعضائه ما يلي [متنه و] (¬c) أصل ذنبه ومحاذي سرّته. والوقت الذي يصاد فيه الرّبيع، فإنّه يكون فيه هائجا للسّفاد فيكون في هذا الوقت أبلغ نفعا، فإذا أخذ ذكي في يوم صيده، فإنّه إن ترك حيّا زال شحمه وهزل لحمه وضعف فعله، ثم يقطع

стр. 299

رأسه وطرف ذنبه من غير استئصال، ويشقّ جوفه طولا، ويلقى ما فيه إلاّ كلاه وكيسه. فإذا نظّف حشي ملحا، وخيط الشّقّ، وعلّق منكوسا في ظلّ معتدل الهواء حتى يجفّ ويؤمن فساده، ثم يرفع في إناء متخرّق للهواء كالسّلال المضفورة من قضبان شجر الصّفصاف والخوص ونحوه إلى وقت الحاجة. ولحمه - طريّا - حار رطب، والمجفّف أشدّ حرارة وأقلّ رطوبة، ولا يوافق استعماله من مزاجه حار يابس، وإنّما يوافق ذوي الأمزجة الباردة الرّطبة. وخاصّة لحمه وشحمه إنهاض شهوة الجماع، ويهيّج الشّبق، ويقوّي الإنعاظ، وينفع أمراض العصب الباردة، وخاصّة ما يلي سرّته ويحاذي ذنبه. وينفع مفردا ومركّبا، واستعماله مفردا أبلغ؛ والمقدار منه بعد تجفيفه من مثقال إلى ثلاثة مثاقيل - بحسب السّنّ والمزاج والبلد والوقت الحاضر - يسحق ويذاب بشراب أو ماء العسل أو نقيع الزّبيب، أو يذرّ على صفرة بيض الدّجاج النيمرشت ويحتسى، وكذلك يفعل بلحمه إذا أخذ منه من درهم إلى درهمين وذرّ على صفرة البيض بمفرده أو مع مثله بزر جرجير مسحوق. ولا يوجد السّقنقور إلاّ في بلاد الفيّوم خاصّة، وأكثر صيده في الأربعينات إذا اشتدّ البرد وخرج/ من الماء إلى البر، فحينئذ يصاد (١). (٢) ومن عجائب النّيل فرس البحر (٣)، قال عبد اللّه بن أحمد بن سليم الأسواني في كتاب «أخبار النّوبة» (٤): ومسافة ما بين دمقلة إلى أوّل بلد علوة أكثر ممّا بين دمقلة وأسوان، وفي ذلك من القرى والضّياع والجزائر والمواشي والنّخل والشّجر والمقل والزّرع والكرم أضعاف ما في الجانب الذي يلي أرض الإسلام. وفي هذه الأماكن جزائر عظام مسيرة أيّام، فيها الحيّات والوحوش والسّباع، ومفاوز يخاف فيها العطش. وماء النّيل ينعطف من هذه النّواحي إلى مطلع الشّمس وإلى مغربها مسافة أيام،

стр. 300

حتى يصير المصعد (¬a) كالمنحدر، وهي الناحية التي تبلغ العطوف من النّيل إلى المعدن المعروف بالشّنكة، وهي بلد معروف بشنقير، ومنه يخرج القمري، وفرس البحر يكثر في هذا الموضع. وحدّثني سيمون، صاحب عهد علوة، أنّه أحصى في جزيرة سبعين دابّة منها، وهي من دواب الشّطوط: في خلق الفرس، في غلظ الجاموس، قصيرة القوائم، لها خفّ، وهي في ألوان الخيل بأعراف وآذان صغار كآذان الخيل، وأعناقها كذلك، وأذنابها مثل أذناب الجواميس، ولها خطم (¬b) عريض، يظنّ النّاظر إليها أنّ عليها مخلاة لها صهيل وأنياب، لا يقوم حذاءها تمساح، وتعترض المراكب عند الغضب فتغرقها، ورعيها في البرّ العشب، وجلدها في متانة عظيمة، يتّخذ منه دبابيس. انتهى. وهو كفرس البرّ إلاّ أنّه أكبر عرفا وذنبا، وأحسن لونا، وحافره مشقوق كحافر البقر، وجثّته أكبر من الحمار بقليل، وهو يأكل التّمساح أكلا ذريعا، ويقوى عليه قوّة ظاهرة، وربّما خرج من الماء ونزا على فرس البرّ فيتولّد بينهما فرس في غاية الحسن. واتّفق أنّ بعض الناس نزل على طرف النّيل ومعه حجر (١)، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض، فنزا على الحجر (¬c) فحملت منه وولدت مهرا عجيب الصورة؛ فطمع في مهر آخر، فجاء بالحجر والمهر إلى ذلك الموضع، فخرج الفرس من الماء وشمّ المهر ساعة، ثم وثب إلى الماء ومعه المهر؛ فصار الرجل يتعهّد ذلك الموضع كثيرا، فلم يعد الفرس ولا المهر إليه. وقال المسعودي: والفرس الذي يكون في نيل مصر إذا خرج من الماء وانتهى وطؤه إلى بعض المواضع من الأرض، علم أهل مصر أنّ النّيل يزيد إلى ذلك الموضع بعينه غير زائد عليه ولا مقصّر عنه، لا يختلف ذلك عندهم لطول العادات والتّجارب؛ وفي ظهوره من الماء ضرر بأرباب الأرض والغلاّت لرعيه الزّرع، وذلك أنّه يظهر من الماء في اللّيل فينتهي إلى موضع من الزّرع، ثم يولّي عائدا إلى الماء فيرعى في حال رجوعه من الموضع الذي انتهى إليه مسيره، ولا يرعى من ذلك الذي قد رعاه شيئا في ممرّه، وإذا رعى ورد الماء وشرب، ثم قذف ما في جوفه في مواضع شتّى، فينبت ذلك مرّة ثانية؛ وإذا كثر ذلك من فعله واتّصل ضرره بأرباب الضّياع، طرحوا له من

стр. 301

التّرمس في الموضع الذي يعرف خروجه منه، مكاكي (¬a) كثيرة، مبذّرا مبسوطا، فيأكله ثم يعود إلى الماء، فإذا شرب منه ربا التّرمس في جوفه وانتفخ، فينشقّ جوفه منه ويموت، ويطفو على الماء ويقذف به إلى السّاحل؛ والموضع الذي يرى فيه لا يرى به تمساح وهو على صورة الفرس إلاّ أن حوافره وذنبه بخلاف ذلك، وجبهته واسعة (١). وقال المسبّحيّ: إنّ الصّنف المعروف بالبلطي من أصناف السّمك أوّل ما عرف بنيل مصر في أيام الخليفة العزيز بالله نزار بن المعزّ لدين اللّه، ولم يكن يعرف قبله في النّيل. وظهر في أيّامه أيضا سمك يعرف باللّبيس، وإنّما سمّي باللّبيس لأنّه يشبه البوري الذي بالبحر الملح فالتبس به، وغالب الظّنّ أنّها من أسماك البحر الملح دخلت في الحلو (٢). ومن حيوان البحر التّمساح، قال ابن البيطار: التّمساح حيوان معروف يكون في الأنهار الكبار، وفي النّيل كثيرا، ويوجد في نهر مهران، وقد يوجد في بلاد السّودان، وهو الورل النّيلي. وقال ابن زهر (٣): إنّ كلّ حيوان يحرّك فكّه الأسفل إذا أكل، ما خلا التّمساح، فإنّه يحرّك فكّه الأعلى دون الأسفل. وشحم التّمساح إذا عجن بالسّمن وجعل فيه فتيلة وأسرج في نهر أو أجمة، لم تنقّ (¬b) ضفادعها ما دامت تقد، وإن طيف بجلد تمساح حول قرية، ثم علّق على سطح دهليز لم يقع البرد في تلك القرية. وإذا غضّ التّمساح إنسانا، فوضع على العضّة شحم التّمساح، برئ من ساعته؛ وإن لطّخ بشحمه جبهة كبش نطّاح، نفر كلّ كبش يناطحه وهرب منه. ومرارته يكتحل بها للبياض في العين فتذهبه. وكبده يبخّر بها المجنون فيبرأ.

стр. 302

وزبل التّمساح يزيل البياض من العين الحديث والقديم، وإن قلعت عيناه وهو حيّ وعلّقت على من به جذام أوقفه، ولم يزد عليه شيء. وإن علّق شيء من [أسنانه] (¬a) التي بالجانب الأيمن على رجل زاد في جماعه، وعينه اليمنى لمن يشتكي عينه اليمنى، وعينه اليسرى لمن يشتكي عينه اليسرى. وشحمه إذا أذيب بدهن ورد نفع من وجع القلب (¬b) والكليتين، وزاد في الباه. وإذا أخذ دم التّمساح وخلط به هليلج وأملح وطلي به على الوضح (١) أذهبه وغيّر لونه، وإذا طلي به على الجبهة والصّدغين نفع من وجع الشّقيقة. وإذا أكل لحمه أسفيدباجا سمّن البدن النّحيف، وشحمه إذا قطّر بعد أن يذاب في الأذن الوجعة نفعها، وإن أدمن تقطيره في الأذن نفع من الصّمم، وإذا دهن به صاحب حمّى الرّبع سكنت عنه؛ ولحمه رديء الكيموس (٢). وقال المسعودي: وكذلك التّمساح آفته من دويبّة تكون في سواحل النّيل وجزائره، وهو أنّ التّمساح لا دبر له وما يأكله يتكوّن في بطنه دودا، فإذا آذاه ذلك خرج إلى البرّ فاستلقى على قفاه فاغرا فاه، فينقضّ إليه طير الماء - وقد اعتاد منه ذلك - فيأكل ما يظهر من جوفه من ذلك الدّود العظيم، وتكون تلك الدويبّة قد كمنت في الرّمل، فتثب إلى حلقه وتصير إلى جوفه، وتخرج فيخبط بنفسه إلى الأرض، ويطلب قعر النّيل، حتى تأتي الدويبّة على حشوة جوفه ثم تخرق جوفه وتخرج. وربّما قتل نفسه قبل أن تخرج فتخرج بعد موته [من جوفه] (¬c)؛ وهذه الدويبّة تكون نحو الذّراع، على صورة ابن عرس، ذات قوائم شتّى ومخالب (٣). ويقال كان بجبال فسطاط مصر طلّسم معمول بها، وكان التّمساح لا يستطيع الإضرار (¬d) حوله، بل كان إذا بلغ حدوده انقلب واستلقى على ظهره فيعبث به الصّبيان إلى أن يجاوز نهاية المدينة، ثم يعود مستويا ويعود إلى طباعه، ثم إنّ هذا الطّلّسم كسر فبطل فعله. ويقال إنّ التّمساح يبيض كبيض الإوزّ، وربّما تولّد فيه جرادين صغار، ثم تكبر حتى يبلغ طولها عشرة أذرع، وتزداد طولا كلّما عمّرت. والتّمساح يجامع (¬e) ستين مرّة في حركة واحدة ومحلّ واحد، وسنّه اليسرى نافعة للنافض.

стр. 303

ذكر طرف من تقدمة المعرفة بحال النّيل في كلّ سنة قال ابن رضوان في شرح الأربع (١): وقد يحتاج أمر النّيل إلى شروط: منها أن تكون الأمطار متوالية في نواحي الجنوب قبل مدّه وفي وقت مدّه، ولذلك وجب أن يكون النّيل - متى كانت الزّهرة وعطارد مقترنين في مدخل الصّيف - كثير الزّيادة لرطوبة الهواء، ومتى كان المرّيخ أو بعض المنازل في ناحية الجنوب في مدخل الرّبيع/ أو الصّيف، كان قليلا لقلّة الأمطار في تلك الناحية. ومنها أن تكون الرّياح شمالية لتوقف جريه، فأمّا الجنوبية فإنّها تسرع انحداره ولا تدعه يلبث. فإذا علمت ما يكون في ناحية الجنوب من كثرة الأمطار أو قلّتها، وفي ناحية مصر من هبوب الرّياح في فصلي الرّبيع والصّيف، فقد علمت حال النّيل كيف يكون، وتعلم من حاله ما يعرض بمصر من الخصب والقحط (¬a). وقال ابن يونس المنجّم (٢) عن بطلميوس: إذا أردت أن تعلم مقدار النّيل في الزيادة والنّقصان، فانظر حين تحلّ الشّمس برج السّرطان إلى الزّهرة وعطارد والقمر: فإن كانت أحوالها جيّدة وهي برية من النّحوس، فالنّيل يمتدّ وتبلغ الحاجة به؛ وإن كانت أحوالها بخلاف ذلك وهي ضعيفة، فانكس القول، فإن ضعف بعضها وصلح البعض، توسّط الحال في النّيل. والضابط أنّ قوّة الثلاثة تدلّ على تمام النّيل، وضعفها على توسّطه، وانتحاسها أو احتراقها أو وقوعها في بعدها الأبعد من الأرض على النّقص وأنّه قليل جدّا، إلاّ أنّ احتراق الزّهرة في برج الأسد يستنزل الماء من الجنوب. وقال أبو معشر (٣): ينظر عند انتقال الشّمس إلى برج السّرطان للزّهرة وعطارد والقمر: فإن كانت في سيرها الأكبر فإنّ زيادة النّيل عظيمة، وإن كانت في سيرها الأوسط فاعرف كم أكثر

стр. 304

مسيرها وكم أقلّه وانسبه بحسب ما تراه، وإن كانت بطيئة السّير فزيادة النّيل قليلة، وإن اختلف مسير هذه الثلاثة فكان بعضها في مسيره الأكبر وبعضها بطيء السّير فغلّب أقواها وامزج الدّلالة، وقل بحسب ذلك. وقالت القبط: ينظر أوّل يوم من شهر برمودة، ما الذي يوافقه من أيام الشّهر العربي، فما كان من الأيام، فزد عليه خمسة وثمانين، فما بلغ خذ سدسه فإنّه يكون عدد مبلغ النّيل من الأذرع في تلك السنة. قالوا: ومن المعتبر أيضا في أمر النّيل أن تنظر اليوم الذي تفطر فيه النّصارى اليعاقبة بمصر، وما بقي من الشّهر العربي فزد عليها أربعا وثلاثين، فما بلغ أسقطه اثني عشر، فإن بقي بعد ذلك الإسقاط من العدد زيادة على اثني عشر فهو زيادة النّيل من الأذرع في تلك السنة مع الاثنى عشر، وإن بقي اثنا عشر فهي سنة رديئة. قالوا: وإذا كان العاشر من الشهر العربي موافقا لشهر أبيب، والقمر في برج العقرب، فإن كان مقارنا لقلب العقرب كان النّيل مقصّرا وإلاّ فهو جيّد. قالوا: وينظر أوّل يوم من بئونة، فإن هبّت الرّيح شمالا في بكرة النّهار كانّ النّيل عاليا، وإن هبّت وسط النّهار فإنّه متوسّط، وإن هبّت آخر النّهار كان نيلا قاصرا، وإن لم تهب لم يطلع تلك السّنة. وقيل يعتبر هكذا أوّل خميس من بئونة. ومن المعتبر الذي جرّبته أنا سنين، وأخبرني بعض شيوخنا أنّه جرّبه وأخبره به من جرّبه فصحّ، أن ينظر أوّل يوم من مسرى كم مبلغ النّيل، فزد عليه ثمانية أذرع، فما بلغ فهو زيادة النّيل في تلك السّنة. وممّا اشتهر عند أهل مصر - وجرّبته أيضا فصحّ - أن يؤخذ قبل عيد ميكائيل بيوم في وقت الظّهر من الطّين الذين مرّ عليه ماء النّيل قطعة زنتها ستة عشر درهما سواء، وترفع في إناء مغطّى

стр. 305

إلى بكرة يوم عيد ميكائيل، وتوزن، فما زاد على وزنها من الخراريب كان مبلغ النّيل في تلك السنة بقدر عدد تلك الخراريب، لكلّ خرّوبة ذراع؛ ومع ذلك فلابد من (¬a) أخذ شيء من دقيق القمح وعجنه بماء النّيل في إناء فخّار، وقد عمل من طين مرّ عليه النّيل، وتركه مغطّى طول ليلة عيد ميكائيل، فإذا وجد بكرة يوم العيد قد اختمر بنفسه كان النّيل تامّا وافيا، وإن وجد لم يختمر دلّ على قصور هذا النّيل. ثم ينظرون مع ذلك بكرة يوم عيد ميكائيل إلى الهواء، فإن هبّت طيابا فهو نيل كبير، وإن هبّت غير طياب فهو نيل مقصّر، لا سيّما إن هبّت مريسيّا فإنّه يكون نيلا غير كاف. والشأن عندهم إنّما هو في دلالة العلامات الثّلاث على شيء واحد، فأمّا إذا اختلف فالحكم لا يكاد يصح. وقال أبو الرّيحان محمد بن أحمد البيروني في كتاب «الآثار الباقية عن القرون الخالية»: وذكر أصحاب التّجارب أنّه إذا تقدّم فعمد إلى لوح، وزرع عليه من كلّ زرع ونبات، حتى إذا كانت الليلة الخامسة والعشرون من شهر تموز - أحد شهور الرّوم وهي آخر أيام الباحور - ثم وضع اللّوح بارزا لطلوع الكواكب وغروبها، [بحيث] (¬b) لا يحول بينه وبين السّماء شيء، فإنّ كلّ ما يزكو (¬c) في تلك السّنة من الزّروع يصبح أصفر، وما لا يصلح (¬d) ريعه منها يبقى أخضر، وكذلك كانت القبط تفعل ذلك (١). وقد جرّبت أنا - على ما أفادنيه بعض الكتّاب - أنّه إذا حصل مطر، ولو قلّ، في شهر بابة، ينظر ما ذلك اليوم من الشهر القبطي، فإنّه يبلغ سعر الويبة القمح تلك السّنة من الدّراهم بعدد ما مضى من أيام شهر بابة. وأوّل ما جرّبت هذا أنّه وقع مطر في بابة يوم الخميس الخامس عشر منها، فبيعت الويبة تلك السنة بخمسة عشر درهما.

стр. 306

ذكر عيد الشّهيد وممّا كان يعمل بمصر عيد الشّهيد، وكان من أنزه فرج أهل (¬a) مصر، وهو اليوم الثامن من بشنس - أحد شهور القبط -/، ويزعمون أنّ النّيل بمصر لا يزيد في كلّ سنة حتى يلقي النّصارى فيه تابوتا من خشب، فيه أصبع من أصابع كبرائهم (¬b)، ويكون ذلك اليوم عيدا ترحل إليه النّصارى من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل ويلعبون عليها. ويخرج كافّة (¬c) أهل القاهرة ومصر على اختلاف طبقاتهم، وينصبون الخيم الكبيرة (¬d) على شطوط النّيل وفي الجزائر، ولا يبقى مغنّ ولا مغنّية ولا صاحب لهو ولا ربّ ملعوب ولا بغيّ ولا مخنّث ولا ماجن ولا خليع ولا فاتك ولا فاسق، إلاّ ويخرج لهذا العيد. فيجتمع عالم عظيم (¬e) لا يحصيهم إلاّ خالقهم، وتصرف أموال لا تحصر (¬f)، ويتجاهر الناس من القبح (¬g) بما لا يحتمل من المعاصي والفسوق، وتثور فتن، ويقتل أناس، ويباع من الخمر خاصّة في ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضّة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا، وباع نصرانيّ في يوم واحد باثني عشر ألف درهم فضّة من الخمر. وكان اجتماع النّاس لعيد الشّهيد دائما بناحية شبرا من ضواحي القاهرة، وكان اعتماد فلاّحي شبرا دائما في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشّهيد. ولم يزل الحال على ما ذكر من الاجتماع كذلك إلى أن كانت سنة اثنتين وسبع مائة - والسّلطان يومئذ بديار مصر الملك النّاصر محمد بن قلاوون، والقائم بتدبير الدولة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستادّار السّلطان، والأمير سيف الدين سلار نائب السّلطنة بديار مصر - فقام الأمير بيبرس في إبطال ذلك قياما عظيما، وكان إليه أمور ديار مصر هو والأمير سلار، والنّاصر تحت حجرهما لا يقدر على شبع بطنه إلاّ من تحت أيديهما. فتقدّم أمر الأمير بيبرس ألاّ يرمى أصبع في النّيل، ولا يعمل له عيد، وندب الحجّاب ووالي القاهرة لمنع النّاس من الاجتماع بشبرا على عادتهم. وخرج البريد إلى سائر أعمال مصر ومعهم الكتب إلى الولاة بإجهار النّداء وإعلانه في الأقاليم بألاّ يخرج أحد من النّصارى، ولا يحضر لعمل عيد الشّهيد. فشقّ ذلك على أقباط مصر كلّهم، من أظهر الإسلام منهم وزعم أنّه مسلم، ومن هو باق على

стр. 307

نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض. وكان منهم رجل يعرف بالتّاج بن سعيد الدّولة (١) يعاني الكتابة، وهو يومئذ في خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، كما هي عادة ملوك مصر وأمرائها من الأتراك في الانقياد لكتّابهم من القبط، سواء منهم من أسرّ الكفر ومن جهر به. ومازال الأقباط بالتّاج إلى أن تحدّث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك، وخيّل له من تلف مال الخراج إذا بطل هذا العيد، فإنّ أكثر خراج شبرا إنّما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لم يطلع النّيل أبدا، ويخرب إقليم مصر لعدم طلوع النّيل ونحو ذلك من هتف القول، وتنميق المكر. فثّبت اللّه الأمير بيبرس وقوّاه حتى أعرض عن جميع ما زخرفه من القول، واستمرّ على منع عمل العيد وقال للتاج: إن كان النّيل لا يطلع إلاّ بهذا الأصبع فلا يطلع، وإن كان اللّه سبحانه هو المتصرّف فيه، فنكذّب النّصارى. فبطل العيد من تلك السّنة، ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة (٢). وعمّر الملك النّاصر محمد بن قلاوون الجسر في بحر النّيل، ليرمي قوّة التّيّار عن برّ القاهرة إلى ناحية الجيزة (¬a)، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب (٣). فطلب الأمير يلبغا اليحياوي والأمير ألطنبغا المارديني من السّلطان أن يخرجا إلى الصّيد ويغيبا مدّة، فلم تطب نفسه بذلك لشدّة غرامه بهما وتهتّكه في محبّتهما، وأراد صرفهما عن السّفر فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشّهيد فيكون تفرّجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصّيد - وكان قد قرب أوان وقت عيد الشّهيد - فرضيا منه بذلك، وأشيع في الإقليم إعادة عمل عيد الشّهيد. فلمّا كان اليوم الذي كانت العادة بعمله فيه، ركب الأمراء النّيل في الشّخاتير (٤) بغير حراريق، واجتمع الناس من كلّ

стр. 308

جهة، وبرز أرباب الغناء وأصحاب اللّهو والخلاعة فركبوا النّيل، وتجاهروا بما كانت عادتهم المجاهرة به من أنواع المنكرات، وتوسّع الأمراء في تنوّع الأطعمة والحلاوات وغيرها توسّعا خرجوا فيه عن الحدّ في الكثرة البالغة، وعمّ الناس منهم ما لا يمكن وصفه لكثرته، واستمرّوا على ذلك ثلاثة أيام. وكانت مدّة انقطاع عمل عيد الشّهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك النّاصر ستّا وثلاثين سنة. واستمرّ عمله في كلّ سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبع مائة (١) تحرّك المسلمون على النّصارى، وعملت أوراق بما قد وقف من أراضي مصر على كنائس النّصارى ودياراتهم، وألزم كتّاب الأمراء بتحرير ذلك وحمل الأوراق إلى ديوان الأحباس. فلمّا تحرّرت الأوراق، اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدّان كلها موقوفة على الدّيارات والكنائس، فعرضت على أمراء الدّولة القائمين بتدبير الدولة في أيّام الملك الصّالح صالح بن محمد بن قلاوون - وهم الأمير شيخو العمري، والأمير صرغتمش، والأمير طاز - فتقرّر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم، وألزم النّصارى بما يلزمهم من الصّغار، وهدمت لهم عدّة كنائس، كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب/ عند ذكر الكنائس (٢). فلمّا كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة، خرج الحاجب والأمير علاء الدين عليّ بن الكوراني والي القاهرة إلى ناحية شبرا الخيام من ضواحي مصر، فهدمت كنيسة النّصارى، وأخذ منها أصبع الشّهيد في صندوق وأحضر إلى الملك الصّالح، وأحرق بين يديه في الميدان، وذرّي رماده في البحر حتى لا يأخذه النّصارى، فبطل عيد الشّهيد من يومئذ إلى هذا الشّهر (¬a)، وللّه الحمد (¬b) (٣).

стр. 309

ذكر الخلجان التي شقّت من النّيل اعلم أنّ النّيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع يتخرّق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النّيل. وأكثر الخلجان والتّرع والجسور والأخوار بالوجه البحري، وأمّا الوجه القبلي - وهو بلاد الصّعيد - فإنّ ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هناك (¬a) (١). والمشهور من الخلجان: خليج سخا (¬b)، وخليج منف، وخليج المنهى، وخليج أشموم طناح، وخليج سردوس، وخليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج القاهرة، وبحر أبي المنجّا، والخليج النّاصري ظاهر القاهرة (٢). قال ابن عبد الحكم، عن أبي رهم السّماعيّ، قال: كانت مصر ذات قناطر وجسور بتقدير وتدبير، حتى إنّ الماء ليجري تحت منازلها وأقنيتها فيحبسونه كيف شاءوا ويرسلونه كيف شاءوا، فذلك قوله تعالى عما حكى عن قول فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ اَلْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الآية ٥١ سورة الزخرف]. ولم يكن يومئذ في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنّات بحافتي النّيل من أوّله إلى آخره في الجانبين معا جميعا - ما بين أسوان إلى رشيد، وسبع خلج: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج منف، وخليج الفيّوم، وخليج المنهى، وخليج سردوس - جنّات متّصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزّرع ما بين الجبلين من أوّل مصر إلى آخرها ممّا يبلغه الماء. وكان جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا، لما قدّروا ودبّروا من قناطرها وخلجها وجسورها، فذلك قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الآيتان ٢٥، ٢٦ سورة الدخان]. قال: والمقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر (٣).

стр. 310

خليج سخا وخليج سخا حفره تدارس بن صا بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح، وهو أحد ملوك القبط القدماء الذين ملكوا مصر في الدّهر الأوّل. قال ابن وصيف شاه: تدارس الملك أوّل من ملك الأحياز كلّها بعد أبيه صا، وصفا له ملك مصر. وكان تدارس محنّكا مجرّبا، ذا أيد وقوّة ومعرفة بالأمور، فأظهر العدل، وأقام الهياكل وأهّلها قياما حسنا، ودّبر جميع الأحياز. ويقال إنّه الذي حفر خليج سخا، وارتفع مال البلد على يده مائة ألف ألف دينار وخمسين ألف ألف دينار (١). وقصده بعض عمالقة الشّام، فخرج إليه واستباحه، ودخل فلسطين وقتل بها خلقا، وسبى بعض حكمائها وأسكنهم مصر، وهابته الملوك. وعلى رأس ثلاثين من ملكه طمع السّودان من الزّنج والنّوبة في أرضه، وعاثوا وأفسدوا. فجمع الجيوش من أعمال مصر وأعدّ المراكب، ووجّه قائدا يقال له بلوطس (¬a) في ثلاث مائة ألف، وقائدا آخر في مثلها، ووجّه في النّيل ثلاث مائة سفينة في كلّ سفينة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب. ثم خرج في جيوش كثيرة فلقى جمع السّودان - وكانوا في زهاء ألف ألف - فهزمهم وقتل أكثرهم أبرح قتل، وأسر منهم خلقا، وتبعتهم جيوشه حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من بلاد الزّنج، فأخذوا منها عدّة ومن النّمور والوحوش، وساقوها إلى مصر فذلّلها. وعمل على حدود بلده منارا وزبر عليه مسيره وظفره والوقت الذي سار فيه. ومات بمصر، فدفن في ناووس نقل إليه شيئا كثيرا من أصنام الكواكب، ومن الذّهب والجوهر والصّنعة (¬b) والتّماثيل، وزبر عليه اسمه وتاريخ هلاكه، وجعل عليه طلّمسات تمنع منه، وعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس (٢).

стр. 311

خليج سردوس حفره هامان، قال ابن وصيف شاه: طلما بن قومس الملك جلس على سرير الملك، وحاز جميع ما كان في خزائنهم، وهو الذي تذكر القبط أنّه فرعون موسى، فأمّا أهل الأثر فيزعمون أنّه الوليد بن مصعب، وأنّه من العمالقة، وذكروا أنّ الفراعنة سبعة. وكان طلما - فيما حكي عنه - قصيرا، طويل اللّحية، أشهل العينين، صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وكان أعرج. وزعم قوم أنّه من القبط، ونسب أهل بيته مشهور عندهم (١). وذكر آخرون أنّه دخل منف على أتان عليها نطرون جاء ليبيعه، وكانوا قد اضطربوا في تولية الملك، فرضوا أن يملّكوا عليهم أوّل من يطرأ من الناس، فلمّا رأوه ملّكوه عليهم (٢). ولمّا جلس في الملك بذل الأموال وقرّب (¬a) من أطاعه، وقتل من خالفه، فاعتدل أمره. واستخلف هامان، وكان يقرب منه في نسبه، وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجانا كثيرة، ويقال إنّه الذي حفر خليج سردوس، وكان كلّما عرّجه إلى قرية من قرى الحوف حمل إليه أهلها مالا، حتى اجتمع من ذلك مال كثير، فأمر بردّه على أهله (٣). وقال ابن عبد الحكم/ عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ﵄: إنّ فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس، فلمّا ابتدأ حفره أتاه أهل كلّ قرية يسألونه أن يجري الخليج تحت قريتهم ويعطونه مالا. قال: وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق (¬b)، ثم يردّه إلى قرية من نحو دبر القبلة، ثم يردّه إلى قرية في الغرب، ثم يردّه إلى أهل قرية في القبلة، ويأخذ من أهل كلّ قرية مالا حتى اجتمع له من ذلك مائة ألف دينار، فأتى بذلك يحمله إلى فرعون، فسأله عن ذلك فأخبره بما

стр. 312

فعل في حفره فقال له فرعون: ويحك، إنّه ينبغي للسيّد أن يعطف على عباده، ويفيض عليهم، ولا يرغب فيما بأيديهم، ردّ على أهل كلّ قرية ما أخذت منهم؛ فردّه كلّه على أهله. قال: فلا يعلم بمصر خليج أكثر انعطافا منه، لما فعل هامان في حفره، وكان هامان نبطيّا (¬a) (١). خليج الإسكندريّة قال ابن عبد الحكم: ويقال إنّ الذي بنى منارة الإسكندرية قلبطرة الملكة، وهي التي ساقت خليجها حتى أدخلته الإسكندرية، ولم يكن يدخلها الماء، كان يعدل من يقال لها كسّا قبالة الكريون، فحفرته حتى أدخلته الإسكندرية، وهي التي بلّطت قاعه (٢). وقال الكنديّ: إنّ الحارث بن مسكين قاضي مصر حفر خليج الإسكندرية (٣). وقال الأسعد بن ممّاتي (٤) في كتاب «قوانين الدّواوين»: خليج الإسكندرية عليه عدّة ترع، وطوله من فمّ الخليج ثلاثون ألف قصبة وستّ مائة قصبة، وعرضه من قصبتين ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف. ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النّيل: فإن كان مقصرا قصرت مدّة إقامته فيه، وإن كان عاليا أقام فيه ما يزيد على شهرين. ورأيت جماعة من أهل الخبرة وذوي المعرفة يقولون: إنّه إذا عملت من قبالة منية نتيج إلى نتيج زلاّقة، استقرّ الماء فيه صيفا وشتاء. ورويت (¬b) البحيرة جميعها وحوف رمسيس والكفور الشّاسعة، وزرع (¬c) عليه القصب والقلقاس والنّيلة وأنواع زراعة الصّيفي، وجرى مجرى بحر

стр. 313

الشرق والمحلّة، وتضاعفت عليه البلاد، وعظم ارتفاعها. وإقامة هذه الزّلاّقة ممكنة لوجود الحجارة في ربوة، والطّوب في البحيرة، وأنّهم قدّروا ما يحتاج إليه فوجدوه يناهز عشرة آلاف دينار (١). ويقال إنّه كان الماء فيه جاريا طول السنة، وكان السّمك فيه غاية من الكثرة بحيث تصيده الأطفال بالخرق، فضمنه بعض الولاة بمال، ومنع الناس من صيده، فعدم منه السّمك، ولم ير بعد ذلك فيه سمكة، فصار يخرج بالشّباك. خليج الفيّوم والمنهى ممّا حفره نبيّ اللّه يوسف الصّديق ﵇ عندما عمّر الفيّوم، كما هو مذكور في خبر الفيّوم من هذا الكتاب (٢). وهو مشتقّ من النّيل، لا ينقطع جريه أبدا، وإذا قابل النّيل ناحية دروة سربام التي تعرف اليوم بدروة الشّريف - يعني ابن يغلن النّائب في الأيام الظّاهريّة بيبرس - تشعّبت منه في غربيه شعبة تسمّى المنهى، تستقبل (¬a) نهرا يصل إلى الفيّوم، وهو الآن يعرف (¬b) ببحر يوسف، وهو نهر لا ينقطع جريانه في جميع السنة، فيسقي الفيّوم عامّة سقيا دائما، ثم يبحر فاضل مائه في بحيرة هناك. ومن العجب أنّه ينقطع ماؤه من فوهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندّى، ثم يجري جريا ضعيفا دون مكان البلل، ثم يستقلّ نهرا جاريا، لا يقطع إلاّ بالسّفن، ويتشعّب منه أنهار، وينقسم قسما يعمّ الفيّوم يسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامّة مساكنه (¬c) (٢). واللّه أعلم. خليج القاهرة هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربيّ، فيما بينها وبين المقس، عرف في أوّل الإسلام بخليج أمير المؤمنين، وتسمّيه العامّة اليوم الخليج الحاكمي، وبخليج اللّؤلؤة. وهو خليج قديم،

стр. 314

أوّل من حفره طوطيس بن ماليا، أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذي قدم إبراهيم الخليل - صلوات اللّه عليه - في أيّامه إلى مصر، وأخذ منه امرأته سارة وأخدمها هاجر أمّ إسماعيل صلوات اللّه عليهما؛ فلمّا أخرجها إبراهيم هي وابنها إسماعيل إلى مكّة، بعثت إلى طوطيس تعرّفه أنّها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر هذا الخليج، وبعث إليها فيه بالسّفن تحمل الحنطة وغيرها إلى جدّة، فأحيا بلد الحجاز. ثم إنّ أندرومانوس الذي يعرف بإيليا، أحد ملوك الرّوم بعد الإسكندر بن فلبس المجدوني، جدّد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السّفن وذلك قبل الهجرة النبوية بنيّف وأربع مائة سنة. ثم إنّ عمرو بن العاص ﵁ جدّد حفره لمّا فتح مصر، وأقام في حفره ستة أشهر، وجرت فيه السّفن بحمل الميرة إلى الحجاز، فسمّي خليج أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطّاب ﵁ فإنّه هو الذي أشار بحفره. ولم تزل تجري فيه السّفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم التي كانت على حافّة البحر الشّرقي، حيث الموضع الذي يعرف اليوم على البحر بالسّويس، وكان يصبّ ماء النّيل في البحر من عند مدينة القلزم، إلى أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمّه في سنة خمسين ومائة فطم، وبقي منه ما هو موجود الآن. وسيأتي الكلام عليه مبسوطا، إن شاء اللّه تعالى، عند ذكر ظواهر القاهرة من هذا الكتاب (١). بحر أبي المنجّا هذا الخليج تسمّيه العامّة بحر أبي المنجّا الذي حفره الأفضل بن أمير الجيوش/ في سنة ستّ وخمس مائة. وكان على حفره أبو المنجّا بن شعيا اليهودي، فعرف به. وقد ذكر خبر هذا الخليج عند ذكر مناظر الخلفاء ومواضع نزههم من هذا الكتاب (٢). الخليج النّاصريّ هذا الخليج في ظاهر المقس، حفره الملك (¬a) النّاصر محمد بن قلاوون في سنة خمس

стр. 315

وعشرين وسبع مائة، وقد ذكر في موضعه من هذا الكتاب (١). ذكر ما كانت عليه أرض مصر في الزّمن الأوّل قال المسعوديّ: وقد كانت أرض مصر - على ما زعم أهل الخبرة والعناية بأخبار شأن العالم - يركب أرضها ماء النّيل، وينبسط على بلاد الصّعيد إلى أسفل الأرض، وموضع الفسطاط في وقتنا هذا. وكان بدء ذلك من موضع يعرف بالجنادل بين أسوان والنّوبة، إلى أن عرض لذلك موانع من انتقال الماء وجريانه، وما ينقل من البريّة بتيّاره (¬a) من موضع إلى موضع، فنضب الماء عن بعض المواضع من بلاد مصر، وسكن الناس بلاد مصر، ولم يزل الماء ينضب عن أرضها قليلا قليلا، حتى امتلأت أرض مصر من المدن والعمائر، وطرقوا للماء وحفروا له الخلجان، وعقدوا في وجهه المسنّيات (¬b)، إلى أن خفي ذلك على ساكنيها، لأنّ طول الزّمان ذهب بمعرفة أوّل سكناهم كيف كان (٢). انتهى. قلت: وممّا ذكر أرسطاطاليس في كتاب «الآثار العلوية» أنّ أرض مصر كان النّيل ينبسط عليها فيطبقها كأنّها بحر، ولم يزل الماء ينضب عنها، وييبّس ما علا منها أوّلا فأوّلا ويسكن، إلى أن امتلأت بالمدن والقرى والناس. ويقال إنّ الناس كانوا قبل سكنى مدينة منف يسكنون بسفح الجبل المقطّم في منازل كثيرة نقروها، وهي المغاير التي في الجبل المقابل لمنف من قبلي المقطّم، في الجبل المتّصل بدير القصير الذي يعرف بدير البغل، المطلّ على ناحية طرا. ومن وقف عند أهرام نهيا، رأى المغائر في الجبل (¬c) الشرقي وبينهما النّيل، ومن صعد من طرا إلى الجبل وسار فيه دخلها؛ وهي مغاير متّسعة، وفيها مغائر تنفذ إلى القلزم تسع المغارة منها أهل مدينة، وإذا دخلها أحد ولم يهتد على ما يدلّه على المخرج هلك في تحيّره. ويقال كانت مصر جرداء لا نبات بها، فأقطعها متوشلخ بن خنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم لطائفة من أولاده. فلمّا نزلوها وجدوا نيلها قد سدّ ما بين

стр. 316

الجبلين، فنضب الماء عن أرض زروعها، فأخرجت الأرض بركاتها. ثم بعد زمان أخذها عنقام الأوّل بن غرياب بن آدم بالغلبة، ونسل بها خلقا عظيما، وجهّز لقتال أولاد يرد سبعين ألف مقاتل، وحفر من البحر إلى الجبل نهرا عرضه أربعون قصبة ليمنع من يأتيه، فأتاه بنو يرد فلم يجدوا إليه سبيلا، ففزعوا إلى اللّه تعالى، فبعث على أرض مصر نارا. ذكر أعمال الدّيار المصريّة وكورها (١) اعلم أنّ أرض مصر كانت في الزّمن الغابر (¬a) مائة وثلاثا وخمسين كورة، في كلّ كورة مدينة وثلاث مائة وخمس وستون قرية. فلمّا عمّرت أرض مصر بعد بخت نصّر، صارت على خمس وثمانين كورة، ثم تناقصت حتى جاء الإسلام وفيها أربعون عامرة بجميع قراها لا تنقص شيئا. استقرّت مصر كلّها في الجملة على قسمين: «الوجه القبليّ»، وهو ما كان في جهة الجنوب من مدينة مصر، و «الوجه البحريّ» وهو ما كان في شمال مدينة مصر. وقد قسّمت الأرض جميعها - قبليّها وبحريّها - على ستة وعشرين عملا، وهي: الشّرقيّة، والمرتاحيّة، والدّقهليّة، والإبوانية، وثغر دمياط.

стр. 317

الوجه البحريّ: جزيرة قويسنا، والغربية، والسّمنّودية، والدّنجاوية، والمنوفيّة، والنّستراوية، وفوّه والمزاحميتين، وجزيرة بني نصر، والبحيرة، وإسكندرية وضواحيها، وحوف رمسيس (١). والوجه القبليّ: الجيزية، والإطفيحيّة، والبوصيريّة، والفيّوميّة، والبهنساوية، والأشمونين، والمنفلوطية، والأسيوطيّة، والإخميميّة، والقوصيّة (٢). وهي أيضا ثلاثون كورة، وهي: كورة الفيّوم: وفيها مائة وستّ وخمسون قرية، ويقال إنّها كانت ثلاث مائة وستين قرية. وكورة منف ووسيم: خمس وخمسون قرية. وكورة الشّرقيّة، وتعرف بالإطفيحيّة: سبع عشرة قرية، وقرى أهناس ومنها قمن ثماني قرى. وكورتا دلاص وبوصير ستّ قرى. وكورة أهناس خمس وتسعون قرية، سوى الكفور. وكورة البهنسا مائة وعشرون قرية. وكورة الفشن سبع وثلاثون قرية. وكورة طحا سبع وثلاثون قرية. وحيّز (¬a) شنودة ثمان قرى. وكورة الأشمونين مائة وثلاث وثلاثون قرية. وكورة أسفل أنصنا إحدى عشرة قرية. وكورة سيوط سبع وثلاثون قرية. وكورة شطب ثمان قرى. وكورة أعلى أنصنا اثنتا عشرة قرية. وكورة قهقوه سبع وثلاثون قرية. وكورة إخميم والدّير (¬b) ثلاث وستون قرية. وكورة إبشاية (¬c) والواحات ثلاث وستون قرية، سوى الكفور. وكورة هو عشرون قرية. وكورة فاو ثمان قرى. وكورة قنا سبع قرى. وكورة دندرة عشر قرى. وكورة قفط ثنتان وعشرون قرية. وكورة الأقصر خمس قرى. وكورة إسنا خمس قرى. وكورة أرمنت سبع قرى. وكورة/ أسوان سبع قرى. فجميع قرى الصّعيد ألف وثلاث وأربعون قرية، سوى المنى والكفور في ثلاثين كورة. كور (¬d) أسفل الأرض (الحوف الشّرقي): خمس وستون قرية. كورة أتريب مائة وثمان قرى، سوى المنى والكفور. كورة نتو (¬e): سبع وثمانون قرية، سوى المنى والكفور. كورة تميّ (¬f) مائة وخمسون قرية، سوى المنى والكفور. كورة بسطة تسع وثلاثون قرية. كورة طرابية ثمان وعشرون قرية، منها السّدير والهامة وفاقوس. كورة قربيط (¬g) ثمان عشرة قرية، سوى المنى

стр. 318

والكفور. كورتا صان وإبليل ست وأربعون قرية، منها سنهور والفرما والعريش. مجتمع (¬a) قرى الحوف الشّرقي خمس مائة وتسع وعشرون قرية، سوى المنى في تسع (¬b) كور. بطن الرّيف: كورتا دمسيس (¬c) ومنوف مائة وأربع قرى، سوى المنى والكفور. كورتا طورة ومنوف: اثنتان وسبعون قرية، سوى المنى والكفور. كورة سخا مائة وخمس عشرة قرية. كورة تيدة والأفراحون ثلاث وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة البشرود أربع وعشرون قرية. كورة نقيرة اثنتا عشرة قرية، سوى المنى. كورتا نبا وبوصير ثمان وثمانون قرية، سوى المنى والكفور. كورة سمنّود مائة وثمان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة نوسا إحدى وعشرون قرية، سوى المنى. كورة الأوسيّة أربعون قرية، سوى المنى. كورة البجوم أربعون قرية، سوى المنى. تنّيس ودمياط ثلاث عشرة قرية، سوى المنى، وهي شيء كثير. الإسكندرية الحوف الغربي: كورة صا ثلاث وسبعون قرية، سوى المنى والكفور. كورة شباس اثنان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورة البدقون ثلاث وأربعون قرية، سوى المنى والكفور. حيّز البدقون تسع وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. الشّراك: تسع قرى. كورة ترنوط ثمان قرى. كورة خربتّا اثنان وستون قرية، سوى المنى والكفور. كورة قرطسا اثنان وعشرون قرية، سوى المنى والكفور. كورتا مصيل والمليدس تسع وأربعون قرية، سوى المنى. كورتا إجنو ورشيد سبع عشرة قرية. ومريوط ومدينة الإسكندرية ولوبية ومراقية: مائة وأربع وعشرون قرية، سوى المنى. فالحوف الغربي أربع مائة وتسع وأربعون قرية، سوى المنى في ثلاث عشرة كورة. قال المسبّحيّ في «تاريخه»: تصير قرى مصر أسفل الأرض ألفا وأربع مائة وتسعا وثلاثين قرية، ويكون جميع ذلك بالصّعيد وأسفل الأرض ألفين وثلاث مائة وخمسا وتسعين قرية. البحيرة والحصص بالإسكندرية، والكرومات والبعل. وقال القاضي أبو عبد اللّه محمد بن سلامة القضاعيّ: أرض مصر قسمين، فمن ذلك صعيدها، وهو ما يلي مهبّ الجنوب منها، وأسفل أرضها، وهو ما يلي مهبّ الشّمال منها. فقسم الصّعيد على ثمان وعشرين كورة. فمن ذلك: كورة الفيّوم كلها، وكورتا منف ووسيم، وكورة الشّرقيّة، وكورتا دلاص وبوصير، وكورة أهناس، وكورة القيس والبهنسا، وكورة

стр. 319

طحا، وحيّز شنودة، وكورة بويط، وكورتا الأشمونين وأسفل أنصنا وأعلاها، وشطب وقوص قام، وكورة سيوط، وكورة قهقوه، وكورتا إخميم والدّير وأبشاية، وكورة هو وإقنا وفاو ودندرة، وكورة قفط والأقصر، وكورة إسنا وأرمنت، وكورة أسوان؛ فهذه كور الصّعيد. ومن ذلك كور أسفل الأرض، وهي خمس وعشرون كورة (وفي نسخة ثلاث وثلاثون كورة، وفي نسخة ثمان وثلاثون كورة). فمنها (¬a) كور الحوف الشّرقي: كورتا أتريب وعين شمس، وكورتا بنا وتمّي، وكورتا بسطة وطرابية، وكورة قربيط، وكورة صان وإبليل، وكورة الفرما والعريش والجفار. ومن ذلك كور بطن الرّيف من أسفل الأرض: كورة بنا وبوصير، وكورتا سمنّود ونوسا، وكورتا الأوسيّة والبجوم، وكورة دقهلة، وكورتا تنّيس ودمياط. ومنها كورة الجزيرة من أسفل الأرض، وكورة رمسيس ومنوف، وكورة طوّه ومنوف، وكورة سخا وتيدة والأفراحون، وكورة نقيزة وديصا، وكورة البشرود. ومن ذلك كور الحوف الغربي: كورة صا وكورة شباس، وكورة البذقون وحيّزها، وكورة الخيس والشّراك، وكورة خربتّا، وكورة قرطسا ومصيل والمليدس، وكورتا إخنا والبحيرة ورشيد، وكورة الإسكندرية، وكورة مريوط، وكورة لوبية ومراقية. ومن كور القبلة قرى الحجاز، وهي كورة الطّور وفاران، وكورة راية والقلزم، وكورة أيلة وحيّزها، ومدين وحيّزها، والعونيد (¬b)، والحوراء وحيّزهما، ثم كورة بدا وشغب. وذكر من له معرفة بالخراج وأمر الدّيوان أنّه وقف على جريدة عتيقة بخطّ أبي (¬c) عيسى بقطر ابن نقا (¬d) - الكاتب القبطي المعروف بالبولس، متولّي خراج مصر للدّولة الإخشيدية - يشتمل على ذكر كور مصر وقراها إلى سنة خمس وأربعين وثلاث مائة: أنّ قرى مصر بالصّعيدين وأسفل الأرض ألفان وثلاث مائة وخمس وتسعون قرية، منها بالصّعيد تسع مائة وست وخمسون قرية، وبأسفل الأرض ألف وأربع مائة وتسع وثلاثون قرية، وهذا عددها في الوقت الذي حرّرت (¬e) فيه الجرايد المذكورة، وقد تغيّرت بعد ذلك بخراب ما خرب منها. وقال/ ابن عبد الحكم، عن اللّيث بن سعد ﵁: لمّا ولي الوليد بن رفاعة مصر، خرج ليحصي عدّة أهلها وينظر في تعديل الخراج عليهم، فأقام في ذلك ستة أشهر بالصّعيد،

стр. 320

حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الكتّاب والأعوان يكفونه ذلك بجدّ وتشمير، وثلاثة أشهر بأسفل الأرض. وأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص (¬a) في أصغر قرية منها أقلّ من خمس مائة جمجمة من الرجال الذين تفرض عليهم الجزية، يكون جملة ذلك خمسة آلاف ألف رجل (١). والذي استقرّ الحال عليه في الرّوك النّاصري (¬b) محمد بن قلاوون أنّ الوجه القبليّ تسعة أعمال، وهي: عمل قوص - وهو أجلّها، ومنه أسوان وغرب قمّولة، وعمل إخميم، وعمل سيوط، وعمل منفلوط، وعمل الأشمونين - وبها الطّحاويّة - وعمل البهنسا ومنه الغرابيّ، وهو عبارة عن قرى على غربيّ المنهى الماد إلى الفيّوم، وعمل الفيّوم، وعمل إطفيح، وعمل الجيزة. والوجه البحريّ ستّة أعمال: عمل البحيرة - وهو متّصل البرّ بالإسكندرية وبرقة -، وعمل الغربيّة جزيرة واحدة يشتمل عليها ما بين البحرين، وهما: البحر الماد و (¬c) مسكبه عند دمياط ويسمّى الشّرقي، والبحر الثاني مسكبه عند رشيد ويسمّى الغربي؛ والمنوفيّة، ومنها إبيار، وجزيرة بني نصر. وعمل قليوب، وعمل الشّرقيّة، وعمل أشموم طناح، ومنها الدّقهليّة والمرتاحيّة، وهناك موقع ثغر البرلّس وثغر رشيد والمنصورة، وفي هذا الوجه الإسكندرية ودمياط، ولا عمل لهما (٢). وأمّا الواحات فمنقطعة وراء الوجه القبلي، مغاربة لم تعدّ في الولايات ولا في الأعمال، ولا يحكم عليها والي السّلطان، وإنّما يحكم عليها من قبل مقطعها (٢).
следующие страницы →