← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11500

المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار - ت أيمن فؤاد سيد

المقريزي

Полный текст (3 560 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وكتب لهم أمان. ومنع النّاس كافّة من الدّخول من باب القاهرة، (¬a)) وهم ركاب، ومنع المكاريون أن يدخلوا بحميرهم إلى القاهرة (¬a)، ومنع النّاس من المشي ملاصق القصر، وقتل قاضي القضاة حسين بن النّعمان وأحرق بالنّار، وقتل عددا كثيرا من النّاس ضربت أعناقهم (١). وفي سنة ستّ وتسعين خرج أبو ركوة يدعو إلى نفسه، وادّعى أنّه من بني أميّة. فقام بأمره بنو قرّة لكثرة ما أوقع بهم الحاكم وبايعوه، واستجاب له لواتة ومزانة وزناتة، وأخذ برقة، وهزم جيوش الحاكم غير مرّة وغنم ما معهم. فخرج لقتاله القائد فضل بن صالح في ربيع الأوّل وواقعه، فانهزم منه فضل، واشتدّ الاضطراب بمصر، وتزايدت الأسعار. واشتدّ الاستعداد لمحاربة أبي ركوة، ونزلت العساكر بالجيزة، وسار أبو ركوة، فواقعه القائد فضل، وقتل عدّة ممّن معه. فعظم الأمر، واشتدّ الخوف، وخرج النّاس فباتوا بالشّوارع خوفا من هجوم عساكر أبي ركوة. واستمرّت الحروب، فانهزم أبو ركوة في ثالث ذي الحجّة إلى الفيّوم، وتبعه القائد فضل - بعد أن بعث إلى القاهرة بستة آلاف رأس ومائة أسير - إلى أن قبض عليه ببلاد النّوبة، وأحضر إلى القاهرة فقتل بها، وخلع على القائد فضل، وسيّرت البشائر بقتله في الأعمال (٢). وفي سنة سبع وتسعين أمر بمحو سبّ السّلف، فمحي سائر ما كتب من ذلك (٣). وغلت الأسعار لنقص ماء النّيل، فإنّه بلغ ستة عشر أصبعا من سبعة عشر ذراعا ثم نقص (٤). ومات منجوتكين في ذي الحجّة (٥). واشتدّ الغلاء في سنة ثمان وتسعين، وولي عليّ بن فلاح دمشق. وقبض جميع ما هو محبّس على الكنائس وجعل في الدّيوان، وأحرق عدّة صلبان

стр. 2592

على باب الجامع بمصر، وكتب إلى سائر الأعمال بذلك (١). وفي سادس عشر رجب قرّر مالك بن سعيد الفارقي في وظيفة قضاء القضاة، وتسلّم كتب الدّعوة التي تقرأ بالقصر على الأولياء، وصرف عبد العزيز بن النّعمان عن ذلك، وصرف قائد القوّاد الحسين بن جوهر عمّا كان يليه من النّظر في سابع شعبان، وقرّر مكانه صالح بن عليّ الرّوذباري (¬a)، وقرّر في ديوان الشّام مكانه أبو عبد اللّه الموصلي الكاتب، وأمر حسين بن جوهر وعبد العزيز بلزوم دورهما، ومنعا من الرّكوب وسائر أولادهما، ثم عفا عنهما بعد أيّام وأمرا بالرّكوب (٢). وتوقّفت زيادة النّيل، فاستسقى النّاس مرّتين، وأمر بإبطال عدّة مكوس، وتعذّر وجود الخبز لغلائه وقلّته، وفتح الخليج في رابع توت والماء على خمسة عشر/ ذراعا، فاشتدّ الغلاء (٣). وفي تاسع المحرّم - وهو نصف توت - نقص ماء النّيل ولم يوفّ ستة عشر ذراعا، فمنع النّاس من التّظاهر بالغناء، ومن ركوب البحر للتّفرّج، ومنع من بيع المسكرات، ومنع النّاس كافّة من الخروج قبل الفجر وبعد العشاء إلى الطّرقات، واشتدّ الأمر على الكافّة لشدّة ما داخلهم من الخوف، مع شدّة الغلاء وتزايد الأمراض في النّاس والموت (٤). فلمّا كان في رجب انحلّت الأسعار (٥)، و [في رمضان] (¬b) قرئ سجلّ فيه «يصوم الصّائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرّؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم (¬c) فيها يصلّون، وصلاة الضّحى وصلاة التّروايح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون، يخمّس في التّكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التّربيع عليها المربّعون، يؤذّن ب «حيّ على خير العمل» المؤذّنون ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. لا يسبّ أحد من السّلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما وصف والحالف منهم بما حلف، لكلّ مسلم يجتهد (¬d) في دينه اجتهاده» (٦).

стр. 2593

ولقّب صالح بن عليّ الرّوذباري ب «ثقة ثقات السّيف والقلم»، وأعيد القاضي عبد العزيز ابن النّعمان إلى النّظر في المظالم. وتزايدت الأمراض وكثر الموت وعزّت الأدوية، وأعيدت المكوس التي رفعت، وهدمت كنائس كانت بطريق المقس، وهدمت كنيسة كانت بحارة الرّوم من القاهرة ونهب ما فيها وقتل كثير من الخدّام ومن الكتّاب ومن الصّقالبة، بعد ما قطعت أيدي بعض (¬a) من الكتّاب بالسّاطور على الخشبة من وسط الذّراع، وقتل القائد فضل بن صالح في ذي القعدة (١). وفي حادي عشر صفر صرف صالح بن عليّ الرّوذباري (¬b) وقرّر مكانه ابن عبدون النّصراني الكاتب، فوقّع عن الحاكم ونظر، وكتب بهدم كنيسة قمامة، وجدّد ديوان - يقال له «الدّيوان المفرد» - برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم، وكثرت الأمراض، وعزّت الأدوية، وشهّر جماعة وجد عندهم فقّاع وملوخيّة ودلينس وترمس (¬c) وضربوا، وهدم دائر القصر (٢). واشتدّ الأمر على النّصارى واليهود في إلزامهم لبس الغيار، وكتب إبطال أخذ الخمس والنّجاوى، والفطرة، وفرّ الحسين بن جوهر وأولاده وعبد العزيز بن النّعمان، وفرّ أبو القاسم الحسين بن المغربي. وكتبت (¬d) عدّة أمانات لعدّة طوائف من شدّة خوفهم، وقطعت قراءة مجالس الحكمة بالقصر، ووقع التّشديد في المنع من المسكرات، وقتل كثير من الكتّاب والخدّام والفرّاشين، وقتل صالح بن عليّ الرّوذباري (¬c) في شوّال (٣).

стр. 2594

وفي رابع المحرّم سنة إحدى وأربع مائة، صرف الكافي بن عبدون عن النّظر والتّوقيع، وقرّر بدله أحمد بن محمد القشوري الكاتب في الوساطة والسّفارة، وحضر الحسين بن جوهر وعبد العزيز بن النّعمان إلى القاهرة فأكرما، ثم صرف ابن القشوري بعد عشرة أيّام من استقراره وضربت عنقه، وقرّر بدله زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النّصراني، ولقّب بالشّافي (١). ومنع النّاس من الرّكوب في المراكب في الخليج، وسدّت أبواب الدّور التي على الخليج والطّاقات المطلّة عليه، وأضيف إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد النّظر في المظالم، وأعيدت مجالس الحكمة وأخذ مال النّجوى، وقتل ابن عبدون وأخذ ماله، وضرب جماعة وشهروا من أجل بيعهم الملوخيّة والسّمك الذي لا قشر له وبسبب بيع النّبيذ (٢). وقتل الحسين بن جوهر وعبد العزيز بن النّعمان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربع مائة، وأحيط بأموالهما، وأبطلت عدّة مكوس، ومنع النّاس من الغناء واللّهو ومن بيع المغنّيات ومن الاجتماع بالصّحراء (٣). وفي هذه السنة خلع حسّان بن مفرّج بن دغفل بن الجرّاح طاعة الحاكم، وأقام أبا الفتوح حسين بن جعفر الحسني أمير مكّة خليفة، وبايعه ودعا النّاس إلى طاعته ومبايعته، وقاتل عساكر الحاكم (٤). وفي سنة اثنتين وأربع مائة، منع من بيع الزّبيب وكوتب بالمنع من حمله، وألقي في بحر النّيل منه شيء كثير وأحرق شيء كثير. ومنع النّساء من زيارة القبور، فلم ير في الأعياد بالمقابر امرأة واحدة، ومنع من الاجتماع على شاطئ النّيل للتّفرّج، ومنع من بيع العنب إلاّ أربعة أرطال فما دونها، ومنع من عصره، وطرح كثير منه وديس في الطّرقات، وغرّق كثير منه في النّيل، ومنع من حمله، وقطعت كروم الجيزة كلّها، وسيّر إلى الجهات بذلك (٥). وفي سنة ثلاث وأربع مائة نزع السّعر، وازدحم النّاس على الخبز. وفي ثاني ربيع الأوّل منها هلك عيسى بن نسطورس، فأمر النّصارى بلبس السّواد وتعليق صلبان الخشب في أعناقهم، وأن يكون الصّليب ذراعا في مثله، وزنته خمسة أرطال، وأن يكون مكشوفا بحيث يراه النّاس،

стр. 2595

ومنعوا من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب والسّيور السّود بغير حلية، وأن يشدّوا الزّنانير، ولا يستخدموا مسلما ولا يشتروا عبدا ولا أمة، وتتبّعت آثارهم في ذلك فأسلم منهم عدّة (١). وقرّر حسين بن طاهر الوزّان في الوساطة والتّوقيع عن الحاكم في تاسع عشرين ربيع الأوّل منها، ولقّب «أمين الأمناء» ونقش الحاكم على خاتمه: «بنصر اللّه العظيم الوليّ/ ينتصر الإمام أبو عليّ»، وضرب جماعة بسبب اللّعب بالشّطرنج وهدمت الكنائس، وأخذ جميع ما فيها وما لها من الرّباع، وكتب بذلك إلى الأعمال فهدمت بها (٢). وفيها لحق أبو الفتح بمكّة، ودعا للحاكم وضرب السّكّة باسمه (٣). وأمر الحاكم ألاّ يقبّل أحد له الأرض، ولا يقبّل ركابه ولا يده عند السّلام عليه في المواكب، فإنّ الانحناء إلى الأرض لمخلوق من صنيع الرّوم، وألاّ يزاد على قولهم: «السّلام على أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته»، ولا يصلّي عليه أحد في مكاتبة ولا مخاطبة، ويقتصر في مكاتبته على سلام اللّه وتحيّاته ونوامي بركاته على أمير المؤمنين، ويدعى له بما يتّفق من الدّعاء لا غير. فلم يقل الخطباء يوم الجمعة سوى «اللّهم صلّ على محمد المصطفى، وسلّم على أمير المؤمنين عليّ المرتضى، اللّهم وسلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللّهم اجعل أفضل سلامك على عبدك وخليفتك» (٤). ومنع من ضرب الطّبول والأبواق حول القصر، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق (٥). وكثرت إنعامات الحاكم، فتوقّف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزّان في إمضائها. فكتب إليه الحاكم بخطّه بعد البسملة: «الحمد للّه كما هو أهله: [السريع] أصبحت لا أرجو ولا أتّقي … إلاّ (¬a) إلهي وله الفضل جدّي نبييّ وإمامي أبي … وديني الإخلاص والعدل

стр. 2596

المال مال اللّه ، والخلق عباد اللّه، ونحن أمناؤه في الأرض. أطلق أرزاق النّاس ولا تقطعها والسّلام» (١). وركب الحاكم يوم عيد الفطر إلى المصلّى بغير زينة ولا جنائب ولا أبّهة، سوى عشرة أفراس تقاد بسروج ولجم محلاّة بفضّة بيضاء خفيفة، وبنود ساذجة، ومظلّة بيضاء بغير ذهب، عليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر في عمامته، ولم يفرش المنبر، ومنع النّاس من سبّ السّلف، وضرب في ذلك [رجل] (¬a) وشهر، وصلّى صلاة عيد النّحر كما صلّى صلاة عيد الفطر من غير أبّهة، ونحر عنه عبد الرّحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدي، وأكثر الحاكم من الرّكوب إلى الصّحراء بحذاء في رجله وفوطة على رأسه (٢). وفي سنة أربع وأربع مائة ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم جرس إذا دخلوا الحمّام، وأن يكون في أعناق النّصارى صلبان، ومنع النّاس من الكلام في النّجوم، وأقيم المنجّمون من الطّرقات، وطلبوا فتغيّبوا ونفوا. وكثرت هبات الحاكم وصدقاته وعتقه، وأمر اليهود والنّصارى بالخروج من مصر إلى بلاد الرّوم وغيرها (٣). وأقيم عبد الرّحيم بن إلياس وليّ العهد، وأمر أن يقال في السّلام عليه: «السّلام على ابن عمّ أمير المؤمنين ووليّ عهد المسلمين»، وصار يجلس بمكان في القصر، وصار الحاكم يركب بدرّاعة صوف بيضاء، ويتعمّم بفوطة وفي رجله حذاء عربي بقبالين، وعبد الرّحيم يتولّى النّظر في أمور الدّولة كلّها. وأفرط الحاكم في العطاء، وردّ ما كان أخذ من الضّياع والأملاك إلى أربابها (٤). وفي [ثامن عشر] (¬a) ربيع الآخر أمر بقطع يدي أبي القاسم الجرجرائي (¬b)، وكان يكتب للقائد غبن، ثم قطع يد غبن فصار مقطوع اليدين، وبعث إليه الحاكم بعد قطع يديه بألف من الذّهب

стр. 2597

والثّياب، ثم بعد ذلك أمر بقطع لسانه فقطع، وأبطل عدّة مكوس، وقتل الكلاب كلّها، وأكثر من الرّكوب في اللّيل (١). ومنع النّساء من المشي في الطّرقات، فلم تر امرأة في طريق ألبتّة، وأغلقت حمّاماتهن، ومنع الأساكفة من عمل خفافهن، وتعطّلت حوانيتهم. واشتدّت الإشاعة بوقوع السّيف في النّاس فتهاربوا، وغلّقت الأسواق فلم يبع شيء. ودعي لعبد الرّحيم بن إلياس على المنابر، وضربت السّكّة باسمه بولاية العهد (٢). وفي سنة خمس وأربع مائة قتل مالك بن سعيد الفارقي في ربيع الآخر، وكانت مدّة نظره في قضاء القضاة ستّ سنين وتسعة أشهر وعشرة أيّام، وبلغ إقطاعه في السنة خمسة عشر ألف دينار. وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب في كلّ يوم عدّة مرّات، واشترى الحمير وركبها بدل الخيل (٣). وفي جمادى الآخرة منها قتل الحسين بن طاهر الوزّان، فكانت مدّة نظره في الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما، فأمر أصحاب الدّواوين بلزوم دواوينهم. وصار الحاكم يركب حمارا بشاشيّة مكشوفة بغير عمامة، ثم أقام عبد الرّحيم بن أبي السّيّد الكاتب وأخاه أبا عبد اللّه الحسين في الوساطة والسّفارة، وأقرّ في وظيفة قضاء القضاة أحمد بن محمد بن أبي العوّام (٤). وخرج الحاكم عن الحدّ في العطاء حتى أقطع نواتية المراكب والمشاعليّة وبني قرّة، فممّا أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيهما. وقتل ابني أبي السّيّد، فكانت مدّة نظرهما اثنتين وستين يوما. وقلّد الوساطة فضل بن جعفر بن الفرات، ثم قتله في اليوم الخامس من ولايته. وغلب بنو قرّة على الإسكندرية وأعمالها (٥). وأكثر الحاكم من الرّكوب، فركب في يوم ستّ مرات: مرّة على فرس، ومرّة على حمار، ومرّة في محفّة تحمل على الأعناق، ومرّة في عشاري في النّيل بغير عمامة. وأكثر من إقطاع الجند والعبيد الإقطاعات، وأقام ذا الرّياستين قطب الدّولة أبا الحسن عليّ بن جعفر بن فلاح في الوساطة والسّفارة (٦).

стр. 2598

وولي عبد/ الرّحيم بن إلياس دمشق فسار إليها في جمادى الآخرة سنة تسع وأربع مائة، فأقام فيها شهرين، ثم هجم عليه قوم فقتلوا جماعة ممّن عنده، وأخذوه في صندوق وحملوه إلى مصر، ثم أعيد إلى دمشق، فأقام بها إلى ليلة عيد الفطر وأخرج منها (١). فلمّا كان لليلتين بقيتا من شوّال سنة إحدى عشرة وأربع مائة، فقد الحاكم - وقيل إنّ أخته قتلته، وليس بصحيح - وكان عمره ستّا وثلاثين سنة وسبع أشهر، وكانت مدّة خلافته خمسا وعشرين سنة وشهرا، وكان جوادا، سفّاكا للدّماء، قتل عددا لا يحصى، وكانت سيرته من أعجب السّير، وخطب له على منابر مصر والشّام وإفريقيّة والحجاز. وكان يشتغل بعلوم الأوائل، وينظر في النّجوم، وعمل رصدا، واتّخذ بيتا في المقطّم ينقطع فيه عن النّاس لذلك. ويقال إنّه كان يعتريه جفاف في دماغه، فلذلك كثر تناقضه. وما أحسن ما قال فيه بعضهم: «كانت أفعاله لا تعلّل، وأحلام وساوسه لا تؤوّل» (٢). وقال المسبّحيّ: وفي محرّم سنة خمس عشرة وأربع مائة، قبض على رجل من بني حسين ثار بالصّعيد الأعلى، فأقرّ بأنّه قتل الحاكم بأمر اللّه في جملة أربعة أنفس تفرّقوا في البلاد، وأظهر قطعة من جلدة رأس الحاكم، وقطعة من الفوطة التي كانت عليه. فقيل له: لم قتلته؟ فقال: غيرة للّه وللإسلام؛ فقيل له: كيف قتلته؟ فأخرج سكّينا ضرب بها فؤاده فقتل نفسه، وقال: هكذا قتلته. فقطع رأسه، وأنفذ به إلى الحضرة مع ما وجد معه (٣). وهذا هو الصّحيح في خبر قتل الحاكم، لا ما تحكيه المشارقة في كتبهم من أنّ أخته قتلته. جامع الفيلة هذا الجامع بسطح الجرف المطلّ على بركة الحبش - المعروف الآن بالرّصد - بناه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي في شعبان سنة ثمان وتسعين (¬a) وأربع مائة، وبلغت النّفقة على بنائه ستة آلاف دينار (٤).

стр. 2599

وإنّما قيل له جامع الفيلة لأنّ في قبلته تسع قباب في أعلاه ذات قناطر، إذا رآها الإنسان من بعيد شبّهها بمدرّعين على فيلة (١)، كالتي كانت تعمل في المواكب أيّام الأعياد، وعليها السّرير وفوقها المدرّعون، أيّام الخلفاء. ولمّا كمل أقام في خطابته الشّريف الزّكيّ أمين الدّولة أبا جعفر محمد بن محمد بن هبة اللّه ابن عليّ الحسيني الأفطسي النّسّابة الكاتب الشّاعر الطّرابلسي (٢) بعد صرفه من قضاء الغربيّة. فلمّا رقي المنبر في (¬a) أوّل خطبة أقيمت في هذا الجامع، قال: «بسم اللّه الحمد للّه»، وأرتج عليه فلم يدر ما يقول. وكان هناك الشّيخ أبو القاسم عليّ بن منجب بن الصّيرفي الكاتب وولده مختصّ الدّولة أبو المجد، وأبو عبد اللّه بن بركات النّحوي ووجوه الدّولة. فلمّا أضجر من حضر، نزل عن المنبر وقد حمّ، فتقدّم قيّم الجامع وصلّى، ومضى الشّريف إلى داره فاعتلّ ومات (٣). وكان قد ولي قضاء عسقلان وغيرها، ثم قدم إلى مصر فولي الحكم بالمحلّة، وولي ديوان الأحباس. وكان أحد الأعيان الأدباء العارفين بالنّسب، ومن الشّعراء المجيدين والنّحاة اللّغويين. ولد بطرابلس الشّام في سنة اثنتين وستين وأربع مائة، وقدم إلى القاهرة في سنة إحدى وخمس مائة ومدح الأفضل، ومات في سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة وخمس مائة. وقد ترشّح للنّقابة بمصر ولم ينلها مع تطلّعه إليها، وذيّل كتاب أبي الغنائم الزّيدي النّسّابة. ومن شعره بديها، وقد نام مع جاريته على سطوح، فطلع القمر عليهما فارتاعا من كشف الجيران عليهما:

стр. 2600

[الطويل] ولمّا تلاقينا وغاب رقيبنا … ورمت التّشكّي في خلوّ وفي سرّ بدا ضوء بدر فافترقنا لضوئه … فيا من رأى بدرا ينمّ على بدر وأهل المطالب يذكرون أنّ الأفضل وجد بموضع الصّهريج مطلبا، فختم عليه أشهرا إلى أن نقله، وعمله صهريجا وبنى عليه هذا المسجد. وهذا الشّرف الذي عليه جامع الفيلة منظره في غاية الحسن لأنّ في قبليه بركة الحبش، وبستان الوزير المغربي، والعدويّة (١) ودير النّسطورية، وبئر أبي سلامة - وهي بئر مدوّرة برسم الغنم - وبئر النّعش كان يستقي منها أصحاب الرّوايا، وهي بجوار عفصة الصّغرى، وهي بئر أبي موسى بن أبي خليد. وسمّيت بئر النّعش لأنّها على هيئة النّعش، وماؤها يهضم الطّعام وهو أصحّ الأمواه. وشرقيّ هذا الجبل جبل المقطّم، والجبّانة والمعافر والقرافة، وآخر الأكحول، وديحان ورعين والكلاع والأكنوع (¬a). وغربيّ هذا الجبل المعشوق والنّيل، وبستان اليهودي إلى الفيلة (¬b)، وطموه والأهرام وراشدة. وبحريّ هذا الجبل بستان الأمير تميم، وقنطرة خليج بني وائل، ودير المعدّلين، وعقبة يحصب، ومحرس قسطنطين، والشّرف وغير ذلك. وهذا الجامع لا تقام فيه اليوم جمعة ولا جماعة، لخراب/ ما حوله من القرافة وراشدة، وينزل فيه أحيانا طائفة من العرب بإبلهم يقال لهم المسلميّة. وعمّا قليل يدثر كما دثر غيره. جامع المقياس هذا الجامع بجوار مقياس النّيل من جزيرة الفسطاط أنشأه (¬c) (٢).

стр. 2601

_________ = وللأسف الشّديد فقد اختفت جميع هذه العمائر التي شيّدها بدر الجمالي مع التجديدات التي أدخلها عليها كلّ من الصّالح نجم الدّين أيّوب والمؤيّد شيخ المحمودي بعد وصف مارسيل Marcel لها بنحو نصف قرن، ليحلّ محلّها ومحلّ قصر الصّالح نجم الدين أيّوب المجاور لها (فيما تقدم ٥٨٢: ٣ - ٥٨٤) قصر كبير بناه في سنة ١٢٦٧ هـ/ ١٨٥٠ م حسن باشا فؤاد المانسترلي (علي مبارك: الخطط التوفيقية ١٢٣: ٥)، ما تزال بقاياه موجودة في الطرف الجنوبي لجزيرة الرّوضة ويشغله الآن متحف مقتنيات أم كلثوم. وكان يوجد بالجامع الذي شيّده بدر الجمالي ثلاث لوحات تذكارية تحمل تقريبا نصّا واحدا توضّح أنّ أمير الجيوش بدر الجمالي هو الذي أمر ببناء هذا الجامع في رجب سنة ٤٨٥ هـ/ أغسطس ١٠٩٢ م في خلافة المستنصر باللّه نقلها مارسيل وفيما يلي نصّ أحدها: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ﴿وَما تَوْفِيقِي إِلّا بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اَللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَأَقامَ اَلصَّلاةَ وَآتَى اَلزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اَللّهَ فَعَسى أُولائِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ﴾. نصر من اللّه وفتح قريب لعبد اللّه ووليّه معدّ أبي تميم الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطّاهرين وأبنائه الأكرمين. ممّا أمر بإنشاء هذا الجامع المبارك فتاه السّيّد الأجلّ أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين أبو النّجم بدر المستنصري، عضّد اللّه به الدّين وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلى كلمته في رجب سنة خمس وثمانين وأربع مائة. والحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمد وآله الطّاهرين». (راجع، أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٩٩: ٤ هـ ٣؛ علي مبارك: الخطط التوفيقية ٢٧٨: ٥ - ٢٨٠ (١٢٢ - ١٢٣)، ١٣: ١٨؛ Marcel، J.J.، «Memoire sur le Meqyas de l'ile de Roudah»، Description de l'Egypte-Etat moderne XV، Paris ١٨٢٦، pp. ٤٥٩ - ٦٤; van Berchem، M.، CIA Egypte I، n ٠ ٣٠; Wiet.G.، CIA Egypte II، pp. ١٤٦ - ٤٦; id.، RCEA VII، ne s ٢٧٩٤، ٢٧٩٦; Creswell، K.A.C.، MAE I، pp. ٢١٧ - ١٩; Fu'ad Sayyid، A.، La capitale de l'Egypte، pp. ٤٤٧ - ٥١؛ أحمد فكري: مساجد القاهرة ومدارسها ٩٠: ١؛ أيمن فؤاد: «جامع المقياس بجزيرة الرّوضة»، دراسات وبحوث في الآثار والحضارة الإسلامية - الكتاب التذكاري للآثاري عبد الرحمن عبد التواب، القاهرة ٢٠٠١، ٩: ٢ - ١٨).

стр. 2602

الجامع الأقمر (¬a) (١) [أثر رقم ٣٣] قال ابن عبد الظّاهر: كان مكانه علاّفون والحوض مكان المنظرة، فتحدّث المأمون ابن البطائحي (¬b) في إنشائه جامعا. فلم يترك قدّام القصر دكانا، وبنى تحت الجامع دكاكين ومخازن من جهة باب الفتوح لا من صوب القصر. وكمل الجامع المذكور في أيّامه، وذلك في سنة تسع عشرة وخمس مائة، وذكر أنّ اسم الآمر والمأمون عليه (¬c)) إلى الآن. انتهى (¬c) (٢).

стр. 2603

وقال غيره: واشترى له حمّام شمول ودار النّحاس بمصر وحبسهما على سدنته ووقود مصابيحه ومن يتولّى أمره ويؤذّن فيه. (¬a)) قال كاتبه: شاهدت لوحا بأعلى محراب الجامع المذكور فيه اسم الآمر وتاريخ بنائه على ما ذكر ابن عبد الظّاهر، وفيه ذكر تجديد السّلطان الملك الظّاهر بيبرس له في سنة (¬a). ولم تكن فيه خطبة لكنّه يعرف بالجامع الأقمر. فلمّا كان في شهر رجب سنة تسع وتسعين وسبع مائة، جدّده (¬b)) صديقنا الأمير الوزير المشير الأستادّار يلبغا بن عبد اللّه السّالمي، ﵀ (¬b) أحد المماليك الظّاهريّة، وأنشأ بظاهر بابه البحري حوانيت يعلوها طباق للسّكنى (¬c)، وجدّد في صحن الجامع بركة لطيفة يصل إليها الماء من ساقية، وجعلها مرتفعة ينزل منها الماء إلى من يتوضّأ من بزابيز نحاس، (¬b)) بنى له منارة وعمل به منبرا للخطبة في يوم الجمعة والعيدين (¬b). فكانت أوّل جمعة جمعت فيه (¬d)) يوم الجمعة (¬d) رابع شهر رمضان من السنة المذكورة. وخطب فيه شهاب الدّين أحمد بن موسى الحلبي - أحد نوّاب القضاة الحنفية - وأرتج عليه، واستمرّ إلى أن مات في تاسع (¬e) عشرين شهر ربيع الأوّل سنة إحدى (١) (٢)

стр. 2604

وثمان مائة. وبنى على يمنة المحراب البحري مئذنة، وبيّض الجامع كلّه، ودهن صدره بلا زورد وذهب. فقلت له: قد أعجبني ما صنعت بهذا الجامع، ما خلا تجديد الخطبة فيه وعمل بركة الماء، فإنّ الخطبة غير محتاج إليها هاهنا لقرب الخطب من هذا الجامع، وبركة الماء تضيّق الصّحن، وقد أنشأت ميضأة بجوار بابه الذي من جهة الرّكن المخلّق. فاحتجّ لعمل المنبر بأنّ ابن الطّوير قال في كتاب «نزهة المقلتين في أخبار الدّولتين» عند ذكر جلوس الخليفة في المواليد السّتّة: ويقدّم خطيب الجامع الأزهر فيخطب كذلك، ثم يحضر خطيب الجامع الأقمر ويخطب كذلك (١). قال: فهذا أمر قد كان في الدّولة الفاطميّة، وما أنا بالذي أحدثته، وأمّا البركة ففيها عون على الصّلاة لقربها من المصلّين. وجعل فوق المحراب لوحا مكتوبا فيه ما كان فيه أوّلا، وذكر فيه تجديده لهذا الجامع، ورسم فيه نعوته وألقابه، وجدّد أيضا حوض هذا الجامع الذي تشرب منه الدّوابّ، وهو في ظهر الجامع تجاه الرّكن المخلّق.

стр. 2605

وبئر هذا الجامع قديمة قبل الملّة الإسلامية، كانت في دير من ديارات النّصارى بهذا الموضع. فلمّا قدم القائد جوهر بجيوش المعزّ لدين اللّه، في سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة، أدخل هذا الدّير في القصر - وهو موضع الرّكن المخلّق تجاه الحوض المذكور - وجعل هذه البئر ممّا ينتفع به في القصر؛ وهي تعرف ببئر العظام، وذلك أنّ جوهرا نقل من الدّير المذكور عظاما كانت فيه من رمم قوم يقال إنّهم من الحواريين، فسمّيت بئر العظام، والعامّة تقول إلى اليوم بئر العظمة، وهي بئر كبيرة في غاية السّعة. وأوّل ما أعرف من إضافتها إلى الجامع الأقمر أنّ العماد الدّمياطي ركّب على فوّهتها هذه المحالّ التي بها الآن، وهي من جيّد المحالّ، وكان تركيبها بعد السبع مائة في أيّام قاضي القضاة عزّ الدّين عبد العزيز ابن جماعة الشّافعيّ. وبهذا الجامع درس (¬a)) للشّافعيّة ولا أعرف من رتّبه، وهو مستمرّ به إلى الآن وكان بيد قاضي القضاة بدر الدّين بن جماعة الشّافعي ثم بيد أولاده من بعده وهو إلى الآن (¬a) من قديم الزّمان. ولم تزل مئذنته التي جدّدها السّالمي والبركة إلى سنة خمس عشرة وثمان مائة، فولي نظر الجامع بعض الفقهاء، فرأى هدم المئذنة من أجل ميل حدث بها فهدمها، وأبطل الماء من البركة لإفساد الماء بمروره جدار الجامع القبلي. والخطبة قائمة به إلى الآن. الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ المنصور ابن المستعلي باللّه أبي القاسم أحمد بن المستنصر باللّه أبي تميم معدّ بن الظّاهر لإعزاز دين اللّه أبي الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه أبي

стр. 2606

عليّ منصور (١) - ولد يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرّم سنة تسعين وأربع مائة، وبويع له بالخلافة يوم مات أبوه وهو طفل له من العمر خمس سنين وشهر (¬a) وأيّام في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة خمس وتسعين. أحضره الأفضل بن أمير الجيوش وبايع له ونصبه مكان أبيه، ونعته ب «الآمر بأحكام اللّه». وركب الأفضل فرسا وجعل في السّرج شيئا وأركبه عليه لينمو شخص الآمر، وصار ظهره في حجر الأفضل، فلم يزل تحت حجره حتى قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمس مائة. فاستوزر بعده القائد أبا عبد اللّه محمد/ بن فاتك البطائحي، ولقّبه ب «المأمون» فقام بأمر دولته إلى أن قبض عليه في ليلة السّبت رابع شهر رمضان سنة تسع عشر وخمس مائة (٢). فتفرّغ الآمر لنفسه، ولم يبق له ضدّ ولا مداج (¬b)، وبقي بغير وزير، وأقام صاحبي ديوان: أحدهما جعفر بن عبد المنعم (¬c)) ابن أبي قيراط (¬c)، والآخر سامريّ يقال له أبو يعقوب إبراهيم، ومعهما مستوف يعرف بابن أبي نجاح كان راهبا. ثم تحكّم هذا الرّاهب في النّاس وتمكّن من الدّواوين، فابتدأ في مطالبة النّصارى، وحقّق في جهاتهم الأموال وحملها أوّلا فأوّلا. ثم أخذ في مصادرة بقيّة المباشرين والمعاملين والضّمناء والعمّال، وزاد إلى أن عمّ ضرره جميع الرّؤساء والقضاة والكتّاب والسّوقة، بحيث لم يخل أحد من ضرره. فلمّا تفاقم أمره قبض عليه الآمر، وضرب بالنّعال حتى مات بالشّرطة، فجرّ إلى كرسي الجسر وسمّر على لوح وطرح في النّيل وجذّف حتى خرج إلى البحر الملح (٣).

стр. 2607

فلمّا كان يوم الثلاثاء رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وثب جماعة على الآمر وقتلوه كما ذكر عند خبر الهودج (١). وكان كريما سمحا إلى الغاية، كثير النّزهة، محبّا للمال والزّينة؛ وكانت أيّامه كلّها لهوا وعيشة راضية لكثرة عطائه وعطاء حواشيه، بحيث لم يوجد بمصر والقاهرة إذ ذاك من يشكو زمانه ألبتّة إلى أن نكّد بالرّاهب على النّاس، فقبحت سيرته وكثر ظلمه واغتصابه للأموال. وفي أيّامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل الشّام. فملكت عكّا في شعبان سنة سبع وتسعين، وعرقة (¬a) في رجب سنة اثنتين وخمس مائة، وطرابلس في ذي الحجّة منها، وبانياس وجبيل وقلعة تبنين فيها أيضا، وملكوا صور في سنة ثمان عشرة وخمس مائة (٢). وكثرت المرافعات في أيّامه، وأحدثت رسوم لم تكن، وعمّر الهودج بالرّوضة ودكّة ببركة الحبش، وعمّر تنّيس ودمياط، وجدّد قصر القرافة. وكانت نفسه تحدّثه بالسّفر والغارة إلى بغداد، ومن شعره في ذلك (٣): [الطويل] دع اللّوم عنّي لست منّي بموثق … فلا بدّ لي من صدمة المتحقّق وأسقي جيادي من فرات ودجلة … وأجمع شمل الدّين بعد التّفرّق وقال: [الطويل] أما والذي حجّت إلى ركن بيته … جراثيم ركبان مقلّدة شهبا لأقتحمنّ الحرب حتّى يقال لي … ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا وينزل روح اللّه عيسى بن مريم … فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا وكان أسمر شديد السّمرة، يحفظ القرآن ويكتب خطّا ضعيفا. وهو الذي جدّد رسوم الدّولة وأعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل أبطل ذلك ونقل الدّواوين والأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر، كما ذكر هناك (٤).

стр. 2608

وقضاته: ابن ذكا النّابلسي، ثم نعمة بن بشير، ثم الرّشيد محمد بن قاسم الصّقلّي، ثم الجليس نعمة بن بشير النّابلسي، ثم صرفه ثانيا بمسلم بن الرّسعني، وعزله بأبي الحجّاج يوسف ابن أيّوب المغربي ثم مات، فولّي محمد بن هبة اللّه بن ميسّر. وكتّاب إنشائه: سناء الملك أبو محمد الزّيدي (¬a) الحسني، والشّيخ أبو الحسن بن أبي أسامة، وتاج الرّئاسة أبو القاسم بن الصّيرفي، وابن أبي الدّم اليهودي. وكان نقش خاتمه «الإمام الآمر بأحكام اللّه أمير المؤمنين»، ووقع في آخر أيّامه غلاء قلق النّاس منه. وكان جريئا على سفك الدّماء وارتكاب المحظورات واستحسان القبائح. وقتل وعمره أربع وثلاثون سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما: منها مدّة خلافته تسع وعشرون سنة وثمانية أشهر ونصف، وما زال محجورا عليه حتى قتل الأفضل. وكان يركب للنّزهة دائما عند ما استبدّ في يومي السبت والثلاثاء، ويتحوّل في أيّام النّيل بحرمه إلى اللّؤلؤة على الخليج (١)، واختصّ بغلاميه برغش وهزّار الملوك (٢). يلبغا السّالمي أبو المعالي عبد اللّه الأمير سيف الدّين الحنفي الصّوفي الظّاهريّ (٣) - كان اسمه في بلاده يوسف، وهو حرّ الأصل، وآباؤه مسلمون. فلمّا جلب من بلاد المشرق سمّي يلبغا، وقيل له السّالمي نسبة إلى سالم تاجره الذي جلبه. فترقّى في خدم السّلطان الملك الظّاهر برقوق إلى أن ولاّه نظر الخانكاه الصّلاحية (¬b) سعيد السّعداء في ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وسبع مائة، فأخرج كتاب الوقف، وقصد أن يعمل بشرط الواقف وأخرج منها جماعة من بياض النّاس. فجرت أمور ذكرت في خبر الخانكاه (¬c) (٤).

стр. 2609

وفي سابع عشرين صفر سنة ثمان مائة، أنعم عليه الملك الظّاهر بإمرة عشرة عوضا عن الأمير بهادر فطيس، (¬a)) بحكم انتقاله (¬a) إلى إمرة طبلخاناة، ثم جعله ناظرا على الخانقاه الشّيخونية بالصّليبة في تاسع شعبان سنة إحدى وثمان مائة. فعسف بمباشريها، وأراد حملهم على مرّ الحقّ فنفرت منه القلوب. / ولمّا مرض الظّاهر (¬b) جعله أحد الأوصياء على تركته، فقام بتحليف المماليك السّلطانية للملك النّاصر فرج بن برقوق، والإنفاق عليهم بحضرة النّاصر، فأنفق عليهم كلّ دينار من حساب أربعة وعشرين درهما. ولمّا انقضت النّفقة نودي في البلد أنّ يكون (¬c) صرف كلّ دينار ثلاثون درهما، ومن امتنع نهب ماله وعوقب، فحصل للنّاس من ذلك شدّة. وكان قد كثر القبض على الأمراء بعد موت الظّاهر، فتحدّث مع الأمير الكبير أيتمش، القائم بتدبير دولة النّاصر فرج بعد موت أبيه، في أن يكون على كلّ أمير من المقدّمين: خمسون ألف درهم، وعلى كلّ أمير من الطّبلخانات (¬d): عشرون ألف درهم، وعلى كلّ أمير عشرة: خمسة آلاف درهم، وعلى كلّ أمير خمسة: ألفا درهم وخمس مائة درهم. فرسم بذلك وعمل به مدّة أيّام النّاصر، وحصل به رفق للأمراء ومباشريهم. ثم خلع عليه واستقرّ أستادّار السّلطان، عوضا عن الأمير الوزير تاج الدّين عبد الرّزّاق بن أبي الفرج الملكي في يوم الاثنين ثالث عشرين ذي القعدة من السنة المذكورة. فأبطل تعريف منية بني خصيب، وضمان العرصة وأخصاص الغسّالين (¬e)، وكتب بذلك مرسوما سلطانيّا، وبعث به إلى والي الأشمونين، وأبطل وفر (¬f) الشّون السّلطانية، وما كان مقرّرا على البرددار وهو في الشهر سبعة آلاف درهم، وما كان مقرّرا على مقدّم المستخرج وهو في الشهر ثلاثة آلاف درهم. وكانت سماسرة الغلال تأخذ ممّن يشتري شيئا من الغلّة على كلّ أردبّ درهمين سمسرة وكيالة ولواحة وأمانة، فألزمهم ألاّ يأخذوا عن كلّ أردبّ سوى نصف درهم، وهدّد على ذلك بالغرامة والعقوبة. وركب في صفر سنة ثلاث وثمان مائة إلى ناحية المنية وشبرا الخيمة من الضّواحي بالقاهرة، وكسر منها ما ينيف على أربعين ألف جرّة خمر، وخرّب بها كنيسة كانت للنّصارى، وحمل عدّة جرار فكسرها تحت قلعة الجبل وعلى باب زويلة،

стр. 2610

وشدّد على النّصارى، فلم يمكّنه أمراء الدّولة من حملهم على الصّغار والمذلّة في ملبسهم. وأمر فضرب الذّهب، كلّ دينار زنته مثقال واحد، وأراد بذلك إبطال ما حدث من المعاملة بالذّهب الأفرنجي (١) فضرب ذلك، وتعامل النّاس به مدّة، وصار يقال «دينار سالمي» (¬a)، إلى أن ضرب النّاصر فرج دنانير وسمّاها «النّاصريّة» (٢)، وصار يحكم في الأحكام الشّرعيّة. فقلق منه أمراء الدّولة وقاموا في ذلك، فمنع من الحكم إلاّ فيما يتعلّق بالدّيوان المفرد وغيره ممّا هو من لوازم الأستادّار.

стр. 2611

وأخذ في مخاشنة الأمراء عند ما عاد النّاصر فرج وقد انهزم من تيمور لنك، وشرع في إقامة شعار المملكة والنّفقة على العساكر التي رجعت منهزمة. فأخذ من بلاد الأمراء وبلاد السّلطان عن كلّ ألف دينار فرسا أو خمس مائة درهم ثمنها، وجبى من أملاك القاهرة ومصر وظواهرهما أجرة شهر، وأخذ من الرّزق (١) عن كلّ فدّان عشرة دراهم، وعن الفدّان من القصب المزروع والقلقاس والنّيلة نحو مائة درهم، وجبى من البساتين عن كلّ فدّان مائة درهم. وقام بنفسه وكبس الحواصل ليلا ونهارا ومعه جماعة من الفقهاء وغيرهم، وأخذ ممّا فيها من الذّهب والفضّة والفلوس نصف ما يجد - سواء كان صاحب المال غائبا أو حاضرا - فعمّ ذلك أموال التّجّار والأيتام وغيرهم من سائر من وجد له مال، وأخذ ما كان في الجوامع والمدارس وغيرها من الحواصل. فشمل النّاس من ذلك ضرر عظيم، وصار يؤخذ من كلّ مائة درهم ثلاثة دراهم عن أجرة صرف، وستة دراهم عن أجرة الرّسول، وعشرة دراهم عن أجرة نقيب. فنفرت منه القلوب، وانطلقت الألسن بذمّه والدّعاء عليه. وعرض مع ذلك الجند، وألزم من له قدرة على السّفر بالتّجهّز للسّفر إلى الشّام لقتال تيمور لنك، ومن وجده عاجزا عن السّفر ألزمه بحمل نصف متحصّل إقطاعه. فقبض عليه في يوم الاثنين رابع عشر رجب سنة ثلاث وثمان مائة، وسلّم للقاضي سعد الدّين إبراهيم ابن غراب، وقرّر مكانه في الأستادّارية. فلم يزل إلى يوم عيد الفطر من السنة المذكورة، فأمر بإطلاقه بعد أن عصر (¬a) وأهين إهانة كبيرة، ثم قبض عليه وضرب ضربا مبرّحا حتى أشفى على الموت (٢).

стр. 2612

وأطلق في نصف ذي القعدة وهو مريض، فأخرج إلى دمياط وأقام بها مدّة، ثم أحضر إلى القاهرة، وقلّد وظيفة الوزارة في سنة خمس وثمان مائة وجعل مشيرا (١). فأبطل مكوس النّحيرة (¬a) - وهو ما يؤخذ على ما يذبح من البقر والغنم - واستعمل في أموره العسف، وترك مداراة الأمراء واستعجل. فقبض عليه وعوقب، وسجن إلى أن أخرج في رمضان سنة سبع وثمان مائة، وقلّد وظيفة الإشارة - وكانت للأمير جمال الدّين يوسف الأستادّار - فلم يترك عادته في الإعجاب برأيه، والاستبداد بالأمور، واستعجال الأشياء قبل أوانها. فقبض عليه في ذي الحجّة منها، وسلّم للأمير جمال الدّين يوسف، فعاقبه وبعث به إلى الإسكندرية، فسجن بها إلى أن سعى جمال الدّين في قتله، بمال بذله للنّاصر فيه حتى أذن له في ذلك، فقتل خنقا عصر يوم الجمعة - وهو صائم - السّابع عشر من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثمان مائة -/ ﵀ (¬b)) عن بضع وثلاثين سنة (¬b). وكان كثير النّسك من الصّلاة والصّوم والصّدقة. لا يخلّ بشيء من نوافل العبادات، ولا يترك قيام اللّيل سفرا ولا حضرا، ولا يصلّي قطّ إلاّ بوضوء جديد، وكلّما أحدث توضّأ، وإذا توضّأ صلّى ركعتين. وكان يصوم يوما ويفطر يوما، ويخرج في كثرة الصّدقات عن الحدّ، ويقرأ في كلّ ثلاثة أيّام ختمة، ولا يترك أوراده في حال من الأحوال مع المروءة والهمّة. وسمع كثيرا من الحديث، وقرأ بنفسه على المشايخ، وكتب الخطّ المليح، وقرأ القراءات السّبع، وعرف التّصوّف والفقه والحساب والنّجوم، إلاّ أنّه كان متهوّرا في أخذ الأموال، عسوفا لجوجا مصمّما، لا ينقاد إلى أحد، ويستبدّ برأيه فيغلط غلطات لا تحتمل، ويستخفّ بغيره، ويعجب بنفسه، ويريد أن يجعل غاية الأمور بدايتها. فلذلك لم يتمّ له أمر.

стр. 2613

جامع الظّافر [أثر رقم ١٠٩] هذا الجامع بالقاهرة (١) في وسط السّوق الذي كان يعرف قديما بسوق السّرّاجين، ويعرف اليوم بسوق الشّوّائين. كان يقال له «الجامع الأفخر»، ويقال له اليوم «جامع الفكّاهين» (¬a)، وهو من المساجد الفاطميّة. عمّره الخليفة الظّافر بنصر اللّه أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الآمر بأحكام اللّه منصور، ووقف حوانيته على سدنته ومن يقرأ فيه. قال ابن عبد الظّاهر: بناه الظّافر، وكان قبل ذلك زريبة تعرف بدار الكباش، وبناه في سنة ثلاث وأربعين وخمس مائة. وسبب بنائه أنّ خادما رأى من مستشرف (¬b) عال ذبّاحا وقد أخذ رأسين من الغنم، فذبح أحدهما ورمى سكينته، وراح (¬c) ليقضي حاجته، فأتى رأس الغنم الآخر وأخذ السّكّين بفمه ورماها في البلاّعة (¬d)، فجاء الجزّار يطوف على السّكّين فلم يجدها، وأمّا الخادم فإنّه استصرخ وخلّصه منه. وطولع بهذه القضيّة أهل القصر، فأمروا بعمله جامعا، ويسمّى «الجامع الأفخر»، وبه حلقة تدريس وفقهاء ومتصدّرون للقرآن. وأوّل ما أقيمت به الجمعة في (¬e) (٢).

стр. 2614

(¬a)) وبه تصدير قراءات ولا أعلم من رتّبه، وتصدّر به جماعة، وممّن تصدّر به الشّيخ كمال الدّين أحمد المحلّي، والشّيخ نور الدّين علي بن ظهير بن شهاب المعروف بالكفتيّ، والشّيخ شمس الدّين بن السّرّاج الكاتب المقرئ، وشيخنا تقي الدّين البغدادي، رحم اللّه الجميع (¬a). جامع الصّالح [أثر رقم ١١٦] هذا الجامع من المواضع التي عمّرت في زمن الخلفاء الفاطميّين، وهو خارج باب زويلة (١). قال ابن عبد الظّاهر: كان الصّالح طلائع بن رزّيك - لمّا خيف على مشهد الإمام الحسين ﵁ إذ كان بعسقلان من هجمة الفرنج، وعزم على نقله - قد بنى هذا الجامع ليدفنه به. فلمّا فرغ منه لم يمكّنه الخليفة من ذلك، وقال: لا يكون إلاّ داخل القصور الزّاهرة، وبنى المشهد الموجود الآن ودفن به (٢).

стр. 2615

وتمّ الجامع المذكور، واستمرّ جلوس زين الدّين الواعظ به وحضور الصّالح إليه. فيقال: إنّ الصّالح لما حضرته الوفاة جمع أهله وأولاده، وقال لهم في جملة وصيّته: ما ندمت قطّ في شيء عملته إلاّ في ثلاثة: الأول بنائي هذا الجامع على باب القاهرة فإنّه صار عونا عليها (¬a)، والثّاني توليتي لشاور الصّعيد الأعلى، والثّالث خروجي إلى بلبيس بالعساكر وإنفاقي الأموال الجمّة، ولم أتمّ بهم إلى الشّام وأفتح بيت المقدس، وأستاصل شأفة (¬b) الفرنج. وكان قد أنفق في العساكر في تلك الدّفعة مائتي (¬c) ألف دينار. وبنى في الجامع المذكور صهريجا عظيما، وجعل ساقية على الخليج قريب باب الخرق تملأ الصّهريج المذكور أيّام النّيل، وجعل المجاري إليه.

стр. 2616

(١) وأقيمت الجمعة فيه في الأيّام المعزّيّة في سنة بضع وخمسين وستّ مائة بحضور رسول بغداد الشّيخ نجم الدّين عبد اللّه البادراني (٢)، وخطب به أصيل الدّين أبو بكر الأسعردي وهي إلى الآن. ولمّا حدثت الزّلزلة سنة اثنتين وسبع مائة تهدّم (٣)، فعمّر على يد الأمير سيف الدّين بكتمر الجوكندار (٤). طلائع بن رزّيك أبو الغارات الملك الصّالح، فارس المسلمين، نصير الدّين (٥) - قدم في أوّل أمره إلى زيارة مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب ﵁ بأرض النّجف من العراق، في جماعة من الفقراء، وكان من الشّيعة الإماميّة، وإمام مشهد عليّ -

стр. 2617

﵁ يومئذ السّيّد ابن معصوم (١). فزار طلائع وأصحابه، وباتوا هنالك. فرأى ابن معصوم في منامه عليّ بن أبي طالب ﵁ وهو يقول له: قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا من جملتهم رجل يقال له طلائع بن رزّيك من أكبر محبّينا، قل له اذهب فقد ولّيناك مصر. فلمّا أصبح أمر أن ينادى: من فيكم طلائع بن رزّيك فليقم إلى السّيّد ابن معصوم. فجاء طلائع وسلّم عليه، فقصّ عليه ما رأى. فسار حينئذ إلى مصر، وترقّى في الخدم حتى ولي منية بني خصيب. فلمّا قتل نصر بن عبّاس الخليفة الظّافر، بعث نساء القصر إلى طلائع يستغثن به في الأخذ بثأر الظّافر، وجعلن في طيّ الكتب شعور النّساء. فجمع طلائع عند ما وردت عليه الكتب النّاس، وسار يريد القاهرة لمحاربة الوزير عبّاس. فعندما قرب من البلد فرّ عبّاس، ودخل طلائع إلى القاهرة، فخلع عليه خلع الوزارة، ونعت ب «الملك الصّالح فارس المسلمين نصير/ الدّين» فباشر البلاد أحسن مباشرة، واستبدّ بالأمر لصغر سنّ الخليفة الفائز بنصر اللّه إلى أن مات. فأقام من بعده عبد اللّه ابن محمد، ولقّبه بالعاضد لدين اللّه، وبايع له، وكان صغيرا لم يبلغ الحلم، فقويت حرمة طلائع، وازداد تمكّنه من الدّولة. فثقل على أهل القصر لكثرة تضييقه عليهم، واستبداده بالأمر دونهم، فوقف له رجال بدهاليز القصر، وضربوه حتى سقط على الأرض على وجهه، وحمل جريحا لا يعي إلى داره، فمات يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان سنة ستّ وخمسين وخمس مائة. وكان شجاعا كريما، جوادا فاضلا، محبّا لأهل الأدب جيّد الشّعر، رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا. وكان مهابا في شكله عظيما في سطوته، وجمع أموالا عظيمة، وكان محافظا على الصّلوات فرائضها ونوافلها، شديد المغالاة في التّشيّع. صنّف كتابا سمّاه «الاعتماد في الرّدّ على أهل العناد»، جمع له الفقهاء وناظرهم عليه، وهو يتضمّن إمامة عليّ بن أبي طالب ﵁ والكلام على الأحاديث الواردة في ذلك. وله شعر كثير يشتمل على مجلّدين في كلّ فنّ، فمنه في اعتقاده:

стр. 2618

[الكامل] يا أمّة، سلكت ضلالا بيّنا … حين (¬a) استوى إقرارها وجحودها ملتم إلى أنّ المعاصي لم تكن … إلاّ بتقدير الإله وجودها لو صحّ ذا كان الإله بزعمكم … منع الشّريعة أن تقام حدودها حاشا وكلاّ أن يكون إلهنا … ينهى عن الفحشاء ثمّ يريدها وله قصيدة سمّاها «الجوهريّة في الرّدّ على القدريّة». وجدّد الجامع الذي بالقرافة الكبرى، ووقف ناحية بلقس: على أن يكون ثلثاها على الأشراف من بني حسن وبني حسين ابني عليّ بن أبي طالب ﵃ وسبع قراريط منها على أشراف المدينة النّبويّة، وجعل فيها قيراطا على بني معصوم إمام مشهد عليّ ﵁ (١). ولمّا ولي الوزارة مال على المستخدمين بالدّولة وعلى الأمراء، وأظهر مذهب الإمامية وهو مخالف لمذهب القوم، وباع ولايات الأعمال للأمراء بأسعار مقرّرة، وجعل مدّة كلّ متولّ ستة أشهر. فتضرّر النّاس من كثرة تردّد الولاة على البلاد، وتعبوا من ذلك. وكان له مجلس في اللّيل يحضره أهل العلم ويدوّنون شعره، ولم يترك مدّة أيّامه غزو الفرنج وتسيير الجيوش لقتالهم في البرّ والبحر، وكان يخرج البعوث في كلّ سنة مرارا. وكان يحمل في كلّ عام إلى أهل الحرمين مكّة والمدينة من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسوة وغيرها، حتى يحمل إليهم ألواح الصّبيان التي يكتب فيها، والأقلام والمداد وآلات

стр. 2619

النّساء، ويحمل كلّ سنة إلى العلويين الذين بالمشاهد جملا كبيرة. وكان أهل العلم يغدون إليه من سائر البلاد، فلا يخيّب أمل قاصد منهم. ولمّا كان في اللّيلة التي قتل صبيحتها قال: في هذه الليلة ضرب في مثلها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ﵁. وأمر (¬a)) بقراءة مقتله (¬a)، فاغتسل وصلّى على رأي الإمامية مائة وعشرين ركعة أحيا بها ليله، وخرج ليركب، فعثر وسقطت عمامته عن رأسه وتشوّشت؛ فقعد في دهليز دار الوزارة، وأمر بإحضار ابن الضّيف - وكان يتعمّم للخلفاء والوزراء وله على ذلك الجاري الثّقيل - فلمّا أخذ في إصلاح العمامة، قال رجل للصّالح: نعيذ باللّه مولانا، ويكفيه هذا الذي جرى أمرا يتطيّر منه، فإن رأى مولانا أن يؤخّر الرّكوب فعل؛ فقال: الطّيرة من الشّيطان، ليس إلى تأخير الرّكوب سبيل. وركب فكان من ضربه ما كان، وعاد محمولا، فمات منها كما تقدّم. ذكر الأحباس وما كان يعمل فيها - اعلم أنّ الأحباس في القديم لم تكن تعرف إلاّ في الرّباع وما يجري مجراها من المباني، وكلّها كانت على جهات برّ. فأمّا المسجد الجامع العتيق بمصر، فكان يلي إمامته في الصّلوات الخمس، والخطابة فيه يوم الجمعة والصّلاة بالنّاس صلاة الجمعة، أمير البلد: فتارة يجمع للأمير بين الصّلاة والخراج، وتارة يفرد الخراج عن الأمير، فيكون الأمير إليه أمر الصّلاة بالنّاس والحرب، ولآخر أمر الخراج وهو دون مرتبة أمير الصّلاة والحرب. وكان الأمير يستخلف عنه في الصّلاة صاحب الشّرطة إذا شغله أمر. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن ولي مصر عنبسة بن إسحاق بن شمر، من قبل المنتصر (¬b) ابن المتوكّل، على الصّلاة والخراج. فقدمها لخمس خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وأقام إلى مستهلّ رجب سنة اثنتين وأربعين ومائتين وصرف (١). فكان آخر من ولي مصر من العرب، وآخر أمير صلّى بالنّاس في المسجد الجامع، وصار يصلّي بالنّاس رجل يرزق من بيت المال، وكذلك المؤذّنون ونحوهم. وأمّا الأراضي فلم يكن سلف الأمّة من الصّحابة والتّابعين يتعرّضون لها، وإنّما حدث ذلك بعد عصرهم./ حتّى إنّ أحمد بن طولون لمّا بنى الجامع والمارستان والسّقاية، وحبس على ذلك

стр. 2620

الأحباس الكثيرة، لم يكن فيها سوى الرّباع ونحوها بمصر، ولم يتعرّض إلى شيء من أراضي مصر ألبتّة. وحبس أبو بكر محمد بن علي الماذرائي (¬a) بركة الحبش وسيوط وغيرهما على الحرمين وعلى جهات برّ، وحبس غيره أيضا. فلمّا قدمت الدّولة الفاطميّة من المغرب (¬b) إلى مصر، بطل تحبيس البلاد، وصار قاضي القضاة يتولّى أمر الأحباس من الرّباع، وإليه أمر الجوامع والمشاهد، وصار للأحباس ديوان مفرد. وأوّل ما قدم المعزّ أمر في ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وثلاث مائة بحمل مال الأحباس من المودع إلى بيت المال الذي لوجوه البرّ، وطولب أصحاب الأحباس بالشّرائط ليحملوا عليها وما يجب لهم فيها. وللنّصف من شعبان ضمن الأحباس محمد بن القاضي أبي الطّاهر محمد بن أحمد، بألف ألف وخمس مائة ألف درهم في كلّ سنة، يدفع إلى المستحقّين حقوقهم، ويحمل ما بقي إلى بيت المال (١). وقال ابن الطّوير: «الخدمة في ديوان الأحباس» - وهي (¬c) أوفر الدّواوين مباشرة، ولا يخدم فيه إلاّ أعيان كتّاب المسلمين من الشّهود المعدّلين بحكم أنّها معاملة دينية - وفيها عدّة مدبّرين ينوبون عن أرباب هذه الخدم في إيجاب أرزاقهم من ديوان الرّواتب، وينتجزون (¬d) لهم الخروج بإطلاق أرزاقهم. ولا يوجب لأحد من هؤلاء خرج إلاّ بعد حضور ورقة التّعريف من جهة مشارف الجوامع والمساجد باستمرار خدمته ذلك الشهر جميعه، ومن تأخّر تعريفه تأخّر الإيجاب له، وإن تمادى ذلك استبدل به أو توفّر ما باسمه لمصلحة أخرى، خلا جواري المشاهد فإنّها لا توفّر، لكنّها تنقل من مقصّر إلى ملازم. وكان يطلق لكلّ مشهد خمسون درهما في الشهر برسم الماء لزوّارها، ويجري من معاملة سواقي السّبيل بالقرافة والنّفقة عليها من ارتفاعه، فلا تخلو المصانع ولا الأحواض من الماء أبدا، ولا يعترض أحد في (¬e) الانتفاع به. وكان فيه كاتبان ومعينان (٢).

стр. 2621

وقال المسبّحيّ في حوادث سنة ثلاث وأربع مائة: وأمر الحاكم بأمر اللّه بإثبات المساجد التي لا غلّة لها ولا أحد يقوم بها، وما له منها غلّة لا تقوم بما يحتاج إليه، فأثبت في عمل ورفع إلى الحاكم بأمر اللّه. فكانت عدّة المساجد على الشّرح المذكور ثمان مائة وأحد وثلاثون (¬a) مسجدا، ومبلغ ما تحتاج إليه من النّفقة في كلّ شهر تسعة آلاف ومائتان وعشرون درهما، على أنّ لكلّ مسجد في كلّ شهر اثني عشر درهما (١). وقال في حوادث سنة خمس وأربع مائة: وقرئ يوم الجمعة ثامن عشرين صفر سجلّ بتحبيس عدّة ضياع - وهي إطفيح وصول وطوخ، وستّ ضياع أخر، وعدّة قياسر وغيرها - على القرّاء والفقهاء والمؤذّنين بالجوامع، وعلى المصانع والقوّام بها، ونفقة المارستانات وأرزاق المستخدمين فيها، وثمن الأكفان (٢). وقال الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني: كان القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيّام، طافوا يوما على المساجد والمشاهد بمصر والقاهرة: يبدأون بجامع المقس، ثم القاهرة، ثم المشاهد، ثم القرافة، ثم جامع مصر، ثم مشهد الرّأس لنظر حصر ذلك وقناديله وعمارته وما تشعّث منه. وما زال الأمر على ذلك إلى أن زالت الدّولة الفاطميّة. فلمّا استقرّت دولة بني أيّوب، أضيفت الأحباس أيضا إلى القاضي. ثم تفرّقت جهات الأحباس في الدّولة التّركيّة، وصارت إلى يومنا هذا ثلاث جهات: الأولى تعرف ب «الأحباس»: ويلي هذه الجهة دوادار السّلطان وهو أحد الأمراء، ومعه ناظر الأحباس ولا يكون إلاّ من أعيان الرّؤساء، وبهذه الجهة ديوان فيه عدّة كتّاب ومدبّر. وأكثر ما في ديوان الأحباس «الرّزق الأحباسيّة» - وهي أراض من أعمال مصر - على المساجد والزّوايا للقيام بمصالحها، وعلى غير ذلك من جهات البرّ (٣). وبلغت «الرّزق الأحباسيّة» (٤) في سنة أربعين وسبع مائة، عند ما حرّرها النّشو ناظر الخاصّ في

стр. 2622

أيّام الملك النّاصر محمد بن قلاوون، مائة ألف وثلاثين ألف فدّان (١). عمل بها النّشو أوراقا، وحدّث السّلطان في إخراجها عمّن هي باسمه، وقال له (¬a): جميع هذه الرّزق أخرجها الدّواوين بالبراطيل، والتّقرّب إلى الأمراء والحكّام، وأكثرها بأيدي أناس من فقهاء الأرياف لا يدرون الفقه، يسمّون أنفسهم الخطباء ولا يعرفون كيف يخطبون، ولا يقرأون القرآن، وكثير منها بأسماء مساجد وزوايا معطّلة وخراب. وحسّن له أن يقيم شادّا وديوانا يسير في النّواحي، وينظر في المساجد التي هي عامرة، ويصرف لها من رزقها النّصف، وما عدا ذلك يجري في ديوان السّلطان. فعاجله اللّه، وقبض عليه قبل عمل شيء من ذلك (٢). الجهة الثّانية تعرف ب «الأوقاف الحكميّة» بمصر والقاهرة: ويلي هذه الجهة قاضي القضاة الشّافعيّ، وفيها ما حبس من الرّباع على الحرمين وعلى الصّدقات والأسرى وأنواع القرب. ويقال لمن يتولّى هذه الجهة «ناظر الأوقاف»: فتارة ينفرد بنظر أوقاف مصر والقاهرة رجل واحد من أعيان نوّاب القاضي، وتارة ينفرد بأوقاف القاهرة ناظر من الأعيان ويلي نظر أوقاف مصر/ آخر، ولكلّ من أوقاف البلدين ديوان فيه كتّاب وجباة.

стр. 2623

وكانت جهة عامرة يتحصّل منها أموال جمّة، فيصرف منها لأهل الحرمين أموال عظيمة في كلّ سنة، تحمل من مصر إليهم مع من يثق به قاضي القضاة، وتفرّق هناك صررا، ويصرف منها أيضا بمصر والقاهرة لطلبة العلم ولأهل السّتر وللفقراء شيء كثير، إلاّ أنّها اختلّت وتلاشت في زمننا هذا، وعمّا قليل إن دام ما نحن فيه لم يبق لها أثر ألبتّة (١). وسبب ذلك أنّه ولي قضاء الحنفيّة كمال الدّين عمر بن العديم (٢) في أيّام الملك النّاصر فرج، وولاية الأمير جمال الدّين يوسف [الأستادّار] (¬a) تدبير الأمور والمملكة، فتظاهرا معا على إتلاف الأوقاف. فكان جمال الدّين إذا أراد أخذ وقف من الأوقاف، أقام شاهدين يشهدان بأنّ هذا المكان يضرّ بالجار والمارّ، وأنّ الحظّ (¬b)) والمصلحة (¬b) فيه أن يستبدل به غيره فيحكم له قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم باستبدال ذلك (٣). وشره جمال الدّين في هذا الفعل كما شره في غيره، فحكم له المذكور باستبدال القصور العامرة والدّور الجليلة بهذه الطّريقة. والنّاس على دين ملكهم. فصار كلّ من يريد بيع وقف أو شراء وقف، سعى عند القاضي المذكور بجاه أو مال، فيحكم له بما يريد من ذلك. واستدرج غيره من القضاة إلى نوع آخر، وهو أن تقام شهود القيمة فيشهدون بأنّ هذا الوقف ضارّ بالجار والمارّ، وأنّ الحظّ والمصلحة في بيعه أنقاضا. فيحكم قاض شافعي المذهب ببيع تلك الأنقاض. واستمرّ الأمر على هذا إلى وقتنا هذا الذي نحن فيه، ثم زاد بعض سفهاء قضاة زمننا في المعنى، وحكم ببيع المساجد الجامعة إذا خرب ما حولها، وأخذ ذرّيّة واقفها ثمن أنقاضها، وحكم آخر منهم ببيع الوقف ودفع الثّمن لمستحقّه من غير شراء بدل. فامتدّت الأيدي لبيع

стр. 2624

الأوقاف حتّى تلف بذلك سائر ما كان في قرافتي مصر من التّرب، وجميع ما كان من الدّور الجليلة والمساكن الأنيقة بمصر الفسطاط، ومنشأة المهراني ومنشأة الكتّاب، وزربيّة قوصون، وحكر ابن الأثير، وسويقة الموفّق، وما كان في الحكورة من ذلك، وما كان بالجوّانيّة والعطوفيّة وغيرها من حارات القاهرة وغيرها. فكان ما ذكر أحد أسباب الخراب كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب (١). الجهة الثّالثة «الأوقاف الأهليّة»: وهي التي لها ناظر خاصّ؛ إمّا من أولاد الواقف أو من ولاة السّلطان أو القاضي. وفي هذه الجهة الخوانك والمدارس والجوامع والتّرب، وكان متحصّلها قد خرج عن الحدّ في الكثرة لما حدث في الدّولة التّركيّة من بناء المدارس والجوامع والتّرب وغيرها، وصاروا يفردون أراضي من أعمال مصر والشّامات وفيها بلاد مقوّرة (¬a) (٢)، ويقيمون صورة يتملّكونها بها، ويجعلونها وقفا على مصارف كما يريدون. فلمّا استبدّ الأمير برقوق بأمر بلاد مصر، قبل أن يتلقّب باسم السّلطنة، همّ بارتجاع هذه البلاد، وعقد مجلسا فيه شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني، وقاضي القضاة بدر الدّين محمد بن أبي البقاء وغيره، فلم يتهيّأ له ذلك. فلمّا جلس على تخت الملك صار أمراؤه يستأجرون هذه النّواحي من جهات الأوقاف، ويؤجّرونها للفلاّحين بأزيد ممّا استأجروا. فلمّا مات الظّاهر فحش الأمر في ذلك، واستولى أهل الدّولة على جميع الأراضي الموقوفة بمصر والشّامات، وصار أجودهم من يدفع فيها لمن يستحق ريعها عشر ما يحصل له، وإلاّ فكثير منهم لا يدفع شيئا ألبتّة، لا سيّما ما كان من ذلك في بلاد الشّام، فإنّه استهلك وأخذ. ولذلك كان أسوأ النّاس حالا في هذه المحن التي حدثت منذ سنة ستّ وثمان مائة الفقهاء، لخراب الموقوف عليهم وبيعه، واستيلاء أهل الدّولة على الأراضي (٣).

стр. 2625

الجامع بجوار تربة الشّافعيّ بالقرافة هذا الجامع كان مسجدا صغيرا، فلمّا كثر النّاس بالقرافة الصّغرى، عند ما عمّر السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب المدرسة بجوار قبر الإمام الشّافعيّ ﵁ وجعل لها مدرّسا وطلبة (١) زاد الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب في المسجد المذكور، ونصب به منبرا، وخطب فيه، وصلّيت الجمعة به في سنة سبع وستّ مائة. جامع محمود بالقرافة هذا المسجد قديم، والخطبة فيه متجدّدة، وينسب لمحمود بن سالم بن مالك الطّويل، من أجناد السّريّ بن الحكم أمير مصر بعد سنة مائتين من الهجرة (٢). قال القضاعيّ: المسجد المعروف بمحمود، يقال إنّ محمودا هذا كان رجلا جنديّا من جند السّريّ بن الحكم أمير مصر، وإنّه هو الذي بنى هذا المسجد. وذلك أنّ السّريّ بن الحكم ركب يوما فعارضه رجل في طريقه فكلّمه ووعظه بما غاظه، فالتفت عن يمينه فرأى محمودا فأمره بضرب عنق/ الرجل، ففعل. فلمّا رجع محمود إلى منزله تفكّر وندم، وقال: رجل يتكلّم بموعظة بحقّ فيقتل بيدي وأنا طائع غير مكره على ذلك! فهلاّ امتنعت؟ وكثر أسفه وبكاؤه، وآلى على نفسه أن يخرج من الجنديّة ولا يعود فيها، ولم ينم ليلته من الغمّ والنّدم. فلمّا أصبح غدا إلى السّرىّ فقال له: إنّي لم أنم في هذه الليلة على قتل الرّجل، وأنا أشهد اللّه وأشهدك أنّي لا أعود في الجنديّة، فأسقط اسمي منهم، وإن أردت نعمتي فهي بين يديك. وخرج من بين يديه، وحسنت توبته، وأقبل على العبادة، واتّخذ

стр. 2626

المسجد المعروف بمسجد محمود وأقام فيه (١). وقال ابن المتوّج: «المسجد الجامع المشهور بمحمود (¬a) بسفح المقطّم»، هذا الجامع من المساجد الحظية (¬b)، وهو بسفح الجبل المقطّم بالقرافة الصّغرى (٢). وأوّل من خطب فيه السّيّد الشّريف شهاب الدّين الحسين بن محمد قاضي العسكر والمدرّس بالمدرسة النّاصريّة الصّلاحيّة بجوار جامع عمرو - وبه عرفت بالشّريفيّة - وسفير [كذا] الخلافة المعظّمة. وتوفي في شوّال سنة خمس وخمسين وستّ مائة، وكان أيضا نقيب الأشراف (٣). جامع الرّوضة بقلعة جزيرة الفسطاط قال ابن المتوّج: هذا الجامع عمّره السّلطان الملك الصّالح نجم الدّين أيّوب. وكان أمام بابه كنيسة تعرف بابن لقلق بترك اليعاقبة، وكان بها بئر مالحة، وذلك ممّا عدّ من عجائب مصر أنّ في وسط النّيل جزيرة بوسطها بئر مالحة. وهذه البئر التي رأيتها كانت قبالة باب المسجد الجامع، وإنّما ردمت بعد ذلك (٤). وهذا الجامع لم يزل بيد بني الرّدّاد، ولهم نوّاب عنهم فيه. ثم لمّا كانت أيّام السّلطان الملك المؤيّد شيخ المحمودي هدم هذا الجامع في شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة، ووسّعه بدور كانت إلى جانبه، وشرع في عمارته فمات قبل الفراغ منه (٥).

стр. 2627

جامع غبن (¬a) بالرّوضة قال ابن المتوّج: المسجد الجامع بروضة مصر يعرف بجامع غبن (¬a)، وهو القديم، ولم تزل الخطبة قائمة فيه إلى أن عمّر جامع (¬b) المقياس (١) فبطلت الخطبة منه، ولم تزل الخطبة بطّالة منه إلى الدّولة الظّاهريّة. فكثرت عمائر النّاس حوله في الرّوضة، وقلّ النّاس في القلعة، وصاروا يجدون مشقّة في مشيهم من أواخر (¬c) الرّوضة. وعمّر الصّاحب محيي الدّين أحمد ولد الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن حنّا (٢) داره على خوخة الفقيه نصر قبالة هذا الجامع؛ فحسن له إقامة الجمعة في هذا الجامع لقربه منه ومن النّاس، فتحدّث مع والده، فشاور السّلطان الملك الظّاهر بيبرس فوقع منه بموقع - لكثرة ركوبه بحر النّيل، واعتنائه بعمارة الشّواني ولعبها في البحر، ونظره إلى كثرة الخلائق بالرّوضة - ورسم بإقامة الخطبة فيه مع بقاء الخطبة بجامع القلعة لقوّة نيّته في عمارتها على ما كانت عليه. فأقيمت الخطبة به في سنة ستين وستّ مائة. وولي خطابته أقضى القضاة جمال الدّين ابن الغضاري (¬d) الغفاري، وكان ينوب بالجيزة في الحكم، ثم ناب في الحكم بمصر عن قاضي القضاة وجيه الدّين البهنسي، وكان إمامه في حال عطلته من الخطبة، فلمّا أقيمت فيه الخطبة، أضيفت إليه الخطابة فيه مع الإمامة (٣).

стр. 2628

غبن (¬a) أحد خدّام الخليفة الحاكم بأمر اللّه. خلع عليه في تاسع ربيع الآخر سنة اثنتين وأربع مائة وقلّده سيفا، وأعطاه سجلاّ قرئ فإذا فيه أنّه لقّب ب «قائد القوّاد»، وأمر أن يكتب بذلك ويكاتب به، وركب وبين يديه عشرة أفراس بسروجها ولجمها (١). وفي ذي القعدة من السنة المذكورة، أنفذ إليه الحاكم خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا بسروجها ولجمها، وقلّده الشّرطتين والحسبة بالقاهرة ومصر والجيزة، والنّظر في أمور الجميع وأموالهم وأحوالهم كلّها، وكتب له سجلاّ بذلك قرئ بالجامع العتيق. فنزل إلى الجامع ومعه سائر العسكر والخلع عليه، وحمل على فرسين. وكان في سجلّه مراعاة أمر النّبيذ وغيره من المسكرات، وتتبّع ذلك والتّشديد فيه، وفي المنع من عمل الفقّاع وبيعه، ومن أكل الملوخيّة والسّمك الذي لا قشر له، والمنع من الملاهي كلّها، والتّقدّم بمنع النّساء من حضور الجنائز والمنع من بيع العسل، وألاّ يتجاوز في بيعه أكثر من ثلاثة أرطال لمن لا يسبق إليه ظنّه أن يتّخذ منه مسكرا. فاستمرّ ذلك إلى غرّة صفر سنة أربع وأربع مائة، فصرف عن الشّرطتين والحسبة بمظفّر الصّقلبي (¬b) (٢).

стр. 2629

فلمّا كان يوم الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر منها، أمر بقطع يدي كاتبه أبي القاسم عليّ ابن أحمد الجرجرائي (¬a) فقطعتا جميعا؛ وذلك أنّه كان يكتب عند السّيّدة الشّريفة أخت الحاكم، فانتقل من خدمتها إلى خدمة غبن (¬b) خوفا على نفسه من خدمتها فسخطت لذلك، فبعث إليها يستعطفها ويذكر في رقعته شيئا وقفت عليه، فارتابت منه فظنّت أنّ ذلك حيلة عليها، وأنفذت الرّقعة في طيّ رقعتها إلى الحاكم، فلمّا وقف عليها اشتدّ غضبه، وأمر بقطع يديه جميعا فقطعتا. وقيل بل كان غبن (¬b) هو الذي يوصّل رقاع عقيل، صاحب الخبر، إلى الحاكم في كلّ يوم. / فيأخذها من عقيل وهي مختومة بخاتمه، ويدفعها لكاتبه أبي القاسم الجرجرائي (¬a) حتى يخلو له وجه الحاكم، فيأخذها حينئذ من كاتبه ويوقفه عليها. وكان الجرجرائي (¬a) يفكّ الختم ويقرأ الرّقاع (¬c)) ويعيد ختمها (¬c)، فلمّا كان في يوم من الأيّام فكّ رقعة، فوجد فيها طعنا على غبن (¬c) أستاذه وقد ذكر فيها بسوء، فقطع ذلك الموضع وأصلحه وأعاد ختم الرّقعة. فبلغ ذلك عقيلا صاحب الخبر، فبعث إلى الحاكم يستأذنه في الاجتماع به خلوة في أمر مهم، فأذن له وحدّثه بالخبر، فأمر حينئذ بقطع يدي الجرجرائي (¬a) فقطعتا. ثم بعد قطع يديه بخمسة عشر يوما في ثالث جمادى الأولى، قطعت يد غبن (¬b) الأخرى. وكان قد أمر بقطع يده قبل ذلك بثلاث سنين وشهر، فصار مقطوع اليدين معا. ولمّا قطعت يده حملت في طبق إلى الحاكم، فبعث إليه بالأطباء، ووصله بألوف من الذّهب وعدّة من أسفاط ثياب، وعاده جميع أهل الدّولة. فلمّا كان ثالث عشره أمر بقطع لسانه فقطع وحمل إلى الحاكم، فسيّر إليه الأطبّاء، ومات بعد ذلك. جامع الأفرم قال ابن المتوّج: هذا الجامع بسفح الرّصد (١)، عمّره الأمير عزّ الدّين أيبك بن عبد اللّه - المعروف بالأفرم - أمير جاندار الملكي الصّالحي النّجمي، في شهور سنة ثلاث وستين وستّ مائة، لمّا عمّر المنظرة هناك، وعمّر بجوارها رباطا للفقراء وقرّرهم عدّة تنعقد بهم الجمعة، وقرّر إقامتهم

стр. 2630

فيه ليلا ونهارا، وقرّر كفايتهم وإعانتهم على الإقامة، وعمّر لهم هذا الجامع يستغنون به عن السّعي إلى غيره. وذكر أنّ الأفرم أيضا عمّر مسجدا بجسر الشّعيبيّة، في شعبان سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة وجامعا هدم فيه عدّة مساجد (١). الجامع بمنشأة المهراني قال ابن المتوّج: والسّبب في عمارة هذا الجامع أنّ القاضي الفاضل كان له بستان عظيم فيما بين ميدان اللّوق وبستان الخشّاب (٢) الذي أكله البحر، وكان يمير مصر والقاهرة من ثماره وأعنابه، ولم تزل الباعة ينادون على العنب «رحم اللّه الفاضل يا عنب» إلى مدّة سنين عديدة بعد أن أكله البحر (٣). وكان قد عمّر إلى جانبه جامعا وبنى حوله، فسمّيت بمنشأة الفاضل، وكان خطيبه أخا الفقيه موفّق الدّين بن المهدوي الدّيباجي العثماني، وكان قد عمّر بجواره دارا وبستانا وغرس فيه أشجارا حسنة. ودفع إليه فيه ألف دينار مصرية في أوّل الدّولة الظّاهريّة، وكان الصّرف قد بلغ في ذلك الوقت كلّ دينار ثمانية وعشرين درهما ونصف درهم نقرة. فاستولى البحر على الجامع والدّار والمنشأة، وقطع جميع ذلك حتى لم يبق له أثر. وكان خطيبه موفّق الدّين يسكن بجوار الصّاحب بهاء الدّين عليّ بن محمد بن حنّا، ويتردّد إليه وإلى والده محيي الدّين، فوقف وضرع إليهما وقال: أكون غلام هذا الباب ويخرب جامعي. فرحمه الصّاحب وقال: السّمع والطّاعة، يدبّر اللّه. ثم فكّر في هذه البقعة التي فيها هذا الجامع الآن، وكانت تعرف بالكوم الأحمر، مرصدة لعمل أقمنة الطّوب الآجرّ، وبه سمّي (¬a) بالكوم الأحمر.
следующие страницы →