← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ومن ذلك لثمن زيت وقود هذا الجامع، راتب السّنة ألف رطل ومائتا رطل مع أجرة الحمل: سبعة وثلاثون دينارا ونصف. ومن ذلك لأرزاق المصلّين - يعني الأئمّة - وهم ثلاثة، وأربعة قومة وخمسة عشر مؤذّنا: خمس مائة دينار وستة وخمسون دينارا ونصف، منها للمصلّين لكلّ رجل منهم ديناران وثلثا دينار وثمن دينار في كلّ شهر من شهور السّنة، والمؤذّنون والقومة لكلّ رجل منهم ديناران في كلّ شهر. ومن ذلك للمشرف على هذا الجامع في كلّ سنة: أربعة وعشرون دينارا. ومن ذلك لكنس المصنع بهذا الجامع، ونقل ما يخرج منه من الطّين والوسخ: دينار واحد/ ومن ذلك لمرمّة ما يحتاج إليه في هذا الجامع في سطحه وأترابه وحياطته وغير ذلك ممّا قدّر لكلّ سنة: ستون دينارا. ومن ذلك لثمن مائة وثمانين حمل تبن ونصف حمل جارية، لعلف رأسي بقر للمصنع الذي لهذا الجامع: ثمانية دنانير ونصف وثلث دينار. ومن ذلك للتّبن لمخزن يوضع فيه بالقاهرة: أربعة دنانير. (¬a)) ومن ذلك لثمن أربعين إردبّا فولا لعلف الرأسين: أربعة وعشرون دينارا وسدس (¬a). ومن ذلك لثمن فدّانين قرط، لتربيع رأسي البقر المذكورين في السنة: سبعة دنانير. ومن ذلك لأجرة متولّي العلف، وأجرة السّقّاء والحبال والقواديس وما يجري مجرى ذلك: خمسة عشر دينارا ونصف. ومن ذلك لأجرة قيّم الميضأة إن عملت بهذا الجامع: اثنا عشر دينارا» (١). وإلى هنا انقضى حديث الجامع الأزهر، وأخذ في ذكر جامع راشدة ودار العلم وجامع المقس. ثم ذكر أنّ تنانير الفضّة ثلاثة تنانير وتسعة وثلاثون قنديلا فضّة: فللجامع الأزهر تنّوران

стр. 2557

وسبعة وعشرون قنديلا، ومنها لجامع راشدة تنّور واثنا عشر قنديلا. وشرط أن تعلّق في شهر رمضان، وتعاد إلى مكان جرت عادتها أن تحفظ به. وشرط شروطا كثيرة في الأوقاف: منها أنّه إذا فضل شيء واجتمع يشترى به ملك، فإن عاز شيئا واستهدم ولم يف الرّيع بعمارته بيع وعمّر به، وأشياء كثيرة. وحبس فيه أيضا عدّة آدرّ وقياسر لا فائدة في ذكرها، فإنّها مما خربت بمصر. قال ابن عبد الظّاهر عن هذا الكتاب: ورأيت منه نسخة [عند نجم الدّين بن الحلّي] (¬a)، وانتقلت [هذه النّسخة الآن] (¬a) إلى قاضي القضاة تقيّ الدّين بن رزين (١). وكان بصدر هذا الجامع في محرابه منطقة فضّة، كما كان في محراب جامع عمرو ابن العاص بمصر، قلع ذلك صلاح الدّين يوسف بن أيّوب في حادي عشر ربيع الأوّل سنة تسع وستين وخمس مائة، لأنّه كان فيها أسماء (¬b) خلفاء الفاطميين، فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة، وقلع أيضا المناطق من بقيّة الجوامع (٢). ثم إنّ المستنصر جدّد هذا الجامع أيضا، وجدّده الحافظ لدين اللّه، وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب الغربي الذي في مقدّم الجامع بداخل الرّواقات - عرفت بمقصورة فاطمة من أجل أنّ فاطمة الزّهراء - رضي اللّه تعالى عنها - رئيت بها في المنام (٣). ثم إنّه جدّد في أيّام الملك الظّاهر بيبرس البندقداري. (¬c)) ذكر تجديده وإعادة الخطبة به - قال جامع «السّيرة للملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس» ومنها نقلت، وذكر ذلك أيضا القاضي ناصر الدّين شافع بن علي الكاتب في كتاب «نظم السّلوك في تواريخ الخلفاء والملوك» (¬c): لمّا كان يوم الجمعة الثّامن عشر من ربيع

стр. 2558

الأوّل (¬a) سنة خمس وستين وستّ مائة، أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة (١). وسبب ذلك أنّ الأمير عزّ الدّين أيدمر الحلّي كان جار هذا الجامع من مدّة سنين، فرعى - وفّقه اللّه - حرمة الجار، ورأى أن يكون كما هو جاره في دار الدّنيا أنّه غدا يكون ثوابه جاره في تلك الدّار، ورسم بالنّظر في أمره، وانتزع له أشياء مغصوبة كان شيء منها في أيدي جماعة وحاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا. وجرى الحديث في ذلك، فتبرّع الأمير عزّ الدّين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل، واستطلق (¬b) له من السّلطان جملة من المال، وشرع في عمارته. فعمّر الواهي من أركانه وجدرانه وبيّضه وأصلح سقوفه، وبلّطه وفرشه وكساه حتى عاد حرما في وسط المدينة، واستجدّ به مقصورة حسنة، وأثر فيه آثارا صالحة يثيبه اللّه عليها. وعمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة، رتّب فيها جماعة من الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشّافعيّ ﵀ ورتّب في هذه المقصورة محدّثا يسمع الحديث النّبويّ والرّقائق، ووقف على ذلك الأوقاف الدّارّة، ورتّب به سبعة

стр. 2559

لقراءة القرآن، ورتّب به مدرّسا أثابه اللّه على ذلك (١). ولمّا تكمّل تجديده تحدّث في إقامة جمعة فيه. فنودي في المدينة بذلك، واستخدم له الفقيه زين الدّين (٢) خطيبا، وأقيمت الجمعة فيه في اليوم المذكور. وحضر الأتابك فارس الدّين، والصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا، وولده الصّاحب فخر الدّين محمد، وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم على اختلافهم، وكان يوم جمعة مشهودا. ولمّا فرغ من الجمعة، جلس الأمير عزّ الدّين الحلّي والأتابك والصّاحب، وقرئ القرآن، ودعي للسّلطان. وقام الأمير عزّ الدّين ودخل إلى داره، ودخل معه الأمراء، فقدّم لهم كلّ ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وانفصلوا (٣). وكان قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع، وما ورد فيه من أقاويل العلماء، وكتبت (¬a) فتيا أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا الجامع وإقامتها، فكتب جماعة خطوطهم فيها. وأقيمت صلاة الجمعة به واستمرّت، ووجد النّاس به رفقا وراحة لقربه من الحارات البعيدة من الجامع الحاكمي (٤). قال: وكان سقف هذا الجامع قد بني قصيرا، فزيد فيه بعد ذلك وعلّي ذراعا. واستمرّت الخطبة فيه حتى بني الجامع الحاكمي (٥) فانتقلت الخطبة إليه بعد ذلك (¬b)، فإنّ الخليفة كان يخطب فيه جمعة (¬c)، وفي الجامع الأزهر جمعة (¬c)، وفي جامع ابن طولون جمعة (¬c)، وفي جامع مصر جمعة (¬c).

стр. 2560

وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لمّا استبدّ السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب بالسّلطنة. فإنّه قلّد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدّين عبد الملك بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه - وهو امتناع إقامة خطبتين للجمعة في بلد واحد، كما هو مذهب الإمام الشّافعيّ ﵀ فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر، وأقرّ الخطبة/ بالجامع الحاكمي من أجل أنّه أوسع. فلم يزل الجامع الأزهر معطّلا من إقامة الخطبة (¬a) فيه مائة عام، من حين استولى السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، إلى أن أعيدت الخطبة في أيّام الملك الظّاهر بيبرس كما تقدّم ذكره (١). ثم لمّا كانت الزّلزلة بديار مصر في ذي الحجّة سنة اثنتين وسبع مائة، سقط الجامع الأزهر والجامع الحاكمي وجامع مصر وغيره، فتقاسم أمراء الدّولة عمارة الجوامع؛ فتولّى الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع الحاكمي، وتولّى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر، وتولّى الأمير سيف الدّين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصّالح؛ فجدّدوا مبانيها، وأعادوا ما تهدّم منها (٢). ثم جدّدت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدّين محمد بن حسين بن عليّ الأسعردي، محتسب القاهرة، في سنة خمس وعشرين وسبع مائة. ثم جدّدت عمارته في سنة إحدى وستين وسبع مائة عند ما سكن الأمير الطّواشي سعد الدّين بشير الجامدار النّاصري في دار الأمير فخر الدّين أبان الزّاهدي الصّالحي النّجمي، بخطّ الأبّارين بجوار الجامع الأزهر، بعد ما هدمها وعمّرها داره التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار.

стр. 2561

فأحبّ لقربه من الجامع أن يؤثّر فيه أثرا صالحا، فاستأذن السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد ابن قلاوون في عمارة الجامع - وكان أثيرا عنده خصيصا به - فأذن له في ذلك. وكان قد استجدّ بالجامع عدّة مقاصير، ووضعت فيه صناديق وخزائن حتى ضيّقته، فأخرج الخزائن والصّناديق، ونزع تلك المقاصير، وتتبّع جدرانه وسقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنّها جديدة، وبيّض الجامع كلّه وبلّطه، ومنع النّاس من المرور فيه، ورتّب فيه مصحفا، وجعل له قارئا. وأنشأ على باب الجامع القبلي حانوتا لتسبيل الماء العذب في كلّ يوم، وعمل فوقه مكتب سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب اللّه العزيز. ورتّب للفقراء المجاورين بالجامع (¬a) طعاما يطبخ كلّ يوم، وأنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه. ورتّب فيه درسا للفقهاء من الحنفيّة، يجلس مدرّسهم لإلقاء الفقه في المحراب الكبير، ووقف على ذلك أوقافا جليلة باقية إلى يومنا هذا. ومؤذّنو الجامع يدعون في كلّ جمعة، وبعد كلّ صلاة، للسّلطان حسن إلى هذا الوقت الذي نحن فيه. وفي سنة أربع وثمانين وسبع مائة، ولي الأمير الطّواشي بهادر، المقدّم على المماليك السّلطانية، نظر الجامع الأزهر. فتنجّز مرسوم السّلطان الملك الظّاهر برقوق: بأنّ من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعي وترك موجودا، فإنّه يأخذه المجاورون بالجامع. ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحري. وفي سنة ثمان مائة هدمت منارة الجامع، وكانت قصيرة، وعمّرت أطول منها، فبلغت النّفقة عليها من مال السّلطان (¬b)) الملك الظّاهر برقوق (¬b) خمسة عشر ألف درهم نقرة، وكملت في ربيع الآخر من السنة المذكورة. فعلّقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا الشهر، وأوقدت حتى اشتعل الضّوء من أعلاها إلى أسفلها. واجتمع القرّاء والوعّاظ بالجامع، وتلوا ختمة شريفة، ودعوا للسّلطان. فلم تزل هذه المئذنة إلى شوّال سنة سبع عشرة وثمان مائة، فهدمت لميل ظهر فيها، وعمل بدلها منارة من حجر على باب الجامع البحري بعد ما هدم الباب وأعيد بناؤه بالحجر، وركّبت المنارة فوق عقده، وأخذ الحجر لها من مدرسة الملك الأشرف التي كانت تجاه قلعة الجبل (١).

стр. 2562

وهدمها الملك النّاصر فرج بن برقوق، وقام بعمارة ذلك الأمير تاج الدّين التّاج الشّوبكي، والي القاهرة ومحتسبها، إلى أن تمّت في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وثمان مائة (١). فلم تقم غير قليل، ومالت حتى كادت تسقط، فهدمت في صفر سنة سبع وعشرين وأعيدت (٢).

стр. 2563

وفي شوّال منها ابتدئ بعمل الصّهريج الذي بوسط الجامع، فوجد هناك آثار فسقيّة ماء، ووجد أيضا رمم أموات. وتمّ بناؤه في ربيع الأوّل، وعمل بأعلاه مكان مرتفع له قبّة يسبّل فيه الماء، وغرس بصحن الجامع أربع شجرات نارنج (¬a)، فلم تفلح وماتت. ولم يكن لهذا الجامع ميضأة عند ما بني، ثم عملت ميضأته حيث المدرسة الآقبغاوية، إلى أن بنى الأمير آقبغا عبد الواحد مدرسته المعروفة بالمدرسة الآقبغاوية هناك (١). وأمّا هذه الميضأة التي بالجامع الآن فإنّ الأمير بدر الدّين جنكلي بن البابا بناها، ثم زيد فيها بعد سنة عشر وثمان مائة ميضأة المدرسة الآقبغاوية. وفي سنة ثمان عشرة وثمان مائة ولي نظر هذا الجامع الأمير سودون (¬c) القاضي حاجب الحجّاب (٢)، فجرت في أيّام نظره حوادث لم يتّفق مثلها. وذلك أنّه لم يزل في هذا الجامع منذ بني عدّة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت عدّتهم في هذه الأيّام سبع مائة وخمسين رجلا، ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف مصر ومغاربة، ولكلّ طائفة رواق يعرف بهم (٣). فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه، والاشتغال بأنواع العلوم من (¬a) الفقه والحديث والتّفسير والنّحو، ومجالس الوعظ وحلق الذّكر. فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس باللّه، والارتياح وترويح النّفس، ما لا يجده في غيره، وصار أرباب الأموال يقصدون/ هذا الجامع بأنواع البرّ من الذّهب والفضّة والفلوس إعانة للمجاورين فيه على عبادة اللّه تعالى، وكلّ قليل تحمل إليهم أنواع الأطعمة والخبز والحلاوات لا سيّما في المواسم. فأمر في جمادى الأولى من هذه السّنة بإخراج المجاورين من الجامع، ومنعهم من الإقامة فيه، وإخراج ما كان لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسي المصاحف (٤) زعما منه أنّ هذا العمل ممّا

стр. 2564

يثاب عليه، وما كان إلاّ من أعظم الذّنوب وأكثرها ضررا، فإنّه حلّ بالفقراء بلاء كبير من تشتّت شملهم وتعذّر الأماكن عليهم، فساروا في القرى، وتبذّلوا بعد الصّيانة، وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ودراسة العلم وذكر اللّه. ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التّعدّي، وأشاع أنّ أناسا يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات. وكانت العادة قد جرت بمبيت كثير من النّاس في الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم، منهم من يقصد بمبيته البركة، ومنهم من لا يجد مكانا يأويه، ومنهم يستروح بمبيته هناك خصوصا في ليالي الصّيف وليالي شهر رمضان، فإنّه يمتلئ صحنه وأكثر رواقاته. فلمّا كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادى الآخرة، طرق الأمير سودون (¬a) الجامع بعد العشاء الآخرة - والوقت صيف - وقبض على جماعة وضربهم في الجامع، وكان قد جاء معه من الأعوان والغلمان وغوغاء العامّة ومن يريد النّهب جماعة، فحلّ بمن كان في الجامع أنواع البلاء، ووقع فيهم النّهب، فأخذت فرشهم وعمائمهم، وفتّشت أوساطهم، وسلبوا ما كان مربوطا عليها من ذهب وفضّة (١). وعمل ثوبا أسود للمنبر وعلمين مزوّقين، بلغت النّفقة على ذلك خمسة عشر ألف درهم على ما بلغني. فعاجل اللّه الأمير سودون (¬a)، وقبض عليه السّلطان في شهر رمضان، وسجنه بدمشق. جامع الحاكم [أثر رقم ١٥] هذا الجامع بني خارج باب الفتوح - أحد أبواب القاهرة - وأوّل من أسّسه أمير المؤمنين العزيز باللّه نزار بن المعزّ لدين اللّه معدّ، وخطب فيه وصلّى بالنّاس الجمعة، ثم أكمله ابنه الحاكم بأمر اللّه. فلمّا وسّع أمير الجيوش بدر الجمالي القاهرة، وجعل أبوابها حيث هي اليوم، صار جامع الحاكم داخل القاهرة، وكان يعرف أوّلا ب «جامع الخطبة»، ويعرف اليوم

стр. 2565

ب «جامع الحاكم»، ويقال له «الجامع الأنور» (١). قال الأمير المختار عزّ الملك محمد بن عبيد اللّه بن أحمد المسبّحي في «تاريخ مصر» (¬a)) ومنه نقلت (¬a). وفيه - يعني في (¬b) شهر رمضان سنة ثمانين وثلاث مائة - خطّ أساس الجامع الجديد بالقاهرة ممّا يلي باب الفتوح من خارجه، وبدئ بالبناء فيه وتحلّق فيه الفقهاء الذين يتحلّقون في جامع القاهرة - يعني الجامع الأزهر - وخطب فيه العزيز باللّه (٢).

стр. 2566

وقال في حوادث سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة: لأربع خلون من شهر رمضان، صلّى العزيز باللّه في جامعه صلاة الجمعة وخطب. وكان في مسيره بين يديه أكثر من ثلاثة آلاف، وعليه طيلسان، وبيده القضيب، وفي رجله الحذاء. وركب لصلاة الجمعة في رمضان سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة إلى جامعه ومعه ابنه منصور، فجعلت المظلّة على منصور، وسار العزيز بغير مظلّة (١). وقال في حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة: وأمر - يعني (¬a) - الحاكم بأمر اللّه - بأن يتمّ بناء الجامع الذي كان الوزير يعقوب بن كلّس بدأ في بنيانه عند باب الفتوح، فقدّر للنّفقة عليه أربعون ألف دينار، فابتدئ في العمل فيه. وفي صفر سنة إحدى وأربع مائة زيد في منارة جامع باب الفتوح، وعمل لها أركان طول كلّ ركن مائة ذراع (٢). وفي سنة ثلاث وأربع مائة، أمر الحاكم بأمر اللّه بعمل تقدير ما يحتاج إليه جامع باب الفتوح من الحصر والقناديل والسّلاسل، فكان تكسير ما ذرع للحصر ستة وثلاثين ألف ذراع، فبلغت النّفقة على ذلك خمسة آلاف دينار. قال: وتمّ بناء الجامع الجديد بباب الفتوح وعلّق على سائر أبوابه ستور دبيقيّة عملت له، وعلّق فيه تنانير فضّة عدّتها أربع، وكثير من قناديل فضّة، وفرش جميعه بالحصر التي عملت له، ونصب فيه المنبر، وتكامل فرشه وتعليقه. وأذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربع مائة لمن بات في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه. فمضوا، وصار النّاس طول ليلتهم يمشون من كلّ واحد من الجامعين إلى الآخر - بغير مانع لهم، ولا اعتراض من أحد من عسس القصر ولا أصحاب الطّوف - إلى الصّبح وصلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالنّاس صلاة الجمعة، وهي أوّل صلاة أقيمت فيه بعد فراغه. وفي ذي القعدة سنة أربع وأربع مائة، حبس الحاكم عدّة قياسر وأملاك على الجامع الحاكمي بباب الفتوح.

стр. 2567

قال ابن عبد الظّاهر: وعلى باب الجامع الحاكمي مكتوب أنّه «أمر بعمله الحاكم أبو عليّ المنصور في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة»، وعلى منبره مكتوب أنّه «أمر بعمل هذا المنبر للجامع الحاكمي المنشأ بظاهر باب الفتوح في سنة ثلاث وأربع مائة» (١).

стр. 2568

(¬a)) وشاهدت جزءا من «سيرة الحاكم» يقول فيه (¬a): وفي يوم الجمعة أقيمت الجمعة في الجامع الذي كان الوزير أنشأه بباب الفتوح (¬b)) وأمر أمير المؤمنين بإتمامه (¬b). (¬c)) ورأيت في «سيرة الإمام العزيز باللّه قال (¬c): في يوم الأحد عاشر/ رمضان سنة تسع وسبعين وثلاث مائة، اختطّ (¬d) أساس الجامع الجديد بالقاهرة، خارج الطّابية ممّا يلي باب الفتوح. قال: وكان هذا الجامع خارج القاهرة، فجدّد بعد ذلك باب الفتوح. وعلى البدنة التي تجاور باب الفتوح وبعض البرج مكتوب «إنّ ذلك بني سنة ثمانين (¬e) وأربع مائة في زمن المستنصر باللّه ووزارة أمير الجيوش». فيكون بينهما سبع وثمانون سنة (١). قال: والفسقيّة وسط الجامع بناها الصّاحب عبد اللّه بن عليّ بن شكر، وأجرى الماء إليها، وأزالها القاضي تاج الدّين بن شكر وهو قاضي القضاة في سنة ستين وستّ مائة. والزّيادة التي إلى جانبه قيل إنّها بناء ولده الظّاهر عليّ ولم يكملها. وكان قد حبس فيها الفرنج، فعملوا فيها كنائس هدمها الملك النّاصر صلاح الدّين، وكان قد تغلّب عليها، وبنيت إسطبلات. وبلغني أنّها كانت في الأيّام المتقدّمة قد جعلت أهراء للغلال. فلمّا كان في الأيّام الصّالحيّة ووزارة معين الدّين حسن بن شيخ الشّيوخ للملك الصّالح أيّوب ولد الكامل، ثبت عند الحاكم

стр. 2569

أنّها من الجامع، وأنّ بها محرابا، فانتزعت وأخرج الخيل منها، وبني فيها ما هو الآن في الأيّام المعزّيّة على يد الرّكن الصّيرفي، ولم يسقّف (١). ثم جدّد هذا الجامع في سنة ثلاث وسبع مائة، وذلك أنّه لمّا كان يوم الخميس ثالث عشرين ذي الحجّة سنة اثنتين وسبع مائة، تزلزلت أرض مصر والقاهرة وأعمالهما، ورجف كلّ ما عليهما واهتزّ، وسمع للحيطان قعقعة وللسّقوف قرقعة، ومارت الأرض بما عليها وخرجت عن مكانها. وتخيّل النّاس أنّ السّماء قد انطبقت على الأرض، فهربوا من أماكنهم، وخرجوا عن مساكنهم، وبرزت النّساء حاسرات، وكثر الصّراخ والعويل، وانتشرت الخلائق، فلم يقدر أحد على السّكون والقرار، لكثرة ما سقط من الحيطان، وخرّ من السّقوف والمآذن وغير ذلك من الأبنية. وفاض ماء النّيل فيضا غير المعتاد، وألقى ما كان عليه من المراكب التي بالسّاحل قدر رمية سهم، وانحسر عنها فصارت على الأرض بغير ماء. واجتمع العالم في الصّحراء خارج القاهرة، وباتوا ظاهر باب البحر بحرمهم وأولادهم في الخيم، وخلت المدينة، وتشعّثت جميع البيوت حتى لم يسلم ولا بيت من سقوط أو تسقّط أو ميل. وقام النّاس في الجوامع يبتهلون، ويسألون اللّه سبحانه طول يوم الخميس وليلة الجمعة ويوم الجمعة (٢). فكان ممّا تهدّم في هذه الزّلزلة الجامع الحاكمي، فإنّه سقط كثير من البدنات التي فيه، وخرب أعالي المئذنتين، وتشعّثت سقوفه وجدرانه. فانتدب لذلك الأمير ركن الدّين بيبرس الجاشنكير، ونزل إليه ومعه القضاة والأمراء فكشفه بنفسه، وأمر برمّ ما تهدّم منه وإعادة ما سقط من البدنات، فأعيدت وفي كلّ بدنة منها طاق، وأقام سقوف الجامع وبيّضه حتى عاد جديدا، وجعل له عدّة أوقاف بناحية الجيزة وفي الصّعيد وفي الإسكندرية، تغلّ كلّ سنة شيئا كثيرا (٣)، ورتّب فيه دروسا أربعة لإقراء الفقه على مذاهب الأئمّة الأربعة، ودرسا لإقراء الحديث النّبويّ، وجعل لكلّ درس مدرّسا وعدّة كثيرة من الطّلبة.

стр. 2570

فرتّب في تدريس الشّافعيّة قاضي القضاة بدر الدّين محمد بن جماعة الشّافعيّ، وفي تدريس الحنفيّة قاضي القضاة شمس الدّين أحمد السّروجي الحنفي، وفي تدريس المالكيّة قاضي القضاة زين الدّين عليّ بن مخلوف المالكي، وفي تدريس الحنابلة قاضي القضاة شرف الدّين الحرّاني (¬a)، وفي درس الحديث الشّيخ سعد الدّين مسعودا الحارثي، وفي درس النّحو الشّيخ أثير الدّين أبا حيّان، وفي درس القراءات السّبع الشّيخ نور الدّين الشّطنوفي، وفي التّصدير لإفادة العلوم علاء الدّين عليّ بن إسماعيل القونويّ، وفي مشيخة الميعاد المجد عيسى بن الخشّاب. وعمل فيه خزانة كتب جليلة، وجعل فيه عدّة متصدّرين لتلقين القرآن الكريم، وعدّة قرّاء يتناوبون قراءة القرآن، ومعلّما يقرئ أيتام المسلمين كتاب اللّه . وحفر فيه صهريجا بصحن الجامع ليملأ في كلّ سنة من ماء النّيل، ويسبّل منه الماء في كلّ يوم، ويستقي منه النّاس يوم الجمعة، وأجرى على جميع من قرّره فيه معاليم دارّة. وهذه الأوقاف باقية إلى اليوم، إلاّ أنّ أحوالها اختلّت كما اختلّ غيرها. فكان ما أنفق عليه زيادة على أربعين ألف دينار. وجرى في بنائه لهذا الجامع أمر يتعجّب منه، وهو ما حدّثني فيه شيخنا الشّيخ المعروف المسند المعمّر، أبو عبد اللّه محمد بن ضرغام بن شكر المقرئ بمكّة في سنة سبع وثمانين وسبع مائة (١)، قال: أخبرني من حضر عمارة الأمير بيبرس للجامع الحاكمي عند سقوطه في سنة الزّلزلة، أنّه لمّا شرع البناة في ترميم ما وهى من المئذنة التي هي من جهة باب الفتوح، ظهر لهم صندوق في تضاعيف البنيان. فأخرجه الموكّل بالعمارة وفتحه، فإذا فيه قطن ملفوف على كفّ إنسان بزنده، وعليه أسطر مكتوبة لم يدر ما هي، والكفّ طريّة كأنّها قريبة عهد بالقطع. ثم رأيت هذه الحكاية بخطّ مؤلّف «السّيرة النّاصريّة» موسى بن محمد بن يحيى أحد مقدّمي الحلقة (٢). ثم جدّد هذا الجامع، وبلّط جميعه في أيّام الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون في ولايته الثانية، على يد الشّيخ/ قطب الدّين محمد الهرماس في سنة ستين وسبع مائة (٣). ووقف قطعة

стр. 2571

أرض على الهرماس وأولاده، وعلى زيادة في معلوم الإمام بالجامع، وعلى ما يحتاج إليه في زيت الوقود ومرمّة في سقفه وجدرانه. وجرى في عمارة الجامع على يد الهرماس ما حدّثني به الشّيخ المعمّر شمس الدّين محمد ابن عليّ، إمام الجامع الطّيبرسي بشاطئ النّيل قال: أخبرني محمد بن عمر البوصيري، قال: حدّثنا قطب الدّين محمد الهرماس، أنّه رأى بالجامع الحاكمي حجرا ظهر من مكان قد سقط، منقوشة عليه هذه الأبيات الخمسة: [الكامل] إنّ الذي أسررت مكنون اسمه … وكتمته كيما أفوز بوصله مال له جذر تساوى في الهجا … طرفاه يضرب بعضه في مثله فيصير ذاك المال إلاّ أنّه … في النّصف منه تصاب أحرف كلّه وإذا نطقت بربعه متكلّما … من بعد أوّله نطقت بكلّه لا نقط فيه إذا تكامل عدّه … فيصير منقوطا بجملة شكله قال: وهذه الأبيات لغز في الحجر المكرّم. وقال العلاّمة شمس الدّين محمد بن النّقّاش في كتاب «العبر في أخبار من مضى وغبر» (١): وفي هذه السنة - يعني سنة إحدى وستين وسبع مائة - صودر الهرماس وهدمت داره التي بناها أمام الجامع الحاكمي (٢)، وضرب ونفي هو وولده. فلمّا كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة، استفتى السّلطان الملك النّاصر حسن بن محمد بن قلاوون في وقف حصّة طندتا (٣)، وهي الأرض التي كان قد سأله الهرماس أن يقفها على مصالح الجامع الحاكمي، فعيّن له خمس مائة وستين فدّانا من طين طندتا، وطلب الموقّعين وأمرهم أن يكتبوا صورة وقفها، ويحضروه ليشهدوا عليه به - وكان قد تقرّر من شروطه في أوقافه ما قيل إنّه رواية عن أبي حنيفة ﵀

стр. 2572

تعالى عليه - من أنّ للواقف أن يشترط في وقفه التّغيير والزّيادة والنّقص وغير ذلك - فأحضر الكركي الموقّع إليه الكتاب مطويّا، فقرأ منه طرّته وخطبته وأوّله، ثم طواه وأعاده إليه مطويّا، وقال: اشهدوا بما فيه - دون قراءة وتأمّل - فشهدوا هم بالتّفصيل الذي كتبوه وقرّروه مع الهرماس. ولمّا اطّلع السّلطان على ذلك بعد نفي الهرماس، طلب الكركي وسأله عن هذه الواقعة. فأجاب بما قد ذكرنا، واللّه أعلم بصحّة ذلك، غير أنّ المعلوم المقرّر أنّ السّلطان ما قصد إلاّ مصالح الجامع، نعم سأله أزدمر الخازندار: هل وقفت حصّة لطيفة على أولاد الهرماس، فإنّه قد ذكر ذلك؟ فقال: نعم، أنا وقفت عليهم جزءا يسيرا لم أعلم مقداره. وأمّا التّفصيل المذكور في كتاب الوقف فلم أتحقّقه ولم أطّلع عليه. فاستفتى المفتين في هذه الواقعة. فأمّا المفتون - كابن عقيل، وابن السّبكي، والبلقيني والبسطامي، والهندي، وابن شيخ الجبل، والبغدادي ونحوهم - فأجابوا ببطلان الحكم المترتّب على هذه الشّهادة الباطلة وبطلان التّنفيذ، وكان الحنفيّ حكم والبقيّة نفّذوا. وأمّا الحنفيّ فقال: إنّ الوقف إذا صدر صحيحا على الأوضاع الشّرعية، فإنّه لا يبطل بما قاله الشّاهد، وهو جواب عن نفس الواقعة. وأمّا الشّافعيّ فكتب ما مضمونه: إنّ الحنفيّ إن اقتضى مذهبه بطلان ما صحّحه أوّلا، نفذ بطلانه، وحاصل ذلك أنّ القضاة أجابوا بالصّحّة، والمفتين أجابوا بالبطلان. فطلب السّلطان المفتين والقضاة. فلم يحضر من الحكّام غير نائب الشّافعي، وهو تاج الدّين محمد بن إسحاق بن المناوي، والقضاة الثلاثة الشّافعيّ والحنفيّ والحنبليّ وجدوا مرضى لم يمكنهم الحضور إلى سرياقوس - فإنّ السّلطان كان قد سرح إليها على العادة في كلّ سنة - فجمعهم السّلطان في برج من القصر الذي بميدان سرياقوس عشاء الآخرة، وذكر لهم القضيّة، وسألهم عن حكم اللّه تعالى في الواقعة. فأجاب الجميع بالبطلان غير المناوي، فإنّه قال: مذهب أبي حنيفة أنّ الشّهادة الباطلة إذا اتّصل بها الحكم صحّ ولزم. فصرخت عليه المفتون شافعيهم وحنفيهم، أمّا شافعيهم فإنّه قال: ليس هذا مذهبك ولا مذهب الجمهور، ولا هو الرّاجح في الدّليل والنّظر. وقال له ابن عقيل: هذا ممّا ينقض به الحكم لو حكم به حاكم، وادّعى قيام الإجماع على ذلك. وقال له سراج الدّين البلقيني: ليس هذا مذهب أبي حنيفة، ومذهبه في العقود والفسوخ ما ذكرت من أنّ حكم الحاكم يكون هو المعتمد في التّحليل والتّحريم. وأمّا الأوقاف ونحوها فحكم الحاكم فيها لا أثر له كمذهب الشّافعيّ.

стр. 2573

وادّعوا أنّ الإجماع قائم على ذلك، وقاموا على المناوي في ذلك قومة عظيمة، فقال: نحن نحكم بالظّاهر. فقالوا له: ما لم يظهر الباطن بخلافه. فقال: قال النّبيّ ﷺ : «نحن نحكم بالظّاهر». قالوا: هذا الحديث كذب على النّبيّ ﷺ ، وإنّما الحديث الصّحيح حديث «إنّما أنا بشر، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض … » الحديث. / قال المناوي: الأحكام ما هي بالفتاوى. قالوا له: فبماذا تكون؟ أفي الوجود حكم شرعيّ بغير فتوى من اللّه ورسوله؟ وكان قد قال في مجلس ابن الدّريهم القائم على نفيس اليهودي - المدعو برأس الجالوت (١) بين اليهود - لا يلتفت لقول المفتين. فقيل له في هذا المجلس: ها أنت قد قلت مرّتين: إنّ المفتين لا يعتبر قولهم، وأنّ الفتاوى لا يعتدّ بها. وقد أخطأت في ذلك أشدّ الخطأ، وأنبأت عن غاية الجهل، فإنّ منصب الفتوى أوّل من قام به ربّ العالمين، إذ قال في كتابه المبين: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اَلْكَلالَةِ﴾ [الآية ١٧٦ سورة النساء]، وقال يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ اَلْأَمْرُ اَلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [الآية ٤١ سورة يوسف]، وقال النّبيّ ﷺ لعائشة ﵂: «قد أفتاني اللّه ربّي فيما استفتيته». وكلّ حكم جاء على سؤال سائل تكفّل ببيانه قرآن أو سنّة فهو فتوى، والقائم به مفت، فكيف تقول: لا يلتفت إلى الفتوى أو إلى المفتين؟ فقال سراج الدّين الهندي وغيره: هذا كفر، ومذهب أبي حنيفة أنّ من استخفّ بالفتوى أو المفتين فهو كافر. فاستدرك نفسه بعد ذلك وقال: لم أرد إلاّ أنّ الفتوى إذا خالفت المذهب فهي باطلة. قالوا له: وأخطأت في ذلك أيضا، لأنّ الفتوى قد تخالف المذهب المعيّن، ولا تخالف الحقّ في نفس الأمر. قال: فأردت بالفتوى التي تخالف الحقّ. قالوا: فأطلقت في موضع التّقييد، وذلك خطأ. فقال السّلطان حينئذ: فإذا قدّر هذا، وادّعيت أنّ الفتوى لا أثر لها، فنبطل المفتين والفتوى من الوجود. فتلكّأ وحار وقال: كيف أعمل في هذا؟ فتبيّن لبعض الحاضرين أنّه استشكل المسألة، ولم يتبيّن له وجهها، فقال: لا شكّ أنّ مولانا السّلطان لم ينكر صدور الوقف، وإنّما أنكر المصارف، وأن تكون الجهة التي عيّنها هي هرماس وشهوده وقضاته،

стр. 2574

وللسّلطان أن يحكم فيها بعلمه، ويبطل ما قرّره من عند أنفسهم. قال: وكيف يحكم لنفسه؟ قيل له: ليس هذا حكما لنفسه لأنّه مقرّ بأصل الوقف، وهو للمستحقّين ليس له فيه شيء، وإنّما بطل وصف الوقف، وهو المصرف الذي قرّر على غير جهة الوقف. وله أن يوقع الشّهادة على نفسه، بحكم أنّ مصرف هذا الوقف الجهة الفلانيّة دون الفلانيّة. ولم يزالوا يذكرون له أوجها تبيّن بطلان الوقف إمّا بأصله أو بوصفه، إلى أن قال: يبطل بوصفه دون أصله. وأذعن لذلك بعد إتعاب من العلماء، وانزعاج (¬a) شديد من السّلطان في بيان وجوه ذكرها (¬b) تبيّن وجه الحقّ، وأنّه إنّما وقفه على مصارف (¬c) الجامع المذكور. وهذا ممّا لا يشكّ فيه عاقل ولا يرتاب. فالتفت بعد ذلك وقال للحاضرين: كيف نعمل في إبطاله؟ فقالوا: بما قرّرناه من إشهاد السّلطان على نفسه بتفصيل صحيح، وأنّه لم يزل كذلك منذ صدر منه الوقف إلى هذا الحدّ وغير ذلك من الوجوه. فجعل يوهم السّلطان أنّ الشّهود الذين شهدوا في هذا الوقف، متى بطل هذا الوقف ثبت عليهم التّساهل، وجرّحوا بذلك، وقدح ذلك في عدالتهم، ومتى جرّحوا الآن، لزم بطلان شهادتهم في الأوقاف المتقدّمة على هذا التاريخ. وخيّل بذلك للسّلطان حتى ذكر له إجماع المسلمين على أنّ جرح الشّاهد لا ينعطف على ما مضى من شهاداته السّالفة، ولو كفر - والعياذ باللّه - وهذا ممّا لا خلاف فيه. ثم استقرّ رأيه على أن يبطله بشاهدين يشهدان أنّ السّلطان لمّا صدر منه هذا الوقف كان قد اشترط لنفسه التّغيير والتّبديل والزّيادة والنّقص، وقام على ذلك. قال كاتبه (¬d): انظر تثبّت القضاة، وقايس بين هذه الواقعة وما كان من تثبّت القاضي تاج الدّين المناوي - وهو يومئذ خليفة الحكم - ومصادمته الجبال، وبين ما ستقف عليه من التّساهل والتّناقض في خبر أوقاف مدرسة جمال الدّين يوسف الأستادّار (١)، وميّز بعقلك فرق ما بين القضيّتين. وهذه الأرض التي ذكرت، هي الآن بيد أولاد الهرماس، بحكم (¬e)) ما في (¬e) الكتاب

стр. 2575

الذي حاول السّلطان نقضه فلم يوافق المناوي. والجامع الآن متهدّم، وسقوفه كلّها ما من زمن إلاّ ويسقط منها الشّيء بعد الشّيء فلا يعاد. وكانت ميضأة هذا الجامع صغيرة بجوار ميضأته الآن فيما بينها وبين باب الجامع، وموضعها الآن مخزن تعلوه طبقة عمّرها شخص من الباعة يعرف بابن كرسون المراحلي وهذه الميضأة الموجودة الآن أحدثت، وأنشأ الفسقيّة التي فيها ابن كرسون في أعوام بضع وثمانين وسبع مائة، وبيّض مئذنتي الجامع. واستجدّ المئذنة التي بأعلى الباب المجاور للمنبر رجل من الباعة، وكملت في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمان مائة، وخرق سقف الجامع حتى صار المؤذّنون ينزلون من السّطح إلى الدّكّة التي يكبّرون فوقها وراء الإمام. هيئة صلاة الجمعة في أيّام الخلفاء الفاطميين. قال المسبّحيّ: وفي يوم الجمعة غرّة رمضان سنة ثمانين وثلاث مائة، ركب العزيز باللّه إلى جامع القاهرة بالمظلّة المذهّبة، وبين يديه نحو خمسة آلاف ماش (¬a)، وبيده القضيب وعليه الطّيلسان والسّيف، فخطب وصلّى صلاة الجمعة، وانصرف فأخذ رقاع المتظلّمين بيده، وقرأ منها عدّة في الطّريق؛ وكان يوما عظيما ذكرته الشّعراء (١). قال ابن الطّوير: إذا انقضى ركوب أوّل شهر رمضان استراح/ في أوّل جمعة، فإذا كانت الثّانية ركب الخليفة إلى الجامع الأنور الكبير، في هيئة المواسم، بالمظلّة وما تقدّم ذكره من الآلات، ولباسه فيه ثياب الحرير البيض، توقيرا للصّلاة من الذّهب والمنديل والطّيلسان المقوّر الشّعريين (٢). فيدخل من باب الخطابة والوزير معه، بعد أن يتقدّمه في أوائل النّهار صاحب بيت المال - وهو المقدّم ذكره في الأستاذين - وبين يديه الفرش المختصة بالخليفة إذا صار إليه في هذا اليوم، وهو محمول بأيدي الفرّاشين المميّزين، وهو ملفوف في العراضي الدّبيقي (¬b). فيفرش في المحراب ثلاث طرّاحات، إمّا سامان أو دبيقي أبيض أحسن ما يكون من صنفهما، كلّ منهما منقوش بالحمرة. فتجعل الطّرّاحات متطابقات، ويعلّق ستران يمنة ويسرة، وفي السّتر الأيمن

стр. 2576

كتابة مرقومة بالحرير الأحمر واضحة منقوطة، أوّلها «البسملة» و «الفاتحة» و «سورة الجمعة»، وفي السّتر الأيسر مثل ذلك وسورة ﴿إِذا جاءَكَ اَلْمُنافِقُونَ﴾ [الآية ١ سورة المنافقون]. وقد أسبلا وفرشا في التّعليق بجانبي المحراب لاصقين بجسمه. ثم يصعد قاضي القضاة المنبر وفي يده مدخنة لطيفة خيزران يحضرها إليه صاحب بيت المال فيها جمرات، ويجعل فيها ندّ مثلّث لا يشمّ مثله إلاّ هناك، فيبخّر الذّروة التي عليها الغشاء كالقبّة لجلوس الخليفة للخطابة، ويكرّر ذلك ثلاث دفعات؛ فيأتي الخليفة في هيئة موقّرة من الطّبل والبوق، وحوالي ركابه - خارج أصحاب الرّكاب - القرّاء، وهم قرّاء الحضرة، من الجانبين، يطرّبون بالقراءة نوبة بعد نوبة يستفتحونه (¬a) بذلك من ركوبه عن (¬b) الكرسي، على ما تقدّم طول طريقه إلى قاعة الخطابة من الجامع. ثم تحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب وإسفهسلار العساكر، من أوّلها (¬c) إلى آخرها صبيان الخاصّ وغيرهم ممّن يجري مجراهم، ومن داخلها من باب خروجه إلى المنبر واحد فواحد، فيجلس في القاعة، وإن احتاج إلى تجديد وضوء فعل، والوزير في مكان آخر. فإذا أذّن بالجمعة دخل إليه قاضي القضاة فقال له: «السّلام على أمير المؤمنين الشّريف القاضي الخطيب (¬d) ورحمة اللّه وبركاته، الصّلاة يرحمك اللّه». فيخرج ماشيا وحواليه الأستاذون المحنّكون والوزير وراءه، ومن يليهم من الخواصّ، وبأيديهم الأسلحة من صبيان الخاصّ، وهم أمراء وعليهم هذا الاسم. فيصعد إلى (¬d) المنبر إلى أن يصل إلى الذّروة تحت تلك القبّة المبخّرة، فإذا استوى جالسا والوزير على باب المنبر ووجهه إليه فيشير إليه بالصّعود فيصعد إلى أن يصل إليه، فيقبّل يديه ورجليه بحيث يراه النّاس، ثم يزرّر عليه تلك القبّة لأنّها كالهودج، ثم ينزل مستقبلا فيقف ضابطا لباب المنبر، فإن لم يكن ثمّ وزير صاحب سيف، زرّر عليه قاضي القضاة كذلك، ووقف صاحب الباب ضابطا للمنبر، فيخطب خطبة قصيرة من مسطور يحضر إليه من ديوان الإنشاء، يقرأ فيها آية من القرآن المجيد (¬e)؛ ولقد سمعته مرّة في خطابته بالجامع الأزهر وقد قرأ في خطبته ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ﴾ الآية [الآية ١٥ سورة الأحقاف]. ثم يصلّي فيها (¬f) على أبيه وجدّه - يعني بهما محمّدا ﷺ وعليّ بن أبي طالب ﵁ ويعظ النّاس وعظا بليغا قليل اللّفظ.

стр. 2577

وتشتمل الخطبة على ألفاظ جزلة، ويذكر من سلف من آبائه حتى يصل إلى نفسه، فقال وأنا أسمعه: «اللّهم وأنا عبدك وابن عبدك، لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا». ويتوسّل بدعوات فخمة تليق بمثله، ويدعو للوزير إن كان، وللجيوش بالنّصر والتأليف، وللعساكر بالظّفر، وعلى الكافرين والمخالفين بالهلاك والقهر، ثم يختم بقوله: «اذكروا اللّه يذكركم»، فيطلع إليه من زرّر عليه، ويفكّ ذلك التّزرير وينزل القهقرى. وسبب التّزرير عليهم قراءتهم من مسطور لا كعادة الخطباء. فينزل الخليفة، ويصير على تلك الطّرّاحات الثلاث في المحراب وحده إماما، ويقف الوزير وقاضي القضاة صفّا، ومن ورائهما الأستاذون المحنّكون والأمراء المطوّقون. وأرباب الرّتب من أصحاب السّيوف والأقلام، والمؤذّنون وقوف وظهورهم إلى المقصورة لحفظه. فإذا سمع الوزير الخليفة أسمع القاضي، فأسمع القاضي المؤذّنين، وأسمع المؤذّنون النّاس. هذا والجامع مشحون بالعالم للصّلاة وراءه، فيقرأ ما هو مكتوب في السّتر الأيمن في الرّكعة الأولى، وفي الرّكعة الثانية ما هو مكتوب في السّتر الأيسر، وذلك على طريق التّذكار خيفة الإرتاج (¬a). فإذا فرغ خرج النّاس وركبوا أوّلا فأوّلا، وعاد طالبا القصر والوزير وراءه، وضربت البوقات والطّبول في العود. فإذا أتت الجمعة الثّانية ركب إلى الجامع الأزهر من القشّاشين (١)، على المنوال الذي ذكرناه والقالب الذي وصفناه. فإذا كانت الجمعة الثّالثة أعلم بركوبه إلى مصر للخطابة في جامعها، فيزيّن له من باب القصر أهل القاهرة إلى جامع ابن طولون، ويزيّن له أهل مصر من جامع ابن طولون إلى الجامع بمصر، يرتّب ذلك والي مصر: كلّ أهل معيشة في مكان. فيظهر المختار من الآلات والسّتور المثمّنات، ويهتمون بذلك ثلاثة أيّام بلياليهن، والوالي مارّ وعائد بينهم، وقد ندب من يحفظ النّاس ومتاعهم. فيركب يوم الجمعة المذكور شاقّا/ لذلك كلّه على الشّارع الأعظم إلى مسجد عبد اللّه (٢) الخراب اليوم، إلى دار الأنماط، إلى الجامع بمصر. فيدخل إليه من المعونة - ومنها باب متّصل بقاعة الخطيب - بالزيّ الذي تقدّم ذكره في خطبة الجامعين بالقاهرة وعلى ترتيبهما. فإذا

стр. 2578

قضى الصّلاة عاد إلى القاهرة من طريقه بعينها، شاقّا بالزّينة إلى أن يصل إلى القصر، ويعطي أرباب المساجد التي يمرّ عليها كلّ واحد دينارا (١). وقال ابن المأمون: ووصل من الطّراز الكسوة المختصّة بغزّة شهر رمضان وجمعتيه: برسم الخليفة للغرّة بدلة كبيرة موكبية مكمّلة مذهّبة، وبرسم الجامع الأزهر للجمعة الأولى من الشهر بدلة موكبية حريري مكمّلة منديلها وطيلسانها بياض، وبرسم الجامع الأنور للجمعة الثّانية بدلة منديلها وطيلسانها شعري، وما هو برسم أخي الخليفة للغرّة خاصّة بدلة مذهّبة، وبرسم أربع جهات للخليفة أربع حلل مذهّبات، وبرسم الوزير للغرّة خلعة مذهّبة مكمّلة موكبية، وبرسم الجمعتين بدلتان حريريتان. ولم يكن لغير الخليفة وأخيه و (¬a) الوزير في ذلك شيء فنذكره (٢). جامع راشدة هذا الجامع عرف ب «جامع راشدة» لأنّه في خطّة راشدة. قال القضاعي: خطّة راشدة بن أدّ ابن جذيلة من لخم، هي متاخمة للخطّة التي قبلها إلى الدّير المعروف كان بأبي تلموس (¬b) ثم هدم، وهو الجامع الكبير الذي براشدة. وقد دثرت هذه الخطّة، ومنها المقبرة المعروفة بمقبرة راشدة، والجنان (¬c)) المعروف كان (¬c) بكهمس بن معمر (¬d)، ثم عرف بالماذرائي (¬e)، وهو اليوم يعرف بالأمير تميم (٣). وقال المسبّحيّ في حوادث سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة: وابتدئ بناء جامع راشدة في سابع عشر ربيع الآخر، وكان مكانه كنيسة حولها مقابر لليهود والنّصارى، فبني بالطّوب، ثم هدم وزيد فيه وبني بالحجر، وأقيمت به الجمعة (٤).

стр. 2579

وقال في سنة خمس وتسعين وثلاث مائة: وفيه - يعني شهر رمضان - فرش جامع راشدة وتكامل فرشه وتعليق قناديله وما يحتاج إليه. وركب الحاكم بأمر اللّه عشيّة يوم الجمعة الخامس عشر منه، وأشرف عليه (١). وقال في سنة ثمان وتسعين وثلاث مائة: وفيه - يعني شهر رمضان - صلّى الحاكم بجامعه الذي أنشأه براشدة صلاة الجمعة وخطب (٢). وفي شهر رمضان سنة أربع مائة، أنزل بقناديل وتنوّر من فضّة زنتها ألوف كثيرة، فعلّقت بجامع راشدة. وفي سنة إحدى وأربع مائة هدم، وابتدئ في عمارته من صفر (٣). وفي شهر رمضان سنة ثلاث وأربع مائة: صلّى الحاكم في جامع راشدة صلاة الجمعة، وعليه عمامة بغير جوهر وسيف محلّى بفضّة بيضاء دقيقة، والنّاس يمشون بركابه من غير أن يمنع أحد منه. وكان يأخذ قصصهم، ويقف وقوفا طويلا لكلّ منهم (٤). واتّفق يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخر سنة أربع عشرة وأربع مائة، أن خطب فيه خطبتان معا على المنبر. وذلك أنّ أبا طالب عليّ بن عبد السّميع العبّاسي استقرّ في خطابته بإذن قاضي القضاة أبي العبّاس أحمد بن محمد بن العوّام، بعد سفر العفيف البخاري إلى الشّام. فتوصّل ابن عصفورة إلى أن خرج له أمر أمير المؤمنين الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، أن يخطب، فصعدا جميعا المنبر، ووقف أحدهما دون الآخر وخطبا معا. ثم بعد ذلك استقرّ أبو طالب خطيبا، وأن يكون ابن عصفورة يخلفه (٥). وقال ابن المتوّج: هذا الجامع فيما بين دير الطّين والفسطاط. وهو مشهور الآن بجامع راشدة، وليس [ذلك] (¬a) بصحيح، وإنّما جامع راشدة كان جامعا قديم البناء بجوار هذا الجامع عمّر في زمن الفتح عمّرته راشدة، وهي قبيلة من القبائل كقبيلة تجيب ومهرة، نزلت في هذا المكان، وعمّروا فيه جامعا كبيرا. [قال ابن المتوّج] (¬a): أدركت أنا بعضه ومحرابه. وكان

стр. 2580

فيه نخل كثير من نخل المقل، ومن جملة ما رأيت فيه نخلة من المقل عددت لها سبعة رءوس مفرّعة منها؛ فذاك الجامع هو المعروف ب «جامع راشدة». وأمّا هذا الموجود الآن فمن عمارة الحاكم (١). ولم يكن في بناء الجوامع أحسن من بنائه. وقيل عمّرته حظيّة الخليفة وكان اسمها راشدة، وليس بصحيح، والأوّل هو الصّحيح (٢). وفيه الآن نخل وسدر وبئر وساقية رجل، وهو مكان خلوة وانقطاع، ومحلّ عبادة وفراغ من تعلّقات الدّنيا. قال كاتبه (¬a): هذا وهم من ابن المتوّج في موضعين: أوّلهما: أنّ راشدة عمّرت هذا الجامع في زمن فتح مصر، وهذا قول لم يقله أحد من مؤرّخي مصر. فهذا الكنديّ ثم القضاعيّ - وعليهما يعوّل في معرفة خطط مصر - ومن قبلهما ابن عبد الحكم؛ لم يقل أحد منهم إنّ راشدة عمّرت زمن الفتح مسجدا، ولا يعرف من هذا السّلف ﵏ في جند من أجناد الأمصار التي افتتحتها الصّحابة ﵃ أنّهم أقاموا خطبتين في جند (¬b) واحد. وقد حكينا ما تقدّم عن المسبّحي - وهو مشاهد ما نقله من بناء الجامع المذكور في موضع الكنيسة بأمر الحاكم بأمر اللّه وتغييره لبنائه غير مرّة، وتبعه القضاعي على ذلك. وقد عدّ القضاعيّ والكنديّ في كتابيهما/ المذكور فيهما خطط مصر، ما كان بمصر من مساجد الخطبة القديمة والمحدثة، وذكرا مساجد راشدة، ولم يذكرا فيها جامعا اختطّته راشدة، وذكرا هذا الدّير، وعيّن القضاعي اسمه، وأنّه (¬c) هدم وبني في مكانه جامع راشدة. وناهيك بهما معرفة لآثار مصر وخططها. والوهم الثّاني: الاستدلال على الوهم الأوّل بمشاهدة بقايا مسجد قديم. ولا أدري كيف يستدلّ بذلك؟ فمن أنكر أن يكون قد كان هناك مسجد؟ بل المدّعى أنّه كان لراشدة مساجد، لكنّ كونها اختطّت جامعا هذا غير صحيح.

стр. 2581

وقال ابن أبي طيّ في أخبار سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة في كتابه «تاريخ حلب»: كانت النّصارى اليعقوبية قد شرعوا في إنشاء كنيسة كانت قد اندرست لهم بظاهر مصر في الموضع المعروف براشدة، فثار قوم من المسلمين وهدموا ما بنى النّصارى. وأنهي إلى الحاكم ذلك، وقيل له: إنّ النّصارى ابتدأوا بناءها، وقال النّصارى: إنّها كانت قبل الإسلام. فأمر الحاكم حسين ابن جوهر بالنّظر في حال الفريقين، فمال في الحكم مع النّصارى، وتبيّن للحاكم ذلك، فأمر أن تبنى تلك الكنيسة مسجدا جامعا، فبني في أسرع وقت، وهو جامع راشدة، وراشدة اسم للكنيسة، وكان بجواره كنيستان: إحداهما لليعقوبية والأخرى للنّسطورية، فهدمتا أيضا وبنيتا مسجدين. وكان في حارة الرّوم بالقاهرة آدر للرّوم وكنيستان لهم، فهدمتا وجعلتا مسجدين أيضا، وحوّل الرّوم إلى الموضع المعروف بالحمراء، وأسّس الرّوم ثلاث كنائس عوضا عمّا هدم لهم. وهذا أيضا مصرّح بأنّ جامع راشدة أسّسه الحاكم، وفيه وهم لكونه جعل راشدة اسما للكنيسة، وإنّما راشدة اسم لقبيلة من العرب نزلوا عند الفتح هناك، فعرفت تلك البقاع بخطّة راشدة. وقد جدّد جامع راشدة مرارا، وأدركته عامرا تقام فيه الجمعة ويمتلئ بالنّاس لكثرة من حوله من السّكّان، وإنّما تعطّل من إقامة الجمعة بعد حوادث سنة ستّ وثمان مائة (١). (¬a)) وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة: راشدة بطن من لخم، وهم ولد راشدة ابن الحارث بن أد بن جذيلة، من لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد - وقيل راشدة بن أدوب - ويقال لراشدة: خالفة، ولهم خطّة بمصر بالجبل المعروف بالرّصد المطلّ على بركة الحبش، وقد دثرت الخطّة ولم يبق في موضعها إلاّ الجامع الحاكمي المعروف بجامع راشدة (¬a).

стр. 2582

جامع المقس هذا الجامع أنشأه الحاكم بأمر اللّه على شاطئ النّيل بالمقس في (¬a) (١)، لأنّ المقس كان خطّة كبيرة. وهي بلد قديم من قبل الفتح كما تقدّم ذكر ذلك في هذا الكتاب (٢). وقال في الكتاب الذي تضمّن وقف الحاكم بأمر اللّه الأماكن بمصر على الجوامع - كما ذكر في خبر الجامع الأزهر (٣) - ما نصّه:

стр. 2583

«ويكون جميع ما بقي، ممّا تصدّق به على هذه المواضع، يصرف في جميع ما يحتاج إليه في جامع المقس المذكور من عمارته، ومن ثمن الحصر العبدانية والمظفورة، وثمن العود للبخور وغيره، على ما شرح من الوظائف في الذي تقدّم» (١). وكان لهذا الجامع محلّ كبير (¬a) في الدّولة الفاطميّة، ويركب الخليفة إلى منظرة كانت بجانبه عند عرض الأسطول فيجلس بها لمشاهدة ذلك، كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر المناظر (٢). وفي سنة سبع وثمانين وخمس مائة انشقّت زربيّة (¬b) هذا الجامع في شهر رمضان لكثرة زيادة ماء النّيل، وخيف على الجامع السّقوط فأمر بعمارتها. ولمّا بنى السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب هذا السّور الذي على القاهرة، وأراد أن يوصّله بسور مصر من خارج باب البحر إلى الكوم الأحمر - حيث منشأة المهراني اليوم - وكان المتولّي لعمارة ذلك الأمير بهاء الدّين قراقوش الأسدي، أنشأ بجوار جامع المقس برجا كبيرا عرف بقلعة المقس في مكان المنظرة التي كانت للخلفاء (٣). فلمّا كان في سنة سبعين وسبع مائة جدّد بناء هذا الجامع الوزير الصّاحب شمس الدّين عبد اللّه المقسي (٤)، وهدم القلعة وجعل مكانها جنينة، واتّهمه النّاس بأنّه وجد هنالك مالا كثيرا، وأنّه عمّر منه الجامع المذكور، فصار العامّة اليوم يقولون: جامع المقسي. ويظنّ من لا علم عنده أنّ هذا الجامع من إنشائه، وليس كذلك بل إنّما جدّده وبيّضه (٥). وقد انحسر ماء النّيل عن تجاه هذا الجامع كما ذكر في خبر بولاق والمقس (٦)، وصار هذا الجامع اليوم على حافة الخليج النّاصريّ. وأدركنا ما حوله في غاية العمارة، وقد تلاشت المساكن التي هناك، وبها إلى اليوم بقيّة يسيرة.

стр. 2584

ونظر هذا الجامع اليوم بيد أولاد الوزير المقسي، فإنّه جدّده وجعل عليه أوقافا لمدرّس وخطيب وقومة ومؤذّنين وغير ذلك. وقال جامع «السّيرة الصّلاحيّة»: وهذا المقسم على شاطئ النّيل يزار، وهناك مسجد يتبرّك به الأبرار، وهو المكان الذي قسّمت فيه الغنيمة عند استيلاء الصّحابة ﵃ على مصر. فلمّا أمر السّلطان صلاح الدّين بإدارة السّور/ على مصر والقاهرة، تولّى ذلك بهاء الدّين قراقوش، وجعل نهايته التي تلي القاهرة عند المقس، وبنى فيه برجا يشرف على النّيل، وبنى مسجده جامعا، واتّصلت العمارة منه إلى البلد، وصار تقام فيه الجمع والجماعات (١). العزيز باللّه أبو المنصور (¬a) نزار بن المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ (٢) - ولد بالمهديّة من بلاد إفريقيّة في يوم الخميس الرّابع عشر من المحرّم سنة أربع وأربعين وثلاث مائة، وقدم مع أبيه إلى القاهرة وولي العهد. فلمّا مات المعزّ لدين اللّه أقيم من بعده في الخلافة يوم الرّابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاث مائة، فأذعن له سائر عساكر أبيه. واجتمعوا عليه، وسيّر بذهب إلى بلاد المغرب فرّق في النّاس، وأقرّ يوسف بن بلّكين على ولاية إفريقيّة، وخطب له بمكّة. ووافى الشّام عسكر القرامطة، فصاروا مع أفتكين التّركي وقوي بهم، وساروا إلى الرّملة وقاتلوا عساكر العزيز بيافا. فبعث العزيز جوهرا القائد بعساكر كثيرة، وملك الرّملة، وحاصر دمشق مدّة، ثم رحل عنها بغير طائل، فأدركه القرامطة، وقاتلوه بالرّملة وعسقلان نحو سبعة عشر شهرا. ثم خلص من تحت سيوف أفتكين وسار إلى العزيز، فوافاه وقد برز من القاهرة فسار معه. ودخل العزيز إلى الرّملة، وأسر أفتكين في المحرّم سنة ثمان وستين وثلاث مائة، فأحسن إليه وأكرمه إكراما زائدا.

стр. 2585

فكتب إليه الشّريف أبو إسماعيل إبراهيم الرّسّي (¬a) يقول: يا مولانا لقد استحقّ هذا الكافر كلّ عذاب، والعجب من الإحسان إليه. فلمّا لقيه قال: يا إبراهيم، قرأت كتابك في أمر أفتكين، وأنا أخبرك، اعلم أنّا قد وعدناه الإحسان والولاية، فلمّا قبل وجاء إلينا نصب فازاته وخيامه حذاءنا، وأردنا منه الانصراف، فلجّ وقاتل. فلمّا ولّى منهزما، وسرت إلى فازاته ودخلتها، سجدت للّه شكرا، وسألته أن يفتح لي بالظّفر به، فجيء به بعد ساعة أسيرا، أترى يليق بي غير الوفاء؟ ولمّا وصل العزيز إلى القاهرة، اصطنع أفتكين، وواصله بالعطايا والخلع حتى قال: لقد احتشمت من ركوبي مع الخليفة مولانا العزيز باللّه ونظري إليه بما غمرني من فضله وإحسانه. فلمّا بلغ العزيز ذلك قال لعمّه حيدرة: يا عمّ أحبّ أن أرى النّعم عند النّاس ظاهرة، وأرى عليهم الذّهب والفضّة والجواهر، ولهم الخيل واللّباس والضّياع والعقار، وأن يكون ذلك كلّه من عندي (١). ومات بمدينة بلبيس من مرض طويل بالقولنج والحصاة، في اليوم الثّامن والعشرين من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاث مائة، فحمل إلى القاهرة، ودفن بتربة القصر مع آبائه. وكانت مدّة خلافته بعد أبيه المعزّ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا، ومات وعمره اثنتان وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة عشر يوما، وكان نقش خاتمه: «بنصر العزيز الجبّار، ينتصر الإمام نزار». ولمّا مات وحضر النّاس إلى القصر للتّعزية، أفحموا عن أن يوردوا في ذلك المقام شيئا، ومكثوا مطرقين لا ينبسون. فقام صبيّ من أولاد الأمراء الكتاميين (¬b)، وفتح باب التّعزية وأنشد: [الكامل] انظر إلى العلياء كيف تضام … ومآتم الأحساب كيف تقام خبّرتني ركاب الرّكاب ولم يدع … للسّفر وجه ترحّل فأقاموا فاستحسن النّاس إيراده، وكأنّه طرق لهم كيف يوردون المراثي؛ فنهض الشّعراء والخطباء حينئذ وعزّوا، وأنشد كلّ واحد ما عمل في التّعزية.

стр. 2586

وخلّف من الأولاد: ابنه المنصور وولي الخلافة من بعده، وابنة تدعى «سيّدة الملك». وكان أسمر طوالا، أصهب الشّعر، أعين أشهل، عريض المنكبين، شجاعا كريما، حسن العفو والقدرة، لا يعرف سفك الدّماء ألبتّة، مع حسن الخلق والقرب من النّاس، والمعرفة بالخيل وجوارح الطّير. وكان محبّا للصّيد مغرى به، حريصا على صيد السّباع (١). ووزر له يعقوب بن كلّس اثنتي عشرة سنة وشهرين وتسعة عشر يوما، ثم من بعده عليّ ابن عمر العدّاس سنة واحدة، ثم أبو الفضل جعفر بن الفرات سنة، ثم أبو عبد اللّه الحسين ابن الحسن البازيار سنة وثلاثة أشهر، ثم أبو محمّد بن عمّار شهرين، ثم الفضل بن صالح الوزيري أيّاما، ثم عيسى بن نسطورس سنة وعشرة أشهر. وكانت قضاته أبو طاهر محمد بن أحمد، ثم أبو الحسن عليّ بن النّعمان، ثم أبو عبد اللّه محمد بن النّعمان. وخرج إلى السّفر أوّلا في صفر سنة سبع وستين وعاد من العبّاسيّة، وخرج ثانيا وظفر بأفتكين، وخرج ثالثا في صفر سنة اثنتين وسبعين ورجع بعد شهر إلى قصره بالقاهرة، وخرج رابعا في ربيع الأوّل سنة أربع وسبعين (¬a)، فنزل منية الأصبغ وعاد بعد ثمانية أشهر واثني عشر يوما، وخرج خامسا في عاشر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين فأقام مبرّزا أربعة عشر شهرا وعشرين يوما، ومات في هذه الخرجة ببلبيس. وهو أوّل من اتّخذ من أهل بيته وزيرا أثبت اسمه على الطّرز، وقرن اسمه باسمه، وأوّل من لبس منهم الخفّين والمنطقة، وأوّل من اتّخذ منهم الأتراك/ واصطنعهم وجعل منهم القوّاد، وأوّل من رمى منهم بالنّشّاب، وأوّل من ركب منهم بالذّؤابة الطّويلة والحنك، وضرب بالصّوالجة ولعب بالرّمح، وأوّل من عمل مائدة في الشّرطة السّفلى في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق، وأقام طعاما في جامع القاهرة لمن يحضر في رجب وشعبان ورمضان، واتّخذ الحمير لركوبه إيّاها. وكانت أمّه أمّ ولد اسمها «درزان (¬b)». وكان يضرب بأيّامه المثل في الحسن، فإنّها كانت كلّها أعيادا وأعراسا لكثرة كرمه ومحبّته للعفو واستعماله لذلك. ولا أعلم له

стр. 2587

بمصر من الآثار غير تأسيس الجامع الحاكمي، وما عدا ذلك فذهب اسمه ومحي رسمه. الحاكم بأمر اللّه أبو عليّ منصور بن العزيز باللّه نزار بن المعزّ لدين اللّه أبي تميم معدّ (١) - ولد بالقصر من القاهرة المعزّيّة ليلة الخميس الثّالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل سنة خمس وسبعين وثلاث مائة، في الساعة التاسعة، والطّالع من برج السّرطان سبع وعشرين درجة، وسلّم عليه بالخلافة في مدينة بلبيس بعد الظّهر من يوم الثلاثاء عشرين شهر رمضان سنة ستّ وثمانين وثلاث مائة. وسار إلى القاهرة في يوم الأربعاء بسائر أهل الدّولة، والعزيز في قبّة على ناقة بين يديه، وعلى الحاكم درّاعة مصمت وعمامة فيها الجوهر، وبيده رمح وقد تقلّد السّيف، ولم يفقد من جميع ما كان مع العساكر شيء. ودخل القصر قبل صلاة المغرب، وأخذ في جهاز أبيه العزيز باللّه ودفنه. ثم بكّر سائر أهل الدّولة إلى القصر يوم الخميس، وقد نصب للحاكم سرير من ذهب عليه مرتبة مذهّبة في الإيوان الكبير. وخرج من قصره راكبا وعليه معمّمة الجوهر، والنّاس وقوف في صحن الإيوان، فقبّلوا له الأرض، ومشوا بين يديه حتى جلس على السّرير. فوقف من رسمه الوقوف، وجلس من له عادة أن يجلس، وسلّم الجميع عليه بالإمامة واللّقب الذي اختير له وهو «الحاكم بأمر اللّه». وكان سنّه يومئذ إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وستة أيّام. فجعل أبا محمد الحسن بن عمّار الكتامي (¬a) واسطة ولقّب بأمين الدّولة، وأسقط مكوسا كانت بالسّاحل، وردّ إلى الحسين بن جوهر القائد البريد والإنشاء فكان يخلفه ابن سورين، وأقرّ

стр. 2588

عيسى بن نسطورس على ديوان الخاصّ، وقلّد سليمان بن جعفر بن فلاح الشّام. فخرج منجوتكين (¬a) بدمشق (¬b) وسار منها لمدافعة سليمان بن جعفر بن فلاح. فبلغ الرّملة، وانضمّ إليه ابن الجرّاح الطّائي في كثير من العرب، وواقع ابن فلاح، فانهزم وفرّ، ثم أسر فحمل إلى القاهرة وأكرم. واختلف أهل الدّولة على ابن عمّار، ووقعت حروب آلت إلى صرفه عن الوساطة وله في النّظر أحد عشر شهرا غير خمسة أيّام، فلزم داره وأطلقت له رسوم وجرايات (١). وأقيم الطّواشي برجوان الصّقلبي (¬c) مكانه في الوساطة لثلاث بقين من رمضان سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، فجعل كاتبه فهد بن إبراهيم يوقّع عنه ولقّبه ب «الرّئيس»، وصرف سليمان ابن فلاح عن الشّام بجيش بن الصّمصامة. وقلّد فخذ (¬d) بن إسماعيل الكتامي مدينة صور، وقلّد يانس الخادم برقة، وميسورا الخادم طرابلس، ويمنا الخادم غزّة وعسقلان. فواقع جيش الرّوم على فامية، وقتل منهم خمسة آلاف رجل، وغزا إلى أن دخل مرعش. وقلّد وظيفة قضاء القضاة أبا عبد اللّه الحسين بن عليّ ابن النّعمان في صفر سنة تسع وثمانين وثلاث مائة بعد موت قاضي القضاة محمد ابن النّعمان. وقتل الأستاذ برجوان لأربع بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وثلاث مائة، وله في النّظر سنتان وثمانية أشهر غير يوم واحد (٢)، وردّ النّظر في أمور النّاس وتدبير المملكة والتّوقيعات إلى الحسين بن جوهر ولقّب ب «قائد القوّاد»، فخلفه الرئيس فهد، واتّخذ

стр. 2589

الحاكم مجلسا في اللّيل يحضر فيه عدّة من أعيان الدّولة ثم أبطله (١). ومات جيش بن الصّمصامة في ربيع الآخر سنة تسعين وثلاث مائة، فوصل ابنه بتركته إلى القاهرة، ومعه درج بخطّ أبيه فيه وصيّة وثبت بما خلّفه مفصّلا، وأنّ ذلك جميعه لأمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه، لا يستحقّ أحد من أولاده منه درهما. وكان مبلغ ذلك نحو المائتي ألف دينار ما بين عين ومتاع ودوابّ، قد أوقف جميع ذلك تحت القصر. فأخذ الحاكم الدّرج ونظره، ثم أعاده إلى أولاد جيش، وخلع عليهم، وقال لهم بحضرة وجوه الدّولة: «قد وقفت على وصيّة أبيكم ﵀ وما وصّى به من عين ومتاع، فخذوه هنيئا مباركا لكم فيه». فانصرفوا بجميع التّركة (٢). وولّي دمشق فحل بن تميم ومات بعد شهور، فولي عليّ بن فلاح (٣). وردّ النّظر في المظالم لعبد العزيز بن محمد بن النّعمان، ومنع النّاس كافّة من مخاطبة أحد أو مكاتبته بسيّدنا ومولانا إلاّ «أمير المؤمنين» وحده، وأبيح دم من خالف ذلك. وفي شوّال قتل ابن عمّار. وفي سنة إحدى وتسعين واصل الحاكم الرّكوب في اللّيل، كلّ ليلة، فكان يشقّ الشّوارع والأزقّة. وبالغ النّاس في الوقود والزّينة، وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللّهو، وكثر تفرّجهم على ذلك حتى خرجوا فيه عن الحدّ، فمنع النّساء من الخروج في اللّيل، ثم منع الرّجال من الجلوس في الحوانيت. وفي رمضان سنة/ اثنتين وتسعين، قلّد تموصلت بن بكّار دمشق عوضا عن ابن فلاح. وابتدأ في عمارة جامع راشدة في سنة ثلاث وتسعين. وقتل فهد بن إبراهيم وله منذ نظر في الرّياسة خمس سنين وتسعة أشهر واثنا عشر يوما، في ثامن جمادى الآخرة منها، وأقيم في مكانه عليّ ابن عمر العدّاس، وسار الأمير ياروخ لإمارة طبريّة. ووقع الشّروع في إتمام الجامع خارج باب الفتوح، وقطع الحاكم الرّكوب في اللّيل، ومات تموصلت فولي دمشق بعده مفلح اللّحياني الخادم.

стр. 2590

وقتل عليّ بن عمر العدّاس والأستاذ ريدان الصّقلبي (¬a) وعدّة كثيرة من النّاس، وقلّد إمارة برقة صندل الأسود في المحرّم سنة أربع وتسعين، وصرف الحسين بن النّعمان عن القضاء في رمضان منها، وكانت مدّة نظره في القضاء خمس سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما، وإليه كانت الدّعوة أيضا، فيقال له «قاضي القضاة وداعي الدّعاة». وقلّد عبد العزيز بن محمد بن النّعمان وظيفة القضاء والدّعوة، مع ما بيده من النّظر في المظالم. وفي سنة خمس وتسعين، أمر النّصارى واليهود بشدّ الزّنّار ولبس الغيار، ومنع النّاس من أكل الملوخيّة والجرجير والمتوكّلية والدّلينس، وذبح الأبقار السّليمة من العاهة إلاّ في أيّام الأضحية، ومنع من بيع الفقّاع وعمله ألبتّة، وألاّ يدخل أحد الحمّام إلاّ بمئزر، وألاّ تكشف امرأة وجهها في طريق ولا خلف جنازة ولا تتبرّج، ولا يباع شيء من السّمك بغير قشر، ولا يصطاده أحد من الصّيّادين وتتبّع النّاس في ذلك كلّه، وشدّد فيه، وضرب جماعة بسبب مخالفتهم ما أمروا به ونهوا عنه ممّا ذكر (١). وخرجت العساكر لقتال بني قرّة أهل البحيرة. وكتب على أبواب المساجد وعلى الجوامع بمصر، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر، سبّ السّلف ولعنهم، وأكره النّاس على نقش ذلك وكتابته بالأصباغ في سائر المواضع. وأقبل النّاس من سائر النّواحي فدخلوا في الدّعوة، وجعل لهم يومان في الأسبوع، وكثر الازدحام ومات فيه جماعة، ومنع النّاس من الخروج بعد المغرب في الطّرقات، وألاّ يظهر أحد بها لبيع ولا شراء. فخلت الطّرق من المارّة، وكسرت أواني الخمور، وأريقت من سائر الأماكن، واشتدّ خوف النّاس بأسرهم، وقويت الشّناعات وزاد الاضطراب. فاجتمع كثير من الكتّاب وغيرهم تحت القصر، وضجّوا يسألون العفو، فكتب عدّة أمانات لجميع الطّوائف من أهل الدّولة وغيرهم من الباعة والرّعيّة (٢). وأمر بقتل الكلاب فقتل منها ما لا ينحصر حتى فقدت (٣). وفتحت «دار الحكمة» بالقاهرة وحمل إليها الكتب (٤)، ودخل إليها النّاس. واشتدّ الطّلب على الرّكابية المستخدمين في الرّكاب، وقتل منهم كثير، ثم عفا عنهم

стр. 2591

وكتب لهم أمان. ومنع النّاس كافّة من الدّخول من باب القاهرة، (¬a)) وهم ركاب، ومنع المكاريون أن يدخلوا بحميرهم إلى القاهرة (¬a)، ومنع النّاس من المشي ملاصق القصر، وقتل قاضي القضاة حسين بن النّعمان وأحرق بالنّار، وقتل عددا كثيرا من النّاس ضربت أعناقهم (١). وفي سنة ستّ وتسعين خرج أبو ركوة يدعو إلى نفسه، وادّعى أنّه من بني أميّة. فقام بأمره بنو قرّة لكثرة ما أوقع بهم الحاكم وبايعوه، واستجاب له لواتة ومزانة وزناتة، وأخذ برقة، وهزم جيوش الحاكم غير مرّة وغنم ما معهم. فخرج لقتاله القائد فضل بن صالح في ربيع الأوّل وواقعه، فانهزم منه فضل، واشتدّ الاضطراب بمصر، وتزايدت الأسعار. واشتدّ الاستعداد لمحاربة أبي ركوة، ونزلت العساكر بالجيزة، وسار أبو ركوة، فواقعه القائد فضل، وقتل عدّة ممّن معه. فعظم الأمر، واشتدّ الخوف، وخرج النّاس فباتوا بالشّوارع خوفا من هجوم عساكر أبي ركوة. واستمرّت الحروب، فانهزم أبو ركوة في ثالث ذي الحجّة إلى الفيّوم، وتبعه القائد فضل - بعد أن بعث إلى القاهرة بستة آلاف رأس ومائة أسير - إلى أن قبض عليه ببلاد النّوبة، وأحضر إلى القاهرة فقتل بها، وخلع على القائد فضل، وسيّرت البشائر بقتله في الأعمال (٢). وفي سنة سبع وتسعين أمر بمحو سبّ السّلف، فمحي سائر ما كتب من ذلك (٣). وغلت الأسعار لنقص ماء النّيل، فإنّه بلغ ستة عشر أصبعا من سبعة عشر ذراعا ثم نقص (٤). ومات منجوتكين في ذي الحجّة (٥). واشتدّ الغلاء في سنة ثمان وتسعين، وولي عليّ بن فلاح دمشق. وقبض جميع ما هو محبّس على الكنائس وجعل في الدّيوان، وأحرق عدّة صلبان

стр. 2592

على باب الجامع بمصر، وكتب إلى سائر الأعمال بذلك (١). وفي سادس عشر رجب قرّر مالك بن سعيد الفارقي في وظيفة قضاء القضاة، وتسلّم كتب الدّعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء، وصرف عبد العزيز بن النّعمان عن ذلك، وصرف قائد القوّاد الحسين بن جوهر عمّا كان يليه من النّظر في سابع شعبان، وقرّر مكانه صالح بن عليّ الرّوذباري (¬a)، وقرّر في ديوان الشّام مكانه أبو عبد اللّه الموصلي الكاتب، وأمر حسين بن جوهر وعبد العزيز بلزوم دورهما، ومنعا من الرّكوب وسائر أولادهما، ثم عفا عنهما بعد أيّام وأمرا بالرّكوب (٢). وتوقّفت زيادة النّيل، فاستسقى النّاس مرّتين، وأمر بإبطال عدّة مكوس، وتعذّر وجود الخبز لغلائه وقلّته، وفتح الخليج في رابع توت والماء على خمسة عشر/ ذراعا، فاشتدّ الغلاء (٣). وفي تاسع المحرّم - وهو نصف توت - نقص ماء النّيل ولم يوفّ ستة عشر ذراعا، فمنع النّاس من التّظاهر بالغناء، ومن ركوب البحر للتّفرّج، ومنع من بيع المسكرات، ومنع النّاس كافّة من الخروج قبل الفجر وبعد العشاء إلى الطّرقات، واشتدّ الأمر على الكافّة لشدّة ما داخلهم من الخوف، مع شدّة الغلاء وتزايد الأمراض في النّاس والموت (٤). فلمّا كان في رجب انحلّت الأسعار (٥)، و [في رمضان] (¬b) قرئ سجلّ فيه «يصوم الصّائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرّؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم (¬c) فيها يصلّون، وصلاة الضّحى وصلاة التّروايح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون، يخمّس في التّكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التّربيع عليها المربّعون، يؤذّن ب «حيّ على خير العمل» المؤذّنون ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. لا يسبّ أحد من السّلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف والحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم يجتهد (¬d) في دينه اجتهاده» (٦).

стр. 2593

ولقّب صالح بن عليّ الرّوذباري ب «ثقة ثقات السّيف والقلم»، وأعيد القاضي عبد العزيز ابن النّعمان إلى النّظر في المظالم. وتزايدت الأمراض وكثر الموت وعزّت الأدوية، وأعيدت المكوس التي رفعت، وهدمت كنائس كانت بطريق المقس، وهدمت كنيسة كانت بحارة الرّوم من القاهرة ونهب ما فيها وقتل كثير من الخدّام ومن الكتّاب ومن الصّقالبة، بعد ما قطعت أيدي بعض (¬a) من الكتّاب بالسّاطور على الخشبة من وسط الذّراع، وقتل القائد فضل بن صالح في ذي القعدة (١). وفي حادي عشر صفر صرف صالح بن عليّ الرّوذباري (¬b) وقرّر مكانه ابن عبدون النّصراني الكاتب، فوقّع عن الحاكم ونظر، وكتب بهدم كنيسة قمامة، وجدّد ديوان - يقال له «الدّيوان المفرد» - برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم، وكثرت الأمراض، وعزّت الأدوية، وشهّر جماعة وجد عندهم فقّاع وملوخيّة ودلينس وترمس (¬c) وضربوا، وهدم دائر القصر (٢). واشتدّ الأمر على النّصارى واليهود في إلزامهم لبس الغيار، وكتب إبطال أخذ الخمس والنّجاوى، والفطرة، وفرّ الحسين بن جوهر وأولاده وعبد العزيز بن النّعمان، وفرّ أبو القاسم الحسين بن المغربي. وكتبت (¬d) عدّة أمانات لعدّة طوائف من شدّة خوفهم، وقطعت قراءة مجالس الحكمة بالقصر، ووقع التّشديد في المنع من المسكرات، وقتل كثير من الكتّاب والخدّام والفرّاشين، وقتل صالح بن عليّ الرّوذباري (¬c) في شوّال (٣).

стр. 2594

وفي رابع المحرّم سنة إحدى وأربع مائة، صرف الكافي بن عبدون عن النّظر والتّوقيع، وقرّر بدله أحمد بن محمد القشوري الكاتب في الوساطة والسّفارة، وحضر الحسين بن جوهر وعبد العزيز بن النّعمان إلى القاهرة فأكرما، ثم صرف ابن القشوري بعد عشرة أيّام من استقراره وضربت عنقه، وقرّر بدله زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النّصراني، ولقّب بالشّافي (١). ومنع النّاس من الرّكوب في المراكب في الخليج، وسدّت أبواب الدّور التي على الخليج والطّاقات المطلّة عليه، وأضيف إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد النّظر في المظالم، وأعيدت مجالس الحكمة وأخذ مال النّجوى، وقتل ابن عبدون وأخذ ماله، وضرب جماعة وشهروا من أجل بيعهم الملوخيّة والسّمك الذي لا قشر له وبسبب بيع النّبيذ (٢). وقتل الحسين بن جوهر وعبد العزيز بن النّعمان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربع مائة، وأحيط بأموالهما، وأبطلت عدّة مكوس، ومنع النّاس من الغناء واللّهو ومن بيع المغنّيات ومن الاجتماع بالصّحراء (٣). وفي هذه السنة خلع حسّان بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح طاعة الحاكم، وأقام أبا الفتوح حسين بن جعفر الحسني أمير مكّة خليفة، وبايعه ودعا النّاس إلى طاعته ومبايعته، وقاتل عساكر الحاكم (٤). وفي سنة اثنتين وأربع مائة، منع من بيع الزّبيب وكوتب بالمنع من حمله، وألقي في بحر النّيل منه شيء كثير وأحرق شيء كثير. ومنع النّساء من زيارة القبور، فلم ير في الأعياد بالمقابر امرأة واحدة، ومنع من الاجتماع على شاطئ النّيل للتّفرّج، ومنع من بيع العنب إلاّ أربعة أرطال فما دونها، ومنع من عصره، وطرح كثير منه وديس في الطّرقات، وغرّق كثير منه في النّيل، ومنع من حمله، وقطعت كروم الجيزة كلّها، وسيّر إلى الجهات بذلك (٥). وفي سنة ثلاث وأربع مائة نزع السّعر، وازدحم النّاس على الخبز. وفي ثاني ربيع الأوّل منها هلك عيسى بن نسطورس، فأمر النّصارى بلبس السّواد وتعليق صلبان الخشب في أعناقهم، وأن يكون الصّليب ذراعا في مثله، وزنته خمسة أرطال، وأن يكون مكشوفا بحيث يراه النّاس،

стр. 2595

ومنعوا من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب والسّيور السّود بغير حلية، وأن يشدّوا الزّنانير، ولا يستخدموا مسلما ولا يشتروا عبدا ولا أمة، وتتبّعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدّة (١). وقرّر حسين بن طاهر الوزّان في الوساطة والتّوقيع عن الحاكم في تاسع عشرين ربيع الأوّل منها، ولقّب «أمين الأمناء» ونقش الحاكم على خاتمه: «بنصر اللّه العظيم الوليّ/ ينتصر الإمام أبو عليّ»، وضرب جماعة بسبب اللّعب بالشّطرنج وهدمت الكنائس، وأخذ جميع ما فيها وما لها من الرّباع، وكتب بذلك إلى الأعمال فهدمت بها (٢). وفيها لحق أبو الفتح بمكّة، ودعا للحاكم وضرب السّكّة باسمه (٣). وأمر الحاكم ألاّ يقبّل أحد له الأرض، ولا يقبّل ركابه ولا يده عند السّلام عليه في المواكب، فإنّ الانحناء إلى الأرض لمخلوق من صنيع الرّوم، وألاّ يزاد على قولهم: «السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته»، ولا يصلّي عليه أحد في مكاتبة ولا مخاطبة، ويقتصر في مكاتبته على سلام اللّه وتحيّاته ونوامي بركاته على أمير المؤمنين، ويدعى له بما يتّفق من الدّعاء لا غير. فلم يقل الخطباء يوم الجمعة سوى «اللّهم صلّ على محمد المصطفى، وسلّم على أمير المؤمنين عليّ المرتضى، اللّهم وسلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللّهم اجعل أفضل سلامك على عبدك وخليفتك» (٤). ومنع من ضرب الطّبول والأبواق حول القصر، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق (٥). وكثرت إنعامات الحاكم، فتوقّف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزّان في إمضائها. فكتب إليه الحاكم بخطّه بعد البسملة: «الحمد للّه كما هو أهله: [السريع] أصبحت لا أرجو ولا أتّقي … إلاّ (¬a) إلهي وله الفضل جدّي نبييّ وإمامي أبي … وديني الإخلاص والعدل
следующие страницы →